العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الخيال العلمي والتفكير في المستقبل عربيًا وعالميًا

الخيال العلمي والتفكير في المستقبل عربيًا وعالميًا

Science Fiction and Thinking about the Future Locally and Globally

مازن الرمضاني

الملخّص

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مفادها أنه على الرغم من أن الخيال العلمي ودراسات المستقبلات يتميزان بقدرٍ عالٍ من الدراية لاستشراف المشاهد البديلة للمستقبل، فإنّ هذه الدراية لم تؤدِّ إلى دعم تكاملهما المنهجي. وتُحاج بأنه مثلما تستطيع دراسات المستقبلات دعم الخيال العلمي بمقارباتها المنهجية ترصينًا علميًا له، فإن الخيال العلمي يستطيع أيضًا رفد دراسات المستقبلات بما يدعمها. تتطلع هذه الدراسة إلى بلورة رؤيةٍ بشأن إشكاليتين متداخلتين لهما علاقة بتسمية الخيال العلمي في حدّ ذاتها؛ تتناول الأولى إشكالية العلاقة بين الخيال والخيال العلمي، في حين تنصرف الثانية إلى إشكالية العلاقة بين العلم والخيال العلمي. وأخيرًا، تربط الدراسة موضوعة الخيال العلمي بالسياقات العربية، وبمستقبل العلوم والتكنولوجيا فيها، ولا سيما في ضوء المستجدات والتحديات التي أتت بها جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19).

Abstract

ملخص:  تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مفادها أنه على الرغم من أن الخيال العلمي ودراسات المستقبلات يتميزان بقدرٍ عالٍ من الدراية لاستشراف المشاهد البديلة للمستقبل، فإنّ هذه الدراية لم تؤدِّ إلى دعم تكاملهم المنهجي. وتُحاج بأنه مثلم تستطيع دراسات المستقبلات دعم الخيال العلمي بمقارباتها المنهجية ترصينًا علميًا له، فإن الخيال العلمي يستطيع أيضًا رفد دراسات المستقبلات بما يدعمها. تتطلع هذه الدراسة إلى بلورة رؤيةٍ بشأن إشكاليتين متداخلتين لهم علاقة بتسمية الخيال العلمي في حدّ ذاتها؛ تتناول الأولى إشكالية العلاقة بين الخيال والخيال العلمي، في حين تنصرف الثانية إلى إشكالية العلاقة بين العلم والخيال العلمي. وأخيرًا، تربط الدراسة موضوعة الخيال العلمي بالسياقات العربية، وبمستقبل العلوم والتكنولوجيا فيها، ولا سيم في ضوء المستجدات والتحديات التي أتت بها جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد.)19- كلمت مفتاحية:  الخيال، العلم، الخيال العلمي، الثورة العلمية، دراسات المستقبلات. Abstract:  This study stems from the problem that despite being characterized by a high degree of know-how to anticipate alternative future scenarios, knowledge from science fiction and future studies did not support their systematic integration. The paper argues that as future studies can support science fiction with its methodological approaches, science fiction can similarly support future studies. This paper seeks to crystallize a vision of two overlapping problems related to the naming of science fiction itself. The first deals with the problem of the relationship between fiction and science fiction, while the second addresses the problem of the relationship between science and science fiction. Finally, the paper links the topic of science fiction to Arab contexts, and to the future of science and technology, especially in light of the developments and challenges brought about by the COVID-19 pandemic.

الكلمات المفتاحية:
  • الخيال
  • العلم
  • الخيال العلمي
  • الثورة العلمية
  • دراسات المستقبلات
Keywords:
  • Fiction
  • Science
  • Science-Fiction
  • Scientific Revolution
  • Futures Studies

Received التسلمRevised التعديل Accepted القبولDOI الرقم التعريفي https://doi.org/10.31430/DICZ1741

دراسات المستقبلات بما يدعمها. تتطلع هذه الدراسة إلى بلورة رؤيةٍ بشأن إشكاليتين متداخلتين لهم علاقة بتسمية الخيال العلمي في حدّ ذاتها؛ تتناول الأولى إشكالية العلاقة بين الخيال والخيال العلمي، في حين تنصرف الثانية إلى إشكالية العلاقة بين العلم والخيال العلمي. وأخيرًا، تربط الدراسة موضوعة الخيال العلمي بالسياقات العربية، وبمستقبل العلوم والتكنولوجيا فيها، ولا سيم في ضوء المستجدات والتحديات التي أتت بها جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد.)19- كلمت مفتاحية:  الخيال، العلم، الخيال العلمي، الثورة العلمية، دراسات المستقبلات. Abstract:  This study stems from the problem that despite being characterized by a high degree of know-how to anticipate alternative future scenarios, knowledge from science fiction and future studies did not support their systematic integration. The paper argues that as future studies can support science fiction with its methodological approaches, science fiction can similarly support future studies. This paper seeks to crystallize a vision of two overlapping problems related to the naming of science fiction itself. The first deals with the problem of the relationship between fiction and science fiction, while the second addresses the problem of the relationship between science and science fiction. Finally, the paper links the topic of science fiction to Arab contexts, and to the future of science and technology, especially in light of the developments and challenges brought about by the COVID-19 pandemic.

Former Professor and Dean of the Faculty of Political Science, University of Mesopotamia, Baghdad. E-mail: dr.alramadhani@yahoo.com

مقدمة

التفكير في مآلات المستقبل ظاهرة إنسانية قديمة؛ فجذورها ممتدة في عمق التاريخ، وفي عمق الجغرافيا أيضًا. وقد تميزت هذه الظاهرة بخاصية التجدد؛ فتعاقب انتقال الإنسان من موجةٍ حضارية إلى أخرى، مثل التعاقب من الموجة الزراعية إلى الموجة الصناعية إلى الموجة المعلوماتية، قد أفضى إلى أن يكون التفكير الإنساني في المستقبل، في العموم، انعكاسًا للواقع الحضاري السائد. وبسبب هذه العلاقة، تميَّز تاريخ التفكير الإنساني في المستقبل بتحولات أساسية. وقد عبر كلٌّ منها عن انتشار نمط محدد من هذا التفكير. فابتداءً، كان هذا التفكير دينيًا، ثم أضحى فلسفيًا، ثم انتقل إلى أن يكون خيالً علميًا. ويعبّ التفكير العلمي في المستقبل عن نمطٍ من التفكير، حديث النشأة نسبيًا، يتخذ من مقاربات كمية أو كيفية، أو من الجمع بينهم، سبيلً علميًا لاستشراف مشاهد المستقبل، سواء كانت هذه المشاهد ممكنةً، أو محتملةً، أو مرغوبًا فيها. ويعبّ مفهوم "دراسات المستقبلات " (Studies Futures)، وهو المفهوم الأكثر استخدامًا بين الناطقين باللغة الإنكليزية على الأقل، عن هذا النمط من التفكير الذي يجد أيضًا انتشارًا عالميًا متزايدًا. وعلى الرغم من أن نمط التفكير العلمي في المستقبل يتميز بانتشاره العالمي، الذي لا يلغيه تباين نوعية هذا الانتشار بين عالمَي الشمل والجنوب، فضلً عن أهميته، فإنّه لا يحتكر التفكير الإنساني في المستقبل. فإلى جانبه ينتشر، منذ بداية القرن الماضي وعلى نحوٍ واسع، نمطٌ آخر ومختلف من التفكير، تعود بدايات جذوره الحديثة على الأرجح إلى القرن السادس عشر. وقد أضحى هذا النمط، منذ عام 1929، يسمى "الخيال العلمي" (Fiction Science). ومنذ تبلور الخيال العلمي، بوصفه رواياتٍ مستقبلية، ينصرف إلى البحث في مستقبل طيف واسع ومتنوع من المواضيع، وبمخرجات أفضت إلى أن يكتسب شعبيةً واسعة، فضلً عن تمتّعه بتأثيرٍ مهم في الإدراك الإنساني للمستقبل؛ وتؤكد ذلك نوعية الاستجابة الجمهيرية الإيجابية للوظائف التي يؤديها. ومم يدفع إلى ذلك أيضًا أنّ موضوع التفكير الخيالي العلمي في المستقبل لم يحظَ بعناية الدراسات المستقبلية العربية المنشورة، إلا نادرًا وعلى نحوٍ مختصر. لذا، تروم هذه الدراسة التذكير بأهمية الموضوع وجدوى تناوله من زوايا مختلفة، ولا سيم أنه يستطيع تغذية القدرة الإنسانية على التساؤل والتخيل والإبداع بما يدعمها ويرتقي بها إلى المستوى الذي يساعد على دعم استشراف مشاهد المستقبل بكفاءة ومهنية عالية.

لمزيدٍ من التفصيل في ذلك، ينظر: إدوارد كورنيش، الاستشراف: مناهج استكشاف المستقبل، ترجمة حسن الشريف (بيروت: الدار العربية للعلوم - ناشرون، 2007)؛ مازن الرمضاني، "دراسات المستقبلات: رؤية في إشكاليات المفهوم ومقاربات التوظيف"، في: استشراف للدراسات المستقبلية، العدد الأول (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص 192-161. يعدّ الأميركي هوغو جيرنسباك أول من منح في عام 1929 مفهوم الخيال العلمي تسميته الراهنة باللغة الإنكليزية (fiction:Science)، ينظر Mark Siegel, Hugo Gernsback, Father of Modern Science Fiction: With Selected Essays (San Bernardino: Borgo Press, 1988).

وفي ضوء ما تقدّم، تنطلق دراستنا من إشكالية محددة، هي أنّ الخيال العلمي ودراسات المستقبلات، وإن كانا يتميزان بقدرٍ عال من الدراية على صعيد عموم الجهد الإنساني لاستشراف المشاهد البديلة للمستقبل، فإنّ هذه الدراية لم تؤدِّ إلى دعم تكاملهم المنهجي، ومن ثم ارتقاء علاقتهم المتبادلة إلى آفاق أرحب. فهذه العلاقة ظلّت تتسم بالاضطراب والخشية من تحولها إلى صراع بين المستقبليين والروائيين الخياليين. ونرى أنّ الخصائص التي تتميز بها هذه العلاقة غير مبررة. فمثلم تستطيع دراسات المستقبلات دعم الخيال العلمي بمقارباتها المنهجية ترصينًا علميًا له، فإن الخيال العلمي أيضًا يستطيع رفد دراسات المستقبلات بما يدعمها. فدوره مهم ومفيد؛ ولا يرد ذلك إلى نوعية تأثيره في تهذيب الرؤى الشعبية عن المستقبل فحسب، وإنما أيضًا لأنه يتوفر على إمكانية سدّ الفجوة بين صور المستقبلات وبين الأفعال التي لا بد منها لترجمة هذه الصور إلى واقعٍ ملموس. ومن ثمّ، يعدّ الخيال العلمي أداةً أدبية مهمة قادرة، كم يؤكد المستقبلي الأسترالي ريتشارد سلوتر، على "مدّنا بالخيارات والاحتملات التي نستطيع من خلالها الاختيار والمفاضلة، أو بها نبدأ الجدل والنقاش". وانطلاقًا من إشكالية الدراسة تتحدد غايتها البحثية، والتي هي في الأساس معرفية ومركّبة. فمن ناحية، هي تتطلع إلى بلورة رؤيةٍ بشأن إشكاليتين متداخلتين لهم علاقة بتسمية الخيال العلمي في حدّ ذاتها. ففي حين تتناول الأولى إشكالية العلاقة بين الخيال والخيال العلمي، تنصرف الثانية إلى إشكالية العلاقة بين العلم والخيال العلمي. ومن ناحية أخرى، فهي ترنو إلى التعريف بالاتجاهات الأساسية والممتدة عبر الزمان، التي تشير إليها روايات بعض رواد الخيال العلمي. وبناء عليه، تعمد الدراسة إلى الإجابة عن تساؤلات رئيسة تهمّ مفهوم الخيال العلمي، وطبيعة العلاقة بين الخيال والخيال العلمي، وطبيعة العلاقة بين العلم والخيال العلمي، والاتجاهات الرئيسة التي تفيد بها روايات الخيال العلمي. ومن ثم تنتقل إلى ربط موضوعة الخيال العلمي بالسياقات العربية، وبمستقبل العلوم والتكنولوجيا فيها، لا سيم في ضوء المستجدات والتحديات التي أتت بها جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد.)19-

أولً: مفهوم الخيال العلمي

يُسائل الخيال العلمي دور التكنولوجيات الحالية والمستقبلية وأهميتها وتكاليفها وفوائدها، ويقدم أفكارًا يمكن أن تؤثر في الرأي العام وفي الفاعلين. ويرى بريان ستابلفورد أنّ الخيال العلمي من شأنه أن يحدّد نظرة الأفراد إلى العالم، من خلال تعديل المواقف تجاه أهمية العلوم والتكنولوجيا الحالية

Richard A. Slaughter, The Foresight Principle: Cultural Recovery in the 21 st Century, Praeger Studies on the 21 st Century (Westport, CT: Praeger Publishers, 1995), p. 86.

والمستقبلية. وينحو مارشال تيمن نحوه على أنّ الخيال العلمي، بوصفه أدبًا، يؤهلنا لقبول التغيير باعتباره أمرًا طبيعيًا وحتميًا. ونظرًا إلى أنّ التغيير هو نتيجة طبيعية للبحث العلمي التطبيقي، فقد استخدم الباحثون الخيال العلمي أداةً لتقديم الاستعارات والتشابهات والنمذج التي تصف نتائج أبحاثهم. فقبول الإنسان للتغيير أمرٌ صعب، ويقاوم بيانات الحقائق الموثوقة، كم تمّ تحديد ذلك في الدراسات النفسية والاجتمعية التطبيقية. ولذا، فإنّ الخيال العلمي عاملٌ فعال للتغيير، وله "تأثيرٌ توجيهي" في تفسيرات الناس للعلم، كم اقترح ذلك ستابلفورد. وهو نفسه ما يرشح من خلال مقالة "الخيال العلمي حينم يكون المستقبل الآن" التي صدرت في كانون الأول/ ديسمبر 2017 في المجلة العلمية نيتشر)Nature(. يصف الخيال العلمي طريقةً في التفكير والإدراك، ومجموعة أدوات من المناهج لوضع المفاهيم، ذات الصلة بالتغيير الاجتمعي - التقني السريع والواسع الانتشار، والتأثير فيه والعيش من خلاله. ويعبر مفهوم الخيال العلمي عن مقاربة خاصة، تنبع خصوصيتها من أنها تجمع في آنٍ بين نمطين مختلفين من التفكير، ولكنهم مع ذلك متفاعلان إيجابيًا: نمط يتأسس على إحدى أدوات التفكير ما قبل العلم، هو الخيال، ونمط آخر يجعل من أدوات العلم ركيزته الأساسية. وهذا الجمع بين الخيال والعلم هو الذي أسس لبروز مقاربة الخيال العلمي منذ عشرينيات القرن الماضي، بوصفه من أبرز الروايات الأدبية التي تجعل من المستقبل موضوعها الأساسي. وكم أنّ هذه المقاربة تجمع بين مفهومي الخيال والعلم، فهي تجمع أيضًا، بتوازن في العموم، بين خصائص التفاؤل والتشاؤم في الوقت ذاته. فأدب الخيال العلمي، كم تقول الروائية سعيدة خلوفي "ليس تشاؤميًا خالصًا؛ ولا هو بالمتفائل تفاؤلً ساذجًا".

Brian Stableford, "Notes Toward a Sociology of Science Fiction," Foundation: The Review of Science Fiction, vol. 15 (January 1979), pp. 28-40. Marshall B. Tymn, "Science Fiction: A Brief History and Review of Criticism," American Studies International, vol. 23, no. 1 (April 1985), pp. 41-66. Olivia Bina et al., "The Future Imagined: Exploring Fiction as A Means of Reflecting on Today's Grand Societal Challenges and Tomorrow's Options," Futures, vol. 86 (February 2017), pp. 166-184; Aaron Toscano, "Using I, Robot in the Technical Writing Classroom: Developing a Critical Technological Awareness," Computers and Composition, vol. 28, no. 1 (2011), pp. 14-27; Miroslav Kotasek, "Artificial Intelligence in Science Fiction as A Model of The Posthuman Situation of Mankind," World Literature Studies, vol. 7 (2015), pp. 64-77. James O. Prochaska, Carlo C. DiClemente & John C. Norcross, "In Search of How People Change: Applications to the Addictive Behaviors," American Psychologist, vol. 47, no. 9 (September 1992), pp. 1102-1114. 8 Stableford. Lauren Beukes et al., "Science Fiction When the Future is Now," Nature, 20/12/2017, accessed on 16/1/2022, at: https://go.nature.com/3aGuJgp 10 Sherryl Vint, Science Fiction (Cambridge, MA: The MIT Press, 2021), p. 84. 11 Thomas Lombardo, Contemporary Futurist Thought: Science Fiction, Future Studies, and Theories and Visions of the Future in the Last Century (Bloomington, IN: Author House, 2006), p. 12. سعيدة خلوفي، "أدب الخيال العلمي بين المصطلح والمقولة الإيديولوجية"، أنفاس نت، 2013/10/2، شوهد في 2022/1/15، في: http://bit.ly/2gUXYBo

وقد أدّى تعدّد خلفيات الذين تناولوا الخيال العلمي وتباينها، وانعكاساتها على مضامين رواياتهم، إلى أن تتعدد المسميات التي تمّ سحبها عليه. فمثلً، قيل إنه أدب المستقبل، أو أدب التنبؤ، أو أدب التغيير، أو أدب الأفكار، وما إلى ذلك. ومن جهتنا، نذهب إلى أنّ تسمية أدب المستقبل هي الأصح، وذلك لأنّ جلّ رواياته تنصرف عمليًا إلى استشراف المستقبل. وكم تتعدد هذه المسميات، تتعدد الرؤى في شأن مفهومه. فمثلً، قيل إنه يعبّ عن: "الانتقال في آفاق الزمن على أجنحة الحلم المطعّم بالمكتسبات العلمية"؛ وإنه يشير إلى "المحكيات الروائية أو القصصية التي تتجلى فيها الافتراضات العلمية والتقنية من خلال البنية السردية، وتتمحور حول حدث يقع عمومًا خارج عالمنا المكاني أو الزماني"؛ أو إنه "وسيلة يتم خلالها الانتقال في آفاق الزمن، على أجنحة التأمُّل الممزوج بالتطوّرات والمكتسبات العلمية". وبالقدر الذي يتعلق بنا، نرى أنّ الخيال العلمي هو نمطٌ من التفكير يعبّ عن حصيلة العلاقة الطردية الموجبة بين خيال أحد الرواة ومخرجات العلم والتكنولوجيا السائدة في وقته. وتبعًا لذلك، فهو يفيد بنمطٍ من الخيال الروائي المستقبلي الذي تتميز مضامينه بأنها ترسم صورًا لأشياء إما لم تحدث أبدًا، أو إنها لم تحدث بعد؛ وهي تنقل الإنسان عادةً إلى المستقبل، لا سيم البعيد. لقد أصبحت أفلام الخيال العلمي تشكّل توجهًا جديدًا في الإنتاج، بعد أن كانت محدودةً قبل أن يهبط الإنسان على القمر عام 1969. والشيء ذاته ينسحب على شركات الإنتاج التلفزيوني التي أصبحت تتنافس على إنتاج روايات تتناول رحلات خيالية تشدّ الناس إلى المستقبل. وصارت المجلات أيضًا تتنافس في نشر مثل هذه الروايات، علمً أن بعض المجلات العلمية صارت تختص بالخيال العلمي، ومنها مجلة.)Science Fiction Studies(دراسات الخيال العلمي وقد يردّ هذا الحرص إلى الجانب الترفيهي الذي ينطوي عليه هذا النمط من الرواية الأدبية، بيد أنه يمكن أن يردّ أيضًا إلى رؤيته بوصفه أداة مؤثرة لتحفيز الإنسان على التفكير في المستقبل والانتمء إليه. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أنّ صناعة المستقبل المرغوب فيه تتطلب أولً توافر القدرة على تخيله عبر مقاربة تتميز بخصوصيتها.

طالب عمران، "تجربتي في كتابة رواية المستقبل، وأدب الخيال العلمي"، ضمن: مهرجان الدوحة الثقافي الخامس، الجلسة الأولى من ندوة "الرواية والمستقبل"، الدوحة،.2006/3/26-25 14 خلوفي. جميلة محمَّد المحمَّد، "ماذا تعرف عن 'أدب الخيال العلمي'؟"،، 2015/7/3، شوهد في 2022/1/15، في: https://bit.ly/30xhlJy الحوار 16 ومن أبرز هذه الأفلام: 2001: A Space Odyssey (1968), Star Wars (1977), Alien (1979), E.T. the Extra-Terrestrial (1982), Back to the Future (1985), Jurassic Park (1993), The Matrix (1999), Avatar (2009), Inception (2010), Interstellar (2014), The Martian (2015). 17 Science Fiction Studies, vol. 1, no. 1-vol. 48, no. 3 (1973-2021), at: https://bit.ly/3nnd0Al

ونرى أنّ خصوصية الخيال العلمي تنبع أساسًا من اقترانها بمقاربة منهجية تجمع بين مفهومين متناقضين: الخيال والعلم، ولكنهم مع ذلك متفاعلان إيجابيًا. فكم أنّ الخيال يتيح للعلم مدخلً مهمً لكي يستمر في حركته الإبداعية إلى الآمال، ومن ثم يُعدّ بمنزلة النبراس للعلم، فكذلك يستوي العلم وتلك الأداة التي تضبط حدود حركة هذا الخيال، على نحوٍ يحول دون أن يتمدى إلى ذلك الحد الذي يجعله مجرد خيال. وقد عبّ التفكير الخيالي العلمي عن ذاته من خلال تعاقب صدور روايات خيالية مستقبلية، وبمضامين كانت إما أدبية أو علمية، تحدثت عن تنبؤات و/ أو رحلات، و/ أو اختراعات علمية... إلخ. وقد كانت في زمانها تعتبر ضربًا من الخيال غير الممكن الحدوث قبل أن يثبت العلم أنّ كل شيء يُعدّ ممكنًا وقابلً للتحول إلى حقائق موضوعية. صحيحٌ أنّ خاصية عدم اليقين التي يتميز بها الزمان لا تسمح بتوافر المعرفة اليقينية في شأن ما يمكن، أو يحتمل، أن يحدث في المستقبل، إلا أنّ استمرار التساؤل عن مخرجات عملية تغيّ العالم قد تضفي على مقاربة الخيال العلمي أهمية مضافة، وتجعلها بمنزلة إحدى الأدوات المهمة لاستشراف مآل الأشياء المقبلة. وعديدةٌ هي التنبؤات التي قالت بها قصص الخيال العلمي في أوقات سابقة، وتحوّلت لاحقًا إلى حقائق موضوعية. ومن بينها، مثلً، الإنترنت، والقنبلة النووية، والهبوط على سطح القمر، والرادار، والصحف الورقية، والدبابات، والغواصات، ومحادثات الفيديو، وألعاب الواقع الافتراضي، وبطاقات الائتمن، وغير ذلك كثير. وفي حين كان الإطار المكاني لهذه القصص هو إما سطح الأرض، أو أحد الكواكب السيّارة، أو في أي بقعة من الكون، فقد كان الإطار الزماني في الغالب هو المستقبل البعيد أو غير المنظور. وتتعدد تصنيفات قصص الخيال العلمي؛ ومع ذلك نرى أنها تنحصر في ثلاث فئات أساسية. تنصرف الفئة الأولى إلى البحث في مواضيع تندرج تحت عناوين محددة، ومثالها الخيال العلمي الاجتمعي، والخيال العلمي العسكري. وأما الفئة الثانية، فتعبّ عن خيالٍ علمي جاد ومنضبط يقوم على فرضيات مدروسة يمكن البرهنة عليها، ويتميز بمستوى عالٍ في الكتابة والحنكة المنطقية والدقة العلمية. في حين تفيد الفئة الثالثة العكس؛ إذ لا تتقيّد بحدود أو قواعد في الكتابة، وتقوم على رؤى خيالية بالغة الشطط، وتكاد تقترب من قصص "الفنتازيا". وتجدر الإشارة إلى أنّ روايات الخيال العلمي، منذ الثورة العلمية، تقترن بمضامين متنوعة عبّت عن اهتممات مؤلفيها، يمكن تصنيفها في مستويين عامين ومهمين. يعبّ المستوى الأول عن الروايات التي تناولت الأثر الإيجابي لمخرجات العلم والتكنولوجيا، ومن ثمّ كان التفاؤل والأمل جوهرها. أما المستوى الثاني، فهو يهتمّ بتلك الروايات التي تناولت الأثر السلبي لهذه المخرجات، ومن ثمّ كان التشاؤم والخوف أساسها. وسواء أكانت هذه القصص تفاؤلية أم تشاؤمية، فالمهم أنها عمدت إلى استشراف المستقبل، عبر مقاربة قوامها التخيّل العلمي. وتختلف هذه القصص في مدى خضوعها لهذا التخيّل؛ فمنها ما يخضع له على نحو مطلق أو شبه مطلق، ومنها ما هو أكثر انضباطًا وارتباطًا بالواقع وتطوراته الراهنة والمستقبلية.

قسطنطين زريق، نحن والمستقبل (بيروت: دار العلم للملايين، 1977)، ص.81

وتجسّد روايات اثنين من رواد الخيال العلمي، الفرنسي جول فيرن Verne) (Jules (1905-1828)، والإنكليزي هربرت جورج ويلز Wells) G. (Herbert (1946-1866)، ثنائية التفاؤل والتشاؤم، أو الأمل والخوف. وقد استمر صدور هذه الروايات بنوعيها، المتفائل والمتشائم، إلى وقتنا الحاضر. وعلى الرغم من تباين أنواعه، فإنّ الخيال العلمي يؤدي وظائف مهمة؛ ومنها تنبع جدواه. ولعل أبرز هذه الوظائف أنه يساعد، مثلً، على تهيئة الإنسان لمواجهة تحديات المستقبل؛ إذ تفيد مخرجات تجربة الخيال العلمي أنّ المشاهد التي ترسمها رواياته تؤدي إلى استثارة الطاقات الكامنة للعقل الإنساني، وتوظيف مخرجات عمليّات الإبداع والابتكار، لتصور ما قد تكون عليه الأشياء والأحداث في المستقبل؛ ومن ثمّ، مساعدة الإنسان على الارتقاء إلى مستقبل يختلف عن الحاضر. وإضافةً إلى ذلك، فهي تساعد الإنسان على تجنّب الصدمة الناجمة عن الابتكارات التكنولوجية المثيرة، من جراء معرفته بها من خلال الروايات الخيالية التي تناولتها، فضلً عن تهيئة الظروف التي تساعد على الاستعداد لمواجهة التحديات على نحو مسبق. ومن هنا، يستوي الخيال العلمي وتنمية الإبداع، فضلً عن أنه ينطوي على نوع من المحاكاة لنظام الإنذار المبكر. كم يؤدي الخيال العلمي وظيفة إدراك المستقبل باعتباره مشاهد بديلة متعددة؛ إذ ينطوي على قدرة تحفيز الأفراد على التفكير المنفتح بالمشاهد البديلة للمستقبل، ولا سيم أنه يعدّ أداةً مهمة لنمذجة مستقبلات عديدة، وبيان ما سيحدث إذا ما استمرت معطيات الحاضر على وتيرتها. وأخيرًا، فهو يسهم في تصور المستقبل المنشود وبنائه، لا سيم من خلال الأعمل الأدبية التي تؤشر إلى كيفية أداء المجتمع لوظائفه على نحوٍ أمثل، وتمهّد السبيل، في خطوةٍ أولى، للانتقال نحو الأحسن. ويتميز الخيال العلمي أنه مشروط اجتمعيًا من حيث النشأة والنضج والانتشار، بمعنى أنه حصيلة تفاعل بين واقع اجتمعي منتج للعلم، وبين خيال روائي مثقف علميًا، ويتوفر على رؤية واضحة وشاملة للإنجازات التي حققتها العلوم، تعبّ عنها كتابات تنطلق منها خيالات هذا الروائي المطلقة العنان. وانطلاقًا من أنّ الرابطة بين الخيال والعلم تتميز بأنها مؤطرة ومتمسكة، فإنّ الخيال العلمي في غير مجتمعات العلم والمعرفة يكون إما غائبًا، أو محدود الانتشار على الأقل؛ وهذا هو حاله في وطننا العربي في العموم.

19 لمزيد من التفصيل في ذلك، يُنظر: Thomas Lombardo, Science Fiction: The Evolutionary Mythology of the Future, vol. 1: Prometheus to the Martians (Winchester/ Washington, DC: Changemakers Books, 2018); Thomas Lombardo, Science Fiction: The Evolutionary Mythology of the Future, vol. 2: The Time Machine to Metropolis (Bloomington, IN: Authorhouse, 2021); Thomas Lombardo, Science Fiction: The Evolutionary Mythology of the Future, vol. 3: Superman to Star Maker (Bloomington, IN: Authorhouse, 2021). تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى آرثر كلارك (Clark C. Arthur) الذي يُعدّ من بين القلة من كتّاب الخيال العلمي في القرن العشرين، الذين عمدوا، في آنٍ معًا، إلى تخيل مستقبلات محتملة، في الوقت الذي كانت لهم مساهمات علمية مشهودة. ينظر في ذلك: ضياء الدين زاهر، مقدمة في الدراسات المستقبلية: مفاهيم – أساليب - تطبيقات (القاهرة: مركز الكتاب للنشر، 2004)، ص.186-182 ينظر في ذلك: خلوفي. وسنُعنى لاحقًا بأهمية الخيال العلمي عربيًا في السياقات الراهنة.

وعلى الرغم من أهمية دور كل من الخيال العلمي والتفكير العلمي في المستقبل وتطبيقاته العملية في دعم أحدهم الآخر، والتقائهم المشترك في الهدف النهائي، أي في استشراف المستقبل، فإنهم ينطلقان من أسئلة مختلفة تتم الإجابة عنها عبر مقاربات مختلفة أيضًا. ففي حين يأخذ التفكير العلمي في المستقبل بإحدى المقاربات المنهجية، أو بمجموعة منها، وبحصيلة تضفي على السؤال الذي ينطلق منه الصفة العلمية، ينطلق التفكير الخيالي العلمي من مقاربةٍ لا تنتمي إلى حقول المعرفة العلمية، الأمر الذي يجعل من سؤاله تصويرًا. وغنيٌ عن القول إنّ السؤال العلمي يختلف بالضرورة عن السؤال التصوري. ومع ذلك، ينطوي السؤال التصوري على أهمية بالنسبة إلى الخيال العلمي. وتكمن هذه الأهمية في طبيعة المقاربة التي ينطلق منها، والتي تتمهى مع المقاربة الاتجاهية التي يأخذ بها عدد من المستقبليين. فهذه المقاربة تتأسس على أن التطور التاريخي لموضوع محدد يفضي إلى اقترانه باتجاه (بمعنى مسار) محدد، وأن هذا الاتجاه في حالة ديمومته، ولذلك سيجعل من صورة مستقبل هذا الموضوع امتدادًا لتلك الصورة التي كان قد اقترن بها في ماضي الزمان. والشيء ذاته تقريبًا ينسحب على روايات الخيال العلمي. فهي تعمد، عبر توظيف أدوات كيفية، وليست كمية كالتي تستخدمها دراسات مستقبلية، إلى سحب الاتجاهات السائدة في المجتمع، سواء أكانت علمية أم تكنولوجية أم اجتمعية أم سواها، على المستقبل ساعية بذلك إلى تصور الحال التي سيكون عليها. ومن أجل ذلك تتميز هذه الروايات بطرح أسئلة، تتناول مواضيع خيالية، تأخذ صيغة: "ماذا لو؟" (if? happens What). ومثالها السؤال: ما الذي سيحدث، لو أن جليد القطب الشملي قد ذاب، وأن مستوى سطح مياه البحار قد وصل إلى خمسين مترًا؟ وماذا سيحدث لو أن العلم استطاع اكتشاف دواء يعطل الشيخوخة، ويجعل الإنسان قادرًا على العيش مئات من السنين؟ ويشير كاتب روايات الخيال العلمي غاريث باول إلى أنّ الإجابة عن الأسئلة الخيالية تتمّ عادةً من خلال تتبع تأثير الاتجاهات الاجتمعية والتكنولوجية السائدة في وقته في شخص أو أشخاص الرواية الخيالية، والتي فيها يتقمص الروائي الخيالي ذاته شخصية الفرد أو الأفراد موضوع روايته في المكان والزمان؛ وهذا التتبع هو الذي يسمح بتصور المستقبلات الجيدة والمستقبلات الرديئة (Dystopias and Utopias).

ثانيًا: إشكالية العلاقة بين الخيال والخيال العلمي

تتعدد وتتنوع الرؤى ذات العلاقة بمفهوم الخيال. فمثلً يؤكد الروائي خير الدين عبد الرحمن أنّ الخيال يعبّ عن "ملكة نفسية وقوة باطنية تعيد إنتاج المعطيات الإدراكية السابقة، وتسهر على تشكيل تمثيلات ذهنية

عزمي إسلام، "في فلسفة العلوم الإنسانية"، عالم الفكر، العدد 3 (1984)، ص.12 23 Gareth L. Powell, "The Role of Science Fiction in our Understanding of the Future," accessed on 21/01/2018, at: https://bit.ly/2XGa7ly

مشابهة لظواهر العالم الموضوعي أو مغايرة لها في بنيتها وعلاقتها وطرق اشتغالها [ولهذا هي ملكة][...] ساعية إلى استكناه المعنى الحقيقي المضمر للوجود والإنسان، وتشييد عالم آخر مختلف أجمل وأمتع". يفيد هذا الفهم أنّ الخيال إنما يعبّ عن قدرة الإنسان على الخروج من المربع المحدد الذي يفرضه الواقع، ثم الانتقال عبر أبعاد الزمان؛ على ذاك النحو الذي يربط الماضي بحقائقه مع الحاضر بمعطياته، ومع المستقبل بمشاهده، سبيلً لبناء صور مستقبلية تخالف صور الواقع الراهن. وفي هذا الصدد، نستحضر ألبرت أينشتاين الذي اعتبر أنّ "الخيال أهم من المعرفة؛ فالمعرفة محدّدة حول ما نعيه ونفهمه، ولكن الخيال هو الذي يحقق طموحاتنا وأحلامنا، ما يجعلنا قادرين على تحقيق مستقبلٍ لم يأتِ، وربما لن يأتي، فنعيشه حلمً، خيالً، يبعث الأمل فينا والرغبة في الحياة". وهو ما يؤكّده أيضًا المستقبلي الأسترالي ريتشارد سلوتر، في معرض تقييمه للدور الإيجابي لمثل هذا الخيال، بقوله إنه "يأخذ بالعقل الإنساني خارج إطار الحقائق الراهنة، والاتجاهات السائدة والاستشراف وما شابه ذلك". ويتداخل مفهوم الخيال شكليًا مع تلك المفاهيم، التي استمر الإنسان يتداولها، والتي تعدّ مضامينها المعرفية محطّ جدلٍ واجتهاد واختلاف، من جراء تداخلها الذي يجعل التمييز الدقيق بينها على قدرٍ من الصعوبة. ومن بين هذه المفاهيم الأسطورة، والخرافة، والملحمة، والحكاية الشعبية أو البطولية... إلخ. ومع هذا التداخل، نرى أنّ الخيال، بوصفه نسقًا أدبيًا، يبقى مختلفًا عن سواه من الأنساق الأدبية ذات العلاقة. وعلى الرغم من أن الخيال ينطلق من مقاربة لا علاقة لها بالمعنى الذي استقر عليه مفهوم العلم، فإنه مع ذلك يلتقي والخيال العلمي في صعد متعددة. وبالقدر الذي يتعلق بموضوع هذا البحث، نرى أنّ التوجه إلى المستقبل هو القاسم المشترك والأهم الذي يجمع بين الاثنين. فإضافةً إلى أنهم يوفران المادة الخام لهذا القاسم المشترك، ينطلق كلاهم من رؤية للحياة كأنها قصة لا تقتصر على الحاضر فحسب، وإنما تمتد أيضًا إلى المستقبل. وربما تُعدّ هذه الرؤية بمنزلة الجذر الأول لمقاربة "بناء المشاهد" (Building Scenarios)، التي تنتشر بين المستقبليين في الزمن الحاضر.

خير الدين عبد الرحمن، "تلمس المستقبل ما بين التفكير العلمي والخيال"، الباحثون، شوهد في 2022/1/16، في: https://bit.ly/3IQ3xe0 25 20 Albert Einstein, "What Life Means to Einstein: An Interview by George Sylvester Viereck," The Saturday Evening Post, 26/10/1929, accessed on 16/1/2022, at: https://bit.ly/3Bjqna1 26 Richard A. Slaughter, The Foresight Principle: Cultural Recovery in the 21 st Century (Westport, CT: Praeger, 1995), p. 30. فنشأة الأسطورة، مثلً، كانت لصيقة بواقع إنسان ما قبل الحضارة؛ أي الإنسان القديم. ويُردّ ذلك إلى أنّ هذه المجتمعات كانت قد

أخذت بالعقلية البدائية التي تتميز بخصائص محددة ورؤى متشابهة إلى الكون وما وراء الكون، فضلً عن اقترانها بمفاهيم شائعة عن حياة البشر ودوافعهم وعلاقاتهم وغير ذلك. ينظر: زريق، ص 66. على الرغم من تعدّد الرؤى في شأن معنى هذه المقاربة، فإنّ هذا لا يلغي أن جلّ الرأي يأخذ، وعلى الرغم من الصياغات اللغوية المختلفة، بمضمون متماثل تقريبًا، وبما يفيد أنها تُعنى بتقديم وصف للتاريخ الذي سيقترن به المستقبل. فمثلً، يؤكد هيرمان أنّ "السيناريو

ينتج من محاولة لوصفٍ مفصّل إلى حدٍّ معينّ لتسلسل أحداثٍ افتراضي": Herman Kahn, Thinking about the Unthinkable (Princeton: Princeton University Press, 1962), p. 143.

لذا، وعلى خلاف عناصر الالتقاء بين الخيال والخيال العلمي، تقوم فجوة واسعة بين الخيال العلمي والخيال الأسطوري الذي يتأسس على نمطٍ من التفكير أضحى عمليًا خارج الزمان، ولا سيم أنه يتأسس على تفكير لا يتناول قضايا الحاضر، ولا تلك التي يحتمل أن يقترن بها المستقبل.

ثالثًا: إشكالية العلاقة بين العلم والخيال العلمي

تميزت عصور ما قبل الحضارة الصناعية بقصص مستقبلية لم تستند إلى أسسٍ علمية؛ ومن ثمّ، كانت غارقةً في الخيال، وبعيدةً عن حركة الحاضر واتجاهاتها المستقبلية. وعلى الرغم من أنّ مجتمعات القرون القديمة والوسيطة قد شهدت بروز نوع من التفكير الفلسفي، فإنّ هذا لم يؤدِّ إلى إحداث تحولٍ جوهري في نوعية رؤية جلّ هذه المجتمعات للحياة والوجود. فتشبّعها بالتعليل الديني، سواء كان وثنيًا أم توحيديًا، لم يساعدها على تجاوز الحدود التي رسمها هذا التعليل. ويعبّ ماجد فخري عن العلاقة بين الدين وإنسان تلك المجتمعات بقوله: "كان محور الحياة البشرية حتى أواخر القرون الوسطى السمء. وكان على المرء أن يصبو إلى اللحاق بها قبل كل شيء، فإذا قيّض له ذلك، بلغ نهاية المطاف [...] الحياة الأبدية". ومن جراء مخرجات مثل هذه العلاقة، متفاعلة مع رتابة الحياة والثقافة ومحدودية الفهم والوعي الإنساني آنذاك، فإنها لم تساعد رواة القصص الخيالية على إدراك جدوى أن تكون قصصهم ذات علاقة وطيدة مع الواقع، أو قريبةً منه. وقد أدى اتجاه الحياة والثقافة في أوروبا إلى التحول التدريجي نحو عصر النهضة ومخرجات إنجازاته العلمية، إلى إحداث تحوّل نوعي في رؤية الإنسان الذهنية للحياة. ومم ساعد على ذلك تأثير مخرجات رؤى فلسفية أخذت آنذاك، ضمنيًا أو صراحة، بفكرة التقدم. ومثالها رؤية الفيلسوف الإنكليزي تشارلز داروين Darwin) (Charles (1882-1809) التي طرحها في كتابه أصل الأنواعالصادر عام 1859، وكذلك رؤية الفيلسوف الإنكليزي هربرت سبنسر (Spencer Herbert) الذي رأى أن فكرة التطور صالحة لتقديم تفسير شامل للأحداث والظواهر الإنسانية والكونية كافةً، وأنها تشكل قاعدةً داعمة لفكرة التقدم. وتنطوي هذه الفكرة على ما يفيد أنّ التاريخ يتحرك دومًا إلى أمام، وأنّ البشرية تندرج نحو مستقبلٍ لا بد من أن يكون أفضل من الماضي. ومن هنا تمتعت، خلال القرن السابع عشر عمومًا والقرن الثامن عشر خصوصًا، بتأثير فكر حاسم في توجهات الطبقة المتوسطة. ومم ساعد على ذلك انتشار قناعة آنذاك مؤداها أنّ هذه الطبقة هي "أقدر الطبقات على حمل راية التقدم والسير بها إلى الأمام". ومم

ماجد فخري، "تطور فكرة المستقبل في العصور القديمة والحديثة"، الفكر الحديث، العدد 15 (نيسان/ أبريل 1979)، ص.14 لمزيد من التفصيل في ذلك، ينظر: ج. ب. بيري، فكرة التقدم: بحث في نشأتها وتطورها، ترجمة عارف حذيفة (دمشق: منشورات وزارة الثقافة،.)1988 حسين مؤنس، الحضارة، سلسلة عالم المعرفة 237 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1978)، ص 285.

ساعد على انتشار هذه الفكرة أنّ الفلسفات التاريخانية التي كانت سائدةً آنذاك، قد انطوت على بعد مستقبلي واضح. ويؤكد قسطنطين زريق أن هذه الفلسفات "تتفق جميعًا في أنها تتوجه إلى المستقبل الكوني أو الإنساني في نظرتها الشاملة إلى تطور التاريخ والقوى الدافعة له، وهي تنتظم في نمط واحد؛ إذ إنها تقوم على عقائد كلية منبثقة من الخيال والإيمان والفكر بدرجات ونسب مختلفة". وقد أدى هذا التحول الفكري المهم إلى بداية انتشار قصص أدبية من نمطٍ آخر، تميزت باتجاهها إلى المستقبل، راسمةً صورة لمجتمع مثالي. وتعود الجذور الأولى لهذه القصص إلى كتابات بعض فلاسفة كأفلاطون في الجمهورية، والفارابي في المدينة الفاضلة. ففي حين دعا أفلاطون إلى بناء مجتمع يتميز بالحكمة والفضيلة، ويجعل من العدل أساسًا له، ذهب الفارابي إلى الشيء ذاته. ففي المدينة الفاضلة، رأى أنّ انتشار المعرفة والفضيلة سيفضي إلى تأمين السعادة الحقيقية للإنسان. وترى المستقبلية الإيطالية إلينورا ماسيني أنّ هذه الكتابات هي التي فتحت الباب لسلسلةٍ من روايات ستصدر لاحقًا وتباعًا، وستندرج تحت تسمية الروايات الخيالية المثالية أو الطوباوية. وعلى الرغم من جذورها الأولى، فإنّ هذه التسمية جاءت متأثرةً بتسمية رواية المدينة الفاضلة (Utopia) للكاتب الإنكليزي توماس مور (More Tohmas) ومضمونها، الصادرة في عام 1516 باللغة اللاتينية، والتي تمت ترجمتها إلى اللغة الإنكليزية لأول مرة عام 1551. ويتكرر القول إن هذه القصص الخيالية المثالية تعدّ تعبيرًا عن رفض مؤلفيها لمعطيات الواقع السلبي الذي كان سائدًا آنذاك في مجتمعاتهم، ومن ثمّ اتجاههم إلى الاستعانة بنمطٍ من الخيال غير الجامح مدخلً لإعادة هيكلة هذا الواقع على وفق افتراضات معيارية تشكّل مضامينها صورة المستقبل المثالي المنشود. ونتفق مع الرأي القائل إنّ فرانسيس بيكون (Bacon Francis) كان أول من دعا في روايته أطلانطس الجديدة إلى بناء مجتمعٍ مثالي مستقبلي يتأسس على العلم والبحث العلمي. وإلى ذلك دفعته حالة التردي التي كانت لصيقةً آنذاك بمجتمعه الإنكليزي، فضلً عن إدراكه لجدوى توظيف مخرجات العلوم سبيلً إلى تأمين سعادة الإنسان. وقد تكرر صدور مثل هذه الروايات الخيالية المثالية، خصوصًا منذ نهاية القرن الثامن عشر. فخلال الفترة (1900-1888) مثلً، تمّت كتابة 150 رواية خيالية امتد أفقها الزماني إلى عام 2000. ويرى المستقبلي الأميركي ويندل بل أنّ هذه الروايات قد مرت عبر الزمان بتحولات مهمة. ففي البداية، كان الاهتمم منصبًّا على المكان الذي تدور فيه أحداث الرواية. وقد أصبح هذا الاهتمم لاحقًا،

32 زريق، ص.74-75 33 Eleonora B. Masini, Why Futures Studies? (London: Grey Seal Books, 1993). 34 Lombardo, Contemporary Futurist Thought, p. 16. 35 Wendell Bell, "What do We Mean by Futures Studies?" in: Richard A. Slaughter, New Thinking for a New Millennium (London: Routledge, 1996), pp. 4-5.

مع نهاية القرن الثامن عشر، ينصرف إلى الزمان الذي يحدث فيه موضوع الرواية. وقد تزامن هذا التحول من المكان إلى الزمان مع تحول آخر. فبدلً من الرواية التي أفادت أنّ المستقبل المنشود خارج إمكانية التحقق في الزمان المعيش، بدأت رؤية أخرى في الانتشار أفادت أنّ المستقبل المنشود يمكن أن يتحقق خلال حياة الإنسان من جراء ما يقوم به من أفعال. وقد تشكّل هذه الرؤية، التي تعود تاريخيًا إلى نهاية القرن الثامن عشر، الجذر الأول للفكرة التي انتشرت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بين المستقبليين، والتي أكدت أن الإنسان هو الذي يصنع المستقبل. ومم ساعد على تتابع صدور الروايات الخيالية المثالية، ومن ضمنه التحولات التي مرت بها، أن مخرجات الثورة العلمية قد أفضت إلى إحداث تحوّل مهم في كيفية إنتاج المعرفة والسعي إلى الحقيقة. ففي مرحلة ما قبل الثورة العلمية، كانت الأديان الغيبية والتعليلات الصوفية والأساطير مثلً هي المصادر التي استند إليها الإنسان القديم لإدراك الظواهر التي كانت تحيط به وتفسيرها. ولطبيعة هذه المصادر، فإنها كانت، بالضرورة، على النقيض من الخصائص التي يتميز بها العلم؛ كالملاحظة، والافتراض، والتجريب، والبرهنة. وعلى خلاف هذه المرحلة البدائية من تاريخ الإنسانية، أدت مرحلة الثورة العلمية وفلسفة التنوير وفكرة التقدم إلى مخرجات جعلت حرية التفكير والبحث العلمي، مثلً، من بين أهم منطلقاتها الأساسية. ومن جراء ذلك، لم تعد الإجابة عن أسئلة الحاضر و/ أو المستقبل تنطلق من أدوات ما قبل العلم، وإنما من مقاربات منهجية علمية متعددة ومتنوعة. ويعدّ تأثير الخيال العلمي في الابتكار التكنولوجي والبحث العلمي أمرًا مؤكَّدًا فعلى سبيل المثال، ألهم أعمل الخيال العلمي لجول فيرن في القرن التاسع عشر الغواصات الأولى للبحرية الأميركية والمروحية الحديثة. كم كان آرثر كلارك أول من اقترح استخدام الأقمر الصناعية للاتصالات العالمية في عام 1945. وتقريبًا كلّ شيء سنجده لاحقًا بشأن الرغبة في الوصول إلى كوكب المريخ واستيطانه؛ السيارات الطائرة، واستخدام الروبوتات في الحياة اليومية، والنقل الآني والذاتي القيادة، ونظام تحديد المواقع (GPS)، وأجهزة الاتصال المحمولة، والطعام الذكي، والمدن الذكية، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الاستنساخ البشري، نجد له جذورًا في الخيال العلمي. وتوضح العديد من الأمثلة أنّ "الخيال العلمي"، و"الحقائق العلمية" (ابتكارات العلوم والتكنولوجيا، والسياسات العلمية، والمعرفة العامة، والاستثمر)، ليسا حقيقتين منفصلتين، بل هم مجالان متشابكان ومتداخلان. فالخيال العلمي يسمح، من خلال

36 Nastaran Tavakoli-Far, "Jules Verne to Star Trek: Does sci-fi Show the Future?" BBC News, 23/7/2013, accessed on 16/1/2022, at: https://bbc.in/3jxZUPJ 37 Dylan Tweney, "May 25, 1945: Sci-Fi Author Predicts Future by Inventing It," Wired, 5/25/2011, accessed on 16/1/2022, at: https://bit.ly/3jtaEic 38 Caroline Bassett, Ed Steinmueller & George Voss, Better Made Up: The Mutual Influence of Science fiction and Innovation, Nesta Working Paper, no. 13/07 (March 2013), p. 1, accessed on 16/1/2022, at: https://bit.ly/3pugeES 39 Ibid.

رواياته، بسد الفجوة بين صور المستقبل والأفعال اللازمة لتجسيد هذه المستقبلات. وبهذا المعنى، تؤدي النمذج الأولية للخيال العلمي إلى إنشاء مفاهيم تفصيلية حول ما يبدو أنه غير مؤكد، بهدف أن يستخدمها المخططون ومديرو السياسة العامة ومديرو المشاريع على نحو عادي. ويتيح اقتران الخيال العلمي بهيكلة النمذج الأولية (التي تعد جزءًا من عالم التصميم) توليد المزيد من النتائج الملموسة، وإدخال أشياء مادية حقيقية، وتتطلب مشاركة المستخدمين، ومن ثمّ تسهيل التزامهم. وتُجسّد سلسلة ناشيونال جيوغرافيك (Geographic National"المريخ)، " 2018-2016 (2016-2018 Mars,) هذه العلاقة التأسيسية بين الخيال العلمي وأبحاث الفضاء الجارية خطوةً إلى الأمام؛ إذ تقوم هذه السلسلة، المستوحاة من كتاب ستيفن بترانيك كيف سنعيش على المريخالصادر في عام 2015، على مجموعة هجينة من البرامج الوثائقية، والتعليمية، والروائية الخيالية، تدور أحداثها بين عامي 2033 و 2045، وهي تتبع طاقم أول مهمة مأهولة إلى المريخ أثناء قيامهم باستيطان الكوكب وتأهيله، وتمزج مقاطع خيالية مع مقابلات مع علمء ومهندسين يعملون على جهود العالم الحقيقي لاستيطان المريخ. يمكن الخيال العلمي أيضًا أن يوضح لنا مستقبلً يجب تجنبه؛ ف "الديستوبيا" (Dystopias) تحثّنا على التعرف إلى الكارثة وتجنبها، من هرمغدون (Armageddon) النووية، إلى التوتاليتارية)Totalitarianism(. وقد أصبحت أفلام الخيال العلمي القائمة على "الديستوبيا" تجسّد على الشاشة واقعًا مخيفًا لفقدان السيطرة على الآلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، كم اشتهرت به أفلام "تيرميناتور" (1984 Terminator,) مثلً، أو واقعًا مخيفًا ناجمً عن التلاعب الجيني والبيولوجي بالإنسان، كم في فيلم (2007 Legend, Am I)، أو واقعًا مخيفًا سببه التغيّ المناخي، كم في فيلم (2013 Colony,.)The يعكس الخيال العلمي دائمًا روح العصر الحالي. ومن ثمّ، فإن ما يعتبر طوباويًا أو على العكس كارثيًا عرضة للتغيير. فعلى سبيل المثال، حينم دخل النشاط الإشعاعي إلى روح العصر في مطلع القرن الماضي، ارتبط بمستقبلٍ يبثّ الأمل، ويعد بمعجزات طبية وتكنولوجية. أما اليوم، فمع كارثتَي تشيرنوبيل وفوكوشيم، والعديد من الروايات والأفلام المرتبطة بهم، فإنّ أي ذكر للنشاط الإشعاعي من المرجح أن

40 Peter von Stackelberg & Alex McDowell, "What in the World? Storyworlds, Science Fiction, and Futures Studies," Journal of Futures Studies, vol. 20, no. 2 (December 2015), pp. 25-46. 41 ‪Patrick Corsi, "Forcing the Design of Fictional Futures: From Theory to Cases Implementation," Journal of Futures Studies, vol. 20, no. 2 (2015), pp. 81-104.‬ 42 Gary Graham & Rashid Mehmood, "The Strategic Prototype 'Crime-Sourcing' and the Science/Science Fiction Behind it," Technological Forecasting and Social Change, vol. 84 (May 2014), pp. 86-92. 43 Stephen Petranek, How We'll Live on Mars (New York: Simon and Shuster, 2015); Leonard David, Mars: Our Future on the Red Planet (New York: National Geographic, 2016). 44 On the Beach; A Canticle for Leibowitz. 45 Fahrenheit 451, 1984; Brave New World; The Handmaid's Tale.

يثير الخوف، وصور حوادث المفاعلات، أو الحرب النووية. وكانت أيضًا التطورات الهائلة التي شهدتها ثورة التكنولوجيا البيولوجية تعد بمستقبلٍ زاهرٍ وخالٍ من الأمراض للبشرية. أما اليوم، فقد أصبحت المخاوف بشأن جائحة كورونا هي القاعدة. في الحصيلة، تجذب مستقبلات الخيال العلمي الانتباه إلى إنتاجنا للمستقبل، حيث نقرر كيفية استخدام التكنولوجيات، ومن سيستفيد منها، والعوالم الاجتمعية التي ستسمح بها أو تحلّ محلها.

رابعًا: الخيال العلمي عربيًا

لا يمكن فصل أعمل الخيال العلمي عن السياقات الاجتمعية والاقتصادية الذي جرى إنتاجها فيها. فهي تعكس أسئلة معاصريها، ومخاوفهم، وآمالهم، سواء تلك المتوقعة في عالمٍ مستقبلي، أو في حاضر بديل. فالخوف من نهاية العالم النووية، والوعي بمحدودية الموارد، والأسئلة الأخلاقية التي أثارتها التكنولوجيا الحيوية، أو الخوف من كارثة مناخية، هي قضايا تجد لها صدى مع مرور الوقت في الأدب والسينم الاستباقية. وإن كانت السياقات العربية تختلف في جوانب عدة عن السياقات التي أُنتجت فيها هذه الأعمل للخيال العلمي، فكون هذه البلدان العربية تعيش اليوم في مفترق طرق، يجعل العديد من الأسئلة الكبرى الممثلة تُطرح بشأن المستقبل، سواء بالنسبة إلى التحول السياسي المرجو فيها، أو التحولات الاقتصادية والاجتمعية والثقافية وغيرها. يُضاف إلى ذلك أن تقدّم العلم والتكنولوجيا يعزّز من جهته أيضًا شعور مجتمعاتنا العربية بأنها على مفترق طرق؛ إذ إنها ليست بمعزلٍ عن الاختراقات العلمية والتكنولوجية المعاصرة (تكنولوجيا النانو، والبيولوجيا التركيبية، وما إلى ذلك)، إضافة إلى وصول النمذج الحالية للطاقة أو للنمو الاقتصادي إلى باب مسدود في مقابل الحدود المادية والطبيعية للكوكب البشري. وهي تحديات تجد لها صدىً قويًا في البلاد العربية. وفي هذا السياق، نذكر مسألة أساسية بالنسبة إلى السياقات العربية في أعمل الخيال العلمي، وهي أنّ البشر يؤدّون في هذه الأعمل دورًا نشطًا وفاعلً في التعامل مع تغيرات المستقبل؛ إذ يتمّ إبرازهم في هذه الأعمل باعتبارهم "روادًا" (ذاتيين)، مهمتهم تحسين أجسادهم وحياتهم عن طريق الأجهزة التقنية الحديثة، إما عن طريق استخدامها على نحو خلّق، أو من خلال الامتثال للتوقعات الاجتمعية، بحيث يصبحون تدريجيًا "شخصية ريادية"؛ وهم مسؤولون عن إدارة حياتهم، وملتزمون بمحاولة منع

46 Vint, p. 82. 47 Ulrich Bröckling, The Entrepreneurial Self: Fabricating a New Type of Subject (London: Sage, 2016). 48 Ibid.

المشكلات الصحية المحتملة، من خلال التدريب وتحسين أنفسهم بمساعدة العلوم التقنية، مع تطوير النحل الآلي بذكاءٍ اصطناعي (Bees Robot)، على سبيل المثال، حلً محتملً و/ أو ممكنًا للمشكلات البيئية. ونذكر سمة أخرى مهمة لأعمل الخيال العلمي بالنسبة إلى السياقات العربية، وهي أنها غالبًا ما تنظر إلى البشر بوصفهم فاعلين سياسيين، وليسوا مجرّد رعايا. وهذا ما تُجسّده، على سبيل المثال، سلسلة الأفلام الواسعة الانتشار (Games Hunger Teh)، التي صدرت في أربعة أجزاء (2012، و 2013، و 2014، و 2015)، والتي تصف سياقات اجتمعية موسومة بشروخ اجتمعية وسياسية عميقة، تصل إلى درجة تشبه الاستعباد، تقوم على إثرها انتفاضات للطبقات المضطهدة. وهو ذاته ما يُجسّده أيضًا فيلم (Vendetta for V) الذي صدر في عام 2006، إذ تدور أحداثه في لندن في إطارٍ كارثي/ ديستوبي، حيث يسعى مناضل من أجل الحرية يطلق على نفسه اسم (V) إلى إحداث تغيير سياسي واجتمعي من خلال قيادة ثأرٍ شخصي عنيف ضد الحكومة الفاشية القائمة. وهكذا، تتكشف التخيلات في أعمل الخيال العلمي عن مساحةٍ مفتوحة لكل من الفعل والمقاومة الموجهة، ليس فقط نحو مخاطر العلوم والتكنولوجيا، بل أيضًا نحو السياقات السياسية والرأسملية المهيمنة والمضطهِدة، ويتم تشجيع البشر على فعل شيء ما إزاء هذه الأوضاع، إما بطريقة إيجابية للتكيف مع النظام بصفتهم "روّادًا"، أو، كم هو مقترح ضمنيًا، لتغيير هذه الأوضاع في حدّ ذاتها. ونجد مثالً تاريخيًا مهمً على هذا الترابط الوثيق بين الخيال العلمي والتحولات الاجتمعية والسياسية في زعيم الحقوق المدنية الأميركي، مارتن لوثر كينغ جونيور، الذي شجّع، خلال حركات الحقوق المدنية الأميركية في ستينيات القرن الماضي، نيشيل نيكولز (Nichols Nichelle) على البقاء في دورها "ملازم أول أوورا" (Uhura Lieutenant) في فيلم "ستار تريك" (Trek Star)، حين كانت تفكّر في المغادرة. فبالنسبة إلى مارتن لوثر كينغ، مثّل فيلم "ستار تريك" عالمًا أكثر إشراقًا مع نظام اجتمعي أكثر تقدمًا؛ بمعنى رؤية مشرقة لمستقبل حركة الحقوق المدنية، حيث يتم الحكم على المرأة السوداء بناءً على محتوى شخصيتها فحسب، لا على لون بشرتها. أحد جوانب الخيال العلمي المهمة بالنسبة إلى السياقات العربية المعاصرة الموسومة بعدم اليقين هي إذًا تسليطها الضوء على الطموح الاجتمعي لمستقبل أفضل، أي القوة التي تدفع المجتمع إلى ما وراء حالته الحالية، وهي دينامية جمعية جوهرية خاصة بأعمل الخيال العلمي ومفعمة بالأمل، من شأنها الدفع بمجتمعاتنا إلى الحلم بمستقبلات بديلة تقبل الإنجاز على أرض الواقع، والعمل من أجلها.

لاحقًا، سوف تؤدي نيشيل نيكولز دورًا أساسيًا في إصلاح سياسة التوظيف في الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا)، وفي توظيف سالي رايد (Ride Sally)، وجيون بلوفورد (Bluford Guion)، بوصفهما أول امرأة في ناسا بالنسبة إلى الأولى، وأول رائدة فضاء أميركية سوداء بالنسبة إلى الثانية: Helen Klus, "Imagining the Future: Why Society Needs Science Fiction," The Star Garden, 3/4/2012, accessed on 16/1/2021, at: https://bit.ly/3jfBv1r

خامسًا: الجائحة، والخيال العلمي، ومستقبلات البشرية

إنّ النظرة الثاقبة وبُعد النظر غير العاديين في بعض أعمل الخيال العلمي غالبًا ما يُظهران الآمال، ولكن أيضًا المخاوف، التي من شأن التقدم العلمي والتكنولوجي أن يلهمها. فمنذ عقد ثمانينيات القرن الماضي، الذي تميّز باكتشافات علمية كبرى (فيروس نقص المناعة المكتسب "الإيدز"، وحمى الإيبولا، وإنفلونزا الطيور، وجنون البقر، والأمراض التي تنتقل من الحيوانات إلى البشر... إلخ)، ضاعفت هذه التنبيهات الصحية والمخاوف التي تثيرها من قصص الوباء في أعمل الخيال العلمي، بعضها كان قائمًا على ديستوبيا انتشار العامل الممرض في جميع أنحاء العالم في زمنٍ قياسي، وهو ما يحاكي ما جرى إلى حدٍّ بعيد مع جائحة كورونا. لقد كان للعديد من الأعمل التي تستكشف مسألة نهاية الحضارة وموضوع الانهيار تأثير كبير في التطورات اللاحقة، بناءً على تحليل تاريخي أو تحليل "بيئي - اقتصادي"، أي التوفيق بين الاقتصاد والبيئة، على غرار "تقرير ميدوز" الشهير الذي حرّره "نادي روما" في عام 1972، وهو ما يؤكده الكم الهائل من المنشورات، والأعمل الأخرى ذات الطبيعة المستقبلية و/ أو الأخروية، الانعكاس الذي كان لأعمل "اليوتوبيا" أو "الديستوبيا"، منذ عهد توماس مور في المدينة الفاضلة (القرن السادس عشر)، أو فرانسيس بيكون في أطلانطس الجديدة (القرن السابع عشر). ومع بداية أزمة جائحة كورونا في الربع الأول من عام 2020، عادت إلى الواجهة العديد من أعمل الخيال العلمي ذات الصلة، إذ عاد الكثيرون، على سبيل المثال لا الحصر، إلى رواية الطاعونللفيلسوف الفرنسي ألبرت كامو (1960-1913)، التي نشُرت عام 1947، وهي تروي قصة طاعون يكتسح مدينة وهران الجزائرية، وتطرح عددًا من الأسئلة المتعلقة بطبيعة القدر والحالة البشرية في فترة الجائحة. وقد كان فيلم (Contagion) الذي صدر في عام 2011 من بين أكثر الأفلام التي حظيت بالاهتمم الكبير في بداية الجائحة، على اعتبار أنّ سيناريو الفيلم (الذي راجعه علمء أوبئة)، المستوحى من جائحة "الإنفلونزا الإسبانية" في عام 1918، ومن تفشي فيروس متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد "سارس" في الفترة 2004-2002، يحاكي إلى درجة كبيرة جائحة كورونا: فالوباءان معًا، الحقيقي في الواقع والخيالي في الفيلم،

أفادت الدراسة أنّ الأرض لا تشتمل على تلك الموارد التي تسهل استيعاب اتجاهات "النمو الأسّ" (Growth Exponential) العالمي،

الممتدة على صعدٍ متعددة. ومن ثمّ أك دت أنه إذا استمرت اتجاهات النمو الأسي، كما كانت، على صعد نمو السكان، وإنتاج الغذاء، ونضوب الموارد الأولية، دونما تغيير، فإنّ حدود النمو ستصل إلى أقصاها في حدود عام 2200. وهذا إن حدث، فإنه سيؤدي إلى تدهورٍ شامل على شتى صعد الحياة، ومن ثم انهيار النظام العالمي: Donella Meadows, Jorgen Randers & Dennis Meadows, Limits to Growth: The 30-Year Update (New York: Universe Books, 1972). 51 Thomas More, Utopia (Cambridge: Cambridge University Press, 2002 [1551]). 52 Francis Bacon, The New Atlantis (Auckland: The Floating Press, 2009 [1627]). 53 Albert Camus, The Plague, Stuart Gilbert (trans.) (New York: Knopf Doubleday, 1991).

ينتشران انطلاقًا من الصين، ويرجّح أنّ كليهم انتقل في الأصل عن طريق الخفافيش، وانتشر بسرعة خاطفة في جميع أرجاء العالم، مم يُسفر عن مقتل الضحايا بأعراض تشبه أعراض الإنفلونزا. ونذكر أيضًا سلسلة الأفلام ((2002 Evil) Resident، و 2004، و 2007، و 2010، و 2012، و 2016)، المقتبسة من ألعاب الفيديو التي تحمل الاسم نفسه، والتي تدور قصتها حول الاستخدام السيئ للعلم والتفشي "المقصود" لفيروس في المختبر السري "الخلية" (Hive The) التابع لشركة أمبريلا (Umbrella) القابعة أسفل مدينة راكون (Raccoon)، وكيف تصبح المدينة تحت الحجر الصحي، وينتشر الفيروس على نحوٍ واسع، وتنتشر الكائنات "الزومبي"، ويصبح الجنس البشري على وشك الانقراض. كم يحاكي فيلم الخيال العلمي (Legend am I) الذي صدر في عام 2007 "سيناريو" جائحة كورونا إلى حدٍّ بعيد. فالشخصية الرئيسة في الفيلم هي شخصية الدكتور روبرت نيفيل، عالم الأحياء العسكري، وهو أحد الناجين القلائل في مدينة لوس أنجلوس الأميركية، من فيروس قاتل للبشرية نتج، على نحوٍ غير قصدي، من علاجٍ مبتكر لداء السرطان، والذي سيعمل بجدٍّ على امتداد سنوات عقب الجائحة لإيجاد علاجٍ الفيروس؛ وهو ما سيُفلح فيه في آخر المطاف. وتكمن أهمية الفيلم في بُعده الفلسفي المذهل، حيث يتكشّف في آخره عن ميلاد "مجتمع جديد"، والانتقال من طورٍ حضاري إلى آخر. إحدى النقاط المشتركة بين هذه الأعمل وغيرها أنّ الفيروسات والابتكارات العلمية التكنولوجية غير المضبوطة بضوابط من شأنها أن تعرّض البشرية للخطر، وتشكّك أيضًا في مكانة البشر في الطبيعة وفي تطور الأنواع. فضلً عن ذلك، فإنها لا تخلو من منسوبٍ عالٍ من الأمل في القدرة على تغيير المستقبل، وألّ حتمية أو قدرية فيه، وأنّ الأوبئة والجائحات التي نعيشها اليوم قد تكون ناقوس خطرٍ للبشرية لتغيير نموذج نموها وتطورها على نحوٍ جذري يضمن الاستدامة والمكانة المركزية للإنسان في هذا الكون.

خاتمة

الخيال العلمي مقاربة أدبية/ علمية مستقبلية لا تستوي وأشكال الروايات الخيالية الأخرى ذات العلاقة، ولا تتمهى كذلك مع تلك الدراسات التي تتخذ من المنهجية العلمية سبيلً أساسيًا لها، وإنما هي مقاربة تجمع في آنٍ بين الخيال والعلم، وقد أسس هذا الاجتمع لبروز مقاربة الخيال العلمي. وأدى تناول مقاربة الخيال العلمي لمستقبل طيفٍ واسعٍ من الأشياء و/ أو الأحداث، التي لم تحدث قط، أو لم تحدث بعد، في المستقبل البعيد، إلى جعلها تتمتع بتأثير مهم في الإدراك الإنساني للمستقبل، ومن ثمّ اكتساب شهرة واسعة. وقد بيّنت في هذه الدراسة أنّ الخيال العلمي، الأقدم نشأةً، يشكّل مع دراسات المستقبلات، الأحدث تكوينًا، الثنائي الذي ينصرف إلى استشراف المستقبل؛ إذ لا يحتكر أحدهم التفكير الإنساني في المستقبل.

وبيّنت أنّ كليهم ينصرف إلى تحقيق غايته انطلاقًا من أسئلة مختلفة، تتم الإجابة عنها عبر مقاربات مختلفة أيضًا. ففي حين يأخذ التفكير العلمي في المستقبل بمقاربة منهجية، وبحصيلة تضفي على السؤال الذي ينطلق منه الصفة العلمية، يأخذ التفكير الخيالي العلمي بمقاربة لا تنتمي إلى حقول المعرفة العلمية؛ الأمر الذي يجعل من سؤاله تصوريًا خياليًا، يأخذ صيغة "ماذا لو" (if happens What). وإن كانت العلاقة الثنائية بينهم قد اتسمت عمومًا بالاضطراب، فإنّ كلّ واحد منهم يستطيع رفد الآخر بما يدعمه. فمثلم تستطيع دراسات المستقبلات دعم الخيال العلمي بمقارباتها المنهجية، يستطيع الخيال العلمي رفد دراسات المستقبلات بخيالاته الإبداعية لما يمكن أن يحدث في المستقبل؛ إذ تتيح لنا الحرية الخيالية في الأدب والسينم وغيرها تفكيك تمثلّاتنا، ويدعونا الخيال العلمي لاستكشاف المسارات التي لا تتمشى بحزم مع اتجاهات اليوم، ومن ثمّ لاستكشاف عوالم بديلة غير تلك التي نعرفها، قد لا يكون لدى المستقبلي الجرأة على تخيلها. ويُعدّ الفرنسي جول فيرن، والإنكليزي هربرت جورج ويلز، نموذجًا لهذه الثنائية. فكلٌّ منهم بدأ بروايات متفائلة (Utopia) بمخرجات العلم والتكنولوجيا، وانتهى بروايات متشائمة (Dystopia) عنها. أخيرًا، تجدر الإشارة إلى أنّ ارتباط العلم بالخيال العلمي جاء نتيجةً لمخرجات الثورة العلمية، وفلسفة التنوير، وانتشار فكرة التقدم في المجتمعات الأوروبية آنذاك؛ وهو ما لم يُقيّض له التمكين في بلادنا العربية. فقد أدّت مخرجات الثورة العلمية إلى الأخذ بإجابات عن أسئلة الحاضر و/ أو المستقبل لا تنطلق من أدوات ما قبل العلم كم كان، وإنما من مقاربات منهجية علمية. ولذا بدأت سلسلة مستمرة من الروايات في الصدور تجمع بين الخيال والعلم، ولغايةٍ انصرفت إلى إعادة هيكلة الواقع السلبي، الذي كان سائدًا آنذاك في المجتمعات الأوروبية، وعلى وفق افتراضات معيارية تشكّل مضامينها صورة المستقبل المثالي المنشود، وهو ما لا نزال نفتقده في البلاد العربية.

المراجع

References

العربية

استشرافللدراسات المستقبلية. العدد الأول. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 إسلام، عزمي. "في فلسفة العلوم الإنسانية". عالم الفكر. العدد).1984(3 بيري، ج. ب. فكرة التقدم: بحث في نشأتها وتطورها. ترجمة عارف حذيفة. دمشق: منشورات وزارة الثقافة،.1988 زاهر، ضياء الدين. مقدمة في الدراسات المستقبلية: مفاهيم – أساليب – تطبيقات. القاهرة: مركز الكتاب للنشر، 2004. زريق، قسطنطين. نحن والمستقبل. بيروت: دار العلم للملايين،.1977 فخري، ماجد. "تطور فكرة المستقبل في العصور القديمة والحديثة". الفكر الحديث. العدد 15 (نيسان/ أبريل.)1979 مؤنس، حسين. الحضارة. سلسلة عالم المعرفة 237. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1978

الأجنبية

Bacon, Francis. The New Atlantis. Auckland: The Floating Press, 2009 [1627]. Bassett, Caroline, Ed Steinmueller & George Voss. Better Made Up: The Mutual Influence of Science fiction and Innovation. Nesta Working Paper. no. 13/07. (March 2013). at: https://bit.ly/3pugeES Bina, Olivia et al. "The Future Imagined: Exploring Fiction as A Means of Reflecting on Today's Grand Societal Challenges and Tomorrow's Options." Futures. vol. 86 (February 2017). Bröckling, Ulrich. The Entrepreneurial Self: Fabricating a New Type of Subject. London: Sage, 2016. Camus, Albert. The Plague. Stuart Gilbert (trans.). New York: Knopf Doubleday, 1991. Corsi, Patrick. "Forcing the Design of Fictional Futures: From Theory to Cases Implementation." Journal of Futures Studies. vol. 20, no. 2 (2015).

David, Leonard. Mars: Our Future on the Red Planet. New York: National Geographic, 2016. Graham, Gary & Rashid Mehmood. "The Strategic Prototype 'Crime-Sourcing' and the Science/Science Fiction Behind it." Technological Forecasting and Social Change. vol. 84 (May 2014). Kahn, Herman. Thinking about the Unthinkable. Princeton: Princeton University Press, 1962. Kotasek, Miroslav. "Artificial Intelligence in Science Fiction as A Model of The Posthuman Situation of Mankind." World Literature Studies. vol. 7 (2015). Lombardo, Thomas. Contemporary Futurist Thought: Science Fiction, Future Studies, and Theories and Visions of the Future in the Last Century. Bloomington, IN: Author House, 2006. _________. Science Fiction: The Evolutionary Mythology of the Future. vol. 1: Prometheus to the Martians. Winchester/ Washington, DC: Changemakers Books, 2018. _________. Science Fiction: The Evolutionary Mythology of the Future. vol. 2: The Time Machine to Metropolis. Bloomington, IN: Authorhouse, 2021. _________. Science Fiction: the Evolutionary Mythology of the Future. vol. 3: Superman to Star Maker. Bloomington, IN: Authorhouse, 2021. Masini, Eleonora B. Why Futures Studies? London: Grey Seal Books, 1993. Meadows, Donella, Jorgen Randers & Dennis Meadows. Limits to Growth: The 30- Year Update. New York: Universe Books, 1972. More, Thomas. Utopia. Cambridge: Cambridge University Press, 2002 [1551]. Petranek, Stephen. How We'll Live on Mars. New York: Simon and Shuster, 2015. Prochaska, James O., Carlo C. DiClemente & John C. Norcross. "In Search of How People Change: Applications to the Addictive Behaviors." American Psychologist. vol. 47, no. 9 (September 1992).

Siegel, Mark. Hugo Gernsback, Father of Modern Science Fiction: With Selected Essays. San Bernardino: Borgo Press, 1988. Slaughter, Richard A. New Thinking for a New Millennium. London: Routledge, 1996. _________. The Foresight Principle: Cultural Recovery in the 21 st Century. Praeger Studies on the 21 st Century. Westport, CT: Praeger Publishers, 1995. _________. The Foresight Principle: Cultural Recovery in the 21 st Century. Westport, CT: Praeger, 1995. Stableford, Brian. "Notes Toward a Sociology of Science Fiction." Foundation: The Review of Science Fiction. vol. 15 (January 1979). Stackelberg, Peter von & Alex McDowell. "What in the World? Storyworlds, Science Fiction, and Futures Studies." Journal of Futures Studies. vol. 20, no. 2 (December 2015). Toscano, Aaron. "Using I, Robot in the Technical Writing Classroom: Developing a Critical Technological Awareness." Computers and Composition. vol. 28, no. 1 (2011). Tymn, Marshall B. "Science Fiction: A Brief History and Review of Criticism." American Studies International. vol. 23, no. 1 (April 1985). Vint, Sherryl. Science Fiction. Cambridge, MA: The MIT Press, 2021.