بين المكان والإنسان والعقيدة الدينية/ الجيوسياسية استشراف لتحديات التخطيط الحيزي الإسرائيلي
Between Place, Man and Religious/Geopolitical Doctrine Looking ahead to the Challenges of Israeli Spatial Planning
الملخّص
ملخص: تهدف هذه الدراسة إلى الاستعراض الناقد للتحولات في التخطيط الحيزي، ومناقشة مدارس التخطيط وفقهه واستخدامه كأداة هيمنة لإنتاج الحيز، وضبط استخدامات الأراضي لتحقيق أهداف الدولة الإسرائيلية. كم تسعى إلى قراءة مشهد التخطيط المعمول به، وتحاول أن تعرض استشراف بعض محاور التحولات في هذا التخطيط كمركب فيه تعبير عن النقاش المتناول داخل إسرائيل. وتعتمد الدراسة على منهجية السرد التحليلي الناقد، وهي جزء من بحث أجري لمعرفة التحولات في الخطاب واللغة التخطيطية، وإنتاج خطاب تخطيط مستقبلي نحو مئة سنة لقيام إسرائيل. وتنطلق الدراسة من مفهوم أنّ التخطيط الحيزي ليس موضوعًا إجرائيًا تقنيًا محايدًا، بل هو ترجمة لفكر وأهداف جيوسياسية محكومة بعلاقات القوة في تخصيص الموارد. كلمت مفتاحية: تخطيط حيزي، صهيونية، مخططات قُطرية، إسرائيل، فلسطين.
Abstract
Abstract: This brief study critically examines transformations in the planning of space and discusses the different schools of planning and its use as a tool to exercise hegemony over the production of space and regulate land usage to serve the aims of the state. The study addresses transformations in planning as a synthesis that gives expression to existing discussion within Israel. The study depends on analytical, critical narrative, and is part of a broader study on analysis of planning discourse and language and the production of a discourse of planning predictions for Israel's centenary. The study proceeds from the assumption that spatial planning is not a neutral, procedural affair but a realization of geopolitical aims governed by power relations in the allocation of resources.
استشراف لتحديات التخطيط الحيزي الإسرائيلي Between Place, Man and Religious/Geopolitical Doctrine
Looking ahead to the Challenges of Israeli Spatial Planning
أستاذ التخطيط الحضري في قسم الجغرافيا ودراسات البيئة بجامعة حيفا، ورئيس مركز التخطيط والدراسات في كفركنا. Professor of Urban Planning at the Department of Geography and Environmental Studies, University
مقدمة
تخضع عملية استشراف مستقبل الحال في إسرائيل لتحدٍّ ذهني متميز عم يكون، أو هو متعارف عليه، في حالات دول أو مجتمعات أخرى. وهذا التميز، أو حتى الخصوصية، نتيجة لحالة قيام الدولة الإحلالية والاحتلالية، واستمرار الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ هذا الصراع الدامي، المستمر منذ أكثر من مئة عام بين الفلسطينيين والدولة الكولونيالية الإحلالية، والذي ما زالت آفاق تسويته غير واضحة المعالم. وتتركز بعض تصورات آفاق التسويات الجيوسياسية في صياغة ورسم الحدود، وهي مترجمة تحت شعار "حلّ الدولتين" المتجاورتين؛ فلسطين وإسرائيل. وثمة آفاق أخرى ذات دوافع أيديولوجية دينية تخليصية مهدوية لا تؤمن بالتسوية الجيوسياسية، بل تسعى للسيطرة على كلّ فلسطين، أو كم تطلق عليها "أرض إسرائيل" بحسب الرواية اليهودية الصهيونية التوراتية، أو التخلص منها بواسطة القضاء على كيان إسرائيل كدولة. ورغم هذه الآفاق المتناقضة، يوجد حاليًا داخل الحيز ما بين نهر الأردن شرقًا والبحر الأبيض المتوسط غربًا شعبان في حالة صراع على الأرض، لهم روايات وسرديات متناقضة. وفي واقع هذا الصراع، يعيش كلا الشعبين في حالة خوف وسيطرة على موارد القوة بشروط غير متناظرة. ويدفع هاجس الخوف المبرر أو غير المبرّر إسرائيل لصياغة سياسات وإنتاج تخطيط حيزي يؤمّن تحقيق أهدافه على حساب تحقيق أهداف الفلسطينيين. فكيف استخدم التخطيط الحضري موارد المكان، والإنسان والعقيدة الدينية/ الجيوسياسية، لإنتاج الحيز؟ وما براديغم - نموذج التخطيط الذي يشكل أداة طيعة بيد الدولة لتحقيق مبادئ رئيسة تشكل بوصلة عليا موجهة للتخطيط الحيزي لتوجيه مستقبل الدولة العبرية في فلسطين؟ تهدف هذه الدراسة الموجزة إلى الاستعراض الناقد لهذه التحولات في التخطيط الحيزي، وقراءة مشهد التخطيط المعمول به، مستشرفةً بعض محاور التحولات في التخطيط كمركب فيه تعبير عن النقاش المتناول داخل إسرائيل، ومعتمدةً على منهجية السرد التحليلي الناقد، وهي جزء من بحث أجري لمعرفة التحولات في الخطاب واللغة التخطيطية، وإنتاج خطاب تخطيط مستقبلي نحو مئة عام لقيام إسرائيل، ومنهجيةالدراسة هي "الباحث كلاعب". تنطلق الدراسة من وضع إطار معرفي لمفهوم التخطيط واستخدامه في الواقع الإسرائيلي، نتبعه بعرض الثبات والتحول في الفكر والممرسة في نماذج التخطيط Paradigms Shafting، التي أعدت وتلك
David Lloyd, "Settler Colonialism and the State of Exception: The Example of Palestine/Israel," Settler Colonial Studies, vol. 2, no. 1 (2012), pp. 59-80. هناك مدارس دينية داخل المجتمع تؤمن بأنّ الاستعداد العقلاني المخطط للمستقبل في البلاد هو أمر جانبي؛ لأنّ الصراع حتمي، والخلاص يكون مع قدوم المسيح/ المهدي المنتظر. وهذا الخطاب موجود لدى مجموعات دينية أرثوذوكسية. كاتب المقال هو مخطط مدن مشارك في إعداد مخططات حيزية قطرية، إقليمية ومحلية في البلاد، بما في ذلك مخططات بديلة ومقاومة لتلك المعدة أو المقرة من قبل المؤسسات الرسمية، إضافة إلى كونه باحثًا ناقدًا لسياسات التخطيط. وهو يُجري، حاليًا، بحثًا بشأن الخطاب التخطيطي، كجزء من طاقم أكاديمي ممثل لتسع مؤسسات أكاديمية إسرائيلية تشارك في إعداد مخطط حيزي إستراتيجي "إسرائيل."100
الموجودة في طور الإعداد، ثم نتناول الخطاب التخطيطي والعلاقة بين التخطيط الحيزي وسياسات حوكمة الأراضي. وفي الجزء الثالث من الدراسة، نتناول الاستشراف المستقبلي للتخطيط الحيزي المتأرجح بين تعريف المكان، وهندسته وإنتاجه، وإشكاليات التعامل مع الإنسان الذي يعيش في المكان، وروايته، وانتمءاته ومتطلباته، والمزج أو التفريق بين العقيدة الدينية والجيوسياسية في تشكيل حالة تميز التخطيط الحيزي، ومعه صياغة الحدود وتوزيع الموارد الفيزيائية والرمزية.
أولً: مفهوم التخطيط واستخدامه يف الواقع الإسرائيلي
انطلق التخطيط الحيزي الرسمي المقنّن كجزء من سياسات تدخل الدولة في صياغة تشكيل إنتاج الحيز مع بداية القرن العشرين؛ إذ إنّ التخطيط جزء من سلطات ومؤسسات الدولة الحديثة، وهو جزء من أدوات الدولة المهيمنة على الإنتاج وامتلاك الحيز العام وإدارته. وقد طُوِعت هذه الأداة الحداثية في صياغة الصراع، وهي جزء من أدوات الكولونيالية التي تساهم في تعميق وثبات سيطرته، باستخدام التخطيط لتحقيق ما يعتبر أهداف الصالح العام. كم يشكل التخطيط أداةً لوضع إطار منظم وناظم، مترجم لفكر وذهنية وأيديولوجية وسلوك تنظم رصد الموارد وصرفها من أجل تحقيق أهداف يجمع عليها أنها لمصلحة المجتمع حاليًا ومستقبلً؛ أي إن التخطيط ليس عملية ميكانيكية، بل هو نتاج فكر وذهنية وثقافة وسلوك، تتم ممرستها في الواقع من أجل ترشيد إدارة ندرة الموارد، وتوفير استدامة هذه الموارد لمستقبل الأجيال اللاحقة. التخطيط هو عملية اجتمعية وسياسية أيضًا، تسعى لرصد الموارد وتوزيعها بين مجموعات السكان في مواقعها المختلفة. فتوزيع الموارد متأثر مباشرة بعلاقة القوة داخل المجتمع، وتحقيق إتاحة ومنالية الأفراد والمجتمعات للموارد. وهذا يعني أنّ التخطيط متأثر مباشرة بعلاقة القوة عادة بين الأفراد والمجموعات، ممّن يسيطرون على الموارد، ويمتلكون القدرة والهيمنة، ويحظون بموارد أكثر من أولئك الذين لا يملكون. ومن خلال التخطيط، يمكن ترشيد استخدام الموارد، وإعادة توزيعها وخلق عدالة توزيعية ومحاصصة بين أفراد المجتمع ومجموعاته، وهذا الترشيد والعدالة يتحققان عند توافر أيديولوجية وسياسات عامة تسعى لتحقيق العدالة المجتمعية والحيزية، ولكن في الواقع، يوجد
عنتر عبد العال أبو قرين، المدخل إلى التخطيط العمراني: المفهوم والخصائص والأساليب (الرياض: مكتبة الملك فهد الوطنية،.)2018 يوسف جبارين، التخطيط القومي في إسرائيل: استراتيجيات الإقصاء والهيمنة، ترجمة سليم سلامة وسلافة حجاوي (رام الله: مدار، 2013)؛ ثائر مطلق محمد عياصرة، مدخل إلى التخطيط الحضري: المفاهيم والنظرية والتطبيق (عمّن: دار الحامد للنشر والتوزيع،.)2015 Robert Home, Of Planting and Planning: The Making of British Colonial Cities, 2 nd ed. (London & New York: Routledge, 2013). Marcus B. Lane, "The Role of Planning in Achieving Indigenous Land Justice and Community Goals," Land Use Policy, vol. 23, no. 4 (October 2006), pp. 385-394; Marcus B. Lane & Michael Hibbard, "Doing it for Themselves: Transformative Planning by Indigenous Peoples," Journal of Planning Education and Research, vol. 25, no. 2 (December 2005), pp. 172-184.
فيه علاقة صراع بين أغلبية مسيطرة وأقلية مسيطر عليها، وإن كانت الأغلبية تسيطر على الموارد (القوة، والأرض، والقرار السياسي، والحيز العام) فإنّ منالية الأقلية لهذه الموارد تكون محدودة وتعاني التخطيط.
1. استشراف بناء الأمة ما قبل الدولة
كان احتلال فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى، وبسط الانتداب البريطاني عليها عام 1920، من أجل تحقيق وعد بلفور الصادر عام 1917 الذي نصّ على أن "تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قوميّ للشعب اليهوديّ، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليًا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر". ويتطلب إنجاز هذا الوعد، الذي صدر بعد مرور عشرين عامًا على عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897، دعم عملية كولونيالية منظمة تشمل امتلاك الأرض، وزيادة السكان بواسطة الهجرة اليهودية، وإقامة مستوطنات، وتشكيل مؤسسات عاملة مدعومة من نظام سياسي مسيطر تمثل بالاحتلال البريطاني في العام 1917 لفلسطين، وتطبيق الانتداب البريطاني عليها، الذي كان في صكه تنفيذ وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود بالتعاون مع وكالة يهودية. وخلال هذه الفترة، صاغت الحركة الصهيونية هويتها الجمعية، مستغلةً شبّاكَ فرصٍ ذاتيًا وعالميًا، مكّنها من شراء أراضٍ بحسب إستراتيجية خلق تواصل إثنوجيوسياسي، مستغلة شراء الأراضي الزراعية في مناطق السهل لترتبط بالزراعة والأرض. وقد بدأ هذا التواصل من مكان موارد المياه في شمل شرق فلسطين، مرورًا بسهل الحولة، ثم سهل بيسان، وبعدها مرج ابن عامر للربط مع سهل زيبلون وميناء حيفا. ومن هناك استمرت السيطرة في اتجاه الجنوب على امتداد السهل الساحلي نحو يافا والرملة، مشكّلة ما يعرف في الفكر التخطيطي الإسرائيلي من ثلاثينيات القرن الماضي بN الاستيطاني. وقد شكل هذا التواصل الاستيطاني الصهيوني أساس صياغة قرار الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947 بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية ودولة يهودية، وهو ما استشرفه هرتسل عندما قال: "في بازل وضعت الأسس لإقامة الدولة اليهودية [...] وربما خلال خمسة أعوام، وبلا شك بعد خمسين عامًا، سيدرك الجميع ذلك". وفعلً تحقق استشراف هرتسل لإقامة الدولة اليهودية التي لخص تبريرها وطبيعتها في كتابه الأرض القديمة الجديدة. Altneuland
John Forester, Planning in the Face of Power (California & London: University of California Press, 1989). شالوم رايخمان، من موطئ قدم إلى بلاد مأهولة: تشكيل الخارطة السكانية اليهودية في أرض إسرائيل 1948-1918 (القدس: ياد بن تسفي، 1979). (بالعبرية)؛ Aharon Kellerman, Society and Settlement: Jewish Land of Israel in the Twentieth Century (Albany, New York: State University in New York Press, 1993). "هرتصل والحركة الصهيونية"، موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، شوهد في: 2019/5/14، في: https://bit.ly/2JmdrZE (بالعبرية)
ومم تقدم يمكن أن نخلص إلى أنّ قيادات الحركة الصهيونية استشرفت مستقبل إحياء الصهيونية، ومعها اليهودية كقومية، ودين مرتبط بمكان، فلسطين، وسعَت لإقامة دولة حديثة فيها. صحيح أنّ امتلاك الأرض دفع الهجرة اليهودية، وأنّ انتشارها وتوزيعها واختيار مواقع وشبكة المستعمرات لم تكن بموجب مخطط هيكلي ناظم وضابط مُقَر من مؤسسات تخطيط رسمية، كم هو الأمر بعد قيام إسرائيل، بل كانت تخطيطًا فيزيائيًا توجيهيًا يدمج بين المستوى الرؤيوي والإنجازي؛ إذ جرى تخطيط المستعمرات الزراعية الصهيونية التعاونية (الكيبوتس والموشاف - تجميع وجلوس) بموجب تخطيط مبادر وحداثي تديره وتموله الوكالة اليهودية. وبعد سيطرة الانتداب البريطاني على فلسطين، قام هذا التخطيط بإقرار أمر تنظيم المدن لعام 1921، وتبعه أمر تنظيم المدن والأقاليم لعام 1936، ومن ثم وضعت أسس التخطيط الحيزي الرسمي الملزم بها. وبموجب أمر تنظيم المدن 1936، تم تقسيم فلسطين إلى ستة ألوية، ولكل لواء أ عِدّ مخططٌُ هيكلي لوائي تم إقراره من جانب مؤسسات تخطيط رسمية شُكّلت بموجب الأمر. واعتمدت مؤسسات التخطيط مبدأ المركزية والتدرج التنازلي الملزم، بحيث تكون قرارات المؤسسات القُطرية التخطيطية ملزمة للوائي والمحلي. كم أقرّ أمر تنظيم المدن منع أيّ بناءٍ إلا بموجب رخصة بناء تصدرها مؤسسات التخطيط، وبحسب مخطط هيكلي مصدق على أرضٍ يوجد عليها إثبات/ سند ملكية لطالب الرخصة. ومنذ 1936، أصبحت رخصة البناء وكوشان الطابو أداة سيطرة على التطوير. رغم سيادة المؤسسات التخطيطية الانتدابية على المجتمع الفلسطيني الأصلاني وعلى المستعمرات المقامة لاستيعاب الهجرة الصهيونية الوافدة، فإنّ الحركة الصهيونية مارست عمليات تخطيط وتطوير شبه منفصلة، وشكلت مؤسسات شبه ثنائية مستقلة تخدم الاستيطان الصهيوني. هكذا، وفي ظلّ سلطات الانتداب البريطاني الذي عمل لتحقيق وعد بلفور، قامت الحركة الصهيونية ببناء شبكة مستعمرات قروية ثنائية لشبكة القرى والمدن الفلسطينية الأصلانية. وقد كبرت شبكة الاستيطان الصهيونية وتوسّعت لاستيعاب الهجرة الوافدة التي جاءت لتحقق المشروع الصهيوني الذي صاغته الحركة الصهيونية في بازل 1897، وتم دعمه بوعد بلفور 1917، وصاغ الانتداب أدواته من خلال منح الحركة الصهيونية فرص امتلاك الأرض، واستقطاب هجرة أيديولوجية وافدة، وإقامة شبكة استيطان شكّلت أساسًا لتقسيم فلسطين جيوسياسيًا، وإقامة دولة إسرائيل لاحقًا على 77 في المئة من مساحة فلسطين عام.1948
2. استشراف بناء الدولة وتوجيه مستقبلها
تغير مفهوم التخطيط الحيزي وأدوات استخدامه مع إعلان قيام الدولة، وذلك بعد إنهاء الانتداب البريطاني الذي مهد لبناء الدولة في مرحلة يطلق عليها مرحلة صياغة الأمة في الطريق إلى الدولة.
ففي هذه المرحلة، لم تمتلك الحركة الصهيونية عوامل القوة والسيادة لصياغة تخطيط حيزي رسمي وملزم. وبعد إقامة الدولة، أصبحت الدولة اليهودية تمارس سلطتها لامتلاك الحيز، بواسطة أربعة عوامل للسيطرة على الأرض. وبموجب هذه العوامل، أصبحت الدولة مالكةً ومسيطرة على 93 في المئة من الأراضي التي أعلنت إسرائيل أنها تخضع لسيادتها وإدارتها على نحو مركزي، معتمدةً على أيديولوجيا دينية مفادها أنّ الأرض يمنع بيعها، بل هي ملك للشعب اليهودي، والذي مثلته الوكالة اليهودية والصندوق القومي لإسرائيل قبل قيام الدولة، وبعد إقامتها أضافت إليها إسرائيل أراضي العرب الفلسطينيين الخاصة، الذين تمّ تهجيرهم خلال عملية النكبة، إضافةً إلى أراضي الموات والميري/ الأميرية التي كانت تخضع للسيادة العثمنية، ولاحقًا الانتدابية، وأخذتها إسرائيل على اعتبار أنها السلطة الحاكمة. في أعقاب النكبة وما رافقها من تطهير حيزي وحضري وتحويل أراضٍ وطرد سكاني عربي فلسطيني، مارست سلطات الدولة الإسرائيلية الحديثة إستراتيجية حيزية تدمج بين إشغال المكان بالإنسان الصهيوني اليهودي المعبأ بأيديولوجية دينية وجيوسياسية، مُتَبنيةً منهجية تخطيط حيزي مركزي مبادر ومُجند، لإعادة تشكيل خارطة إحلالية لانتشار السكان اليهود، في المحيط الذي تمّ تفريغ العرب الفلسطينيين فيه من مدنهم وقراهم ومضاربهم. صيغت هذه المنهجية بوثيقة تخطيط أخرجت عام 1951، تحت عنوان "تخطيط فيزيائي لإسرائيل"، أو كم يعرف ب "مخطط شارون "1951. ويشكّل هذا المخطط أول مخطط فيزيائي توجيهي وُضِع ونشر لاستشراف مستقبل إسرائيل الدولة.
حاييم زندبرغ، أراضي إسرائيل: الصهيونية وما بعد الصهيونية (القدس: معهد أبحاث التشريعات والقانون المقارن، 2007). (بالعبرية) راسم خمايسي، "أيديولوجية سياسات وأدوات السيطرة على الأرض وتهويد المكان"، قضايا إسرائيلية، العدد 54 (أغسطس 2014)، ص.33-13 Baruch Kimmerling, Zionism and Territory: The Socio-Territorial Dimensions of Zionist Politics, Research Series 51 (Berkeley, Ca: University of California Institute of International Studies, 1983). محمد الحزماوي، ملكية الأراضي في فلسطين 1948-1918 (عكا: مؤسسة الأسوار،.)1998 Sari Hanafi, "Explaining Spacio-cide in the Palestinian Territory: Colonization, Separation, and State of Exception," Current Sociology, vol. 61, no. 2 (March 2013), pp. 190-205. سلمان حسين أبوستة، أطلس فلسطين 1966-1917 (لندن: هيئة أرض فلسطين،.)2011 Ghazi Falah, "The 1948 Israeli-Palestinian War and its Aftermath: The Transformation and De-Signification of Palestine's Cultural Landscape," Annals of the Association of American of Geographers, vol. 86, no. 2 (June 1996), pp. 252-267; Arnon Golan, "The Transfer to Jewish Control of Abandoned Arab Lands During the War of Independence," in: S. Ilan Toren & Noah Locas (eds.), Israel: The First Decade of Independence (Albany, New York: State University in New York Press, 1995), pp. 403-440. راسم خمايسي، "التخطيط القطري في إسرائيل - تتابع وتحولات: وجهة نظر المواطنين العرب"، في: شلومو حسون (محرر)، بلورة الحيز في إسرائيل: خارطة الإسكان والأراضي (القدس: كيتر وكيرن كييمت، 2012)، ص 132-109. (بالعبرية) أرييه شارون، تخطيط فيزيائي بإسرائيل (القدس: الطباعة الحكومية، 1951). (بالعبرية)؛ سمادار شارون، "المخططون: الدولة وبلورة الحيز القومي في مطلع الخمسينات"، نظرية ونقد، العدد 29 (2006)، ص 58–31. (بالعبرية)
وقد لخص هذا المخطط إستراتيجية التخطيط الحيزي وسياسته التي استمرت تشكّل أساسًا لمدرسة التخطيط وفقهه حتى نهاية الثمنينيات. لخّص مخطط شارون 1951 العقيدة التخطيطية المدنية التي اعتمدتها القيادة السياسية الممثلة بالحكومة الإسرائيلية لصياغة الحيز. واعتمدت مبادئ المخطط النقاط التالية: الأرض والشعب والزمان، وعزا المخطط هذه المبادئ إلى استعادة الشعب اليهودي لأرضه، وهذه فرصة كان يجب استثمرها بتخطيط مناسب. لم يضع المخطط حدودًا جيوسياسية، ووضع مبادئ تخطيط تتلخص في النقاط التالية: توزيع السكان اليهود لمناطق الأطراف (الجليل والنقب والمثلث) بحيث يسكن 70 في المئة من اليهود في مناطق الأطراف، وإنتاج شبكة بلدات قروية ومدنية متدرجة تشمل إقامة مدن تطوير أو تحويل المدن العربية الفلسطينية التي تمّ طرد وتهجير سكانها إلى مدن تطوير مثل بيسان وطبريا، تخدم رديفًا قرويًا. كم قسم المخطط الدولة الجديدة إلى 24 منطقة تخطيط/ محافظة، فيها مركز يخدم حوليات قروية. وهَدف المخطط إلى تطبيق كولونيالي داخلي وإحلال عرقي في منطقة الأطراف، إضافةً إلى حمية حدود وقف إطلاق النار واستيطان الأراضي التي جرى فيها تطهير حيزي من العرب الفلسطينيين. وتوقع المخطط أن يرتفع عدد سكان إسرائيل من نحو 900 ألف عام 1949 إلى 2.650 مليون عام 1965، بالنسبة إلى العام الذي استهدفه المخطط. صاغ "مخطط شارون 1951" مدرسة وفقهَ التخطيط الفيزيائي الإسرائيلي خلال العقود الأربعة لتأسيسها، مع التركيز على توزيع السكان اليهود وانتشارهم حيزيًا، وتركيز بقية السكان العرب الفلسطينيين الأصلانيين، وتبني مبدأ التركيز على تطوير الأطراف، وإقامة القرى الزراعية والمدن الصغيرة، وتحفيز المجتمعات القروية ودعمها، وحمية الأراضي الزراعية، واستخدام سيطرة الدولة على الأراضي لتحقيق أهدافها بموجب تخطيط مبادر، مع تجاهل للتخطيط الانتدابي الضابط أو استخدامه على نحو انتقائي. وقد مكّن وفود واستقطاب أكثر من 1.3 مليون مهاجر يهودي إلى الدولة المنشأة، بما في ذلك من الدول العربية والإسلامية خلال العقدين الأولين لتأسيسها، إسرائيل من تحقيق أهداف التخطيط وإعادة رسم خارطة السكان وشبكة الاستيطان اليهودية. وبالنسبة إلى المواطنين العرب الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم، فقد فرضت عليهم الدولة الحكم العسكري
أرية هيرشكوفيتس، التخطيط الحيزي في إسرائيل: سياسة راسية في الأرض (حيفا: مركز أبحاث المدينة التخنيون، 2009). (بالعبرية) Elia Zureik, The Palestinians in Israel: A study in Internal Colonialism (London: Routledge & Kegan Paul, 1978). راسم خمايسي، التخطيط والإسكان لدى المواطنين العرب (تل أبيب: المركز الدولي للسلام، 1990) (بالعبرية)؛ شارون، "المخططون." Eran Razin (ed.), National, District and Metropolitan Planning in Israel: A Collection in Memory of Pro. Arie Shachar (Jerusalem: Floersheimer Studies, 2010). 22 حسون.
خلال الفترة 1966-1949؛ إذ مارس هذا الحكم سياسات الضبط والرقابة، والسيطرة الفردية والجمعية والحيزية، بما في ذلك مصادرة الأراضي والتخطيط الفيزيائي الحيزي الضابط والتبعية الاقتصادية. بعد احتلال إسرائيل الأراضي الفلسطينية ("الضفة الغربية"، والقدس الشرقية، وقطاع غزة)، والجولان السوري، وسيناء المصرية، عام 1967، مورست فيها سياسات تخطيط حيزي تعتمد على تجربة فترة ما قبل الدولة وتشكيل الأمة وفترة بناء الدولة، بحيث أقيمت مستعمرات زراعية في البداية، وتبعتها إقامة بلدات مدينية. وبعد احتلال الضفة الفلسطينية، أعدت مخططات إقليمية حيزية معلنة لتوجيه الاستيطان، وتثبيت الاحتلال العسكري بواسطة تطبيق سياسات وأدوات كولونيالية، مع محاولة منحها خصوصية بالاعتمد على مبررات عقائدية مرتبطة بادعاء تاريخي ديني يتعلق بإنجاز حق اليهود التاريخي بالبلاد. وتم تحقيق هذا الادعاء بواسطة استخدام قوة الدولة وقوانينها التي فرضت ضم القدس الشرقية، وبسط السيادة الإسرائيلية عليها. وترجمت هذه السيادة بمصادرة 40 في المئة من الأراضي المضمومة التي أجري عليها تخطيط مطور وإقامة 13 مستوطنة ("أحياء" بحسب التعريف الإسرائيلي) مدينية، بلغ عدد سكانها اليهود حاليًا نحو 220 ألف مستوطن، بينم استخدم التخطيط مصيدة لضبط تطور الفلسطينيين. في المقابل، طبّق الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الفلسطينية مخططات حيزية إقليمية توجيهية، أعدَّ غالبيتها قسم الاستيطان في الوكالة اليهودية، أو صاغها قادة سياسيون ومؤسسات يهودية صهيونية. وتترجم هذه المخططات الحيزية الأيديولوجية والرؤية الجيوسياسية لمعديها، ويتم إنجازها بممرسة السيطرة على المكان بواسطة إقامة شبكة من المستعمرات القروية والمدينية. لم تُعَدِّل هذه المخططات الإقليمية المخططات الإقليمية الانتدابية رسميًا، بل عدّلتها على نحو جزئي وموضعي بموجب مخططات هيكلية محلية أعدت لإقامة المستعمرة أو تعديلها؛ لإقامة طرق أو منشآت عسكرية يتم مَدينتها بمرور الوقت. كم تستغل إجازة التخطيط الانتدابي إقامة مبانٍ ومنشآت مؤقتة لخدمة الحكم المركزي، وبعد إقامتها يتمّ شرعنتها بموجب قرارات حكومية إسرائيلية متحايلة على القانون الدولي.
خمايسي، التخطيط والإسكان؛ يئير بويمل، ظل أزرق أبيض (حيفا: برديس،.)2007 نستخدم في هذا المقال "الضفة الفلسطينية" بدلً من "الضفة الغربية" الذي أطلق عام 1951 بعد ضمها إلى الملكة الأردنية الهاشمية. وبعد قرار فك الارتباط عام 1988، وعقد اتفاقيات تسوية مرحلية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، فإن الاسم المرشح هو الضفة الفلسطينية، أما إسرائيل فتطلق عليها اسم يهودا والسامرة. اليشع أفرات، جغرافية الاحتلال (تل أبيب: كرمل، 2002). (بالعبرية) غرشون شفير، "الأرض، العمل والسكان في الاستيطان الصهيوني: جوانب عامة ومميزة"، في: أوري رام (محرر)، المجتمع الإسرائيلي: جوانب نقدية، خيارات (تل أبيب: بريروت، 1993)، ص 104، 119. (بالعبرية) راسم خمايسي، "مصيدة التخطيط الحضري في القدس"، المستقبل العربي، العدد 475 (سبتمبر 2018)، ص.55-29
بحسب هذه المخططات، قام الاحتلال الإسرائيلي بتركيز تخطيط استعمري في الضفة الفلسطينية، حتى خلق شبكة استيطان صهيوني تجاوز عدد المستعمرات فيها 220 مستعمرة، يعيش فيها حاليًا ما يزيد على 450 ألف مستعمر، مشكّلين قرابة خُمس السكان في الضفة الفلسطينية. وهكذا، رغم أنّ إسرائيل تمارس سياسات تخطيط في مؤسسات تخطيط منفصلة إداريًا في الضفة الفلسطينية، فإنها تمارس عمليًا سياسات تخطيط تؤمّن استمرار سيطرتها على الضفة الفلسطينية.
ثانيًا: تحولات التخطيط الإسرائيلي
1. التحول من مدرسة التوزيع الموزع إلى مدرسة التوزيع المركز
كان التحول في مدرسة وفقه التخطيط الرسمي التنازلي الإسرائيلي في بداية التسعينيات، وذلك بعد هجرة نحو 750 ألف مهاجر من الاتحاد السوفياتي، وقدومهم إلى إسرائيل نتيجة عوامل طرد من الاتحاد السوفياتي وترحيب إسرائيلي بقدومهم إليها مشكلين موردًا بشريًا لم يكن متوقعًا؛ إذ قامت إسرائيل باستثمر هذا المورد البشري كميًا ونوعيًا. وفي إطار من هذا الاستثمر، كانت إعادة تشكيل الخارطة السكانية وتوزيع السكان؛ بحيث تمّ تغيير سياسة التخطيط من التركيز على توزيع السكان اليهود، ونشرهم في مناطق الأطراف الجغرافية وتأمين تهويدها، إلى منح المدن عامة، ومنطقة تل أبيب خاصة، أهميةً وأولويةً. إنه التحول من سياسة تخطيط تلخص في "توزيع مُوَزِع"، أي توزيع السكان اليهود في قرى وبلدات صغيرة في الأطراف، إلى سياسة تلخص في "توزيع مُرَكَّز"؛ أي تركيز التطوير في المدن، خاصة في منطقة المركز. وهذا التغيير في مدرسة التخطيط وفقهه عبّت عنه، في مخطط قُطري لإسرائيل رقم 31، الحكومة الإسرائيلية عام 1992 (انظر الشكل 1). وكان هدف المخطط القُطري رقم 31 عام 1995، أي إنّ هدف تخطيط إسرائيل على المدى القصير، وكانت مهمته استيعاب الهجرة الكبيرة غير المتوقعة
Shaul Arieli, Messiansm Meets Reality: The Israeli Settlement Project in Judea and Samaria: Vision or Illusion 1967-2016 (Jerusalem: Economic Cooperation Foundation, 2017). Rami Abdulhadi, "Land Use Planning in the Occupied Palestinian Territories," Journal of Palestine Studies, vol. 19, no 4 (Summer 1990), pp. 46-63; Antony Coon, Town Planning Under Military Occupation: An Examination of the Law and Practice of Town Planning in the Occupied West Bank (Aldershot: Dartmouth Publishing Company Limited, 1992); علي شعبان عبد الحميد، "التخطيط العمراني وإدارة الحيز المكاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة"، سياسات، العدد 9 (صيف 2009)، ص.17-1 30 هيرشكوفيتس. راسم خمايسي، "منظومات السيطرة على الأرض وتهويد الحيز"، في: م. الحاج وأ. بن اليعيزر (محرران)، باسم الأمن: سوسيولوجيا السلام والحرب في إسرائيل في عصر متغير (حيفا: منشورات برديس؛ منشورات جامعة حيفا، 2003). (بالعبرية)
التي دخلت إسرائيل من دون أن تكون مستعدةً لها، أو مستشرفة لها ولم تستشرفها. هذه الهجرة الكبيرة تجاوزت كميًا ونوعيًا الهجرة التي كانت في الأعوام الخمسة الأولى لإقامة إسرائيل (انظر الشكل 2). وقد كشفت هذه الهجرة وما رافقها من تخبطات وأزمات لكيفية استيعابها، عجزَ الاستشراف المستقبلي في نموذج التخطيط الإسرائيلي الذي عُمِلَ به في العقود الخمسة الأولى لإقامة الدولة، والتي اعتمدت على خطط توزيع السكان للأطراف لتأمين الحدود والكولونيالية الداخلية، ومنذ عام 1967 مارست عملية كولونيالية في الأراضي المحتلة. وقد دفع هذا العجز مدارس التخطيط لإنتاج منهجية ونموذج تخطيط حيزي جديد وطويل المدى؛ إذ بادر مخططون من كلية المعمر وبناء المدن في التخنيون عام 1991 إلى إعداد مخطط رئيس حيزي طويل المدى لإسرائيل 2020، متأثرين بالنموذج الهولندي للتخطيط. ودفع إعداد هذا المخطط الرئيس إلى وضع الأسس لسيناريوهات استشراف إسرائيل لعام 2020، انطلاقًا من الواقع عام 1990. وانضم لاحقًا إلى طاقم إعداد المخطط طواقم حكومية لرسم صورة إسرائيل الحيزية والقطاعية لعام 2020. وقد وضع هذا المخطط الرئيس التوجيهي إسرائيل 2020 صورةَ المستقبل الحيزية والوظائفية لإسرائيل، إضافةً إلى سيناريوهات اقتصادية وبيئية وفيزيائية، وترجمها إلى سياسات إنجازية، معتمدةً على قاعدة أنّ التمدن هو قاطرة التطوير ورافعة النمو والتنمية في إسرائيل. لذا، تمّ التركيز على تنمية المدن، استعدادًا للقرن الحادي والعشرين الذي يُعرف بقرن المدن. كم أنّ المخطط أخذ في الاعتبار دخول إسرائيل سوق العولمة والاستدامة البيئية، ووضع قواعد لكيفية استعداد إسرائيل للدخول في العقود الثلاثة القادمة (2020-1990). ولكنّ معدّي المخطط والمشرفين عليه أغفلوا التحولات الجيوسياسية التي شملت عقد الاتفاقيات المرحلية مع منظمة التحرير الفلسطينية، ولاحقًا مع الأردن. فتحت هذه الاتفاقيات فرصًا لاستشراف مستقبل حيزي آخر، بما في ذلك إمكانية تحويل إسرائيل من "جزيرة" جسمها في الشرق الأوسط ورأسها ووجهتها نحو الغرب إلى حال دولة مُشبَّكة، لها امتداد وتكامل مع الدول المحيطة، بما في ذلك الدولة الفلسطينية التي سوف تتقاسم معها أرض فلسطين. وبناءً على فكر ومضامين ورسالة المخطط الرئيس التوجيهي "إسرائيل 2020"، تم إعداد مخطط قُطري رسمي رقم 35 حدد سياسات التخطيط وأدواته، من خلال وضع مخطط استخدام أراض لإسرائيل
Rachelle Alterman, Planning in the Face of Crisis: Land Use, Housing and Mass Immigration in Israel (London: Routledge, 2002). آدم مزور (محرر)، مخطط إسرائيل 2020: مخطط رئيسي لإسرائيل في سنوات الألفين (حيفا: التخنيون، 1997). (بالعبرية) Rassem Khamaisi, "One Country Two States: Planning the Alternative Spatial Relations between Palestine and Israel From Back to Back to Face to Face," in: John Ehrenberg & Yoav Peled (eds.), Israel and Palestine: Alternative Perspectives on StateHood (New York: Rowman & Littlefld, 2016), pp. 159-184.
داخل الخط الأخضر. وقد صادقت الحكومة الإسرائيلية، عام 2005، على المخطط القُطري رقم 35، وأصبح مخططًا ملزمًا لمخططات هيكلية لوائية ومحلية لعام 2035 جديدة. وأدخل هذا المخطط لغةً لنموذج ومدارس التخطيط، منطلقًا من مبادئ التخطيط المستدام. وظلّت حدود المخطط الرسمي القطري الخط الأخضر، أي حدود إسرائيل قبل 4 حزيران/ يونيو 1967، كم هو سائر المخططات القُطرية والإقليمية الرسمية، إضافةً إلى القدس الشرقية وهضبة الجولان اللتين ضمتا إلى السيادة الإسرائيلية بخلاف القانون والأعراف الدولية والأممية. ولكن المخطط كان نافذًا عمليًا لهذا الحد الرسمي؛ حيث استشرف هذا المخطط المركبات الوظائفية والبيئة خارج الحد الأخضر، ليشمل منطقة الضفة الفلسطينية التي تديرها مؤسسات تخطيط تابعة للاحتلال الإسرائيلي، رغم إبقاء التعامل معها رسميًا وكأنها خارج حدود سيادة إسرائيل. كم أخذ المخطط في الاعتبار احتياجات المستعمرين في الضفة الفلسطينية وربطهم بإسرائيل، بينم تجاهل الفلسطينيين واحتياجاتهم.
2. تحولات في الخطاب التخطيطي
يُعبّ الخطاب عن الموارد الرمزية والأدائية والوظائفية التي يتضمنها التخطيط الحيزي، ويصوغ عمليات إنجازه. ويتحول هذا الخطاب متأثرًا بأهداف التخطيط، وعلاقات القوة والمُنْتَج التخطيطي المرغوب استشرافه. لذا، يمكّننا استعراضنا الموجز للتحولات بالخطاب التخطيطي الحيزي في إسرائيل من تلخيص رؤيته ورسالته وأهدافه. إن التغير في الخطاب والكلمت المفتاحية المستخدمة في المرحلة يوجز مضامين التخطيط واستشراف المستقبل. كم أن مراجعة خطاب التخطيط تظهر أن الكلمت المفتاحية المتكررة في العقد الأول لإقامة إسرائيل ركزت على خطاب بناء أمة، وتهويد الحيز وعبرنته، وصيانة الحدود، وتوزيع السكان اليهود، واستيعاب الهجرة وتوجيهها إلى الأطراف، وخلق ميزان جيوديموغرافي، وصياغة الإسرائيلي الجديد، وإقامة قرى زراعية، وتشكيل شبكة قروية وحضرية متدرجة، وازدهار القفر، وتخطيط مركزي تنازلي، إضافةً إلى الفصل الإثنوقومي الحيزي، وتركيز بقية العرب الفلسطينيين الذين تحولوا إلى أقلية مغلوبة بعد النكبة، وإجراء تطهير حضري Urbocide للمدينة الفلسطينية. وأصبح بقية العرب في إسرائيل بعد النكبة أقلية قروية تسلك أنماطًا اجتمعية تقليدية، وتعيش في الأطراف الجغرافية للدولة المنشأة في قرى وبلدات صغيرة، ومرتبطة اقتصاديًا
Barbara Jonstone, Discourse analysis, 2 nd ed. (Malden, MA, Oxford & Victoria: Blackwell Publishing, 2008); Jan Blommaert, Discourse: A critical introduction (Cambidge: Cambridge University Press, 2005); Liz Sharp & Tim Richardson, "Reflections on Foucauldian Discourse Analysis in Planning and Environmental Policy Research," Journal of environmental policy & planning, vol. 3, no. 3 (September 2001), pp. 193-209. Marteen A. Hajer, City Politics: Hegemonic Projects and Discourses (Aldershot: Gower, 1989); Marteen A. Hajer, The Politics of Environmental Discourse: Ecological Modernization and the Policy Process (Oxford: Clarendon Press, 1995); Stephen J. Ball (ed.), Foucault and Education: Disciplines and Knowledge (London: Routledge 1990).
الشكل (1) تطور المخططات الفيزيائية الملخصة للتغيير المفصلي في استشراف مستقبل إسرائيل بحسب المراحل
المصدر: اسيف شماي، وزارة الداخلية، مديرية التخطيط، "عن الإصلاحات بالتخطيط والبناء"، معهد القدس (2009/11/2)، شوهد في 2019/11/7، في: https://bit.ly/33w8TXP (بالعبرية)
الشكل (2) أمواج الهجرة الداخلة إلى إسرائيل (2017–1948) بآلاف ونسبة مئوية من عدد السكان
المصدر: كتاب الإحصاء السنوي 2017، دائرة الإحصاء المركزية (القدس: الطابع الحكومي، 2018)، ص 24، شوهد في 2019/11/7، في: https://bit.ly/34IPAKT (بالعبرية)
بالمركز والمدينة اليهودية المجاورة. وقد تجاهل مخطط شارون 1951 هذه الأقلية في البداية، وتوقع هجرتها إلى المركز أو تركزها في الأطراف، وأنّ زيادتها سوف تعتمد على الزيادة الطبيعية المتناقصة. هذا التناقص هو نتيجة مباشرة لعملية التمدين والمدينة التي من المتوقع أن يمرّ بها هذا المجتمع، لذا فإنّ الخطاب التخطيطي الضابط والمُحدد تعامل مع العرب على أنهم تهديد للدولة التي أصبحوا مواطنين منقوصي الحقوق فيها. تحوّل خطاب بناء الأمة والسيطرة على الأرض، الذي فضل الجديد على القديم، والذي يَهاب بقاء أراض فارغة وغير مُشْغَلة بمستعمرات يهودية حلت محل شبكة البلدات العربية الفلسطينية قبل النكبة - إذ ساد هذا الخطاب في العقود الأربعة الأولى لإقامة إسرائيل - إلى خطاب يركّز على تطوير المدينة بدلً من القرية، وحفظ المناطق المفتوحة مع حفظ الأراضي الزراعية، وتكثيف السكن، وبناء المجتمع بموجب تخطيط ناظم ضابط وموجه يشمل مركبات إجرائية لتطوير إصلاحات في المؤسسات التخطيطية التي تميل إلى التوزيع وتفويض صلاحيات من القُطري إلى المحلي. وتبنى الخطاب الجديد الاستدامة والربط بين الأبعاد السوسيوثقافية والاقتصادية، والبيئية والفيزيائية في الخطاب التخطيطي. وبعد أن ساد الخطاب التخطيطي المؤسس على تبنّي الأيديولوجية الاشتراكية، ولاحقًا أيديولوجية دولة الرفاه، وتطبيقها، بدأ الخطاب التخطيطي وحوكمة الأراضي - منذ بداية العقد الخامس لإقامة إسرائيل - يتأثر، حتى إنه أصبح يعتمد على الأيديولوجية الاقتصادية الاجتمعية الليبرالية، والسوق الحرة كموجهة لسياسات التخطيط، وتخصيص استخدامات الأراضي وحوكمة الحيز. وقد تُرجم هذا التحول من خلال انخفاض دور الدولة في منح الدعم المالي لمناطق الأطراف، الجليل والنقب، بينم انتقل هذا الدعم إلى المستعمرات المنشأة في الأراضي الفلسطينية المحتلة والقدس الشرقية. ورافق هذا التحول دخول إسرائيل عالم العولمة، وتأمين إسرائيل حدودها، بعد الاتفاقيات المعقودة مع الدول العربية المحيطة، بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية التي حولت الصراع من حالة صراع على الوجود إلى حالة نزاع على الحدود والروايات. نجد في الخطاب التخطيطي، كَوْنُه مترجمً كذلك لعلاقات القوة، وصائغًا لعملية إنتاج تخطيط مرغوب فيه، أنّ كلمته المفتاحية تركّز حاليًا على التكثيف الحيزي، والتحديث الحضري، وسوق أراضٍ حرة، وشقق سكنية مكان بيوت سكنية، ومشاركة الجمهور، وتفويض التخطيط للحكم المحلي، وعدل توزيعي، وهجرة إيجابية لمدن المركز، وتكوين
راسم خمايسي، "الثابت والمتحول في الانتشار الجغرافي للعرب الفلسطينيين في إسرائيل"، الحصاد، العدد 3 (2013)، ص.51-17 Tovi Fenster, "Planning from 'Below' in Israel: Reflections on the Public Interest," Geography Research Forum, vol. 29 (2009), pp. 138-151; Albert Z. Guttenberg, The Language of Planning: Essays on the Origins and Ends of American Planning Thought (Urbana and Chicago: University of Illinois Press, 1993); James W. Tollefson, Planning Language, Planning Inequality: Language Policy in the Community (London: Longman, 1991).
حاضرات مدينية، وجسر فجوات اجتمعية وحيزية... إلخ. والسؤالان المطروحان في هذا السياق هم: ما الخطاب التخطيطي الحيزي المستشرف مستقبلً؟ وما مفاتيحه؟ حاليًا، يجري نقاش جدي بشأن استشراف الخطاب المنشأ نحو العقود القادمة. وترغب إحدى المدارس في تثبيت الخطاب الحالي، لأنه يخدم أجندة الدولة. وفي مقابله، سينشأ خطاب في مركزة العدالة التخطيطية، ودمقرطة التخطيط، وإعادة تقسيم الموارد، وتأمين أعلى درجة من حرية الفرد، وإنشاء حيز عام يحترم الحقوق والتنوع. كم ستكون محاور الخطاب إنتاجَ تسويات جيوسياسية، وتخطيطًا عابرًا للحدود، من التركيز على الحيز للتركيز على الوظائف التي يقدمها التخطيط كأداة تعتمد على المنهج التركيبي الشبكي، بدلً من المنهج الخطي التسطيحي. وسيتأثر الخطاب التخطيطي بخطاب التخطيط المستحدث عالميًا، والذي يركز على الاستدامة وترشيد الموارد. وسيُوَاجه هذا الخطاب بانتقاد المستعمرين وداعميهم من اليمين السياسي والعقائدي في إسرائيل. وسيستمر هذا اليمين في التركيز على خطاب التميز والخصوصية الإثنية الصهيونية، والسيطرة على الأرض، واستخدام التخطيط لتحقيق أهداف المشروع الصهيوني الذي يربط بين المكان والإنسان اليهودي والعقيدة الدينية والجيوسياسية. إشكاليات الخطاب التخطيطي تعبّ عنه عند قراءة التحولات في سياسات حوكمة الأراضي لارتباطها العضوي المباشر بسياسات التخطيط الحيزي كم سنوضح بإيجاز في ما يلي.
3. تحولات في حوكمة الأرض بوصفها مشكلً للتخطيط الحيزي
يرتبط إعداد التخطيط الحيزي بهندسة استخدامات الأراضي التي تشمل مجالً معينًا. ولذا فإن سيطرة الدولة على الأرض تشكل شرطًا أساسيًا لإعداد مخططات حيزية وإنجازها. وقد ساهم وعي الحركة الصهيونية منذ إنشائها لهذه الشرطية، في إعداد مخططات توجيهية استشرافية توجه عملية شراء الأراضي، وإقامة المستعمرات عليها قبل إقامة الدولة. ورغم ما بذل من جهد في عملية امتلاك الأراضي في فلسطين بأدوات مختلفة، فإنّ نسبة الأرض التي تمّ امتلاكها من قبل اليهود والحركة الصهيونية في فلسطين قبل عام 1948، لم تتجاوز 6.4 في المئة من مساحتها على أعلى تقدير. ولكن امتلاك الأراضي بواسطة الشراء جرى، على الغالب، بموجب تصور تخطيطي أخذ في الاعتبار النقاط التالية: 1. التركيز على شراء أراضٍ من الإقطاعيين، خاصةً أولئك الذين عاشوا خارج فلسطين، 2. تجنّب شراء الأرض في مواقع فيها تركيز قرى ومدن فلسطينية وأراضٍ مفلوحة، 3. خلق امتداد وتواصل بين الأراضي المملوكة على المدييَن القصير والبعيد، والتي يمكن إقامة المستعمرات الصهيونية عليها، 4.
39 رايخمان. 40 خمايسي، "أيديولوجية سياسات وأدوات السيطرة."
أراضٍ موصولة بموارد الماء وبالعالم الخارجي، وقد بدأ هذا الأمر بمنطقة منابع نهر الأردن وجبل الشيخ ومنطقة الحولة وبحيرة طبريا وسهل بيسان ومرج ابن عامر وميناء حيفا والسهل الساحلي حتى أطراف غزة، مم شكل ما يعرف ب N الاستيطاني اليهودي، ولاحقًا أساسًا لقرارات تقسيم فلسطين. ولم يرافق عملية امتلاك الأراضي تخطيط حيزي رسمي قُطري، بل ركّز التخطيط على المستوى المحلي الذي شمل تموضع المستعمرة لحمية الأرض المملوكة، ولتشكيل عنقود من المستعمرات القروية الاشتراكية في ما بعد. بعد إقامة إسرائيل، أصبح امتلاك الأرض يعتمد على أربعة مركبات باستخدام قوة الدولة وسيادتها، 1. استمرار الشراء، 2. الاحتلال بالقوة، 3. المصادرة باستخدام قوانين الدولة، 4. التوريث؛ على اعتبار أنّ إسرائيل "ورثت" كلّ الأراضي العامة التي كانت تخضع للانتداب البريطاني وقبلها الدولة العثمنية. وبعد أن أصبحت الدولة المنشأة تمتلك وتسيطر على الأراضي، تحررت من الضوابط، وصاغت مخططات قُطرية ولوائية ومحلية تهندس الحيز؛ إذ إن استخدام امتلاك الأراضي بيد الدولة، وحوكمتها مركزيًّا كان أداةً طيعة وسهلة في رسم الخارطة الاستيطانية وتوزيع مورد الأرض لتحقيق الأهداف الصهيونية بإحياء الشعب اليهودي، محققًا شعارًا عقائديًا قديمًا، حاضرًا وموجهًا للمستقبل، ملخصًا بالقول: "شعب إسرائيل، أرض إسرائيل، توراة إسرائيل"، وهي قيم موجهة إلى امتلاك الأرض، وتخطيطها وإشغالها في فلسطين، وما زالت هذه شعارات معلنة وموجهة إلى التخطيط الحيزي والسيطرة على الأراضي في المناطق الفلسطينية المحتلة، والتي يتبناها ويمارسها خاصةً اليمين الأيديولوجي الإسرائيلي. ورغم ثبات المنطلق الديني والأيديولوجي للسيطرة على الأرض، وتهويدها لتشكل وعاء لبناء الأمة والدولة اليهودية الصهيونية في فلسطين، فإنه خلال الفترات المختلفة كانت هناك تحولات في نظام شراء، واستملاك، وإدارة وتخطيط الأرض. حاليًا، يوجد تياران مركزيان يتحاوران بشأن سياسات التعامل مع الأراضي والسيطرة عليها، بما في ذلك إدارتها وتخطيطها. ما زال الأول يؤكد أنّ المشروع الصهيوني لم يكتمل، وأنّ الدولة ما زالت في مرحلة البناء والتطور، وحمية حدودها التي ما زالت، هي نفسها، غير ثابتة وغير مشرعنة من جانب أطراف متعددة، خاصة العرب الفلسطينيين أبناء الوطن. وما زال هذا التيار يركّز على استمرار شراء الأرض واستملاكها، وتوسيع الاستيطان اليهودي الصهيوني
41 Kellerman. 42 زندبرغ. 43 Kimmerlin. للمراجعة، انظر: أهداف حزب "البيت اليهودي"، شوهد في 2019/5/15، في: https://bit.ly/2vGrrFc (بالعبرية) عدي نيف، "سياسة الأراضي القومية وتخصيص الأراضي"، في: حسون، ص 85-71؛ عيران فايتلسون، "التخطيط الفيزي في إسرائيل: بين السلطة، المجتمع، رأس المال والبيئة"، في: حسون، ص.108-87
داخل إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. ويترجم خطاب وسلوك هذا التيار منطلقاته الأيديولوجية اللفظية والمعلنة، والتي تعتمد بالأساس على دوافع إثنوقومية ودينية، رغم أنها لا تخلو من منطلقات عقارية اجتمعية وسياسية. ويمثل هذا التيار معظم الأحزاب والحركات اليمينية، والتي تغذيها فتاوى دينية وأيديولوجية من ناحية، وقوة الدولة التي يسيطر عليها اليمين في إسرائيل من ناحية أخرى. أما التيار الثاني، فإنه يميل إلى التركيز أكثر على جوانب بناء الدولة والمجتمع وتأمين جودة الحياة للسكان والوفرة الاقتصادية والاستقرار الاجتمعي، ويحاول المناداة بتوفير بعض الإنصاف والعدل بين المواطنين اليهود، ولاحقًا ربما مع المواطنين العرب، كجزء من تطبيق فكر بناء الدولة والمجتمع، وممرسة تطبيق ما بعد الصهيونية التقليدية، التي تحتاج إلى إعادة صياغة، في نظرهم، بعد إقامة الدولة لأجل صياغة تسوية جيوسياسية مع الفلسطينيين. وينادي هذا التيار بخلق إصلاحات في نظام الأراضي، وخصخصة بعض منها، من دون إلغاء أو إنكار المبادئ الرئيسة للسيطرة على الأرض بموجب تخطيط حيزي يتبنى مدارس وفقه التخطيط الراشد والمرَشد للموارد، وإدخال إسرائيل إلى عهد العولمة والاقتصاد الحر العابر لحدود الدولة القومية، مع التركيز على جودة الحياة للإنسان، بدلً من التركيز على السيطرة على الأرض.
4 ي. فصل الارتباط بين سياسة الأراض والتخطيط الحيزي
هذا الخلاف بين التيارات السياسية والسوسيواقتصادية في إسرائيل، بشأن حوكمة الأرض وعلاقتها بالتخطيط الحيزي وإعادة تشكيل الخارطة اليهودية الصهيونية، ليس أمرًا إجرائيًا، بل يعبر عن إعادة تشكيل أهداف المشروع الصهيوني المنقسم بين تيار ما زال يعيش في حالة ما قبل الدولة لإنشاء الدولة المتخيلة، وتيار آخر انتقل إلى مرحلة بناء الدولة وإعادة صياغة الصهيونية. هذا الانقسام الأيديولوجي السياسي المتعلق بسياسات الأراضي وعلاقتها بسياسات التخطيط، تم التعبير عنه بإلغاء دور دائرة أراضي إسرائيل كعضو شريك مبادر ومصدق لمخططات هيكلية من جانب مؤسسات التخطيط الرسمية إلى صفة مراقب منذ عام 1997. وقد أسست دائرة أراضي إسرائيل بموجب قانون أساس عام 1960 لإدارة كل الأراضي غير الخاصة، بموجب سياسة تصوغها الحكومة الإسرائيلية. وكان هذا الجسم الرسمي يبادر إلى إقامة بلدات على أراض تحت سيطرته بالتوافق مع قسم الاستيطان في الوكالة الصهيونية، ويقوم بتصديقها في مؤسسات التخطيط الرسمية وهو عضو كامل فيها. وقد ساد هذا الحال حتى إقرار إصلاحات في جهاز التخطيط، والذي كشف عن تناقض في دور دائرة إسرائيل ووظيفتها المزدوجين في منتصف التسعينيات من القرن الماضي؛ ما أدى إلى اتخاذ قرار الفصل بين سياسات الأراضي وسياسات التخطيط.
46 حسون؛ فايتلسون.
كم أنّ دوافع النقاش الدائر حاليًا ليست أمرًا رمزيًا، ولا سيم أنه بين أطياف الأحزاب السياسية والفئات العقائدية الصهيونية بشأن سياسات الأراضي وإجراء إصلاحات مؤسساتية بها، مثل تحويلها من "دائرة أراضي إسرائيل" إلى "سلطة أراضي إسرائيل"، والمطالبة بإلغاء الكيرن كييمت ليسرئيل، أو على الأقل فرض رقابة الدولة عليه، والرقابة على الأراضي المخصصة لاستخدام الجيش، والتي تشكل نحو 50 في المئة من مساحة إسرائيل، بل إن هذا الأمر يعبر عن تحولات جيوسياسية وإدارة دولة، متأثرًا بالمناخ العالمي السياسي والاقتصادي، رغم أنّ المنطلق العقائدي اليهودي الدافع إلى السيطرة الجمعية على الأرض هو أنّ "الأرض لا تباع إلى الأبد". ولكن هذا لا يعني أنه لم تكن تُعقد صفقات عقارية خاصة. وحاليًا يمتلك اليهود نحو 96.2 في المئة من مساحة إسرائيل ويسيطرون عليها، منها نحو 3.4 في المئة أملاك يهودية خاصة. كم أنّ التفريق الذي طالب به ممثلو تيار إدارة الدولة على أسس سيادة القانون، يجب أن يكون بين دائرة أراضي إسرائيل التي تمثل الدولة الرسمية التي يجب أن تعمل بموجب قوانين مدنية، وبين الصندوق القومي اليهودي الذي يعمل بموجب نظم وقوانين داخلية دينية قومية إثنية غير رسمية تخدم اليهود، وتستثني المواطنين العرب؛ لذلك فإنّ بيع الأراضي أو تأجيرها يُنَعان منعًا باتًا بحسب نظام الصندوق القومي اليهودي، خاصة للعرب. أما الدولة، فقد أجازت بيع أراض أو تبديلها بحسب سقف محدد بموجب القانون. فمثلً، أجاز لها قانون سلطة التطوير 1950 بيعَ أراض حتى 100 ألف دونم، مع أنها باعت أكثر من مليونَ دونم من الأراضي العربية التي خضعت لسيطرتها للصندوق القومي اليهودي. أما قانون أساس دائرة أراضي إسرائيل 1960، فسمح بإمكانية بيع أراض حتى 100 ألف دونم، إضافةً إلى تحكير الأراضي أو تأجيرها، وقد ارتفعت هذه المساحة عام 2006، بموجب عملية الإصلاحات في سياسات حوكمة الأراضي، وإقرار قانون التسويات الذي أجاز بيع حتى 200 ألف دونم. أما الإصلاحات في نظام ومؤسسات الأراضي التي جرت عام 2009، وبموجبها أسست سلطة أراضي إسرائيل، فقد أجازت بيع حتى 800 ألف دونم، بما في ذلك تمليك الأراضي التي تمّ حكرها من المواطنين من دون تفريق على أسس قومية. وفي الجدول (1)، تلخيصٌ للتحول في أيديولوجيا النظام السياسي الإسرائيلي وبين سياسات وأدوات السيطرة على الأرض، والتي لها تأثير مباشر في سياسات التخطيط الحيزي.
جدعون فيتكون، "مطلوب فصل صحيح بين كيرن كييمت وبين مديرية أراضي إسرائيل"، أراض (كركع)، العدد 50 (2000)، ص 158-139. (بالعبرية) راسم خمايسي، "منظومات السيطرة على الأرض"؛ أيرز تسفاديا، "العسكرة والحيز في إسرائيل"، سوسيولوجيا إسرائيلية، العدد 11 (2010)، ص 361–337. (بالعبرية)؛ عيران أورون ور. رغب، بلاد بالكاكي: الأرض والأمن في إسرائيل (القدس: منشورات كرمل،.)2008 بالعبرية)(
الجدول (1) تلخيص مؤشرات التحول الرئيسة في أيديولوجيا النظام السياسي الإسرائيلي وبين سياسات وأدوات السيطرة على الأرض منذ نشوء الصهيونية إلى اليوم كمؤشر لاستشراف المستقبل
| الفترة | حتى عام 1948 مرحلة التكوين | حتى عام 1967 قيام الدولة وبناؤها | حتى عام 2000 بناء الدولة وإدارتها | بعد عام 2000 |
|---|---|---|---|---|
| أيديولوجيا النظام إ السياسي | بناء الهوية الجمعية وتكوين المشروع الصهيوني لإحياء الشعب اليهودي وييلإقامة الدولة | نظام اشتراكي مركزي يسعى لإثبات وجوده في الحيز والسيطرة عليه، وتطبيق سياسات كولونيال داخلي | بناء دولة وصياغة مجتمع، تطبيق نظام دولة رفاه اجتماعي واستقرار سياسي واقتصادي، وتطبيق سياسات كولونيال خراارجي | تبني سياسة الاقتصاد الليبرالي الحرّ، استقرار سياسي نسبي ووفرة اقتصادية، خصخصة وتفويض صلاحيات واختلاف على الكولونيال الخارجي |
| سياسة الأرض | شراء الأرض، أخذ امتيازات المشاركة مع المؤسسات المسيطرة الصهيونية لتأمين مرمصالحها | تأميم امتلاك الأرض، وتحويلها إلى سيطرة الدولة والأجسام اليهودية بواسطة الشراء والاحتلال وررىالمصادرة والوراثة | توسع في عملية شراء الأرض، وتأمين أكبر سيطرة للدولة على الأرض، تأجيرها وحكرها لمواطنين ومستفيدين، وتبديل أراضٍ لتحقيق أهداف اأأنإلدولة | تباطؤ عملية الشراء، استعداد لبيع أراضي الدولة وتأجيرها، طرح مسألة إعادة توزيع الأراضي والإنصاف على أساس المواطنة، فصل بين الأرض "اليهودية" و"الإسرائيلية" |
| استعداد سلطات الدولة لبيع أراضٍ لمواطنين ومؤسسات | لم يكن هناك استعداد للبيع، بل كان التركيز على الامتلاك لإنشاء الدولة | سمح بصفة استثنائية ومنع تجاوز بيع حتى 100 ألف دونم لحل مشكلات عينية | سمح بشروط خاصة، والحديث عن بيع مساحة 200 ألف دونم مشروطة لتحقيق أهداف الدولة | تبني سياسة السوق الحرة المشروطة، استعداد لبيع وتمليك نحو 800 ألف دونم مخطط في بلدات مدينية نقلت بواسط الحكر |
| علاقة سياسات الأراضي بسياسات التخطيط الحيزي | امتلاك الأرض موجه بموجب تخطيط رؤيوي عام. امتلاك الأرض لإقامة األمستعمرات | ربط عضوي بين السيطرة على الأراضي وتطبيق تخطيط حيزي مبادر لحفظ الأراضي وتهويدها. سياسة الأراضي موجهة وناظمة لسياسات انأىملتخطيط | نقل الربط العضوي بين سياسات الأراضي وسياسات التخطيط إلى الأراضي المحتلة بعد عام 1967، واستخدام ملكية الدولة على الأراضي لرسم الخارطة الرسمية اأألمنشأ | فصل بين سياسات الأراضي وسياسات التخطيط. سياسة التخطيط الحيزي موجهة وناظمة لسياسات حوكمة الأراضي وتخصيصها لتحقيق أهداف سوسيواقتصادية |
في إيجاز، نقول إن التحول الجيوسياسي والسوسيواقتصادي في إسرائيل، وتبنّيها سياسات الاقتصاد الحر التي منحت المكانة المميزة للمدينة، بدلً من المكانة المميزة التي منحت للقرية في الفكر والممرسة الصهيونيين، يوجد له أثرٌ في جدلية العلاقة بين سياسات الأراضي وسياسات التخطيط الحيزي في إنتاج الحيز وصياغته. حاليًا، زاد الحديث عن الأرض بوصفها قيمة عقارية، وليس قيمة دينية قومية فقط. وقد بدأت أصوات كثيرة تعارض نظام تخصيص الأراضي وتوزيعها بين المجموعات المصلحية المختلفة. فمثلً، هناك صراع بين جمعية "ادمتي - أرضي" التي تمثل المستوطنات الزراعية والكيبوتسات وجمعية "كيشت مزرحيت" التي تمثل أبناء مدن التطوير الذين ينتمي معظمهم إلى اليهود السفارديم. كم أنّ مؤسسات التخطيط بدأت تمرّ بعملية توزيع وتفويض صلاحيات جزءًا من عملية دمقرطة العملية التخطيطية. وتخلق هذه التحولات تحديات لكيفية تعامل المجموعات السكانية معها، بمن في ذلك العرب الفلسطينيون. فمثلً، بدأت ترتفع مطالبة العرب الفلسطينيين باستعادة أراضٍ صودرت أو هُجّر أهلها منها، أو مطالبة بتوسيع مناطق النفوذ لبلداتهم وتعديل المخططات الهيكلية لمدنهم وقراهم ومشاركتهم في إعداد هذه المخططات، والاعتراف بقرى عربية ما زالت غير معترف بها، خاصة في منطقة النقب. كم أنّ تحديات التخطيط الحيزي تواجه مسائل كيفية استشراف المستقبل في واقع تحولات في إسرائيل، ومحيطها الإقليمي والعالمي. وهذه التحديات يتم عرضها ومناقشتها في طواقم تخطيط إسرائيلية مثل طاقم "إسرائيل 100 "، وبعضها لخص في أوراق جمعها كتاب إسرائيل 2048.
ثالثًا: استشراف لتحديات التخطيط الحيزي الإسرائيلي
1. مسائل في استشراف التخطيط الحيزي
تتكهّن دائرة الإحصاء المركزية أنّ عدد السكان في إسرائيل سوف يراوح بين 17.6 مليون نسمة (بديل مرتفع) و 13.8 مليون نسمة (بديل منخفض) عام 2050 (انظر الجدول 2)، أي بعد نحو مئة عام لإقامة إسرائيل؛ إذ من المتوقع أن يتضاعف عدد سكان إسرائيل بحسب بديل التكهن المرتفع، بينم يرتفع عدد السكان بنسبة 57 في المئة بحسب التكهن المنخفض في الفترة 2050-2017. وبحسب هذه التكهنات، يرتفع عدد السكان بالاعتمد على هجرة يهودية إيجابية، وزيادة طبيعية تنخفض تدريجيًا مع عملية التمدن والعولمة التي يمر بها المجتمع العربي خاصة. فمنذ إقامة إسرائيل حتى 2017 استوعبت إسرائيل نحو 3.2 ملايين مهاجر يهودي، والعملية مستمرة، حيث هاجر إليها عام 2017 نحو 26.4 ألف مهاجر
49 حسون. شلومو حسون، إسرائيل 2048: التنمية والتخطيط المكاني (القدس: وزارة المالية/ إدارة التخطيط والجامعة العبرية في القدس،.)2016 بالعبرية)(
يهودي. ووفق المعطيات، فإن نحو 46 في المئة من سكان إسرائيل اليهود الحاليين لم يولدوا في إسرائيل، بل هاجروا إليها. كم أن معظم الهجرات اليهودية إلى إسرائيل كانت نتيجة أسباب دفع/ طرد في دول المصدر، وليست نتيجة عوامل جذب واستقطاب الصهيونية في إسرائيل. وحاليًا، فإنّ نحو 50 في المئة من الشعب اليهودي موجود خارج إسرائيل، خاصة في الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية. ولذا، فإنّ التغيرات في حال اليهود ومكانتهم في هذه الدول لهم أثر في هجرة اليهود وزيادة السكان فيها. وهكذا لا تعتمد زيادة السكان في إسرائيل على الزيادة الطبيعية فقط، بل مردها كذلك إلى هجرة يهودية إيجابية إليها. وإنّ الفرق بين التكهن المرتفع والمنخفض مردّه إلى توقع عدد المهاجرين إلى إسرائيل مستقبلً، وارتفاع نسبة الزيادة الطبيعية لدى الطبقة الوسطى اليهودية واليهود المتدينين الحريديم، الذين من المتوقع أن ترتفع نسبتهم من 10 في المئة إلى نحو ربع السكان اليهود حتى عام 2050. ويعود هذا الارتفاع إلى عملية التدين التي يمرّ بها المجتمع اليهودي. أما التكهنات بشأن العرب في إسرائيل، فإنّ عددهم سيرتفع بنسبة 94 في المئة بحسب التكهّن المرتفع، أو نحو 58 في المئة بحسب التكهن المنخفض. أما نسبتهم من مجمل عدد السكان، فتبقى تقارب الخُمس. ويشمل عدد السكان العرب سكان القدس الشرقية وهضبة الجولان، ولا يشمل السكان الفلسطينيين في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة. وتعتمد فرضية زيادة السكان العرب على الزيادة الطبيعية فقط، بينم تستمر عملية ضبط ومنع عودة أو هجرة فلسطينية إيجابية إلى إسرائيل.
الجدول (2) تكهن زيادة عدد السكان في إسرائيل بحسب بديل مرتفع ومنخفض مليون نسمة (2050-2017)
| 2050 | 2020 | 2017 | العام البديل | ||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|
| نسبة | عدد | نسبة | عدد | نسبة | عدد | ||
| 0.100 | 603.17 | 0.100 | 371.9 | 0.100 | 798.8 | مجمل | بديل مرتفع |
| 72.79 | 033.14 | 0.79 | 403.7 | 1.79 | 959.6 | يهود | |
| 28.20 | 570.3 | 0.21 | 968.1 | 9.20 | 838.1 | عرب | |
| 0.100 | 793.13 | 0.100 | 221.9 | 0.100 | 798.8 | مجمل | بديل منخفض |
| 94.78 | 888.10 | 96.78 | 281.7 | 1.79 | 959.6 | يهود | |
| 06.21 | 902.2 | 38.21 | 940.1 | 9.20 | 838.1 | عرب | |
المصدر: كتاب الإحصاء السنوي رقم 69، 2017، دائرة الإحصاء المركزي (القدس: دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، 2018)، شوهد في 2019/11/7، في: https://bit.ly/2CoqViL (بالعبرية)
دائرة الإحصاء المركزي، كتاب الإحصاء السنوي رقم 69، 2017 (القدس: دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، 2018)، ص 24-19، شوهد في 2019/11/7، في: https://bit.ly/2Q0ANah (بالعبرية)
بعد إقامة إسرائيل عام 1948، عاش فيها نحو 873 ألف شخص. وارتفع هذا العدد بنسبة 1000 في المئة خلال سبعين عامًا (2017)، وسوف يتضاعف حتى عام 2050. وهنا تطرح مسائل استشراف تتعلق بالتخطيط الحيزي، مثل: كيف يكون انتشار السكان وتوزيعهم؟ وبأيّ جودة حياة يعيشون؟ وفي أيّ مستوى نمو اقتصادي وتنمية اجتمعية لتلبية احتياجات السكان من أجل تأمين سلة خدمات نوعية للأفراد؟ ولتلبية مضاعفة عدد السكان المتوقعة، هناك حاجة إلى مضاعفة المساحات المبنية والبنى التحتية داخل الدولة. وبحسب معطيات دائرة الإحصاء المركزية، فإن 5.6 في المئة من مساحة إسرائيل مبنية عام 2013، منها 66 في المئة للسكن. وبحسب فحص استعملات الأراضي، اتضح أنّ نسبة المنطقة المبنية من مجمل مساحة اللواء تتلخص في لواء تل أبيب بنسبة 64.2 في المئة ولواء المركز بنسبة 24.4 في المئة (تمثل منطقة المركز)، أما لواء الجنوب، فنسبة المنطقة المبنية هي 1.6 في المئة، ولواء الشمل 6.6 في المئة (تمثل منطقة الأطراف). وسوف يستمر توزيع مضاعفة المنطقة المبنية في التمركز والتكثيف في منطقة المركز، تطبيقًا لمدرسة وفقه نموذج التركيز المركز، مُحَوِلً نموذج التركيز الموزع بحسب ما جاء في المخططات القُطرية رقم 35. وتستمر منطقة المركز في تركيز نحو 80 في المئة من السكان اليهود. أما منطقة الأطراف، فتبقى تركز 80 في المئة من السكان العرب. هذا التوزيع الجيوإثني - قومي سوف يزيد الفجوات بين المركز والأطراف، خاصةً أن الدولة سوف تستمر في تفضيل اليهود، رغم إعلانها اللفظي لجسر الفجوات بين العرب واليهود وبين المركز والأطراف. كم سيُحافظ على الفصل الحيزي السكني بين اليهود والعرب، وبين اليهود المتدينين - الحريديم والعلمنيين؛ حيث ستتعمق إقامة أحياء وبلدات مفصولة مخصصة للحريديم، مم سيزيد من الفجوات والتصدعات الاقتصادية والإثنية. وبالموازاة، ستستمر تبعية البلدات العربية على المركز والمدينة العبرية، رغم زيادة المشاركة الوظائفية في الحيز، بظروف غير متناظرة.
2. ترنح بين يهودية وإسرائيلية الدولة
يبقى الصراع على هوية الدولة وطابعها الذي لم يحسم خلال العقود السبعة من إقامتها، ومن المتوقع ألّ يحسم خاصةً بعد إقرار قانون القومية؛ إذ انطلق قانون الأساس "إسرائيل- الدولة القومية للشعب اليهودي 2018" من ثلاثة مبادئ أساسية: الأول، أرض إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي، وفيها قامت دولة إسرائيل. الثاني، دولة إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، وفيها يقوم بممرسة حقه الطبيعي والثقافي والديني والتاريخي لتقرير المصير. الثالث، ممرسة حق تقرير المصير في دولة إسرائيل حصرية للشعب اليهودي. وفي البند السابع، يقول القانون بشأن الاستيطان اليهودي:
"دائرة الإحصاء المركزية؛ 2018"، ص 11، شوهد في 2019/11/7، في: https://bit.ly/32AYfOh
تعتبر الدولة تطوير الاستيطان اليهودي قيمة قومية، وتعمل لأجل تشجيعه ودعم إقامته وتثبيته. هذا القانون، الذي أقرّ بعد نحو مئة عام من صدور وعد بلفور وسبعين عامًا من إقامة دولة إسرائيل، ترجم رؤية نظام الأراضي ولخص أهداف حوكمة الحيز الذي صاغته الحركة الصهيونية وحققه مشروع إقامة الدولة العبرية، وما زال مستمرًا إنجازه، رغم تغير الأدوات التي تمارس وفق الظرفية الجيوسياسية. انطلق نظام التخطيط الحيزي الرسمي والتوجيهي من أيديولوجية السيطرة على الحيز وتهويده ومن فهم يربط بين الديني والقومي والمكاني، ويصوغ المستقبل. وحددت هذه الأيديولوجية أهدافًا لإنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين، وكانت واعيةً أنّ الشرط الأساسي لإنجازه يتمثل بتوافر أرض تحت سيطرتها. وفي سبيل إحقاق هذا الشرط، عملت الذراع السياسية مع الاجتمعية مع الاقتصادية والمؤسساتية، على نحو متناغم ومتآزر، لتحقيق رواية/ سردية الوعد الرباني/ المسيحياني (المهدوي) إلى وعد سياسي من جانب قوى دولية تمثلت ببريطانيا التي بسطت انتدابها على البلاد، وشاركت الحركة الصهيونية بناء ذاتها وبناء الدولة لاحقًا. وبعد قيامها، مارست الدولة سلطتها ونشرت أذرعها التي ما زالت تواصل العمل بها من أجل تطبيق مصفوفة السيطرة على الأرض من خلال تكوين أجهزة تستغل النظام الإثنوقراطي، للسيطرة على الجغرافيا لمصلحة هندسة ديموغرافية تعتمد الانتمء العرقي أساسًا لوجهتها ومُمرَساتِها. وها هو قانون القومية يجسّد أنّ فلسطين "أرض إسرائيل" هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي، والاستيطان قيمة قومية تعمل الدولة لأجل تشجيعه ودعم إقامته وتثبيته. وقد تمّ هذا التجسيد، وهو مستمر من خلال نظام أراض وحوكمة حيز مركب يستخدم القانون وقوة الدولة لتحقيقه، باستخدام التخطيط الحيزي كأداة ضبط وتوزيع موارد الأرض واستخداماتها. إنّ الصوت الرسمي المعلن في صياغة سياسات التخطيط وتطبيقها يميل إلى تطبيع العلاقة بين ظواهر وماهية يهودية الدولة التي تركز على تخطيط يستوعب هجرة يهودية قادمة، ويمنح موارد أرض وتخطيطًا لبلدات يهودية أو إقامة بلدات يهودية جديدة، بما في ذلك في منطقة الضفة الفلسطينية المحتلة، وبين إسرائيلية الدولة التي تركز على حقوق المواطن، وتأمين المساواة بين المواطنين، وإعادة توزيع الموارد وجسر الفجوات، وقبول التنوع والتعددية في المجتمع داخل الدولة، إلا أنّ الصراع الجيوسياسي الداخلي والإقليمي، والتصدعات المجتمعية بين اليهود والعرب، والعلمنيين والمتدينين، والأغنياء والفقراء، والمركز والأطراف، يجعلان محاولات التطبيع بين الإسرائيلي واليهودي والجسر في ما بينهم حالة مستعصية المنال
جمال زحالقة، "قانون القومية: دستور الأبارتهايد الإسرائيلي"، الدراسات الفلسطينية، العدد 116 (خريف 2018)، ص 34-15؛ نضال محمد وتد، "قانون القومية الإسرائيلي: تكريس دولة العنصرية المعلنة"، العربي الجديد، 2018/7/19، شوهد في 2019/5/16، في: https://bit.ly/2PLXhYL Oren Yiftachel, "Israeli Society and Jewish-Palestinian Reconciliation: 'Ethnocracy' and its Territorial Contradictions," Middle East Journal, vol. 51, no. 4 (Autumn 1997), pp. 505-519; Oren Yiftachel, Ethnocracy: Land and Identity Politics in Israel/Palestine (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2006).
في الواقع والمستقبل المنظور؛ حيث ستبقى سمت اليهودية غالبة على الإسرائيلي، وسياساتُ ومضامين التخطيط وحوكمة الأراضي أيضًا. تبقى حالة الدولة الاستثنائية Exception of State مبرّرًا لاتباع نهج تخطيطي يفضل اليهودي على الإسرائيلي، ويميز ضد العربي، رغم أنّ الظرفية غير مبررة لهذه الاستثنائية المميزة والتفضيلية لليهود.
3. هجين في المدرسة والفقه التخطيطي
يجري نقاش بين فقهاء التخطيط في إسرائيل متسائلين: من أيّ مدرسة وفقه تخطيطي ينتج تخطيط حيزيّ يؤمن احتياجات الدولة والمجتمع المتنوع الذي يعاني تصدعات وشروخ أيديولوجية وجيوسياسية وسوسيواقتصادية وفيزيائية وبيئية؟ هناك من يطالب بإحداث إصلاحات توفيقية في الفكر التخطيطي بتحويله من تخطيط حيزي ملزم على المستوى القُطري واللوائي إلى تخطيط توجيهي للمستوى المحلي. وبحسب هذه الإصلاحات، يجب تفويض وتوزيع الصلاحيات التخطيطية للمستوى المحلي البلدي، وإبقاء المستوى القُطري الشمولي، وإضعاف المستوى اللوائي، ليتحول إلى مستوى إشرافي تنسيقي. وينادي آخرون بإبقاء مدرسة التخطيط الحيزي السائدة، التي تمّت وراثتها من الانتداب البريطاني، ومنحت الدولة قوة التدخل لهندسة الحيز ومنع البناء أو السمح به، بموجب تطبيق مبدأ هيمنة الدولة على التخطيط بحجة تأمين الصالح العام الذي يعلو على الصالح الخاص؛ لتحقيق أهداف الدولة في خلق خارطة سكانية وشبكة بلدية تحقق أهداف الدولة المركزية. وتركز هذه المدرسة على المبنى المركزي المتدرج والتنازلي الملزم لمؤسسات التخطيط. وبحسب هذه المدرسة، يبقى التركيز على إنتاج مخططات هيكلية ملزمة تصدق من مؤسسات التخطيط المسيطرة، وبموجبها تصدر رخص البناء ويتم التطوير الفيزيائي، وتتم مواءمة الخدمات الاجتمعية والاقتصادية وتنسيقها بموجب التخطيط الفيزيائي. أما المدرسة الثالثة، فهي متأثرة بالتحولات العالمية في التخطيط الحيزي الشامل والقطاعي، وهي تعتمد على دمقرطة التخطيط الحيزي وإشراك الجمهور فيه، لإنتاج تخطيط غير متلائم مع المجتمع، وغير مفروض أو مهيمن عليه. وبموجب مدرسة التخطيط هذه، يتم إعداد سيناريوهات تخطيطية عامة وقطاعية، ويتم استقاء التخطيط الحيزي كجزء من شبكة من التخطيط القطاعي الوظائفي الداعم والمكمل للتخطيط الفيزيائي. وتشمل مدرسة دمقرطة التخطيط وتفويض الصلاحيات للمستوى المحلي الدمجَ بين الحيزي والقطاعي، بحسب سيناريوهات متعددة تحكي قصص تطوير المكان مستعينًا ببدائل
Ronit Lentin, "Race and Surveillance in the Settler Colony: The Case of Israeli Rule over Palestine," Palgrave Communications, vol. 3, Article number 17056 (2017), accessed on 16/5/2019, at: https://go.nature.com/2W9Jmmy; Lloyd, pp. 59-80. Home; Rassem Khamaisi, "Israeli Use of the British Mandate Planning Legacy as a Tool for the Control of Palestinians in the West Bank," Planning Perspectives, vol. 12, no. 3 (July 1997), pp. 321-340.
مختلفة؛ بحيث يتمّ اختيار البديل بموجب احتملية قدرة السيناريو على تحقيق إستراتيجية الدولة القُطرية اللوائية والمحلية. حاليًا، يمرّ فقه التخطيط في إسرائيل بتحديات وتساؤلات تفتش عن منهجية تخطيط تستجيب للتغيرات والتحولات المحلية والعالمية لصياغة التخطيط الحيزي في إسرائيل، وهو ما يواجه طاقم تخطيط "إسرائيل 100"؛ العامل على إعداد مخطط إستراتيجي حيزي لدولة إسرائيل 2048. وللتعامل مع هذه التحديات، سوف يتم تطوير مدرسة تخطيط تشمل مركبات هجينة من مدارس وفقه تخطيط حيزي، وتتضمن كثيرًا من المرونة لتستجيب لسرعة التغيرات التي تمر بها الدولة مستقبلً. وسيُطور نموذج تخطيط حيزي مُهَجَّن يشمل مركبات قاسية وضابطة في مسائل معينة تتعلق بالحفاظ على الأرض ذات القيمة القومية، إلى جانب الجيوسياسية والزراعية أو المعرفة؛ كمحميات طبيعية، وتلك المعدة لتمرير بنى تحتية غير لينة مثل الطرق القُطرية، وسكك الحديد، والمنشآت العسكرية، بينم تكون لينة في تبني التخطيطي القطاعي الحيزي الذي يوطّن الوظائف والفعاليات، وينقلها من مكان إلى آخر بتكاليف قليلة نسبيًا.
4. تخطيط في غياب تحديد الحدود
سبق أن أشرنا إلى أنّ مخططًا حيزيًا لإسرائيل عام 1951 عدّ من دون أن يشير إلى حدود الدولة المنشأة أُ، ووضع إستراتيجية تطوير حيزي بقيت موجهًا لسياسات التخطيط القُطري والإقليمي، وحتى المحلي، حتى تمّ تصديق مخطط قُطري رقم 31 عام 1992. وحاليًا، فإن التخطيط الحيزي في إسرائيل منقسم بين التخطيط الرسمي الذي يتوقف حتى الخط الأخضر ويشمل القدس الشرقية والجولان. وتدير هذا التخطيط مؤسسات التخطيط الإسرائيلي الرسمية، العاملة بموجب قانون التخطيط والبناء الإسرائيلي لعام 1965، والتعديلات التي أجريت له والتي وصلت إلى 116 تعديلً حتى الآن. أما منطقة الضفة الفلسطينية المحتلة، فتُدار فيها مؤسسات التخطيط وإعداد المخططات بموجب قانون تنظيم المدن والقرى والأبنية الأردني رقم (79) لعام 1966، وبحسب التعديلات التي فرضها الحكم العسكري بموجب أوامر عسكرية، ما زالت تسود في المنطقة المسمة "ج" بموجب الاتفاقيات المرحلية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية الموقعة عام 1994. وتشكل المنطقة "ج" نحو 60 في المئة من الضفة الفلسطينية، ويتركز فيها 132 مستعمرة مقرة رسميًا من الحكومة الإسرائيلية و 106 بؤرات استعمرية غير مقرة من الحكومة الإسرائيلية. ويعيش حاليًا في المنطقة "ج" نحو 450 ألف مستعمر إسرائيلي، باستثناء القدس
تم تشكيل طاقم تخطيط إسرائيل عام 2017 بمبادرة من شماي أسيف، أستاذ التخطيط الحضري في معهد التخنيون الذي بادر إلى إعداد مخطط إستراتيجي حيزي "إسرائيل 100". يشمل الطاقم مخططين وأساتذة تخطيط في الجامعات والكليات التي تدرس التخطيط الحيزي والعمارة. خلال جلسات إعداد المخطط طرحت نقاشات بشأن المدرسة والفقه التخطيطي الحيزي المطلوب لإنتاج مخطط حيزي طويل المدى في واقع حالة الصراع والتحولات التي تعيشها إسرائيل. كاتب المقال مشارك في هذه النقاشات التي لُخص جزء منها.
الشرقية التي يعيش فيها نحو 220 ألف مستعمر، لهم المواطنة الإسرائيلية الكاملة. كم تشمل هذه المنطقة معسكرات جيش ومنشآت تخدم إسرائيل التي تديرها، رغم أنها ما زالت لا تخضع لسيادتها رسميًا، ولكن إسرائيل تمارس فيها كل الصلاحيات متجاهلة القانون والأعراف الدولية، والاتفاقيات المرحلية التي وضعت على أساس الوصول إلى حل الدولتين. أما داخل المناطق المصنفة "أ" و"ب"، فيعيش نحو 95 في المئة من الفلسطينيين في الضفة الفلسطينية بنحو 40 في المئة من مساحتها. إن حدود منطقة الضفة الفلسطينية نافذة للإسرائيليين، ولكنّ الفلسطينيين محرومون من عبور حدود إسرائيل ودخول المستعمرات من دون إذن، خاصة منذ عام 2002، وبعد إقامة جدار الفصل النافذ للإسرائيليين والحاجز للفلسطينيين بين الضفة الفلسطينية وإسرائيل. ورغم أنّ اتفاقيات أوسلو المرحلية كانت من المفروض أن تنتهي عام 1999، فإنها ما زالت سارية المفعول بالتزام فلسطيني قسري فيها، وبخرقها ومخالفة إسرائيلية طوعية لها. حاليًا، يتوقف التخطيط الحيزي في إسرائيل رسميًا على تحديد استخدام الأراضي على حدود الخط الأخضر، ولكنه يستمر عمليًا في تخطيط شبكة الطرق والبنى التحتية، وحتى إقامة المستعمرات لمحو الخط الأخضر، رغم أنّ هذا التخطيط مصدق رسميًا وإجرائيًا من الحكم العسكري وذراعه الإدارة المدنية. كم أنّ المنطقة "ج" تقطع التواصل الجيوسياسي بين المحافظات الفلسطينية الإحدى عشرة ومناطق "أ" و"ب"؛ ما يعوق إعداد تخطيط حيزي فلسطيني متكامل يخدم نحو 882.2 ألف فلسطيني يعيشون في الضفة الفلسطينية عام 2017، ومن المتوقع أن يتضاعف عددهم حتى عام 2050، ليصلوا إلى نحو 5.5 مليون نسمة. وعلى الرغم من هذا الكمّ الكبير من السكان الفلسطينيين، فإنّ منهجية التخطيط الحيزي ونموذجه ومدارسه تتجاهلهم، أي إنّ سياسات التخطيط تتجاهل الإنسان الفلسطيني، ولكنها تستخدم الأرض وتخططها مطبقةً السيطرة الفعلية عليها، ومطبقةً نظام فصل عنصري على مستوى الإنسان. هذا الفصل بين المكان والإنسان كان نموذج طبقة الإسرائيليين من خلال الاتفاقيات المرحلية، وهو يطبق عمليًا في التخطيط الحيزي للمستعمرات الإسرائيلية، مع تجاهل وجود نحو 190 قرية فلسطينية يعيش فيها نحو 350 ألف فلسطيني في المنطقة المسمة "ج". إن إعداد تخطيط حيزي وتطبيقه في ظل عدم التوافق على حدود جيوسياسية متوافق فيها "يبقيان حالة الدب في الغرفة". في عام 2017، بلغ عدد اليهود نحو 6.959 ملايين إنسانًا، وعدد العرب الفلسطينيين نحو 6.620 ملايين إنسانًا يسكنون بين البحر والنهر؛ أي بنسبة 51.24 في المئة. ومن المتوقع أن يستمر هذا الواقع ليزداد عدد السكان من نحو 13.5 مليون نسمة إلى نحو 21 مليونًا عام 2050 (بحسب بديل التكهن المنخفض). وهذا العدد لا يخطط له التخطيط الحيزي الإسرائيلي ولا الفلسطيني؛ ما سيؤدي
عادل الزاغة، "استشراف التغير الديموغرافي بفلسطين في أفق 2030: قراءة في تقرير، فلسطين 2030، التغير الديموغرافي: فرص للتنمية"'، استشرافللدراسات المستقبلية، العدد 2 (أغسطس 2017)، ص.94-75
إلى تعميق التوترات والصراعات على الموارد، ويزيد حالة الصدام والعنف والاقتتال، مم سيؤثر في إعادة تشكيل الحدود، وربما تطوير تخطيط وظائفي نافذ للحدود. وهذا الواقع الجيوديموغرافي يطرح تساؤلات رئيسة بشأن استمرار الصراع أو التوافق في تسويات جيوسياسية تؤثر في حالة الفصل مقابل التعاون الوظائفي وتصوغها، والتي بالتأكيد تؤثر في خارطة انتشار السكان وشبكة البلدات الإسرائيلية مقابل الفلسطينية. ويجتهد التخطيط الحيزي في إعداد تصورات وخطط وبرامج تتعلق بالبنى التحتية والمشاركات الوظائفية العابرة للحدود الداخلية والخارجية، إلا أنّ استمرار الصراع وبقاء التوجهات القومية اليمينية اليهودية صائغةً للخطاب والسلوك الإسرائيلي، سوف يعوقان تحول إسرائيل من حال الجزيرة والغربة مع محيطها إلى حال المشارك الندي والنظير. وستكون اختراقات شبكية وظائفية للحدود المفروضة، والتي ستصبح نافذة نتيجة للتقنيات الجديدة والشبكات الافتراضية، ولكن تبقى مسألة إنتاج الحد المتوافق عليه أمرًا خلافيًا له أثر مباشر في التخطيط الحيزي في إسرائيل وارتباطاته مع محيطها.
5. صور المستقبل الحيزية
إن استشراف صورة المستقبل الحيزية التي يواجهها، أو يوجّهها، التخطيط الحيزي التقليدي، أو الهجين المستحدث، متأثر على نحو مباشر بحالة الترتيبات والتسويات الجيوسياسية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وإذا ما استمرت حالة الصراع، فإنّ الاعتبارات الجيوسياسية والأمنية والسيطرة على الأرض تبقى موجهة لصياغة التخطيط الحيزي. أما إذا تمّ نسج تسوية بالتوافق، فإنّ الاعتبارات الوظائفية والأدائية المبنية على التعاون والمشاركة العابرة للحدود هي السائدة. وبين هذين القطبين من تسوية الصراع، هناك مروحة من الحلول والترتيبات المفروضة نتيجة عدم التناظر في علاقات القوة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. والتوجه العام هو استمرار التمركز الإسرائيلي في منطقة المركز حول القلب تل أبيب. وسوف يتوسع هذا القلب وينزلق ليصبح حاضرة مركزية ويشمل بلدات قريبة منه ويضمها إليه وظائفيًا وحضريًا، كم سيتم تكثيف البناء والتوسع العمودي بالموازاة مع التوسع الأفقي. وسيكون تطوير مراكز ميتروبولونية ثانوية؛ فمثلً ستكون حيفا شملً، وبئر السبع جنوبًا، والقدس شرقًا، تابعة لتل أبيب التي سوف تشكل قاطرة النمو في إسرائيل وجزءًا من شبكة المدن العالمية. وستتشكل الشبكة الحضرية في إسرائيل بين هذه المراكز الحضرية الأربعة، رغم التفاوت بينها من حيث الحجم والدور الوظائفي. وبالموازاة، سيتشكل المركز الحضري الفلسطيني المُقَطع حيزيًا في منطقة ظهر الجبل، الممتد بين الخليل جنوبًا، وبيت لحم حوليات القدس، ورام الله ونابلس شملً. وفي قطاع غزة، يستمر التكثيف العمودي نتيجةً لمحدودية الانزلاق الحضري الأفقي. هناك عوامل متعددة تؤثر في إنتاج صورة المستقبل الحيزية، ولكن هذه الصورة العامة تحتاج إلى تفاصيل بعد أن وضعت محاورها في مخطط إسرائيل 2020، ومخطط قُطري رقم 35. وبحسب هذا
المخطط الذي صودق بموجبه على مخططات تفصيلية لبناء نحو 650 ألف وحدة سكن جديدة، فإنها تستوعب نحو 2.5 مليون نسمة حتى عام 2035. ومع ذلك ما زالت مسألة استشراف صورة المستقبل الحيزية في حاجة إلى دراسة وتبصُّ، رغم أنّ محاورها الرئيسة ربما كانت شبه واضحة نتيجة الظروف البنيوية والبيئية والجيوسياسية.
خاتمة
يَحكي التخطيط الحيزي غير الرسمي والرسمي التوجيهي في إسرائيل قصة ترجمة السردية اليهودية الصهيونية التي ربطت بين المكان والإنسان والعقيدة الدينية، لتنجز مشروع الدولة المنشأ. هذا التخطيط الحيزي يتشابه مع تخطيط حيزي في دول متعددة، من حيث المنهجية والأدوات والنتاج، ولكنه يكتسب خاصية وتميزًا نتيجة للصراع المستمر بين اليهود الصهيونيين والعرب الفلسطينيين الذي تجاوز مئة عام، ولا يوجد له حل في الأفق. وقد شمل هذا الصراع مركبات لينة ورمزية وأخرى قاسية محسوسة؛ مثل الصراع على مورد الأرض، والمكان، والموروث والتراث، والسرديات، ومستقبل المكان والإنسان. وقد صيغت لهذه الصراعات حلول تخطيطية أدت إلى هندسة الوعي والحيز، ومكنت الصهيونية من إنجاز مشروعها الذي يسعى لإحياء اليهود وتمكينهم من إقامة دولة تكون "ملجأ وقلب" اليهود في العالم. كان هذا الإحياء على حساب السكان الفلسطينيين الأصلانيين، الذين طردوا وهجروا من وطنهم وقطعوا إلى ثلاث مجموعات. الأولى تشمل المهجرين في الخارج الذين يسعون للعودة. أما أولئك الذين ما زالوا في الوطن، فمنقسمون إلى مواطنين في إسرائيل ويسعون لتحقيق حقوق المساواة في المواطنة الكريمة، وآخرين محتلين يسعون لأن يتحرروا وينهوا الاحتلال ويقيموا دولة مستقلة على جزء من فلسطين تمثل وتعبر عن تحقيق مصيرهم. لقد رافق تحقيق الصهيونية لمشروعها في امتلاك الأرض (السيطرة على المكان)، مغذًّى ومدعومًا بعقيدة دينية وسردية جيوسياسية، تطبيق تخطيط حيزي ناظم وموجة لإنشاء شبكة استيطان قروي وحضري مبادر لها. وتحوّل هذا التخطيط الحيزي وتغير كجزء من التغيرات التي واكبت الدولة. وحاليًا، يواجه التخطيط تحديات نظرية وتطبيقية لاستشراف المستقبل، وقد حاولنا استعراض بعضها بإيجاز. وإنّ حالة الخوف وعدم الثقة المتبادلة وغير المتناظرة بين اليهود الصهيونيين والفلسطينيين ستشكل صائغًا لسياسات التخطيط الحيزي. وسيستمر الإسرائيليون في التوسع الاستيطاني، واستقطاب هجرة يهودية بموجب تخطيط حيزي مبادر. ويستمر في هذا السياق تركيز التطوير في منطقة المركز،
Nur Masalha, Maximum Land and Minimum Arabs: Israel, Transfer and Palestinians 1949-1996 (Beirut: Institute for Palestine Studies, 1997).
حاجة إلى توسع، حاولنا أن نفتح له بابًا أوليًا، ولكن المهمة لم تنتهِ.
للتشبيك والتكامل مع الاقتصاد العالمي. وفي داخل إسرائيل، سوف تتعمق الفجوات وسيحافظ على الفصل الحيزي الإثنوقومي والثقافي، داخل المدن الكبيرة وبين المدن الوسطية والصغيرة والقرى، رغم بعض المشاركات الوظائفية. إنّ استشراف المستقبل المترجم إلى تخطيط حيزي في إسرائيل هو محاولة في
المراجع
References
العربية
أبو قرين، عنتر عبد العال. المدخل إلى التخطيط العمراني: المفهوم والخصائص والأساليب. الرياض: مكتبة الملك فهد الوطنية،.2018 أبوستة، سلمن حسين. أطلس فلسطين 1966-1917. لندن: هيئة أرض فلسطين،.2011 بويمل، يئير. ظل أزرق أبيض. حيفا: برديس،.2007 جبارين، يوسف. التخطيط القومي في إسرائيل: استراتيجيات الإقصاء والهيمنة. ترجمة سليم سلامة وسلافة حجاوي. رام الله: مدار،.2013 الحزماوي، محمد. ملكية الأراضي في فلسطين 1948-1918. عكا: مؤسسة الأسوار،.1998 خميسي، راسم. "الثابت والمتحول في الانتشار الجغرافي للعرب الفلسطينيين في إسرائيل". الحصاد. العدد 3.)2013(________. "أيديولوجية سياسات وأدوات السيطرة على الأرض وتهويد المكان". قضايا إسرائيلية. العدد 54. أغسطس.2014 ________. "مصيدة التخطيط الحضري في القدس". المستقبل العربي. العدد 475 (سبتمبر.)2018 الزاغة، عادل. "استشراف التغير الديموغرافي بفلسطين في أفق 2030: قراءة في تقرير 'فلسطين 2030، التغير الديموغرافي: فرص للتنمية'". استشراف للدراسات المستقبلية. العدد 2 (أغسطس.)2017 زحالقة، جمل. "قانون القومية: دستور الأبارتهايد الإسرائيلي". الدراسات الفلسطينية. العدد 116 (خريف.)2018 عبد الحميد، علي شعبان. "التخطيط العمراني وإدارة الحيز المكاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة". سياسات. العدد 9 (صيف.)2009 عياصرة، ثائر مطلق محمد. مدخل إلى التخطيط الحضري: المفاهيم والنظرية والتطبيق. عمّن: دار الحامد للنشر والتوزيع،.2015
العبرية
أفرات، اليشع. جغرافية الاحتلال. تل أبيب: كرمل،.2002 أورون، عيران ور. رغب. بلاد بالكاكي: الأرض والأمن في إسرائيل. القدس: منشورات كرمل،.2008 تسفاديا، أيرز. "العسكرة والحيز في إسرائيل". سوسيولوجيا إسرائيلية. العدد).2010(11
الحاج، م. وأ. بن اليعيزر (محرران). باسم الأمن: سوسيولوجيا السلام والحرب في إسرائيل في عصر متغير. حيفا: منشورات برديس/ منشورات جامعة حيفا،.2003 حسون، شلومو (محرر). بلورة الحيز في إسرائيل: خارطة الإسكان والأراضي. القدس: كيتر وكيرن كييمت،.2012 ________. إسرائيل 2048: التنمية والتخطيط المكاني. القدس: وزارة المالية/ إدارة التخطيط والجامعة العبرية في القدس،.2016 خميسي، راسم. التخطيط والإسكان لدى المواطنين العرب. تل أبيب: المركز الدولي للسلام،.1990 رام، أوري (محرر). المجتمع الإسرائيلي: جوانب نقدية، خيارات. تل أبيب: بريروت،.1993 زندبرغ، حاييم. أراضي إسرائيل: الصهيونية وما بعد الصهيونية. القدس: معهد أبحاث التشريعات والقانون المقارن،.2007 شارون، أرييه. تخطيط فيزيائي بإسرائيل. القدس: الطباعة الحكومية،.1951 شارون، سمدار. "المخططون: الدولة وبلورة الحيز القومي في مطلع الخمسينات". نظرية ونقد. العدد 29.)2006(شالوم رايخمن، من موطئ قدم إلى بلاد مأهولة: تشكيل الخارطة السكانية اليهودية في أرض إسرائيل 1948-1918. القدس: ياد بن تسفي،.1979 شمي، اسيف. وزارة الداخلية. مديرية التخطيط. "عن الإصلاحات بالتخطيط والبناء". معهد القدس (2009/11/2:). في https://bit.ly/33w8TXP فيتكون، جدعون. "مطلوب فصل صحيح بين كيرن كييمت وبين مديرية أراضي إسرائيل". أراض (كركع). العدد 50.)2000(كتاب الإحصاء السنوي 2017. دائرة الإحصاء المركزية. القدس: الطابع الحكومي،.2018 كتاب الإحصاء السنوي رقم 69، 2017. دائرة الإحصاء المركزي. القدس: دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية،.2018 مزور، آدم (محرر). مخطط إسرائيل 2020: مخطط رئيسي لإسرائيل في سنوات الألفين. حيفا: التخنيون،.1997 هيرشكوفيتس، أرية. التخطيط الحيزي في إسرائيل: سياسة راسية في الأرض. حيفا: مركز أبحاث المدينة، التخنيون،.2009
الأجنبية
Abdulhadi, Rami. "Land Use Planning in the Occupied Palestinian Territories." Journal of Palestine Studies. vol. 19, no 4 (Summer 1990). Alterman, Rachelle. Planning in the Face of Crisis: Land Use, Housing and Mass Immigration in Israel. London: Routledge, 2002. Arieli, Shaul. Messiansm Meets Reality: The Israeli Settlement Project in Judea and Samaria: Vision or Illusion 1967-2016. Jerusalem: Economic Cooperation Foundation, 2017. Ball Stephen J. (ed.). Foucault and Education: Disciplines and Knowledge. London: Routledge 1990. Blommaert, Jan. Discourse: A critical introduction. Cambidge: Cambridge University Press, 2005. Coon, Antony. Town Planning Under Military Occupation: An Examination of the Law and Practice of Town Planning in the Occupied West Bank. Aldershot: Dartmouth Publishing Company Limited, 1992. Ehrenberg, John & Yoav Peled (eds.). Israel and Palestine: Alternative Perspectives on StateHood. New York: Rowman & Littlefld, 2016. Falah, Ghazi "The 1948 Israeli-Palestinian War and its Aftermath: The Transformation and De-Signification of Palestine's Cultural Landscape." Annals of the Association of American of Geographers. vol. 86, no. 2 (June 1996). Fenster, Tovi "Planning from 'Below' in Israel: Reflections on the Public Interest." Geography Research Forum. vol. 29 (2009). Forester, John. Planning in the Face of Power. California and London: University of California Press, 1989. Guttenberg, Albert Z. The Language of Planning: Essays on the Origins and Ends of American Planning Thought. Urbana and Chicago: University of Illinois Press, 1993. Hajer, Marteen A. City Politics: Hegemonic Projects and Discourses. Aldershot: Gower, 1989. ________. The Politics of Environmental Discourse: Ecological Modernization and the Policy Process. Oxford: Clarendon Press, 1995. Hanafi, Sari. "Explaining Spacio-cide in the Palestinian Territory: Colonization, Separation, and State of Exception." Current Sociology. vol. 61, no. 2 (March
Home, Robert. Of Planting and Planning: The Making of British Colonial Cities. 2 nd ed. London & New York: Routledge, 2013. Jonstone, Barbara. Discourse analysis. 2 nd ed. Malden, MA, Oxford & Victoria: Blackwell Publishing, 2008. Kellerman, Aharon. Society and Settlement: Jewish Land of Israel in the Twentieth Century. Albany, New York: State University in New York Press, 1993. Khamaisi, Rassem. "Israeli Use of the British Mandate Planning Legacy as a Tool for the Control of Palestinians in the West Bank." Planning Perspectives. vol. 12, no. 3 (July 1997). Kimmerling, Baruch. Zionism and Territory: The Socio-Territorial Dimensions of Zionist Politics. Research Series 51. Berkeley, Ca: University of California Institute of International Studies, 1983. Lane, Marcus B. & Michael Hibbard. "Doing it for Themselves: Transformative Planning by Indigenous Peoples." Journal of Planning Education and Research. vol. 25, no. 2 (December 2005). Lane, Marcus B. "The Role of Planning in Achieving Indigenous Land Justice and Community Goals." Land Use Policy. vol. 23, no. 4 (October 2006). Lentin, Ronit. "Race and Surveillance in the Settler Colony: The Case of Israeli Rule over Palestine." Palgrave Communications. vol. 3, Article number 17056 (2017). at: https://go.nature.com/2W9Jmmy Lloyd, David. "Settler Colonialism and the State of Exception: The Example of Palestine/Israel." Settler Colonial Studies. vol. 2. no. 1 (2012). Masalha, Nur. Maximum Land and Minimum Arabs: Israel, Transfer and Palestinians1949-1996. Beirut: Institute for Palestine Studies, 1997. Razin, Eran. (ed.). National, District and Metropolitan Planning in Israel: A Collection in Memory of Pro. Arie Shachar. Jerusalem: Floersheimer Studies, Sharp, Liz & Tim Richardson, "Reflections on Foucauldian Discourse Analysis in Planning and Environmental Policy Research." Journal of environmental policy & planning. vol. 3, no. 3 (September 2001). Tollefson, James W. Planning Language, Planning Inequality: Language Policy in the Community. London: Longman, 1991. Toren, S. Ilan & Noah Locas (eds.). Israel: The First Decade of Independence. Albany, New York: State University in New York Press, 1995.
Yiftachel, Oren. "Israeli Society and Jewish-Palestinian Reconciliation: 'Ethnocracy' and its Territorial Contradictions." Middle East Journal. vol. 51, no. 4 (Autumn 1997). ________. Ethnocracy: Land and Identity Politics in Israel/Palestine. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2006. Zureik, Elia. The Palestinians in Israel: A study in Internal Colonialism. London: Routledge & Kegan Paul, 1978.