القطيعة الديموغرافية وآفاق حركية السكان في سوريا
Demographic rupture and prospects of population dynamics in Syria
الملخّص
شهدت الديموغرافيا السورية سيرورة تحولات تدريجية عبر عقود ما بعد الاستقلال منذ عام 1946. ومع ما اعتراها من استمرارية حينًا وتعثّر حينًا آخر، فإنّ المسارات العامة للتحول كانت تسمح بالتنبؤ بارتفاع في مستوى مؤشرات التنمية إجمالًا، وتزايد مستمر في العمر المتوقع عند الولادة وتراجع في وفيات الصغار والأمهات، وتناقص تدريجي في مؤشرات المولودية والخصوبة، ونمو سكاني في تباطؤ نسبيّ. لكن، وبحلول عام 2011، انقلبت سيرورة التحول الديموغرافي في سورية؛ فشكّلت بداية الأزمة السورية قطيعة بالمعنى الدقيق للكلمة على المستوى الديموغرافي، لا تنفصل عن مجمل الاختلال الذي أصاب بنية المجتمع السوري بفعل سنوات الصراع التي قاربت العشر، وتترافق بقطيعة أخرى على مستوى المعرفة بالواقع الديموغرافي كمًّا وكيفًا. يسعى هذا البحث إلى تقديم إجابات عن هذه الأسئلة، محاولًا من خلالها رسم صورة أولية عن التحولات المرجّحة لحركية السكان في سورية خلال العقد المقبل.
Abstract
ملخص: شهدت الديموغرافيا السورية سيرورة تحولات تدريجية عبر عقود ما بعد الاستقلال منذ عام 1946. ومع ما اعتراها من استمرارية حينًا وتعثّ حينًا آخر، فإنّ المسارات العامة للتحول كانت تسمح بالتنبؤ بارتفاع في مستوى مؤشرات التنمية إجملً، وتزايد مستمر في العمر المتوقع عند الولادة وتراجع في وفيات الصغار والأمهات، وتناقص تدريجي في مؤشرات المولودية والخصوبة، ونمو سكاني في تباطؤ نسبيّ. لكن، وبحلول عام 2011، انقلبت سيرورة التحول الديموغرافي في سورية؛ فشكّلت بداية الأزمة السورية قطيعة بالمعنى الدقيق للكلمة على المستوى الديموغرافي، لا تنفصل عن مجمل الاختلال الذي أصاب بنية المجتمع السوري بفعل سنوات الصراع، وتترافق بقطيعة أخرى على مستوى المعرفة بالواقع الديموغرافي كمًّ وكيفًا. يسعى هذا البحث إلى تقديم إجابات عن هذه الأسئلة، محاولً من خلالها رسم صورة أولية عن التحولات المرجّحة لحركية السكان في سورية خلال العقد المقبل. كلمت مفتاحية: الديموغرافيا السورية، القطيعة الديموغرافية، الأزمة السورية، الإسقاطات الديموغرافية. Abstract: Syrian demography has witnessed a process of gradual transformation throughout the post-independence decades since 1946. Between continuity and rupture, the general path of transformation allowed for overall prediction of rising levels of development indicators as a whole, continuous increase in life expectancy at birth and decline in maternal and infant deaths, and a gradual decline in births and fertility, and relative slowdown of population growth. However, by 2011, the demographic transition process in Syria had reversed; the onset of the Syrian crisis constituted a rupture in a strict demographic sense, inseparable from the overall imbalance afflicting the structure of Syrian society due to nearly ten years of conflict, and accompanied by another break in the quantity and quality of knowledge of demographic facts. This research seeks to provide answers to questions arising from these disruptions to draw a preliminary picture of likely changes in population dynamics in Syria over the next decade.
- الديموغرافيا السورية
- القطيعة الديموغرافية
- الأزمة السورية
- الإسقاطات الديموغرافية
- Syrian Demography
- Demographic Breakdown
- Syrian Crisis
- Demographic Projections
مقدمة
لا يخفى على أحد أنّ للحروب والصراعات، الداخلية والخارجية، تأثيراتٍ حتميةً في مختلف البنى الاقتصادية والاجتمعية والسياسية للبلدان المعنية بها؛ ومنها تتولد أزمات على جميع المستويات، بعضها ظاهر للعيان وملموس مباشرة في المدى القصير، وبعضها الآخر يتراكم تدريجًا فتظهر تأثيراته شيئًا فشيئًا في المدى الطويل. فسرعان ما تقود هذه الأزمات المباشرة وغير المباشرة إلى اختلالات كبرى في سيرورة تطور المجتمع في كليته، وتنحرف اتجاهات التنمية عن مساراتها بانهيار المنظومة الحاملة لها، أو على الأقل بضعفها وتهالكها، وتبدأ الأزمات الاقتصادية والاجتمعية في الظهور؛ فنلحظ بسرعة ازدياد معدلات الفقر والبطالة وتراجع التعليم وتآكل المنظومة الصحية والخدمية، على سبيل المثال لا الحصر. لا يخرج المعطى الديموغرافي الصّف عن هذا الإطار العام، بل يندرج ضمنه تمامًا. فمؤشرات حركية السكان الرئيسة الثلاثة، الولادات والوفيات والهجرة، تخرج بدورها عن مساراتها الاعتيادية، وتخالف بذلك كل معرفتنا بها، وتوقعاتنا عن تطورها، وتضع المختصين في توصيف وتحليل واستشراف البيانات الديموغرافية أمام تحدٍّ مزدوج. فمن جهة، تتولد قطيعة في مسارات هذه المؤشرات تستلزم قراءات مستجدة لها، ومن جهة أخرى يحدث فقد كبير في ما هو متاح من بيانات ومعطيات، وخلل في مستوى تغطيتها ودرجة جودتها؛ ما يحول دون إمكان توظيفها بشكل منضبط في البحث العلمي. تختصر هذه الصورة إلى حدٍّ بعيد واقع الحال السوري منذ عام 2011. إذ ما عاد بالإمكان الركون إلى الإسقاطات المُنجَزة في الماضي لفهم سيرورة حركية سكان المجتمع السوري اليوم وتوقع آفاقها المستقبلية؛ ذلك أنّ القطيعة الديموغرافية الحاصلة تُخلخل استمرارية الفرضيات التي قامت عليها تلك الإسقاطات. وفوق ذلك، تمس القطيعة بدورها مصادر البيانات السكانية التي تراجعت جودتها كمًّ ونوعًا؛ فلم تعد تسمح بتصوير دقيق وكامل للتحولات الطارئة الحادثة في المجتمع السوري، ما يزيد من صعوبة استنتاج آفاق الديموغرافيا المستقبلية السورية. لكن، ولأنّ درجة كبيرة من التأثير المتبادل تقوم بين مختلف العوامل المؤثرة في حركية السكان، فإنّ بعضًا من ملامح التغيرات المستقبلية في عناصر حركية السكان يمكن اعتباره انعكاسًا لحشدٍ من الظواهر التي لا تقع بالضرورة ضمن النطاق الضيق للمؤشرات الديموغرافية. ومن هنا، فإننا نسعى في بحثنا هذا إلى رسم تصور أولّي لاتجاهات تغير هذه العناصر الثلاثة لحركية السكان خلال العقد المقبل، في ضوء فهمنا للمنظومة الاجتمعية والثقافية السورية، ومعايشتنا لتغيرات المجتمع السوري خلال سنوات الحرب التسع الماضية، وبالاستعانة بموضعة التجربة السورية ضمن إطار تجارب الصراعات المتعددة التي سبق وعاشتها مجتمعات بشرية عدة على مر التاريخ. فعندما تكون الأرقام في حدّ ذاتها غير قادرة على أن تختزل كميًّا وبدقة آفاق التحولات الديموغرافية المستقبلية بحكم التعقيد الذي يفرضه ويتسبّب
فيه وضع استثنائي كحال الأزمة السورية، فإننا نستطيع أن نعوّل على ديناميكية العلاقة بين المؤشرات الديموغرافية وتفاعلها مع عناصر المحيط، لنتلمّس بالاستناد إليها فرص التطورات المستقبلية. فكيف حدثت القطيعة الديموغرافية خلال العقد الماضي في سورية؟ وكيف أثرت في العناصر الرئيسة لحركية السكان؟ وما أبعادها الملموسة على مستوى المجتمع اليوم؟ وما الآفاق المستقبلية لحركية السكان التي بإمكاننا استقراؤها بالانطلاق من التغيرات الراهنة في الحالة السورية، ومن موضعة التجربة السورية في خصوصيتها ضمن الإطار الأكثر عمومية لآثار الأزمات والحروب في التركيب الديموغرافي؟ يسعى هذا البحث إلى تقديم إجابات عن هذه الأسئلة، محاولً من خلالها رسم صورة أولية عن التحولات المرجّحة لحركية السكان في سورية خلال العقد المقبل؛ تحولات هي نتاج تفاعل معطيات السنوات التي مضت من عمر الأزمة وما هو آتٍ من عمرها في آن.
أولً. يف مصادر البيانات وانقطاعها
سنلقي بادئ ذي بدء نظرةً عامة على أهم المصادر الحديثة للبيانات السكانية في البلاد بغرض موضعة اللحظة التاريخية لحدوث القطيعة في المصدر، كليًّا أو جزئيًّا. ويعدّ التعداد العام للسكان المصدر الأول والأهم للبيانات الديموغرافية. وتاريخ التعداد في سورية حديث نسبيًّا؛ إذ ترجع أقدم عمليات العدّ إلى زمن الاحتلال العثمني حين أنجزت عمليات عدّ سنة 1854 (لعدّ الذكور القادرين على حمل السلاح)، ثمّ في عامَي 1885 و 1905 (لجميع السكان من الذكور)1. واستمرت عمليات العدّ في حالة من عدم الانتظام إبّان الاحتلال الفرنسي، ثم انتظمت التعدادات العامة لسكان سورية بعد الاستقلال بدءًا من عام 1947 وبفروقات زمنية تساوي أو تتجاوز قليلًالسنوات العشر (1960 - 1970 - 1981 - 1994 -.)2004 وعلى الرغم من العيوب الإجرائية والتنظيمية التي عانتها التعدادات في سورية، فإنها نجحت عبر الزمن في التوسع والانتظام، وباتت أكثر دقة وشمولية. وأمكن العمل على التعدادات المتتالية، ولحظ تجاوز الكثير من الأخطاء والنواقص في إنجاز العملية، وإن بقيت مشكلة التأخير في نشر نتائج التعدادات حاضرة عبر السنوات، إذ احتاج الأمر فترات تراوح بين أربع وثماني سنوات لنشر نتائج كل واحد منها، ما ترك في حينه آثارًا مهمة في إمكانية الاستفادة من نتائجها في الوقت المناسب. أضف إلى ذلك ما تتسم به هذه
التعدادات من انقطاعات متكررة في سلاسل المعطيات المتاحة؛ إذ يجري عرض بيانات تغطي موضوعًا ما في أحد التعدادات، وإلغاؤها في التالي، أو إحلال غيرها محلها؛ ما يحول دون انتظام العمل التحليلي2. وقد بلغت مشكلة الانقطاع في البيانات هذه ذروتها في ظروف الأزمة؛ فالتعداد المفتَض لعام 2014 لم يُنجَز بطبيعة الحال، ومضت اليوم منذ عام 2004 ست عشرة سنة من تاريخ البلاد في غيابٍ تام لأيّ تعداد شامل، وفي خسارةٍ للمصدر الأول والأكثر أهمية في المعرفة عن السكان والتنبؤ بحركيتهم. وهنا يكمن التحدي الأول الذي يواجه العمل البحثي الديموغرافي. وبالمثل، ترجع أولى تسجيلات السجل المدني في سورية إلى زمن الاحتلال العثمني. وتؤكد الشواهد التاريخية أنه، ومع بدايات القرن العشرين، جعل قانون السجل المدني لزامًا على جميع سكان الإمبراطورية [العثمنية] التي كانت سورية جزءًا منها، تسجيل الولادات والوفيات، وتأسّست شبكة من مراكز التسجيل المدني في المقاطعات والمدن الرئيسة للولايات والسناجق. اتسم هذا التسجيل الأول الذي يعود إلى عام 1902 بشموليته لمختلف فئات المجتمع، خلافًا لما سبقه من قوانين؛ فحتى عام 1881، لم يكن التصريح بالمواليد الإناث مطلوبًا3. لكن إنشاء السجل المدني بالمعنى الحديث يعود فعليًّا إلى عام 1922 زمن الاحتلال الفرنسي، وهو سجلّ بقي عقودًا طويلة حتى ما بعد استقلال البلاد عام 1946 يعاني نواقصَ في تسجيل السوريين في الداخل والخارج؛ إذ تطلّب الأمر الانتظار حتى عام 1970 لكي تصل تغطية التسجيل إلى 93 في المئة من سكان البلاد. بيد أنّ الوقائع لم تكن تُسجَّل دائمًا في المدة الصحيحة؛ ما ترك أثره في كلّ من بيانات الحركة الطبيعية للسكان وتحديد الأعمر4. تجدر الإشارة إلى أنه ومنذ الاستقلال، بدأت الهيئات الرسمية السورية (وبوجه خاص المكتب المركزي للإحصاء منذ إنشائه عام 1969) في إصدار مجموعات إحصائية سنوية تشتمل على عرضٍ لبيانات السجل المدني. واستمرت المجموعات في الصدور سنويًّا ومن دون انقطاع، وبحيث تغطي مختلف محاور حركية السكان، حتى عام 2011. ثم توقف الإصدار تمامًا مع بدء الأزمة السورية ولم تعُد المجموعات الإحصائية إلى الصدور إلا بحلول منتصف عام 2018، حين نشر المكتب المركزي للإحصاء جميع نسخ المجموعات لتشمل كل سنوات الانقطاع5. بيد أنها جاءت تعاني ثلاث مشكلات كبرى؛ تتمثل الأولى في الفقد الهائل
في البيانات، والذي يمسّ محافظات كاملة (بما فيها محافظة حلب ذات الوزن الديموغرافي الكبير)؛ وتخص الثانية بناء الكثير من البيانات في المجموعات الجديدة بالاستناد إلى فرضية استمرارية أوضاع ما قبل الحرب، وهي فرضية فقدت مصداقيتها بفعل الأوضاع الطارئة، ما يعني أنها ستقود حتمً إلى بيانات تبتعد عن توصيف الحقائق القائمة بدقة؛ وأخيرًا، فعند عدم توافر أيّ مصدر لمعلومة أو مؤشر ما، تلجأ المجموعات الجديدة إلى الاكتفاء بوضع الرقم الإحصائي لسنة قديمة سابقة على الحرب. وتمثّل مجمل هذه المشكلات تحديًا ثانيًا أمام العمل البحثي الديموغرافي اليوم.
أما على مستوى المصدر الرئيس الثالث للبيانات، فقد شهدت سورية عددًا من المسوح الديموغرافية الرسمية الكبرى منذ سبعينيات القرن العشرين. غير أنّ العقود الخمسة الممتدة من السبعينيات حتى وقتنا الحاضر سجّلت انقطاعين رئيسين في المسوح؛ حدث أولهم خلال عقد الثمنينيات الذي توقفت فيه المسوح الديموغرافية تمامًا بعد انطلاقة قوية في السبعينيات، وحدث الثاني بطبيعة الحال بعد بدء الأزمة الراهنة منذ عام.2011
ونشير أخيرًا إلى إسهام عدد من الهيئات منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، أي خلال العقد الأخير السابق على الأزمة، في تزويد المعرفة الديموغرافية السورية بتقارير ودراسات شكّلت نقلةً حقيقية في معرفتنا عن السكان في الماضي والحاضر والمستقبل؛ ويأتي في مقدمتها تقريرَا حالة سكان سورية لعامي 2008 و 2010، والمشروع الاستشرافي سورية 2025 الذي صدر عام.20076
ليس مفاجئًا بطبيعة الحال أن تكون عجلة هذه الحركة المعرفية في شأن الديموغرافيا السورية قد توقفت خلال سنوات الأزمة الماضية. وحتى المسوح القليلة التي أجراها ويجريها المكتب المركزي للإحصاء لم تعد قادرة على التعبير بعينات ملائمة عن خصائص مختلف شرائح المجتمع السوري وفئاته ومناطقه، وهي في أكثريتها تتوجه نحو مسائل كقوة العمل ومؤشرات الأسعار والغذاء، وإن تناول بعضها مؤخرًا عددًا من المؤشرات الديموغرافية7.
إلى جانب كلّ هذه الانقطاعات والتخلخلات في الأرقام الرسمية، حدث انقسامٌ حاد في مصادر البيانات الثانوية من بحوث وتقارير ديموغرافية، بالتزامن مع الانقسام القائم بين السوريين أنفسهم؛ فباتت تقدم رؤىً، بل حتى تقديرات إحصائية عددية تتباين بشدة تبعًا للتوجهات المتعارضة للجهات المعنية بإصدارها داخل البلد وخارجه. وليس هذا الانقسام والتباين في المصدر والرقم الإحصائي وليد الأزمة الحالية بطبيعة الحال، لكنه بات اليوم أشدّ حضورًا مم كان عليه في ما مضى.
ثانيًا: يف القطيعة: كيف تخلخل الأزمات سيرورة حركية السكان ومعرفتنا بها؟
نود الإشارة بادئ ذي بدء إلى أنّ مفهوم "الأزمة" الذي نتبناه هنا إنما يعبِّ عن "... حالة من الخلل الوظيفي في نظامٍ ما، بات غير قادرٍ على أداء وظائفه، أكان ذلك بفعل تغيرات في الظروف المحيطة، أم بتأثيرٍ من خصائصه الداخلية في حدِّ ذاتها"8. والحقيقة أنّ هذا التوصيف ينطبق على مختلف جوانب الخلل القائم في الحالة السورية منذ 2011، ولا تتناقض هذه التسمية برأينا مع ما تقترن به هذه الأزمة من سمت الحرب (أكانت على شكل اقتتال داخلي أم مناوشات حدودية). ولا شك في أنّ لكل أزمة يعيشها مجتمع من المجتمعات، أكانت اقتصادية أم اجتمعية أم سياسية أم أمنية أم سواها، خصوصيتها واستثنائية تأثيراتها في المدى القصير والطويل، وهي خصوصية تقترن بطبيعة المجتمع في ذاته وانبنائه سياسيًا واقتصاديًّا واجتمعيًّا وثقافيًّا على مرّ التاريخ. لكن وفي المقابل، يمكن دائمًا أن نستشفّ من التاريخ وتجاربه عناصر عامة تسمح بالوصول إلى فهم أفضل لوقائع اليوم. وبناء عليه، فإنّ الحروب العديدة التي شهدتها المجتمعات البشرية تقدِّم أمثلة تثري فهمنا لآثار الأزمات في السكان. ولئن تباينت الآثار تبعًا لشدة النزاعات، فإنّ بعض النتائج تبدو شائعة، كالفقد الحاصل في الشباب من الذكور، واختلال نسبة النوع، وتزايد أعداد الأرامل والأيتام؛ غير أنّ الحروب تترافق كذلك باضطراب في الأحوال العامة غالبًا ما ترافقه أشكال أخرى من المعاناة كانتشار الأوبئة مثلً، والتي تمسّ بشكل خاص الفئات الأكثر ضعفًا وحرمانًا9. يمكن اعتبار الانعكاسات الديموغرافية للحربين العالميتين الأولى والثانية نموذجًا أوليًّا يسهم في الإضاءة على جوانب عدة من هذه المسألة. وفي هذا الصّدد، يشير أوليفيه فارون إلى أنّ الحرب العالمية الأولى شكلت نزيفًا بشريًّا استثنائيًّا في خطورته ترك آثارًا بيّنة في الهرم السكاني الأوروبي لعقود تالية، ومثّل لحظة قطيعة في السلوك والممرسات الفردية؛ إذ لم يقتصر الأثر على مقتل ما يقارب تسعة ملايين من الشبان الذكور، نصفهم ترك وراءه أرملة لها من الأطفال اثنين وسطيًّا، بل تعدّاه إلى ارتفاع في معدلات المراضة الناتجة من إصابات الحرب. فوق ذلك، نتعلم من تجربة الحرب العالمية الأولى كيف تكشف الصراعات بأفضل ما يمكن عن الانشقاقات الداخلية، الدينية والعرقية على وجه الخصوص10. ومن ثمّ،
نستطيع أن نفهم أنّ تركّز المعارك بذاتها أو تركّز نسب الالتحاق العسكري في مناطق بعينها، يمكن أن يترك آثارًا في التركيبة الديموغرافية العامة للمجتمع كم في خصوصية كل منطقة، ليس في المدى القصير فحسب، بل عبر عقود لاحقة كذلك. وفي المقابل، اتسمت الحرب العالمية الثانية بأنّ آثارها تعدت المقاتلين في المعارك لتصيب بالموت ملايين المدنيين، وتتسبّب في مقتل 39 مليونًا من البشر في أوروبا وحدها، ما يجعلها تعبيرًا عن إحدى أكبر القطيعات الديموغرافية في التاريخ ونقطة تحول كبرى في القرن العشرين، لا سيم على مستوى التغير الحاصل في نسبة النوع وتوازن الأعداد بين الجنسين. ففي ألمانيا مثلً، انخفضت نسبة النوع من 0.98 من الرجال لكل مئة من النساء البالغات من العمر 15 إلى 45 عامًا في عام 1939 إلى 0.72 فقط بعد الحرب بحلول عام.194611خارج حدود القارة الأوروبية، يسجّل كريستيان تيبون مثالً عن القطيعة الديموغرافية في بوروندي في الفترة بين 1943 - 1944. ويرى أنه وبحسب توصيفات تلك المرحلة، لم تكن الحرب في حدّ ذاتها مصدر القطيعة، بل الفاقة والمجاعة المقترنة بها من جهة، والدور الذي أدّته عوامل مناخية من جهة أخرى. وسجلت المرحلة المذكورة تراجعًا في الولادات وأعداد الحمول في مقابل ارتفاع كبير في أعداد الوفيات بقيت ملامحه قائمة حتى عام.194712وفي مثالين أقرب إلينا زمانيًّا ومكانيًّا، يشير هاشم نعمة فياض إلى أنّ الحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1988) أدت إلى انخفاض معدل النمو السكاني، وإن يكن من الصعب حساب نسبة الانخفاض التي ساهمت بها الخسائر البشرية الناجمة عن الحرب13. ثم يتوقف ببعض التفصيل عند تأثيرات حرب الخليج الثانية (1990 - 1991) في المولودية، فيقول: "تشير الأرقام الرسمية بوضوح إلى انخفاض العدد المطلق للولادات الحية من 660 ألفًا و 385 مولودًا عام 1990 إلى 482 ألفًا و 290 مولودًا عام 1991، وإلى 471 ألفًا و 886 مولودًا عام 2000. هذا الانخفاض كان حادًا في الحقيقة، وهذه الظاهرة يمكن أن تُفسَّ بالحركة العسكرية العامة [...]، إذ عندما يكون الكثير من العسكريين بعيدين عن بيوتهم، ينخفض عدد النساء الحوامل"14. وفي المقابل، بيّنت دراسة أثر الحرب اللبنانية في الخصوبة أنّ نقص المساكن في بيروت فترة الحرب كان قد أدى بالضرورة إلى تأجيل زيجات، كم تسبّب في مغادرة
المتزوجين الجدد لبيروت؛ فتراجع الدعم الاجتمعي لمن حولهم في مرحلة بدء تكوين أسرهم، لكن يبقى من الصعب تأكيد حدوث انخفاض ذي دلالة في الخصوبة اللبنانية بفعل الحرب الأهلية15. لن نستفيض في مناقشة المزيد من الأمثلة عن تأثيرات الحروب والأزمات في السكان، فم أردناه من هذا العرض الموجز هو تسليط الضوء أولً وقبل كل شيء على مدى تعقّد التأثيرات وتداخلها، وعلى عدم وجود صيغة واحدة جامعة لاستجابة المجتمعات. ومن المؤكد أنّ النتائج الأكثر شيوعًا والأوضح للعيان هي تلك التي تخصّ ارتفاع معدلات الوفيات بشكل عام أيًّا تكن طبيعة الأزمة القائمة، وارتفاع معدلات وفيات الذكور من الشبان المنخرطين في المعارك لا سيم في أوقات الحروب؛ وهذا الشكل الأخير من اختلال الوفيات سيقود بدوره إلى خلل في نسبة النوع. وفي مستوىً ثانٍ من التأثيرات، يؤدي اضطراب الأوضاع إجملً إلى تأجيل زيجات يصعب عقدها لأسباب أمنية أو اقتصادية، ويؤدي التباعد المكاني بين الزوجين في الزيجات القائمة بالفعل دورًا في خفض المواليد؛ وهو تباعد مكاني قد ينتج من مشاركة الزوج في المعارك أو من تأثيرات النزوح، وما يرافقه من افتراق. فهل سيكثر الموت إذًا وتقل الولادات؟ يبدو الأمر كذلك في المدى القصير. أما في المدى الطويل، فلا دلائل في تجارب المجتمعات البشرية على استمرارية مطلقة لهذه الأحوال، لا بل يظهر بشكل عام أنّ "حالات التراجع هذه ظاهرية أكثر منها حقيقية، لأنه ومع نهاية الأعمل العدوانية، يعود التوازن إلى حاله على مستوى "سوق الزواجيّة"، والولادات التي كانت قد أعيقت ما تلبث أن تحدث متأخّرةً؛ نتحدث إذًا عن "التعويض"16. يبدو إذًا السؤال الإشكالي الأهم في هذا الصدد هو المتعلق بآليات تعويض الولادات هذه، وسرعة حدوثها زمانيًّا (هل ينتظر التعويض انتهاء الأزمة تمامًا أم يستغلّ فترات الاستقرار العابرة)، ومستوياتها، ومدى إمكانية تعميمها على المجتمعات باختلاف بناها. إذ لا شك في أنّ المجتمعات المختلفة تستجيب للأزمات بردود فعل متباينة، وغالبًا ما تكون آليات التعويض أشد وضوحًا في المجتمعات ذات البنى التقليدية، حيث تحتفظ الأسرة بمركزيتها كمؤسسة اجتمعية، ويبقى دور المرأة الإنتاجي محدودًا ودورها الإنجابي محوريًا. في مثل هذه الحالات، يؤدي ارتفاع المخاطر الناتج من الحروب والأزمات إلى التأثير في التركيب العمري للخصوبة بطرائق ثلاث: "أوّلً يمكن أن تبدأ النساء بإنجاب الأطفال مبكّرًا أكثر من المعتاد؛ ثانيًا: يمكن أن تستمر النساء في إنجاب الأطفال لاحقًا في حياتهن؛ وأخيرًا قد ينجبن الأطفال بفترات فاصلة أكثر
تقاربًا (...). يضاف إلى ما سبق أثر آخر مرتبط بالعمر وهو احتمل 'تعويض' الخصوبة لاحقًا. فالنساء اللواتي تعرّضن لصدمة وهنّ شابات صغيرات يمكنهنّ تعويض الآثار السلبية في الخصوبة في عمر أكبر"17. غنيّ عن القول في الختام إنّ مجمل هذه التغيرات في عناصر حركية السكان تحدث في ظلّ انتقال لمجموعات بشرية من أماكن إلى أخرى هربًا من المعارك أو بحثًا عن فرص عيش أفضل بعد فقدان مورد الرزق بفعل الأزمة، أكانت كارثة طبيعية أم حربًا أم سواها. ويؤدي انتقال البشر داخل حدود البلد المعني وخارجها إلى إضافة عنصر جديد إلى مجمل عناصر القطيعة السابقة، وهو عنصر الاختلال السكاني-المجالي الذي يقوم على تكدّس مجموعات من السكان في مناطق بعينها مع ما يرافقه من ضغط على الموارد والخدمات الضعيفة أصلً بفعل الأزمة بذاتها، وتكدّس مجموعات أخرى من السكان، الأقل حظًّا إن جاز التعبير، في مخيمت النزوح التي افتقرت وتفتقر على مرّ تاريخ البشرية إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة وإلى البنى التنموية الملائمة؛ ومن ثمّ تصير هي بسكانها موضعًا لتغيرات ديموغرافية قد تخرج في حد ذاتها عن السياق العام لما يحدث في أوساط بقية السكان الأكثر استقرارًا.
ثالثًا: سورية الأزمة: حركية السكان منذ 2011 وآفاقها المستقبلية نتوصل من هذه النظرة الكلية إلى أنّ المعرفة بحاضر حركية السكان في سورية ومستقبلها محكومة في اللحظة الراهنة بمسألتين ينبغي أخذهم معًا في الاعتبار: انقطاع بعض مصادر البيانات الرئيسة، وتخلخل بعضها الآخر من جهة؛ والقطيعة الديموغرافية التي لا بدّ من أن تنعكس في مسار عناصر حركية السكان، فتخرج بها عن السيرورة التي كانت قائمة قبل 2011، من جهة أخرى. وسنستعرض في ما يلي بعضًا من مؤشرات حركية السكان منذ 2010، العام السابق مباشرة على الأزمة، بالاستناد إلى الرقم الإحصائي الرسمي السوري، إلى جانب نماذج من بيانات إصدارات أخرى متنوعة؛ محاولين من خلال هذا العرض وبواسطته استشراف بعضٍ من ملامحها المستقبلية، لكن من دون أن ننسى أنّ للاستشراف في سياق القطيعة خصوصيته. ولنتذكر هنا مع هوغ دو جوفنيل أنّ "الحاضر ما هو إلا لحظة خاطفة بين الماضي والمستقبل، وأنّ هذا الأخير لا ينبثق من العدم. وإحدى المهمت الأساسية، والمسبقة لأيّ ممرسة للاستشراف، هي إذًا محاولة تمثّلنا للوضع الحالي من خلال ديناميكيته
الزمنية الطويلة ومجموع أبعاده"18. ولننتبه من خلال هذه الفكرة إلى أنّ هذا بالذات هو ما تحول القطيعة دون حدوثه؛ فبوقوعها نفقد الديناميكية الزمنية الطويلة، وتتفكك أبعاد الحاضر، ويصير لزامًا علينا إعادة تجميعها وفق نظرة كلية تأخذ في الاعتبار تداخل معطيات عدة في رسم ملامح كل واحد من هذه الأبعاد.
1. انعكاسات الأزمة في الوفيات: المستقبل في ضوء الحاضر
سبق أن بيّنا في ما أوردناه من أمثلة عن القطيعات الديموغرافية أنّ الأزمات بأنواعها تزيد من الأعداد المطلقة للوفيات. وإذا ما انطلقنا من نظرة عامة أولية، فسنعرف على الفور أنّ الواقع السوري منذ 2011 لا يشذّ عن هذه القاعدة. وتتأكد هذه النظرة العامة الأولية بملاحظات أوردها عدد من الدراسات التي تناولت الشأن السوري. فنقرأ منذ عام 2014 في تقرير هدر الإنسانية الصادر عن المركز السوري لبحوث السياسات أنّ خسارة الأرواح تعتبر "أكثر جوانب النزاع مأساوية مع ارتفاع أعداد الوفيات نتيجة الأزمة [...]. ومع نهاية عام 2013، بلغ عدد الوفيات في سورية نتيجة الأزمة حوالي 130 ألف شخص مرتفعًا من 100 ألف حتى نهاية الربع الثاني من نفس العام [...]. يمكن القول إنه ومع نهاية عام 2013 فإن 3 في المئة من السكان تقريبًا قد تعرضوا للقتل أو الإصابة أو التشوه نتيجة الأزمة"19. وفي تقريرٍ لاحق، تشير المعطيات الصادرة عن المركز أنّه من المتوقع أن يصل معدل الوفيات إلى 10 في الألف مع نهاية عام 201520. وفي سياق ممثل، يشير محمد أكرم القش إلى ارتفاع مؤشرات الوفيات نتيجة تدهور الوضع الصحي خلال سنوات الأزمة. فبعد انخفاض معدل الوفيات الخام ومعدلات وفيات الأمهات والرضع بشكل ملحوظ بين منتصف تسعينيات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عاودت هذه المؤشرات ارتفاعها في سنوات الأزمة. وكان معدل وفيات الرضع قد وصل إلى 18 في الألف سنة 2009، ومعدل وفيات الأمهات بلغ 52 وفاة لكل مئة ألف ولادة حية للعام ذاته، لترتفع هذه القيم مؤخّرًا وليسجّل معدل وفيات الرضع ما يزيد على 23 في الألف ومعدل وفيات الأمهات 65 وفاة لكل مئة ألف ولادة حية خلال سنوات الأزمة حتى عام.201721
لا يسمح الرقم الرسمي السوري الصادر عن المكتب المركزي للإحصاء في مجموعاته السنوية بتأكيد مستوى قيم معدل الوفيات الخام الواردة في التقديرات المذكورة. ويرجع السبب في ذلك بشكل رئيس إلى الفقد الحاصل في البيانات. فالوفيات وأعداد السكان الواردة في الرقم الرسمي السوري تفتقر إلى محافظة حمص لعامَي 2011 و 2012، ثم تعود حمص للظهور في البيانات بدءًا من عام 2013، لكننا نخسر في المقابل محافظات أربع هي حلب وإدلب ودير الزور والرقة والتي تبقى بياناتها غائبة حتى آخر مجموعة إحصائية صدرت عام 2019؛ وتغيب الحسكة معها عام 2017. ومع ذلك، قمنا بحساب معدلات الوفيات الخام بحسب الجنس للسنوات من 2010 إلى 2016 (لبيانات المجموعات الإحصائية المأخوذة عن السجلات المدنية)، وللسنوات من 2010 إلى 2018 (للبيانات المأخوذة عن تقديرات التعداد22، بغرض التحقق مم إذا كانت تعكس، بالرغم من النواقص، حقيقة الفروقات في الوفيات بين الجنسين. ونعرض النتائج في الشكلين (1.(2) و)23قبل مناقشة الشكلين ((12) و)، لا بد من الإشارة إلى أنّ معدل الوفيات الخام هو معدل كلي يتأثر إلى حدّ بعيد بالتركيب العمري للسكان؛ أي إنه قابل للارتفاع مع ازدياد نسبة كبار السن في المجتمع ولا يستخدم في حالته الخام للمقارنات المتعلقة بالمستويات الصحية والتنموية. لكن بالنظر إلى أنّ المرحلة التي نتناولها قصيرة الأمد يمكن القبول به كمؤشر مقارنة، على اعتبار أنّ نسبة كبار السن في المجتمع تحتاج إلى مراحل زمنية طويلة نسبيًا لتتغير بشكل مؤثر. في الشكلين ((12) و)، لا تعكس الأرقام الرسمية الارتفاع في معدل الوفيات الخام الذي ترصده المصادر غير الرسمية؛ ويرجع الأمر بطبيعة الحال إلى النقص الشديد في البيانات وعدم شموليتها لجميع السكان. لكن بالرغم من هذا النقص، يظهر جليًّا اتساع الفارق في الوفيات الخام بين الذكور والإناث عبر سنوات الأزمة. فبعد أن كان أقلّ من 1 في الألف سنة 2010، وفي كلا المصدرين، ارتفع إلى حدود تقارب 2 في الألف في سنوات ما بعد 2016. نستطيع إذًا التأكيد بالانطلاق من هذه البيانات ورغم ما يعتريها من نواقص على أنّ الأزمة تمس بشكلٍ رئيس وفيات الذكور. وهو ما أشارت إليه تقارير بينت أنّ نسبة الوفيات في صفوف الذكور تمثّل 82.2 في المئة من إجملي الوفيات المرتبطة بالنزاع في سورية، وغالبيتهم كانوا رجالً في عمر العمل؛ وهذا انعكاس للانخراط المباشر للرجال في القتال الدائر24.
سنوات في غضون أقل من عقد واحد.
(إذ بلغ العمر المتوقع عند الولادة 59.4 سنة للرجال و 66.9 للنساء)25. وينعكس هذا التأثير المباشر للأزمة في ارتفاع معدلات الوفيات عمومًا، ووفيات الذكور بخاصة، بشكل مباشر في قيم العمر المتوقع عند الولادة. فهذا المؤشر شديد الحساسية للتغيرات الآنية في مسببات الوفيات (أكانت معارك أم تدهورًا في الأوضاع الصحية والخدمات)؛ ومن ثمّ فمن غير المفاجئ أن يسجل انخفاضًا ملحوظًا خلال سنوات الأزمة الأولى الأشد دموية، إذ يُقدّر أنه انخفض من 70.5 سنة عام 2010 إلى نحو 55.4 سنة عام 2015، وإن يكن قد عاود ارتفاعه لاحقًا ليبلغ26 62.9 لعام 2019، مع بقائه27اليوم بعيدًا تمامًا من القيمة المسجلة قبل الأزمة، فالخسارة في العمر المتوقع عند الولادة تتجاوز سبع
بالاستعانة بالشكل (3)، نلاحظ أنّ قيم العمر المتوقع عند الولادة أخذت في الارتفاع تدريجًا بدءًا من عام 2017. لكنّ الهوة الفاصلة بين وفيات الذكور والإناث تبقى واضحة تمامًا؛ وكانت قد بلغت أشدّها عام 2014 بفارق يتجاوز ست عشرة سنة سُجّل عام 2014، ثم تراجع إلى حدود السنوات السبع عام 2019
كيف نقرأ المستقبل في ضوء هذه المؤشرات؟ يبدو واضحًا من الشكلين ((12) و) استمرارية ارتفاع معدلات الوفيات الخام واتساع الفارق بين الذكور والإناث في أعداد الوفيات منسوبةً إلى مجمل السكان. وكذلك أوردنا أمثلة عن معدلات وفيات الأمهات والرضع تعكس بارتفاعها تراجع قدرة المنظومة الصحية على تقديم خدماتها للجميع. ونرى في الشكل (3)، في المقابل، ارتفاعًا تدريجيًّا في العمر المتوقع عند الولادة يدلّ على تغير إيجابي لحظي – سنةً وراء سنة – في الأوضاع الصحية والأمنية العامة؛ الأمر الذي ينعكس إيجابًا في احتمل الحياة للأجيال الجديدة. نحن لا نعتبر هذا الارتفاع اللحظي مؤشرًا على تحسّنٍ بمقدار ما هو تعبير عن تذبذب في مستويات الوفيات العامة والعمر المتوقع عند الولادة. ومن المرجح أن يستمر هذا التذبذب، ليس خلال العقد المقبل فحسب، بل ما دامت الأزمة السورية لم تصل إلى نهايتها بعد. فبالنظر إلى الأحوال العامة القائمة في مختلف مناطق البلاد – أكانت تحت سيطرة الدولة السورية أم لم تكن – نعرف أنّ الاستقرار الذي قد تشهده بعض السنوات، أو بعض الأشهر ضمن سنة بعينها، ليس سوى استقرار مرحلي. فالأزمة مستمرة ولم تُحلّ، والاستقرار هو من ثمّ هش تخلخله أيّ خروقات للاتفاقات الأمنية، أو حوادث واضطرابات مفاجئة. وضمن هذه الظروف، لا يعني ارتفاع العمر المتوقع عند الولادة اليوم بالضرورة استمرارية لارتفاعه في السنوات المقبلة؛ فم إن تشتعل المعارك في إحدى الجبهات حتى يعود الموت إلى الواجهة ليحصد بالدرجة الأولى أرواح المزيد من الشبان المقاتلين، وتمتدّ آثاره إلى المدنيين فترتفع الوفيات في صفوفهم أيضًا. فوق ذلك، تؤدي المعارك على الدوام إلى المزيد من النزوح، وما يرافقه من تردي الأوضاع الصحية، ونقص الغذاء والخدمات؛ والتي تقود جميعها وبشكل مباشر إلى ارتفاع معدلات وفيات الأمهات والرضع بشكل خاص. أما في المناطق الأكثر استقرارًا من البلاد، فيبقى الضغط السكاني الهائل المتولد عن موجات النزوح من المدن المتضررة حاضرًا بثقله على البنى التحتية الخدمية في المجال الصحي. وهو ضغط يضاف إلى حجم الخسائر الكبير أصلًالذي شهدته المنظومة الصحية خلال سنوات الحرب الطويلة. ونذكر على سبيل المثال أنّ معطيات دراسة مدى صلاحية المستشفيات والمراكز الصحية العامة للقيام بوظائفها كانت قد أظهرت أنه وبحلول نهاية أيلول/ سبتمبر 2018، "من بين 111 مستشفى عامًّا خضع للتقويم، 57 منها كانت عاملة بالكامل (51 في المئة)، و 28 مستشفى منها كانت عاملة جزئيًّا وتعاني من نقص في الموظفين أو المعدات أو الأدوية وأضرار في المباني (25 في المئة)، في حين كانت 26 مستشفى منها غير عاملة (24 في المئة)"28.
ويصبح هذا التضرّر الذي عانته المنظومة الصحية الرسمية أشدّ تأثيرًا وخطورة في الوقت الراهن، مع تردي الوضع الاقتصادي لشرائح واسعة من السوريين منذ الربع الأخير من العام المنصرم بخاصة، واشتداده في الوقت الراهن. فتراجع القدرة الشرائية، والارتفاع الحاد في معدلات الفقر29، وارتفاع تكاليف العلاج في القطاع الصحي الخاص، سيزيد بالضرورة من الضغط الكمي في الطلب على خدمات المؤسسات الصحية الحكومية. وإن كانت هذه المؤسسات لا تخلو من كوادر طبية مؤهلة تبذل جهدًا مضاعفًا لتقديم ما أمكن من رعاية، فإنّ النيات الحسنة لا تنفع وحدها في مواجهة النقص الحاد في الإمكانات المادية والتجهيزات. ولذا تجتمع كل هذه العوامل معًا فتؤدي إلى تراجع في الوضع الصحي العام، ومن ثمّ إلى حدوث وفيات كان بالإمكان تجنبها. تجدر الإشارة أخيرًا إلى أنّه من المتوقع أن تترك المستجدات التي يفرضها وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) عالميًا آثارها في الحالة السورية. فإذا كان انتشار المرض قد أربك منظومات صحية من بين الأقوى عالميًا بسبب عجز المؤسسات الصحية عن تأمين كامل الرعاية للأعداد الهائلة من المرضى، فإنّ بدء انتشار الوباء مؤخّرًا في الداخل السوري يضيف خطرًا جديدًا إلى مجمل المخاطر التي من شأنها رفع معدلات الوفيات، وإن يكن هذه المرة في أوساط فئات أكبر سنًّا قليلً. ويكمن الخطر الأكبر لتسارع وتيرة الانتشار مؤخرًا في إلقاء مزيدٍ من الأعباء على منظومة صحية تعاني مسبقًا التخلخل، ومزيد من الأعباء على أفراد يعانون مسبقًا صعوباتٍ اقتصاديةً هائلة. إذًا، تسير الوفيات العامة والعمرية في سورية خلال السنوات المقبلة إلى مزيد من التذبذب، وتقع تحت رحمة التقلبات الأمنية والاقتصادية والخدمية. وإذا كان بإمكاننا اليوم أن نأمل بأنّ السنوات الأشدّ قتلً وتدميرًا قد مضت، فإنّ الوفيات تظل مع ذلك عرضة لارتفاعات مفاجئة وحادة أحيانًا، ما دام الصراع قائمًا، والمعارك قابلة للاشتعال في أي لحظة، وإن في مساحات أقلّ اتساعًا مم كانت عليه في سنوات الحرب الأولى. على مرّ التاريخ، اقترن انخفاض الوفيات بتطور الأدوات الصحية في المجتمعات المتقدمة؛ وكذلك لاحقًا في المجتمعات النامية. ولذلك أمكن التنبؤ بأنّ التوسع في تقديم الخدمات الصحية سيؤدي إلى استمرارية في انخفاض الوفيات بالإجمل. لكنّ التصور الخطي هذا غير ممكن في الحالات الاستثنائية التي ترتفع معها الوفيات، وهنا الإشكال الأهم. فإذا كان من اليسير التنبؤ باستمرارية انخفاض وفياتٍ آخذة في التراجع مسبقًا، بتطبيق استكمل خطي رياضي مثلً مع افتراض ثبات الظروف القائمة، فإنه من الصعوبة بمكان التنبؤ بالوفيات عند حدوث قطيعات هيكلية. فمع معرفتنا بأنّ الوفيات اليوم في سورية آخذة في الارتفاع في أوساط معينة (لا سيم الشباب الذكور في سنّ التجنيد)، فإنه من غير المعقول افتراض
استمرارية خطية لهذا التزايد. ما نستطيع افتراضه هو إما استمرار اشتعال المعارك، ومن ثمّ استمرارية شبه مستقرة لمستويات وفيات الحرب، أو توقف تام للمعارك يرافقه تراجع لوفيات الشباب إلى حدود ما قبل الحرب. وطالما لم يحسم أحد الخيارين بعد (فالمعارك تتوقف حينًا وتشتعل بشدة حينًا آخر)، فسيظل تذبذب مستويات وفيات الشبان الذكور، ومستويات الوفيات بالإجمل، هو القائم.
2. انعكاسات الأزمة في المسألة الإنجابية، وأبعادها المستقبلية
من اليسير الإجمع، حتى مع تباين المعطيات الإحصائية واختلاف المصادر وما يعتريها من نواقص، على ارتفاع معدلات الوفيات بشكلٍ عام ووفيات الذكور في سنّ الشباب بشكل خاص في ظل الأوضاع القائمة في سورية اليوم. ولقد لاحظنا بالفعل أنّ النتائج المتحصلة من مختلف المصادر تنتهي إلى خلاصة واحدة، وإن اختلفت القيم المعبِّة عنها. في المقابل، يبدو من الصعوبة بمكان الوصول إلى قراءة موحدة للمسألة الإنجابية30 في سورية خلال سنوات الأزمة؛ وأكثر من ذلك، محاولة التنبؤ بمساراتها المستقبلية. بالعودة إلى ما كان متوقعًا قبل الأزمة السورية، نجد أنّ إسقاطات المكتب المركزي للإحصاء كانت تتوقع عودة سيرورة انخفاض الخصوبة ومعدلات المواليد الخام رغم الارتفاع الطارئ الذي سجلته مطلع الألفية (خلال العقد الأول من الألفية ارتفع معدل المواليد الخام بحسب بعض التقديرات من 27.6 في الألف عام 2004 إلى 34 في الألف عام 2010. وكان التصور القائم هو أن يراوح مؤشر الخصوبة عام)31 2025 بين 2.3 من الأطفال للمرأة الواحدة (وفق الفرض المنخفض) و 3 (وفق الفرض المرتفع). أما معدل المواليد الخام، فوضِعت حدود لقيمه للعام نفسه تراوح بين 20.3 و 23.6 للفرضين المنخفض والمرتفع على التوالي32. وفي العموم، وأيًّا تكن الفرضيات المعتمدة فقد كان من المتوقع للخصوبة السورية إما أن تستقر عند الحدود التي وصلت إليها (أي في حدود 3.5 من الأطفال للمرأة الواحدة وسطيًّا)، مع تعثر التحول الديموغرافي وتباطئه خلال العقد الأول من الألفية، أو أن تتجاوز هذا التعثر بعد انقضاء هذا العقد، فتوالي سيرورة التحول الديموغرافي وتسجل المزيد من انخفاض الخصوبة لتقارب معدل الإحلال (2.1 من الأطفال للمرأة الواحدة). ونجد في تقديرات الأمم المتحدة مثلً تقديرًا للخصوبة الكلية في حدود 2.6 من الأطفال للمرأة الواحدة للفترة 2020 - 2025، ومعدلً للمواليد الخام يبلغ 21.3 في الألف للفترة ذاتها33 (بما يتوافق مع التقديرات الرسمية السورية).
في الأحوال الاعتيادية، وفي غياب أي حالة طارئة، يمكن اعتمد سيرورة عامة ذات معقولية تسير عبرها العملية الإنجابية في المجتمع. فإذا انخفضت الخصوبة في مجتمع ما إلى حدود معدل الإحلال مثلً، لا نتوقع ارتفاع القيمة إلى 7 أو 8 بين ليلة وضحاها. قد تخرج بعض المجتمعات عن المسارات المتوقعة لها أحيانًا، فترتفع معدلات المواليد الخام بعد انخفاضها، لكن من دون أن يأخذ الأمر شكل انقلاب حاسم وجذري في الاتجاهات. أما عندما تغزو المجتمع أحوال طارئة معممة، فإنّ إمكانية معرفة المستقبل تصير محكومة بمعرفة – منقوصة في حدّ ذاتها – عن الحاضر. هكذا نجد في البحوث والتقارير عن المولودية والخصوبة في سورية تباينًا في تقديرات الباحثين الكمية كم في تحليلاتهم الكيفية لما حدث خلال العقد الماضي. ويقود هذا التباين بالضرورة إلى اختلاف في الرؤية والتصور المستقبلي؛ إذ في العموم، ولتوخي الدقة، تُجرى الإسقاطات السكانية كميًّا على امتداد مراحل زمنية طويلة جدًّا لضبط أثر الأحوال الاستثنائية من حروب وكوارث وأوبئة، وهو أمر غير ممكن بعد في الحالة السورية التي ما تزال اليوم في خضم الأزمة. جلّ ما نستطيع فعله في هذه الحالة هو محاولة رؤية مستقبل مؤشرات الخصوبة والمولودية باعتبارها انعكاسًا لتداخل عناصر متعددة، وغير حتمية، في تطورها. في مثال أول، نجد أنّ دليل التنمية البشرية يؤكد على خسارة سورية لسبع وعشرين مرتبة بين عامي 2012 و 2017، وعلى انتقال البلاد من مجموعة البلدان ذات التنمية المتوسطة إلى مجموعة التنمية المنخفضة. ومع ذلك، يوالي معدل الخصوبة الكلي، وفقًا لهذا التقرير، انخفاضه وإن ببطء نسبيًّا؛ فيتراجع من 3.4 من الأطفال للمرأة الواحدة للفترة 2005 - 2010 إلى 2.8 للفترة 2015 - 2020. من جانبها تشير34التقديرات الصادرة عن المركز السوري لبحوث السياسات في تقريرين حديثين إلى انخفاض المولودية بتراجع معدلات المواليد الخام من 38.8 في الألف عام 2010 إلى 28.5 في الألف عام 2014، ثم إلى3525.4 في الألف عام 2019. وفي المقابل، نجد في دراسة لمحمد أكرم القش صادرة عن مركز دمشق36للدراسات والأبحاث تقديرًا مغايرًا تمامًا لمعدل المواليد الخام، حيث نقرأ: "ومن المرجح أنّ هذا المعدل استمر بالارتفاع طوال سنوات الأزمة إلى حدود (38) بالألف بسبب التغيرات السلبية التي طالت محددات السلوك الإنجابي لعدد كبير من الأسر ولا سيم المهجّرة قسريًّا"37؛ وتتوافق هذه الرؤية بطبيعة الحال مع توقع ارتفاع معدل الخصوبة الكلي إلى حدود 4.1 من الأطفال للمرأة الواحدة38.
تتعلق إحدى أهم نقاط الخلاف في تقديرات المولودية والخصوبة بالتصور الخاص بالإنجاب في أوساط النازحين والمهجرين، حيث يسود الاعتقاد بارتفاع المولودية بفعل تراجع العوامل الداعمة لخفض الخصوبة وعلى رأسها توافر خدمات الصحة الإنجابية وتعليم المرأة، في مقابل تعزيز المحددات التي تؤدي إلى زيادة الخصوبة كالزواج المبكر، وارتفاع وفيات الرضع والأطفال. في المقابل تنفي بيانات المركز السوري لبحوث السياسات وجود فروق دالة بين المهجرين والمستقرين من السكان، حيث جرى تقدير معدل المواليد الخام عام 2014 لدى السكان المستقرين مكانيًّا ب 28.4 في الألف، ولدى النازحين ب 27.6 في الألف، بما يناقض، وفق تقديرات المركز، العديد من النتائج التي تعتبر أنّ معدلات الخصوبة ازدادت خلال الأزمة خاصة لدى النازحين39. لا تحسم الأرقام الرسمية السورية لأعداد الولادات المسجّلة في السجل المدني حقيقة المولودية مطلقًا. فالمجموعات الإحصائية لا تعطي سوى أرقام منقوصة للغاية عن الظاهرة (تمامًا كم رأينا في شأن الوفيات)، تقتصر على عدد قليل من المحافظات، وتعاني على الأرجح نقصًا كبيرًا جدًّا في التسجيل، لا سيم مع ارتفاع أعداد المغادرين تحت وطأة المعارك ومن دون أي تسجيل رسمي في سجلّ الدولة السورية، والذين من الواضح أنّ بيانات أطفالهم لم تعد تظهر في الرقم الإحصائي الصادر عن المكتب المركزي للإحصاء. ويبيّ الشكل (4) حجم النقص في التسجيل الرسمي للولادات، وتعذر حساب معدل للمواليد الخام بالاستناد إلى بيانات السجل المدني. تتجاذب جملة من المحددات المتناقضة حاضر المسألة الإنجابية ومستقبلها في ظل الأزمة السورية، واختلاف النظرة إلى الواقع الحالي والانعكاسات المستقبلية مفهوم تمامًا في ظل هذا التجاذب الذي نجد تعبيرًا عنه في دراسة أجريت على عينة من 323 أسرة في دمشق. إذ أشارت النتائج، على سبيل المثال، إلى تراجع العمر عند الزواج الأول للنساء في العينة من 22.9 قبل الأزمة إلى 24.7 بعدها (محدد داعم لإنجابية أعلى)، وإلى ارتفاع نسبة الأسر التي أنجبت بسبب الرغبة في الاطمئنان على عدد كافٍ من الأطفال من 8.7 في المئة قبل الأزمة إلى 19.5 في المئة أثناءها (استجابة لارتفاع معدلات الوفيات، محدد داعم لإنجابية أعلى). لكنها وجدت، في الوقت ذاته، أن السلوك الإنجابي ترافق عكسيًّا مع تغير الظروف الاقتصادية الأسرية نحو الأسوأ، حيث أنجب 10 في المئة من الأسر أقل من ثلاثة أولاد مقابل 1 في المئة أنجب 6 - 8 من الأبناء (وهذا بالعكس محدد مثبّط للمولودية)40.
من جديد، كيف نقرأ المستقبل في ضوء هذه المؤشرات؟ بالنظر إلى تعذر التوافق في تقدير المولودية والخصوبة في سورية اليوم، فإنّ التصور الأكثر معقولية للمستقبل يقوم أولً على الاستفادة مم سجلناه من ملاحظات عن طبيعة استجابات المجتمعات للأزمات والحروب في هذا الصدد، مع أخذ خصوصية المجتمع السوري في الاعتبار؛ ويقوم ثانيًا على الانتباه إلى الفروقات التي قد تسجّل في هذا المجال بين الاستجابات الملاحظة في المدى القصير أثناء سيرورة الصراع، وبين تلك التي من المرجّح أن تُسجَّل في المدى الطويل. فالآثار الظاهرة اليوم تحتاج إلى أن تُفهم في سياق كليّ يأخذ في الاعتبار بنية المجتمع في الماضي والحاضر وخصوصية تركيبته الاجتمعية والاقتصادية والثقافية لكي نتمكن من التنبؤ بتحولاتها في المستقبل القريب، والبعيد. ونحن نميل إلى الاعتقاد بأنّ آلية التعويض تحكم في الحقيقة الخصوبة والمولودية في سورية اليوم، وسيزداد وقعها في المقبل من السنوات. لكن يجب أن ننتبه إلى أنّ آلية التعويض نفسها ليست "آليةً" تمامًا؛ فهي محكومة في كل مرحلة بغلبة العوامل المحفّزة للمولودية أو بالعكس، بتراجعها وغلبة العوامل المثبِّطة. لا شك في أنّ السنوات الأولى الأشد اضطرابًا ودموية في الأزمة السورية تركت آثارًا من شأنها تحفيز العوامل المثبّطة للمولودية، أكان ذلك بقرار إرادي يتخذه الأفراد أنفسهم، أم بحكم ما يفرضه الأمر الواقع. فانخراط أعداد كبيرة من الشبان في المعارك أدّى دورًا في تعطيل زيجات (وولادات تالية عليها). كم أسهم
التباعد المكاني بين الزوجين في التقليل من فرص الإنجاب في الأزواج القائمة مسبقًا؛ وهو تباعدٌ قد يكون ناتجًا من مشاركة الزوج في القتال، أو مغادرته البلاد لتجنب هذه المشاركة، أو للبحث عن فرصة عمل بعد فقدان مورد الرزق. أما بالنسبة إلى الحراك الجغرافي القسري، فتأثيراته مرتبطة بالشرط الاقتصادي بشكل رئيس، فالسكان الذين انتقلوا داخليًّا وتمكنوا من الاستقرار في شروط معقولة في المحافظات الآمنة لم يكونوا عرضةً لتأثيرات النزوح كأولئك الذين اضطروا إلى التجمع في مخيمت داخل البلاد أو في بلدان الجوار. وفي المقابل، تحمل جملة هذه العوامل المثبّطة في ثناياها بذور عوامل محفّزة لآلية تعويضية تفرض نفسها كلم سنحت الفرصة في المدى القصير؛ ونعتقد أنها ستبرز بوضوح أكبر في المدى الطويل في حال استقرت الأحوال الأمنية ضمن إطار وحدود ما هي عليه اليوم. فالزيجات المؤجلة تنعقد بسرعة كلم سنحت الأحوال وهدأت المعارك، وكثيرًا ما يجري التخطيط لإنجاب طفل جديد في فترات الهدوء سواء أطالت أم قصرت. وينطوي التعويض على بعد يسعى إلى مواجهة كثرة الموت بعوامل استمرارية عن طريق الإنجاب رغم قسوة الظرف الاقتصاد والحياتي أحيانًا. ولا يتعلق الأمر بتعويض لوفيات الرضع والأطفال فحسب، أي بمحاولة ضمن بقاء عدد من الأطفال أحياء حتى سنّ الرشد كم هو الحال في البنى المجتمعية السابقة على التحول، بل بتعويض وفيات الشباب المنخرطين في المعارك بشكل رئيس، وهذه النقطة الأخيرة ملموسة تمامًا في الداخل السوري لدى شرائح واسعة من المجتمع تكرر عبارة "يموت أبناؤنا كثيرًا، يجب أن ننجب الكثير لكي نبقى ونستمر". مثل هذا الشكل من التعبير يحمل في طياته عوامل التعويض المحفزة للمولودية والتي نعتقد أنها ستتعزز في المقبل من الأيام. أضف إلى ما سبق حقيقة أنّ المحددات الاجتمعية والثقافية للخصوبة الملاحَظة في سورية اليوم تدعم في الحقيقة تصورنا عن فرص غلبة تدريجية للعوامل المحفّزة للمولودية. إذ تؤكّد المشاهدات أنّ الأزمة تسبّبت في تراجع في سنّ زواج الفتيات لدى شرائح واسعة من المتضررين بشدّة، وفي أوساط مخيمت النزوح خاصة. الأمر الذي يستتبع، في ارتباطه مع تراجع التحاق الفتيات الصغيرات بالتعليم، تغيًّا أوّليًّا في سنّ بدء الإنجاب الذي سيصبح مبكّرًا أكثر41، وسيترك آثاره بلا ريب في مستويات الخصوبة التي تميل نحو الارتفاع كلم زادت نسبة الإناث الأقل تعليمً ضمن مجمل النساء في سن الحمل والإنجاب أولً، وكلم انخفض متوسط العمر عند الزواج الأول ثانيًا. فوق هذا وذاك، يؤدي تراجع المكانة الاجتمعية للمرأة في هذه الأحوال، واعتمديتها اجتمعيًّا واقتصاديًّا على الرجل، إلى إعادة العملية الإنجابية إلى الصدارة باعتبارها الوظيفة الرئيسة للمرأة التي تمنحها المكانة اجتمعيًّا، وتؤمن لها الحد الأدنى من الضمن الاقتصادي وضمن الشيخوخة، إما بعمل الصغار، أو على الأقل بالاحتفاظ بمكانتها في عائلة الزوج عند فقده بالموت أو بالمغادرة؛ ما يزيد من فرص تعزيز آليات التعويض عند استقرار الأوضاع ولو
جزئيًّا؛ سواء أخذ هذا الاستقرار شكل هدوء نسبي تعيشه المدن والقرى، أم أنه لم يتعدّ حدود السكن في خيمة بعد فترة من التنقل والهروب. وتتعزز فرص التعويض هذه من خلال التراجع الكبير في خدمات الصحة الإنجابية، سواء على مستوى تقديم المشورة والتوعية، أو تأمين وسائل ملائمة لمنع الحمل، أو حتى تقديم ما يلزم من رعاية للحدّ من وفيات الرضع التي تقود بدورها، وكلم ازدادت معدلاتها، إلى المزيد من الإنجاب التعويضي.
3. كيف نقرأ اتجاهات العدد الكلي للسكان والحراك الجغرافي؟
نسير في المقبل من السنوات نحو معادلة موت أكثر وولادات أكثر. يبدو الأمر إذًا وكأننا نعود إلى مرحلة ما قبل التحول؛ إن نحن حاولنا موضعة الأمر ضمن إطار نظرية التحول الديموغرافي. وفق هذا المنظور، لا يتوقّع أن تزداد أعداد السكان السوريين المقيمين في الداخل بشدة خلال العقود المقبلة ما دام اشتعال المعارك واردًا في أي لحظة، وما دامت الأزمة العامة، وما يستتبعها من أزمات جزئية، قائمةً. فالارتفاع في الخصوبة ستمتصه الوفيات المتزايدة ليس بفعل الحرب فحسب، بل بفعل تراجع العملية التنموية وضعف البنى الخدمية معها، والتي ستؤثر بشكل مباشر في وفيات النساء والأطفال على وجه الخصوص، حتى في مراحل الهدوء التي تتخلل الصراع، أو بعد حسمه نهائيًّا. لن نستفيض في هذه الفقرة الختامية في عرض تطور أعداد السكان؛ فالعدد الكلي لسكان سورية وللسكان السوريين بات اليوم – حاله كحال مجمل مؤشّات البلاد – موضع خلاف ووجهات نظر، في غياب أيّ عدّ شامل للسكان مع توقف التعداد العام، وفي ظل النواقص الهائلة في بيانات التسجيل المدني التي تقدمها المجموعات الإحصائية. نحن لا نميل إذًا في قراءتنا هذه إلى تقديم تقدير كمي حاسم، بقدر ما نسعى إلى رسم تصور كيفي عام بناءً على ما تتيحه ملاحظة المعطيات المتوافرة. يظهر الشكل (5)42 حجم الفقد الهائل في البيانات المأخوذة عن السجلّ المدني خلال السنوات القليلة المتاحة. ويبدو واضحًا أن تقديرات "التعداد" الواردة تسير وفق فرضية الاستمرارية من دون أخذ سنوات الحرب في الاعتبار؛ وهي، من ثمّ، لا تعبّ عن حقيقة الأعداد الموجودة داخل الأراضي السورية، ولا تأخذ في الاعتبار موجات الهجرة الإرادية أو القسرية التي شهدتها البلاد بدرجات متفاوتة، خلال السنوات الماضية. نذكر هنا مثلً أنّ الساعة السكانية على موقع المكتب المركزي للإحصاء تعلن عن عدد لسكان سورية بتاريخ 23 تموز/ يوليو 2019 يبلغ 26301447، وهي قيمة تتجاوز الإسقاطات الرسمية السابقة على الأزمة، والتي كانت تتوقع (وفق أعلى الفروض) وصول عدد سكان سورية إلى 25.9 مليونًا بحلول عام 202043.
وبالمثل، نلحظ تفاوتًا في تقدير الأعداد الحقيقية للاجئين في دول الجوار، وللمهاجرين في مختلف أنحاء العالم. والحال أنّ المعرفة بحركات الهجرة السورية لم تكن يومًا منضبطة إحصائيًّا تمامًا على مستوى الرقم الرسمي، ولا ريب في أنّ مشكلة عدم الضبط هذه ستزداد وتتعمق في السنوات المقبلة. ففي مثالين منفصلين في هذا الصدد، يُقدِّر القش عدد حالات اللجوء التراكمي الفعلي حتى منتصف عام 2017 بحدود 3.5 إلى 4 ملايين نسمة44؛ ويشير تقدير أحدث عهدًا إلى أنّ عدد النازحين بلغ 6.1 ملايين نسمة بحلول شهر آب/ أغسطس 2019. ولا يبدو أنّ تراجع حدة النزاع يؤدي دورًا في انخفاض أعداد النازحين التي تتسم بثبات نسبي مؤخّرًا، مرتبط بتركّز النزاع في العامين الماضيين في مناطق بعينها من البلاد45. يصعب كثيرًا تقديم تصور لما سيؤول إليه الحراك الجغرافي للسوريين في الداخل والخارج؛ فموجات الهجرة أو النزوح ليست محكومة بعوامل ومحددات واضحة تمامًا، وهي قابلة لأن تتغيّ بشدة بين سنة وأخرى، لا بل وشهر وآخر، وذلك لارتباطها الشديد باعتبارات سياسية وأمنية، وبقرارات فتح الحدود وإغلاقها، والتي قد تتغير بين يوم وآخر. ولذا يتأثّر الحراك الجغرافي للسكان بجملة من العوامل الداخلية، وعلى رأسها درجة الاستقرار الأمني في بعض المناطق، وحدة المعارك وديمومتها، والطلب إلى الخدمة
الإلزامية أو طلب الاحتياط العسكري لخدمةٍ تمتد سنوات طويلة لا تُعرف لها نهاية؛ وكلها عوامل طاردة لأعداد هائلة من الشبان الذكور خصوصًا، ولأسر برمّتها عمومًا؛ فضلً عن العامل الاقتصادي والخدمي. فالتراجع في مستوى الخدمات الحياتية العامة (ماء وكهرباء وصحة وتعليم... إلخ)، وتردّي المستوى المع شي، هي بدورها عوامل طاردة قد تدفع بالكثيرين، حتى بعد استقرار الأحوال الأمنية نسبيًّا، إلى السعي لمغادرة البلاد. لكن، وفي المقابل، لا تقتصر قرارات المغادرة على الأفراد الراغبين، بل تحكمها كذلك شروط الدول المستقبِلة التي يمكن أن تغلق في أي لحظة أبوابها في وجه موجات جديدة من النازحين أو من المهاجرين طوعًا. يضاف إلى ما سبق أنّ التنبؤ بالحراك الجغرافي داخل البلاد وخارجه يحتاج إلى أن نعرف مبدئيًّا من "ينوي" المغادرة (أو حتى العودة بالنسبة إلى أولئك الذين غادروا خلال السنوات الأكثر دمويةً). تنطوي هذه المعرفة بالنيات في حدّ ذاتها على صعوبات جمّة؛ ففي مناخ كالقائم في أوساط السوريين أينم حلوا اليوم، قد تتكتم نسب كبيرة من السكان على هذه النيات بسبب انعدام الإحساس بالأمان أو عدم الوثوق بالجهات المستطلِعة، ما يزيد من صعوبة التنبؤ. توجد إذًا، بشكل عام، درجة عالية من عدم اليقين تحوط استشراف حركات الهجرة في الحالات الاعتيادية، وتزداد شدتها بطبيعة الحال لدى محاولة استشرافها في ظل الأزمات. وغالبًا ما يتطلب الأمر انتظار سنوات طويلة بما يكفي لتجاوز الظروف الاستثنائية ورسم تصور عام عن الحراك الجغرافي للسكان، ومن ثم، إمكان استشرافه. والمشكلة في الحالة السورية هي أنّ الاستثناء (الصراع) ما زال هو القاعدة اليوم رغم تراجع حدة المعارك على الأرض. ولذا سيبقى الحراك الجغرافي محكومًا بالشرط اللحظي ما دامت الحرب قائمة، وما دامت الأزمات الأمنية والاقتصادية والاجتمعية والخدمية المنبثقة منها تلقي بآثارها السلبية على حياة السوريين اليومية.
خاتمة
لا بدّ لأي محاولةٍ لفهم حاضر مؤشرات حركية السكان وسيرورتها المستقبلية من أن تنطلق من النظر إليها باعتبارها انعكاسًا مباشرًا لبنية المجتمع وشرطه الاقتصادي والاجتمعي والسياسي. هكذا يندرج الواقع الديموغرافي السوري اليوم، في اضطرابه وعدم انتظامه وعدم انتظام حتى مصادر المعرفة عنه، ضمن الصورة الكلية للاضطراب الذي تعانيه البلاد ككل. لقد طالت القطيعة الناتجة من الأزمة السورية مؤشرات حركية السكان جميعًا ومعرفتنا بها. ومن نافلة القول إنّ رسم تصور مستقبلي للديموغرافيا السورية ما عاد ممكنًا بالاستناد إلى مسارات الماضي، بل صار
لزامًا علينا تناول هذه المسارات في ضوء معطيات أزمة عميقة ما زالت مستمرة حتى اللحظة الراهنة. ولأنها كذلك، أي لأنّ التنبؤ يجري اليوم مع استمرارية الأزمة وتبعاتها، فإنه من الضرورة بمكان تجنب إطلاق تعميمت متسرعة تفترض استمرارية حتمية لمجمل عناصر حركية السكان الملاحظة في اللحظة الراهنة، أو افتراض أنّ كل ما تفعله أزمة في مجتمع سيتكرر بالضرورة في غيره. بالنظر إلى خصوصية الحالة السورية، يمكن تأكيد حدوث انقطاع لسيرورة التحول الديموغرافي الذي كان شهد مسبقًا بعض التعثّ. إذ يبدو جليًّا أن الوفيات ارتفعت وستستمر، أكان على مستوى وفيات الشبان المنخرطين في المعارك، أو على مستوى الوفيات بعامة التي تتأثر بتعطّل العملية التنموية وتراجع الخدمات العامة الصحية والتعليمية خصوصًا. وفي المقابل، تشهد الولادات انخفاضات وقتيةً تحت وطأة عوامل مثبطة للمولودية، لكننا لا نعتقد بإمكان استمراريتها. فنحن إن أخذنا في الاعتبار خصوصية المجتمع السوري الثقافية والاجتمعية والبنيوية، يمكننا أن نتوقّع أن التغييرات المؤقتة التي قد تحدث في شدة الظاهرة (تراجع الإنجاب)، ستعوّض لاحقًا من خلال تعديل التقويم الزمني للمولودية في المدى الطويل، فيحدث تبدل في توقيت الإنجاب أحيانًا بانتظار بعض استقرارٍ يسمح ببدء حمول أجِّلت قليلً. لكنّ هذه التغييرات لن تقود بنظرنا إلى نموٍ سكاني مرتفع داخل سورية، أولً بسبب امتصاص الوفيات العالية للولادات المتزايدة، وثانيًا بسبب حركات النزوح الخارجي والهجرة التي لن تتوقف على الأرجح ما لم تستقر الأوضاع الداخلية تمامًا.
ملاحق
| معدل وفيات إناث (سجل) | معدل وفيات ذكور (سجل) | معدل وفيات (إناث تعداد) | معدل وفيات (ذكور تعداد) | الأعوام |
|---|---|---|---|---|
| 3.47 | 4.29 | 4.06 | 4.84 | 2010 |
| 2.76 | 3.48 | 3.26 | 3.97 | 2011 |
| 1.72 | 2.56 | 2.05 | 2.92 | 2012 |
| 1.58 | 2.55 | 1.86 | 2.92 | 2013 |
| 2.62 | 4.41 | 1.68 | 2.73 | 2014 |
| 2.59 | 4.36 | 1.70 | 2.76 | 2015 |
| 2.91 | 4.90 | 1.65 | 2.69 | 2016 |
| - | - | 1.70 | 2.68 | 2017 |
| - | - | 1.99 | 4.02 | 2018 |
ملاحظات
الأربع المفقودة).
إعادة توزيع بالضرورة ثانيًا.
متوسط مطلع سنتين متتاليتين لم يعطِ أي فروق دالة في المعدل. عام 2010: جميع المحافظات. عاما 2011 و 2012: ما عدا حمص. من 2013 إلى 2018: ما عدا حلب وإدلب والرقة ودير الزور (باستثناء 2017، حيث تضاف محافظة الحسكة إلى المحافظات
أدمجت في حساب المعدل وفيات السنة الجارية والوفيات المكتومة، لتعذر وضع فرضية لتوزعها في ظل الأحوال الخاصة القائمة أولً، ولأنّ المدة التي تغطيها البيانات قصيرة نسبيًا لا تستلزم حسبت المعدلات التي تنسب الوفيات إلى عدد السكان في السجلات المدنية بنسب الوفيات إلى عدد السكان في بداية السنة لعدم وجود فروقات كبيرة بين سنة وأخرى، الحساب منسوبًا إلى
| عدد السكان بالآلاف (تعداد) | عدد السكان بالآلاف (سجل) | الأعوام |
|---|---|---|
| 20619 | 23695 | 2010 |
| 21124 | 24504 | 2011 |
| 21639 | 25198 | 2012 |
| 22169 | 25738 | 2013 |
| 22712 | 14299 | 2014 |
| 23268 | 14992 | 2015 |
| 23839 | 13325 | 2016 |
| 24422 | 2017 | |
| 25021 | 2018 | |
| 25634 | 2019 |
المراجع
العربية
استشراف للدراسات المستقبلية. الكتاب الأول. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 الأمم المتحدة، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. أدلة التنمية البشرية ومؤشراتها: التحديث الإحصائي لعام 018 2. نيويورك: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2018:. في https://bit.ly/32Ti5HI
باروت، محمد جمل (رئيس الفريق والمؤلف الرئيس). حالة سكان سورية: التقرير الوطني الأول. دمشق: الهيئة السورية لشؤون الأسرة وصندوق الأمم المتحدة للسكان،.2008
________. التقرير الوطني الاستشرافي الأساسي الأول لمشروع سورية 025 2. دمشق: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع هيئة تخطيط الدولة،.2007
________. حالة سكان سورية: التقرير الوطني الثاني: انفتاح النافذة الديموغرافية... تحديات وفرص. دمشق: الهيئة السورية لشؤون الأسرة وصندوق الأمم المتحدة للسكان،.2010
التشتت القسري: حالة الإنسان في سورية – التقرير الديمغرافي. دمشق: المركز السوري لبحوث السياسات،.2016
الجمهورية العربية السورية، رئاسة مجلس الوزراء. دراسة الإسقاطات السكانية - 2005 25 0 2. دمشق: المكتب المركزي للإحصاء، [د. ت.].
الجمهورية العربية السورية، وزارة التخطيط. المجموعة الإحصائية السنوية السورية للأعوام - 2011 19 0 2. دمشق: المكتب المركزي للإحصاء، 2018:. في http://cbssyr.sy/
حجازي، جمعة أحمد. "محددات الخصوبة في سورية في ضوء الأزمة: دراسة ميدانية على عينة من الأسر الزواجية في مدينة دمشق". مجلة جامعة البعث. المجلد 39، العدد 26.)2017(
سورية: العدالة لتجاوز النزاع. تقرير آثار النزاع السوري 2016 - 2019. دمشق: المركز السوري لبحوث السياسات بدعم من المكتب القطري لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي،.2020
سورية: مواجهة التشظي. تقرير يرصد آثار الأزمة السورية خلال العام 2015. دمشق: المركز السوري لبحوث السياسات بدعم من المكتب القطري لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي،.2016
سورية: هدر الإنسانية. تقرير يرصد الظروف الاقتصادية والاجتمعية في سورية – تقرير الربعين الثالث والرابع (يوليو/ تموز-كانون الأول/ ديسمبر 2013). دمشق: المركز السوري لبحوث السياسات وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والأونروا،.2014
شريقي، مدى. تطور الخصوبة السكانية في سورية منذ الاستقلال. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015
________. "غريزة البقاء أم نزوع الضبط الواعي: كيف ينجب البشر في ظل الأزمات". موقعالأوان. 2019/2/2:. في https://bit.ly/360UZAS القش، محمد أكرم. المسألة السكانية في سورية. سلسلة قضايا التنمية البشرية في سورية. العدد الخامس. دمشق: مركز دمشق للأبحاث والدراسات (مداد)،.2019
نعمة فياض، هاشم. "الخصوبة السكانية في العراق: تطورها والعوامل المؤثرة فيها". عمران. العدد 3، المجلد 2 (شتاء.)2013
الأجنبية