العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التحول الرقمي ومستقبل العلوم الاجتماعية والإنسانية

التحول الرقمي ومستقبل العلوم الاجتماعية والإنسانية

Digital Transformation and the Future of Social Sciences and Humanities

غسان مراد

الملخّص

أثّرت الثورة الرقمية تدريجيًا في كل ميادين الحياة، ولامست معظم أبعاد العلوم الإنسانية والاجتماعية، وغيّرت، أو بالأحرى وسّعت، آفاق الرؤى الإبستيمولوجية المتعلقة بهذه العلوم. في هذه الدراسة، لا نعني بأتمتة العلوم الإنسانية والاجتماعية اختزال الرقمية إلى مجرد أدوات، بل تحديد أهميتها من خلال قدرتها على نمذجة الأنظمة المعقدة، وإقامة الروابط بين التكنولوجيا والعلوم الإنسانية بكل فروعها. لذلك، من المفترض إعادة النظر في المسارات الأكاديمية والمعرفية للعلوم الإنسانية، من خلال إدخال المعلوماتية والتقنيات في المناهج التعلّمية لطلاب العلوم الإنسانية والاجتماعية، من أجل مواكبة التغيرات، وكي تتأقلم هذه العلوم مع التغيير الرقمي، وتنتقل إلى ما نسميه "الإنسانيات الرقمية".

Abstract

ملخص:  أثّرت الثورة الرقمية تدريجيًا في كل ميادين الحياة، ولامست معظم أبعاد العلوم الإنسانية والاجتمعية، وغيّت، أو بالأحرى وسّعت، آفاق الرؤى الإبستيمولوجية المتعلقة بهذه العلوم. في هذه الدراسة، لا نعني بأتمتة العلوم الإنسانية والاجتمعية اختزال الرقمية إلى مجرد أدوات، بل تحديد أهميتها من خلال قدرتها على نمذجة الأنظمة المعقدة، وإقامة الروابط بين التكنولوجيا والعلوم الإنسانية بكل فروعها. لذلك، من المفترض إعادة النظر في المسارات الأكاديمية والمعرفية للعلوم الإنسانية، من خلال إدخال المعلوماتية والتقنيات في المناهج التعلّمية لطلاب العلوم الإنسانية والاجتمعية، من أجل مواكبة التغيرات، وكي تتأقلم هذه العلوم مع التغيير الرقمي، وتنتقل إلى ما نسميه "الإنسانيات الرقمية". كلمت مفتاحية:  الإنسانيات الرقمية، التحول الرقمي، حوسبة العلوم الإنسانية والاجتمعية، المحتوى الرقمي العربي. Abstract:  The digital revolution has gradually affected all fields of life and touched most dimensions of the humanities and social sciences, broadening the horizons of epistemological visions related to these sciences. Automating the humanities and social sciences does not mean reducing digital to mere tools, but rather defines its importance through its ability to model complex systems and establish links between technology and the humanities in all its branches. Therefore, it is necessary to reconsider the academic and cognitive paths of the humanities, by introducing informatics and technologies into the educational curricula for students of humanities, social and media sciences, with the aim of keeping pace with changes in order for these sciences to adapt to digital change and to move to what can be called digital humanities.

الكلمات المفتاحية:
  • الإنسانيات الرقمية
  • التحول الرقمي
  • حوسبة العلوم الإنسانية والاجتماعية
  • المحتوى الرقمي العربي
Keywords:
  • Digital Humanities
  • Digital Transformation
  • Computing in the Humanities and Social Sciences
  • Digital Arabic Content

Received التسلمRevised التعديل Accepted القبولDOI الرقم التعريفي https://doi.org/10.31430/THXN3832

Professor of Computational Linguistics and Head of the Center for Studies and Research at the Faculty of Letters and Human Sciences at the Lebanese University. E-mail: ghassan.mourad@ul.edu.lb

مقدمة

تشكّل الرقمنة الركيزة الأساس في عصرنا الحالي، وأحد الأسباب الرئيسة التي أدت إلى حدوث تحولٍ كبير في العالم، وهي تشكّل المستقبل. وقد بات الفرد فاعلً أكثر في عالمٍ مليء بالشاشات التي تجذب انتباهه رغمً عنه وتلزمه باقتنائها؛ إذ أصبحت أجهزة الكمبيوتر والإنترنت والهواتف المحمولة والتطبيقات والشبكات الاجتمعية أدوات لا غنى عنها لدى أفراد الجيل الحالي. فالإلمام بالتكنولوجيا، واستخدام وسائل التواصل، والرغبة في البقاء على اتصال مع الآخرين من خلال الشبكات، غيّت كلّها طريقة عملنا، وغيرت أيضًا طريقة استهلاكنا للمعلومات. إنّ هذه التغيرات التي تلحق المجتمعات تضعنا أمام مسؤولية مهمة معرفيًا لضمن أن يكون لهذه التحولات تأثير إيجابي في كل مناحي الحياة، ولا سيم عندما يكون التأقلم سريعًا وشبه كامل مع البيئة الرقمية. وتؤسّس الرقمنة أيضًا لثقافات جديدة تدفعنا إلى البحث عن رموز تعبيرية وثقافية واجتمعية جديدة تتناسب مع هذا التغيير الحاصل؛ ذلك أنَّنا في مرحلة بناء مفاهيم جديدة تتناسب مع التغيرات. إلا أنّ المسألة ليست سهلة؛ لأنَّ تداخل السلوكيات حاليًا يؤدي إلى تخبّطٍ في المجتمعات. فالآلة تقدّم خدمات متنوّعة تؤثر في العمل والفكر والأخلاق والنشاطات الاجتمعية والاقتصادية والفكرية، والخوارزميات باتت تسيطر على حاضرنا وتسيّ عملنا، وتتحكّم في مستقبلنا. وبتعبير آخر، تطرح التكنولوجيا من جديد إشكالية مفهوم الحتمية التقنية، ومرحلة انتقال الإنسان العاقل إلى "الإنسان التقني"، الذي بات أمام معضلة المحافظة على إنسانيّته وقيمه في مجتمع تغيّت بعض خصائصه الاجتمعية، وتداخلت ثقافاته مع الرقمنة، حتى دنا من مرحلة الانتقال إلى المجتمعات الافتراضية. فقد ولَّدت شبكة الإنترنت مجتمعاتٍ محلية موازية مفتوحة، من خلال التشارك والحوار في الأمور الحياتية، تمسّ تقاليد الناس وعاداتهم اليومية. إلا أنّ هذا التواصل الافتراضي من خلف الشاشات قد أضعف عمليات التواصل الحقيقي، وأسهم في انكمش المجتمعات المحلية وتحوّلها إلى مجتمعات خالية من القيم الإنسانية التي اعتدناها؛ ما أثّر في ثقافة الفرد وعاداته وتقاليده التي تحدد هويته الاجتمعية. وتعزّز الحياة المدنية التكنولوجيا المواطنة الرقمية التي تطبق قانون حقّ الوصول إلى المعلومات بوصفه شرطًا أساسيًا، وهي تنمّي قدرات ومهارات الفرد الذي أصبح مشاركًا في اتخاذ القرارات، وتحتّم عليه أن يكون على علم بما يجري حوله. ويستمر التحوّل الرقمي بإمكانياته المتزايدة في تحدي المفاهيم الأنثروبولوجية والإثنوغرافية التقليدية. وتثير فرضية إمكانية العيش في العالم الرقمي سؤالً بشأن الطرائق الجديدة للعيش، و"تنفّس الهواء الرقمي" الذي بات له "تأثير الأوكسيجين" في حياتنا اليومية،

Pierre Doray & Florence Millerand, "Déterminisme technologique," in: Frédéric Bouchard et al., Sciences, technologies et sociétés de A à Z (Montréal: Presses de l'Université de Montréal, 2015), pp. 66-69. Fabienne Greffet & Stéphanie Wojcik, "La citoyenneté numérique. Perspectives de recherche," Réseaux, vol. 184/185, no. 2/3 (2014), pp. 125-159.

علاوةً على كيفية دراسة هذه الطريقة الجديدة للوجود في العالم الجديد. ومن ثمّ، أصبح من الضروري إعادة تشكيل مفهوم الإنسان في ضوء الفضاء الرقمي ورقمنة الحياة. أصبح من الملحّ اليوم، أكثر من أي وقتٍ مضى، إعادة اكتشاف الإنسان ضمن الرقمنة، والتركيز على المخاطر التي يمكن أن تتسبب فيها، كالتلاعب بالبيانات، وعدم المسؤولية الفردية في ضوء التفاعل الاجتمعي؛ ذلك أنه من الممكن أن تؤدي زيادة التواصل والشفافية إلى نهاية الخصوصية، وفقدان الوظائف، وتقسيم المجتمع. فعلى سبيل المثال، يبذل الناس في العالم الحقيقي جهدًا عندما يذهبون إلى العمل، ويحتاجون إلى المزيد من الشجاعة للتواصل مع أشخاص جدد أو أشخاص يسعون لجذب انتباههم. أما باستخدام التطبيقات، فيمكن العثور على العديد من الأشخاص في وقتٍ واحد من دون جهد، كم أنّ بعضهم ليس لديهم الشجاعة لإنهاء العلاقات بالطريقة التقليدية، ويقومون بذلك عن طريق المراسلة الشفوية أو الرسائل النصية، وهم يتغذون بمعلومات حول طرف ثالث من خلال وسائل التواصل الاجتمعي. لذلك، من الضروري معالجة مشكلات المجتمع التي تنطوي عليها الرقمنة. وقد يقول بعضهم إنّ هذا يمكن أن يخلق عائقًا اجتمعيًا عندما يتعلق الأمر بالعلاقات المستقبلية. فأهمّ مشكلات العصر الرقمي هو التأثير السلوكي، والطريقة التي نتفاعل بها يوميًا في ظلّ وجود الشبكات الاجتمعية، حيث يكون لدى الناس رغبة مستمرة في البحث عن المعلومات، والتواصل، والتحكّم، وتوجيه أفكارهم إلى أشخاص آخرين وعوالم أخرى. ونشهد اليوم كثيرًا من المسلَّمت بشأن استخدام التقنيات والتغيّات الناجمة عنها على صعيد الفرد والمجتمع، واستخدام التقنيات والرقمنة في مجالَ تعليم وتعلّم المهارات الرقمية التي تتمشى مع سوق العمل خاصة. فقد أصبح تأثير وسائل التواصل في التعليم كبيرًا من خلال أهميته في الحياة اليومية؛ وهو تأثيرٌ أقوى من أي وقت مضى من خلال تطوير التقنيات والنشاطات التعليمية والممرسات الثقافية، إلا أنّ مجتمعاتنا ما زالت تواجه صعوبة في دمج التغييرات التي تلحق طرائق التعليم والتعلم مع الواقع، ولذلك لا بدّ من ترويض العملية التعلمية من خلال التنشئة الرقمية. وقد أدت هذه الاستراتيجية إلى بروز مفهوم "الإنسانيات الرقمية" لتأسيس علوم جديدة، من خلال بناء مفاهيم جديدة تقوم على المفاهيم السابقة، أي ما يسمى "الميتا إبستيمولوجيا"، وإبداع مفاهيم تتناسب مع التغيرات الحاصلة في العلوم، على غرار اللسانيات الحاسوبية التي تهدف إلى بناء برمجيات تعالج اللغة آليًّا من أجل بناء برمجيات تساعد المستخدم في عدة مجالات، من ضمنها التعلّم الإلكتروني. ويمكن الاستفادة من حوسبة اللغة العربية في عملية توسيم المحتوى الرقمي العربي من خلال عرض بعض التطبيقات الفعلية التي تمثّل جزءًا من العملية التعلمية.

غسان مراد، الإنسانيات الرقمية: ترويض اللغة في سبيل معالجتها آليًا وتساؤلات في ثقافة التكنولوجيا من أجل طرح علوم إنسانية جديدة (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر،.)2014

أولً: الحاجة إلى رقمنة العلوم الإنسانية والاجتمعية: نحو الاجتمعيات والإنسانيات الرقمية

يمكن مقارنة الثورة الرقمية اليوم بما حدث خلال عصر ظهور الطباعة؛ إذ إنها تفتح حقبةً علمية جديدة في العلوم الإنسانية والاجتمعية التي تخضع لتغييرات عميقة في أدواتها وممرساتها وأساليبها المتعلقة بكل تخصص. وقد شمل التطوّر التكنولوجي معظم مجالاتها، ومن بينها اللغة، وعلم النفس، والجغرافيا، والتاريخ، والإعلام، والعلوم الاجتمعية، والحقوق... إلخ. ومن ثمّ، باتت الحاجة إلى رقمنة هذه العلوم أمرًا لا بد منه. ونعرض في ما يلي بعض التحولات التي شملت بعض ممرسات العلوم الإنسانية والاجتمعية الإعلامية.

1. حوسبة اللغة

نعيش اليوم مرحلة الثورة الرابعة من الثورة المعرفية التي أدت إلى ظهور اللسانيات المعلوماتية (تقنيات حوسبة اللغة)، وهو علم متخصص في دراسة اللغات باعتمد أسلوب تطبيقيّ؛ أي إنه من المُفترَض أن يُصار إلى تشفير اللغة بوساطة الآلات عبر تنفيذ أوامر على نحوٍ تسلسليّ منظَّم تُسمّى خوارزميّات، وهي متعدّدة النسق والبنى المنطقيّة والقواعد. فمن جهة، من المهم أن يواكب علم اللسانيات الحديثة التطور التكنولوجي؛ فلم تعد الذاكرة المطبوعة هي الأساس، بل أصبحت متعددة الوسائط وعلى شرائح إلكترونية، وصارت سهلة التعديل والتغيير والنشر. ومن جهةٍ أخرى، جاءت الثورة داخل الثورة، وباتت المعلومات متشابكةً في ما بينها من خلال العلاقات التشعبية وترابط النصوص والوثائق. وبذلك، باتت الذاكرة الإنسانية متحركةً وغير ثابتة، وبات النص ديناميكيًّا بعد أن كان استاتيكيًّا، وباتت القراءة انتقائيةً بعد أن كانت خطيّة. ولذلك، ينبغي التعامل مع التقنيات على أساس أنها أمر واقع؛ فرفضها لا يساعدنا، وعدم فهمها لا يساعدنا أيضًا. ولذا، فنحن في حاجة اليوم إلى البحث عن رموز تعبيرية واجتمعية وثقافية تتناسب مع هذا التغير. ومن هنا، يتحتم علينا إدخال التقنيات إلى المجالات كافة، وخصوصًا اللغة التي تعدّ الوسيلة الأولى للتعبير. وتطرح الرقمنة إشكاليات إبستيمولوجية في الأساليب والطرائق التعليمية، سواء باستخدام الحاسوب والإنترنت أداةً للتعليم، أو باعتمد منهجيات تطبيقية داخل المؤسسات التعليمة والتعلّمية، والاستفادة الفعلية من المحتوى الرقمي العربي في التعليم والتعلم الذي لن يكون مثمرًا إلا من خلال تلاقح متبادل بين المعلوماتية بصفتها علمً، والثقافة بمفهومها الواسع بصفتها تعبيرًا عن الإنسانيات بعامة. إنّ هذا الأمر من شأنه أن يساعد على انتشار الثقافة العربية، وأن يساعد على الخروج من نطاق تلقّي سائر اللغات التي تفرض مصطلحاتها، ومن ثمّ مفاهيمها التي تبدأ بالتقنيات، لكونها المستخدمة، لأننا في حاجة إلى فهم الأجهزة، ثم ننتقل إلى المصطلحات الثقافية ونتبنّاها، ونتبنى بذلك المفاهيم الخارجة عن سياق مجتمعاتنا؛ لأنّ هذه التقنيات ولدت في سياقات اجتمعية مختلفة.

4 المرجع نفسه.

ولا يمكن الحفاظ على التراث والقيم وكلّ ما نملك وننتج من مكتسبات حضارية خلال العقود المنصرمة من دون استخدام اللغة العربية. ولا يمكن أن تتطور آليات النقد خارج نطاق تطور اللغة. وعندما نقول تطور اللغة، فذلك يعني مواكبتها للتغيرات الرقمية؛ تقنيًّا من جرّاء بناء برمجيات لمعالجتها آليًّا بالاعتمد على حوسبة اللغة، ثم من خلال تطوير الأدوات التي تسمح بإغناء المحتوى الرقمي العربي. فالإنسانيات الرقمية هي إبداعٌ في العلوم يتعلق أولً بالنشر الإلكتروني وبأبعاده النصية. فالنص الرقمي تغيّ شكلً ومضمونًا؛ إذ إنه بات متشعبًا. ويكمن هذا التشعب في عملية القراءة التي انتقلت من القراءة الخطية إلى القراءة المتشعبة. لهذا السبب ولغيره من الأسباب، علينا البحث عن نظريات جديدة في اللسانيات تتناسب مع تعلم اللغة العربية وتعليمها للناطقين بغيرها، وبناء منصات تعليمية للغة العربية. فالتغيير في طرائق الكتابة، والتغيير في طرائق القراءة، أعطيَا نظرة جديدة للنصوص، وأدّيَا إلى ملاحظة ظواهر لغوية جديدة لم تكن تؤخذ في الاعتبار سابقًا. فرقمنة الإنتاج العربي القديم والحديث في حاجة إلى برمجيات تتعامل مع هذا النوع من التساؤلات؛ ومن الصّعب أن تُنجز هذه الآليات المطلوبة لبناء التطبيقات من دون تعليم البرمجة وتعلّمها. لهذا، من المفترض أولً أن يُدخل القائمون على كلّيات الآداب المعلوماتية إلى أقسام اللغة العربية وكليات الآداب كافة.

2. حوسبة التاريخ والآثار

تعمل الرقمنة أيضًا على تحويل ممرسة التاريخ. ولذا، أصبح المؤرخ بين خيارين؛ إما أن يحتفظ بممرساته المهنية الكلاسيكية، وإما أن يتعامل مع ما تقدمه إليه التكنولوجيا. وإن اختار الخيار الثاني، فذاك يعني أنه يقبل الابتكار التكنولوجي ومساهمة الأدوات الجديدة التي تتناقض مع الجمود الأكاديمي. إنّ الابتكار والاهتمم بالأدوات الجديدة القادرة على تطوير وتعزيز الممرسات المتعلقة بعلم التاريخ والأشكال الجديدة للوصول إلى البيانات، من خلال رقمنة المستندات والوثائق الضخمة والتعرف إلى الأنماط والصور والتسجيلات والطباعة الرسومية والنصية اليدوية وتنظيمها إلكترونيًا ومعالجتها وتخزينها ونقلها مع المحافظة على جودتها، يؤديان إلى خلق ممرسات جديدة تواكب العصر. ومن ثمّ، فإنّ إعادة النظر في المفاهيم المعرفية والنظرية التي يستخدمها المؤرخون ستؤدي إلى تغيرات عميقة، تخلق منهجيات وطرائق قادرة على مواجهة عالم رقمي متغير باستمرار. يجب، أيضًا، تعريف طلاب الآثار ببرامج معالجة القرارات واتخاذها في مجال الآثار. ففي علم النقوش على سبيل المثال، إذا كان لدينا زخرفة معيّنة على السيراميك ذات لون وشكل معيّنين، يحتمل أن نتعرف إلى أصل هذا السيراميك، وإلى الحقبة التي ينتمي إليها. ومن الممكن في هذه الحالات أن نبني بنوكًا للمعلومات نخزن بها مجموعة من المعلومات، وأن نحصل، عبر خوارزميات مبنية على الاستدلال، على قرارٍ مناسب.

3. حوسبة الجغرافيا

تشارك الجغرافيا سائر العلوم الإنسانية والاجتمعية في مسار "المنعطف الرقمي". وقد ظهر علم الجيومعلوماتية (أو "الجيوماتيك")، وهو يستخدم الأدوات الرقمية ويطبقها على الجغرافيا. ومن ضمن هذه التطبيقات، نذكر نُظم التصوير الجوي، ونُظم المعلومات الجغرافية المتخصصة في التحليل المكاني والاستشعار عن بعد، وغيرها من الأقسام الجديدة التي تعتمد على التقنيات. وقد طُوّرت هذه النظم بحيث أصبحت قادرةً على الاندماج؛ فجرى دمجٌ بين نظم المعلومات الجغرافية ونُظم الاستشعار عن بعد ونُظم تحديد المواقع من أجل الحصول على المعلومات المتعلقة بالمواقع الجغرافية واستخدامها. كم أصبح من الممكن تحليل هذه البيانات وتفسيرها والاستعلام عنها؛ وذلك باستخدام الأدوات الرقمية التي تُزود بها هذه النظم. وتعتمد العديد من التطبيقات التي نستخدمها اليوم على نحوٍ بعيد على بيانات تحديد الموقع الجغرافي؛ إذ أصبحت التطبيقات المألوفة مرتبطةً بالإحداثيات الجغرافية. وقد أثبتت أنظمة المعلومات الجغرافية وجودها، وأصبحت شائعةً في أغلب الشركات والإدارات.

4. حوسبة علم النفس

في المعلوماتية وفي علم النفس، من بين أهم الأسئلة حاليًّا والتي تتعلق بالعلوم المعرفية، يُطرح سؤال هو: "هل في استطاعة الحاسوب أن يفكر؟". من جهة أخرى، استفاد علم النفس من المعلوماتية، وفتح آفاقًا جديدة؛ إذ تُعدّ المعلوماتية النفسية مجالً جديدًا متعدّد التخصصات يستند إلى مبادئ التفكير الحسابي (الرياضي والمنطقي والخوارزمي)، لاكتساب البيانات وتنظيمها وتوليها من أجل التوصل إلى التحليل النفسيّ. فظهرت أساليب جديدة متعلقة بعلم النفس قائمة على المعلوماتية، ومستندة إلى اكتشافات مناطق جديدة من الدماغ، إلى جانب الأساليب الكلاسيكية. وهذه الأساليب في تطورٍ مستمر، وتنتج نماذج نفسية تُستخدم لمعرفة سلوكيات الأشخاص الذين تجري ملاحظتهم من خلال الأدوات التقنية. فعلى سبيل المثال، يرى بعض الاختصاصيين النفسيين أنّ الأدوات الرقمية قد تُستخدم لعلاج الاكتئاب بديلً من الأدوية. وتعمل العديد من التطبيقات على تتبع الحالة المزاجية للأفراد، وهو نوعٌ من العلاج الإلكتروني الذي يركّز على كيفية التأثير في أفكار الشخص، وسلوكه، ومزاجه، ويمكن أن يكون بفعالية الأدوية نفسها من دون آثار جانبية. كم أصبح في إمكان الهواتف الذكية تحديد بعض الأعراض النفسية؛ إذ أصبحت بعض التطبيقات المتاحة على الهواتف الذكية تُستخدم بوصفها مسكّناتٍ؛ ومن ثمّ أهمية تكيّف التحليل النفسي والرعاية النفسية مع عصر الرقمنة.

Thierry Joliveau, "Une révolution numérique de la géographie ? Le cas de la géomatique," Histoire de la recherche contemporaine, vol. 9, no. 1 (2020), pp. 21-34. Denise Pumain, "Avec le numérique, la géographie s'applique," Cybergeo: European Journal of Geography, 15/6/2017, accessed on 12/7/2021, at: https://bit.ly/3yPH5xR

5. حوسبة الفلسفة

إن الرقمنة هي تحوّل يصيب العلم والمعرفة، ولدينا اليوم إمكانية وصول فوري إلى قدر كبير من المعلومات. لكن ليست كل المعلومات معرفة؛ فالمعرفة هي التحدي التالي لتكنولوجيا المعلومات. وتمثّل العلوم الإنسانية الرقمية مجال بحثٍ جديدًا ظهر مؤخرًا مع تطور التكنولوجيا الذي يغزو معظم المجالات، وهو يهدف إلى الجمع بين العلوم الإنسانية والاجتمعية والأساليب الرقمية. ونذكر أيضًا، من بين العلوم التي شملتها التكنولوجيا، الفلسفة التي مهدت للتقنيات وكانت أساس هذه الحضارة. يعتمد البناء المنطقي للبرامج على أسسٍ هي في الأصل فلسفية؛ وهي طرائق دقيقة جدًا تتميّز بكونها صالحة بصفتها نماذج عامة لطريقة إنتاج المعلومات من المعطيات الأولية. والخوارزميات هي المثال الأكثر شيوعًا على ذلك؛ إذ إنّ تعلّمها يتوافق مع ما يسمى "هيكلة الفكر". ويمكن تلخيصها على النحو التالي: توصيف المعلومات والعمليات الأولية، وتفكيك العمليات المركبة أو المعقدة إلى عمليات بسيطة، وإعادة تنظيمها بهدف تشكيلها من جديد. هذه ببساطة هي المبادئ العامة لتحليل المشكلات وتوليفها، والتي نجدها عبر تاريخ الفلسفة، وكذلك في تاريخ الخوارزميات، بوصفها منهجية أولية تتعلق بترميز المعلومات ونمذجة الواقع. ونفترض أنّ القواعد التي يقدمها الفلاسفة لحل المشكلات تعزز على نحوٍ بعيد من خلال ممرسة الخوارزميات. ويتمتع علم الحاسوب بامتياز مضاعف من حيث تفكيك المشكلة ومعالجتها باتباع تسلسل رياضي دقيق. إنّ تعليم الفلسفة في يومنا هذا يجب أن ينفتح على الأيديولوجية الجديدة التي تطرحها الرقمنة. وتوجد حاجة كبيرة إلى استخدامات تكنولوجيا المعلومات في الفصول الدراسية. وعلى وجه الخصوص، يجب أن نميّز بين ثلاثة أنواع رئيسة من الأسئلة: أولً، الأسئلة المتعلقة بتأثيرات الحوسبة، وأساسًا التأثيرات في التطور الثقافي والمعرفي (بما في ذلك الأولوية المعطاة للعقلانية التقنية)؛ ثانيًا، الأسئلة المتعلقة بالخطابات الأيديولوجية التي أنتجتها التكنولوجيا (الخلط بين الفكر والحياة والآلة، واختفاء أخلاق المسؤولية والالتزام باتخاذ القرار، وتعديل مفهوم الشخص، وكل ما يمكن أن يشمله مفهوم التكنوقراطية... إلخ)؛ وأخيرًا، مصدر حوسبة المجتمعات. إنّ عدم التعامل مع هذه الأسئلة أو طرحها بإيجاز واعتبارها سذاجةً فلسفية يُعدّ كلّه قدرًا كبيرًا من اللامسؤولية؛ لأنها، في نهاية المطاف، ستصبح أسس المفاهيم العامة المستقبلية؛ الاجتمعية، والثقافية، والفكرية، والأخلاقية، للإنسانية. ومن الناحية العملية - بعد ظهور آلات التفكير واتخاذ القرار - من المهم إعادة التفكير بشأن الوعي، والحياة، والفكر، والتقنية، والذاكرة، واللغة، والمسؤولية، والحرية، والقوة، والفن... إلخ. فطرائق التفكير تغيّت. ونطرح على سبيل المثال ملكة الخيال، وهي القدرة على تكوين الصور. أمن الممكن أن نفقد

لا يفوتنا هنا التنويه بأنّ أسس الخوارزميات تكمن في مجملها في "القياس المنطقي" (Syllogism) الأرسطي: "كلّ إنسانٍ زائل، سقراط هو إنسان، إذًا سقراط زائل"؛ وهي ركيزة البرمجيات والتطبيقات الرقميةكافةً.

القدرة على التخيل مع كلّ الصور التي يمكننا الوصول إليها على الشبكة أم أننا نكتشف علاقة أخرى بالصورة؟ بعيدًا عن الفرد، تعمل تكنولوجيا المعلومات على تغيير كل شيء في المجتمع. وقد ظهرت إلى الوجود "فلسفة التكنولوجيا"، وهي فرعٌ فلسفيّ تعالجه المدارس الفلسفية التقليدية ويتناول مواضيع تتعلق بالمجتمع والإبستيمولوجيا وعلم النفس وعلوم الهندسة والطبيعيات وارتباط هذه العلوم بالتكنولوجيا. وقد عمدت العديد من الكلّيات في الغرب إلى أتمتة تعليم الفلسفة وتشجيعها؛ كم عمد بعضهم إلى إدخالها ضمن مقررات فرع علم الحاسوب؛ كونها تنمّي الفكر المنطقي الذي يحتاج إليه تصميم الخوارزميات. فأصبحت ممرسة الطلاب ومساعدتهم في حل تمارين العمليات المنطقية تعتمد على الأدوات الرقمية، ثمّ إنّ التطبيق يمكن أن يجري مباشرةً من خلال برامج وتطبيقات مطورة تساعد على التعلّم الذاتي.

6. حوسبة العلوم الإعلامية

لقد بات تداخل المعلوماتية والتقنيات، بوجه عامّ، مع العلوم الإنسانية والاجتمعية والإعلامية من المسلمّت. ولذلك أصبح من المفترض أن تُعدّل مناهج التعليم لتدريس الإعلام؛ فالكتابة باتت مجزَّأَة ومتشعبة بعلاقات تشعبية في حدّ ذاتها، وباتت القراءة انتقائية أيضًا. ولذلك، من المفترض تمكين الطلاب من مهارات تساعدهم في إنتاج الوسائط الرقمية وتساعدهم على الابتكار. ومن ناحية أخرى، إذا كان الهدف هو تمكين الطلاب من الدخول إلى سوق العمل المتغيّ بالنسبة إلى حاجاته، وتدعيم المؤسسات الإعلامية التي تتغير فيها أساليب العمل لأسباب عديدة، منها ما له علاقة بالأدوات الرقمية، فينبغي إذًا تغذية الطلاب بكفاءات تجمع بين علم الإعلام والمعلوماتية بصفته علمً، وليس مجموعة أدوات طباعية. فالتغيرات الحاصلة في عالم الإعلام تحتّم على العاملين فيه، إضافة إلى المعرفة "الكلاسيكية"، أن تكون لديهم مرجعية معرفية في علوم الكمبيوتر تساعد على تصميم البرمجيات التي تستخدم في الإعلام، ومن ضمنها معرفة تقنيات المعالجة الآلية للغة، وأدوات البحث والتنقيب، وبناء المنصات الرقمية، وتصميم خوارزميات التطبيقات التي تتعلق بمهنة الصحافي - الرقمي.

7. حوسبة العلوم الاجتمعية والإنسانية

تدعو التكنولوجيا الرقمية الباحثين في العلوم الاجتمعية والإنسانية إلى تطوير تفكير جديد يسهّل انخراطهم في المجالات الرقمية؛ إذ ترتبط الأدوات والأساليب التي تستند إليها العلوم الإنسانية الرقمية

صلاح إسماعيل، "فلسفة التكنولوجيا"، معنى، 2019/9/8، شوهد في 2022/1/11، في: https://bit.ly/3ec4aBC Franck Rebillard, "L'étude des médias est-elle soluble dans l'informatique et la physique? À propos du recours aux digital methods dans l'analyse de l'information en ligne," Questions de communication, vol. 20 (2011), pp. 353-376.

بالعلوم الرياضية؛ ومن ثمّ تسمح الرقمنة بالمساهمة في إضفاء المزيد من الشرعية والموضوعية على البيانات الاجتمعية والإنسانية. وتكمن الحداثة الحقيقية في أنّ التكنولوجيا الرقمية لم تعُد مجرد أداة في خدمة البحث، بل صارت أداة بحث في حد ذاتها. فالباحثون اليوم يستخدمون الكمبيوتر وشبكة الإنترنت بصفتهم جزءًا من ممرسات عملهم؛ لأنّ البحث الرقمي بات يتحكم في نشر طرائق ومنهجيات مخصصة. وبصفة عامة، تُكّن استخدامات التطبيقات الرقمية الباحث في العلوم الاجتمعية والإنسانية من العمل على تطوير ممرساته لتناسب العصر الرقمي، وتصميم شبكات المقابلات، وبناء مناهج للمعالجة، وتحليل النتائج بوساطة التحليل الرياضي والخوارزميات، ودراسة تشابك الممرسات بوساطة أدوات التصميم والمقارنة. إذًا، بات من الضروري إعادة تعريف العلوم الاجتمعية والإنسانية لتتناسب مع متطلبات الرقمنة التي تغزو المجالات كافة، بدلً من المقررات التي تجاوز توصيفها أكثر من عشر سنوات، والتي تحدّ من قدرات التفكير الإبداعي.

ثانيًا: استراتيجيات المستقبل يف العلوم الاجتمعية والإنسانية يرتكز المجتمع الذي نعيش فيه على قدرة الإنسان على التعامل مع الرموز عن طريق التقنيات. فالمعلومات والمعرفة تشكّل كلّها حاليًا الموارد الاقتصادية والثقافية التي شكّلتها بدورها الموارد الطبيعية في العصر الصناعي. ثمّ إنّ هذا المجتمع يستند إلى قدرة الرجال على التعامل مع رموز وإشارات عن طريق التقنيات. وقد أتاحت التقنيات المتوافرة حاليًا التطوير المعرفي من خلال طرائق عديدة تذهب أحيانًا إلى أبعد من الأنماط الأحادية الاتجاه التقليدية للنشر المعرفي. وتعتبر التكنولوجيا محرّكًا ومطوّرًا على حدّ سواء، ولكنّها أيضًا مسرّع للعملية التفاعلية، ولنقل وتبادل ومشاركة المواطن في بناء المعرفة. ومم لا شكّ فيه أنّ "بطل" رواية الإلكترونيات، ومن ثمّ هذه التغييرات، هو الحاسوب الذي بات مألوفًا ويأخذ الكثير من الوقت للعمل والتسلية أيضًا. فقد دخل الحاسوب بقوةٍ في ممرساتنا الاجتمعية، وبدأ في إعادة تشكيل بعض عاداتنا الفردية والاجتمعية، وفرض عاداتٍ مختلفة وجديدة لم تكن سائدةً سابقًا. واستطرادًا، بدأ الحاسوب يساهم في ابتكار مفاهيم بأشكال محددة ومنظمة. وهنا يفرض السؤال عن إعادة تقييم كيفية نظرتنا إلى العالم وفهمنا له. لذلك سنرى أنّ التعقيدات الشديدة الناجمة عن المحتوى الدلالي على شبكة الإنترنت تطرح مشكلة، من الممكن نعتها بأنها خطِرة؛ بسبب تصنيفات الإنترنت

10 Dominique Boullier, "Les sciences sociales face aux traces du big data. Société, opinion ou vibrations?" Revue française de science politique, vol. 65, no. 5-6 (2015), pp. 805-828. 11 Nicolas Baya-Laffite & Bilel Benbouzid, "Présentation: Imaginer la sociologie numérique," Sociologie et sociétés, vol. 49, no. 2 (Automne 2017), pp. 5-32.

وتوفيرها لكميات هائلة من المعلومات، غير متجانسة جيّدًا، ومتعددة اللغات على وجه الخصوص ("إن كثرة المعلومات تقتل المعلومات"، كم يقال). وللإشارة، ترافق مجموعة متنوعة من البيانات الوصفية الوثائق الرقمية (Metadata). ومع ذلك، نلاحظ أنّ هناك عدم استغلالٍ كافٍ لهذا النوع من المعطيات. وفي الواقع إنّ جزءًا من المشكلة أكثر عمومية يتعلّق بالتصنيف الدلالي الذي يهدف إلى توفير مؤشرات تسمح بتحسين طرائق محركات البحث. وهكذا، من المحتمل أن يؤدي ذلك إلى إمكانية تقديم إجابات عن محرّكات البحث تكون أكثر مناسبة لما نفتّش عنه. ويجري الاهتمم بهذا الجانب على شبكة الإنترنت، نظرًا إلى كونه الوسيط بالمعنى التجاري. وإذا كان علم اللغة، في خلال مراقبته للإنتاج اللغوي (الملاحظ)، لا يمكن أن يتطور من دون أدوات نظرية للقيام بالعمل، على أساس أنّ هذه الأدوات هي المكوّن التفسيري للملاحظ، آخذين في الاعتبار العامل البشري ضمنيًّا جزءًا من العملية التحليلية، فمن المفترض أن يجيب الباحثون في علوم اللغة والنص والخطاب، وعلمء السيمئيات، عن الأسئلة المطروحة المرتبطة بالنصوص الرقمية. وإذا كانت هذه التساؤلات معالَجة في علم المعلومات والمكتبات لناحية الوصول إلى المعلومات، والتكشيف والمعايير، وغيرها، فعلى الباحثين في علوم اللغة "بناؤها"، وأن يسألوا أنفسهم أولً: "من أين نبدأ؟"؛ لأنها لم تبُنَ حتى الآن الأسس النظرية المرتبطة بالكتابة الرقمية في علم "النصّ، والتناصّ، والخطاب، والتفاعلية". فالتمثّل المعرفي لم يعد تطورًا لتمثيل الواقع، بل صار صناعةً له، وإعطاء سلطة للمعرفة من خلال الحوسبة والمعالجة الآلية للمعلومات والنصوص. وهنا لا بد من الإشارة إلى تخصّصات معمول بها سابقًا؛ لكي نلجأ إلى بناء مجالات علمية جديدة تحاكي هذه الظواهر، وقد برز علم الإنسانيات الرقمية التي هي وليدة التزاوج والتداخل والتبادل بين علوم المعلوماتية والعلوم الإنسانية. إنّ الإنسانيات الرقمية لا تغلق الباب على ما سبق، بل تفتح أبوابًا عديدة لإعادة تشكيل مفاهيم جديدة وصياغة علاقات مفاهيمية مصطلحية ظلّت سائدةً؛ حتى تتلاءم مع التغيير الحاصل في الإنسانيّات بصفتها علومًا؛ فهي عبارة عن بناء مفاهيم جديدة تتمشى مع التغيرات الرقمية. والأسئلة المطروحة في هذا السياق هي: هل هنالك تاريخ ونظرية لممرسة العلوم؟ وهل أنّ النظرية والتطبيق يرتبطان ارتباطًا وثيقًا؟ وهل هناك نمطٌ معيّ للنشاط العلمي ولممرسات الكتابة والقراءة؟ وكيف نستخدم على نحوٍ جيّد التقنيات؟ إنّها بعض أهم الأسئلة التي تراود حاليًا الباحثين في الإنسانيات والتربية. وقد أصبح معروفًا أنّ التقنيات أحدثت تغييرات في كل شيء، وأنها ليست فقط مجموعة أدوات وأجهزة، فهي غيرت في طرائق التفكير. وبما أننا دخلنا في عصر جديد لتمثّل المعرفة، فمن الطبيعي أن تحصل ارتدادات من جراء إدخال التقنيات إلى كل مجالات الحياة؛ لأنها غيرت في طبيعة العمل الذي أصبح مختلفًا. وعمومًا، ما زال طلاب العلوم الإنسانية في العالم وفي العالم العربي، حتى الآن، "متروكين" وحدهم أمام مصيرهم التقني، من دون أيّ دعمٍ منهجي استراتيجي لإرساء بيئة رقمية تتناسب مع التغيرات التقنية في

كليات العلوم الإنسانية والاجتمعية والتربوية والإعلامية. وما هو من المفترض القيام به هو العمل على أن تشكّل التقنيات جزءًا من أعملهم البحثية المتداخلة بين المعلوماتية وعلومهم الأساسية التي، بدورها، تتغير لكي تتلاءم مع العصر الجديد. فمن أهم مستلزمات دخول التقنيات إلى العلوم الإنسانية بناءُ بنية تحتية مادية وبشرية، لأنّ المعلوماتية لا يمكن أن تُكتسب بطريقة نظرية فقط، من دون اللجوء إلى تطبيقات فعلية ترتكز على النظرية وتحاكي المفاهيم العلمية. إنّ الإنترنت عالمية الوجود؛ فهي تُغني، لكنها في الآن ذاته تشوِّش عمل الباحث، لأنّ المشكلة ليست في الوصول إلى المعلومات أو كيفية إيجادها، بل في كيفية معالجة هذه المعلومات، وتدوينها، والاستفادة منها، وتجييرها لإنتاج معلومات جديدة ومعرفة علمية؛ فكل ذلك على أساس أنّ كل قارئ أصبح منتجًا. ولهذا الإنتاج آليات لم تكن موجودة سابقًا؛ إذ إنّ الكتابة الدلالية هي من سمت التفتيش عن محركات البحث ("غوغل"، مثلً)؛ فعلى الكتابة أن تكون معبرةً دلاليًا من دون لبس. إن مسألة الاستفادة المجدية من التقنيات مرتبطة بكيفية تعلمها، واكتساب المهارات الفعلية من ورائه؛ من أجل تأهيل الطلاب على طرائق البحث المعلوماتية بمنهج محترس. وفي بريطانيا، بدأ تدريس المعلوماتية الفعلية في مناهج التدريس ما قبل الجامعي؛ بالنظر إلى الحاجة إلى مصممين للتقنيات، وإلى مبرمجين معلوماتيين، وليس فقط إلى مستخدمين للتقنيات. فالمستخدم لا "يصنع" العلوم (مع أنّ الدراسات الحالية حول أهمية المستخدم في إنشاء وتصميم برمجيات معلوماتية تتمشى مع احتياجاته)، بل إنّ المصمم هو الذي يساهم في ذلك، والصراع في عالم الإنتاج المعرفي يجري على أساس يُؤمّن أدوات أفضل وأسهل للاستخدام. إنّ انفتاح العلوم بعضها على بعض، وتداخل الاختصاصات في ما بينها (أي العلوم الطبيعية والاجتمعية والإنسانية)، على أساس أنّ العلوم لم تعد أحادية التوجّه، والباحث لم يعد محصورًا في زاوية يمارس عمله البحثي من دون أن يكون على تواصلٍ مع سائر الفاعلين في مجاله البحثي وخارجه. ولهذا، لا يمكن أن تتفاعل العلوم إلا بإنشاء فرقٍ بحثية فيها المعلوماتيون وطلاب العلوم الاجتمعية والإنسانية. استطرادًا، هل من علاقة مفاهيمية بين العلوم الإنسانية والمعلوماتية؟ الجواب الأولي هو بالإيجاب. ويكفي أننا أطلقنا اسم لغات البرمجة على التطبيقات التي من خلالها نصمم البرامج؛ مثل برولوغ (Prolog)، وفورتران (Fortran)، وباسكال (Pascal)، وسي (C)، وجافا (Java)، وغيرها. ومن جهة أخرى، إنّ كل هذه اللغات تتّبع نظام البنية اللغوية في بناء البرمجيات، ولها - على غرار كلّ لغة (طبيعية

12 Ministère de l'Education Nationale de la Jeunesse et des Sports/ France, "Certificat informatique et internet de l'enseignement supérieur," Le bulletin officiel de l'éducation nationale, de la jeunesse et des sports, accessed on 12/1/2022, at: https://bit.ly/3EgIBdt 13 Department for Education/ UK, "National Curriculum in England: Computing Programmes of Study," Statutory Guidance, 11/9/2013, accessed on 11/1/2022, at: https://bit.ly/3FfWB8Q

أو اصطناعية) - بنية صرفية ونحوية ودلالية، ولكن من دون أن تكون مفرداتها متعددة المعاني على غرار اللغات الطبيعية. أما الخوارزميات التي تأتي في مرحلة تصميم التطبيقات، فهي، حتى الآن، ما زالت تتبع المنطق الأرسطي للقضايا في بعدها البنيوي والدلالي المبني على حل المسائل المعقدة بتجزئتها إلى مسائل بسيطة، وذلك بعد تحويله إلى منطق رياضي يتمشى مع طبيعة الحاسوب الفيزيائية. ولكن ما المهارات التي من المفترض أن يكتسبها طلاب هذه العلوم الإنسانية والتربوية والاجتمعية؛ لئلّ لا يكونوا مروجين لثقافات الآخرين، ولكي يكونوا مبدعين في ثقافتهم، ولئلّ يكونوا مجرد "سلعة" من ضمن السلع في السوق؟ فإذا كان كارل ماركس، بحسب عمر زرقاوي، قد توصّل إلى القول إنّ السلع هي وسيط التعامل الوحيد في المجتمع الرأسملي، فإنّ علاقة البشر بالسلع طغت على علاقتهم بعضهم ببعض؛ أي إنّ الإنسان نفسه تحوّل إلى سلعةٍ خاضعة لنسق التبادل السلعي. وهذا ما يمكن أن نقوله حاليًا عن الإنسان؛ إذ إنه تحوّل إلى معلومة بدلً من أن يبقى إنسانًا. فالإنسان بالنسبة إلى التقنيات هو وثيقة مثل سائر الوثائق، خاضع للطابع الصناعي للفرد أكثر مم هو خاضع لطبيعة الإنسان. وإذا كنا في مرحلة انحسار للتبادل وجهًا لوجه، واعتمدنا فقط على الصورة الافتراضية للآخر، فقدنا بذلك التواصل حتى في ما بيننا وبين أنفسنا. ولا يجري هذا التواصل إلا من خلال الوسيط الرقمي الذي يعطي الأنا الواقعية أنا افتراضية. وبذلك تكون قد طغت تقنيات التواصل على الأفراد المترابطين في ما بينهم رقميًّا، وتصبح هذه التقنيات هي الدال (الوسيط) بلا مدلول؛ وهذه هي الصنمية في حدّ ذاتها. فالصورة الافتراضية للذات أفقدتنا ارتباطنا بالواقع الفعلي، وبدأ يتشكل في العقل البشري نمط للذات غير النمط الفعلي والواقعي. وبذلك، لا نكون إلا وهمً لأمرٍ معيّ يُبنى من خلال ما نتصوره من رؤية الآخرين لصورنا. إنّ ما علينا التنبه إليه باكرًا هو مشاريع التحولات الرقمية التي ستنجم عن تقنيات "الميتافرس")Metaverse(، من خلال شبكات التواصل الرقمية ("فيسبوك"، وغيرها)، وعبر ألعاب الفيديو، أو عبر محركات البحث المختلفة؛ ذلك أنّ عدم فهمها، وعدم التعامل معها بحكمة، سيؤديان إلى تخبّطٍ في هوية الفرد، من جراء الخلط بين الواقع المعيش والواقع الافتراضي. فمن الناحية التقنية، سيكون هذا التحول أولً من خلال الانتقال من إنترنت ثنائية الأبعاد إلى إنترنت ثلاثية الأبعاد، إضافة إلى بنية تحتية بدأت تظهر معالمها مع الجيل الخامس للإنترنت التي ستسهل عملية تدفق البيانات بين المستخدمين.

عمر زرقاوي، الكتابة الزرقاء... مدخل إلى الأدب التفاعليّ(الشارقة: منشورات دائرة الثقافة والإعلام،.)2011 غسان مراد، دهاء شبكات التواصل الاجتماعي وخبايا الذكاء الاصطناعي (بيروت: جديدة شركة المطبوعات للتوزيع والنشر،.)2019 (Metaverse) هي جمع بين كلمة (Meta)، التي تعني "ما بعد" أو "ما وراء"، وكلمة (Universe) التي تعني "الكون"؛ بمعنى "ما بعد الكون" أو "ما وراء الكون". ويستخدم المصطلح لوصف مستقبلات الإنترنت حيث يمكن الوصول إلى المساحات الافتراضية والثابتة والمشتركة عبر "التفاعل الثلاثي الأبعاد" (3D)، أو "الواقع المعزّز" (Reality Augmented). ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أنّ شركة "فيسبوك" (Facebook) قد غيرت اسمها في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2021 ليصبح "ميتا" (Meta)، وذلك من أجل فصل الشبكة الاجتماعية عن الشركة.

ثالثًا: معالم مستقبلات العلوم الاجتمعية والإنسانية يف ظل الثورة الرقمية

1. التنشئة الرقمية وتطور عمليتَي التعليم والتعلّم

لم يعد يكفي أن ندرس التطبيقات الكتابية، بل علينا تخطي ذلك من أجل تدريس أساليب بناء قواعد البيانات، والإحصاء عبر برمجيات مختصة. ولتدريس المعلوماتية أسسٌ أكاديمية تساعد على اكتساب المعرفة؛ فهي تأتي على نحوٍ تدريجي تصاعدي، وهي في حاجة إلى تهيئة في الرياضيات والمنطق الرياضي، لكي يصبح الطالب قادرًا على بناء الخوارزميات وفهمها بما يتناسب مع قدراته العقلية وحاجاته في الاختصاص. ولتدريس المعلوماتية لطلاب غير متخصصين فيها، يلزمنا البدء بالمفاهيم الأولية للمعلوماتية والتعريف بخصائصها بصفتها آلة وأداة، ثم إبراز مجموعة من البرامج بهدف التوفيق بين النظرية والتطبيق؛ أي شرح المفاهيم وعرضها وترسيخها بالممرسة الفعلية، ما يعني أنّ تدريس برنامج معيّ يكون الدافع والوسيلة لفهم الفكرة. كم أنّ تعليم المعلوماتية يجب أن يكون مبنيًّا على استراتيجية شاملة لكلّ قسمٍ في الجامعة؛ بحيث تصبح استراتيجيةً تدخل في سياق سياسة وضع البرامج التعليمية المدروسة. ولتعليم المعلوماتية والخوارزميات أبعاد أخرى أيضًا، بدأت تأخذ مداها في ما يخص تقنيات الذكاء الاصطناعي. أولً، في ما يتعلق بتوليد النصوص آليًّا من جداول البيانات الرقمية المختلفة، ومنها على سبيل المثال توليد النصوص آليًّا من اللوائح الموجودة في ملاعب الكرة، أو من الجداول الرقمية في البورصة. ثانيًا، في ما يتعلق بتوليف النصوص لقراءتها من الروبوتات؛ إذ إنّ كل ذلك في حاجة إلى تدريس المعلوماتية بشكلها العلمي المتقدم، مصحوبًا بحوسبة اللغة العربية التي يُعمل عليها في عدة مراكز أبحاث في العالم. ولا نغفل عن أهمية تبسيط العلوم، التي لا تتعلق فقط بنشر المعرفة بين الناس عمومًا، بل إنها تتعلق أيضًا بإشكالية وظيفة العلوم التي عليها أن تسعى لخدمة المجتمعات وتطورها. ولكي ترقى العلوم إلى هذا المستوى، على عملية التبسيط أن تساهم في تمكين المعرفة الجمعية المرتكزة على تحقيق البناء الذاتي للأفراد. وقد بات تبسيط النص العلمي أمرًا لا غنى عنه في مجتمعاتنا العربية الموسومة عمومًا ب "استيراد" الإنتاج العلمي. أوسع كثيرًا من نطاق علوم المعلوماتية تهمُّ، إذًا، التحديات المتعلقة برقمنة المواد التعليمية كافة؛ ولكلّ مجالٍ رؤية تختلف عن الأخرى في ما يخص تغيرات منهجية التعليم ولا يمكن أن يقتصر التدريب الرقمي لأصحاب المهنة في مجال التعليم على الأدوات، ولكن ينبغي أن تكون القضية أكثر جدية معرفيًا. إضافة إلى ذلك، تفرض البيئة الرقمية على المجتمع التعليمي، بصفتها وسيلة للمعرفة، انتباهًا دائمًا، وتشجع على تطوير "الممرسات الدينامية" وعمليات التعلم عبر البحث والتجريب وتحليل المسائل،

وقد برزت أهمية تبسيط النص العلمي والمعلومة العلمية بجلاءٍ، وعلى نحوٍ أكبر، مع حلول جائحة كورونا التي عمّت كل شرائح المجتمع.

ولا سيم تعميم نشاطات القراءة والكتابة الفردية والجمعية في البيئة الرقمية (الكتابة التعاونية، والشروح، والنشر)، وأولً وقبل كلّ شيء، تعميم المعرفة والمهارات على الجهات الفاعلة في المؤسسات التربوية وغيرها، إضافةً إلى بناء استراتيجية تبادل مع الجهات الفاعلة في عالم التعليم العالي، والبحث، لطرح الأسئلة والعمل معًا في هذه القضايا. يعدّ التعليم الإلكتروني في حد ذاته عمليةً تمّ إنشاؤها بوساطة العلوم الإنسانية الرقمية، بل إنها من ضمن أول العلوم التي اعتمدت على المعلوماتية، وأسست لبناء برمجيات وتطبيقات معلوماتية تساعد في التعليم، كم أسست لإعادة بناء مفاهيم جديدة تتمشى مع التغيرات الرقمية، ذلك أنّ التعليم هو دائمًا في مرحلة إعادة تفكير؛ لأنّ العملية التربوية تتعلق بدراسة سلوكية الأفراد، وهذا - بحسب ما نعرف - من الدراسات الصعبة التي تؤدي إلى بناء استراتيجيات ثابتة. فالتفكير في المواد التعليمية، خاصةً بالنسبة إلى التقنيات الرقمية، هو التفكير في الإنسان أولً، وفي علاقته بمحيطه ثانيًا، وهو ما يشمل حاليًا الفضاء الرقمي. ويعبّ مصطلح الإنسانيات الرقمية عن مفهوم بحثي أكاديمي يتقاطع مع المعلوماتية والفنون والعلوم الإنسانية والاجتمعية، ويهدف إلى إنتاج المعرفة والاستراتيجيات للكيانات المعرفية الجديدة وتبادلها، عبر مجموعة من البيانات الرقمية. ومن المفترض، من أجل الانتقال إلى ثقافة الرقمنة، أن يكون المنهاج مرتكزًا على الإنسانيات الرقمية، وفهم التحولات العلمية والتقنية. وإذا أردنا أن نكون على مستوى التطور المستقبلي، فلا بد من التوجه نحو فهم تقنيات الذكاء الاصطناعي، بمستوياته كافة، أي بدايةً من بناء خوارزميات بسيطة للتنقيب عن المعلومات، وصولً إلى الإبداع في الترجمة الآلية لتقنيات تتعلق باللغة وبالفكر البشري. ويستخدم الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي (أو "التعلم العميق" Learning Deep) في تصميم الخوارزميات لبناء تطبيقات تدخل ضمن نطاق برمجيات تحاكي الذكاء البشري، وتساعد في التعليم الآلي والذكاء الجمعي والذكاء التشاركي. وتكمن أهمية هذه الاستراتيجيات في زيادة البيانات الرقمية على أنواعها، وسرعة تنفيذ الحاسوب للبرمجيات. ولا يمكن استخدام التعلم العميق إلا بوجود "البيانات الضخمة" (Data Big)؛ فالتعلم الآلي العميق في حاجة إلى كمٍّ هائل من البيانات لكي يطبق على نحوٍ فعّال، وهذا ما يمكن أن يساعد في إدخال الذكاء الاصطناعي إلى مجالي التعلم والتعليم. ويدخل علم البيانات في مجال "التعليم الآلي" (learning Machine) بعامة، وفي "التعليم الإلكتروني" (E-learning) بخاصة. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنّ عدم وجود بيانات في اللغة العربية يمثّل حاجزًا أمام التعلّم الإلكتروني ينبغي تجاوزه مستقبلً. فلا شك في أنّ تطبيقات التعليم الإلكتروني تمثّل رافعةً معرفية للمحتوى الرقمي باللغة العربية؛ والوصول إلى البيانات الضخمة باللغة العربية أمرٌ لا غنى عنه في عملية التحوّل وعملية تطوير برمجيات التعرف إلى الأصوات التي تساعد في بناء البرمجيات للتعليم وللقراءة الآلية والتوليف.

وقد راعى التعليم الإلكتروني المثلث الذهبي "المعلم – المعرفة - التلميذ"، مع إضافة الوسيط الرقمي الذي يؤدي دورًا في عملية التعليم. فإذا كان التعليم الكلاسيكي يراعي علاقة المعلم بالتلميذ، وعلاقة المعلم بالمعرفة، وعلاقة المعرفة بالتلميذ، فالوسيط يتفاعل مع الزوايا كافة؛ لأنه يؤثر في المعلم والتلميذ والمعرفة، ومن ثمّ يؤثر في البيداغوجيا والديداكتيك والتعليم بوصفها كلّها روابط مفاهيمية بين رؤوس المثلث. ويتعلّق التعليم الإلكتروني بالمعرفة والإتقان؛ وهو يركز على المخرجات بدلً من التركيز على العمليات والآليات الموجّهة إلى المدربين والطلاب والإداريين وصناع القرار. ولا يكفي اليوم تجهيز المدارس إلكترونيًّا (أجهزة لوحية رقمية، أجهزة عرض فيديو تفاعلي، وجهاز كمبيوتر محمول، ومحطة واي فاي... إلخ)، بل علينا تجهيز الكادر الإداري والكادر التعليمي لذلك؛ وهذا يتطلب رؤيةً استراتيجيةً تربويةً للوصول إلى ذلك. فمن الضروري أن تكون النشاطات الرقمية جزءًا من تعلم الطلاب، وينبغي أن تكون مكمّلةً لنشاطات التعلم الأخرى. ويساعد الذكاء الاصطناعي الطلاب في فهم الأسئلة والأجوبة، وفي عملية التقييم الذاتي، كم يساعد في عملية تأقلم المحتوى التعليمي مع قدراتهم، والمساعدة في الوصول إلى المعلومات الصحيحة، وبناء السيناريو التعليمي واللوحات القصصية. وتساهم هذه العملية في أن تصبح المعلومات أسهل للفهم وللحفظ وللتقبل، وبخاصَّة إذا كانت تدخل ضمن نطاق التطبيق في السياق الواقعي. وتؤدي هذه الأمور مجتمعةً إلى تطوير الواقع التعليمي، وتعمل على التنبيه وإثارة الرغبة في التغيير والتطور والإبداع. إنّ التنشئة التربوية الرقمية من خلال إدخال مادة التقنيات في المدارس والجامعات، بصفتها مقررات أساسية في العملية التعليمية، تعدّ من أسس التطور الاقتصادي والاجتمعي والثقافي. وإدخال هذا المفهوم إلى التعليم الإلكتروني هو من أنواع التجديد في العلوم كافة. ثمّ إنَّ التحديات المتعلقة بالرقمنة تتعلق بكل المواد التعليمية وبحسب المجالات التي تنتمي إليها كل مادة؛ فكل مجال يتأقلم مع التغيرات المنهجية للتعليم بحسب خصائصه. كم تفرض الوسائل المعرفية في البيئة الرقمية على المجتمع التعليمي تطوير الممرسات الدينامية وعمليات التعلم من خلال البحث والتجريب والتحليل، ولا سيم تعميم نشاطات القراءة والكتابة والنشر بأشكاله المختلفة، وتعميم المعرفة والمهارات على الجهات الفاعلة في المؤسسات التربوية وغيرها، إضافةً إلى بناء استراتيجية تعاون مع التربويين والاختصاصيين. وإذا كانت بعض نتائج التعليم الإلكتروني قد ظلّت تتأرجح بين الإيجابية الكليّة والسلبية الجزئية، فإننا نجد أنّ التطبيقات الإلكترونية مهمة جدًّا في عمليتَي التعلّم والتعليم بصفتهم من المفاهيم التي تقع داخل المنظومة الاجتمعية التي أصبحت شبه إلكترونية. ونذكر أن هذه المنظومة تتعلق بالمنظومة الثقافية، ومنظومة الأسرة، والمعتقدات، والتقاليد الاجتمعية. ولذا، ينبغي توظيف هذه المعرفة لتعطي نتيجةً فعلية تشمل مناحي المجتمع كافة، بهدف بناء الفرد في الحاضر والمستقبل؛ ليس بطريقة عشوائية

محمود عيسى، "المثلث البيداغوجي ودور الأهل في عمليّة التعلّم عن بعد"، بوابة التربية، 2021/2/16، شوهد في 2021/11/11، في: https://bit.ly/3e8yk8N

فردية، بل بتفاعل كلّ العاملين في المجال لضمن نجاح استراتيجيات التعليم الإلكتروني، على أساس أنه ليس جمعًا عشوائيًا بين التقنيات والتعليم، بل إنه يعني التفاعل بين قضايا الثقافة والقيادة والتنظيم والمواهب والتغيير. وتختلف متطلبات العولمة العالمية عن متطلبات عولمة التعليم. وتفترض هذه الأخيرة بناء برمجيات للتعليم تحاكي السياق الاقتصادي والاجتمعي والثقافي للبلد؛ لكي نحافظ على العملية التربوية داخل سياقها المحلي، من دون الوقوع في مطب التقليد الأعمى، وذلك من خلال الالتزام بالتقاليد التي تُعنى باللغة، والقيم، والغناء، والشعر، والأدب. ولا بد من الإشارة إلى أنّ التعليم واكتساب المعرفة من خلال الرقمنة من أهم أسس مجتمع المعرفة، على اعتبار أنهم يستندان بدورهم إلى رأس المال البشري الذي يشكّل البنية التحتية البشرية. ويمكن أن نتفادى خطر الوقوع في هيمنة التقنيات بالتعليم والتعلم لاحتواء الانتقال أو التحول الذي يصيب المجتمع؛ حتى يصبح المجتمع مُرتكزًا على المعرفة والتعلّم والمحتوى الرقمي. وبحسب صلاح فضل، ليس هناك سبيل إلى تجاوز المعوقات سوى بالتعليم والإعلام الرشيد والفن الجميل. وقد كان طه حسين عبقريًّا حين ربط بين التعليم ومستقبل الثقافة، ودعا إلى ضرورة تعميمه وتعميقه؛ فمراحل التعليم هي التي تطبع الفكر وتبني العقل وتكوّن الوجدان. وانطلاقًا من ذلك، ينبغي أن يتيح تعلّم استخدام الوسائط الرقمية – شأنها في ذلك شأن الوسائط التقليدية – اكتشاف القدرات واستثمرها، والتعرف على الكفايات وفهمها وتعلمها وإتقانها، وهو ما يتطلب بنيةً تحتية معلوماتية مناسبة لهذا التحول؛ من أجل تنمية الكفاءات التقنية، وجعل التعليم الإلكتروني ثقافةً من ضمن أسس التعليم. وعلى هذا التفاعل أن يكون ممنهجًا في فضاء افتراضي وواقعي متكامل بهدف إعادة هيكلة المؤسَّسة؛ لأنّ المعلوماتية باتت عنصرًا في المؤسّسات كافة. لذلك، من الضروري متابعة تطوير الإجراءات التربوية في خدمة مفهوم عولمة التعليم، من خلال العمل على المحافظة على القيم المحلية، وتأكيد أهمية العمل الجمعي والتواصل المباشر. ومن ضمن التطبيقات الرقمية، تعدّ تقنيات "المساق الهائل عبر شبكة الإنترنت المفتوحة") MOOC(من الاستراتيجيات الحالية التي تساعد في عملية التعليم والتعلم بحسب الأهداف، وبحسب المضمون. ثمّ إنها جزء من التكيّف الخاصّ بالتعليم باستخدام الوسائط الرقمية وإمكاناتها وفوائدها. وهذا يدخل ضمن نطاق ديناميات العلوم الإنسانية الرقمية التي هي عبارة عن تطبيقات ومفاهيم جديدة تتركز على ما سبق.

صلاح فضل، "رهانات المستقبل"، مجلة القافلة الثقافية (أيلول/ سبتمبر -تشرين الأول/ أكتوبر 2019)، شوهد في 2021/12/12، في: https://bit.ly/3FisGgc يُنظر في ذلك: طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر، ط 2 (القاهرة: دار المعارف،.)1996 "ما هو المساق الهائل المفتوح عبر الإنترنت؟"، مستقبل المعرفة، 2019/2/12، شوهد في 2022/1/11، في: https://bit.ly/3J7JF73

ولا ننسى تأكيد أهمية تبسيط العلوم في ظل هذا التحوّل؛ إذ يؤدي التبسيط دورًا كبيرًا في تثقيف المجتمع وتنمية العقل النقدي للمواطنين من خلال مساعدتهم على تدريب عقولهم؛ كي يتمكنوا من تحديد جودة المعلومات، وتنمية تفكيرهم النقدي، واكتساب المزيد من الموضوعية في المعرفة العلمية، واستقلالية أكبر في البحث عن المعلومات. ويخلق التبسيط، أيضًا، بيئةً مواتية للعلم من خلال السعي لتجنيد عدد كبير من العلمء من أجل الاستمرار في تطوير المعرفة والتقنيات حتى تتحسّن الظروف الثقافية في ظلّ وجود سباقٍ حقيقي للعلوم والتكنولوجيا في عصر الحرب الناعمة التي نعيشها اليوم. إلا أنّ الخطاب العلمي ما زال غير متجذر في عمق المجتمع العربي، ولم يحصل بعد أي تطوّر فعلي يخلّصنا من هذه الفجوة المعرفية التي لا سبيل إلى ردمها إلا عبر التوعية ونشر الثقافة وتطوير عمليتَي التعلّم والتعليم. إنَّ تبسيط العلوم ينبغي أن يكون فاعلًاليوم، ومن شأن عملية تعزيز ثقافة التعليم الإلكتروني إثراءُ المحتوى الرقمي العربي وإتاحته بسهولة، ونحن اليوم في حاجة إلى بناء مجتمع قادر على تبني هذه الثقافة وقيادتها. ومن دون تقبّل المجتمع للتعليم الآلي بصفته جزءًا لا يتجزأ من الحياة العملية اليومية، لن يكون لنشاطات التعليم الرقمي أي فائدة مستدامة.

2. رقمنة التراث

من أهم الأمور الجوهرية التي حصلت للإنسان خلال تاريخه، بحسب مارتن هايدغر، أنه متجذر في التراث. ولذا، ينبغي أخذ التراث على محمل الجد، بأوسع معانيه وآفاقه المرتبطة بالعلوم الإنسانية والاجتمعية الكلاسيكية (التاريخ، والأدب، واللغويات، والفن، والهندسة المعمرية)، لأنه أساس هوية المجتمع الثقافية. وبالرغم من بعض النظريات والأفكار الرافضة لمسألة ترقيم المخزون الثقافي بحجة الخوف من ضياعه في العدم الافتراضي، وبحجة عدم الحفاظ على القيم والعادات والتقاليد الراسخة في المجتمعات، يجب التعامل مع هذا الأمر جديًّا من خلال تأهيل الموظفين في إدارة الوثائق الرقمية. فالحفاظ على الوثائق يتعلق بفهم قوانينها وإدارة المحفوظات العامة لناحية تخزينها وحفظها وإعادة استرجاعها، إضافةً إلى تنمية مهارات التنقيب عن المعلومات والبحث في مصادر المعلومات، ومعرفة طرائق تصنيف وفهرسة الوثائق والاسترجاع الآلي للوثائق والتوثيق الإلكتروني. أما المحافظة على القيم والتقاليد، فهي تتعلق بممرسات الشعوب لمجموعة من المعايير الاجتمعية التي يكتسبها الأفراد في المجتمع بحسب درجة إحساسهم بالانتمء إلى هذا المجتمع أو ذاك. واليوم نحن في مرحلة ممرسات متناقضة بين من يقبل بتداخل الثقافة الشعبية مع القيم العالمية، ومن يريد حميتها من هذه القيم باعتبارها قيمً مستوردةً لا تتناسب مع المجتمع المحلي. إلا أنّ

سارة بكويل، على مقهى الوجودية، ترجمة حسام نايل (القاهرة: دار التنوير للنشر والتوزيع، 2019)، ص.390

التفاعل والتواصل المفتوح موجودان، ويجب أن نتعامل معهم على هذا الأساس، لأنّ المحاولة تَقِينَا خطر انزلاقين؛ الانزلاق المتسرع بين "فكَّ الانفتاح"، والانزلاق البطيء من الحاضر إلى الماضي بسبب الانغلاق. وتقترح الرقمنة أدوات رقمية لخدمة العلوم الإنسانية والاجتمعية، سواء منها الدراسات التقليدية، أو من خلال بناء منهجيات جديدة نظرية وتحليلية. وبهذا المعنى، نتساءل عن قدرة المساهمة المحددة للإنسانيات الرقمية على تمتين التراث ونشره، وعن المساعدة والقيمة المضافة إلى الرقمنة؛ بالنسبة إلى الأساليب التقليدية لجهة المتاحف، والإثنوغرافيا، والأدب، وعلوم اللغة، وغيرها من العلوم. فكيف يمكن أن تساهم الإنسانيات الرقمية في التطور بأكثر ديمقراطية للثقافة (علوم الإنسان والمواطنة)؟ وكيف يمكن تنظيم مساهمتها على نطاقٍ دولي؟ إنّ التراث يتأثر بتقنيات المعلومات. ومثلم يساعد أرشيف منتجات التعليم الإلكتروني في إدارة المؤسَّسات الحكومية والخاصة، فهو يساعد في حفظ التراث الوطني؛ ولذلك ينبغي أن نستفيد منها في الحفاظ على المخزون الثقافي العربي. ويرتبط المحتوى الرقمي بالمحتوى الثقافي ارتباطًا وثيقًا، وهو يشمل الحفاظ على التراث التاريخي، والطبيعي، والأدبي، والفني، والتراث المكتوب، والشعبي، والشفهي، والآثار. ويكمن دور التقنيات في رقمنة وحفظ الوثائق الرقمية والصور والنصوص والفيديو والصوت والموارد المختلفة، ثم في إدارتها ونشرها. وتُستخدم الشبكات، أيضًا، للاطلاع على ثقافة الآخرين، ويمكن استخدامها لنشر ما لدينا من ثقافة؛ لأنّ الرقمنة لا تلغي الثقافة قيمً وعادات. وفي ظلِّ صعود مفهوم المجتمعات الافتراضية، تبدو الحاجة إلى التأثير في الآخرين ملحّة، وكذلك التعريف بقيمنا وتقاليدنا، وخصوصًا أنها تقاليد وقيم ومعايير ما زالت قائمة، إلى حدٍّ ما، في العالم العربي قد فقدها الغرب ويحاول أن يحصل عليها؛ كالأمانة، والكرم، والعلاقات الأسرية، والعلاقات الاجتمعية المختلفة. لذلك، من المهم تغذية المحتوى الرقمي العربي باستمرار، وربطه بتطبيقات التعلّم الآلي الذي يشكّل جزءًا من التطبيقات التي تساعد على نشر الثقافة العربية بماضيها وحاضرها. في هذا المقام، ينبغي تأكيد أنّ التقنيات الرقمية غير منفصلةٍ عن سياقها الاجتمعي، سواء كانت تعليمية أو تعلمية أو غير ذلك. فحينم ترتبط هذه التقنيات بالبيئة الاجتمعية، سنشهد على نموّها اجتمعيًا؛ ذلك أنّ كل ما هو جديد ومبتكر لا يُقبل في المجتمع ما لم يدخل في سياق اجتمعي معيّ، ويمكن بعد ذلك أن يكون استخدام التقنيات سلطةً عندما نحوّل البيانات إلى معلومات من خلال استخدام المعرفة.

23 Dominique Vinck, "Les humanités numériques, c'est la dématérialisation du patrimoine culturel," in: Dominique Vinck (dir.), Humanités Numériques. La culture face aux nouvelles technologies (Paris: Le Cavalier Bleu, 2016), pp. 25-37.

3. صناعة المحتوى الرقمي العربي

يوجد ارتباط بين التنمية والمعرفة؛ فنجاح عمليات التنمية مرتبط بتطوير المجتمع عبر نشر المعرفة. ويعتبر إنتاج المحتوى الرقمي من أهم عوامل الانتقال من مرحلة الصناعة المعرفية التقليدية إلى مرحلة الصناعة الديناميكية للمعارف وتطوير القدرات والحثّ على الإبداع بهدف زيادة الإنتاجية. وتتيح تقنيات الرقمنة فرصًا جمّة لتخزين الثقافة العربية ونشرها وإغنائها؛ ومن ثمّ بدأنا نشهد في العالم العربي استراتيجيات جادة تسعى لصناعة المحتوى العربي وتشجيعه وإغنائه. وتهدف بعض المبادرات الجدية إلى وضع سياسات تحافظ على الخصوصيات الثقافية والاجتمعية، وتساعد على الانخراط مع ما يتناسب من الثقافات الأخرى. ومن هنا، تظهر أهمية تعزيز المحتوى الرقمي العربي على الشبكات المعلوماتية بهدف تقليص الفجوة المعرفية، ويجب تنظيم كل أشكال وكتابات الممرسات والقيم العربية وتأكيد تعزيز استخدام اللغة العربية بصفة لا لبس فيها في المجالات كافة، وإدخال حوسبة اللغة العربية في التعليم ودعم الترجمة الآلية. ونشير إلى أنّ خلق البيئة المواتية لصناعة المحتوى الرقمي العربي وتعزيزه أمران يعتمدان على استراتيجيات الأفراد والجمعيات التي تهتم بتشجيع البيئة الإبداعية، وتنمية الثقافة المجتمعية، ونشر كل ما له علاقة بالقيم والممرسات الاجتمعية. ويعتمد ذلك أيضًا، على نحوٍ أكبر، على عمل الدول والمؤسسات الرسمية التي تتعدّى حدود النشر الفردي إلى استراتيجيات على مستوى أوسع وأكبر تمكّن من إنتاج محتوى تنافسي ثري، وهذا يُعتبر ضمنًا فعليًّا لنجاح أرشفة الإنتاج الثقافي والحفاظ عليه. وعلى عكس ما كان معتقدًا في السابق، يُكن أن تسهم التقنيات في حفظ الإرث الثقافي والقيم والممرسات المختلفة، من دون الخوف من ضياعها؛ إذ إنها تبقى وتُؤرشف على نحوٍ مفيد للحاضر والمستقبل. وفي إطار السعي لبناء المحتوى الرقمي العربي وتعزيزه، يصبح من المهم إعادة بناء رموزنا الاجتمعية والثقافية بما يتناسب مع التغيير، بدءًا باللغة وبالنص. ونعني بالتغيير الحركة والإبداع وليس التقليد واتباع الآخرين. وتكمن هذه الحركة في منح حياةٍ للثقافة والقيم واللغة، من خلال التفاعلات الاجتمعية والثقافية النشطة التي تعدّ عنصرًا أساسيًّا في حياة الفرد وتحركاته داخل المجتمعات، وخصوصًا عندما

يكون هذا الانفتاح وهذا السعي نحو الاندماج مع العالم الرقمي مبنيين على أُطر وركائز واستراتيجيات وتصورات وخطوات عملية غير عشوائية وقادرة على مجاراة الواقع المتطور باستمرار. ومثلم أتاحت التقنيات الرقمية الترفيه التفاعلي، أدى التواصل الرقمي إلى منح المحتوى الرقمي سياقًا ثقافيًا جديدًا يتناسب مع الرقمنة والسلوكيات المتأثرة بها. ولذلك، بات من الضروري تطويع الحكايات القديمة في بيئة

24 Ghassan Mourad, "Arabic Digital Content and e-Learning Environment," in: SPHERE 2019 Proceedings, p. 70, accessed on 11/1/2022, at: https://bit.ly/3slmMau 25 مراد، دهاءشبكات التواصل الاجتماعي.

تتلاءم مع التواصل الرقمي. وفي السياق ذاته، يجب أن نفهم أن الثقافة الرقمية عالمية؛ ولذلك على العرب أن يشاركوا في بناء الصناعات الإبداعية والثقافية والألعاب كي تتمشى مع التقاليد والقيم العربية، وحتى لا تحتكر صناعتها دائمًا الثقافات الأخرى؛ ما يحول دون سيطرة ثقافة على ثقافة أخرى، ويسمح بالتشابك المتوازن بين الثقافات من خلال الحوار المتبادل، وتبيان دور كل مرحلة تاريخية في التطور الحاصل على مدى التاريخ. ففي أغلب الأحيان، يخفي الاعتمد على الغرب في نشر الثقافات ما قدمته الثقافة العربية إلى العالم، إلى درجة عدم ذكرها. إلا أنّ التقنيات ورقمنة الإرث الثقافي العربي ونشر الموروث وتطويره على الشبكة باللغة العربية أولً، وباللغات الأجنبية أيضًا، يمكن أن يؤدي إلى نشر الثقافة والإنتاج المعرفي العربي السابق والحاضر، وإلى فهمٍ أكبر للثقافة العربية وللشعوب العربية بعامة. وفي الجانب الثقافي، يزداد الطلب على المحتوى الثقافي المتعلق بعقائد الشعوب ولغاتها وعاداتها وقيمها الاجتمعية وتراثها الثقافي التاريخي وإنتاجها الإبداعي والفني. كم يفضّل المواطنون في الدول العربية الوصول إلى المحتوى المتعلق ببيئتهم قبل المحتويات التي تتعلق ببيئات أخرى. إلا أن أدوات صنع المحتوى المحلي المتعلق بالتراث الثقافي العربي الضخم وإتاحته ما زالت قليلة. لذلك، ينبغي زيادة الوعي بأهمية استخدام المحتوى المحلي وتشجيعه في الدول العربية، من خلال صانعي السياسات الوطنية والإقليمية، ومنتجي المحتوى. ويضمن تعاونُ الجهات المختلفة، بهدف رفع الوعي الثقافي المجتمعي واحتضان المواهب الإبداعية، إنتاجَ محتوى ذي جودة كافية، ويضمن الاستمرارية والاستدامة لمشاريع صناعة المحتوى الرقمي العربي أيضًا، وإثرائه، تبعًا للمعايير الدولية. إنّ تبني التحوّل الرقمي في المؤسّسات على اختلافها وتعزيز المحتوى الرقمي يؤديان دورًا في تحوّل المجتمع إلى مجتمع المعرفة، حيث تستوطن التقنيات، وحيث يكون الاقتصاد مبنيًّا على المعلومات بصفتها سلعة، ومستندًا إلى رأس المال الفكري بصفته مولّدًا للمعرفة الرقمية، وعلى آليات اكتساب المعرفة وإتاحتها عبر تسهيل تأمين التقنيات لأفراد المجتمع ليكونوا متساوين في الوصول إلى المعلومات والابتكار والإنتاج والإبداع؛ ذلك أنّ المجتمع يكتمل بكل طبقاته، كم أنّ البيانات تصبح معلومات من خلال تطبيق القواعد المعرفية التي تؤدي إلى تحويل المعلومات المولّدة إلى معرفة جديدة. وبذلك يخرج المجتمع من ثقافة استهلاك المعرفة إلى ثقافة إنتاجها، ويُبنى الإنسان وسط بيئةٍ رقميّة تتمشى مع القيم والعادات الاجتمعية المحلية من خلال عملية تنقية المعلومات التي لا تتناسب مع الثقافة العربية، وتنقية المعلومات الزائفة، وتنقية المعلومات المضرة التي لا تتناسب مع الأطفال والتعليم.

4. تعزيز المحتوى العربي على الشبكة

تدنّت نسبة المحتوى الرقمي العربي بنسبة 1 في المئة في آب/ أغسطس 2019، بعد أن كانت 1.6 في المئة في كانون الثاني/ يناير 2011، لتعاود الارتفاع بنسبة 0.4 في المئة في تموز/ يوليو 2021.

26 W3Techs - World Wide Web Technology Surveys, "Usage Statistics of Content Languages for Websites," accessed on 11/1/2022, at: https://bit.ly/3EjxvEJ

وتسعى المنظمت العربية الرسمية والخاصة إلى تبنّي سياسات وآليات تهدف إلى تغذية المحتوى الرقمي، وتحفظ التوازن بين التجدد والخصوصيات الثقافية، بهدف الحفاظ على القيم المحلية والتراث المادي وغير المادي، ونشر المعرفة. إلا أنّ هذه النتائج تظهر أنّ النشر باللغة العربية ليس بالمستوى المطلوب، كم تظهر ارتفاع النشر الرقمي في اللغات الأخرى، وخصوصًا في اللغات المفرطة في مركزيّتها، وفي مقدمتها اللغة الإنكليزية. إننا نعتقد أن المحتوى العربي لا ينبغي أن يكون حاضرًا في البيئة الرقميّة بصفة مكثّفة فقط، أي أن تكون نسبة حضور اللغة العربية عاليةً مقارنة باللغات الأخرى، بل يجب أن يكون هذا المحتوى دلاليًّا على نحو يمكن الاعتمد عليه خزانًا للمعلومات والمعرفة، وأن يُستخدم مدونةً يُعتمد عليها في تطبيقات الإنسانيات الرقمية المختلفة. إنّ إثراء المحتوى الرقمي ليس عمليةً تقنيّة أو ماديّة فحسب؛ إذ يجب تطوير قدرات المواطنين الفكرية، وتعزيز الإرث الثقافي العربي، ورقمنته على نحوٍ منظّم. وتعزّز التقنيات اللغات من خلال إقامة التنوع اللغوي وذلك بخلاف ما يُعتقد. وتحدّ الرقمنة من مركزيّتها؛ لأنها فضاءات مفتوحة للتعبير الحرّ في عالم متنوّع اللغات؛ ولذلك فإنّ إغناء المحتوى الرقمي العربي لا يجري من خلال القرارات، ومن خلال الارتكاز على السلوكيات الفردية فحسب، بل إنّ إثراء هذا المحتوى وتمكين الإنتاج باللغة العربية يحتاج أيضًا إلى دعم سياسي، وعمل جمعي لخلق مجتمع المعرفة. من الناحية التقنية، يتطلّب تعزيز المحتوى الرقمي العربي عدّة أمور، أهمها البنية التحتية، والمهارات، والترجمة الآلية، وتقنيات التنقيب عن المعلومات ومحركاته، وبناء مدوّنات (ذخيرة لغوية) باللغة العربية، وتطبيقات ال (XML)، والأنطولوجيات المختلفة للمجالات العلمية المختلفة، وتصميم شبكات دلالية باللغة العربية، والترميز والتعرف إلى الأحرف (OCR) والتوسيم، والتعرف الآلي إلى أسمء العلم، والتعرف الآلي إلى التعريفات والاقتباسات والملخّصات، والأرشفة الآلية، وتقنيات تسويق المحتوى، وتقنيات الذكاء الاصطناعي للرقمنة الآلية بشأن ما هو مكتوب سابقًا. نشير أيضًا إلى أنّ النصوص ليست وحدها ما يشكّل البيانات الرقميَّة، أي إنها ليست المادة الوحيدة التي يفترض أن تغذي الشبكة، بل ثمة دور كبير للوسائط المتنوعة (مع تكشيفها وتوسيمها). وإذا كانت التطبيقات المصمّمة للتعرف إلى الصور والفيديوهات، مهم كانت طبيعتها وشكلها، ترتكز على حوسبة اللغة، فإنها تستطيع أن تعالجها وتتعامل معها. ويساعد الاعتمد على البيانات الضخمة في كل المجالات في بناء البرمجيات التي تساعد على التعلّم والتثقف والترجمة الآلية والوصول إلى المعلومات. كم أنّ التطبيقات المخصّصة لمعالجة النصوص لا يمكن

نبيل علي ونادية حجازي، الفجوة الرقمية، سلسلة عالم المعرفة 318 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.)2005

أن تكون فاعلة إلا إذا كانت مصمّمةً للغة العربية، وباللغة العربية؛ لأنّ البرمجيات الخاصة بهذا المجال تتعلّق بخصوصية اللغة وظواهرها اللسانية ومحتواها الكمّي والنوعي. وهنا تكمن أهمية صناعة المحتوى العربي، نظرًا إلى دوره في تعزيز وجود اللغة العربية عالميًا، خصوصًا من خلال الترجمة الآلية للغة العربية والتنقيب عن المعلومات؛ ذلك أنّ الترجمة الآلية تحتاج إلى محتوى رقمي عربي ضخم وكمٍّ هائل من البيانات التي تتعلق بمختلف المجالات الإنسانية، وكلَّم زادت نسبة هذه البيانات، زادت قدرة الخوارزميات التنفيذية التي تساعد على الترجمة الآلية، وارتفع مستوى الدقة خلال البحث عن البيانات.

خاتمة

تعدّ الإنسانيات الرقمية تقنيةً عامة عالمية غير منفصلة عن الإنسان؛ وهي تتعلق بأدوات جديدة تساهم في تغيير رؤيتنا للأساليب الكلاسيكية، وتمثّل أيضًا تطورًا مبتكرًا، ولادة فروع معرفية تخصصية جديدة تحديدًا. ويوجد فيها دائمًا نوعٌ من "التفاوض" بين الماضي والحاضر، أو حتى نوع من "التواطؤ" في ما بينهم. ونحن في زمن السرعة ويمكن أن يجري، في وقت ما، الانتقال الفعلي. وفي أيّ وقتٍ، يمكن أن نروّض كلّ ما هو كلاسيكي راسخ لكي يحاكي التطور السيبراني. فكلّ ما يحدث اليوم هو ترويض للسابق، ويكفي الاطلاع على المصطلحات التي تعبّ عن المفاهيم المعتمدة في المجتمعات حاليًا وكثافتها حتى نرى أنها ترتكز على ما سبق، وهذا أمرٌ طبيعي؛ فلا انقطاع جذري في العلوم. وعندما نتحدث عن حضارة ما، فإننا حتمً سنتحدث عن قيمٍ. فعندما تحدّث لويس مومفورد عن ترابط التقنيات والحضارة في عام  1934، فإن هذه التقنيات لم تلبث أن انغرست في هذه الحضارة التي أصبحت حضارةً رقمية، تحمل في ثناياها نزعةً إنسانيةً رقمية. وهذه الثقافة الرقمية هي ثورةٌ داخل الذهن البشري أساسًا؛ أي إنها تغييرٌ جذري في الإدراك الفعلي للأشياء وللعلاقات. ومن ثمّ، يؤدي أيّ تغييرٍ في الملاحظ، أو أي تغيير في الأشياء الملاحظة، إلى تغيير في طرائق دراسة العلوم الإنسانية والاجتمعية وفي مناهجها. وهو ما سعينا في هذه الدراسة لإبرازه، من خلال تسليط الضوء على بعض أهم جوانب هذه الثورة الرقمية بالنسبة إلى مستقبل العلوم الاجتمعية والإنسانية، والاستراتيجيات الملائمة لمواجهة هذه التحديات، وخصوصًا منها الحرص على مكانة اللغة العربية الأم في هذا التحول الرقمي، والسعي لأتمتتها؛ من أجل مواكبة التطور من جهة، والحفاظ على هويتنا من جهة أخرى.

François Yvon, "Les deux voies de la traduction automatique," Hermès, La Revue, vol. 85, no. 3 (2019), pp. 62-68. 29 Lewis Mumford, Technics and Civilization (New York: Harcourt, Brace & Company, 1934). 30 Milad Doueihi, Pour un humanisme numérique (Paris: Éditions du Seuil, 2011).

المراجع

References

العربية

بكويل، سارة. على مقهى الوجودية. ترجمة حسام نايل. القاهرة: دار التنوير للنشر والتوزيع،.2019 حسين، طه. مستقبل الثقافة في مصر. ط 2. القاهرة: دار المعارف،.1996 زرقاوي، عمر. الكتابة الزرقاء... مدخل إلى الأدب التفاعلي. الشارقة: منشورات دائرة الثقافة والإعلام،.2011 علي، نبيل ونادية حجازي. الفجوة الرقمية. سلسلة عالم المعرفة 318. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2005 مراد، غسان. الإنسانيات الرقمية: ترويض اللغة في سبيل معالجتها آليًا وتساؤلات في ثقافة التكنولوجيا من أجل طرح علوم إنسانية جديدة. بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر،.2014 مراد، غسان. دهاء شبكات التواصل الاجتمعي وخبايا الذكاء الاصطناعي. بيروت: جديدة شركة المطبوعات للتوزيع والنشر،.2019

الأجنبية

Baya-Laffite, Nicolas & Bilel Benbouzid. "Présentation: Imaginer la sociologie numérique." Sociologie et sociétés. vol. 49, no. 2 (Autumn 2017). Bouchard, Frédéric et al. Sciences, technologies et sociétés de A à Z. Montréal: Presses de l'Université de Montréal, 2015. Boullier, Dominique. "Les sciences sociales face aux traces du big data. Société, opinion ou vibrations?" Revue française de science politique. vol. 65, no. 5/6 (2015). Department for Education/ UK. "National Curriculum in England: Computing Programmes of Study." Statutory Guidance. 11/9/2013. at: https://bit.ly/3FfWB8Q Doueihi, Milad. Pour un humanisme numérique. Paris: Éditions du Seuil, 2011. Franck Rebillard, "L'étude des médias est-elle soluble dans l'informatique et la physique? À propos du recours aux digital methods dans l'analyse de l'information en ligne." Questions de communication. vol. 20 (2011).

Greffet, Fabienne & Stéphanie Wojcik. "La citoyenneté numérique: Perspectives de recherche." Réseaux. vol. 184/185, no. 2/3 (2014). Joliveau, Thierry. "Une révolution numérique de la géographie ? Le cas de la géomatique." Histoire de la recherche contemporaine. vol. 9, no. 1 (2020). Ministère de l'Education Nationale de la Jeunesse et des Sports/ France. "Certificat informatique et internet de l'enseignement supérieur." Le bulletin officiel de l'éducation nationale, de la jeunesse et des sports. at: https://bit.ly/3EgIBdt Mourad, Ghassan. "Arabic Digital Content and e-Learning Environment." SPHERE 2019 Proceedings. at: https://bit.ly/3slmMau Mumford, Lewis. Technics and Civilization. New York: Harcourt, Brace & Company, 1934. Pumain, Denise. "Avec le numérique, la géographie s'applique." Cybergeo: European Journal of Geography. 15/6/2017. at: https://bit.ly/3yPH5xR Vinck, Dominique (dir.). Humanités Numériques. La culture face aux nouvelles technologies. Paris: Le Cavalier Bleu, 2016. Yvon, François. "Les deux voies de la traduction automatique." Hermès, La Revue. vol. 85, no. 3 (2019).