العودة إلى تفاصيل المؤلَّف ثلاث مراحل للانتقال الديموغرافي للعالم العربي

ثلاث مراحل للانتقال الديموغرافي للعالم العربي

Three Stages of Arab World Demographic Transition

يوسف كرباج

الملخّص

ملخص:  على عكس الرؤى السائدة، تعيد هذه الدراسة النظر في ما بات يعتبر ترسيمت ديموغرافية في المجتمعات العربية، من خلال أطروحة تتأسّس على ثلاث مراحل بدلً من مرحلتين فحسب: مرحلة الانتقال الديموغرافي، ثم مرحلة الانتقال الديموغرافي العكسي، وأخيرًا مرحلة العودة إلى الانتقال الديموغرافي. وإذ تعتبر الدراسة أنّ مرحلة ركود الانتقال الديموغرافي، أو حتى الانتقال الديموغرافي المضاد، ليس من شأنها أن تبشر بالخير في البلدان العربية، مثلم أنها تشدّد على التأثيرات الاقتصادية والاجتمعية الكارثية لجائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-)، فإنها تدعو إلى حشد المجتمع العلمي الديموغرافي العربي لإنشاء نماذج إسقاط مناسبة، تأخذ في الاعتبار هذه الآثار الديموغرافية المستجدّة، وتتجاوز السيناريوهات الحالية، سواء تلك الخاصة بالدول أو بالمنظمت الدولية التي عفا عليها الزمن. كلمت مفتاحية:  ديموغرافية، العالم العربي، الانتقال الديموغرافي، الانتقال الديموغرافي العكسي، كوفيد.19- Abstract:   Contrary to prevailing views of Arab society demographics, this study posits a thesis based on three stages instead of just two stages: demographic transition stage, then reverse demographic transition, and finally the return to demographic transition. While the study considers that the stagnant stage of the demographic transition, or even the demographic counter-transition, does not bode well for Arab countries, just as it stresses the disastrous economic and social impacts of the Coronavirus pandemic, it calls for mobilizing the Arab scientific demographic community to create appropriate projection models that take account of new demographic effects and go beyond the current outdated scenarios, whether of states or international organizations.

Abstract

Contrary to prevailing views of Arab society demographics, this study posits a thesis based on three stages instead of just two stages: demographic transition stage, then reverse demographic transition, and finally the return to demographic transition. While the study considers that the stagnant stage of the demographic transition, or even the demographic counter-transition, does not bode well for Arab countries, just as it stresses the disastrous economic and social impacts of the Coronavirus pandemic, it calls for mobilizing the Arab scientific demographic community to create appropriate projection models that take account of new demographic effects and go beyond the current outdated scenarios, whether of states or international organizations.

الكلمات المفتاحية:
  • ديموغرافيا​
  • العالم العربي
  • الانتقال الديموغرافي
  • الانتقال الديموغرافي العكسي
  • كوفيد-19
Keywords:
  • Demography
  • Arab World
  • Demographic Transition
  • Demographic Counter-Transition
  • Covid-19

Three Stages of the Demographic Transition of the Arab World

مقدمة

قد يصبح هذا النص في طيّ الزمن بسرعة بسبب الاضطرابات غير المتوقعة في الأشهر الأخيرة. فالعالم العربي لم يسلم من وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) الذي ابتلُي به العالم بأسره، على الرغم من أنّ شدّته الوبائية (تأثيرات الإصابة بالعدوى، والوفيات، وما إلى ذلك) هي أبعد من الوصول إلى المستويات العالية جدًا التي بلغتها في أماكن أخرى من العالم، في أميركا وأوروبا على وجه الخصوص. إضافةً إلى ذلك، فإنّ الدول العربية موسومة بتنوع كبير؛ إذ إنها لم تعان الوباء بالشدّة نفسها، وبعضها سلم أكثر من البعض الآخر، وذلك لأسباب لم يجر توضيحها سوى على نحوٍ جزئي فقط. ولكن إذا كان تفشّ هذا الوباء ونسبة الوفيات معتدليْ نسبيًا في العالم العربي، فإنّ عواقبهم الاقتصادية والاجتمعية والسياسية ستكون مدمّرة؛ ومم لا شك فيه أنها ستكون أشدّ في هذه المنطقة مم ستكون عليه في البلدان المتقدمة. ولذلك سيكون من المناسب، عندما ستكون لدينا خلفية كافية للنظر، دراسة تأثيرات الديموغرافيا في المجتمعات العربية من خلال ثلاث مراحل بدلً من مرحلتين فحسب: مرحلة الانتقال الديموغرافي، ثم مرحلة الانتقال الديموغرافي العكسي، وأخيرًا مرحلة العودة إلى الانتقال الديموغرافي، ولكنه هذه المرة انتقال ديموغرافي يقوده الفقر (transition.)Poverty-led

أولً: الانتقال الديموغرافي يف العالم العربي

إنّ فكرة وجود علاقات متبادلة بين التركيبة السكانية والتطورات السياسية ليست جديدة. لكن مم لا شك فيه أنها اكتست أهميةً منذ أن قام عالم السياسة الأميركي الشهير، صموئيل هنتنغتون، بنشر مفهوم "صراع الحضارات"1؛ خاصةً أنه وضعه منذ البداية في سياق صراعٍ وليس أيّ صراع، وهو الصراع الذي من شأنه أن يعارض الغرب المسيحي والإسلام العربي إلى حدٍّ ما. فالديموغرافيا من شأنها أن تكون في هذا الصراع هي الورقة الرابحة. وكم يعلن عن ذلك هنتنغتون، "لقد تمّت تغذية انبعاث الإسلام بمعدلات خيالية للنمو السكاني"2؛ وهو يعزو هذه النهضة إلى نموها السكاني القوي. فالديموغرافيا المتفجّرة للمسلمين والعرب من شأنها أن تجعل منهم "فصيلة خسيسة" على حدة، مختلفةً عن بقية البشرية. وغالبًا ما تلوح هنا العنصرية في الأفق، على غرار الصحافية الإيطالية اللامعة، أوريانا فالاتشي، التي تعتبر أنّ المسلمين يتناسلون "مثل الجرذان"3.

  1. Samuel P. Huntington, The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order (London: Simon & Schuster, 1996).
  2. Ibid., p. 116.
  3. Oriana Fallaci, La rage et l'orgueil (Paris: Plon, 2002).

إنّ الديموغرافيا تجعل من الممكن الحكم على الوقائع والقرائن، بعيدًا عن الأفكار الجاهزة4. كم يسمح هذا الاختصاص، الذي قد يبدو جافًّا بأرقامه وأشكاله ومنحنياته، بالذهاب إلى عُمق السلوك البشري وقراره، وبقياسه بأكبر موضوعية ممكنة، منذ الولادة حتى الوفاة، وبالنظر فيم إذا كانت هناك اختلافات جوهرية بين المجموعات البشرية، وإدراك الاختلافات أو التقاربات في ما بينها. وقد تكون الخصوبة المعيار الديموغرافي الذي من شأنه أن يبرز الفروق بين المجموعات على النحو الأمثل، ولا سيّم بين المسلمين والمسيحيين، وبين العرب والغربيين. وتُظهر خريطة العالم اختلافات هائلة؛ فإذا كانت المرأة في منطقة الساحل الأفريقي لا تزال تلد ما يقرب من 7 أطفال في المتوسط ​خلال حياتها الخصبة، فإنها تكتفي في الشرق الأقصى ب 0.9 طفل، كم هو الحال في تايوان أو في كوريا الجنوبية. وقد تنزع وجهة النظر التبسيطية إلى وضع المسلمين والعرب بضفة تلقائية في أعلى درجة من سلّم الخصوبة. غير أننا نجد أنه إذا كان لدى مسلمي النيجر 7 أطفال لكل امرأة في المتوسط​، فإنّ مسلمي إيران يكتفون – على الرغم من كونها جمهورية إسلامية – ب 1.7 طفل لكل امرأة في المتوسط، بنسبةٍ أقلّ من بعض الدول الأوروبية5. كم أنّ الخصوبة في العالم العربي ليست متجانسة، بل هي تختلف اختلافًا كبيرًا من بلدٍ إلى آخر6. ولذا علينا مراجعة الأفكار المانوية؛ إذ لا توجد قطّ فجوة لا يمكن تذليلها بين الحضارات، المسلمة والمسيحية على وجه الخصوص. إنّ الانتقال الديموغرافي حقيقة ثابتة في العالم العربي. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، تشهد الخصوبة انخفاضًا كبيرًا. وهي ثورة ديموغرافية نابعة من ثورات أخرى: ثقافية، وذهنية، وصحية... إلخ، شهدها العالم، في أوروبا أولً، منذ مارتن لوثر في القرن السادس عشر، ثمّ انتشرت في جميع أنحاء العالم، لتصل إلى العالم العربي، من المغرب إلى سلطنة عمن، قبل نصف قرن. ويبُرز الشكل (1) قوة هذا الانتقال. صحيحٌ أنه انتقال متأخر، ولكنه انتقال صاعق، إذا حكمنا عليه من خلال متوسط​ عدد الأطفال قبل فترة الانتقال الديموغرافي، وفي الفترة الممتدّة حوالى 2005 - 2010. والآثار المترتبة على هذا التحوّل في الوجهة، ولا سيم السياسية منها، متعدّدة. وسنورد عنها مثالً واحدًا من بين أمثلةٍ أخرى. فقد شرح علمء سياسة، في إطار اتجاه هنتنغتون، العنف السياسي، أي العنف في العالم العربي، بعامل شباب السكان، أو "الطفرة الديموغرافية" للشباب: فعندما ترتفع نسبة الشباب في فئة الأعمر "الصعبة المراس"، لنقل في سنٍّ ما بين 15 و 24 سنة، في الهرم العمري، فإنّ العنف السياسي ينحو إلى الزيادة. ويوضح الشكل (2) هذه الظاهرة

  1. Youssef Courbage & Emmanuel Todd, Le rendez-vous des civilisations, Collection "La république des idées" (Paris: Seuil, 2007).
  2. Cf. United Nations, Department of Economic and Social Affairs, Population Division, World Population Prospects 2019, Volume II: Demographic Profiles (New York: United Nations, 2019).
  3. Ibid. الشكل (1) مؤشرات الخصوبة في الدول العربية قبل الانتقال الديموغرافي وفي فجر الربيع العربي المصدر: من إعداد الباحث، بناءً على الإحصاءات الوطنية للبلدان وبيانات شعبة السكان للأمم المتحدة لعام 2019 (2019 Prospects Population World) وللأعوام السابقة، في: https://bit.ly/348N1TX، ومكتب تعداد الولايات المتحدة، شوهد في 2020/9/30، في: https://bit.ly/3lSYBcL

ﺳﻮرﻳﺔ اﻟﻴﻤﻦ اﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ ﻓﻠﺴﻄ اﻷردن اﻟﻌﺮاق اﻟﻜﻮﻳﺖ اﻹﻣﺎرات ﻗﺒﻞ اﻻﻧﺘﻘﺎل اﻟﺪŠ ﻮﻏﺮاﰲ ﰲ ﻓﺠﺮ اﻟﺮﺑﻴﻊ اﻟﻌﺮ

في المغرب العربي وفي المشرق العربي. إذ نجد أنّ نسبة الشباب تزداد في بعض الحالات من 15 - 18 في المئة في عام 1965 إلى 22 - 24 في المئة في عام 2005. بيد أنّ تفسير العنف السياسي من خلال النمو السكاني سرعان ما ينضب معينه بمجرد أن ننظر إلى الجزء الآخر من المنحنى، حيث يمكننا أن نلمح انهيار هذه الطفرة الديموغرافية للشباب بين عامي 2005 و 2050. فهل هذا يعني اختفاء العنف السياسي؟ كان يمكننا إذًا أن نراهن على تحسّنٍ جوهري للظروف المعيشية في ضوء هذه الديموغرافية الجديدة التي كانت تلوح في الأفق. فقد تلت معدلات النمو الطبيعي غير المستدامة التي كانت تزيد على 3 في المئة سنويًا، معدلات أكثر اعتدالً. وجرى الحديث عن "النافذة الديموغرافية للفرص"، أو بقليل من المبالغة، عن "المعجزة الديموغرافية"، أو بأكثر تواضعًا، عن "العائد الديموغرافي". فالتباطؤ الديموغرافي يسهم بالفعل في زيادة المدخرات الوطنية، والاستثمرات – ومن بينها استثمرات يُقال إنها "اقتصادية" نسبةً إلى الاستثمرات "الديموغرافية" – ومن ثمّ تحدث زيادة في الناتج المحلي الإجملي وفي فرص العمل. ومع ضغوط أقلّ من الشباب الباحثين عن عمل، كان من الواقعي تصور انخفاض الاضطرابات الاجتمعية والعنف السياسي. ويوضح الشكل (3)، في حالة المغرب، كيف تتطور المدخلات الإجملية وصافي الدخول في سوق العمل بين عامي 2005 و 2030، وهو مثال يمكن نقله إلى البلدان العربية الأخرى.

ﻟﺒﻨﺎن ﻋن ﻗﻄﺮ اﻟﺒﺤﺮﻳﻦ ﺗﻮﻧﺲ اﻟﺠﺰاﺋﺮ اﳌﻐﺮب

656
5444
55
58
50
05
4334
36

مع ضغوط أقلّ للدخول في سوق العمل، لم يكن يمكن لوضع المرأة في القوى العاملة سوى أن يتحسّن. فعلى اعتبار أنّ المنافسة أقل شراسة، كان في إمكان النساء، من حيث المبدأ، وهنّ اللائي كنّ في الغالب منزويات في المهمت المنزلية ورعاية الأطفال، أن يجدن على نحوٍ أسهل مكانةً خارج بيت الزوجية؛ إلا عندما تعارض ذلك الأسباب الثقافية الراسخة. كانت هذه الديموغرافيا الجديدة أيضًا فرصةً للدول العربية لتعويض تأخرها من حيث التمدرس ومحاولة الوصول إلى أرقام بعض البلدان السائرة في طريق النمو سابقًا (مثل كوريا الجنوبية)، حيث معدل التمدرس في التعليم الجامعي أضحى يناهز 70 في المئة7. والحال هذه، عانت الدول العربية أمدًا طويلًالنمو الهائل للأطفال في سن الالتحاق بالمدارس، بنسبة 4 في المئة سنويًا كم في الجزائر مثلً8؛ ما نجم عنه فجوة مالية هائلة، من حيث نسبة قطاع التعليم المئوية من الناتج المحلي الإجملي.

  1. OECD/ Education GPS, "Korea: Overview of the education system (EAG 2020)," accessed on 30/9/2020, at:
  2. البنك الدولي، "الجزائر: التعليم الابتدائي، التلاميذ"، شوهد في 2020/9/30، في: https://bit.ly/3kUC5zK https://bit.ly/3jffAFy

كم ساهم الانتقال الديموغرافي في الحدّ من حدّة التفاوتات في البلدان التي بلغت فيها هذه التفاوتات ذروتها. وقد يبدو هذا الأمر مفاجئًا. ومع ذلك، قبل الانتقالات الديموغرافية، لنقل قبل سبعينيات القرن الماضي، لم تكن الفئات الفقيرة من المجتمع تتلقّى سوى الحد الأدنى من الدخل القومي، وهذا أمر معروفٌ تمامًا. وفضلً عن ذلك، وممّ كان يؤدّي إلى تفاقم عدم المساواة، هو أنه كان على هذه الفئات توزيع هذا الجزء اليسير من الدخل القومي على عددٍ كبير من الأفراد في كلّ أسرة. ذلك أنّ عدد الأطفال لكل أسرة كان أعلى بكثير لدى الفئات الفقيرة من عددهم في الفئات الغنية بسبب نسب خصوبة شديدة التباين بينهم؛ أما الفئات الوسطى، فكانت في منزلةٍ بين المنزلتين. وقد أتاح الانتقال الديموغرافي، من خلال انتشاره في المجتمع بأسره، إمكانية تسوية الخصوبة، مم أدى إلى تقليل الفروق الصارخة بين متوسط ​عدد الأطفال لدى مختلف الشرائح الاجتمعية. وإن كانت أوجه عدم المساواة لا تزال منتشرةً في جميع بلدان المنطقة، فإنها قد كان من شأنها أن تصبح أشدّ حدّة لو لم يطرأ الانتقال الديموغرافي. لقد استعاد العالم العربي، في وقت متأخر بالتأكيد، هذه السيرورة الكونية التي تنطلق من ارتفاع مستوى تعليم الساكنة. فمن خلال تعميم الوصول إلى قراءة الكتاب المقدس لجميع الساكنة، لا شك في أنّ البروتستانتية كانت في مستهلّ هذه الاضطرابات، التي كان أحد آثارها الأقل توقعًا هو علمنة العقول، والتي سوف تسمح بتعميم وسائل منع الحمل. كم أنّ ارتفاع المستوى التعليمي كان يحمل في ثناياه احتدامًا ثوريًا، مثلم حدث في إنكلترا في عهد كرومويل (1599 - 1658) في القرن السابع عشر، وفي فرنسا في عهد ماكسيميليان دي روبسبير (1758 - 1794) في القرن الثامن عشر. واليوم، يذكّر الربيع العربي لعام 2011 وحراك عام 2019 بكونية هذه السيرورة. لقد أدى الوصول إلى المدرسة الابتدائية، وهي ظاهرة أصبحت اعتياديةً جدًا، إلى تسريع عملية التغيير. وفي هذا الصدد، يوجد العالم العربي اليوم في وضعٍ جيد. فالشباب الذين تراوح أعمرهم بين 15 و 24 سنة يعرفون القراءة والكتابة عمليًا في كل مكان وبغض النظر عن جنسهم. ويبرز الشكل (4) ذلك بوضوح، لكنه يبرز أيضًا أنّ بعض البلدان متخلفة عن الركب، وهي على التوالي وبحسب مستوى حدّة التأخر، اليمن، وموريتانيا، والمغرب، والسودان. إنّ التعليم يفضي إلى عقولٍ، لنقل، "سيكولارية". حينئذ، يصبح الإنجاب فعلًاختياريًا يعود قراره إلى الزوجين، من دون أن تمليه السلطة، أو القبيلة، أو "الأجداد" (الضغوط الأسرية وغيرها). كم أنّ الانتقال الديموغرافي يمرّ عبر انخفاض معدل الوفيات، ومن دونه لا يمكن أن تنخفض الخصوبة على أساس دائم. وهكذا، تضاعف تقريبًا متوسط ​العمر المتوقع في العالم العربي منذ خمسينيات القرن الماضي، ليناهز اليوم ال 80 عامًا بالنسبة إلى النساء في بعض البلدان. ومن بين فوائده الأخرى أنّ الانخفاض في معدل الوفيات قد ساهم بالتأكيد في تراجع الرضوخ للحتمية القدرية التي كانت تقليديًا

شائعةً في العالم العربي. فقبل تقدم الطبّ على وجه الخصوص، كان الفرد العربي فقط أداةً بين يدي "القدر". وكان كلّ شيء "مكتوبًا": المرض، والأوبئة، والحوادث، والموت في نهاية المطاف. ومع ارتفاع متوسط​ العمر المتوقع اليوم، أصبح لدينا شعور ب "الخلود"، فحتى لو كان ذلك مجرّد وهم، فإنّ له ميزة تحفيز الروح المعنوية للفرد. لقد دخلت التسلسلات الهرمية التقليدية في أزمة. ففي المجتمع الأبوي الذي ساد حتى ذلك الحين، وحتى زمنٍ ليس ببعيد، كان الأب يسيطر على أبنائه ويرعبهم، ولا سيم البنات منهم. فبوصفه مصدرًا للقلق وعدم الارتياح، كان الأب في كثير من الأحيان أميًا أو متعلمً تعليمً ضعيفًا في مواجهة أطفالٍ متعلمين على نحوٍ متزايد. وكان الزوج يلُي رغباته ونزواته على زوجته، التي كانت في الغالب أميةً أو متدنية التعليم. وعلى المنوال نفسه، كانت الأخت تدين لأخيها بالطاعة.

ومن خلال انتشاره، أثار التعليم مساءلاتٍ متعاقبة داخل الأسرة. بيد أنّ الأسرة ليست سوى السلّم "الجزئي" (micro) الذي ينعكس تحوّله ويتوسّع على المستوى "الكلي" (macro)، أي المجتمع. ولم يكن يمكن قطّ للتطورات المعتدلة (voce mezzo) ألّ تجد لها صدى في المجتمع. فالشخص الذي يسائل سلطة الأب، لن يتوانى عن مسائلة سلطة "أب" الأمة (ملكًا كان أو رئيسًا، غالبًا على مدى الحياة). إنّ الانتقال الديموغرافي، بكل مكوناته وخصوصياته وعمومياته، ليس مسارًا هادئًا من دون مطبّات أو دوامات. وفي حالة الدول العربية، إنه ليس كذلك بالتأكيد. وإن كانت وسائل منع الحمل، التي أصبحت اليوم معمّمةً تقريبًا، بأشكالها الحديثة أو التقليدية، مفيدةً إلى حدٍ كبير لأنها تتيح للزوجين اختيار عدد أطفالهم وفقًا لإمكانياتهم المادية، فإنها، من خلال إتاحتها تَحرّر جسد الزوجة، تتيح لها التفلّت من قبضة الزوج؛ الأمر الذي لا يخلو من إثارةٍ للمخاوف التي تجاوزت أحيانًا الزوج نفسه وامتدّت إلى أسرته. ولا تجري الإشارة إلّ قليلً إلى العلاقة المحتملة بين الانتقال الديموغرافي الذي يفترض جرعةً معينة من التمكين والاستقلالية، أو حتى نسبة من تحرير المرأة، ولا سيم على مستوى المسألة الجنسية، والاضطرابات الاجتمعية والسياسية التي يمكن أن تنجم عن ذلك. ففي العالم العربي، وُجد شكل معين من التطرف، خاصة بين الشباب، له علاقة له بالانتقال الديموغرافي وبافتراضاته المسبقة، ولا سيم منها ظهور العزوبة القسرية. فقد ولّد جرعةً معينة من الإحباط الجنسي كان يمكن استثمرها في أحسن الأحوال في شكلٍ من أشكال العودة إلى الماضي، أي في السلفية، أو في أسوأ الأحوال في التطرف السياسي. وهذه ظاهرة ليست بالضرورة عربية أو إسلامية، كم تظهر ذلك حالة إيرلندا الكاثوليكية حيث تغذّت الحركات المتطرفة ("الشين فين" و"الإيرا") على إحباطات الشباب. ولكن لا ينبغي المبالغة في هذه المواقف والسلوكيات الماضوية أو الراديكالية. فنموذج الأسرة الجديد، مع الأب والأم وعدد محدودٍ على نحوٍ متزايد من الأطفال، وهو نموذج "الأسرة النواة"، قد ترسّخ إلى حدٍّ كبير. ويمكننا أن نذهب إلى أبعد من ذلك لنؤكّد أن الأسرة الكبيرة والهرمية في الماضي كانت تتوافق مع نظام سياسي سلطوي. ومن ثمّ، يبدو أنّ الانتقال إلى عائلة محدودة هو شرط ضروري، وإن لم يكن كافيًا، للخروج من السلطوية. ومن الشائع، على غرار ما يحدث في أوروبا أو أميركا الشملية، التلويح بفزاعة الشيخوخة الديموغرافية؛ وهو تأثيرٌ ناجم عن الانتقال نحو مستويات خصوبةٍ أكثر انخفاضًا. وفي حالة الدول العربية، فإنّ هذا الخطر مبالغ فيه إلى حدٍ كبير لأسباب عديدة منها نسبية مفهوم الشيخوخة؛ بمعنى في أيّ عمرٍ يمكن تصنيف شخصٍ على أنه "كبير السنّ"؟ وفوق كلّ شيء، لا تترك خصائص الأسرة العربية وقوة الروابط بين الأجيال سوى فرصٍ ضئيلة لاحتمل التخلّ عن كبار السنّ.

حتى السنوات التي سبقت الربيع العربي، كانت حصيلة الانتقال الديموغرافي إيجابيةً إلى حد كبير. فالمكاسب كانت تتجاوز الخسائر على نحوٍ كبير. فالحدّ من عدد الأطفال يعني رعايتهم، وإطعامهم، وتعليمهم، وحتى تمدرسهم في الجامعة، على نحوٍ أفضل، والإعراب عن المزيد من المودة لهم. كم أنّ الأسرة الصغيرة تسمح بعلاقات أكثر مساواة بين الزوج والزوجة، وبين الوالدين وأبنائهم. وينبغي أيضًا التأكيد على التحول الذي تشهده مؤسسة الزواج التي لم تعد واجبًا مقدسًا كم كانت عليه منذ زمنٍ ليس ببعيد، مع تصاعد العزوبة لدى الذكور وخاصة لدى الإناث، والانخفاض الحاد في ما يسمى بالزواج "العربي"، بمعنى الإكراه أو التوصية القوية بالزواج بين الأقارب، ويفضّل أن يكون بين أبناء العمومة، وإلّ غير ذلك من الأقارب، لتوحيد العشيرة. ففي المغرب، على سبيل المثال، انخفضت نسبة الزيجات الانكفائية بين الأقارب على نحوٍ ملموس منذ عام 19959. ويعزّز الزواج الانبعادي خارج دائرة الأقارب امتزاج الساكنة؛ وهو أمرٌ ضروري لبروز دولة - أمة حقيقية. فهو يحفز انفتاح الفئات الاجتمعية بعضها تجاه بعض ويستحثّ الحداثة. وقد كانت الترجمة السياسية لصعود المرأة في المجتمع واضحةً في فجر الربيع العربي. فمن درعا إلى صنعاء، أظهرت النساء أنهن قد انعتقن من دونيتهنّ التي استمرّت لقرون. وقد كنّ بارزات جدًا في المظاهرات، وليس فقط في تونس أو في مصر، ولكن حتى في اليمن النائي، حيث احتللن الشوارع تمامًا مثل الرجال. ومع حراك عام 2019، وقبل أن تهدّه جائحة فيروس كورونا (كوفيد 19-)، كنّ أكثر حضورًا من الخرطوم إلى البصرة مرورًا ببيروت. وأحد الأسباب الرئيسة لوجود النساء هو التحاق الفتيات بالجامعة حيث أضحين غالبية. ويوضح الشكل (5) أنّ معدلات التحاق الفتيات، في سن 18 - 24 سنة، بالتعليم العالي تتجاوز في بعض الأحيان كثيرًا معدلات التحاق الذكور في غالبية الدول العربية. قد كان يمكن أن تبدو هذه الملاحظات – المتفائلة – في خضمّ الحمسة التي أثارها الربيع العربي ساذجة، إذا حكمنا عليها من خلال الانتكاسات السياسية التي أعقبت في كلّ مكانٍ تقريبًا بعد الربيع العربي؛ حيث رأينا الأحزاب الإسلامية أو الاستبدادية تتولى القيادة بصفة دائمة أو مؤقتة، كم هو الحال في تونس أو مصر، أو حيث رأيناهم يغرقون في حرب أهلية، كم في سورية أو اليمن. ليس من السهل تفسير هذه الردّات، لكن من المؤكد أن التقدم المجتمعي لم يجد له أصداءً مواتية في المنتدى السياسي، حيث غالبًا ما كانت المعارضة للأنظمة القائمة تنهار في غبار الجمعات الصغيرة. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أنّ العرب لم يعرفوا من الأحزاب العلمنية أو "السيكولارية" سوى أكثر جوانبها إثارةً للاشمئزاز كالاستبداد، والقمع، والفساد.

  1. Cf. Jalal Talbi et al., "Etude de la consanguinité dans la population marocaine: Impact sur le profil de la santé," Antropo, vol. 15, no. 1 (2007), pp. 1 - 11. ﺳﻮرﻳﺔ ﻣﻮرﻳﺘﺎﻧﻴﺎ ﻋن اﻟﻴﻤﻦ اﻟﻜﻮﻳﺖ اﻟﺴﻮدان اﻟﻌﺮاق اﳌﻐﺮب اﻟﺬﻛﻮر الشكل (5) النسبة المئوية للشباب الذين تراوح أعمارهم بين 18 و 24 عامًا بحسب الجنس، والذين كانوا يرتادون الجامعة في بداية الربيع العربي ﻟﺒﻨﺎن ﻟﻴﺒﻴﺎ اﻹﻣﺎرات اﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ اﻟﺠﺰاﺋﺮ اﻷردن اﻟﺒﺤﺮﻳﻦ ﻓﻠﺴﻄ‚ اﻹﻧﺎث المصدر: المرجع نفسه.

يعكس على نحوٍ أفضل حالة مجتمعٍ وتطلعاته؛ وهو نوع من التحليل النفسي الجمعي.

تغيٍّ في الذهنيات، وتحولٍ بشأن الأشياء الأساسية للحياة؟

ثانيًا: تحولات الانتقال الديموغرايف للعالم العربي واتجاهاته

هل كان هناك انعكاس في الاتجاه بعد هذه المرحلة الحميدة؟ وهل انتكست البلدان العربية على المستوى الديموغرافي، وفي أثره على المستوى السياسي؟ وهل يمكن أن نقول اليوم، ونحن نستعد للاحتفال بالذكرى العاشرة للربيع العربي (كانون الأول/ ديسمبر 2010، في تونس)، إنّ التطورات حقّقت التوقعات؟ لقياس مسار الانتقال الديموغرافي، يرجّح المتخصصون مؤشر الخصوبة بدلً من مؤشّاتٍ أخرى، للوفيات، أو للزواج، أو للاقتران (سواء كان بين الأقارب أم لا)... إلخ. ومن المؤكد أنّ الخصوبة هي المؤشر الذي

وبعد هذا التقارب الملحوظ بين العالم العربي والغرب، هل شهدت السنوات القليلة الماضية ركودًا أو حتى انعكاسًا في الاتجاهات، سيكون غنيًا بالآثار؟ وهل يُعدّ هذا الاستئناف للخصوبة علامة مبكّرة على

تتوزّع البلدان التي تمرّ بانتقالٍ ديموغرافي معاكس، وارتفاعٍ في مؤشر الخصوبة لديها، بعد أن شهدت انخفاضًا كبيرًا، على جميع ربوع العالم العربي. ولذلك يجدر بنا أن نميّز النظر فيها على حدة، نظرًا إلى التباين الكبير في السياقات. دعونا نبدأ مع مصر ("أمّ الدنيا" كم تلقّب)، وهي الأكثر سكّانًا والأكثر تأثيرًا من بين البلدان العربية. فمع أكثر من 102 مليون نسمة من المقيمين وغيرهم من المنتشرين في جميع أنحاء العالم، تعدّ مصر واحدة من البلدان ذات الكثافة الأعلى في العالم حين لا نأخذ في الاعتبار سوى الأسطح غير الصحراوية؛ بما يقرب من 1540 نسمة لكلّ كيلومتر مربع10. على مدى قرنٍ أو يزيد، وبوصفها مشبعةً بالنزعة الحداثية، كانت سلطات الدولة (السياسية أو حتى الدينية) قلقةً بشأن النمو الديموغرافي القوي، ومدركةً للحاجة الملحّة إلى الحدّ من الخصوبة هناك. لكن من دون نجاحٍ كبير؛ سواء في العهد الخديوي ووصولً إلى الملك فاروق. فقط جمل عبد الناصر بكاريزمته نجح في استهلال برنامج تنظيم الأسرة وإقناع المصريين بإنجاب عددٍ أقلّ من الأطفال. ولكن منذ وفاته

  1. السكان في مصر"، (28 تموز/ يوليو - 10 آب/ أغسطس 2020)، شوهد في 2020/9/30، في: https://bit.ly/36hVTsP فنك الشكل (7) الارتفاع الذي لا يقاوم في مؤشر الخصوبة في الجزائر (2000 - 2013) المصدر: Office National des Statistique, "Démographie algérienne 2019, no. 809, Evolution des principaux indicateurs," p. 5, accessed on 8/10/2020, at: https://bit.ly/3dcPaSG

المتحدة للسكان)11.

(2000 - 2005) إلى 3.05 في الفترة 2015 -.202012السابقة لأوانها في عام 1970، كانت النتائج في هذا المجال تكاد لا تلاحظ. وهو ما تبرزه الزيادات في معدلات المواليد ومؤشّ الخصوبة. ومن المفارقات أنّ الربيع المصري على وجه الخصوص أبطأ من انخفاض الخصوبة. ففي عام 2015، تجاوز مؤشر الخصوبة 3.28 أطفال لكل امرأة (وفقًا لشعبة الأمم

أما الجزائر، وهي ثاني دولة عربية من حيث عدد السكان، فالخصوبة فيها في ازديادٍ مستمر، سواء بوجود الربيع العربي أم بعدم وجوده. فقد ارتفع مؤشر الخصوبة من 2.38 في نهاية الحرب الأهلية

أما بالنسبة إلى تونس التي كانت منذ الحبيب بورقيبة "النموذج الجميل"، وبطلة الانتقال الديموغرافي في المنطقة، والسبّاقة إلى الربيع العربي، فقد انطلقت الخصوبة من مستوى "أوروبي" قدره 2.02 طفل في عام 2005، إلى 2.27 في عام 2010، و 2.47 في عام 2014؛ وهو ما دفع صحافيًا من تونس إلى القول:

  1. World Population Prospects 2019, p. 486.
  2. Ibid., p. 215. الشكل (8) تقلبات معدلات الخصوبة في تونس (2008 - 2013) المصدر: Institut National de la Statistique (Tunisie), "Indice synthétique de fécondité," accessed on 15/10/2020, at: https://bit.ly/3drQnpj

"أنقذونا، لقد عادت الخصوبة إلى الارتفاع"13، وأذهل الديموغرافيين في البلاد، وكأنّ استئناف الخصوبة نذير شؤم للربيع التونسي. ومع ذلك، فقد بدأت الحركة منذ عام 2014 في الانحدار مرةً أخرى. ولكن مع وجود 2.17 طفل في عام 2018، فإنّ الخصوبة هي أعلى مم كانت عليه قبل 10 سنوات.

2.15
2.06
2.05
2.1

يبقى المغرب هو البلد الوحيد في منطقة شمل أفريقيا الذي واصل انتقاله الديموغرافي، مع مؤشّ خصوبة قدره 2.21 طفل لكلّ امرأة في عام 2014. لكن هذه النتيجة لا تحظى بالإجمع في ضوء مسح14حديث يضعه في مستوياتٍ أعلى؛ ولا يمرّ ذلك من دون إثارة بعض القلق في هذا البلد، حيث ندرك جيدًا الروابط الوثيقة بين الخصوبة والحداثة. سيكون من الممل مراجعة جميع الدول العربية لقياس حقيقة انتقالها الديموغرافي في أعقاب الربيع العربي. ويبدو من التحليل الأولي أن 10 بلدان من بينها قد واصلت انتقالها، وشهدت 6 بلدان انعكاسًا أو نهايةً لعملية الانتقال، بينم يواجه بلدان اثنان حالاتٍ أشدّ تعقيدًا مع فترات صعود وهبوط، ودولة واحدة (ليبيا) في وضعٍ ضبابي كلّ. لذلك من شأن غالبيةٍ من الدول العربية أن تكون لا تزال في طور

  1. Khémaies Krimi, "Tunisie: Au secours, le taux de fécondité revient à la hausse," Kapitalis, 29/9/2018, accessed on 30/9/2020, at: https://bit.ly/3jgQEND
  2. World Population Prospects 2019, p. 820.

التحديث، كم يشهد بذلك الانتقال الديموغرافي. وللمفارقة، غالبًا ما تكون الدول التي تبدو ظاهريًا الأقلّ ميلً إلى الحداثة الديموغرافية، حيث يستمرّ الانتقال، مثل المملكة العربية السعودية أو الإمارات الخليجية الصغيرة: الإمارات العربية المتحدة، والكويت، وقطر، وعمن، والبحرين (ولبنان كاستثناء). فقد استمرت خصوبة المواطنين والأجانب في الانخفاض على الرغم من ثروات هذه البلدان التي لا مثيل لها، وسياساتها لصالح العائلات (الوطنية) الكبيرة، ورغبتها في استبدال السكان الأجانب الكثيرين بمواطنين. أما سورية (قبل الربيع العربي)، فقد كانت قد حافظت على معدلات خصوبة عالية، خاصة بالنسبة إلى أغلبيتها السنية، بينم استمرت الأقليات الدينية في جني ثمار الانتقال. ولا يزال اليمن والعراق (باستثناء كردستان التي تحظى باستقلال ذاتي) يتمتعان بخصوبة عالية. ويبلغ مؤشر الخصوبة أكثر من 4 في البلدين في عام 2015، وأكثر من 3 في سورية15، على الرغم من عملية تفقير متسارعة. فقد بدا أنّ الحروب تحفّز الخصوبة بدلً من تقليلها. وحتى وقت قريب جدًا، حافظ كل من الأردن وفلسطين، لأسباب غالبًا سياسية ومرتبطة بعدم تجانس سكانهم وبالتنافسات التي يثيرها، على معدلات خصوبة أعلى بكثير من تلك التي كانت ستنتج من مستويات تعليم عاليةٍ نسبيًا. ففي الأردن، يتعايش الأردنيون "الأصليون" بسلامٍ إلى حدٍ ما مع الفلسطينيين المنحدرين من هجرة حربي 1948 و 1967؛ وهو ما لا يستبعد الاختلافات في سلوك الخصوبة. وعلى العكس من ذلك، في دولة فلسطين، يتعايش الفلسطينيون – على نحوٍ سيئ – مع المستوطنين الإسرائيليين الذين يبلغ عددهم أكثر من 700 ألف يستوطنون قسرًا في الضفة الغربية والقدس الشرقية التي تمّ ضمها. وتتجاوز خصوبتهم مثيلتها في أفريقيا جنوب الصحراء؛ كم أنّ خصوبة السكان اليهود في إسرائيل تزداد بانتظام؛ ما سيسمح لها في غضون فترةٍ وجيزة بمضاهاة خصوبة الفلسطينيين في إسرائيل وقريبًا في الضفة الغربية إن لم يكن بتجاوزها. بدلً من النظر في البلدان، من الأفضل النظر في ساكناتها. والنتيجة ستكون مختلفة تمامًا؛ لأنّ الدول التي تشهد "عطلً" في الانتقال الديموغرافي مثل مصر والجزائر والعراق وسورية... إلخ لها وزن كبير بسبب حجمها الديموغرافي؛ ولذا فمن شأن تسوية مصر الفائقة الحجم والبحرين المتناهية الصغر في الحجم أن يكون مضللً. ومن ثمّ فمن شأن أقلية من الساكنة العربية، بنسبة 40 في المئة تقريبًا، أن تستمرّ بالأحرى في الاستفادة من الانتقال الديموغرافي. قد تبدو هذه الملاحظة على الانتقالات الديموغرافية العربية قاسيةً وتوحي بخطوةٍ إلى الوراء في ما يخصّ التحديث، مع نكوصٍ نحو الأسرة التقليدية، والبنى الاجتمعية الجامدة، وفي نهاية المطاف، نحو الأنظمة التسلّطية. بيد أنّ الإصرار على الخصوبة، بوصفها معيارًا مميزًا للتحديث، يخاطر بتجاهل المعايير الأخرى التي استمرت في التقدم، مثل معدل وفيات الأطفال والنساء في سن الإنجاب، والبالغين، وكبار السن؛ مع

  1. Ibid., pp. 650, 1085, 1202.

ارتفاع مستمر في متوسط ​العمر المتوقع. كم يجب أن نأخذ في الحسبان تحول الزواج، ومتوسط ​عمره، وقرابة الدم فيه، والطلاق، وهي جميعها معايير يعكس تطورها شكلً معينًا من أشكال التحديث. ينبغي لنا إذًا أن نأخذ في الاعتبار "أثر منع التراجع" (effect Ratchet)، العزيز على الاقتصاديين، الذي يفترض أنّ ظاهرةً مثل الانتقال الديمقراطي يمكن أن تستمر حتى لو كان أحد الأسباب الأولية للانتقال الديموغرافي معطلً (على نحوٍ مؤقت). إذا كان هناك انعكاس للاتجاهات، أو حتى انتقال ديموغرافي مضاد، فإنّ أسبابه معقدة. وقد أوردنا عامل "عودة الإسلام" بوصفه أحد أسباب ارتفاع الخصوبة. صحيحٌ أنه في المغرب، على سبيل المثال، أوصى وزير أول إسلامي مرةً بضرورة عودة ربة البيت إلى بيتها؛ أو قريبًا من عالمنا العربي، في تركيا، ناشد أردوغان المرأة التركية أن تنجب 4 أطفال على الأقل. وبالعودة إلى مصر، وهي بلدٌ معادٍ رسميًا للولادة، ولكن حيث زادت الخصوبة بشكلٍ حاد، تُدهشنا حقيقة أنّ الثقافة الشعبية، على العكس من ذلك، هي مؤيدة للولادة، وأنّ الرغبة في العديد من الأطفال هي واضحة جدًا16. ولكن من دون استبعاد التفسيرات المتعلقة بالذهنية أو باللّوعي الجمعي تمامًا، ينبغي لنا أيضًا أن نأخذ في الاعتبار الحقائق المادية التي يمكن أن تقوّس منحنى الخصوبة في اتجاهٍ أو آخر؛ في مصر، وأيضًا في الدول العربية الأخرى. فسوق العمل الذي انفتح على النساء، المتعلمت على نحوٍ متزايد، والراغبات في الخروج من حضن الأسرة، أصبح يميل نحو الانغلاق. وبالنسبة إلى النساء المصريات الأكثر تعليمً، فقد انهار تمامًا معدل التوظيف، سواء بالنسبة إلى اللائي التحقن بالجامعة، أو أولئك اللائي التحقن بالمدرسة الثانوية. وبالنسبة إلى الأميات منهنّ، وأولئك اللائي لم يلتحقن سوى بالمدرسة الابتدائية (وهنّ جزء صغير من الساكنة المعنية)، فقد بقيت معدلات التوظيف عند مستوى منخفض جدًّا. وترجمة ذلك من حيث الخصوبة هي فورية: العودة إلى البيت، والتخلي عن الحياة المهنية؛ ما يشجع استئناف الخصوبة، على اعتبار أنّ النشاط الأنثوي، جنبًا إلى جنب مع التعليم، وربما أكثر منه، هو العامل الأكثر نجاعةً في تحديد النسل. وتهمّ هذه الثغرة الديموغرافية، وحتى الحضارية، العالم العربي بأسره؛ حيث يتفلّت سوق العمل من تحت أقدام النساء أكثر فأكثر. ويوضح الشكل (9) بوضوح أنه على المستوى العالمي، يتخلف العالم العربي عن باقي مناطق العالم.

  1. يتجلى ذلك، على سبيل المثال، مع المطرب المصري الشهير الشيخ إمام الذي احتفل في أغنيته "صباح الخير"، من شعر الشاعر أحمد فؤاد نجم، بإنجابية المرأة المصرية، التي تسمح لشمسها بالاستمرار في الإشراق على حدّ قول الأغنية (سلامتك يامّة يا مُهرة ** يا حبّالة يا ولّدة يا ستّ الكلّ يا طاهرة ** سلامتك من آلام الحيض من الحرمان من القهرة ** سلامة نهدك المرضع سلامة بطنك الخضرا ** هناكي وفرحة الوالدة تضمي الولد يا والدة ** يصونهم لك ويحميهم يكثّهم يخلّيهم ** يجمع شملهم بيكي يتمّم فرحتك بيهم). وقد كان الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم يسارييْ وعلمانييْ، ولكن مناصرتهما للإنجاب تضاهي مناصرة الإخوان المسلمين لها. الشكل (9) معدلات التوظيف بحسب الجنس في مختلف مناطق العالم المصدر: International Labour Organization, "The Gender Gap in Employment, what's Holding Women Back?" December 2017, accessed on 28/9/2020, at: https://bit.ly/3371HDt
فيلم

ذﻛﻮر إﻧﺎث

أﻓﺮﻳﻘﻴﺎ اﻟﺪول أﻣﻛﺎ ﺟﻨﻮب اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ اﻟﻼﺗﻴﻨﻴﺔ اﻟﺼﺤﺮاء

الدول العربية، وهي تفسر إلى حدٍّ كبير انتقالها الديموغرافي وأداءها الاقتصادي الذي تُحسد عليه.

فهل هذا نذير الغروب؟

ب 119 وفاة لكل مليون نسمة في العالم كلّه17. لكن هذه الأرقام لا تغطي سوى بضعة أشهر.

ﺷﺒﻪ اﻟﻘﺎرة ﺟﻨﻮب اﻟﴩق ﴍق اﻟﺪول اﻟﻬﻨﺪﻳﺔ ﴍق آﺳﻴﺎ اﻷﻗﴡ أوروﺑﺎ اﳌﺘﻘﺪﻣﺔ

وإذا كانت معدلات توظيف الرجال متمثلةً إلى حد ما، مع اختلافات طفيفة، فإنّ ​معدل توظيف النساء ينخفض كثيرًا إلى ما يقرب من 20 في المئة فقط. وعلى سبيل المثال، يبلغ هذا المعدل نحو 70 في المئة في الشرق الأقصى، وأكثر من 60 في المئة في أفريقيا جنوب الصحراء. وحتى شبه القارة الهندية، بنسبة 30 في المئة، هي أفضل حالً. وينبغي التوضيح هنا أنّ هذه مشكلة عربية وليست إسلامية؛ إذ تتمتع دول مثل إندونيسيا الضخمة مثلً، والمسلمة بنسبة 90 في المئة، بمعدلات توظيف أعلى بأكثر من مرّتين من تلك الموجودة في

في نهاية هذا المسار الديموغرافي وارتباطاته الاجتمعية والاقتصادية والسياسية لما بعد الربيع العربي، لا يمكن أن تكون الخلاصة إلا متباينة. فركود الانتقال الديموغرافي، أو حتى الانتقال الديموغرافي المضاد، ليس من شأنه أن يبشر بالخير. بل إنه يجري ذكر "الشتاء" الذي قد يكون قد أعقب "الربيع" العربي؛

سيكون عام 2020 بالتأكيد "العام الفظيع" (horribilis Annus) للعالم العربي؛ وربما على نحوٍ أقلّ مم هو عليه في بقية العالم بالنسبة إلى جائحة (كوفيد 19-)، مع 43 حالة وفاة لكل مليون نسمة، مقارنةً

  1. COVID-19 Dashboard by the Center for Systems Science and Engineering (CSSE) at Johns Hopkins University (JHU)," accessed on 30/9/2020, at: https://bit.ly/36ktIte الجدول (1) الدول العربية (مصنفة بحسب الحجم)، الوفيات الناجمة عن فيروس كورونا في الفترة 13 أيار/ مايو - 13 أيلول/ سبتمبر 0202، ومعدل الوفيات الناجمة عن فيروس كورونا (لكلّ مليون نسمة) المصدر: John Hopkins Coronavirus Resource Center, "Cases by Country/Region/Sovereignty," accessed on 13/9/2020, at: https://bit.ly/3lGNnZ0 & United Nations, World Population Prospects.
الساكنةالوفيات بالنسبة إلى مليون نسمةالوفياتالوفياتالبلد
(بالملايين)2020/9/132020/5/132020/9/132020/5/13
102.355.05.35627544مصر
43.936.611.71606515الجزائر
43.819.01.883480السودان
40.220.02.8804112العراق
36.942.85.11578188المغرب
34.8122.67.64268264السعودية
29.819.60.358310اليمن
17.58.60.21503سورية
15.96.23.39852الصومال
11.89.13.810745تونس
10.22.40.9249الأردن
10.139.520.1399203الإمارات
6.952.50.43623ليبيا
6.835.43.824126لبنان
5.243.10.42242فلسطين
5.1152.93.378017عمان
4.635.00.21611موريتانيا
4.3130.217.456075الكويت
2.970.74.820514قطر
1.7124.75.32129البحرين
1.155.52.7613جيبوتي
0.97.80.070جزر القمر
436.743.35.0881915712المجموع

العربي هي الأقلّ تأثرًا.

هذه النقطة إجمع في الجمعة العلمية.

خاتمة

يبدو واضحًا تمامًا عدم تجانس البلدان العربية المتأثرة بهذا الوباء. فشبه الجزيرة العربية والمملكة العربية السعودية وإمارات الخليج هي الأكثر تضرّرًا. في حين أنّ منطقة شمل أفريقيا والشرق الأوسط

لكن، انطلاقًا من هذه الملاحظات بشأن جائحة فيروس كورونا، ومدى تأثيرها، والوفيات الزائدة التي يسببها الوباء، قد يبدو من المبالغ فيه ادعاء استنتاج تأثيرها في الزواج: عزوبة الرجل والمرأة، ومتوسط​ العمر، والطلاق، والانفصال، وخاصة الخصوبة؛ هذا المؤشر الديموغرافي المميز لمصير المجتمعات. ولأسباب معقدة، فإن الدول العربية لا تشمل سوى الجزء الأدنى من حوالى مليون حالة وفاة طرأت حتى الآن على المستوى العالمي. وربما هذه نقطة رضاء صغيرة، لأنّ الأضرار الاقتصادية والاجتمعية، من العراق إلى المغرب، هي هائلة حتى الآن، وسوف تزداد بالتأكيد استفحالً على نحوٍ متزايد. وهناك حول

لا يسعنا إلا أن نكون متشائمين بالنظر إلى التوقعات الاقتصادية القاتمة. إذ سينخفض ​الناتج المحلي الإجملي، والمدخرات الوطنية، والاستثمرات (خاصة ما يسمى بالاستثمرات الاقتصادية، وليس

الاستثمرات الديموغرافية)، بشكلٍ حاد لعدة أشهر مقبلة، إن لم يكن لعدة سنوات. وسيتقلص النشاط الاقتصادي في جميع طبقات المجتمع، وستضرب البطالة بشدّة. كم أنّ السياحة، وهي مصدر رئيس للوظائف، ستظل واهنةً لفترةٍ طويلة. وسيجد العديد من العمل المهاجرين، في دول الخليج أو في أوروبا، صعوبةً في إعادة مدخراتهم التي ستكون قد تبدّدت. وستصبح هذه الدول الغنية أقّل فأقلّ من مانحي المساعدات الاقتصادية للدول العربية التي ستكون في أمسّ الحاجة إليها. وهكذا ستبدأ مرحلة ثالثة من الانتقال الديموغرافي العربي، ليست حافلةً كسابقتها، وهي مرحلة الانتقال الديموغرافي الذي يقوده الفقر. إذ سينخفض عدد الأطفال على نحوٍ متزايد لأنّ الشباب سيكونون أقلّ قدرة على الزواج، وسيتعين عليهم التفكير بطريقة أكثر حرصًا عندما يتعلق الأمر بإنجاب الأطفال. لذلك من الضروري، من الآن فصاعدًا، حشد مجتمع الديموغرافيين العرب، والعمل في مجموعات وليس فرادى، لإنشاء نماذج إسقاط مناسبة تأخذ في الاعتبار الآثار الديموغرافية: معدل الوفيات (في تزايد)، والخصوبة (في تناقص)، والهجرة الدولية (في انخفاض). ذلك أنّ السيناريوهات الحالية، سواء تلك الخاصة بالدول أو بالمنظمت الدولية، قد طواها الزمن بالفعل.

المراجع

العربية

البنك الدولي. "الجزائر: التعليم الابتدائي، التلاميذ". في: https://bit.ly/3kUC5zK "السكان في مصر".. 28 تموز/ يوليو - 10 آب/ أغسطس 2020:. في https://bit.ly/36hVTsP فنك

الأجنبية

" COVID-19 Dashboard by the Center for Systems Science and Engineering

(CSSE) at Johns Hopkins University (JHU)." at: https://bit.ly/36ktIte

CAPMAS, Egypt Statistics. Demographic Birth Rate (2019). at: https://bit.ly/2S1JAsm

Courbage, Youssef & Emmanuel Todd. Le rendez-vous des civilisations.

Collection "La république des idées". Paris: Seuil, 2007.

Fallaci, Oriana. La rage et l'orgueil. Paris: Plon, 2002.

Haut-Commissariat au Plan du Royaume du Maroc, Recensements de 2004 et

2014 & Enquêtes nationales sur l'emploi, Rabat, diverses années.

Huntington, Samuel P. The Clash of Civilizations and the Remaking of World

Order. London: Simon & Schuster, 1996.

Institut National de la Statistique (Tunisie). "Indice synthétique de fécondité

(2019)." at: https://bit.ly/3drQnpj

International Labour Organization. "The Gender Gap in Employment, what's

Holding Women Back?" December 2017. at: https://bit.ly/3371HDt

John Hopkins Coronavirus Resource Center. "Cases by Country/ Region/

Sovereignty." at: https://bit.ly/3lGNnZ0

OECD/Education GPS. "Korea: Overview of the Education System (EAG 2020)."

at: https://bit.ly/3jffAFy

Office National des Statistique. "Démographie algérienne 2019. no. 809.

Evolution des principaux indicateurs." at: https://bit.ly/3dcPaSG

Talbi, Jalal et al. "Etude de la consanguinité dans la population marocaine:

Impact sur le profil de la santé." Antropo. vol. 15, no. 1 (2007).

Unesco Institute of Statistics. "Literacy Rates of 15 - 24 Years Old, Both Sexes,

Percentage (2015)." at: https://bit.ly/3dt27ru

Unicef. Children in Egypt 2014: A Statistical Digest. Cairo: UNICEF Egypt,

2014. at: https://uni.cf/3j2bjEu

United Nations. Department of Economic and Social Affairs. Population

Division. World Population Prospects 2019, Volume II: Demographic Profiles.

New York: United Nations, 2019.