العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الاستشراف والحوكمة الطاقية للانتقال الطاقي السويسري في أفق عام 2050: بعض الدروس المستفادة عربيًا

الاستشراف والحوكمة الطاقية للانتقال الطاقي السويسري في أفق عام 2050: بعض الدروس المستفادة عربيًا

Forecasting and Energy Governance for the Swiss Energy Transition on the 2050 Horizon Some Useful Lessons for the Arabs

قاسم حجاج

الملخّص

ملخص:  تتقدم معظم دول العالم ببطءٍ في طريق تبنّي إستراتيجية مستقبلية وطنية للانتقال الطاقي، فقد تقدمت بعض الدول في هذا الاتجاه بنجاح يغري بالمحاكاة. ففي 21 أيار/ مايو 2017، صوّت مواطنو دولة سويسرا الكونفدرالية ضمن استفتاء شعبي، عبر الاستبيانات العامة والانتخابات، ب "نعم" بنسبة 58 في المئة على مشروع "الإستراتيجية الوطنية الطاقية إلى أفق عام 2050". تمثل هذه التجربة الرائدة ل "الانتقال الطاقي" نموذجًا جديرًا بالدراسة والاحتذاء عربيًا وعالميًا، مع مراعاة الفوارق في الإمكانات والسياقات. ومن ثم، تتناول هذه الورقة عملية وضع إستراتيجيات الانتقال الطاقي، بوصفها مسألة مركبة ومعقدة للغاية، لا تجري من دون مقاومات للتغيير عبر عقودٍ من الاعتمد الكلي على المصادر الأحفورية.

Abstract

Abstract:  Most of the world's countries are stalling in the adoption of a future national strategy for an energy transition. Some states, however, have made progress to be emulated. On May 21, 2017, for instance, the citizens of Switzerland voted 58 percent yes in a referendum on the proposed "National Energy Strategy 2050". This pioneering experience of energy transition is a model worth studying and emulating on the Arab and global level, while respecting the different possibilities and contexts. Accordingly, this paper deals with the process of drawing up an energy transition strategy, taken as a highly complex matter which cannot take place without resistance to change after decades of total reliance on fossil-fuel sources.

الكلمات المفتاحية:
  • الانتقال الطاقي
  • الاستشراف الإستراتيجي
  • الحوكمة الطاقية
  • سويسرا
  • الدول العربية
Keywords:
  • Energy transition
  • Strategic Foresight
  • Energy Governance
  • Switzerland
  • Arab Countries.

بعض الدروس المستفادة عربيًا Forecasting and Energy Governance for the Swiss Energy Transition on the 2050 Horizon

كلمت مفتاحية:  الانتقال الطاقي، الاستشراف الإستراتيجي، الحوكمة الطاقية، سويسرا، الدول العربية.

مقدمة

بينم تقدم السلطات العمومية لمعظم دول العالم رِجلً وتؤخر أخرى في طريق تبنّي إستراتيجية مستقبلية وطنية للانتقال الطاقي، فإن بعض الدول تقدمت في هذا الاتجاه بخطى حثيثة وبنجاحات تغري بالمحاكاة. ففي 21 أيار/ مايو 2017، صوّت مواطنو دولة سويسرا الكونفدرالية ضمن استفتاء شعبي، عبر الاستبيانات العامة والانتخابات، ب "نعم" بنسبة 58 في المئة، على مشروع "الإستراتيجية الوطنية الطاقية إلى أفق عام 2050". تمثل هذه التجربة الرائدة في مجال الحوكمة الاستشرافية والطاقية التي جمعت بين مسارَي الاستشراف الإستراتيجي وممرسة الحوكمة الطاقية في وضع أسس السياسة العامة لعملية "الانتقال الطاقي"، نموذجًا جديرًا بالدراسة والاحتذاء عربيًا وعالميًا، مع مراعاة الفوارق في الإمكانات والعوائق والسياقات. ذلك أن عملية وضع إستراتيجيات الانتقال الطاقي مسألة مركبة ومعقدة للغاية، وهي لا تجري من دون مقاومات للتغيير الذي يشمل السياسات الطاقية المعتمدة منذ ما يزيد على ستين عامًا، والتي طالما اعتمدت على المصادر الأحفورية والنووية. وتكتسي التجربة السويسرية في وضع إستراتيجية للانتقال الطاقي أهميتها عالميًا من كونها مختبرًا عمليًا يجدر محاكاته بذكاء، خاصة في الدول الشبيهة بخصائصها باعتبارها دولة قارية صغيرة ومفتقرة إلى الموارد الطاقية، ولكن معتمدة على قدراتها العلمية وإمكاناتها والخبرات المجتمعية الذاتية، المتراكمة عبر التاريخ. كم أن أهميتها تأتي أيضًا من نتائج الحوار العلمي والاقتصادي والاجتمعي والسياسي الذي طالما جمع فاعلي الأمة السويسرية ضمن ورشات النقاش المستمر، من أجل النظر معًا بعلمية ومسؤولية ومشاركة ديمقراطية فاعلة، إلى المستقبل الطاقي الوطني المشترك. ومنه تحاول هذه الدراسة الإجابة عن الأسئلة التالية: ما معالم الخطة الاستشرافية الطاقية لعام 2050 المتبناة في دولة سويسرا، من أجل تحقيق انتقال طاقي مدروس وسلس؟ وكيف استخدمت السلطات العمومية السويسرية بنجاح أساليب الحوكمة من أجل إقناع المواطنين بجدواها؟ وما إمكان الاحتذاء بالتجربة الاستشرافية السويسرية في الانتقال الطاقي على مستوى الدول العربية؟ وسنفترض، من أجل ذلك، أن التجربة السويسرية في بناء سياسة عامة للانتقال الطاقي باستخدام ورشات الاستشراف الإستراتيجي الطاقي، تأتي استجابةً لمعايير الحوكمة الطاقية، وأنه على الرغم من الفوارق الكائنة في مستويات التطور الصناعي والحضاري وأولوياته في الحالتين، فإنها تجربة جديرة بالاحتذاء عربيًا.

أولً: السياقات والعوامل الدافعة لاستشراف الانتقال الطاقي يف سويسرا

لقد تضافرت عدة عوامل حفزت على إطلاق سيرورة الانتقال الطاقي في سويسرا؛ إذ انطلق التفكير الجاد لاستشراف مستقبل الطاقة فيها منذ عقود. وقد تبلورت إستراتيجية الطاقة لعام 2050 في سويسرا تدريجيًا وفي سياقات دافعة عديدة.

1. سياق تتالي حوادث المفاعلات النووية وقِدم المحطات النووية السويسرية

إذا كانت كارثة انفجار المفاعل النووي في مدينة فوكوشيم اليابانية، إثر تعرضها لزلزال وتسونامي عظيميَن في 11 آذار/ مارس 2011، تمثل بالنسبة إلى السلطات الوطنية والرأي العام في الدول كافة صدمة عظمى من زاوية الأمن الإيكولوجي الراهن والمستقبلي، فإن الصدمة كانت بالنسبة إلى السلطات السويسرية وسائر فاعلي عوالم الاقتصاد والمجتمع المدني والهيئات العلمية، الحدث القطيعة والصدمة المحركة؛ إذ أصبحت بداية الإعلان الرسمي والشعبي الشجاع عن إطلاق سيرورة الانتقال الطاقي في أفق عام.2050 والواقع أن الصدمة المتعلقة بالأمن النووي والإيكولوجي بُعيد كارثة فوكوشيم اليابانية ليست الوحيدة بالنسبة إلى سويسرا؛ فتتالي الكوارث النووية المتعلقة بالأمن التقني للمفاعلات النووية، خاصة منها كارثة انفجار مفاعل تشيرنوبل بأوكرانيا السوفياتية سابقًا عام 1986، ثم أخيرًا وليس آخرًا، التسونامي الذي أتى على مفاعل فوكوشيم عام 2011، فضلً عن حوادث المفاعلات النووية المتكررة في أوروبا في الجوار السويسري كفرنسا، إضافة إلى التخوفات المتزايدة من تداعيات محتملة لقِدم المفاعلات النووية السويسرية الخمسة التي بلغت سن الشيخوخة، وبداية العد التنازلي لتفكيكها، تمهيدًا لدخول عصر ما بعد الطاقة النووية في سويسرا.

2. تتالي الصدمات والصدمات المضادة النفطية وبدايات غروب حضارة الطاقة الأحفورية

مع تحدي تتالي الصدمات النفطية في الدول المستهلكة للنفط (مثل سويسرا، وألمانيا، واليابان) والصدمات المضادة النفطية للدول المنتجة للنفط، وذلك منذ السبعينيات إلى اليوم، تأثرت سويسرا باعتبارها بلدًا مستهلكًا للطاقة الأحفورية بحالة الاستقطاب الجيوسياسي، الناتجة من احتكار القلة للدول النفطية النامية المنتجة للنفط (دول أوبك، وغير أوبك) من جهة، واحتكار القلة للدول المصنعة المستهلكة للنفط التي أنشأت "الوكالة الدولية للطاقة" عام 1974 إثر الصدمة النفطية الأولى التي اعتمدت على إستراتيجيات تنمية بدائل طاقية، من جهة أخرى. كم تأثرت سويسرا بالمنافسة الشرسة خلال الفترة 2000 -2014  بين القوى الصناعية التقليدية الغربية الشملية أساسًا والقوى الصناعية الصاعدة الشرقية والجنوبية في عدة مصادر للقوة، منها مصادر الطاقة التقليدية الأحفورية، بما فيها تلك المستخرجة بتقنية التصديع الأفقي لاستخراج الغاز والبترول الصخري Oil & Gaz Schist، فضلً عن أهمية الطاقة المنتجة من الاندماج النووي، بدلً من الانفجار النووي. إلا أن الأهمية النسبية لهذه المصادر الطاقية التقليدية الملوثة، لم تفتأ تتراجع، مع استكشاف مصادر للطاقة غير الملوثة وبتقنيات اقتصادية كالطاقة الشمسية والرياحية والموجية والبيولوجية (النباتية والنفايات الصناعية والمنزلية). ومنه، يتأكد تدريجيًا أن "الانتقال الطاقي" سيرورة جزئية مهمة ضمن سيرورة انتقال حضاري، تاريخي عالمي أكبر، تبشر بتحول البشرية من نمط الحضارة المعتمدة طاقيًا على المصادر الأحفورية أساسًا إلى نمط

الحضارة ذات المصادر الطاقية غير الأحفورية؛ ومن مصادر الثروة المادية غير المتجددة وغير المستدامة إلى مصادر الثروة المادية وغير المادية المتجددة والمستدامة. كل ذلك دفع نخب عدة دول كسويسرا إلى استباق إنذار غروب حضارة المحروقات والاستعداد لاقتناص بشائرها وضمن استمرار مكانتها باعتبارها دولة صناعية مزدهرة في حضارة ما بعد المحروقات الصاعدة. أو هو، بعبارةٍ أخرى، تحول ثقافي حضاري كوكبي ينقل البشرية من حالة حضارية عالمية قائمة على محاكاة قسرية وإرادية لمسلمت النموذج الثقافي الحداثي الغربي، إلى حالة البحث العالمي عن مسلمت حداثية أو بعد حداثية جديدة؛ ومنه، التحول الجاري من تثمين مكتسبات الثورات الصناعية السابقة منذ القرن السابع عشر، إلى مراجعة أخطائها وإفراطاتها وتزامن سيرورة الانتقال نحو ثورات صناعية ثالثة ورابعة، قائمة على المعارف والتكنولوجيات والطاقات الجديدة والمتجددة1.

3. تزايد مؤشرات الاختلال المناخي الكوكبي وتتالي قمم المناخ منذ عام 1992

منذ صدور تقرير نادي روما عام 1970 حول حدود النمو، وتقرير برونتلاند الأممي حول التنمية المستدامة عام 1987، ومع تأكد مؤشرات حدوث الاختلالات المناخية كوكبيًا، تتالت قمم الأرض والاستدامة والمناخ، منذ قمة الأرض بالبرازيل في عام 1992، إلى قمم المناخ المتتالية، وأهمها قمة كوبنهاغن المناخية الأممية في عام 2009، وقمة المناخ الأممية بباريس في عام.2016 وفي كل مرة يزداد التأكد شملً وجنوبًا من حقائق تلك الاختلالات البيئية والمناخية، ممثلة بالفيضانات والأعاصير والحرائق المدمرة المتكررة؛ والتصحر المتزايد؛ وشح المياه وموجات الجفاف الطويل المدى؛ والمجاعات وأزمة الغذاء؛ واللجوء والهجرة المناخيين داخل البلدان وخارجها؛ والتلوث بكافة أشكاله؛ والعنف الحضري والأهلي؛ والتضخم المزمن والمتزايد... إلخ. وهي مظاهر وآثار ناتجة من عوامل عدة، منها، عولمة نمط رأسملي استهلاكي غير بيئي وغير مستدام، وعدم تحمل إدارات الشركات الاقتصادية العامة والخاصة مسؤولياتها في حمية البيئة وغيرها.

4. التحول الكبير من النسق الدولي "الويستفالي" إلى النسق الدولي المعولم "ما بعد الويستفالي"

تأثر التحول الكبير المتدرج للنسق الدولي كثيرًا بتداعيات ديناميكية العولمة كونها سيرورة موضوعية تاريخية ومستمرة، وبتداعيات أزمات العولمة النيوليبرالية باعتبارها إرادة لقوى معولمة معينة، منذ

  1. انظر: ميتشيو كاكو، رؤى مستقبلية: كيف سيغير العلم حياتنا في القرن الواحد والعشرين، ترجمة سعد الدين خرفان، سلسلة عالم المعرفة 270 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2001)، خاصة ص 30 - 31، ص 417 -.424

آخرها المتمثّلة بأزمة الرهن العقاري في تشرين الأول/ أكتوبر 2007؛ تحوّلٌ يتزامن أيضًا مع تغير مركز الرأسملية العالمية من البلدان الصناعية الأوروبية الأصل، إلى البلدان الصاعدة في الشرق الآسيوي والمحيط الهادئ؛ أي تحول غير مكتمل حاليًا من النسق الدولي الأحادي القطبية إلى النسق الدولي المعولم المتعدد الأقطاب؛ أي إنه على صفيح ساخن من التوترات والرهانات الجيوسياسية والجيوستراتيجية والجيو اقتصادية والجيوثقافية المتتالية والمتسارعة. ومنه، تفسير ما نشهده من تنافس بين القوى الصناعية الكلاسيكية والقوى الصناعية الصاعدة في افتكاك حالات احتكار القلة وضمن حصص مربحة لأجيالها في الأسواق الناشئة لتكنولوجيات الطاقة الجديدة والمتجددة، وكسب قصب السبق في وضع معايير التكنولوجيات والتشريعات لهذا الانتقال الطاقي المؤلم والواعد في الوقت نفسه.

ثانيًا: مفهوم الانتقال الطاقي ووقفات عند سيرورات انتقال طاقي وطنية رائدة

تأتي سيرورة الانتقال الطاقي العالمية الراهنة في سياق تحول حضاري عظيم يؤسس لإطار معرفي، أو في "بارادايم" جديد ناظم لفلسفة النظر إلى المعضلة الطاقية الخاصة بالحضارة الكوكبية المستقبلية ومنهجيتها، بغض النظر عن اختلاف مستويات المسؤولية والقدرة لدى الدول المختلفة على ضرورة بدء التغيير الآن، وليس غدًا. فقد بدأ منذ عام 1980 تداول مفهوم الانتقال الطاقي في ألمانيا والنمسا، ليعبّ في العقود الثلاثة التالية عن إستراتيجيات وسياسات وبرامج متكاملة لتحول تنموي جديد تجري محاكاته عالميًا، ابتداءً من حلقة الاستثمر والبحث العلمي والابتكار التكنولوجي والإنتاج الطاقي، وعبر حلقة التخزين والتوزيع، فحلقة الاستهلاك الطاقي. ويشير مفهوم الانتقال الطاقي إلى اتجاه السياسات والسلوكيات الاستثمرية والاستهلاكية العمومية والخاصة، نحو الانخراط التدريجي في سيرورة إقامة نظام طاقي وطني وكوكبي مستدام، غير ممركز ومنصف، وهو نظام يعتمد أساسًا على استخدام الطاقات المتجددة. إنه مفهوم إجرائي يُستخدم بحسب طبيعة العوامل المتحكمة في بنية النظام الطاقي لكل بلد، للدلالة على إرادة ديمقراطية تشاركية للتخلي التدريجي فالكلي عن الاعتمد على المصادر الطاقية الأحفورية والنووية أو أحدهم على الأقل، مع تنمية المصادر الطاقية الجديدة والمتجددة، الآمنة اقتصاديًا وإيكولوجيًا وصحيًا وجيوسياسيًا، مرفقة بإجراءات لزيادة الفاعلية الطاقية وترشيد الاستهلاك الطاقي، وتحقيق حالة من اللامركزية والتوازن بين الأبعاد الإيكولوجية والمناخية والاقتصادية والاجتمعية، المفضية إلى تحقيق حالة تنموية بديلة تأخذ معنى

"التنمية المستدامة"، أو "التنمية الخضراء"، خاصة فيم يتعلق بحل معضلة التزود الآمن والدائم بالطاقة وتلبية حاجات الاستخدامات المنزلية والصناعية والحضرية على السواء، ومنه: التقليل من حالة التبعية الوطنية طاقيًا، وزيادة القدرة التنافسية بتخفيض الفاتورة الطاقية. ومنه أيضًا، زيادة الوعي المواطني والحكومي بضرورة التخفيف من آثار "البصمة الإيكولوجية" على التوازنات الإيكولوجية والمناخية والاقتصادية الاجتمعية لكوكبنا -  الوطن؛ ولذلك تسمى أيضًا سيرورة "انتقال طاقي وإيكولوجي"2. في هذا السياق الحضاري الوطني والكوكبي المعولم، بدأت تتشكل في أكثر من بلد صناعي ونامٍ استجابات إيجابية متفاوتة الوتيرة والإرادة السياسية والفاعلية التقنية والاقتصادية لمواجهة تداعيات الاختلالات المناخية والإيكولوجية المرتبطة أساسًا بالنمط الأحفوري والنووي للتنمية الطاقية المهيمن عالميًا، مرورًا بنقاشات ومفاوضات شاقة بين القوى السياسية والنقابية وعالم الأعمل وفواعل المجتمع المدني، التي مثّلت ضغوطات لوبياتها ومطالب تظاهراتها ومقترحات عرائضها واستفتاءات مواطنيها ديناميكية مجتمعية غنية بالدروس. فالنموذج الألماني يعد نموذجًا رائدًا وجديرًا بالدراسة والإفادة من دروسه، لأنه يبدو مختبرًا عمليًا متقدمًا في مجال سيرورة الانتقال الطاقي. فقد انطلق بوصفه تصورات منذ عام 1980، وتأكّد كونه إرادة سياسية وتنموية ميدانية منذ عام 1990، خلال حكم المستشارين كوهل وشرودر وميركل على التوالي، عندما اتخذت قرارات إستراتيجية للخروج التدريجي المزدوج من الطاقة النووية والأحفورية. وفي المقابل، جرى تبنّي نموذج المزيج الطاقي (فحمي وغازي وشمسي وبيولوجي ورياحي) باعتباره نموذجًا طاقيًا انتقاليًا، زادت وتيرة العمل به بُعيد كارثة فوكوشيم عام 2011. فقد كانت الطاقة الكهربائية المنتجة من المفاعلات النووية تمثل عام 2010 نحو 27 في المئة، لتصل عام 2016 بعد تطبيق الإجراءات التشجيعية للطاقات البديلة إلى 13 في المئة مع التكفل المالي والتقني الصعب بتكاليف تفكيك المفاعلات وتخزين نفاياتها الضارة، مع السعي لتخفيض استخدام طاقة الفحم بالتفاوض مع النقابات المتخوفة على مناصب الشغل المهددة، مع إنشاء صندوق مالي يتولى تمويل الإجراءات الانتقالية. ومنه، أصبحت الطاقات المتجددة تمثل عام 2016 نحو 29.5 في المئة من إجملي الطاقة الكهربائية المنتجة، مع استهداف تحقيق نسبة 45 في المئة في أفق عام 2025 فقط، ملتزمة وفق اتفاقية باريس المناخية، بتخفيض يصل إلى نسبة 40 في المئة من حجم انبعاثات غازية كربونية في أفق عام 2020، و 90 في المئة في أفق عام.20503

  1. Cf. "Transition énergétique: définition, enjeux et défis de la transition énergétique en France et dans le monde," E-RSE, accessed on 28/3/2018, at: https://goo.gl/6ftAAu; "Transition Énergétique," Novethic, accessed on 28/3/2018, at: https://goo.gl/sEV1jR; "Qu'appelle - t - on exactement la 'transition énergétique'?" Sortir du nucléaire (Octobre 2014), accessed on 28/3/2018, at: https://goo.gl/BfjtiD
  2. للمزيد بخصوص ملف مقارن عن تجارب الانتقال الطاقي في ألمانيا واليابان وفرنسا وتايلند وغيرها، انظر: Cécile Désaunay, "Introduction du dossier sur la transition électrique," Futuribles, 8/9/2017, accessed on 28/3/2018, at: https://goo.gl/ozHTXo; Michel Colombier, "Transition du secteur électrique et décarbonation de l'économie française," Futuribles, 7/9/2017, accessed on 28/3/2018, at: https://goo.gl/8dhU7r

فضلً عن النموذج الألماني، تجدر الإشارة أيضًا إلى النموذج الياباني الذي يعد تسونامي عام 2011 وتداعياته الأمنية الإيكولوجية والطاقية نقطةً فاصلة، بين ما قبل كارثة فوكوشيم وما بعدها، إذ بدأت التوجهات العامة للسياسة الطاقية تنقلب رأسًا على عقب، لتنقل البلد تدريجيًا، بفضل القاعدة البحثية المختبرية، من الطاقة النووية بالكامل إلى الطاقة المتجددة بالكامل. ففي عام 2010، كانت الإستراتيجية اليابانية لعام 2030 عازمة على النقيض من الوضع التالي لعام 2011، تسعى لبناء 9 مفاعلات نووية إلى أفق عام 2020، و 14 أخرى في أفق عام 2030، لتغطية 50 في المئة من حاجاتها الطاقية، لحل معضلة التبعية الطاقية للخارج، وذلك في ظل تصاعد أسعار النفط في الأسواق العالمية؛ بسبب النهم الصيني والنزاعات الجيوسياسية حوله. فقبل عام 2011، كانت الطاقة المنتجة من المصادر المتجددة تمثل 8 في المئة فحسب من الطاقة المنتجة في البلد، بينم تمثل الطاقة النووية 30 في المئة، ومن النفط 42.5 في المئة، والباقي منتج من الفحم والغاز المسال. ولكن منذ آب/ أغسطس 2011 أقرت السلطات اليابانية تشريعًا لتنمية الطاقات الخضراء النظيفة والآمنة، الشمسية والرياحية، مؤسسةً لإستراتيجية المزيج الطاقي المتعدد المصادر، مستهدفة إنتاج 20 في المئة من إجملي الحاجات الطاقية لليابان في أفق عام 2020 من المصادر الخضراء، مع تركيب 10 ملايين لوحة شمسية على أسطح المنازل والعمرات في أفق عام 2030. ومع أن اليابان تملك 54 مفاعلً نوويًا، متمركزًا في 18 موقعًا، فقد أذنت السلطات، بسبب رفض رؤساء البلديات وتنامي تخوف المواطن الياباني، بتشغيل 3 مفاعلات بنسبة 100 في المئة من طاقتها الإجملية، مع التوقيف النهائي عن الخدمة ل 15 منها، بينم أجلت تشغيل 36 منها. وفي تموز/ يوليو 2015، وتماشيًا مع التزامات اتفاقية باريس حول المناخ العالمي، أقرت حكومة شينزو آبي إستراتيجية تستهدف تخفيض الاستهلاك الكلي للطاقة بنسبة 15 في المئة، خاصة الطاقات المنتجة من المصادر غير الآمنة، برفع الفاعلية الطاقية إلى 35 في المئة، وغيرها من الإجراءات التشجيعية الجديدة للتوجه نحو الطاقات البديلة4. وفي فرنسا، وهي القوة الطاقية النووية الثالثة في العالم، وفي ظرف اقتصادي انتقالي متأزم يتميز بتنامي العجز في التوازنات الاقتصادية الكبرى خلال الفترة 2008 - 2018، تم إقرار قانون اسمه "قانون الانتقال الطاقي والتنمية الخضراء" في أفق عام 2050، بتاريخ 17 آب/ أغسطس 2015. ويتضمن ثمانية أهداف إستراتيجية يراد تحقيقها؛ هي التقليل من الانبعاثات الغازية الكربونية على أربع مراحل، والتقليل من الاستهلاك الطاقي من المصادر الأحفورية بنسبة 30 في المئة من حالتها عام 2012، ورفع نسبة الاستهلاك من الطاقات المتجددة المصدر بنسبة 30 في المئة عام 2030، والتخفيض من الاعتمد على الطاقة الكهربائية ذات المصدر النووي إلى 50 في المئة في أفق عام 2025، وزيادة جودة البناءات للتقليل من استهلاك الطاقة، والكفاح ضد الهشاشة الطاقية وتأكيد الحق في الوصول إلى المصادر الطاقية النظيفة جميعها من دون تكاليف باهظة، وأخيرًا التقليل من إطلاق النفايات المختلفة5.

  1. Ibid.
  2. Ibid.

وتندرج، في الاتجاه نفسه تجارب دولية عديدة أخرى؛ فقد صوّت الإيطاليون في عهد بيرلسكوني لمصلحة التخلي عن النووي منذ عام 1987، بُعيد كارثة تشيرنوبل؛ ثم تأكد ذلك في استفتاء عام 2011، بنسبة 95 في المئة. أما النمسا فقد قررت التخلي عن الطاقة النووية منذ عام 1978، ومنعت شركاتها منذ عام 2012 من استيراد الطاقة النووية من الخارج في أفق عام 2015. كم اتخذت الدنمارك تحقيق نسبة6100 في المئة طاقة بديلة في أفق عام 20507. وبالمثل، شهدت سويسرا إثر صدمة فوكوشيم النووية سلسلة من عواصف الأفكار التقييمية النقدية والتقويمية للوضع الطاقي القائم، وذلك ضمن ورشات استشرافية متعددة التخصصات والفاعلين للنظر في المآلات القريبة والمتوسطة والطويلة الآماد للتنمية الطاقية الوطنية المعولمة. ولوضع إستراتيجية طاقية تمتد إلى عام 2050، شاركت الحكومة الكونفدرالية مجموعة من الكفاءات السويسرية، انصهرت ضمن ديناميكية كانت قد بادرت إليها منذ عام 2007، "جمعية الحوار الثلاثي حول طاقة سويسرا" ETS Schweiz, Trialog Energie، التي8تأسست بهدف رئيس يتمثل ب "تطوير رافعات لسياسة طاقية مستدامة وتنافسية". وتقوم فكرة "خلية التفكير" أو "الثينك ثانك" هذه على إيجاد فضاء للحوار الثلاثي الأبعاد والفاعلين، حوار يشيد على أرضية الوضعية الراهنة للمعارف العلمية التي ينتجها بطريقة مهنية ممثلو العلم والمجتمع المدني والشركات الاقتصادية. ولذلك انطلق "الحوار الثلاثي حول طاقة سويسرا" فعليًا عام 2008، جامعًا بين أهل العلم ممثلين بالخبراء الدوليين والوطنيين، وأهل الاقتصاد ممثلين بمديري الشركات والاتحادات المهنية، وأهل المجتمع المدني والسياسي ممثلين برجال السياسة وكوادر الإدارة وخبراء المنظمت غير الحكومية. وقد شارك في العمل التفكيري الاستشرافي 180 شخصية، فأدلى كل بطريقته وبعلمه وبخبرته في وثيقة علمية عملية مرجعية، أصبحت أساسًا لمبادرة الحكومة والبرلمان السويسريَيّن بقانون "إستراتيجية الطاقة لعام 2050" الذي طُرح موضوعه على الشعب السويسري، ليتحاور طويلً بشأنه بين مؤيد ومعارض، مستفسرًا عن جدواها وكلفتها وآلياتها ومآلاتها، ثم استفتي أخيًا في شأنها في 21 أيار/ مايو.2017 وعلى الرغم من أن ديناميكية التفكير الاستشرافي في الانتقال الطاقي قد انطلقت في سويسرا منذ عام 2008، فإنها أخذت زخمً متسارعًا ومكثفًا بسبب الحدث الدولي المحرك، ممثلً بتردد الأصداء الإنسانية

  1. Ibid.
  2. لمزيد من التفصيل بخصوص "التجربة الدنماركية" التي تخطّط للخروج كليًا من الطاقة الأحفورية بحلول عام 2050، انظر: وكالة الطاقة الدنماركية، "سيناريوهات الطاقة للأعوام 2020 و 2035 و 2050 "، استشراف، العدد 1 (2016)، ص 283 - 291. ولا شك في أنّ التوقف عند النماذج الصينية والأميركية والقطرية والإماراتية والتايلندية والمغربية، وغيرها، جدير بالمقاربة العلمية ومقارنة إستراتيجياتها الخاصة بالانتقال الطاقي، للاستفادة من النجاحات والمقاومات المسجلة فيهم.
  3. حملت 16 هيئة من الهيئات الحكومية الكونفدرالية الكانتونية والخاصة من عالم الأعمال ومن المنظمات غير الحكومية للمجتمع المدني ومن الهيئات العلمية الأكاديمية كجامعتي لوزان وجنيف مشروع "جمعية الحوار الثلاثي حول طاقة سويسرا". وللمزيد عن الجمعية وعن أعمالها، انظر: https://goo.gl/i1cguE

والإيكولوجية العابرة للحدود الوطنية لكارثة فوكوشيم النووية خلال 2011؛ فكان فحوى القرار السياسي للحكومة الكونفدرالية في السنة نفسها: "التوقف تدريجيًا عن إنتاج الطاقة الكهربائية من المصادر النووية، والبدء في الانتقال الطاقي بتنمية مصادر الطاقات الجديدة والمتجددة". ومن ثم، تبرز أهمية التعرف إلى فحوى هذه الإستراتيجية الطاقية في سويسرا.

ثالثًا: معالم الإستراتيجية المستقبلية للانتقال الطاقي يف سويسرا لأفق عام 2050

معروف لدى المتخصصين أن للدراسات المستقبلية شروطًا كثيرة؛ منها توافر المعرفة والخبرة والمنهجية والمعلومات، والتفكير الحر، والتمويل، والتكنولوجيا، والقرار السياسي. كم أنها تتطلب ممن يتصدى لها أن يكون، بحسب العالم المستقبلي الفرنسي المعاصر ميشال غودي9، ذا نظر منهجي، استباقي، طويل المدى، واسع، شامل، عميق، تشاركي، إنساني، متمرد، ناقد، مخاطر، وأخيرًا، بنّاء لمشاريع تغييرية عملية. وبما أن العمل الاستشرافي المحترف هو عمل جمعي وتراكمي، ومن خلال الاطلاع على التجربة السويسرية مع بناء "إستراتيجية الطاقة لعام 2050" نستقرئ مدى استيفائها شروطه الموضوعية. مم يتفق عليه دارسو العلوم السياسية والدستورية والأمنية والإدارية أن الأجهزة الحكومية المركزية في البلدان جميعها هي من يتولى رسم السياسات العامة المتعلقة بالقطاعات جميعها وفق تقاليد مؤسسية متفاوتة في مستوى تطور صياغتها العلمية وحوكمتها المواطنية، وفي مدى فاعلية تنفيذها على أرض الواقع. ولكن من مميزات البلدان المتقدمة أنها تسند المهمت التي تتطلب جهدًا تفكيريًا علميًا إلى الهيئات الخبيرة؛ وذلك تماشيًا مع أصل أن تكون مهنة السياسة ومهنة الاستشراف في حالة تكامل، وذلك في مصلحة الاثنين. كم أن الأصل أن السياسة تنشد الإتيان بجديد في مستقبل الأيام، أي تحمل مشروعًا تغييريًا. وبالمثل، يستهدف الفعل الاستشرافي الكشف عن تنوع تلك المستقبلات والمشاريع، ومدى احتملية تحقق كل منها10، ولكن من دون التزام ومسؤولية سياسيَيّن مباشرين، تجاه الرأي العام المواطني. ومن أهم السياسات العامة القطاعية في أي بلد في التاريخ هي سياسة الطاقة والأمن الطاقي، فالطاقة عصب الحياة سلمً وحربًا، ومن أهدافها الأساسية: تأمين التزود بالطاقة والأمن التقني واحترام البيئة والفاعلية الاقتصادية11.

  1. Michel Godet et al. (eds.), "L'Economie en questions," Emission sur Radio France Culture (Décembre 2007).
  2. Jacques De Courson, "Politique et Prospective, ou ce que les hommes politiques m'ont appris sur la prospective," Revue Futuribles , no. 361 (Mars 2010), pp. 57 - 58.
  3. Olivier Meile, "Stratégie énergétique 2050: Un bref portrait," Office Fédéral de l'énergie OFEN, accessed on 28/3/2018, at: https://goo.gl/6TrSKq

بداية، انطلقت سيرورة الاستشراف الطاقي السويسري من مبادرة تصدت لها "جمعية الحوار الثلاثي حول طاقة سويسرا"، فانطلقت من تشريح موضوعي للواقع الوطني والدولي الراهن عام 2008، مستهدفة بالاستشراف الإستراتيجي (استشراف، وتخطيط إستراتيجي) الأزمنة الاستشرافية المباشرة والقريبة والمتوسطة والطويلة الآماد، في آفاق أعوام 2017 و 2020 و 2035 و.2050 ومن أبجديات تشريح الوضع الراهن السويسري الاعتراف بأن دولة سويسرا بلد صناعي متقدم، لكنه، أيضًا، صغير وفقير في الموارد الأولية وشديد الاندماج في الاقتصاد العالمي، أي شديد التأثر بتقلبات أسواق الطاقة، شأنها في ذلك شأن اقتصادات الدول الشديدة الانفتاح على السوق الخارجية تصديرًا واستيرادًا أو هم معًا. ويتوقف الإبقاء على الازدهار الحالي للشعب السويسري على ضمن السبل المثلى للتزود الطاقي المؤكد خلال العقود الثلاثة والأربعة القادمة. بينم يواجه البلد تحديين شاملين وكبيرين يمكن أن يجهزا على الوضعية التنموية الراهنة الإيجابية التي تنطلق سويسرا منها بتفاؤل نحو المستقبل. وبما أن الطلب الكلي على الطاقة سيزداد في العقود القادمة؛ لأن عدد سكان العالم لم يفتأ يتزايد، فإن مستوى استهلاك الطاقة سيرتفع بمعنى مطلق وبالنسبة إلى كل فرد؛ لذلك سينتج من ذلك حالة تنافسية صعبة في مجال التزود بالطاقة، وهذا بغض النظر عن التراجع الحالي الموقوت في الطلب والأسعار. وموازاةً مع ذلك، يمثل الاحترار المناخي مخاطر كبرى إيكولوجية واقتصادية واجتمعية وأمنية. وبما أن القرارات حول السياسات الطاقية على المستوى الدولي سيكون لها أثر مباشر في السياسة الطاقية السويسرية، فإن السياسة الطاقية هي أيضًا سياسة مناخية واقتصادية واجتمعية على السواء12. وعلى اعتبار أن سويسرا ليست جزيرة، فقد كان عليها أن تضع في الحسبان حالة العولمة والاعتمدات المتبادلة، بمخاطرها وفرصها13. وبالنظر إلى هذه الوضعية الراهنة، فقد رأت "جمعية الحوار الثلاثي حول طاقة سويسرا" أن الحوار حول السياسة الطاقية كان يجري في أطر ضيقة جدًا، وأنه لا يتخذ منظورًا شاملً للنظام الطاقي، وأن المصالح الخاصة المحدودة، المركزة على الآجال القصيرة، تهيمن على النظر إلى الحلول البعيدة المدى. ولذلك بنت الجمعية خلال الفترة 2008 - 2017، بالشراكة مع الأجهزة الفدرالية الحكومية وسلطات بعض الكانتونات، إجمعًا نسبيًا كافيًا حول الأهداف التي ينبغي التركيز عليها في أفق أعوام 2017 و 2020 و 2035 و 2050. وقد عدّت "جمعية الحوار الثلاثي حول طاقة سويسرا" الحديث عن هذه الإستراتيجية يعني العمل على القيام بتعديل معتبر للنظام الطاقي السويسري الراهن الموروث منذ عدة عقود.

  1. Trialogue Energie Suisse, Stratégie énergétique 2050: Impulsions pour la politique énergétique suisse (Zurich: Trialogue Energie Suisse, 2009), accessed on 28/3/2018, at: https://goo.gl/yNwwYm
  2. قاسم حجاج، "أثر الحجم على الأداء المتميز في ظل العولمة: دراسة حالة الدول الصغيرة"، مجلة السياسة الدولية، العدد 166 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2006

تمثل الوضعية الراهنة، إذًا، تحديًا كبيرًا للجميع، وتتطلب استجابة مكافئة تتمثل في نظر الجمعية بالبدء الفوري ب "إصلاح وتعديل عميق للنظام الطاقي" السويسري الذي يبدو غير قابل للديمومة. ومن أجل الاستجابة للتحديات الشاملة، وجهت الجمعية إلى ضرورة المزاوجة على نحو واسع بين النمو الاقتصادي والاستهلاك الطاقي، مع تخفيض الانبعاثات الكربونية لثاني أكسيد الكربون 2 CO، الناتجة من النظام الطاقي السويسري الراهن، وأنه لا بد من اعتمد سياسة طاقية جديدة من أجل إفادة الأجيال المستقبلية من إطار نوعي عالٍ للحياة. ولتحقيق ذلك لا بد من بلورة رؤية طويلة المدى، ولا بد من أهداف أو مؤشرات قابلة للقياس على المدى المتوسط وتدابير فعالة على المدى القريب. ومن هنا، كان لا بد لورشات الاستشراف الطاقي السويسرية، قبل أن تضع سيناريوهاتها المستقبلية، من العودة إلى تاريخ الإنتاج والاستهلاك الطاقييّن في سويسرا منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى (2008‑1910)، وعبر التركيز على العوامل الطاقية المختلفة، مستخرجة الاتجاهات التاريخية الثقيلة للإنتاج والاستيراد والاستهلاك الطاقي السويسري. فقد تضاعف استهلاك سويسرا من الطاقة تضاعفًا كبيرًا بعد الحرب العالمية الثانية، إلى أن أصبحت عملية التزود بالطاقة، حاليًا، تعتمد في 68 في المئة منها على الطاقات الأحفورية. وخلال الأعوام الأخيرة تمكنت سويسرا من ضبط استقرار الاستهلاك، ولكن بدأ اتجاه تصاعدي لاستهلاك الطاقة يعود من جديد. فقد تطور نمو استهلاك الطاقة في سويسرا خلال الفترة 1910 - 2008 بحسب مصادرها الأساسية على النحو التالي: نمو استهلاك الطاقة الكهرومائية ب 23.5 في المئة. نمو استهلاك الطاقة الغازية ب 12.3 في المئة. نمو استهلاك البنزين الأحفوري ب 33.1 في المئة. ö ö نمو استهلاك البترول ب 22 في المئة.

... إلخ14. وفي ضوء هذا التشريح للوضع الطاقي التاريخي والراهن في سويسرا والعالم، ومن أجل بناء سيناريوهات المستقبل الطاقي لسويسرا لأفق عام 2050، انطلق واضعو إستراتيجية الانتقال الطاقي من فرضيتين أساسيتين مفادهم: أن التطورات التقنية الضرورية لإنتاج تكنولوجيات مفتاحية في هذا المجال، أضحت متوافرة.

إنها افترضت أن الدول جميعًا ستنتهج السياسة الطاقية نفسها التي تنتهجها سويسرا. وبنسب أقل، نما استهلاك الطاقة الفحمية والمستخلصة من النفايات الصناعية والخشب

أن الانتقال الطاقي سيحصل في إطار سياسة طاقية ومناخية منسقة على المستوى الدولي؛ أي

  1. Stratégie énergétique 2050.

ومنه، بنت الدراسة الاستشرافية سيناريوهين كبيرين، يتضمن الثاني منهم ثلاثة سيناريوهات فرعية لمستقبلات السياسة الطاقية والمناخية لسويسرا، وهي باختصار، ومن دون أن نأتي على بعض الدراسات الناقدة لها17، على النحو التالي:

1. سيناريو "مواصلة السياسة الطاقية الراهنة"، أو سيناريو مواصلة تطبيق اتفاق كوبنهاغن (السيناريو الاتجاهي)18

وهو سيناريو اعتُمد قبل اعتمد إستراتيجية الانتقال الطاقي لعام 2050. التزمت سويسرا بإرادة ذاتية بمبدأ تخفيض بنسبة 23 في المئة من نسب الغازات الدفيئة لثاني أكسيد الكربون نسبةً إلى مستواها لعام 2000. ويتطابق هذا السيناريو مع فلسفة السياسة المناخية المنتهجة بحسب القانون المعدل حول ثاني أكسيد الكربون19.

2. سيناريو السياسة الطاقية الجديدة (السيناريو الإصلاحي)

وهو سيناريو فرض ضريبة مرتفعة على انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون؛ وهو يتفرع بدوره إلى ثلاثة سيناريوهات، هي:

  1. Etude sur la stratégie," p. 2. أ. السيناريو الثاني (س 2 أ) ب. السيناريو الثاني (س 2 ب) ج. السيناريو الثاني (س 2)ج
  2. على سبيل المثال لا الحصر، قام الباحثان الاقتصاديان بيتر إيغر وسيرغي نيغاي، بدراسة نقدية للدراسة التي استندت إليها الحكومة الكونفدرالية السويسرية في بناء "إستراتيجية الطاقة لعام 2050"، وذلك بطلب من منظمة "اقتصاد سويسرا" Economiesuisse. وهي جديرة بالاطلاع، خاصة من زاوية نقدها للأسس المنهجية والمعرفية والمنطقية التي بنيت عليها الدراسات العلمية التي استندت بدورها إليها الحكومة الكونفدرالية في صوغ "إستراتيجية الطاقة لعام 2050 "، وقد عدّ الباحثان هذه الإستراتيجية إستراتيجيةً تستند إلى فرضيتين غير سليمتين واقعيًا: الأولى مفادها أنّ التطورات التقنية الضرورية لإنتاج تكنولوجيات مفتاحية في هذا المجال أضحت متوافرة بقدر معقول اقتصاديًا. والثانية أنّ الانتقال الطاقي سيحصل في إطار سياسة طاقية ومناخية منسقة على المستوى الدولي. كما قدمت دراسة إيغر ونيغاي نموذجًا توازنيًا لاختبار الآثار الاقتصادية ل "إستراتيجية الطاقة لعام 2050"، سواء على آثارها في متوسط دخل الفرد السويسري أو في مستوى التشغيل والبطالة أو في مستوى القدرة التنافسية، متخذة سنة 2000 سنة مرجعية، واضعة مصفوفة لاختبار علاقة كل سيناريو من السيناريوهات الأربعة، أولً في حالة وجود سويسرا فارسًا وحيدًا في معركة الانتقال الطاقي، ثم في حالة وجود تنسيق دولي في إطار معاهدة كوبنهاغن المناخية الأممية غير الملزمة لعام 2009 (لا معاهدة باريس 2016)، ثم في حالة وجود تنسيق دولي حول فرض ضريبة الكربون توازي النسب المفروضة في سويسرا: Economie suisse, "Etude sur la stratégie énergétique 2050: La compétitivité en danger," Dossier Politique , no. 3 (30 Janvier 2013), accessed on 28/3/2018, at: https://goo.gl/f8afUk; Peter H. Egger & Sergey Nigai, "Energy Reform in Switzerland: A Quantification of Carbon Taxation and Nuclear Energy Substitution Effects," KOF Working Papers , KOF Swiss Economic Institute, ETH Zurich Foundation, no. 327 (January 2013), accessed on 28/3/2018, at: https://goo.gl/XjrHFX
  3. انعقدت معاهدة كوبنهاغن المناخية الأممية غير الملزمة في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2009. وتدعم المعاهدة مبدأ "مسؤوليات مشتركة لكن مختلفة" الذي وضعته اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية حول التغير المناخي وبروتوكول كيوتو، إجراءات خفض الانبعاثات على نحو إجباري بالنسبة إلى الدول المتقدمة، وعمل تطوعي من جانب الدول النامية، وتضمنت توافقًا كبيرًا بشأن القضايا الرئيسة لأهداف خفض الانبعاثات العالمية الطويلة الأجل والتمويل، والدعم التكنولوجي والشفافية. ونصت المعاهدة على أن الارتفاع في درجة حرارة العالم يجب أن يكون أقل من درجتين مئويتين، وأن الدول المتقدمة يجب أن تلتزم بهدف تخصيص 100 مليار دولار أميركي على نحو مشترك كل عام حتى عام 2020 من أجل تلبية حاجات الدول النامية. انظر: "مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي يصدر اتفاقية كوبنهاجن"، صحيفة الشعب (الصين)، 2009/12/21، شوهد في:2018/3/28، في https://goo.gl/uapWvT

أي سيناريو فرض ضريبة مقدرة ب 1140 ا سويسريًا/ طن واحد من غاز ثاني أكسيد الكربون، وذلك فرنكً بعد عام 2020. ويعفى من تلك الضريبة نحو 50 موقعًا إنتاجيًا ذات انبعاثات كثيفة من غاز ثاني أكسيد الكربون (أي نحو 8 في المئة من الانبعاثات الكربونية السويسرية)، التي ستفرض عليها ضرائب تصل إلى 70 يورو على كل طن واحد، وذلك لعلاقات تلك المواقع الإنتاجية بالنظام الأوروبي لتبادل شهادات السلامة المناخية ETS - EU. وهذا السيناريو يتطابق مع المرحلة الثانية للإستراتيجية الطاقية لعام 2050، التي اعتمدها المجلس الكونفدرالي، ولكن من دون الخروج الكلي من حالة الإنتاج الطاقي النووي.

وهو سيناريو التخلي التدريجي عن الطاقة النووية، وتعويضها بالغاز الطبيعي، وهذا السيناريو مشابه للسيناريو الثاني (2 أ)، إذ ستعوض الطاقة النووية المنتجة في سويسرا بالمحطات الطاقية المنتجة من الغاز الطبيعي، ولكن الانبعاثات الكربونية تظل متصاعدة. وإن حدث أن ظلت السياسة الطاقية من دون تعديل، فستكون النتيجة حدوث ارتفاع كبير للتكاليف الطاقية. والواقع أن هذا السيناريو يتطابق مع السيناريو الثالث المسمى "السيناريو 2 ج الأحفوري – الممركز" Centralisé - Fossile C Scénario، من بين سيناريوهات "السياسة الطاقية الجديدة"، التي وضعت حساباتها الكونفدرالية20.

وهو سيناريو التخلي التدريجي عن الطاقة النووية، مع تعويضها بطاقة الغاز الطبيعي والطاقات المتجددة، وهو سيناريو مشابه للسيناريو الثاني (2 ب)؛ إذ تضاف إلى التكاليف السابقة تلك التي تتعلق بعمليات الربط بالطاقات المتجددة. ويتطابق هذا السيناريو مع السيناريو الأحفوري الممركز وسيناريو الطاقات المتجددة21. بعد هذا التشريح التاريخي والراهن للوضعية الطاقية في سويسرا الحديثة والمعاصرة، وبعد أن انتهت "ورشات الاستشراف" من وضع السيناريوهات الطاقية المستقبلية، شرعت "ورشات التخطيط الإستراتيجي" في بناء أربعة أهداف كبرى ل "إستراتيجية الطاقة لعام 2050"، وهي مواصلة إغناء فرص ازدهار المجتمع وضمن نوعية حياة عالية للأجيال الحاضرة والمستقبلية، وضمن إتاحية للطاقة وإيصالها

  1. Ibid.
  2. Ibid., p. 3.
  3. Ibid.

واستخدامها استخدامًا فعالً ورشيدًا، وحمية البيئة والمناخ وتفادي الآثار السلبية في البيئة والإنسان، وتقوية تنافسية الاقتصاد السويسري22. وهي تمثل، في الوقت نفسه، الأركان الأربعة للاستدامة، ممثلةً ب "التنافسية"، و"حمية البيئة والمناخ"، و"ضمن نوعية عالية للحياة"، و"إغناء الفرص الاجتمعية". ولتحقيق تلك الأركان الأربعة للاستدامة استخرج المخططون منها ثمانية أهداف أو تدابير عملية قابلة للقياس، أهمها: يقتضي تحقيق الركن الأول للاستدامة، وهو "نوعية عالية للحياة"، أن تستمر سويسرا في المستقبل المتوسط والبعيد بلدًا منتميًا إلى مجموع البلدان المتمتعة في مضمر مؤشرات السعادة الخام، ومنه ضرورة اقتراح خدمات طاقية نظيفة. ويقتضي تحقيق الركن الثاني للاستدامة، وهو "التنافسية"، العمل خلال الأعوام القادمة على زيادة كلية للفاعلية الطاقية، وذلك نحو تحقيق تخفيض سنوي للكثافة الطاقية النهائية إلى حدود 1.8 في المئة، مع تقوية ديناميكية الابتكار والجاذبية للاقتصاد السويسري، أي تحقيق النمو الاقتصادي الذي ينبغي أن يرتفع إلى 1.5 في المئة سنويًا على المدى الطويل، مع التأمين العالي لعملية التزود بالطاقة. بينم يقتضي تحقيق الركن الثالث للاستدامة، وهو "حمية البيئة والمناخ"، أن تواصل سويسرا في المساهمة في عدم تدهور القدرات الإيكولوجية للكوكب، بحيث يسهم التقدم التكنولوجي في استخدام مستدام للموارد الطبيعية. ومنه، سيكون على سويسرا أن تسهم في استقرار حالة الاحترار المناخي الكوكبي في حد أقصى لا يزيد على درجتين مئويتين سيلسيوس، أي أعلى من متوسط الفترة السابقة للعصر الصناعي الحديث. وسيكون عليها أن تلتزم بتخفيض انبعاثاتها الكربونية الوطنية بالنسبة إلى عام 1990، على الأقل بنسبة 25 في المئة في أفق عام 2020، وبنسبة 50 في المئة في أفق عام 2035، وبنسبة 80 في المئة في أفق عام.2050 وأخيرًا، يقتضي تحقيق الركن الرابع للاستدامة وهو "إغناء الفرص الاجتمعية"، ألا تثقل التدابير العملية للانتقال الطاقي، من النسب والحصص الضريبية التي ينبغي أن تراعي التفاوتات الاجتمعية في عملية إعادة توزيعها، وذلك على المديين القريب والمتوسط، مع مرافقتها بالاستثمرات الحكومية الإضافية الضرورية لتسريع عملية تعديل النسق الطاقي بكل أبعاده التقنية والمالية والقانونية والاجتمعية. ومنه، لا بد أن تؤدي تلك الاستثمرات العمومية إلى تحقيق قيم مضافة اقتصادية على المديين المتوسط والبعيد. ومن مقتضيات تحقيق هذا الركن الرابع للاستدامة الشاملة، إتاحة إمكان وصول المواطنين إلى

  1. Stratégie énergétique 2050.

المعلومات والتكوين والتدريب اللازمين والمستمرين، ليتمكنوا من الحسم عن علم ووعي ذاتي فيم يتعلق بقضايا الطاقة والمناخ. ومم يلاحظ في عملية التخطيط الإستراتيجي الطاقي لعام 2050 التي اعتمدتها "جمعية الحوار الثلاثي حول طاقة سويسرا"، استهداف كل مرحلة بقيم أو مؤشرات إحصائية محددة تُقيم على أساسها مدى نجاعة التنفيذ (مراحل 2020 و 2035 و 2050) التي وضعت من أجلها سبع إستراتيجيات فرعية متكاملة، هي: 1. تحسين تنظيم السوق، 2. تحسين كبير للرشادة الطاقية، 3. تنمية كبيرة للطاقات المتجددة، 4. تخفيض استخدام الموارد الأحفورية وغير المتجددة، 5، تقوية ديناميكية الابتكار وتسريعها، 6. تقوية التزام سويسرا في مجال السياسة الطاقية والمناخية الدولية، 7. تحسين الإعلام والشفافية والتواصل مع المواطنين. وبناء عليه، فإن المطلوب بحسب تلك الإستراتيجية في الأعوام القادمة، القيام بالمزاوجة على نحو عاجل بين النمو الاقتصادي والاستهلاك الطاقي، والعمل على تجاوز كلي تقريبًا للنظام الطاقي الراهن المتسبب في انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون (التخلي عن الحالة الكربونية)، ومواصلة ضمن تزود مأمون بالطاقة؛ وتقوية تنافسية الاقتصاد السويسري23. ففي الأعوام القادمة، هناك أربعة شروط أساسية يمكن أن تتطور وتؤطر وتؤثر بقوة في عملية صوغ السياسة الطاقية السويسرية وتنفيذها، وهي: التزام الجمعة الدولية، ومنها طبعًا سويسرا باعتبارها قاطرة ورمزية دبلوماسية للحوكمة الكوكبية، بتخفيض نسب الانبعاثات الكربونية، من أجل التقليل من الآثار المتعلقة بحالة الاختلال المناخي المؤكدة. توقع تراجع العرض التجاري من الموارد الطاقوية من المصادر الأحفورية، ومنه توقع ارتفاع أسعارها جميعًا بنسب متفاوتة على المدى الطويل خلال الفترة 2040 - 2060 على الأقصى. توجه دول الاتحاد الأوروبي نحو تنسيق وتكامل وثيق للسوق الأوروبية للطاقة. الاستعداد منذ عام 2017 إلى أفق عام 2020، للتعامل مع حالة الشيخوخة الحتمية للمراكز النووية السويسرية، فضلً عن ضرورة التعامل مع وصول التعاقدات الطويلة المدى، الخاصة باستيراد الكهرباء من فرنسا إلى نهاية آجالها24.

  1. Ibid.
  2. Ibid.

وبعد أن قامت "جمعية الحوار الثلاثي حول طاقة سويسرا" بتشريح الوضعية الراهنة، وتحديد الأهداف الكبرى، ووضع السيناريوهات، حرصت على أن يكون تحقيق أهداف إستراتيجية الطاقة لأفق عام 2050 على مرحلتين كبريين: المرحلة الأولى: هي مرحلة تطبيق مجموعة من التدابير التشجيعية والتحفيزية الإدارية الحكومية والشركاتية والمجتمعية التي امتدت تدريجيًا من عام 2010 إلى عام 2013 إلى عام 2017؛ ثم يتوقع أن تتواصل إلى عام 2020. إذ إن الهدف الرئيس من هذه المرحلة هو ضمن التزود بالطاقة وبالطاقة الكهربائية تحديدًا، من دون بناء أي محطة نووية جديدة أو استبدال واحدة قائمة بأخرى منتهية الصلاحية، مع عدم تمديد الاستيراد الكهربائي من فرنسا؛ وذلك من خلال تعزيز الإمكانات والقدرات التقنية والاقتصادية والإيكولوجية والاجتمعية، للتوجه نحو تبنّي مصادر الطاقات الجديدة والمتجددة. ومنه، الإقناع العام بجدوى التعديل الجذري المتدرج للنسق الطاقي الوطني، خاصة في ظل وجود تخوفات وتحفظات، بل معارضات لمثل ذلك التعديل التاريخي، الصعب والمكلف نسبيًا. المرحلة الثانية، وهي مرحلة الاستغناء الكلي عن الطاقة النووية وتعظيم الاستثمر والإفادة من مصادر الطاقات الجديدة والمتجددة، ابتداء من عام 2035 إلى عام 2050. فمن الآثار المتوقعة لحزمة التدابير، تنمية عرض الكهرباء، وكذلك تتوقع الخطة سيناريوهات عدة كونها آثارًا لحزمة التدابير السياسية، ومنها أن يُنتهى نهائيًا وتدريجيًا من استخدام الطاقة الكهربائية المستهلكة من المحطات النووية في سنوات 2033 - 2035، بينم تتوقع تصاعدًا تدريجيًا لحصة الطاقة الكهربائية المستهلكة من الطاقات البديلة لتصل ذروتها خلال سنوات 2040 ‑ 2050، في حين تتوقع تواصل وتيرة القدر المستهلك من الطاقة المائية بوتيرة أكبر، من بين إجملي أنواع الطاقات الأخرى خلال الأربعين سنة في الفترة 2010 - 2050. إذًا، هي أربعة أهداف إستراتيجية كبرى،25تتضمن ثمانية أهداف جزئية فرعية، تتجسّد بدورها عبر ثماني إستراتيجيات جزئية. تتجسّد هذه الإستراتيجيات من خلال عشرة تدابير عملية حاسمة، حددها واضعو "إستراتيجية الطاقة لعام 2050" للفترة 2011 - 2020، وأخذت بها الحكومة الكونفدرالية، كم سنبين ذلك لاحقًا. ومن دون الخوض في التفاصيل التقنية، نعدد التدابير العملية العشرة التي توصل إليها المشاركون في ورشات الاستشراف الإستراتيجي ل "جمعية الحوار الثلاثي حول طاقة سويسرا"، وهي: 1. إقرار سعر موحد للطن الواحد من ثاني أكسيد الكربون بفضل تجارة الشهادات وفرض الرسوم الكربونية، 2. اعتمد قيم طاقية مستهدفة للبناءات الجديدة والمجددة، 3. اعتمد برنامج تشجيعي لتجديد العمرات، 4. اعتمد السقوف المعتمدة لدى الاتحاد الأوروبي للتحكم في الانبعاثات الكربونية في مجال المواصلات،

  1. Meile, p. 15.

5. تشجيع متعاملي المواصلات على تحقيق الرشادة الطاقية، 6. تحسين تحقيق مستويات عالية من الرشادة في استهلاك الطاقة الكهربائية، 7. تطوير وإعادة توزيع المزودات بالطاقات المتجددة، 8. تشجيع البحث التطبيقي والأساسي ورأس المال المخاطري، 9. تحسين الإعلام والتربية والتكوين المستمر والحوار، 10. تبنّي سياسة خارجية طاقية ومناخية طموحة وفعلية. إن معايير الرشادة والملموسية تبرز في تلك التدابير العملية، لضمن تقييم مدى تجسيد الأهداف الإستراتيجية الكلية والجزئية المسطّرة. فتبنّي سياسة طاقية فعالة يتطلب توافر توليفة من التدابير العملية وإدارة، مثل تنفيذ مجموعة من التدابير التقنية تتضمن تحديد رزنامة لنهاية صلاحية أجهزة استهلاكية معينة، وتحديد آجال لتخفيض استهلاك الطاقة، ومثل تنفيذ مجموعة من التدابير المالية، تتضمن فرض ضرائب على الطاقة، وإقرار دعم انتقالي مالي لفئات معينة ولنشاطات اقتصادية، ومثل تنفيذ تدابير إقناعية، تتضمن الإعلام والترويج الإشهاري لعلامات مميزة، ومثل تنفيذ تدابير مهيكِلة، تتضمن عقد اتفاقيات طوعية، وتشجيعات لإنشاء شبكات. كل ذلك، بهدف رفع منسوب القبول المواطني والديمومة وتحديد الفئات المستهدفة وتأمين الاستثمرات، مع تطبيق بعض التدابير فترات محدودة. وفي النهاية، توقعت ورشات الاستشراف الطاقي السويسرية لبناء إستراتيجية الطاقة لعام 2050 مجموعة من النتائج والآثار المتعلقة بالتكاليف والاستثمرات، خاصة أن الحساسية القصوى لمثل هذه الإستراتيجية هي في العمل على ألا تتسبب في حدوث تداعيات سلبية كزيادة الأعباء الضريبية الصافية على كاهل المتعاملين الاقتصاديين والمواطنين أو زيادة مديونية الدولة. وينافح القائمون على هذه الهيئة السويسرية الخبيرة المحاورة على أن الأهداف المحددة للسياسة الطاقية والمناخية إلى عام 2020 قابلة للتحقيق كليًا، وأنها ستعطي لسويسرا دفعات تنافسية إيجابية، بشرط أن تطبق التدابير العملية بطريقة سريعة وصارمة ومحفزة ماليًا وإداريًا. ومنه، يجدر بنا إذًا النظر في كيفية تنزيل تلك الإستراتيجية في الواقع الحكومي والاجتمعي السويسري في مرحلتها التنفيذية الأولى.

رابعًا: الحوكمة الطاقية السويسرية: من الصياغة الاستشرافية إلى الاستفتاء الشعبي

تتميز هذه المرحلة التالية لمرحلة التفكير الاستشرافي والتخطيط الإستراتيجية لسيرورة الانتقال الطاقي في سويسرا بالتركيز على الجوانب العملية القانونية والسياسية والتقنية والمالية والإعلامية والاجتمعية لتنفيذ الحكومة إستراتيجية الطاقة لعام 2050. ويتأكد المتابع للتجربة السويسرية من أنّ معركة الانتقال الطاقي لم تكن سهلة مطلقًا في كل المراحل والمستويات، فقد مست أبعادًا عدة، أهمها البعد السياسي الحكومي، والبعد السياسي التشريعي البرلماني، والبعد الإعلامي. كل ذلك من أجل إقناع

المجتمع السويسري، عبر إعمل آليات الديمقراطية شبه المباشرة، بجدوى الإستراتيجية. فبناء سياسة طاقية مفهومة ومعقولة ومربحة، يتساوق تمامًا مع ضرورة تبني مجموعة من التدابير العملية المفهومة والمقبولة وغير المكلفة أيضًا، كم جرى عرضه سابقًا. لقد استهدف المجلس الكونفدرالي من "إستراتيجية الطاقة لعام 2050" اقتصاد 35 في المئة من الاستهلاك السويسري للطاقة، وأن توقِف المحطات النووية إنتاج الطاقة تدريجيًا إلى أن تتوقف نهائيًا في أفق عام 2050، وتخفيض استهلاك الطاقة بالنسبة إلى عدد السكان؛ بنسبة 35 في المئة، وتثبيت نسبة استهلاك الكهرباء بعد عام 2020، وتطوير ملموس لحصة الطاقة المنتجة من المياه بنسبة 10 في المئة، وتلك المنتجة من المصادر الطاقية المتجددة بنسبة 100 في المئة26. وكم أوضحنا من خلال ورشات "الحوار الثلاثي حول طاقة سويسرا" التي انطلقت منذ عام 2008، كان صائغو معالم "إستراتيجية الطاقة لعام 2050" قد وضعوا سيناريوهين أو خيارين فحسب أمام السلطات العمومية، هم سيناريو "مواصلة السياسة الراهنة"؛ أو سيناريو "السياسة الطاقية الجديدة." هكذا، بعد بذل الوسع العلمي واستشراف الآفاق الطاقية لعام 2050 وبعد إنضاج القرار السياسي وإطلاق الحوارات المتعددة الأطراف الاجتمعية خلال الفترة 2008 - 2017، بدأت المرحلة الأولى للعمل السياسي المواطني المباشر لتمرير إستراتيجية الانتقال الطاقي منذ 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، إذ اغتنمت السلطات الكونفدرالية فرصة - صدمة كارثة فوكوشيم التي طرأت في 11 آذار/ مارس 2011، فبادر المجلس الكونفدرالي في 20 أيلول/ سبتمبر 2012، بتكليف وزارة الكونفدرالية للبيئة والمواصلات والطاقة والاتصال بمراجعة الإستراتيجية الحالية للطاقة وتحيين آفاقها إلى عام 2035، والتي طُوّرت تراكميًا منذ عام 1970. وفي 25 أيار/ مايو 2011، اتخذت الحكومة والبرلمان "مبادرة الخروج من النووي"، وكلفت وزارة البيئة بإعداد مشروع قانون وإستراتيجية في هذا المجال. وفي 28 أيلول/ سبتمبر 2012، فتحت الحكومة المجال لإجراء استشارة حول التدابير العملية، لتمس بالإصلاح الطاقي قطاعات البناء والمواصلات والصناعة، وذلك من أجل رفع الكفاءة والرشادة الطاقيَّتين، وتطوير الطاقات الجديدة والمتجددة. وفي 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، أودع حزب الخضر عريضة مواطنية قانونية سميت "المبادرة الشعبية من أجل الخروج المبرمج من النووي"، إذ حصلت على 107533 توقيعًا مواطنيًا. وقد نصت العريضة على إلزام السلطات العمومية الكونفدرالية بمنع بناء محطات نووية جديدة وبتحديد آجال إيقاف المحطات النووية الخمس الشغّالة منذ نحو أربعين عامًا عن الخدمة، واللجوء إلى ترشيد استهلاك الطاقة ودعم استخدام الطاقات الجديدة والمتجددة. وفي دورة ربيع 2013، أقر البرلمان مشروع خطة العمل للبحث

  1. Stratégie énergétique 2050.

الطاقي المنسق، معطيًا دعمً للنشاطات البحثية القائمة في الفترة 2013 - 2016. وفي دورة خريف 2013، أقر البرلمان أول التدابير العملية التشجيعية الكفيلة بتنفيذ "إستراتيجية الطاقة لعام 2050"، جرى بعدها إبلاغ المواطنين بأول تلك التدابير. وأخيرًا، انتهى في الجمعية الكونفدرالية السويسرية (البرلمان)، في 30 أيلول/ سبتمبر 2016، التصديق على قانون "إستراتيجية الطاقة لعام.2050 "27بيد أنه لوحظ خلال الفترة 2014 - 2016، بطء في تجسيد تلك التدابير بالنظر إلى عوامل عديدة، منها تعارض مصالح عدة، ونقص الشفافية في إجراءات قانونية وتنظيمية وإدارية وتقنية عدة، وتردد فئات اجتمعية عدة، ونقص فهم المواطنين لتدابير الانتقال الطاقي28. وكان للأحزاب ومنظمت المجتمع المدني والجامعات، كم سنرى لاحقًا، دور مهم في معركة الإقناع والإقناع المضاد. ولذلك وجدنا أنه في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 رفض الشعب والكانتونات "مبادرة الخروج من النووي"؛ ثم رفض، بعد استفتاء شعبي نُظّم في 31 كانون الثاني/ يناير 2016، أول التدابير المتعلقة بتلك الإستراتيجية29. ومع ذلك، كررت الحكومة، من جديد، خلال الفترة شباط/ فبراير-أيار/ مايو 2017، حملتها من أجل الإقرار النهائي ل "إستراتيجية الطاقة لعام 2050"، لكن مع إدخال مجموعة من التعديلات على الحزمة الأولى من التدابير العملية30. ومنه، بدأ التنفيذ الفعلي للمرحلة الأولى للإستراتيجية الطاقية السويسرية. وبموازاة تلك النشاطات كلها، أطلقت الحكومة السويسرية مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي من أجل التوصل إلى اتفاقية حول الكهرباء. وفي 21 أيار/ مايو 2017 م استفتاء شعبي وطني وافقت أغلبية ديمقراطية من المواطنين السويسريين، نُظّ على نصه31، إذ نال القانون من الأصوات المؤيدة ب "نعم" نسبة 58.21 في المئة من بين الأصوات المعبر عنها؛ بينم صوت ب "لا" على القانون نسبة 41.79 في المئة، ولكن بنسبة مشاركة وطنية قريبة من المتوسط، بلغت 42.33 في المئة من إجملي أصوات الناخبين32.

  1. ومما لوحظ على نتائج الاستفتاء أنّ أربعة كانتونات شمالية تقع فيها المحطات النووية هي الأقل تأييدًا للقانون، وفسّ ذلك بمخاوف سكانها من الآثار الاقتصادية السلبية لتلك الإستراتيجية. بينما صوت مواطنو بعض البلديات، على خلاف موقف كانتوناتها، ب "لا" على القانون - الإستراتيجية الطاقية لعام 2050، لأنهم لم يكونوا مؤيدين لإنشاء المراوح الكبرى المولدة للطاقة الكهربائية الرياحية، لأنها تحدث بحسب حجتهم تلوثًا صوتيًا ومغناطيسيًا، فضلً عن تسببها في قتل مئات الطيور المهاجرة، يتعلق الأمر هنا، ب 9 بلديات رافضة من 14 بلدية تضم محطات طاقية رياحية كبرى.
  2. Meile, p. 5.
  3. Office fédéral de l'énergie OFEN, "La stratégie énergétique 2050 après l'entrée en vigueur de la nouvelle loi sur l'énergie," Division médias et politique, 18/1/2018, accessed on 29/3/2018, at: https://goo.gl/r8wLqN
  4. Office fédéral de l'énergie OFEN, "Chronologie relatifs à la stratégie 2050: Les étapes décisives au niveau politique concernant la stratégie énergétique 2050," Division Médias et Politique, accessed on 29/3/2018, at: https://goo.gl/Jiishr
  5. Meile, p. 4.
  6. Confédération Suisse, L'Assemblée fédérale de la Confédération suisse, "Loi sur L'énergie (LEne)," (30 Septembre 2016), pp. 7469 - 7518, accessed on 29/3/2018, at: https://goo.gl/czkxLo

وبعد نجاح الحكومة الكونفدرالية برئاسة دوريس ليوطار في تمرير "إستراتيجية الطاقة لعام 2050" التي دخلت قانونيًا حيز التنفيذ يوم 1 كانون الثاني/ يناير 2018، فإنها اليوم بصدد تنفيذ إجراءات المرحلة الثانية من الإستراتيجية، وهي مرحلة الانتقال من النظام التشجيعي إلى النظام التحفيزي للتقدم في سيرورة الانتقال الطاقي أشواطًا أخرى، وهي تمتد بين عامَي 2017 و.2020 ويقع القانون في 77 مادة و 14 بابًا، مع ملحق للمواد المحذوفة والمعدلة برلمانيًا. تناول الباب الأول الهدف من القانون والقيم والمبادئ التوجيهية. ومم جاء فيه، وتحديدًا في المادة الأولى: "أن غاية القانون المساهمة في تزود طاقي كافٍ، متنوع، مؤكد، اقتصادي ومحترم للبيئة، وأنه قانون يهدف إلى ضمن عرض وتوزيع طاقيَيّن اقتصاديَيّن، ومحترِمين للبيئة، وضمن استخدام اقتصادي وفعال للطاقة، والسمح بالانتقال إلى نمط تزودي بالطاقة، يقوم على أساس اللجوء المتزايد إلى الطاقات المتجددة، وتحديدًا إلى الطاقات المتجددة الداخلية". أما المادة الثانية فنصت على القيم المرجعية لتنمية الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، بوصفها مؤشرات إحصائية مستهدفة إنتاجيًا. وقد نصّت على "السعي للوصول إلى إنتاج داخلي متوسط من الكهرباء المنتجة من الطاقات المتجددة من دون المصدر المائي، يحقق نحو 4400 غيغاواط/ ساعي، في أفق 2020، وعلى الأقل 11400 غيغاواط/ ساعي، في حدود 2035. مع نصها على السعي للوصول إلى إنتاج داخلي متوسط من الطاقة الكهربائية من المصادر المائية يصل إلى 37400 غيغاواط/ ساعي، في حدود."2035 أما المادة الثالثة، فقد تناولت القيم المرجعية للاستهلاك، كمؤشرات إحصائية مستهدفة استهلاكيًا: فيم يتعلق بمعدل الاستهلاك الطاقي لكل شخص ولكل عام، من الأنسب أن يستهدف، مقارنة بعام 2000، تحقيق تخفيض بنسبة 16 في المئة، ابتداء من عام 2017 إلى عام 2020، ثم نسبة 43 في المئة في أفق عام 2035. وفيم يتعلق بمعدل الاستهلاك الكهربائي لكل شخص ولكل عام، من الأنسب أن يستهدف مقارنة بعام 2000، تحقيق تخفيض بنسبة 3 في المئة، إلى أفق عام 2020، ثم نسبة 13 في المئة، إلى أفق عام.2035 كم نصّت على أن على الحكومة والكانتونات أن تنسّقا سياساتهم وأن تأخذا في الحسبان الجهود المبذولة من طرف الشركات والبلديات والأسر، مع متابعة التدابير الإرادية الذاتية المتبناة من طرف المتعاملين في المجال الاقتصادي وتشجيعها، وتحقيق الاتفاقات القائمة ومراعاة العلاقة الجيدة بين التكلفة والفاعلية. ولدعم تطبيق إجراءات "إستراتيجية الطاقة لعام 2050" ميدانيًا، أنشأت الحكومة برنامجًا أطلقت عليه تسمية "طاقة سويسرا" SuisseEnergie، وهو في الآن ذاته أرضية إعلامية واستشارية في مجال33الطاقة تضع في حالة ترابط الاختصاصيين والمكونين ومستعملي المعارف، ورافعة يرجى أن تسهم في وضع

  1. Cf. Office fédéral de l'énergie OFEN, "Stratégie énergétique 2050," (18/1/2018), accessed on 29/3/2018, at: https://goo.gl/CVHpG3

المشروعات الجيدة في السوق، وأرضية للتكوين وتحسين الأداء في مجال الطاقة، كم يتوقع منها أن تدعم الآثار الإيجابية الأولى للحزمة الأولى من الإجراءات السياسية، وتقوي النشاطات والمصادر المالية لترفعها من 26 إلى 55 مليون فرنك في السنة الواحدة. وكم كان للمجتمع المدني السويسري دوره في المساهمة في بلورة "إستراتيجية الطاقة لعام 2050"، من خلال الجهد الاستشرافي المذكور سابقًا، فقد كان له أيضًا نصيبه من مرافقة عمل الحكومة في مجال الإقناع بجدواه وتحويله من مشروع نخبوي إلى مشروع مجتمع. كم كان له نصيب من النقد البدائلي البناء عبر إعمل جدلية الخبرة والخبرة المضادة، والرأي والرأي الآخر، والموالاة والمعارضة السياسيتين، وخدمة للمصلحة العامة الوطنية السويسرية؛ إذ قدمت هيئات حزبية ونقابية وبحثية ومنظمت مدنية أخرى مساهمتها النقدية البديلة من تلك الإستراتيجية، ومنها مثلً صدور دراسة بعنوان: "الإستراتيجية الطاقية لعام 2050: التنافسية في خطر"51، الصادرة في كانون الثاني/ يناير 2013. إذ بدا هذا المشروع في نظر المعارضين مشروعًا مضادًا لأنماط حياة السويسريين الراهنة وقيمها، ومضادًا للحرية، ومضادًا للمجتمع الاستهلاكي، ومضادًا للتنمية الاقتصادية، ومضادًا للسرعة والآنية، ومضادًا للفردانية، ومضادًا لنوعية إطار الحياة، ومضادًا للأمان والاستقرار. بينم يراه المؤيدون، على خلاف ذلك تمامًا، فهو يحرر البلاد من تبعية مرضية لطاقة غير صحية وغير بيئية وغير اقتصادية. وهنا، يمكن الإشارة إلى قيام شركة روموند للطاقة Energie Romande، وجامعة لوزان، منذ عام 2014، بإنشاء أرضية بحثية - عملية عابرة للتخصصات ومواطنية تشاركية، باسم "أرضية فولت فاص" Voltface forme Plate، بمساعدة برنامج باسم 100" مليون من أجل الطاقات المتجددة والرشادة الطاقية" الذي بادرت إليه ولاية فود. وقد قامت "أرضية فولت فاص" بتنمية مشاريع عملية دامت أربع سنوات (2014 - 2017)، حول الجوانب الاجتمعية للانتقال الطاقي، مع برمجة مجموعة من النشاطات العامة، ساعية للإجابة العملية عن سؤال مركزي مفاده: كيف يمكن المجتمع أن يتبنى الانتقال الطاقي؟ وكان الجواب أنه لا يمكن أن يحدث الانتقال الطاقي من دون إشراك الجميع: مواطنين، وسياسيين، ومهنيين؛ وذلك بالتكوين والتوعية حول مختلف التدابير المتخذة ضمن "إستراتيجية الطاقة لعام 2050". ومم قام به مشروع "أرضية فولت فاص" إصداره كراساته بهذا الاسم منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2016 التي جمع محرروها في العدد الأول مجموعة من الأسئلة الكبرى التي يجب على مشاريع البحث أن تجيب عنها، على أن يعقبها كراسة ثانية تتناول الرؤى المستقبلية لعلاقة السويسريين بالطاقة في أفق عام.2049 وخلص خبراء المشروع إلى أن الأمر الأولوي لبناء المستقبل الطاقي لسويسرا، بغض النظر عن التحديات التقنية للانتقال الطاقي، يتعلق بإعادة التفكير في نمط عيش السويسريين كافة الذين عليهم أن يأخذوا في الحسبان محدودية الموارد الطبيعية، وحدّة التبعية الاقتصادية والاجتمعية للمصادر الطاقية الأحفورية

  1. Etude sur la stratégie."

والنووية المؤثرة سلبيًا في التوازنات البيئية والمناخية والصحية العامة، وأن يعوا أن الانتقال الطاقي يتعلق بتغيير نمط السكن، ونمط الحركية الجغرافية، ونمط الترفيه، ونمط الاستهلاك. باختصار، يتعلق الأمر بموضوع شامل ذي صلة بتغيير مجتمعي شامل تدريجي مدروس ومفكر فيه لنمط حياة بديل. هذه وغيرها نماذج من تجربة "حوكمة طاقية" ساهمت فيها الجامعات، والحكومة والبرلمان والأحزاب والمنظمت الحكومية وغير الحكومية والشركات والبنوك وشركات التأمين ووسائل الإعلام الوطنية. وهي، لذلك، تجربة جديرة بالمحاكاة والتأسي في أكثر من بلد في العالم، ومنها الدول العربية.

خامسًا: بعض الدروس المستفادة عربيًا من ورشات استشراف الانتقال الطاقي يف سويسرا

إنّ التجارب الاستشرافية عبر العالم الأول أو الثاني تظلّ تغري باجتراح المغامرة بغية اختصار الطريق، وتحقيق النقلات، وتجاوز العقبات. فالبلدان العربية الواقعة جغرافيًا في منتصف القارات الثلاث الكبرى تجد نفسها أمام جملة من التحديات التنموية ذات الطبيعة الوطنية والعابرة للأوطان، من ضمنها إشكالية التبعية الهيكلية المزمنة للطاقات الأحفورية، سواء البلدان العربية المنتجة والمصدرة لها، أم البلدان العربية المستهلكة والمستوردة لها، ومن ضمنها تأثرها بآثار الاختلالات المناخية الكوكبية من خلال تعرضها لظاهرة الهجرة غير الشرعية ذات المصادر العديدة، كالنزاعات الجيوسياسية وتلك المتعلقة بالتقلبات المناخية الحاصلة في المحيط الإقليمي العربي الأفريقي خاصة، إضافةً إلى تحديات ضعف الحوكمة الشاملة، وارتفاع معدلات اللاأمن السياسي والقانوني ومؤشرات الفساد والتفاوتات الاقتصادية - الاجتمعية والمناطقية في معظم البلدان العربية... إلخ. وقد يعترض معترض على أنه "شتان بين الثرى والثريا"، أي إنّ البون شاسعٌ بين بلد مصنّع متقدم متحضر، كسويسرا، وبلدان عربية نامية، يعيش معظمها فروقًا بنيوية هائلة، على الأقل من الزاوية الثقافية والسياسية والصناعية. وللإجابة عن ذلك، ينبغي، بادئ ذي بدء، التأكيد أنّ المشهد العربي الراهن، على الرغم من مأساويته وملهاته المفارقية التي تسببت فيها الثورات المضادة للتغيير الديمقراطي، يتوفر على تجارب رائدة في مجال بناء إستراتيجيات للانتقال الطاقي، كالتجارب الواعدة المغربية والجزائرية والقطرية والإماراتية التي من الضروري تثمينها وتطويرها، لتصل إلى مرحلة الانتقال المؤكد الدائم. كم أنّ استقراء التجربة الاستشرافية الطاقية السويسرية يمنح السياسي والخبير والمواطن العربي الوطني اللبيب جملة من الدروس العديدة التي سيمكّن الأخذ بها نخبويًا ومواطنيًا وشعبيًا من الانخراط في تجربة الانتقال الطاقي بثقة واقتدار. ومن تلك الخلاصات الجديرة بالمحاكاة نؤكّد، أساسًا، التالي:

تكمن أهمية إطلاق ورشات الاستشراف في المستويات الحكومية وغير الحكومية في تمكين الجميع من اقتسام رؤية مشتركة للمستقبل البعيد، رؤية متحررة على نحو بعيد من كوابح الآجال القريبة والمصالح الأنانية والفئوية والمناطقية. وإنّ لورشات الاستشراف المتعددة التخصصات والفاعلين الاجتمعيين فائدة جمّة في إطلاق إرادة الطاقات المجتمعية الرسمية والمواطنية وتحريرها، في اتجاه تملّك الوعي بالمستقبل المشترك (مخاطرَ، وفرصًا) واقتسام الخبرة الاستشرافية (مفاهيمَ، ومنهجياتٍ، ومعطياتٍ، ورؤى ثاقبة). فعندما أطلق السويسريون حوارات وورشات التفكير المستقبلي في بناء جمعي ل "إستراتيجية الطاقة لعام 2050"، أطلقوا معها سيرورة تاريخية للتفكير خارج العلبة، وبعيدًا عن الأفكار المسبقة والمكتسبة وتجاوز الحوارات العقيمة. كم أطلقوا معهم ورشة طويلة المدى للتجديد الحضاري للوطن. أهمية الحوار والحوار المضاد، والخبرة والخبرة المضادة، والسلطة الحاكمة والمعارضة الحكيمة، في حفزٍ وصقلٍ لسيرورات التغيير والإصلاح المتدرج للمنظومات المجتمعية ومنها المنظومة الطاقية القائمة. فالانتقال الطاقي مسألة مركبة وشاملة تتقاطع فيها - وقد تتنافر - الأبعاد التقنية والسياسية والقانونية والاقتصادية والاجتمعية والثقافية والأمنية. ولذلك، فإن التعامل مع الانتقال الطاقي بمنطق الإقصاء والأحادية والاختزالية والسلبية واللامبالاة والمعرفة المجزأة المحدودة والنزعة الحمئية الشوفينية والإدارة المركزية المفرطة كفيل بأن يجهض المسعى ويحدث التخبط الاجتمعي – السياسي، وربما الأمني. أهمية القرار السياسي الإستراتيجي في تحريك سيرورة التعديل والإصلاح للمنظومة الطاقية القائمة، التي ثبت، بأكثر من مؤشر ودليل، أنها محدودة الأفق، بل هي في عمق أزمتها الهيكلية. فالمنطقة العربية، في ظل انتقال تاريخي في هيكلية النسق الدولي من سمته إقامة عالم معولم متعدد الأقطاب، تشهد بسبب شدة الاختراقات والاستقطابات الجيوسياسية والجيوستراتيجية والجيو اقتصادية والجيوثقافية تراجعًا مقلقًا في قيمتها الحضارية، بوصفها سليلة حضارة وسط وأمة وسط وصاحبة موقع وسط. ولا سبيل أمام صناع القرار السياسي سوى الوعي بضرورات هذه المرحلة التاريخية وفرصها، لتقوم بإعادة النظر جذريًا في أساليب الحكم والحوكمة الوطنية والإقليمية العربية الشاملة، ومنها بناء أسس الحوكمة الطاقية، التي تتطلب من بين ما تتطلبه إنجاح الانتقال الديمقراطي السياسي والرفع من قدرات منظمت المجتمع المدني لتنتقل من مجتمعات تحكمها القيم والسلوكيات العسكرتارية والأبوية والريعية والتسلطية إلى مجتمعات تحتكم نخبها قبل مواطنيها العاديين البسطاء إلى منطق العقلانية والرشاد والحوار الديمقراطي لبناء الأوطان. أهمية ضبط إستراتيجية مقتسمة لإحداث النقلة الثقافية - المجتمعية عبر آليات التربية الشعبية والتكوين المتواصل والتواصل الإعلامي التفاعلي مع الفاعلين جميعًا وبينهم؛ فالتغيير يبدأ في العقول. وكم بدأ النموذج الطاقي الأحفوري في العقول الحداثية، فإن النموذج الحضاري ما بعد الأحفوري

لا يمكن أن يبنى إلا بالعقول وفي عقول "بعد حداثية". فلا أحد يعلم حاليًا وعلى نحو مفصل وشامل ودقيق ونهائي، الطريقة الأجدر لذلك الانتقال، ولا التكتيكات الأكفأ، ولا التكنولوجيات الأرشد، ولا الطرق التنظيمية القانونية والإدارية الأدوم، لإنجاح هذا الرهان – السيرورة. لكن المؤكد أن البلدان العربية لا بد لها في أفق عام 2050 أن تحسن نمط عيش الأجيال الحاضرة والمستقبلية عبر صوغ إستراتيجيات تنموية تنافسية مستدامة متناسقة تقنيًا واقتصاديًا وسياسيًا ومجتمعيًا، في مجال إطلاق سيرورة انتقال طاقي تشاركية، ناجحة وأقل تكلفة.

خاتمة

نتصور في الختام أنّ هذه الورقة البحثية قد أبرزت المعالم الكبرى ل "إستراتيجية الطاقة لعام 2050" بدولة سويسرا. وأبرزت كيف تضافرت جهود الحوار الثلاثي بين أهل المعرفة والخبرة وأهل الاقتصاد وأهل الاجتمع السياسي في صوغ إستراتيجيات عدة متكاملة، للآماد القصيرة والمتوسطة والطويلة للانتقال الطاقي، ضمن "برنامج سويسرا للطاقة"، غايتها القصوى الخروج من عصر الحضارة رقم صفر، أي العصر الأحفوري - النووي المهدّد للنوع البشري على كوكبنا الوطن، وولوج عصر الحضارة رقم واحد، أي عصر الطاقات المتجددة؛ كل ذلك في إطار الحرص على إبقاء الصورة النموذجية للكونفدرالية السويسرية. وفي سبيل التحقق من مدى صحة فرضيتنا، تأكد لنا أنّ نموذج الحوكمة الطاقية السويسرية ممرسة قائمة بذاتها، سواء أثناء عملية الاستشراف أو أثناء تنزيل إستراتيجية الانتقال الطاقي الطموحة لعام 2050 إلى أرض واقع الناس. كم تأكد لنا أيضًا أنه على الرغم من وجود فوارق في مستوى التطور الصناعي والحضاري وأولوياته في الحالتين السويسرية والعربية، فإن التجربة السويسرية قابلة للمحاكاة عربيًا. وأخيرًا، نخلص إلى أنّ الحوار العقلاني الوطني الصبور من أجل الانتقال الطاقي هو الطريق الأمثل لتحقيق التنمية المستدامة. فأصعب الأمور مباديها، وتغيير السلوكيات والأفكار المسبقة أصعب من كسر ذرة، كم يقول عالم الفيزياء ألبيرت أينشتاين.

المراجع

References

العربية

حجاج، قاسم. "أثر الحجم على الأداء المتميز في ظل العولمة: دراسة حالة الدول الصغيرة". مجلة السياسة الدولية. العدد 166 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2006

كاكو، ميتشيو. رؤى مستقبلية: كيف سيغير العلم حياتنا في القرن الواحد والعشرين. ترجمة سعد الدين خرفان. سلسلة عالم المعرفة 270. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2001 وكالة الطاقة الدنماركية. "سيناريوهات الطاقة للأعوام 2020 و 2035 و 2050 ". استشراف. العدد).2016(1

الأجنبية

Confédération Suisse. L'Assemblée fédérale de la Confédération suisse. "Loi sur

L'énergie (LEne)." (30 Septembre 2016). at: https://goo.gl/czkxLo

De Courson, Jacques. "Politique et Prospective, ou ce que les hommes politiques

m'ont appris sur la prospective." Revue Futuribles. no. 361 (Mars 2010).

Economie suisse. "Etude sur la stratégie énergétique 2050: La compétitivité en

danger." Dossier Politique. no. 3 (30 Janvier 2013). at: https://goo.gl/f8afUk

Egger, Peter H. & Sergey Nigai. "Energy Reform in Switzerland: A Quantification

of Carbon Taxation and Nuclear Energy Substitution Effects." KOF Working

Papers. KOF Swiss Economic Institute, ETH Zurich Foundation. no. 327

(January 2013). at: https://goo.gl/XjrHFX

Godet, Michel et al. (eds.). "L'Economie en questions." Emission sur Radio

France Culture (Décembre 2007).

Office fédéral de l'énergie OFEN. "La stratégie énergétique 2050 après l'entrée en

vigueur de la nouvelle loi sur l'énergie." Division médias et politique. 18/1/2018.

at: https://goo.gl/r8wLqN

Trialogue Energie Suisse. Stratégie énergétique 2050: Impulsions pour la

politique énergétique suisse. Zurich: Trialogue Energie Suisse, 2009. at:

https://goo.gl/yNwwYm