الموارد الطاقية: ندرة أم وفرة في المستقبل؟
resources Energetic: Shortage or overabundance ?
الملخّص
توقَّع كثير من الخبراء نقصًا وشيكًا في النفط قبل أقل من عشر سنوات، وأنّ سعره بلغ ذروته خلال العامين الماضيين، لكن، انخفض سعر النفط انخفاضًا ملحوظًا منذئذ، ولم نعد نتحدث عن الندرة. يوضح سيسيل ديسوني وإيريك فيدالون أنه لا ينبغي النظر في مسائل ندرة الموارد الطاقية، وجميع الموارد الطبيعية عمومًا، أو وفْرتها، من جهة الاحتياطيات المتاحة فحسب، ولكن أيضًا، وعلى نحو متزايد، من جهة القيود المتأتية من تأثير استهلاكها في البيئة (تدهور البيئة، والتلوث، والاحتباس الحراري... إلخ). ويؤكدان أنه ينبغي أخذ اتجاهين في الاعتبار في سبيل الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية في السنوات القادمة: الجمود القوي للأنظمة الطاقية، والاستبدالات الممكنة عبر أنظمة الطاقة البديلة.
Abstract
ملخص: توقَّع كثير من الخبراء نقصًا وشيكًا في النفط قبل أقل من عشر سنوات، وأنّ سعره بلغ ذروته خلال العامين الماضيين، لكن، انخفض سعر النفط انخفاضًا ملحوظًا منذئذ، ولم نعد نتحدث عن الندرة. يوضح سيسيل ديسوني وإيريك فيدالون أنه لا ينبغي النظر في مسائل ندرة الموارد الطاقية، وجميع الموارد الطبيعية عمومًا، أو وفْرتها، من جهة الاحتياطيات المتاحة فحسب، ولكن أيضًا، وعلى نحو متزايد، من جهة القيود المتأتية من تأثير استهلاكها في البيئة (تدهور البيئة، والتلوث، والاحتباس الحراري... إلخ). ويؤكدان أنه ينبغي أخذ اتجاهين في الاعتبار في سبيل الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية في السنوات القادمة: الجمود القوي للأنظمة الطاقية، والاستبدالات الممكنة عبر أنظمة الطاقة البديلة. كلمت مفتاحية: ندرة النفط، أسعار المحروقات، وفرة الطاقة، التغير المناخي، الاستدامة. Abstract: Whereas many experts predicted an imminent decrease in hydrocarbons before the end of the decade and prices reaching record highs, the cost of oil has fallen appreciably over the last two years and talk of shortage has almost disappeared. For Désaunay & Vidalenc, these questions of dearth or abundance of energy resources — and more broadly, of all natural resources— are not solely to be examined in terms of available resources, but also, increasingly, in terms of the constraints resulting from their impact on the environment (environmental degradation, pollution, global warming, and others). They confirm that two trends should be considered in order to achieve a sustainable management of natural resources in the coming years: the very great inertia of energy systems and the potential substitution with alternative energy systems.
- ندرة النفط
- أسعار المحروقات
- وفرة الطاقة
- التغير المناخي
- الاستدامة
- Future Energy
- s Hydrocarbons
- energy of Abundance
- ,change Clima
- Foresight
ندرة أم وفرة يف المستقبل؟ Energetic resources
مقدمة
على خلفية الانهيار الأخير في أسعار النفط الذي كان أكثر حدَّة من ارتفاعها في بداية الألفية الثالثة، يمثّل طرح مسألة تزايد ندرة الموارد الطاقية تحديًا شديدًا؛ فبين أولئك الذين يعتقدون أن جميع الموارد قابلة للاستبدال فيم بينها، وأن الأسواق قادرة على إرسال إشارات واضحة، وأولئك الذين يرون أن مخزون الموارد محدود ونهائي، ربما تقع الحقيقة في سياق من التوتّرات والتكيفات المستمرة. وإذا كانت مسألة توافر الموارد تُطرَح دائمًا بصيغة ديناميكية (ولا سيم فيم يتعلق بالتكنولوجيا، وبمستوى الأسعار... إلخ)، فربما، ينبغي النظر بجدية أكبر على مستوى نهاية السلسلة، حيث توجد عُقد أو عتبات لا ينبغي تجاوزها، وحيث يتراكم ما يرتبط باستغلال الموارد واستهلاكها من تأثيرات جانبية مضاعَفة، ونفايات، وتلوث. وهذا هو ما يقوم به "نادي روما" منذ أربعين سنة، أو ما تقوم به أحدث منشورات ويل ستيفن في أرقى المجلات العلمية في العالم (نيتشر Nature وساينس Science)1، من خلال تحديد عتبات أو حدود لاستهلاكنا. وهذا هو ما يُعبِّ عنه بيير نويل جيرو بطريقة استفزازية بعض الشيء بتعبير "نُدرة الموارد أم نفاد النفايات؟"2؛ لأن المؤكد أن تهديدات تدهور جودة الموارد والبيئة التي تأويها، أقوى وأقرب من تلك التي تنتج من نقص الموارد.
أولً: القضايا الرئيسة
نمو غير مستدام في استهلاك الموارد
تستهلك البشرية المزيد من الموارد الطبيعية على نحوٍ مستمر؛ فم بين عامي 1980 و 2013، ارتفع إجملي حجم الموارد المادية المستخرَجة أو المحصَّلة في العالم بنسبة 132 في المئة، من 36 إلى 85 مليار طن3. ومنذ عشر سنوات، تَسارَع الاستهلاك العالمي، مدفوعًا بشكل رئيس من البلدان النامية.
عمومًا، يمكننا التمييز، من بين هذه الموارد الطبيعية، بين أربع فئات: "الكتلة الحيوية" Biomass (الطعام والخشب)، وهي التي تتمثَّل في الموارد المتجدِّدة، والوقود الأحفوري، والفلزَّات، والمعادن (المعادن الصناعية ومعادن البناء) التي هي موارد غير متجدِّدة. ما زالت الكتلة الحيوية تمثِّل الغالبية العظمى من الموارد المستخرجة في العالم، مع نحو 30 إلى 35 في المئة من المجموع؛ ولكن هذه النسبة قد انخفضت تقريبًا إلى النصف خلال ثلاثين عامًا. وبموازاة ذلك، تضاعفت حصة الموارد غير المتجدّدة؛ فوفقًا للأرقام الصادرة عن معهد بحوث أوروبا المستدامة SERI Institute, Research Europe Sustainable، وصلت الزيادة إلى نسبة 240 في المئة بالنسبة إلى المعادن الصناعية ومعادن البناء، مقابل 61 في المئة بالنسبة إلى الكتلة الحيوية. وتنبغي الإشارة إلى مؤشِّ آخر، على الرغم من طبيعته المثيرة للجدل، والتبسيطية للغاية بلا شك، وهو "البصمة البيئية" footprint Ecological؛ إذ تقيس المنظمة غير الحكومية العالمية "شبكة البصمة العالمية" Network Footprint Global والصندوق العالمي للطبيعة WWF البصمة البيئية للكوكب الأرضي كل عام4، أي استهلاكه الموارد الزراعية، والغابوية، والبحرية، إضافة إلى انبعاثاته
من الكربون. ومن ثم، فإنهم يحسبون، سنويًّا، التاريخ الذي سيتجاوز انطلاقًا منه استهلاك البشرية الموارد قدرة كوكب الأرض على تجديدها واستيعاب التأثيرات الجانبية المضاعفة التي ولَّدها هذا الاستهلاك. والحال هذه، يتقدَّم "يوم التجاوز" الذي ستعيش البشرية انطلاقًا منه بالدَّين، كل سنة وبلا هوادة؛ فقد تم بلوغه في 8 آب/ أغسطس 2016، في مقابل نهاية أيلول/ سبتمبر.20005وبحلول عام 2030، وإذا استمر نمو الاستهلاك الحالي، فقد يصل استخراج البشرية الموارد الطبيعية إلى 100 مليار طن. ويفترض هذا النمو، وفقًا لمعهد بحوث أوروبا المستدامة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة" UNEP، أن تكون الموارد الطبيعية المتاحة كافية لتلبية هذا الطلب المتزايد، وأن تظل التأثيرات الجانبية المضاعَفة التي يولِّدها الاستهلاك العالمي تحت السيطرة على الصعيد العالمي؛ وهم افتراضان مشكوك فيهم وفقًا لهاتين المنظمتين. على سبيل المثال، سيصبح توافر بعض هذه المعادن، على غرار بعض المعادن الأرضية النادرة6، هو الرهان الرئيس في غضون سنوات قليلة. وبالفعل، حتى لو كانت الاحتياطيات كافية، فيمكن أن تنشأ توترات متصلة بعاملين أساسيين؛ أولهم عامل التعقيد والتكلفة المتزايدين لاستغلال الحقول، وثانيهم العامل الجيوسياسي، ولا سيَّم كون الصين توفر اليوم 90 في المئة من الإنتاج العالمي من المعادن الأرضية النادرة. ومن شأن هذه التوترات كبح تطوير بعض القطاعات، مثل قطاع الطاقات المتجددة (انظر البدائل الممكنة بالنسبة إلى الطاقات البديلة). ومن ثم، ووفقًا للعالم الجيولوجي دومينيك غويوني، "يستلزم توفير كيلواط ساعي من الطاقة الكهربائية من خلال عنفة رياح أرضية نحو 10 أضعاف الخرسانة والفولاذ المستخدميَن لإنتاجه من خلال محطة حرارية تعمل بالماء أو بالفحم، و 20 ضعفًا من النحاس والألومنيوم"7. وبالمثل، فقد فجَّر إنتاج البطاريات للأجهزة الإلكترونية، والسيارات الكهربائية، وغيرها، الطلب العالمي على الليثيوم.
أي سعر للطاقة؟
استغلال حقول جديدة غير تقليدية، أو تباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي، أو الخلاف بين الدول المنتجة، أو إستراتيجيات الحفاظ على الحصص السوقية والريع، أو تنمية بدائل (المحروقات غير التقليدية، أو "تسييل الفحم" CTL، أو "تسييل الغاز" GTL)، هي جميعها عوامل أدت إلى الصدمة الارتدادية الراهنة التي انهارت بسببها أسعار النفط بعد بلوغها ذروتَ عامَي 2008 و 2011 المقدرة ب 130 دولارًا أميركيًّا للبرميل.
فهل سينجم عن ذلك استدامة هذا الاتجاه8؟ على المدى القصير، أي خلال السنوات القليلة المقبلة، من شأن عامل واحد من بين هذه العوامل زعزعة استقرار السوق، وخلق طفرة أو انخفاض حادٍّ في الأسعار؛ فمواءمة العرض والطلب هي نتيجة لتوازن هش من شأن الأحداث الجيوسياسية أن تخل به على نحوٍ أسرع من الاضطرابات في نظم الطاقة القائمة بشكل كبير على القصور الذاتي (انظر أدناه القصور الذاتي في نظم الطاقة). ولكن بدلً من التركيز حصريًّا على النفط، على المدى الطويل، أي في أفق عام 2050، فم ينبغي لنا النظر فيه هو مجموع الوقود الأحفوري بالكامل. بالفعل، لا سيم في ما يخص مجال النقل، نجد أن محطات تسييل الغاز GTL، أو تسييل الفحم CTL، وكهربة التنقل، تتمتع بقابلية كلية تقريبًا للاستبدال. ومن ثم، فإن الاحتياطيات التي ينبغي أخذها في الاعتبار، ولا سيَّم احتياطيات الفحم، هائلة. وهي، على أي حال، كبيرة جدًّا فيم يتعلق بقضية الرهان المناخي، وما يمكن أن يستوعبه الغلاف الجوي بلا ضرر كبير9؛ لأنه يجب أن نترك تحت الأرض نحو 30 في المئة من احتياطيات النفط، و 50 في المئة من احتياطيات الغاز، و 80 في المئة من احتياطيات الفحم، إذا كنا نود ألا نتجاوز هدف احتباس حراري لا يتجاوز درجتين مئويتين بحلول نهاية القرن (مقارنة بالمستوى ما قبل الصناعي). ولذلك فلن نواجه ندرة عالمية، ولكننا سنواجه مشكلات في التدفقات أو الاختناقات وفقًا للتوترات الجيوسياسية أو لنقص الاستثمر في الاستغلال الجديد للحقول. أضف إلى ذلك أنه إذا التزم العالم، مع التنفيذ الفعلي لاتفاق باريس الذي أعقب "مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي عام "2015 COP21، بالانصراف عن الطاقات الأحفورية، مع طلب يتراجع، فإن سعر الطاقات الأحفورية ينبغي له أن ينخفض، لا محالة، في نهاية المطاف. وأخيرًا، فإن القدرة التنافسية الجديدة لمصادر الطاقة المتجددة10 تجعلها الوجهة الأولى للاستثمرات في قطاع الكهرباء منذ اليوم، ولكن ليس بعدُ في القطاعات الأخرى (التنقُّل، والحرارة... إلخ). وعلى اعتبار أن "عدم استمرارية" الخيارات والحلول التكنولوجية البديلة هو بالأحرى القاعدة، فإن الصدمات والتوترات ستكون في الغالب هي السمة الاعتيادية لعالم الطاقة في العقود القادمة. بيد أنه
من غير المرجح أن يحدث ارتفاع للأسعار على نحو مستدام، ومستمر، ومنتظم، إلا إذا تم تحديد سعر للكربون بصورة منهجية.
ثانيًا: النمو الاقتصادي ونمو الاستهلاك المادي: نحو فكّ ارتباط مطلق
ارتفع الناتج المحلي الإجملي العالمي (بالأسعار الثابتة)، بين عامَي 1980 و 2013، بنسبة 150 في المئة، بينم نما عدد سكان العالم بنسبة 55 في المئة تقريبًا، ونما استخراج الموارد بنسبة 130 في المئة، وفقًا لتقديرات معهد بحوث أوروبا المستدامة11. يمكن، إذًا، أن نلحظ فصلً نسبيًّا بين النمو الاقتصادي
واستخراج المواد، وهو ما يُفسَّ خصوصًا بزيادة في الإنتاجية المادية (حجم الثروة المنتَجة بالنسبة إلى كل وحدة من المواد المستهلَكة) بنحو 40 في المئة، وانخفاض في الكثافة المادية (استهلاك المواد اللازم لإنتاج وحدة من الثروة) بنحو الثلث خلال ثلاثين عامًا. في عام 2000، كان العالم أقل احتياجًا إلى الموارد بنسبة 20 في المئة منه في عام 1980 لإنتاج الكمية نفسها من الثروات. ومع ذلك، ومنذ السنوات العشر الأخيرة، ازدادت الكثافة المادية من جديد على المستوى العالمي، على اعتبار أن الجهود المبذولة يعوِّضها السعي نحو النمو الاقتصادي، ولا سيَّم في البلدان النامية. لمواجهة هذا الاتجاه، تثير إمكانية الفصل المطلق بين النمو الاقتصادي واستهلاك الموارد اهتممًا متزايدًا. ويمكن تصوُّر ثلاث رافعات رئيسة لتحقيق هذا الفصل المطلق:
التقدم التكنولوجي
لقد أتاح التقدم التكنولوجي حتى اليوم إنتاج سلع وخدمات متضمِّنة موارد أقلَّ فأقل. ووفقًا لمعهد ماكينزي العالمي MGI، تستطيع التكنولوجيا توفير ما يعادل 3000 مليار دولار أميركي من الموارد سنويًّا بحلول عام 2030 بتحسين نجاعة معالجة النفايات، أو الحد من حجمها.12بيد أنه كثيرًا ما يجري تسليط الضوء على الإمكانات الكامنة للتقدم التقني لاستغلال موارد جديدة. وبالفعل، من الناحية النظرية، يؤدي نمو الطلب على مورد غير متجدِّد إلى ارتفاع سعره، فيجعل استغلال مصادر جديدة من هذا المورد، وغيره من الموارد ذات الخصائص الممثلة أمرًا مربحًا. يفسر هذا المنطق، على سبيل المثال، استغلال الغاز الصخري في الولايات المتحدة منذ بضع سنوات. بيد أن إمكانات التقدم التكنولوجي تقدِّم مع ذلك حدودًا مختلفة؛ معلومات ناقصة بشأن الاحتياطيات وجودتها، والاستهلاك، والتأثيرات الجانبية المضاعفة الناتجة من استغلال الموارد البديلة، والتأثير الارتدادي Effect Rebound... إلخ.
إعادة التدوير
من الناحية النظرية، تساعد إعادة التدوير على الحد من استهلاك الموارد الطبيعية من خلال إعادة تدوير النفايات. ومع ذلك، فهي تقدِّم قيودًا عدة؛ أبرزها: تزداد صعوبة كلم كانت كمية المواد المستخدمة قليلة، ومن ثم يصعب فرزها. وهذا ما يفسر جزئيًا، وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن 36 من بين 60 من أكثر المعادن استخدامًا في الاقتصاد تقدم
معدَلّات إعادة التدوير أقل من 10 في المئة (بل حتى أقل من 1 في المئة بالنسبة إلى الإنديوم، والتنتالوم، والغاليوم، والمعادن الأرضية النادرة)13. وعلى حدِّ قول فيليب بيوي على نحو مبسَّط، "كلَّم كانت التكنولوجيا فائقة، كانت أقلَّ قابلية لإعادة التدوير"14. ليست مطلقة بالنسبة إلى أي مادة؛ لأنها تتسبَّب في تدهور المواد، وتأكلها على نحو لا مفر منه مع التكنولوجيات الحالية. لا تقوم، في اقتصاد يعرف نموًّا، إلا بتأجيل موعد استهلاك الموارد. وفي هذه الحال، وكم يؤكد فرانسوا غروس، بالنسبة إلى المواد التي يتزايد معدل استهلاكها بنسبة أعلى من 1 في المئة، يكون الفارق الزمني منخفضًا جدًّا، ويجري إرجاء مواعيد الندرة بضع سنوات إلى الأمام فقط. ولتوضيح ذلك، لم يسمح الفولاذ المعاد تدويره خلال القرن العشرين سوى بانخفاض بنسبة 5.3 في المئة من إجملي استخراج الحديد لإنتاج الصلب خلال القرنين الماضيين15.
تطوُّر أنماط الحياة
بالنظر إلى محدودية التقدم التكنولوجي وإعادة التدوير، اهتمَّت بحوث حديثة عدة بالإمكانات الكامنة لأنماط الحياة للحد بشكل كبير من استهلاك الموارد والتأثيرات الجانبية المضاعفة المرتبطة بها، من دون المساس بالراحة وبالرفاه. وهذا يفترض أن يجري توزيع الجهود توزيعًا عادلً بين الأسر وفقًا لإمكاناتها وهوامش مناورتها. وقد برز اليوم تطور أنماط الحياة بوصفه مُكمِّلً لا غنى عنه للتقدُّم التكنولوجي، وإعادة التدوير، والاستثمرات العامة والخاصة (ولا سيَّم في السكن والنقل). وتبدو في الوقت الحالي فرضية الفصل بين النمو الاقتصادي واستهلاك الموارد فرضية نظرية جدًّا. ومع ذلك، تُسلِّط عليها الضوء وتدفع بها نماذج التنمية البديلة التي تتمثَّل في "الاقتصاد الدائري" أو "اقتصاد
الاستخدامات"18. ولكي تصبح حقيقة واقعة، فإنها تفترض أن ثلاث رافعات (التقدم التكنولوجي، وإعادة التدوير، وتغيير أنماط الحياة) يجري تفعيلها في آنٍ واحد، ويجري ربطها بالتغييرات التنظيمية وبتسعير التأثيرات البيئية الجانبية المضاعفة (ولا سيَّم الضرائب البيئية).
أي آثار نظامية ولا رجعة فيها مرتبطة بتدهور الموارد؟
يُولِّد استهلاك الموارد الطبيعية عددًا من التأثيرات الجانبية المضاعفة: التلوث، والتغير المناخي، وتدهور النظم الإيكولوجية (التربة، والمياه السطحية، وتحمُّض المحيطات... إلخ). وينعكس مزج هذه التأثيرات أيضًا في ظهور آثار نظامية مقلقة على نحو خاص. في عام 2009، قام فريق دولي يتكون من 26 باحثًا بتحديد تسعة "حدود كوكبية" لا ينبغي تجاوزها إذا كانت البشرية تود أن تكون قادرة على تطوير نظام بيئي آمن، أي نظام بيئي يتجنَّب التغيرات البيئية المفاجئة التي يصعب التنبُّؤ بها19. وقد رأوا أن العتبات الحرجة قد جرى تجاوزها بالنسبة إلى ثلاثة من بين سبعة حدود يقترحون بالنسبة إليها قيمً حدِّية، من حيث الحجم المنبعث أو المستخرج من البيئة. وفي عام 2015، أجرى هؤلاء الباحثون تحيينًا لأعملهم، وخلصوا إلى أن أربعة "حدود كوكبية" قد جرى اليوم تجاوزها، أو أوشك22. وهذه الحدود الأربعة هي: التغير المناخي: كان الحد الذي اختاره الباحثون هو ذاك الذي من شأنه أن يسمح بعدم تجاوز عتبة ارتفاع درجة الحرارة بقدر أكبر من درجتين مئويتين بقياس سيلسيوس (مقارنة بدرجات الحرارة خلال الفترة ما قبل الصناعية)، وهذا هو الهدف المناخي والسياسي اليوم. سلامة المحيط الحيوي: يمكن تحديد معدل الانقراض "الطبيعي" للأجناس الحية في 10 أنواع من أصل مليون نوع سنويًّا. وهكذا، قد يكون معدل الانقراض العالمي الحالي أعلى من المعدل الطبيعي ب 10 مرات إلى 100 مرة. ولهذه الانقراضات تأثيرات كبرى في النظم الإيكولوجية والوظائف التي لم تعد تؤدِّيها الأنواع المنقرضة. التغيرات في استخدامات الأراضي: لاحظ الباحثون أنه من أجل الاستمرار في التمتُّع بفوائد الغابات في تنظيم المناخ، ينبغي زيادة مساحاتها، وخصوصًا الغابات الاستوائية والشملية. اضطراب الدورات البيولوجية - الكيميائية (النيتروجين، والفوسفور): ينجم تغيير دورات النيتروجين والفوسفور في التربة عن الزراعة وتربية المواشي المكثَّفتيَن على وجه الخصوص؛ فاستخدام الأسمدة
والسمد من الإنتاج الحيواني يساهم في تعطيل هذه الدورات التي تُعَد شرطًا ضروريًّا حتى تكون التربة والمياه في حالة جيدة. وفي حين أنه تمَّ بالفعل بلوغ الحد الأقصى بالنسبة إلى النيتروجين في عام 2009، فإن هذا الحد قد تم تجاوزه اليوم أيضًا بالنسبة إلى الفوسفور، ولكن مع وجود اختلافات كبيرة بين المناطق. لم يجر حتى الآن تجاوز ثلاثة حدود كوكبية: استخدام المياه العذبة، وتناقص طبقة الأوزون بالغلاف الجوي، وتحمُّض المحيطات، بينم يتعذر حتى الآن قياس عنصرين كميًّا بسبب نقص البيانات؛ وهم: مؤشِّ سلامة المحيط الحيوي (ودورها في النظم الإيكولوجية)، والحد الأقصى المرتبط بتركيز هباء الغلاف الجوي (الحد الثامن). يتعلق الحد التاسع بنشر "كيانات جديدة" في البيئة (مثل الجزيئات الاصطناعية، والجزيئات النانوية... إلخ)، وهي التي قد يكون لها عواقب بيولوجية و/ أو جيوفيزيائية غير مرغوب فيها. ويظل أثرها البيئي، المعقَّد للغاية في الغالب مجهولً إلى حدٍّ بعيد؛ فالباحثون يَعدُّون أنفسهم غير قادرين على وضع حد عالمي لهذه المواد، ولكنهم يَدعون إلى مراقبتها عن كثب والحد من استخدامها قدر الإمكان. ووفقًا للباحثين، إذا تم تجاوز الحدود المرتبطة بالتغيُّ المناخي وتأكُّل التنوُّع البيولوجي بقدر كبير وعلى نحو متواصل، فيمكن لذلك أن "يقود النظام الأرضي إلى وضع جديد" من شأنه أن يكون مدمِّرًا للكوكب الأرضي ولسكانه. كم يُذكِّرون بأنه لا ينبغي الاستهانة بتفاعل هذه الحدود فيم بينها، وبالقصور الذاتي في النظم الطبيعية. من أجل ذلك، حتى لو توقَّفت حالًالانبعاثات العالمية من الغازات المسبِّبة للاحتباس الحراري، فمن شأن تركيز غازات الدفيئة المنبعثة سلفًا في الغلاف الجوي أن يكون كافيًا للإخلال بالمناخ دائمًا.
ثالثًا: الاتجاهات الرئيسة يف المستقبل
القصور الذاتي للأنظمة الطاقية
مهم كانت احتملات القطيعة التي وعدت بها بعض التكنولوجيات، ووعد بها خصوصًا المستثمرون في هذه التكنولوجيات، ينبغي لنا أن نضع في الاعتبار الأطر الزمنية للنظام الطاقي، ولا سيَّم فيم يتعلق بكثافة رأس المال، وبعناصر مخفية أيضًا مثل الأشكال الحضرية أو التخطيط العمراني. وفيم يتعلق بإنتاج الطاقة أو تحويلها، فلمحطات توليد الطاقة الكهربائية أعمر تراوح بين 30 و 60 عامًا؛ في حين تُبنى البنيات التحتية لنقل الطاقة (الكهرباء، والغاز... إلخ) لمدة تزيد على.50 عامًا ومن جانب المستهلك، لا يكاد تجديد المناطق الصناعية والتقنيات المختلفة يكون أسرع. وهكذا نجد في فرنسا، على سبيل المثال، أن المباني التي تتميز بكثافة الطاقة إلى حد بعيد، لأن غالبيتها العظمى بُنِيت قبل وضع ضوابط للتنظيم الحراري، لها أعمر تُقدَّر بنحو قرن من الزمان. في حين يمكن أن يكون هذا الأمد أقصر في الولايات المتحدة أو اليابان، ولكنه لا يزال يمثِّل مع ذلك بضعة عقود على أقل تقدير. وفضلً عن
ذلك، قد يطرح التجديد المتسارع إشكالات أخرى بشأن الموارد أو النفايات؛ ففي مجال التنقُّل، يستغرق التجديد الكامل لأسطول من 35 مليون مركبة في فرنسا أكثر قليلً من 15 عامًا. أما البنية التحتية للطرق، فلها متوسط عمر يمتد ثلاثة عقود. وفي قطاع السكك الحديدية، يمتد متوسط الأعمر فترة أطول، ويصل إلى 30 أو 40 سنة بالنسبة إلى القطارات، و 30 أو 50 سنة بالنسبة إلى السكك.
وعمومًا، يتم تجديد الأجهزة المنزلية في المتوسط بعد عشر سنوات. تعرف المعدات الرقمية فقط معدلات أسرع بكثير في التجديد، على حساب استهلاك الموارد والمواد النادرة، وبتكلفة التلوُّث المتعلقة بالنفايات الإلكترونية. وهكذا، ما إن تصبح تكنولوجيا معيَّنة جاهزة على المستويين التقني والاقتصادي، فإنها سوف تستغرق عقودًا لتُنشر على نطاق واسع في النظام الطاقي. وسيكون تأثيرها أكثر محدودية وممتدًّا في الزمن بقدر ما تكون جميع المعايير مواتية (التنظيم، والضرائب، والقدرة الصناعية، والسمعة الجيدة لدى المستهلكين... إلخ). وأخيرًا، يُضاف القصور الذاتي لأنماط احتلال الفضاء (التحضر، والتخطيط العمراني) إلى إيقاع انتشار هذه التكنولوجيات، ويمكنه أن يقود إلى الاعتمد على تكنولوجيات معينة والتبعية لها (مثل السيارات الخاصة في المناطق السكنية، والنقل الجمعي في المدن الكثيفة... إلخ).
بدائل ممكنة للطاقات البديلة
قابلية الاستبدال بين الطاقات الأحفورية (النفط، والغاز، والفحم) متاحة تقنيًّا؛ لكن تقلُّب الأسعار يبقى عنصرًا يعوق الاستثمرات والتطورات البديلة. ومن شأن هذه القابلية للاستبدال أن تساعد في التحرر من مخاطر الندرة البنيوية، على الأقل حتى نهاية القرن (انظر الجزء المخصَّص لأسعار الطاقة)؛ بيد أنها لا تستطيع بالتأكيد أن تزيل تحدي التغير المناخي وغيره من الأضرار البيئية الناتجة من هذا "النشاط الزائد"61. وليست تقنية "عزل الكربون "71 التي لم تُنشر بعد على نطاق واسع، هي التي سوف تغيِّ الوضع بشأن المعدّات الموجودة والانبعاثات المنتشرة على نطاق واسع (في البناء، والنقل). أما الطاقة النووية، وفي ظل ثبات الوضع التكنولوجي، فاحتياطياتها محدودة بقدر أكثر ولا شك، ومن شأن زيادة ملموسة في عدد المفاعلات العاملة في جميع أنحاء العالم أن تواجَه بمشكلات تتعلق بتوافر اليورانيوم على المدى القصير جدًّا. من الناحية النظرية، ما زال من الممكن مع ذلك الانتقال إلى مفاعلات الثوريوم أو مفاعلات الجيل الرابع. وهذا يعني "تغيير التكنولوجيا"، مع المخاطر التي ينطوي عليها ذلك، خصوصًا فيم يتعلق بالبلوتونيوم، وبالقصور الذاتي الذي ينبغي أخذه في الاعتبار من أجل إطلاق هذا البرنامج (إدارة نهاية حياة المفاعلات، ووقف تشغيل المرافق الحالية، وتدريب الموارد البشرية، وتطوير النموذج الأولي، والإنتاج على نطاق واسع... إلخ).
ومن شأن الطاقات المتجدِّدة أن تتولَّ البدل في المستقبل. ولكن مع ذلك، يستلزم التقاط الطاقة الشمسية، والطاقة المائية، وطاقة الرياح، كميات كبيرة من المواد، حتى إنها أحيانًا ما تفوق الكميات اللازمة للتقنيات التقليدية/ الأحفورية بالنسبة إلى كل وحدة إنتاج. أضف إلى ذلك الشبكات "الذكية" مع مجموعة أجهزة الاستشعار التي ينبغي تطويرها؛ أي إن دعامة النظام الطاقي المتجدد إلى حدٍّ بعيد يمكنها نقل المشكلة من مشكلة ندرة أو تلوث إلى مشكلة أخرى فحسب. وهكذا، ووفقًا لبعض السيناريوهات الطموحة بشأن التطوير المستقبلي للطاقات المتجددة، سوف يلزم من ستة إلى سبعة أضعاف الإنتاج العالمي الحالي من الصُّلب لتلبية احتياجات قطاع الطاقة وحده في عام 2050. وهذا، خصوصًا، هو السبب الذي يشرح لماذا لم تزل السيطرةعلى الطلب على الطاقة (البساطة، والنجاعة) مكوِّنًا مهمًّ للاستهلاك المستدام، ولمزيج طاقي متجدِّد إلى حد بعيد.