العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مستقبل الطب وعلم الوراثة والجينوميّات: الرهانات والمخاطر

مستقبل الطب وعلم الوراثة والجينوميّات: الرهانات والمخاطر

The Future of Medicine, Genetics, and Genomics: Stakes and Risks

فاطمة القرقوري

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في طرائق توظيف التكنولوجيات الحديثة في مجال الطبّ الحيوي والخوض في رهاناتها ومخاطرها المستقبلية، وتعرض للجدل القائم بين فوائد مواكبة الاختراعات التكنولوجية في المجال الطبي بالنسبة إلى حياة الإنسان من جهة، ومخاطر توظيفها السلبي من جهة أخرى. ومن ثمّ، تحدّد أولًا ملامح الثورة البيوتكنولوجية، انطلاقًا من دراسة بحوث الجينوم البشري، وعلم الوراثة، مفهومًا وتاريخًا ومقاصدَ. ثم تدرس مساهمة هذه البحوث العلمية والاكتشافات الطبية في خلق أشكال جديدة للحياة ومواجهة تحديات المستقبل. وأخيرًا، نبحث في هذه الدراسة سلبيات استخدام التقنيات العلاجية الحديثة ومخاطرها الأخلاقية والاجتماعية، وسُبل ترشيد التعامل معها، حتى تكون قادرةً على التكامل مع ثورة العلوم المعاصرة من أجل كسب رهان المستقبل.

Abstract

ملخص:  تبحث هذه الدراسة في طرائق توظيف التكنولوجيات الحديثة في مجال الطبّ الحيوي والخوض في رهاناتها ومخاطرها المستقبلية، وتعرض الجدل القائم بين فوائد مواكبة الاختراعات التكنولوجية في المجال الطبي بشأن حياة الإنسان من جهة، ومخاطر توظيفها السلبي من جهة أخرى. ومن ثمّ، تحدّد ملامح الثورة البيوتكنولوجية، انطلاقًا من دراسة بحوث الجينوم البشري، وعلم الوراثة، مفهومًا وتاريخًا ومقاصدَ. ثم تدرس مساهمة هذه البحوث العلمية والاكتشافات الطبية في خلق أشكال جديدة للحياة ومواجهة تحديات المستقبل. وأخيرًا، تبحث في سلبيات استخدام التقنيات العلاجية الحديثة ومخاطرها الأخلاقية والاجتمعية، وسُبل ترشيد التعامل معها، حتى تكون قادرةً على التكامل مع ثورة العلوم المعاصرة من أجل كسب رهان المستقبل. كلمت مفتاحية:  علم الوراثة، الجينوميات، الثورة البيوتكنولوجية، الطب الحيوي، الأخلاقيات. Abstract:  This paper investigates usages of modern technologies in biomedicine, the stakes involved and potential risks. It also presents the controversy surrounding the advantages of keeping up with technological developments in medicine, and, in contrast, the risks involved should they be misused. Thus, it delineate the features of biotechnological revolution starting from the study of research in human genomics and genetics in terms of concepts, history, and purposes. It goes on to assess the contribution of the scientific research and medical discoveries to creating new forms of life and facing the challenges of the futures. Finally, the paper investigates the drawbacks of using modern therapy techniques, and demonstrates their social and ethical risks as well as their appropriate utilization to keep pace with the contemporary scientific revolution and future developments.

الكلمات المفتاحية:
  • علم الوراثة
  • الجينوميات
  • الثورة البيوتكنولوجية
  • الطب الحيوي
  • الأخلاقيات
Keywords:
  • Genetics
  • Genomics
  • Biotechnological Revolution
  • Biomedicine
  • Ethics

مستقبل الطب وعلم الوراثة والجينوميّات:

الرهانات والمخاطر

Received التسلمRevised التعديل Accepted القبولDOI الرقم التعريفي https://doi.org/10.31430/YIWG4905

Researcher Specializing in Contemporary Civilization and Foresight, University of Sfax, Tunisia. E-mail: fatmagargouribahloul@yahoo.com

مقدمة

أدّت التكنولوجيات الحديثة والاكتشافات العلمية المتطوّرة دورًا أساسيًا وفاعلً في تطوير حياة الإنسان، وتخفيف الصعوبات التي يواجهها، ولا سيّم في المجال الصحّي، من خلال ابتداع أساليب جديدة للعلاج، واستخدام التقنية الحيوية المعاصرة للقضاء نهائيًا على الأمراض المستعصية وتجديد الحياة. وقد أثارت الإنجازات العلمية والاختراعات الطبية التي اكتسحت مجال العلوم الحيويّة جدلً واسعًا في صفوف العلمء والباحثين البيولوجيين بشأن مشروعية استخدام هذه التقنيات وتداعياتها الأخلاقية والمجتمعية. ومن ثمّ، اتّسع مجال البحث في سبل توظيف هذه الاكتشافات العلمية لخدمة الإنسان، من خلال فرض ضوابط أخلاقية ومجتمعية للحدّ من تأثيراتها السلبية في حياته النفسية والبيولوجية. في هذا الإطار العام، تأتي هذه الدراسة التي تحاول إلقاء الضوء على أحدث إنجازات علوم الأحياء التي تتمثّل في ظهور مشروع الجينوم البشري وعلوم الوراثة؛ إذ يجدر بنا إلقاء الضوء على تجلّيات الثورة الجينية مفهومًا ومقاصد، والبحث في سبل ترشيد التعامل معها، وتفادي المخاطر التي يمكن أن تنجرّ عن سوء استخدامها والتعامل معها. على هذا الأساس، سيكون عملنا موزّعًا على ثلاثة مباحث؛ سندرس في البداية أبرز ملامح الثورة البيولوجية وأحدث العلوم الحيوية، مفهومًا وتاريخًا ودلالات. أما الثاني، فسنخصّصه لدراسة أحدث الإنجازات العلمية في مجال الطبّ الحيوي، وبيان دورها الأساس في منح نظرة جديدة لتاريخ الحياة والإنسان ومواجهة تحدّيات المستقبل وكسب رهاناته. وفي الثالث، سنحاول دراسة مخاطر تطبيق هذه العلوم الحيوية ومناقشة التساؤلات الأخلاقية التي تطرحها. وتقودنا هذه التساؤلات إلى تعميق النظر في سبل التعامل مع هذا التقدم الهائل في استخدام التقنيات العلاجية الجديدة والانخراط في توجّهاتها الكبرى، ضمنًا لاستمرارية هذه العلوم ومواكبةً لأحدث التقنيات العلاجية والمعارف الطبية المتطورة، حتى يكون هذا المستقبل أفضل للبشرية جمعاء.

أولً: ملامح الثورة البيوتكنولوجية: قراءة يف المفاهيم والدلالات تبحث هذه الدراسة الثورة البيوتكنولوجية انطلاقًا من أحدث العلوم البيوتكنولوجية وأكثرها تطوّرًا في السنوات الأخيرة، وهي علم الوراثة وعلم الجينوم البشري. لذا، نوزّع تحليلنا على محورين أساسيين؛ نقف في الأوّل عند أهمّ المفاهيم التي تُجلي الغموض عن هذين العلمين، وتقف عند أبرز خصائصهم العلمية؛ وندرس في الثاني البدايات التأسيسية لنشأة هذه العلوم وصفاتها المعرفية.

1. في تحديد المفاهيم

أ. علم الوراثة

أجمع العلمء على أنّ "علم الوراثة" (Genetics) هو العلم القادر على الغوص في دراسة السيرورات الكامنة وراء تكاثر الكائنات الحيّة ونتائجه. ويتّصل علم الوراثة اتّصالً وثيقًا ب "علم الخليّة" (Cytology)؛ إذ "تحتوي على الكروموسومات التي تعتبر الحاملات الطبيعية للمدة الوراثية. ويعتبر الحامض النووي الديوكسيريبوزي DNA هو التركيب الكيميائي لمادة الوراثة في جميع الكائنات الحيّة، عدا بعض الفيروسات التي تفتقد إلى وجوده، وتصبح في هذه الحالة المادة الوراثيّة هي الحامض النووي الريبوزي "RNA. يعمل هذا العلم على دراسة بنية الجينات وطرائق تناقلها، و"يبحث في كيفية انتقال الصفات والخصائص الوراثية من جيل إلى آخر. ويحاول العلمء من خلال هذا العلم الإجابة عن آلاف التساؤلات ومنها: ما الموروثات أو الجينات (Genes)؟ وكيف تظهر الصفات الوراثيّة في أجيال وتختفي في أخرى؟ وكيف تظهر صفات جديدة لم تكن موجودة؟ وما العوامل التي تقف وراء تنشيط أو كبح الجينات؟ إلى غير ذلك من الأسئلة". تجدر الإشارة إلى أنّ التقدّم في البحوث العلمية والتكنولوجية قد ساهم في تطوّر علم الوراثة وتداخل فروعه مع العلوم الأخرى، مثل علم كيمياء الحيوية (Biochemistry)، وعلم الفيزياء الحيوية (Biophysics). ويمكن أن نصوغ أبرز فروع علم الوراثة في: الوراثة الخلوية (Cytogenetics)، والوراثة الكمية (Genetics Quantitative)، ووراثة العشائر (Genetics Population)، والوراثة الفيزيولوجية (Genetics Physiological)، ووراثة الطفرات (Mutagenetics)، والهندسة الوراثية (Genetics.)Engendering وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنّ تطوير البحوث والدراسات العلمية في مجال الاختراعات الطبية ومواكبتها، ولا سيّم في علوم الوراثة، قد ساهم في الكشف عن عدد هائل من الأمراض الوراثية. فقد "تمّ تطويع الهندسة الوراثيّة في إنتاج مركّبات عضويّة، مثل هرمون الأنسولين المنتج من بكتيريا الإيشيريشيا كولاي Coli E. للاستخدام الآدمي".

ب. الجينوم البشري

يعدّ مصطلح "جينوم" (Genome) مصطلحًا جديدًا في علم الوراثة، يتركّب من جزءين: (gene) التي تعني المورث أو الجين؛ والجزء الثاني هو الأحرف الثلاثة الأخيرة من كلمة (Chromosome)، أي (ome)،

مها علي فهمي صدقي، أساسيّات علم الوراثة: الصفات والأمراض الوراثيّة (القاهرة: دار الفكر العربي، 2013)، ص.22 سعد بن حسين سعد القحطاني، علم الخليّة والوراثة (الرياض: جامعة الملك سعود، 2013)، ص.135 3 المرجع نفسه، ص.138

وتعني الصبغيات أو الكروموزومات. ويشير هذا المصطلح "إلى الحقيبة الوراثية البشرية القابعة داخل نواة الخليّة التي تعطي جميع الصفات والخصائص الجسمية، بمعنى أنّه الذخيرة الوراثية التي توجد في كلّ خليّة من خلايا الإنسان، وتحدّد صفاته العضوية وغير العضوية". ويُعرّف الجينوم بأنّه "المجموع الكلي للمعلومات الوراثية للفرد، المرمّزة أو المشفّرة، في بنية الحمض النووي ريبوزي المنزوع الأكسيجين (الدنا)". ومن ثّم، تسمّى دراسة الجينوم "الجينوميات).Genomics(" لا جدال في القول إنّ "مشروع الجينوم البشري" قد مثّل ثورةً حقيقية في مجال الاكتشافات العلمية الجديدة. فهو يكشف البطاقة الشخصية لجينات كلّ شخص، وهو الهويّة الحقيقية للإنسان والبصمة التي ينفرد بها عن غيره من البشر. ويفضي هذا المشروع إلى رسم الخريطة الوراثية للبشر، انطلاقًا من تصميم "الرسائل الجينية القادرة على كشف الجينوم الخاص بكل واحد، وفق ما يفسّه عالم جينات متخصّص مؤهّل لإخبارك عن صحّتك وصحّة أسرتك اليوم، وفي المستقبل القريب". من ثمّ، يمكن عدّ اكتمل هذا المشروع في عام 2003 إيذانًا بانطلاق حقبة علمية جديدة، "يصير فيها علم الأحياء علمً من علوم المعلومات الذي يجعل كلّ إنسان يمتلك جينومه الشخصي داخل أسطوانات حافظة لجميع الجينات التي تقارب 25 ألف جين؛ وذلك أشبه بالفهرس (Catalog) المستخدم الخاص بكلّ واحد". ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أنّ فكّ الشيفرة الجينية الخاصة بكلّ إنسان تفضي إلى تجميع جملة من المعلومات الوراثية قصد تعديلها أو تصحيحها أو التحكّم فيها. ومن هنا، يمكن أن نقول إنّ ما يشغل عالم البيولوجيا الجزيئيّة هو "فهم تسلسل الوحدات الفرعية التي تشكّل الحمض النووي ADN، لأنّها هي المسؤولة عن تحديد الشيفرة الوراثية". ولا شكّ في أنّ دراسة هذا التسلسل الجيني لا تقود إلى "فهم عمل الخلايا على نحو عميق فحسب، إنّا أيضًا إلى فهم سلوك الجنس البشري وتطوّره". وتنبغي الإشارة إلى أنّ علم الجينوم "انقسم إلى ثلاث فئات كبرى، موزّعة على النحو التالي: تمثّلت الأولى في التسلسل الجيني وبحثت في الوظيفة الفيزيولوجية للجينات وقابلية الإصابة بالأمراض؛ ونظرت الثانية في مستويات التعبير الجيني انطلاقًا من دراسة الحمض النووي الريبوزي المرسال mRNA؛

بوغالم جمال، "مشروع الجينوم البشري بين التقدّم العلمي والمأزق الأخلاقي"، مجلّة أبعاد، مج 6، العدد 2 (2020)، ص.281 منظمة الصحة العالمية، المكتب الإقليمي لشرق المتوسط، الجينوميات والصحة في العالم، ترجمة أحمد مستجير (القاهرة: منظمة الصحة العالمية، 2004)، ص.4 George Annas & Sherman Elias, Genomic Messages, How the New Science of Genetics Affects our Health, Families and Future (San Francisco, CA: Harper One, 2015), p. 7. ميتشو كاكو، فيزياء المستقبل: العلم يشكّل مصير البشرية عام 2100 (الرياض: إصدارات المجلّة العربية، 2013)، ص.237 François Gros, "Ethique et génome, recherche et applications," Les cahiers du MURS, no. 28, 2 ème -3 ème trimestre (1992), p. 42. 9 Ibid.

وعمّقت الفئة الثالثة النظر في المتغيرات الموجودة على المادة الوراثية". وعلى هذا الأساس، يعتبر الجينوم الخريطة الوراثية للإنسان التي توضّح الصفات وعوامل الإصابة بالأمراض ومختلف التعابير البشرية. ولذا تعدّدت تسميات "الجينوم البشري"، من قبيل: "الخريطة الجينية للإنسان"، و"خريطة الشريط الوراثي"، و"الحقيبة الوراثية"، و"الرصيد والمحتوى الوراثي"، و"كتاب الحياة"، و"الملفّ الجيني الإنساني"، و"الشيفرة الوراثية الإنسانية". وتدلّ هذه التسميات على خصوصية التركيبة الكيميائية (DNA) في جسم كلّ إنسان، ما يسمح بالكشف عن الأمراض المستعصية مثل السرطان ومرض السكري وأمراض القلب ومرض الزهايمر، والبحث عن طرائق العلاج الملائم لها قبل ظهور أعراض الإصابة بالمرض. والملاحظ أنّه "تمّ مؤخّرًا تحديد ترتيب معظم قوالب البناء الكيمياوية، أي القواعد التي تؤلف الدنا في جينوميات الإنسان، وتقدّر بنحو ثلاثة بلايين قاعدة، وعدد آخر من الأنواع الحيوانية، بجانب تشكيلة من العوامل المُمرضة للإنسان والنباتات. ويستكمل هذا الإنجاز الرائع ويزداد خلال بضع السنين القادمة عن طريق إجراء بحوث في الجينوميّات الوظيفيّة تهدف إلى تحديد هوية الكثير من الجينات المختلفة التي تشكل هذه الجينوميّات، وتباين عملها. وستحدّد مثل هذه البحوث أيضًا كيف تنظّم هذه الجينات وتتفاعل مع بعضها بعضًا، ومع البيئة للتحكم في الوظائف الكيمياويّة الحيويّة المعقّدة للكائنات الحيّة في الصحّة كم في المرض".

2. في تاريخية النشأة والتطويرات الحديثة

لمشروع الجينوم البشري جذور عميقة في علم الوراثة. وسنكتفي لمرام هذا البحث بأن نشير إلى بعض أحدثها، عندما بدأ العلمء في عام 1990 "بنقل جزيئات الحمض النووي من كائن حي إلى كائن آخر، مم قادهم إلى وضع الأسس الأولى لصناعة التكنولوجيات الحديثة الحيوية (البيوتكنولوجيا)، التي أدّت تدريجيًا إلى تطوير كائنات معدّلة وراثيًا بين النباتات، وبعض أنواع الحيوانات، مثل السلمون، بهدف تحسين خصائصها ومزاياها للإنتاج والتسويق والاستهلاك البشري". يمكن أن نوزّع أطوار نشأة هذا المشروع إلى مرحلتين أساسيتين، تميّزت أولاهم (المرحلة الجينومية: 1990-1980) بتطوّر النظرية الداروينية الجديدة (Neodarwinism) للتطوّر والبيولوجيا الجزيئيّة.

وقد أُثيرت حولها جملة من التساؤلات، محورها البحث عن حقيقة الحياة وطبيعة الشيفرة الوراثيّة؛ "فمعرفة عدد الجينات وأبعادها ومواضعها والمسافات الرابطة بينها، تعني الحصول على معلومات مهمّة حولها، كأن نعرف خطط إنتاج البروتينات المخزّنة للنظام التطوّري للكائن البشري الذي يمكّن

10 Romesh Kumar Salgotra & Sajad Majeed Zargar (eds.), Rediscovery of Genetic and Genomic Resources for Future Food Security (Singapore: Sprenger Nature Singapore, 2020), p. 177. 11 منظمة الصحة العالمية، ص.4 12 Pierre Elliot, "Technologie et éthique: L'être humain au prisme des avancées en génétique, en biotechnologique et en intelligence artificielle, Cycle scientifique 2020-2023," Trudeau Fondation, p. 4, accessed on 10/10/2021, at: https://bit.ly/3AqFeyV

من قراءة تاريخ المرض ومستقبله، أو تحديد شكل النمو والطفرات التي تطرأ عليه". ولا شكّ في أنّ هذه المرحلة توزّعت على طورين، انشغل أوّلها بتحديد التراث الجيني للكائن البشري (DNA)، وبحث الثاني في النظام التسلسلي الكامل للجينوم، وتطوير طرائق التعامل، معها قصد الحصول على المؤشّات البيولوجية وامتلاك المعلومة بشأن وضعية الجينات في الجينوم. أمّا المرحلة الثانية (المرحلة ما بعد الجينومية: Post-genomics)، فقد بدأت بفكّ "شيفرة الجينوم" باستخدام التقنيات البيوتكنولوجية المتطوّرة التي تعمل على خلق أشكال جديدة من الحياة. وقد أثبت الباحثون المتخصصون في هذا المجال أنّ "الاستنساخ يستخدم لعدّة أغراض أهمّها التكاثر؛ فهو يهدف إلى خلق توأم شبه متطابق من مانح النواة المزروعة. ويمكن استخدام هذه الطريقة فيم يسمى الاستنساخ العلاجي، من خلال الاحتفاظ بالخلايا الجذعية من الجنين المبكر لاستخدامها مستقبلً في إصلاح الأنسجة المتضرّرة في نواة المتبرّع". وقد أفضت البحوث العلمية والإنجازات الطبية المتطوّرة إلى الاعتمد على التقانة الحيوية والهندسة الوراثية "التي خضعت لتعديلات جينية ساهمت في إنشاء كائنات معدّلة وراثيًا تسمى المتحولّات الجينية ")OMG(. وجرت الاستفادة من هذه التقنية في مجالات متنوّعة، من قبيل تعديل الحيوانات والنباتات لتزيد من إنتاجها. لم يتوقّف العلمء عن اختراع تقنيات جديدة لصنع الكائنات المتشابهة جينيًا في حدود تقنية النواة، إنّا اخترعوا تقنية جديدة تعرف باسم "الهندسة الوراثية" التي تمنح الأجسام خصائص جديدة معدّلة وراثيًا، من قبيل "منح بعض النباتات المعدّلة وراثيًّا القدرة على مقاومة مبيدات الأعشاب، أو بعض أنواع البكتيريا لإنتاج مادّة علاجية (الأنسولين البشري"). لا شكّ في أنّ هذه التقنيات التكنولوجية المعتمدة في إجراء أبحاث الاستنساخ قد أفضت إلى توسيع آفاق البحوث العلمية في المستقبل، باعتبار أنّها تساعد في إيجاد العلاجات الملائمة للأمراض الوراثية والوقاية منها. فالاستنساخ يبقى الطريقة المعتمدة لمعالجة العقم الكامل الذي يصيب المتزوّجين؛ إذ يفتح أبواب الأمل من خلال تسهيل عملية أطفال الأنابيب. ويتنبّأ علمء البيولوجيا في المستقبل بفوائد استخدام تقنية الاستنساخ بديلً من تقنية زراعة الأعضاء، من خلال تنمية "الخلية الجذعية الجينية"، وإنتاج أنسجة مثل أنسجة القلب والكلية والرئة، وتعويض الأنسجة التالفة في الأعضاء الحيوية.

عمارة الناصر، "الجينوم والحياة: تمديد الحياة وأثره الأخلاقي على المجتمعات الإسلامية"، في: Mohammed Ghaly (ed.), Islamic Ethics and the Genome Question, Studies in Islamic Ethics, vol. 1 (Leiden: Brill, 2018), p. 307. 14 Christian De Duve & Neil Patterson, Genetics of Original Sin: The Impact of Natural Selection on the Future of Humanity (Paris: Odile Jacob, 2010), p. 163. 15 Ibid., p. 164. أوديل روبير، الاستنساخ والكائنات المعدّلة وراثيًّا، ترجمة زينة دهيبي (الرياض: المجلّة العربية، 2015)، ص.13

ثانيًا: الثورة التكنولوجية يف المجال الطبي رهان المستقبل

من المهمّ بدايةً الإشارة إلى أنّ البحوث العلمية والاكتشافات الطبية أحرزت تقدّمًا متسارعًا في السنوات الأخيرة، لا سيم في مجال التكنولوجيا الحيوية. وهو "مجال بحثي واسع ومتفرّع يشمل دراسة التحولّات الوراثية والبيولوجيا التركيبية والتعديلات الجينومية. كم اتّسمت هذه الثورة التكنولوجية بقدرتها على تعميق النظر في حقل الممكنات، وتوسيع مجال تصميم الحياة وهندستها، لحلّ المشكلات البشرية". لا شكّ في أنّ تعميق الاختراعات وتطويرها في هذا المجال الجديد يعدّان تحدّيًا من تحدّيات المستقبل، من حيث خلق أشكال جديدة في التعامل مع الأمراض وأوبئة العصر الراهنة، والمساهمة في الكشف عن طرائق العلاج الممكنة لمواجهة الأزمات الصحية، والبحث في سُبل الوقاية من الأمراض التي تهدّد حياة الإنسان وتضمن سلامته. على هذا الأساس، رأينا ضرورةً في رصد تأثيرات هذه العلوم في حياة الإنسان، باعتبارها تساهم في خلق أشكال جديدة من الحياة من خلال مواجهة الأمراض، وتوفير العلاج الملائم لها. فقد أفضى استخدام التقنيات الوراثية المتطوّرة والتكنولوجيات الحديثة إلى تحديد سُبل التحكّم في مستقبل الطبّ من خلال تحديد الجينات المسؤولة عن الأمراض وتصليح الخلايا الجسدية. ولنا أن نلاحظ، في ضوء ما عرضنا، أنّ "علم الوراثة" سيؤدّي في المستقبل دورًا محوريًّا في كشف عدد من الأسرار، من قبيل أسرار "علم الشيخوخة"، والسعي لإطالة عمر الإنسان والتحكّم في المستقبل. ومن هنا، أجمع الباحثون على أنّ الشيخوخة هي عبارة عن "تجمّعٍ لأخطاء على المستويين الوراثي والخليوي؛ وقد تتراكم هذه الأخطاء بسبل متنوّعة. فعلى سبيل المثال، ينتج عن التمثيل الغذائي شوارد حرّة وأكسدة تدمّر الميكنة الجزيئيّة الدقيقة لخلايانا مم يجعلها تشيخ. وقد تتراكم هذه الأخطاء على هيئة نفايات جزيئية أشبه بالقممة داخل الخلايا وخارجها". وقد أثبت العديد من الدراسات الحديثة أنّ تعطيل عدد من الجينات المتسبّبة في الشيخوخة مثل جين (LOS1) يساعد في إطالة حياة الخليّة وإمداد العمر وتحفيز جينات الشباب على استعادة نشاطها من جديد. ولا شكّ في أنّ تحقيق هذه الثورة العلمية في مجال تمديد العمر والتحكّم في المسار الطبيعي لحياة الإنسان، اقترن بجملة من الاكتشافات الطبية عبر إجراء تغيير في "الشيفرة الوراثية" وتحوير ترتيب الجينات في الحمض النووي، للحصول على صفات وراثية جديدة مطلوبة، مثل الهندسة الجينية والاستنساخ العلاجي وتقنيات إعادة توليد الأنسجة وتقنية الخلايا الجذعيّة. وتساهم هذه الاكتشافات في القضاء على معظم الأمراض المميتة، وعلى الخلل الجيني الذي يتسبب في إضعاف جسم الإنسان ويُعجّل في وفاته.

17 Dane Scott, Food, Genetic Engineering and Philosophy of Technology, Magic Bullets, Technological Fixes and Responsibility to the Future (Cham, Switzerland: Springer, 2018), p. 5. 18 كاكو، ص.281 19 المرجع نفسه، ص.284

بناءً على هذا، تكاثفت الجهود بشأن دراسة سلوك الخلايا وسبل كبح عملية الشيخوخة والاستثمر في قطاع التكنولوجيا الحيوية، من خلال إنشاء شركات متخصّصة في صنع الخلود والبقاء في صحّة جيّدة ومدّة زمنية أطول، مثل شركة "أدفانسيد سيل تكنولوجي" (technology cell Advanced) التي تعنى بترميم الخلايا وتجديدها، وشركة "إنفوجين" (Infogen)، المهتمّة بالتسريع في عمليات الاستنساخ البشري، وشركة "سيلفاكتور" (Factor Cell) التي تعمل على تجهيز خطوط خلايا مشتقّة عصبيًّا لإطالة الحياة، وشركات "فايزر" (Pfizer) التي تنتج عقاقير قادرة على تجديد الحياة الجنسية، أو عقاقير هرمونات النموّ. تنزع هذه الثورة في الاكتشافات الطبية في مجال تمديد العمر وكبح جمح الشيخوخة وتعطيلها، إلى التأثير في حياة الأفراد على نحو واضح. ويتمثّل أوّل هذه التأثيرات في حياة المتقاعدين والمتقدّمين في السنّ، حيث تمنحهم القدرة على تجديد طاقاتهم المعرفية والمهنية، بتجديد الوظائف وتوسيع المعارف للحصول على الدرجات العلمية والاستفادة من خبرتهم الواسعة، باعتبارهم سيمثلون "قيمة مضافة من المساهمين المنتجين في المجتمع الذي يعيشون فيه". أمّا التأثير الثاني، فسيهمّ فئة الشباب الذين سيدركون أهمية الانخراط في هذا العصر العلمي الجديد باكتساب المعارف والمهارات للانتقال من عمل إلى آخر، ومن مهنة إلى أخرى، ومواكبة متطلّبات العصر الجديد، من قبيل تعلّم مهارات القيادة والاتّصال والرقمنة. وستؤثّر إطالة العمر في مجموعة من الاتجاهات في ما يخصّ الزواج وإنجاب الأطفال. ويعتقد علمء الاجتمع "أنّ الرجل والمرأة اللذين يتوقّعان العيش لمئة وخمسة وعشرين عامًا لن يشعرا بأي دافعٍ للبدء بإنجاب الأطفال في عمر مبكّر. وبدل ذلك، يعتقد أنّهم سيقضيان سني مراهقتهم وسني العشرينات وهم يتابعون التدريب والدراسة المطلوبين لتأمين النجاح في حياتهم الوظيفية". نشير في هذا السياق إلى أهمية رسم الخرائط الجينية وبيان دورها الأساسي في "تحديد مواقع الجينات على الكروموسومات، وتحديد عدد الجينات التي تتحكّم في صفة ما. وهي تساعد كذلك المربيّن على تحديد مواقع الجينات في الكروموسومات التي يجب نقلها من سلالة إلى أخرى. وتستخدم الخرائط الكروموسومية لتشخيص بعض الأمراض الوراثية. فعند معرفة البيانات عن البديل المسبب للمرض، يستطيع الباحثون تحديد الجزء من الدنأ الذي يحمل الجين المسبب للمرض". وتساعد دراسة الملفّ الشخصي للمرضى الأطبّاء في تحديد إمكان الإصابة ببعض الأمراض الوراثية، وملامح ظهور الخلل الجيني داخل الجسم في فترات محدّدة من عمر الإنسان. ويقرّ العلمء أنّ اعتمد التقنية الوراثية سيكون له فوائد إيجابية تتعلّق بمستقبل الطبّ. وتشغل هذه المسألة تحديد الجينات المسؤولة عن الأمراض التي

سينثيا ج. واغنر، الاستشراف والابتكار والإستراتيجية: نحو مستقبل أكثر حكمة، ترجمة صباح صدّيق الدملوجي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص.133 21 المرجع نفسه، ص 137. 22 صدقي.141، ص

تصيب الإنسان، مثل سرطان الدم وتقديم العلاج الملائم لتصحيح المورّثات المعطوبة، "ذلك أنّ دراسة تسلسل الجينات وتحليل بياناتها يعجلّان الآن بمعرفة العوامل المسبّبة للأمراض". وقد أفضى اكتشاف "الجينوم" إلى فتح فرع جديد من العلم اسمه "المعلوماتية الحيوية" (Bioinformatics)، أو "علم الأحياء الحاسوبي"، أو "البيولوجيا الحاسوبية" (Biology Computational). لذلك صار من الممكن تحديد تسلسل (DNA) وإجراء مسح جينومي للشخص وتخزينه في أسطوانة للكشف عن أسرار الإصابة بالأمراض الخطرة وتحديد موقع (DNA) التالف. ويمكن أن يكشف هذا المسح اكتشاف حياة السلف والأمراض الوراثية التي يمكن أن تنتقل من شخص إلى آخر في شجرة العائلة الواحدة للتحكّم في الموروث الجيني. تتوقّع التطوّرات الفائقة في مجال العلوم الجينية وتقنيات الإنجاب إيجاد "أطفال مصمَّمين خصيصًا" بإدخال جينات معدّلة وراثيًا في الجنين الإنساني. ويتدخّل في هذه العملية علمن آخران: علم اليوجينا (Eugenics) وهو علم يُعنى بتحسين النسل وتحسين البناء البيولوجي للإنسان باختيار أفضل الصفات وتصحيح الجينات التي تحمل عيوبًا وراثية؛ وعلم الإيجينا (Epigenetics) وهو العلم الذي يدرس التغيرات الناجمة عن إدخال التعديلات الجينية على مستوى الوظائف الحيوية. ويُدرج ضمن علم الإيجينا "علم آخر هو علم التخلّق السلوكي (Epigenetics Behavioral) والذي يدرس تأثير علم التخلّق على العمليّات السيكولوجية مثل الانفعالات الشعورية، الذاكرة، والتعلّم، الصحّة العقلية والسلوك، لأنّ الأمر لا يتعلّق بطول الحياة فقط، بل بجودتها كذلك". لا شكّ في أنّ إجراء عمليات التعديل الوراثي يفتح المجال لإمكان اختيار صفات الجنين المرغوب فيها قبل تشكّله. وهو ما يعرف بهندسة الأطفال وفق معايير ذكائية أو جمليّة أو طباعيّة محدّدة. ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى إمكان استخدام تقنية الإخصاب المختبري التي تُكّن المتزوّجين من صنع أجنّة مخصّبة عدة داخل أنابيب الاختبار لاختيار الجنين الخالي من المرض الوراثي. وعلى هذا الأساس، سوف تصبح "فكرة تصميم أطفال حسب المواصفات حقيقة واقعة. وبحسب ما قال عالم الأحياء في جامعة هارفارد إي أوه ويلسون، فإنّ "الإنسان أوّل نوع يتمتّع بحريته بحقّ، صار على وشك التخلّ عن عملية الانتخاب الطبيعي وهي القوّة التي صنعتنا [...] فسرعان ما سيكون علينا أن ننتظر بعمق في أنفسنا، وأن نقرّر ما نتمنى أن نصير عليه". والمعنى من هذا أنّ الاكتشافات الطبية ستحقّق نجاحات باهرة في عملية زراعة الجينات، من قبيل "الجين المتحكّم في الذكاء"، أو "الجين المتحكّم في قوّة العضلات". وسيتمكّن العلمء "من عزل وتغيير العديد من الجينات المنفردة التي تتحكّم في

23 "The Future of Genomic Medicine," Génetic Engineering and Biotechnology News, vol. 40, no. 9 (September 2020), p. 39. 24 الناصر، ص.313-312 25 كاكو، ص.269

سمت إنسانية متنوّعة". واللافت أيضًا، أنّ البحوث العلمية في مجال دراسة علوم الحياة، أثبتت أنّ "الجينات" تؤدي دورًا كبيرًا في تحديد الصفات النفسية والسلوكية للإنسان. فهي مفتاح الطبيعة البشرية والحاملة برامج العمل الحقيقية لحياة الإنسان وسلوكاته النفسية والفيزيولوجية. وعلى هذا المنوال، كتب عالم البيولوجيا الجزيئية روبرت واينبرغ (Weinberg Allan Robert): "في غضون العقد القادم قد نبدأ في العثور على جينات تحدّد بشكل مدهش المعرفة والشعور وغير هذين من نواحي الأداء الإنساني والمظهر. وإنكار هذا لن يكون إلّ من قبيل دفن الرؤوس في الرمال". ويمكن تسليط الضوء على فوائد استخدام التقنيات الوراثية الهندسة الوراثية لإنتاج مواد للعلاج على أساس واسع وإنتاج مضادات فيروسية للقضاء على الأمراض الوراثية الناتجة من وجود نقص في جهاز المناعة من قبيل استخدام الأساليب التقنية والتكنولوجيات الحديثة في "المعالجة الكيمياحياتيّة". فصار بالإمكان نقل قطع من أيّ مادّة وراثيّة، ومن أي مصدر كان، إلى ما يعرف بالبلازميد الذي هو عنصر وراثي غير كروموزومي من عناصر البكتيريا، أو إلى أي فيروس بكتيري. وفي كلتا الحالتين، يمكن أن يجري زرع هذه القطع من المادة الوراثية ومضاعفتها، أو تكاثرها داخل الخليّة البكتيرية. والسمة المهمة في هذه الأساليب والطرائق الجديدة أنّها تتخطى الحواجز العضوية المعتادة بين الأجناس، وتسمح ببناء مركبات وراثية جديدة وانتشارها. كم يعمل تصميم هذه البكتيريات على إنتاج البروتينات التي تعمل على علاج الأمراض الوراثية الناتجة من فقدان وظيفة بروتين واحد أو أكثر. ولقد تمكّن العلمء من إنتاج مضادات فيروسية (بروتين الإنترفيزون، وهو مضاد فيروسي (مضاد سرطاني). ومن الممكن أيضًا "أن نزرع وننتج مقادير كبيرة من الجينات لتحقيق بروتينات الهيموجلوبين التي تنقص المرضى المصابين بالثالاسيميّة مثلً؛ ذلك أنّه من الممكن أن ندخل هذه الجينات إلى خلايا نخاع عظام المريض، ثم نعيد هذه الخلايا إلى المريض [...] ويمثل اللقاح ضدّ الإصابات التي تسبّبها الفيروسات والطفيليات صنفًا آخر من الاحتملات والإمكانات التي يمكن أن تتحقق في هذا المضمر". في هذا الإطار، يمكن أن نشير إلى مساهمة الثورة التكنولوجية وعلم الجينوميات الفيروسية في تطوير اللقاحات والعلاجات المناعيّة ضدّ العديد من الأمراض والحدّ من انتشار الفيروسات، أهمّها فيروس كورونا المسبّب للمتلازمة التنفسية الحادة، وهو العامل المسبّب لفيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-)، باستخدام "التسلسل الجينومي" الذي يعمل على فهم ديناميات الأوبئة الفيروسيّة ويقدّم تدابير المكافحة؛ إذ "أتاحت لنا المتواليات الجينوميّة تحديد مسبّبات الأمراض وفهم مصدرها وانتقالها وتنوّعها

26 المرجع نفسه، ص.274 دانييل كيفلس وليروي هود، الشفرة الوراثية للإنسان: القضايا العلمية والاجتماعية لمشروع الجينوم البشري، ترجمة أحمد مستجير، سلسلة عالم المعرفة 217 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1997)، ص.286 مصطفى ناصف، الوراثة والإنسان: أساسيات الوراثة البشرية والطبية، سلسلة عالم المعرفة 100 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1990)، ص.151 29 المرجع نفسه، ص.153

الجيني وديناميات تفشّيها. وتمّ الاسترشاد بهذا الفهم في وضع نُهج تشخيصية، كم وفّر معلومات أساسية لتطوير اللقاحات وتصميم الأدوية وساعد في التخفيف من حدّة المرض". ولا شك في أنّ توسيع البحث في التقنيات الوراثيّة، قاد إلى إنتاج اللقاحات وإنقاذ الملايين من الأرواح. ويتمثّل "معيار نجاح هذا اللقاح في التقليل من قدرة هذا الفيروس على اختراق الخليّة وإصابتها". ويمكن "أن يؤدي الحمض النووي الريبوزي المرسال mRNA إلى تحسين اللقاحات الموجودة حاليًا [...] ويسمح هذا الحمض النووي بتكوين بروتين قادر على تنشيط الأهداف البيولوجية أو منعها بوساطة الجسم البشري". وقد جرى الاعتمد على هذه التقنية الجديدة في معالجة الأمراض الوراثيّة وأمراض القلب والسرطان، ومختلف الأمراض التي تصيب جهاز المناعة الذاتي والتسريع في إيجاد اللقاحات المناسبة، ف"بفضل التطوّر السريع للقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسالmRNA يمكن أن نتوصّل إلى الحصول على لقاح مناسب للفيروس المنتشر" للقضاء على الوباء والحفاظ على حياة الإنسان. لا ريب في أنّ هذه الإنجازات العلمية ستشكّل رؤية استشرافية للعالم، وستفتح الباب أمام تكنولوجيات جديدة للوقاية من الأوبئة والتصدّي للجائحات العالمية ومواكبة التطوّرات التي تشهدها البحوث العلميّة على نحوٍ متواصل، باعتبار أنّ "كلّ تكهّنات المستقبل ترتكز على التخمينات المستقبلية البسيطة، بدلً من ارتكازها على الأدلّة العلمية والبيانات الواقعية". الحاصل من هذا أنّ التطوّرات العلميّة والاكتشافات التقنية في علم الوراثة والجينوميّات تتوقّع حصول ثورات جديدة في المستقبل، يمكن أن نجملها في النقاط التالية: منح الإنسان القدرة على إدارة حياته العائلية والمهنية، وبرمجتها من خلال إمداد عمر الإنسان إلى فترات زمنية أطول على نحوٍ شبه لامتناه. القضاء على الشيخوخة من خلال تجديد الخلايا المتسببة في الشيخوخة، والعودة إلى مرحلة الشباب والعطاء الدائم. تطعيم الجينوم البشري بجينات تمديد الحياة الموجودة لدى الكائنات الأخرى.

منظمة الصحة العالمية، التسلسل الجينومي لفيروس كورونا -سارس-2: دليل تطبيقي لتعظيم الأثر على الصحة العامة (جنيف: منظمة الصحة العالمية، كانون الثاني/ يناير 2021)، ص 3-2، في: https://bit.ly/3f4XRAf 31 Isabelle Stengers, "Que nous apprend la pandémie?: Pour un atterrissage des sciences," l'article collectif: Science sans confiance, Esprit: Comprendre le monde qui vient (Mars 2021), p. 41. 32 "L'ARN messager pourrait révolutionner la médecine," Trends-Tendances, 12/8/2021, accessed on 11/10/2021, at: https://bit.ly/3HUPByT 33 Ibid. 34 Scott Zuckerman, "Medicine in the Post Coronopocalypse Era," in: Lawrence Knorr et al., After the Pandemic, Visions of Life Post Covid-19 (Pennsylvania: Sunbury Press, Inc., 2020), p. 85.

زراعة الجينات، من قبيل الجين المتحك م في الذكاء، أو الجين المتحكّم في تقوية الذاكرة، أو الجين المتحكّم في الجمل الخالد، أو الجين المتحكّم في إطالة العمر والصحّة الدائمة. طرح إمكانات تحسين الصفات البشرية في إطار ما يسمى "الإيجينا"، قصد صنع مجتمع النخبة والسلالة البشرية المتفوّقة على جميع المستويات. التنبّؤ الجيني بالأمراض وتعديلها علاجيًّا قبل وقوعها، من خلال معرفة دور الجينات في تطوّر الأمراض الوراثية وظهورها. في المحصلة، يمكن عدّ استخدام الهندسة الوراثيّة، أو ما يعرف بالتقانة الحيوية الجزيئية (Engineering Genetic)، قصد تعديل الجينات وتصحيحها لمنح الحياة من جديد، من أبرز تجليات الثورة العلمية. فهي تَعدُ بمستقبل الرفاه والخلوّ من الأمراض الوراثية (تحسين الصفات الوراثية للأجنّة وزيادة الذكاء البشري وإيجاد الأساليب الجديدة لمعالجة أمراض الشيخوخة وإمداد العمر، وغير ذلك). ولا شكّ في أنّ مثل هذه الاستخدامات تُنبئ بصنع "الإنسان المهندس وراثيًا"، وتدفع إلى تعميق البحث في مآلات هذه الإنجازات التقنية الفائقة وتأثيرها في حياة الإنسان.

ثالثًا: العلوم والتكنولوجيات الحديثة: دراسة يف المخاطر

سنوجّه اهتممنا في هذا المبحث إلى دراسة مخاطر هذه الاختراعات الطبية والاكتشافات العلمية، في جوانبها العلمية والتقنية أوّلً، وفي جوانبها الأخلاقية والقيمية ثانيًا.

1. سلبيات استخدام التقنيات العلاجية الحديثة على الصعيد العلمي

أ. مخاطر العلاج بالجينات

لا شكّ في أنّ العلاج الجيني يحتاج إلى تقنيات متعدّدة ومعقّدة، تتيح للأطبّاء علاج أحد الأمراض بإيلاج جينات جديدة في خلايا المريض. وتقترن هذه العملية بمخاطر محتملة عدة، "منها الدمج الخلوي بين خلايا الأجنّة في الأطوار المبكّرة، وما يترتّب عليه من احتمل الضرر أو الوفاة بسبب الفيروسات التي تستخدم في النقل الجيني، أو الإصابة بالسرطان بسبب الجين المزروع؛ ثمّ إنّ الفشل في تحديد موقع الجين على الشريط الصبغي للمريض، قد يسبّب هو الآخر مرضًا أشدّ خطورة". وفي هذا السياق، يذكر ميتشو كاكو حادثتين: أولاهم، وفاة أحد المرضى خلال تجربة علاج بالجينات، أجريت في عام 1999 في جامعة بنسلفانيا؛ وثانيتهم في عام 2007، أصيب فيها أربعة من بين عشرة مرضى شفوا من نوع معيّ

35 بوغالم، ص.287

من نقص المناعة الكلي الحاد بأثرٍ جانبي خطر، وهو مرض اللوكيميا أو سرطان الدم؛ وهم حادثتان أثارتا جدلً أخلاقيًا واسعًا داخل الوسط الطبي بشأن مخاطر هذا العلاج على صحّة المريض وحياته. نسوق في هذا الإطار أنواع الجينات التي يمكن أن يؤدّي حدوث خلل فيها إلى الإصابة بالسرطان: "الجينات كابتات الأورام" (Genes Suppressor Tumour): وظيفتها الحفاظ على الانقسام المنتظم للخلية، وكبح الانقسام السرطاني السريع فيها. وكي يبطل مفعول هذه الجينات، لا بدّ من أن يحدث خلل في كلا الأليلين الممثل لكلّ جين. "الجينات المحفّزة للورم" أو "الأنكوجينات" (Oncogene): أي الجينات التي تزيد من سرعة نمو الخلية وتحفّزها على التكاثر الورمي نتيجة حدوث خلل معيّ فيها. ويمكن أن تتحوّل هذه الجينات إلى عوامل اضطراب نتيجة إصابتها بطفرةٍ أو خللٍ صبغي. "الجينات المسؤولة عن إصلاح أخطاء الحامض النووي" (Genes Repair DNA): أي الجينات المسؤولة عن تصحيح أخطاء الحامض النووي (DNA)؛ ووجود عيب في هذه الجينات يسمح بتراكم الطفرات، ومن ثمّ يساعد في تحوّل الخليّة. "الجين المسؤول عن مساعدة الخليّة المشوّهة تشوّهًا خطرًا": القيام بعملية "موت الخلايا المبرمج" (Apoptosis)، عن طريق تنشيط بعض الجينات الأخرى وأمرها بقتل الخليّة. وإذا لم تتمّ عمليّة قتل الخليّة المشوهة بهذه الطريقة، فسيمكنها أن تتحوّل إلى خليّة سرطانيّة. يمكن أن نشير أيضًا إلى الآثار السلبية الناتجة من عملية التدخّل الجيني المتعلّق بإطالة العمر الذي قد يؤدّي في بعض المحاولات إلى الوفاة، ما يدلّ على "صعوبة تطبيق ما تمّ التوصّل إليه في هذا المجال لدى الحيوان على الإنسان؛ إذ على الرغم من أنّه تمّ تحديد الجينات المسؤولة عن طول العمر، إلاّ أنّه ليس من الواضح كيف تشارك البروتينات المشفّرة بواسطة هذه الجينات في تحديد طول العمر لأنّ أعراض تمديد العمر لا تختلف عن أعراض الشيخوخة نفسها ومن ثمّة لا يمكن تمييز مسؤولية الجينات المعدّلة بغرض العلاج في إطالة العمر". ولا بدّ في هذا السياق من تأكيد مخاطر إجراء عمليات التعديل الجيني بخريطة الجينوم البشري لحثّ إطالة أمد الحياة في الكائنات الحيّة وتأخير مظاهر العجز في الأعضاء. وتنتج من القيام بهذه العملية انتكاسات بيولوجية للجسد البشري، متسبّبة في أمراض الأعصاب والدماغ والقوى الحركيّة والقلب.

36 كاكو، ص.261 37 صدقي، ص.219-217 38 الناصر، ص.314

ب. الآثار الجانبية لزراعة الجين المتحكّم في الذكاء

يمكن أن نشير أيضًا إلى الآثار السلبية الناتجة من زراعة الجين المتحكّم في الذكاء، الذي ينجرّ عنه إمكان الإصابة بالشلل. وفي هذا الإطار، يعتبر ألشينو سيلفا: "أنّ الأمر يشبه شخصًا يتذكّر أكثر من اللازم. لذا يدرك العلمء الآن أنّ النسيان ربّا كان بنفس أهمية التذكّر حتى يكون هذا العالم منطقيًّا وحتى ننظّم معرفتنا".

ج. الآثار الجانبية لزراعة الجين المتحكّم في امتلاك ضخامة جسدية استثنائية

يؤكّد العلمء الداعمون فكرة زراعة الجين الذي يعمل على زيادة الكتلة العضليّة وامتلاك ضخامة جسدية استثنائية الآثار الجانبية لانتهاج هذا المسلك العلمي الجديد، معتبرين أنّ زراعة هرمونات جديدة داخل الجسم، من قبيل "هرمون الإيثروبوتين" (EPO)، تعمل على تصنيع "أعداد أكبر من خلايا الدم التي تحمل الأكسجين، وهو ما يعني زيادة القدرة على التحمّل. ولمّا كان هرمون الإيثروبوتين يؤدّي إلى زيادة غلظة قوام الدم، فقد ارتبط في الوقت نفسه بالسكتات الدماغية والنوبات القلبية. وعوامل النموّ الشبيهة بالأنسولين IGF مفيدة، لأنّها تساعد البروتينات على تكوين كتلة عضلية ضخمة، غير أنّها ارتبطت بنموّ الأورام".

2. المخاطر المترتبة على استخدام الهندسة الوراثية

أثار استخدام الهندسة الوراثية مخاوف بعض العلمء الذين أثبتوا أنّ نتائج بعض التجارب التي يقومون بها غير معروفة. وتتمثّل هذه المخاوف في إمكان تسرّب جرثومة وراثيّة إلى خارج المختبر في أثناء القيام بالتجارب، وتؤدّي إلى انتشار الأوبئة أو تهدّد البيئة الطبيعية. فقد كان العلمء يخشون "ظهور جرثومة غريبة قد تتحوّل من جرثومة مسالمة إلى ميكروب خطير جدًا، يؤدّي إلى كارثة وبائية، أو أن تنتقل خلايا معيّنة قد تسبّب أمراضًا وراثيّة إلى العاملين في هذا المجال عن طريق الفم مثلً، فتسبّب أمراضًا شبيهة بمرض السرطان لا يعرف له دواء". ولا شكّ في أنّ تنامي هذه المخاوف كان نتيجة ما وقع في خمسينيات القرن الماضي، عندما أجرت الولايات المتّحدة الأميركية تجاربها على أنواع الجراثيم المسبّبة للأوبئة حتى تقع الاستفادة منها في الحروب الجرثومية؛ وكانت قد خلّفت أضرارًا جسيمة، أنتجت جملة من قرارات المراقبة والمنع.

رابعًا: الثورة البيوتكنولوجية وسؤال الأخلاقيات

طرح التطوّر البيولوجي الطبي معضلات أخلاقية وإشكالات عدة تعلّقت بمسألة التلقيح الاصطناعي ومسألة زرع الأعضاء البشرية وتغيير الجنس والإجهاض والموت الرحيم وإطالة الحياة والنسالة البشرية وأطفال الأنابيب والأمهات الحاضنات وكراء الأجنّة والجراحة التجميلية. وقد عجّلت هذه المسائل

39 نقلً عن: كاكو، ص.275 40 المرجع نفسه، ص.276 ناهدة البقصمي، الهندسة الوراثية والأخلاق، سلسلة عالم المعرفة 174 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1993)، ص.200

"بالمطالبة الأخلاقية لعلوم الحياة والطب بشكلٍ عام، ولأبحاث الجينوم بوجهٍ خاص، من أجل ترشيد النتائج العلمية وتوجيهها نحو مصلحة الإنسان واستنهاض مجالٍ حيوي إنساني يضمن سلامة الحياة البشرية". من ثمّ، نحاول في هذا المبحث قراءة المخاطر المترتبة على سوء استخدام التكنولوجيات المتطوّرة والتقنيات الوراثيّة الحديثة، من خلال توسيع دائرة النظر في الاعتبارات العلمية والالتزام بالتوصيات العالمية في مجال الطبّ الحيوي التي تضبط الاكتشافات العلمية وتوجّهها، ضمنًا للاستخدام السليم للتكنولوجيات الحديثة، وخدمة المصلحة البشرية. ويقودنا هذا الطرح إلى مقاربة هذه المسألة مقاربةً أخلاقية، تكشف عن تباين الآراء العلمية ومواقف المتخصصين في هذا المجال العلمي الحديث بشأن سبل التعامل مع البحوث المستقبلية والارتقاء بالاختراعات العلمية من حدودها السلبية إلى مجالها البحثي الواسع الذي لا يني في اختراع تقنيات جديدة كفيلة بأن تمنع الأوبئة من الانتشار، وتحدّ من الإصابة بالأمراض الخطرة والمعدية.

1. مسألة تعديل الجينوم

عرفت أبحاث الجينوم والهندسة الحيويّة تطوّرًا مهمً في السنوات الأخيرة، ولا سيّم في مجال اختراع تكنولوجيات جديدة و"تعديل الحمض النووي البكتيري" (CRISPR-Cas9)، نظرًا إلى نجاعتها وسرعتها في القضاء على الفيروسات الضارّة. وفتحت هذه التقنية الجديدة المجال أمام عصرٍ جديد من تعديل الجينوم؛ إذ تشكّل "آلية دفاعية تقوم بها البكتيريا لمقاومة الفيروسات بصفة طبيعية، ويشمل جينوم البكتيريا على عناصر تشبه كثيرًا ما يقابلها لدى الفيروسات؛ ولكن هذه العناصر تنفصل على مراحل منتظمة عن طريق عناصر تسلسل أخرى. و'تعديل الحمض النووي البكتيري' هو إنزيم طبيعي يقطع الحمض النووي، ويتعرّف إلى هذه العناصر في الفيروسات، غير أنّ البكتيريا نفسها محمية بسبب هذه العناصر المبعثرة على نحو فريد في الجينوم البكتيري. وتكمن الإمكانات البارزة في هذا النظام الطبيعي في إمكان تعديله، لكي يزرع باعتباره أداةً لتعديل الحمض النووي، يمكن التحكم فيها بدقة، وتوجيهها لتعديل هدفها بتحديد فائق". أثار التعامل مع هذه التقنيات التكنولوجية المتطوّرة جملةً من التساؤلات الأخلاقية بشأن مدى أمان هذه التقنيات وفاعليتها في علاج الأمراض البشرية، قصد تبديد المخاوف التي تنتاب العلمء المتخصصين في مثل هذه المجالات العلمية، وتطوير البحوث العلمية وتعميقها في المستقبل. ولا شكّ في أنّ تباين آراء العلمء والمهتمين بدراسة هذه المسألة، أفضى إلى ظهور موقفين متعارضين. ففئةٌ أولى من العلمء تستند في مواقفها إلى تعداد فوائد علم الجينوم الذي يسعى لمعالجة الأمراض وتجاوز الاختلالات

سعدية بن دنيا، "الجينوم والطبيعة البشرية: مقاربة تحليلية في ضوء الفلسفة والعلم التجريبي والأخلاق الإسلامية"، في: Ghaly (ed.), p. 271. فوزان سامي الكريع، "علم الجينوم من منظور إسلامي: التساولات العسيرة"، تبيّ، مج 7، العدد 27 (شتاء 2019)، ص.149

البيولوجية وتحسين البشر وراثيًّا وتعزيز جينات السلم والمحبّة والتقليل من العنف والعدوانية في مجتمعاتنا العربيّة والإسلاميّة. وهي مسألة تتعلّق بتصحيح التشوّه وإعادته إلى طبيعته، من دون إدخال تغييرات أو تعديلات للحصول على صفات محسّنة جينيًّا، لأنّ في ذلك تعديلً في مكوّنات الإنسان الوراثيّة وفق أهوائهم ورغباتهم وتدخّل في الخلق. لذلك أجاز الفقهاء العلاج الجيني الذي يساهم في إزالة التشوّهات والعيوب الناتجة من أمراض أو حوادث، وأجازوا، أيضًا، مسألة العلاج الجيني. أمّا الفئة الثانية من العلمء، فتستند إلى جملة من النصوص الدينية التي تثبت وجود خروقات أخلاقية في أثناء استخدام أدوات علم الهندسة الوراثيّة والتعديل الجيني والتدخّل في بنية الجينات، بدعوى تحسين السلالة البشرية، "حيث إنّ التلاعب بشفرة الجينوم يمكن أن يوجد نسلً غامض الهويّة ضائع النسب". ومن أخطر الأضرار الناتجة من إحداث تغييرات جذرية في الصفات البشرية "ضياع الحصيلة الإرثيّة التي تتضمّن الصفات العامة التي يشترك فيها سائر المجتمع البشري". ولقد لخّص مدير مركز دراسة الجينوم البشري، دانيال كوهين، هذه المخاطر في ثلاثة أقسام صاغها على النحو التالي: "يتمثّل الأوّل في غياب تكافؤ الفرص أو المساواة بين الأشخاص. فبمجرّد حصولنا على معلومات معيّنة عن جينوم الأشخاص، ندخل في نظامٍ يمكن فيه المساس بتكافؤ الفرص بين الأفراد. وأمّا الثاني، فيتمثّل في الخوف من تغيير المحيط الحيوي. والمعنى من ذلك أنّ اكتشاف الجينوم سيؤدّي إلى فهم بعض العناصر المكوّنة لهذا المحيط، ما يمنح مشروعية تحويل الكائنات الحية، وهو أمر يثير القلق ويوجب الإلمام بمخلّفاته السلبية. أمّا القسم الثالث، فيتمثّل في الخوف من التعامل مع الكائن كشيء مادي، من خلال تحفيزنا على معرفة أشياء يجدر بنا ألّ نعرفها أو نطّلع عليها". كم حذّر عدد من العلمء الأميركيين من مساوئ استخدام تكنولوجيات التكاثر الجديدة، أو المخاطر الأخلاقية المترتّبة على "العلاج الجيني" (Therapy Gene)، واستخدامه في صنع سلالات غامضة الهويّة وضائعة النسب؛ ف "مثلً يشكّل العلاج الجيني للخلايا الجنسية خطورةً بالغة من الناحية الطبية والأخلاقية، حيث يتمّ توريث التعديلات التي يقوم بها العلمء على جينات الخلايا الجنسية أو النطف والبويضات، والتي تتحدّد لاحقًا لتعطي جميع خلايا الكائن الحي لعلاج بعض الأمراض الوراثيّة المحتملة.

على هذا النحو، يمكن القول إنّ موقف الشرع كان مجيزًا لحصول هذه التغييرات، إذا كان القصد منه هو العلاج، ودرء المفسدة، وجلب

المصلحة، عملً بالآية القرآنية: ﴿وسخَّر لَكُمْ مَا فِ السَّموَاتِ ومَا فِ الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَياتٍ لِقَوْمٍ يتَفكَّرُونَ﴾ (الجاثية،.)13 "إذا لم يترتب عليه الإضرار والمفاسد، من تخلط للجينات ودمجها مع بعضها لتغيير الصفات الوراثية الخلقية، ومن احتمالية أن يؤدّي

تصحيح المورّثات المصابة إلى إحداث طفرات وراثيّة تمتدّ آثارها إلى الأجيال القادمة؛ ووضعوا له شروط ا وأحكامًا خاصة بحسب كلّ نوع من

هذا العلاج، وتُستثنى منه الجراحات التي تخرج بالجسم أو العضو عن خلقته السوية من عمليّات تغيير الجنس والجراحات التجميلية،

كالوشم، وتغيير اللون، فهي ممنوعة لأنّ في ذلك تغييرًا لخلق الله"، ينظر: بن دنيا، ص 276. 46 المرجع نفسه، ص 275. 47 المرجع نفسه، ص.277 48 Daniel Cohen, "La connaissance du génome humain," Les Cahiers du MURS, no. 27 (1992), p. 50.

وتكمن خطورة التلاعب بتلك المورّثات في كونها ستنتقل إلى أجيال لاحقة؛ لذا تحظر السلطات القضائية في العديد من الدول هذا النوع من العلاجات". من هنا، يمكن القول إنّ الأبحاث التي تعمل على إنشاء بنوك للجينات التي تتضمّن الشيفرات الجينية للإنسان ينبغي إخضاعها لضوابط علمية وأخلاقية، خوفًا من اختلاط الأنساب، وحفاظًا على الأسرار الشخصية، وضمنًا لحقوق الإنسان، وصونًا لكرامته.

2. مسألة تحسين النسل وحفظه

تجاوزت الاختراعات الطبية حدود العلاج الجيني إلى إمكانات استخدام "تكنولوجيا النسل" التي تعمل على تحسين السلالة البشرية (أو "اليوجينا")، من خلال انتقاء صفات مرغوب فيها (اليوجينا الإيجابي)، مثل الذكاء والجمل والطول واللون. ويكون ذلك عبر استخدام الجينات الجيدة السليمة ومنع تناسل أولئك الذين يملكون الصفات غير المرغوب فيها (اليوجينا السلبي). ويشجّع هذا الاختيار الطبي على توسيع دائرة الإنجاب الاصطناعي الواعي والحصول على سلالات بمواصفات وراثيّة بحسب الطلب، أو ما يعرف ب "أطفال الكاتالوغات" (Babies Designer). ويعمل الباحثون في هذا المجال على "تغيير صفات الكائن البشري تجريبيًّا، من خلال تغييرات فيسيولوجية ووراثية، وباستعاضة بعض أجزائه بالآلات، مم يعني نهاية الإنسان كإنسان، وخلق فصيلة جديدة من قبله هو بالذات". لا بدّ في هذا السياق من التأكيد على أنّ تطبيق هذه التقنيات المتحكّمة في صناعة سلالة وفق مواصفات معيّنة، ضاعف مخاوف العلمء والباحثين من بزوغ مفاهيم تتعلّق "بالعنصرية العلمية" التي تشجّع على نشر أفكار عنصرية، وتهيّئ لاندلاع حروب عرقيّة تنتهي بارتكاب جرائم إنسانية بشعة، وتتسبّب في الإبادة الجمعية ونزع الحقوق الاجتمعية والسياسية، والاعتداء على الحريّات الشخصية. وتعود مخاوف الرأي العام إلى تطويع التكنولوجيا المتطوّرة للسيطرة على العالم، وتحقيق أهداف غير إنسانية بتكوين جرثومة وبائيّة تقضي على البشرية كلّها، أو بخلق سلالة جديدة من البشر، لأنّ تجارب البيولوجيا عمومًا، والهندسة الوراثية على وجه الخصوص، "قد تصل إلى هندسة الإنسان نفسه، بمعنى أن تسيطر عليه وعلى سلوكه وتحوّله إلى أداة يمكن التحكّم بها واستخدامها، مم يعني أنّه لم يعد آمنًا على نفسه أو على أبنائه، أو حتى على كبار السن في المؤسسات والمستشفيات، لأنّ الكلّ عرضة للتجارب". في المحصّلة، أثارت المسألة المتعلّقة بسبل استخدام التقنية الوراثيّة المسؤولة عن حفظ النسل من الأمراض الوراثيّة أو تحسينه جملةً من المواقف المتباينة والنقاشات الأخلاقية:

49 بوغالم، ص.287 50 بن دنيا، ص.270 51 البقصمي، ص.206

تباين الآراء بين مجيز ورافض استخدام هذه التقنية وفقًا لشروط تحقيق المصالح والمفاسد أو الأضرار والمنافع. ومن هنا، نشير أولً إلى أنّ "النفع ينصرف أصالة إلى الوقاية والعلاج والتحسين، وجلّ النقاش يدور حول النفع والضرر الجسمي أو المادي؛ فلا نكاد نجد أثرًا للاعتبارات المعنوية والتأثيرات التي يمكن لهذه التدخلات أن تُلحقها بالشخصية الإنسانية من الناحيتين النفسية والعقلية، لجهة إدراك الذات وصلتها ووعيها بالجسد، وجهة مسؤوليتها الأخلاقية الفردية والاجتمعية المترتبة على التدخّل، خصوصًا إذا كان تطويريًّا أو تحسينيًّا. ونشير، ثانيًا، إلى أنّ المصالح والمفاسد مراتب، ولا بدّ من ضبطها بناءً على عدّة اعتبارات، كقياس الباعث على التدخّل ووجه الحاجة إليه، والجدوى المتوقّعة منه والتفرقة بين الحاجي (لتصحيح تشوّه مثلً)، والتحسيني (لغايات تفضيلية"). دار النقاش أيضًا حول مسألة التداوي والعلاج الذي مثّل أساس البحث وتعميق النظر بين العلمء المتخصصين في دراسة هذه التقنيات ومجالات تطبيقها. لكن النقاشات الفقهيّة المعاصرة تساءلت عن سبل توظيف هذه التقنيات للعلاج على نحوٍ آمن يحفظ النفس والنسل، من خلال "اشتراط التقييم المسبق للاستخدام والتدخلّات، ولآثارها سواء الجسدية أم الاجتمعية الخاصة، بالتمييز ضدّه أو الإضرار به في العقود، كالوظيفة، والزواج، وغير ذلك".

3. علم الجينوم والاستنساخ

طرحت مسألة الاستنساخ الحيوي جملةً من الإشكالات الأخلاقية، وأثارت مخاوف العلمء من مخاطر سوء استخدام التقنيات الوراثيّة، والتكنولوجيات الجديدة، في هذا المجال الحيوي. وتوزّعت هذه الإشكالات على نقاط عدة، نُجملها في التالي: شملت النقطة الأولى آراء العلمء المؤيّدين لنظرية الاستمرار في إجراء أبحاث استنساخ الإنسان في المستقبل، وذلك لأسباب تعود في مجملها إلى توسيع آفاق البحث في دراسة الأمراض الوراثيّة، قصد توفير العلاج الملائم لها، والحدّ من انتشارها. فالاستنساخ هو الوسيلة الوحيدة لعلاج العقم واستئصال الأنسجة المرضيّة وعلاج أمراض الزهايمر وضعف المناعة والسرطانات. ولا شك في أنّ تقنية الاستنساخ تساعد في تنمية "الخلايا الجذعيّة الجينية" وتعويض الأنسجة التالفة وإنتاج أنسجة جديدة يستعيد بها المريض حياته، مثل أنسجة القلب والكبد والكلى والرئة. وتقوم هذه الأنسجة بديلً من عمليّات زراعة الأعضاء، وتساهم في تحسين وظائف الأعضاء الحيوية للإنسان. ويتّسع مجال البحث في هذه التقنية الجديدة في المستقبل ليشمل إمكان استنساخ عضلات بعض الأعضاء الحيوية لتكوين عضلات جديدة تالفة.

معتزّ الخطيب، "الحدود الأخلاقية للتدخّل الجيني: النقاش الفلسفي والفقهي حول أخلاقيات التقنية الوراثيّة"، تبيّ، مج 7، العدد 27 (شتاء 2019)، ص.66 53 المرجع نفسه.

أمّا النقطة الثانية، فشملت هواجس الباحثين وتساؤلاتهم الأخلاقية بشأن سوء استخدام تقنية الاستنساخ. ومن مساوئ استخدام هذه التقنية زعزعة مفهوم العائلة. فعملية الاستنساخ يمكن أن تؤدّي إلى "القضاء على مفهوم الوالديّة (Parenthood). فنحن في ظلّ تطوّر كهذا، لا نعود بحاجة إلى وجود الأب أو الأمّ، بقدر ما نحن بحاجة إلى مؤسّسة كبيرة تقوم برعاية النسخ التي يتمّ إنماؤها صناعيًّا في أجهزة خاصّة [...] مم يعني أنّنا سنقضي على معنى الوالدية، وبالتالي على معنى العائلة". من شأن الاستنساخ بهذا المعنى، أن يبني أجنّة صناعية منزوعة المشاعر والعواطف، نتيجة نشأته عن طريق الأجهزة، عوضًا عن طريق الحمل الطبيعي للأمّ. ولمّا كانت نشأة هذا الجنين صناعيًّا، فإنّ إمكان التحكّم فيه سيكون سهلً من خلال التحكّم في الخلايا الوراثيّة وخلق نسخ جديدة معدّلة وراثيًا لتحسين النسل، وانتقاء الصفات المرغوب فيها لصناعة أجيال جديدة من البشر. ويشكّل هذا العمل خطرًا على حرية الإنسان واستقلاله، وانتهاكًا لحقوقه الأخلاقية، وتشريعًا لسيادة مفهوم "الصفوة المختارة"، أو "الشريحة المجتمعية الخارقة" الملزمة بتطبيق الأوامر وتنفيذها. وسيكونون ملزمين بتطبيق الأوامر وتنفيذها، ما يُفقدهم حريتهم واستقلاليتهم وكرامتهم؛ "ففي مجتمع المستقبل، يفقد الإنسان هذه الحرية، لأنّه سيكون تحت سيطرة الآخرين بشكل كامل؛ إذ إنّ المجتمع هو الذي سيحدّد نوعية الناس الذين سيتمّ استنساخهم، وسيسمح للبعض بالاختلاط، ويمنع البعض الآخر خوفًا من اختلاط مورّثات غير مرغوب فيها. ثم إنّ أفعاله وسلوكه ستكون مفروضةً عليه مقدمًا، وبهذا يفقد الإنسان حريته". ومن هذا المنظور يثير الاستنساخ جملةً من المخاوف، أساسها التحكّم في مستقبل الفرد الذي سيجده غريبًا عنه؛ ف "إذا كان الاستنساخ يمثّل خطرًا، فليس بسبب اعتباره نسخةً مطابقة للأصل لكائن آخر موجود أو كان قد وجد فعلً والسير على خطاه، ولكن بسبب حقيقة أنّه تمّ إعداده لما يمكن أن يؤول إليه من خلال عملية إسقاط مستقبل صُنع لغيره. ويتحوّل الاستنساخ بسبب هذه النزعة النرجسية اللاعقلانية إلى مجرّد أداة استنساخ تؤكّد الطابع اللاأخلاقي لطريقة الاستنساخ المتّبعة من وجهة نظر المستنسخ نفسه". وتطرح مسائل الاستنساخ أو إطالة العمر أو الموت الرحيم قضايا أخلاقية تتعلّق بتدخّل البشر في الجسد والشذوذ عن الطبيعة، على نحو يتنافى ومنظومة القيم والأخلاق الإسلامية؛ على اعتبار أنّ التحولّات البيولوجية التي تطرأ على الإنسان، فتحوّله من لحظة القوة والشباب إلى لحظة العجز والشيخوخة هي سنّة إلهيّة ثابتة.

54 البقصمي، ص.211 55 المرجع نفسه، ص.213 Éva Marazel, "Le clonage reproductif humain: Problèmes éthiques de l'identité du clone," Mémoire de Master 1 "Sciences humaines et sociales", Mention: Philosophie, Université Pierre Mendès, Grenoble, France, 2009-2010, p. 118. كما في الآية القرآنية: ﴿اللهُ الذِي خلقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جعلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جعلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلقُ مَا يشَاء

وَهُوَ العَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (الروم،.)54

بذلك تذهب الأديان عمومًا إلى تحريم موضوع الهندسة الوراثيّة والاستنساخ الحيوي، على أساس أنّها محاولات لتغيير خلق الله، على اعتبار أنّ هذا الأمر يدخل في باب "عبث" الإنسان بتركيبه الوراثي، ما يقوده إلى ارتكاب المعاصي، والقيام بأعمل مخالفة للشرع والسنن الإلهيّة، كم ترى أنّ تدخّل البيولوجيا المستقبلية لرموز الإنسان الوراثيّة والتحكّم في صفاته الشكلية أو السلوكية هو في حدّ ذاته تطاول على حكم الله، وصنعه للجنس البشري على الصورة التي تميّز بها من سائر المخلوقات الأخرى. انطلاقًا من تباين الآراء حول هذه المسألة، جرى تأكيد وجوب التخلّ عن سنّ قوانين ضابطة لسلوك البشر التي تعدل بالعلوم الجديدة عن تأدية دورها الأساس والفاعل في خدمة البشرية، والتشجيع على البحث العلمي، وإيجاد البدائل الكفيلة بالمعالجة؛ ذلك أنّ "تحرير الفكر الشرعي يوجب استبعاد تأثير فكرة العبث أو استنساخ إنسان مجرم لو أمكن تطبيقها، فإنّ سنّ القوانين الضابطة للسلوك في هذا المجال كفيل بمنع استعمل العلم وسيلة للشر، بل يجب أن نجرّد النظر في سياق عموم الشريعة ومقاصدها والتي تدفع إلى البحث، فذلك سيعبّد المسار في هذه القضية". مهم يكن من أمر الجدل القائم بين مؤيّدٍ فكرة العلاج الجينيّ ورافضٍ لها، فإنّ المسألة تقتضي رؤية متبصّة وعقلانية تعمل على ترشيد النتائج العلمية، وتبحث في سبل استثمر الاختراعات العلمية، حتى تكون متطابقة مع الأخلاق الإسلاميّة، من خلال إنشاء مراكز للأبحاث في مجال الدراسات الطبية الحديثة، تتطابق مع مقوّمات الشريعة الإسلاميّة، وتتطلّب المسألة، أيضًا، مشاركة الجهات العلمية العالمية في أبحاثها وتقديم الضوابط الأخلاقية والإنسانية التي تصحّح مسار تجاربها العلمية وترشدها. إنّها مسألة تتطلب فكرًا مرنًا، ورؤيةً عملية مستقبلية تسعى لخلق توازن بين المخاطر والفوائد المنجرّة عن استخدام التقنيات العلمية الحديثة وحسن توظيفها واستخدامها، لمواكبة التطوّرات العلمية والتكنولوجية في مختلف جوانبها الإيجابية خدمةً للإنسان، وتحقيقًا لسلامته النفسية والصحية. ومن هنا، يمكن القول إنّ "المسؤولية الأخلاقية لا تتمثّل في معارضة العلوم والتكنولوجيات الحديثة. بل إنّ الواجب الأخلاقي يتمثّل في استخدام قوة العلم وثورة التكنولوجيا لفهم الاتّجاهات المستقبلية للحضارة التكنولوجية ودراسة آثارها على كوكب الأرض". وقد فتح هذا الجدل الباب واسعًا أمام العلمء في دراسة مسألة الاستنساخ، بحثًا عن سُبل إرساء علم جديد يسمى "أخلاقيات هندسة الجينوم" (Genethics) المختصّ في دراسة أخلاقيات أبحاث "هندسة الجينوم". يُفترض إذًا، على الرغم من السلبيات كلها التي عرضناها، التفكير جديًّا في سبل التعامل مع المستقبل في ظلّ التحولّات التكنولوجية الهائلة التي أثبتت جدواها وفاعليتها وحضورها المكثّف في جلّ المجالات. وهذا ما يثبته خبراء المستقبل الذين أقرّوا بضرورة وضع سيناريوهات بديلة تستشرف الأوضاع المستقبلية،

عبد الله بن يوسف الجديع، "بحوث علم الجينوم في ضوء نصوص الكتاب والسُنّة: قراءة فقهيّة مقاصدية"، تبيّ، مج 7، العدد 27 (شتاء 2019)، ص.97 59 Dane, p. 152.

من قبيل "سيناريو الاستمرارية" الذي "يفترض أن تستمرّ التوجّهات الكبرى، كم هي عليه، وأنّه لن تكون هناك مفاجآت كبرى لتلغي توقّعاتنا". ونستخلص من خلال هذا أنّ "معظم التكنولوجيا التي نعرفها اليوم ستكون قد تقدّمت بشكلها، وسيكون هناك تقدّم مدهش في حقول جديدة مثل الهندسة الوراثيّة التي ستكون قد أثبتت فائدتها، وسيتمتّع العالم بصحّة أفضل نتيجة لذلك [...] وسيكون خوف الجمهور من علم الوراثة قد تلاشى، كم يحصل عادةً عندما تسنح الفرصة لتكنولوجيا جديدة لتثبت أنّها في الحقيقة لا تشكّل خطرًا، كم يخاف الناس في البداية". لا جدال في القول إنّ هذه السيناريوهات تحفّزنا على التفكير على نحو أكثر واقعية بشأن مصير الحياة في المستقبل، في ظلّ هذه التحولّات البيوتكنولوجية والثورات الطبية، و"ستمكّننا من أن نحكم بشكل أفضل بشأن ماذا يجب أن نفعل وكيف نفعل ذلك". ولا ريب في أنّ التقدّم المحرز في مجال التكنولوجيا الحيوية "سيزيد من احتمل استخدام مواد حيّة في صنع روبوتات المستقبل. فمثلً، أدّى دمج هندسة الأنسجة والهندسة الميكانيكية (وهو مجال جديد تمامًا) إلى إنتاج روبوت حيوي هجين قادر على السباحة عندما يتحكّم فيه الباحث. واستخدام المواد الحيوية الجديدة والإلكترونيات الدقيقة والطباعة الضوئية يمكن أن يساهم في صنع روبوتات دقيقة يمكن استخدامها في تطبيقات طبية شائعة، مثل الأدوات الجراحية والتشخيص وإعطاء الأدوية. وفي المستقبل، يمكن مثلًالروبوتات الدقيقة البالعة (وهي نوع من الروبوتات الدقيقة لها وظائف مشابهة لوظائف الخلايا البالعة الموجودة في مجرى الدم البشري)، أن تساعد في مكافحة العدوى عن طريق تدمير مسبّبات الأمراض الميكروبيولوجية باستخدام بروتوكول الهضم والطرح". تُعدّ مواكبة التقدّم العلمي في مجالات الطبّ والوراثة وعلم الأحياء من أهمّ التحديات التي يواجهها مستقبل الطبّ، في ظلّ غياب المبادرات الذاتية في صنع اختراعات علمية محليّة وابتكارها. إنّها مسألة تتطلّب التطلّع إلى ما يمكن أن يتحقّق في المدى الزمني البعيد، عبر المسارعة في الانخراط في صوغ مشاريع استشرافيّة في المجال الطبي، والمبادرة إلى ابتكار تقنيات ووسائل علاجيّة وطبية قادرة على مواجهة تحديات الثورات العلمية المستقبلية.

خامسًا: الأخلاقيات العلميّة الكونية: قراءة يف التحديات

لقد أفضى تنامي مخاوف العلمء من مخاطر التطوّرات الجديدة في الميدان الوراثي في جانبها السلبي إلى ظهور مواثيق ومعاهدات دولية تبحث في سبل استخدام الاختراعات العلمية لحمية حقوق الإنسان

إدوارد كورنيش، الاستشراف: مناهج استكشاف المستقبل، ترجمة حسن الشريف (بيروت: الدار العربية للعلوم، 2007)، ص.67 61 المرجع نفسه، ص.68 62 المرجع نفسه، ص.148 استشراف مستقبل المعرفة (دبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة؛ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2018)، ص.13

وحرياته الشخصية. وبناءً عليه، ألقت التقارير العلمية، المتعلّقة بدراسة الأخلاقيات الإحيائية وحقوق الإنسان، الضوء على مخاطر التطوّرات الجديدة في الميدان الوراثي، بهدف توفير إطار عمل يكفل احترام الخصوصية الجينية وعدم التمييز. ومن ذلك إصدار تقرير المجلس الاقتصادي والاجتمعي التابع للأمم المتّحدة الصادر في عام 2004 جملةً من التوصيات والتعليقات المقدّمة من الدول الأعضاء، يمكن أن نصوغها على النحو الآتي: حثّ الدول على عدم تعرّض أيّ شخص للتمييز على أساس المعلومات الجينية. مواصلة النظر في مختلف الآثار المترتّبة على مسألة الخصوصية الجينية، وعدم التمييز بالنسبة إلى الجوانب الأخلاقية والطبية والوظيفية المتّصلة بالتأمين، وغير ذلك من جوانب الحياة الاجتمعية، وفقًا للقانون الدولي العام، والقانون الدولي لحقوق الإنسان. تنظيم عملية الاختبارات الجينية على البشر، وحمية حقّ المواطنين في الخصوصية. 4. منع استنساخ البشر. وضع قانون وطني بشأن علم الوراثة البشرية، وفقًا للتوصيات الصادرة عن اللجنة الوطنية لأخلاقيات الطبّ، وحمية البيانات الجينية التي صدّقت على "اتفاقية أوفييدو" المتعلّقة بأبحاث الطب الإحيائي، والداعية إلى صون خصوصية البيانات الجينية، وتوفير الحمية من إساءة استعملها. الاضطلاع بعددٍ من النشاطات الرامية إلى حمية حقوق الإنسان في ميدان علم الوراثة البشرية، من خلال شعبة علم الوراثة الطبي داخل أقسام المستشفيات أو الجامعات، لإعداد تقارير للخبراء بشأن الخصوصية، والكشف عن البيانات وإجراء الاختبارات الطبية للأطفال، وتخزين المواد الجينية، والتشخيص السابق لظهور الأعراض. كم تؤدّي تلك النشاطات إلى توعية الأطبّاء والباحثين بتلك المسائل. إصدار القانون الأساسي رقم /15 1999 بشأن حمية البيانات الشخصية، بما فيها البيانات المستمدّة من الاختبارات الجينية. وقد نصّت المادتان الثالثة والسابعة من هذا القانون على أنّ البيانات الشخصية التي تشير إلى الأصل العرقي أو الصحّة أو الحياة الجنسية لا يمكن جمعها أو تجهيزها أو الكشف عنها إلّ بوجود تشريع ينصّ على ذلك لدواعي المصلحة العامة، أو بموافقة صريحة من الشخص المعني. وضع سياسات تمنع استخدام المعلومات الجينية على نحوٍيفتقر إلى العدالة والإنصاف، ويتّسم بالتمييز.

الأمم المتحدة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، "الخصوصية الجينية وعدم التمييز"، المكتبة الرقمية للأمم المتحدة، تموز/ يوليو  2007، شوهد في 2021/10/14، في: https://bit.ly/3aDb7cS

تشجيع الدول على إنشاء لجان تُعنى بالأخلاقيات الإحيائيّة، وتشجيع النقاش العام التعدّدي المستنير، وتعزيز التثقيف والتدريب في مجال الأخلاقيات الإحيائية، ودعوة المنظّمت الدولية، من قبيل اليونسكو، إلى الاستمرار في مساعدة البلدان في وضع الهياكل الأساسية الأخلاقية، حيث يمكن أن يستفيد الإنسان في كلّ مكان من أوجه التقدّم العلمي والتكنولوجي، في إطارٍ من احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وقد أكّد "الإعلان العالمي بشأن المجين البشري وحقوق الإنسان"، في عام 1997، أنّ الاعتراف بالتنوّع الوراثي للبشرية يجب ألّ يفسح المجال لأيّ تفسير ذي طابع اجتمعي أو سياسي من شأنه الطعن في ما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم وحقوق ثابتة ومتساوية. وإقرارًا بذلك، نصّ الإعلان المذكور في الفقرة الأولى من المادّة الثانية على أنّ لكلّ إنسان الحقّ في أن تحترم كرامته وحقوقه أيًّا كانت سمته الوراثيّة. وأضافت المادّة السادسة منه أنّه لا يجوز أن يعرّض أيّ شخص لأيّ شكل من أشكال التمييز القائم على صفاته الوراثيّة؛ الذي يكون غرضه أو نتيجته المساس بحقوقه وحرياته الأساسية، والمساس بكرامته. خصّص تقرير مفوّض الأمم المتّحدة السامي لحقوق الإنسان فصلً بعنوان "الأخلاقيات المنظّمة لعلم الأحياء"، أشار فيه إلى جملة من التوصيات والقرارات لحمية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ومنها تداعيات التطوّرات العلمية والتكنولوجية على حقوق الإنسان، ولا سيم في مجال التكنولوجيا الإحيائية، مثل معرفة تركيب الجينوم البشري. وقد أثارت هذه المسألة أسئلةً أساسية تتعلّق بكرامة البشر وحقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال، تحتاج مجالات، من قبيل الاستنساخ البشري، إلى أغراض التكاثر وتقاسم المنافع وتسجيل المواد الوراثيّة، والآثار المترتّبة على تطوّر التكنولوجيا الإحيائيّة في ما يتعلّق بالتمييز بين الجنسين، إلى الحرص لدى التعامل معها من منظور الحقوق والواجبات التي يفرضها قانون حقوق الإنسان. وأقرّ هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنّه لا يجوز لأي بحث يتعلّق بالجينوم البشري، ولا لأيٍّ من تطبيقات البحوث، ولا سيّم في مجالات البيولوجيا وعلم الوراثة والطب، أن يعلو على احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية والكرامة الإنسانية لأيّ فرد. وقامت اللجنة في قرارها /29 2003 الذي أشارت فيه إلى حقّ كلّ إنسان في أن يتمتّع بفوائد التقدّم العلمي، باسترعاء انتباه الحكومات إلى أهمية البحوث الجارية على الجينوم البشري وتطبيقاتها لتحسين صحّة الأفراد والبشرية جمعاء. وشدّدت في الوقت نفسه على ضرورة حمية كرامة البشر وحقوق الإنسان، فضلً عن حمية سرّية البيانات الوراثيّة. وبناءً على طلبٍ من اللجنة، عرضت اللجنة الفرعية لتعزيز وحمية حقوق الإنسان

ينظر: "الإعلان العالمي بشأن المجين البشري وحقوق الإنسان"، اليونسكو، خلال الدورة التاسعة والعشرين للمؤتمر العام لليونسكو، 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 1997، شوهد في 2021/10/14، في: https://bit.ly/3lALVds

أيضًا هذه القضية في دورتها الخامسة والخمسين، وأوصت بتعيين مقرّرٍ خاصّ لإجراء دراسة عن حقوق الإنسان والجينوم البشري (القرار /4 2003). نعتقد، إذًا، وفق ما انتهينا إليه، أنّ بناء رؤية إيجابية لمستقبل الطبّ يقتضي عملً مزدوجًا: النظر في القضايا العلمية ومواكبة التطوّرات التكنولوجية في المجال الطبي أوّلً، والاهتمم بالقضايا البيو-أخلاقية التي تثير إشكالات أخلاقية وقانونية ومجتمعية ثانيًا. وتهدف هذه الرؤية المستقبلية إلى ضمن الاستخدام السليم للتكنولوجيا المتقدّمة لمصلحة البشرية. دفع تنامي وعي المهتميّن بمجال الأخلاق العملية إلى مراقبة أعمل العلمء الذين يقومون بدراسة تأثير مختلف التجارب في الإنسان، قصد التحكّم في تصرّفاته وأوصافه. ولم يقتصر الخوف على مستقبل الإنسان الخاضع لتغيير التركيبة الوراثيّة، إنّا شمل أيضًا الخوف من تسريب ميكروب من جرّاء خطأ قد يحدث في أثناء القيام بالتجارب، فيتسبّب في انتشار الأوبئة الخطرة وإبادة البشرية. ولذلك خصّصوا مراكز ومؤسسات للقيام بدور الرقيب والوسيط بين المجتمع والعلمء، مثل مؤسسة هاستنغز (Institute Hastings) الأميركية، ومؤسسة كندي للأخلاق البيولوجية" (KennedyInstitute The Bioethics for)، ومؤسسة مجلس المجتمع والعلوم (Science and Society for Council The) الإنكليزية. وتنبغي الإشارة إلى أنّ هذه المراكز تقودنا إلى إثبات أهمية العمل الجمعي، باعتبار أن "استيعاب القضايا الأخلاقية المثارة في عصر الجينوم، وتقديم ملاحظات جادّة لها يقتضي توزيع دائرة المشاركين في العملية الاجتهادية وعدم الاقتصار على فريقي الفقهاء والأطبّاء فحسب".

خاتمة

أثار التقدّم العلمي والتكنولوجي في مجالات الطبّ والوراثة وعلوم الأحياء جملةً من الأسئلة، مدارها البحث في سُبل "أخلقة الواقع العلمي" وتوجيه الاكتشافات التقنية المتطوّرة نحو ضمن سلامة الإنسان وصحّته النفسية والجسدية. من هذا المنطلق، رصدنا في هذا العمل مسألتين بارزتين: بيّنت أولاهم الجوانب الإيجابية لعلوم الوراثة والجينوميات. وقد أظهرنا أهمية هذه البحوث العلمية الجديدة في تطوير حياة الإنسان والقضاء على الأوبئة والأمراض المعدية واكتشاف طفرات الإصابة بالفيروسات؛ فهي تساهم في التعرّف إلى التركيب الوراثي للإنسان قصد الاكتشاف المبكّر للأمراض والسيطرة على الأمراض الوراثيّة. وتقود هذه البحوث إلى

الأمم المتحدة، الجمعية العامة، تقرير مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الدورة الثامنة والخمسون، الملحق رقم 36 (A/58/36) (نيويورك: 2003)، ص 25، شوهد في 2021/10/14، في: https://bit.ly/3p2w8Gq محمد غالي، "علماء الشريعة ومنجزات الطبّ الحديث: التحديات الأخلاقية في عصر الجينوم نموذجًا"، تبيّ، مج 7، العدد 27 (شتاء 2019)، ص.36

التحكّم في الجينات الوراثيّة للإنسان من خلال زراعتها، أو إزالتها، عبر تقنية العلاج الجيني. وقد أدّت هذه التقنية إلى إنتاج أدوية معدّلة وراثيًّا الأشد فاعليّةً وسرعةً في علاج الأمراض. أمّا ثانيتهم، فرصدت النقاش الأخلاقي الذي طرحه علم الجينوم وعلم الوراثة. وهي نقاشات تدعو إلى الانفتاح على العلوم والمعارف المنوّعة وتوسيع آفاق البحث العلمي لمزيد تعميق النظر في الإنجازات الطبية الجديدة لحلّ الأزمات الصحية التي يواجهها العالم بأسره. وبناءً عليه، فقد تباينت الآراء بين مؤيّد لاستخدام التقنيات الوراثية الجديدة لما لها من انعكاسات إيجابية على حياة الإنسان الراهنة والمستقبلية، ورافض استخدام هذه التقنيات لما لها من تبعات أخلاقية تُثار حولها جملة من المسائل تتعلق بأخلاقيات استخدام تقنية العلاج الجيني أو الهندسة الوراثية، وما ينتج منها من انتشار عمليات الاستنساخ الحيوي والتحكم في التراكيب الوراثية للإنسان، ما قد يترتب عليه آثار سلبية في حياته. لا شكّ في أنّ الأسئلة التي أُثيرت بشأن مدى نجاعة هذه الإنجازات العلميّة، تفتح لنا باب النقاش واسعًا لمعالجة مساوئ استخدام التقنيات الطبية المستخدمة في اكتشاف الأمراض ومواجهة الأزمات الصحيّة. ولقد أفضى هذا الجدل الأخلاقي في تناول هذه المسألة إلى ظهور مواثيق ومعاهدات دولية عالمية لضمن الاستخدام السليم للتكنولوجيات المتطوّرة، والتشجيع على الإنجاز العلمي، وتطوير القواعد العلمية والتكنولوجية والتنظيمية والأخلاقية لخدمة الإنسان، وإنقاذ البشرية من الأوبئة والأمراض التي صارت تهدّد وجودها. تتطلّب المسألة إذًا انخراط العلمء والباحثين لدراسة مآل الإنسان في الدراسات العلمية المستقبلية، وإخضاع الإنجازات العلمية للمساءلة الأخلاقية، من أجل نحت نظرةٍ جديدة إلى الحياة من خلال مواكبة أحدث الاختراعات التكنولوجية في المجال الطبي، وتحديد مسارات البحوث المستقبلية والاستفادة منها. وهنا يبرز دور الأطبّاء في مساعدة رجال الدين من فقهاء وغيرهم لتكوين "تصوّر صحيح للمسائل الطبية الحديثة". في الحصيلة، يظلّ الانخراط الجاد في البحوث العلمية المتطوّرة ومواكبة أحدث الاختراعات التكنولوجية في المجال الطبي سبيلً من سبل الخلاص من المخاطر الصحية والوبائية التي تهدّد مصلحة البشرية. ويتطلّب الأمر توسيع مجال البحث في مثل هذه المواضيع الراهنة واستشراف آفاقه المعرفية، للوصول إلى مستقبلٍ آمن يوظّف الابتكارات العلمية لبلوغ أهداف ينتفع بها الجميع، والتفكير جدّيًا في سُبل الاستفادة من هذه الثورة البيوتكنولوجية، على الرغم من الجوانب السلبية كلها والمشكلات الأخلاقية التي أثارتها.

68 المرجع نفسه، ص.19

المراجع

References

العربية

استشراف مستقبل المعرفة. دبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة؛ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي،.2018 "الإعلان العالمي بشأن المجين البشري وحقوق الإنسان". اليونسكو، خلال الدورة التاسعة والعشرين للمؤتمر العام لليونسكو، 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 1997:. في https://bit.ly/3lALVds الأمم المتحدة، الجمعية العامة. تقرير مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان. الدورة الثامنة والخمسون. الملحق رقم 36 (A/58/36). (نيويورك: 2003:). في https://bit.ly/3p2w8Gq الأمم المتحدة، المجلس الاقتصادي والاجتمعي. "الخصوصية الجينيّة وعدم التمييز". المكتبة الرقمية للأمم المتحدة، تموز/ يوليو 2007:. في https://bit.ly/3aDb7cS البقصمي، ناهدة. الهندسة الوراثية والأخلاق. سلسلة عالم المعرفة 174. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1993. الجديع، عبد الله بن يوسف. "بحوث علم الجينوم في ضوء نصوص الكتاب والسنة: قراءة فقهيّة مقاصدية". تبيّ. مج 7، العدد 27 (شتاء 2019). جمل، بوغالم. "مشروع الجينوم البشري بين التقدّم العلمي والمأزق الأخلاقي". مجلّة أبعاد. مج 6، العدد 2 (2020). الخطيب، معتزّ. "الحدود الأخلاقية للتدخّل الجيني: النقاش الفلسفي والفقهي حول أخلاقيات التقنية الوراثيّة". تبيّ. مج 7، العدد 27 (شتاء 2019). روبير، أوديل. الاستنساخ والكائنات المعدّلة وراثيًّا. ترجمة زينة دهيبي. الرياض: المجلّة العربية،.2015 صدقي، مها علي فهمي. أساسيات علم الوراثة: الصفات والأمراض الوراثيّة. القاهرة: دار الفكر العربي، 2013. غالي، محمد. "علمء الشريعة ومنجزات الطبّ الحديث: التحديات الأخلاقيّة في عصر الجينوم نموذجًا". تبيّ. مج 7، العدد 27 (شتاء 2019). القحطاني، سعد بن حسين سعد. علم الخليّة والوراثة. الرياض: جامعة الملك سعود، 2013.

كاكو، ميتشو. فيزياء المستقبل: العلم يشكّل مصير البشرية عام 2100. الرياض: إصدارات المجلّة العربية،.2013 الكريع، فوزان سامي. "علم الجينوم من منظور إسلامي: التساولات العسيرة". تبيّ. مج 7، العدد 27 (شتاء.)2019 كورنيش، إدوارد. الاستشراف: مناهج استكشاف المستقبل. ترجمة حسن الشريف. بيروت: الدار العربية للعلوم،.2007 كيفلس، دانييل وليروي هود. الشفرة الوراثية للإنسان: القضايا العلمية والاجتمعية لمشروع الجينوم البشري. ترجمة أحمد مستجير. سلسلة عالم المعرفة 217. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1997 منظمة الصحة العالمية. التسلسل الجينومي لفيروس كورونا -سارس-2: دليل تطبيقي لتعظيم الأثر على الصحة العامة. جنيف: منظمة الصحة العالمية، كانون الثاني/ يناير 2021:. في https://bit.ly/3f4XRAf منظمة الصحة العالمية، المكتب الإقليمي لشرق المتوسط. الجينوميات والصحة في العالم. ترجمة أحمد مستجير. القاهرة: منظمة الصحة العالمية، 2004. ناصف، مصطفى. الوراثة والإنسان: أساسيات الوراثة البشرية والطبية. سلسلة عالم المعرفة. 100 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1990. واغنر، سينثيا ج. الاستشراف والابتكار والإستراتيجية: نحو مستقبل أكثر حكمة. ترجمة صباح صدّيق الدملوجي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009

الأجنبية

Annas, George & Sherman Elias. Genomic Messages, How the New Science of Genetics Affects our Health, Families and Future. San Francisco, CA: Harper One, 2015. Cohen, Daniel. "La connaissance du génome humain." Les Cahiers du MURS. no. 27 (1992). De Duve, Christian & Neil Patterson, Genetics of Original Sin: The Impact of Natural Selection on the Future of Humanity. Paris: Odile Jacob, 2010.

Elliot, Pierre. "Technologie et éthique: L'être humain au prisme des avancées en génétique, en biotechnologique et en intelligence artificielle, Cycle scientifique 2020-2023." Trudeau Fondation. at: https://bit.ly/3AqFeyV Ghaly, Mohammed (ed.). Islamic Ethics and the Genome Question. Studies in Islamic Ethics. vol. 1. Leiden: Brill, 2018. Gros, François. "Ethique et génome, recherche et applications." Les cahiers du MURS. no. 28, 2 ème -3 ème trimestre (1992). Knorr, Lawrence et al. After the pandemic, Visions of life post Covid-19. Pennsylvania: Sunbury Press, Inc., 2020. "L'ARN messager pourrait révolutionner la médecine." Trends-Tendances. 12/8/2021. at: https://bit.ly/3HUPByT Marazel, Éva. "Le clonage reproductif humain: Problèmes éthiques de l'identité du clone." Mémoire de Master 1 "Sciences humaines et sociales", Mention: Philosophie. Université Pierre Mendès, Grenoble, France, 2009-2010. Salgotra, Romesh Kumar & Sajad Majeed Zargar (eds.). Rediscovery of Genetic and Genomic Resources for Future Food Security. Singapore: Sprenger Nature Singapore, 2020. Scott, Dane. Food, Genetic Engineering and Philosophy of Technology, Magic Bullets, Technological Fixes and Responsibility to the Future. Cham, Switzerland: Springer, 2018. Stengers, Isabelle. "Que nous apprend la pandémie? pour un atterrissage des sciences." l'article collectif: Science sans confiance. Esprit: Comprendre le monde qui vient (Mars 2021). "The Future of Genomic Medicine." Génetic Engineering and Biotechnology News. vol. 40, no. 9 (September 2020).