العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مستقبلات العلوم والتكنولوجيا العربية في الثورة الصناعية الرابعة قراءة نقدية في كتاب: الثورة الصناعية الرابعة

مستقبلات العلوم والتكنولوجيا العربية في الثورة الصناعية الرابعة قراءة نقدية في كتاب: الثورة الصناعية الرابعة

The Futures of Arab Science and Technology in the Fourth Industrial Revolution Critical Reading of: The Fourth Industrial Revolution

هيئة التحرير

الملخّص

قراءة نقدية يف كتاب: الثورة الصناعية الرابعة

Abstract

The Future of Arab Science and Technology in the Fourth Industrial Revolution

الكلمات المفتاحية:
  • الثورة الصناعية الرابعة
Keywords:
  • Fourth Industrial Revolution

الرقم التعريفيDOI https://doi.org/10.31430/LZQH8107

A Critical Reading of The Fourth Industrial Revolution

Klaus Schwab

The Fourth Industrial Revolution

(Geneva: World Economic Forum, 2016), 181 pages.

مقدمة

بدأت تلوح منذ بضع سنوات معالم ثورةٍ صناعية جديدة، أطلق عليها "الثورة الصناعية الرابعة"، سِمتُها الرئيسة تقارب الابتكارات الرقمية، والبيولوجية، والمادية؛ ما يسهم في تغيرٍ جذري في الأساس التكنولوجي للأنظمة الصناعية. وتأتي هذه الثورة في إثر العديد من الثورات الأخرى التي ميزت البشرية عبر تاريخها. فقد حدث أول تحول عميق في التطور البشري في الانتقال إلى الزراعة منذ حوالى 10000 عام، حين أحدثت الثورة الزراعية نقلةً نوعية في مجالات الإنتاج والنقل والاتصالات، بفضل تضافر جهود البشر مع جهود الحيوانات المدجّنة. ومع تحسّن إنتاج الغذاء، تزايد النمو السكاني، ونمت مستوطنات بشرية أكبر؛ ما أدى إلى التحضر وظهور المدن. ولاحقًا، ساعدت الثورات الصناعية المتتالية بدورها في تغيير وجه الحياة البشرية على الأرض وطريقتها، وأنماط التغذية، والتداوي، والتنقل، والإنتاج، والاستهلاك. تندرج "الثورة الصناعية الرابعة" في هذا المنحى التطوري، بمعنى تغيٍّ عميق في بنية الأنظمة الاجتمعية والاقتصادية ووظيفتها، من خلال إحداث تغيير جذري في أنماط الابتكار وفي التشبيك فيم بينها. بل أكثر من ذلك، من شأن الثورة الصناعية الرابعة أن توفر فرصًا أكبر من سابقاتها لتسخير التكنولوجيا حتى توسع نطاق القدرات البشرية في إنتاج الموارد وتوزيعها على نحوٍ أكثر إنصافًا واستدامة، وفي التعافي من الأمراض والأوبئة، وفي الترفيه، والتعلّم، وغيرها من مجالات الحياة. وفي الآن ذاته، ستطرح أيضًا تحديات جمّة بالنسبة إلى الأفراد، والمنظمت، والمجتمعات. يأتي السؤال بالنسبة إلى الدول العربية، إن هي كانت تروم الاستفادة من الفرص التي تتيحها الثورة الصناعية الرابعة، وترغب في التخفيف من التحديات التي تواجهها اليوم، لا سيّم في ما يخصّ بنية العلوم والتكنولوجيا العربية والارتقاء بها. وهو ما يفيد الحاجة إلى فهم ديناميات تأثيرات التكنولوجيا التي تميّز هذه الثورة في بنية الأنظمة الاجتمعية والاقتصادية ووظيفتها، وشروطها، ورهاناتها. من ثمّ، تأتي أهمية التناول النقدي للكتاب الذي صدر في عام 2016، والذي صاغ هذا المفهوم، وهو كتاب الثورة الصناعية الرابعة لكلاوس شواب، الاقتصادي الألماني المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي (منتدى دافوس). فقد كان شواب من بين الأوائل الذين لاحظوا تقارب الابتكارات باعتبارها

تجدر الإشارة إلى أنّ كلاوس شواب أصبح يحظى باهتمامٍ بالغ مع قدوم جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-). ويعود هذا

الاهتمام العالمي الواسع إلى دعوة شواب، في خضمّ هذه الجائحة، إلى "إعادة الضبط الكبرى" (Reset Great The) التي ما فتئ يروج لها على مدى سنوات، والتي وجد في ظروف أزمة الجائحة السياق المناسب للدفع بها، لا سيمّا أنها حظيت بدعم العديد من الشخصيات الاقتصادية

والسياسية الدولية الرفيعة ورعايتها (بيل غيتس وآل غور، وغيرهما)؛ وهو ما غذّى بقوة "نظريات المؤامرة". تقوم دعوة "إعادة الضبط الكبرى" على فكرة أنّ ما هو مطلوب لمعالجة هذه الأزمات يتجاوز بكثير الإصلاحات الاقتصادية أو التدابير المناخية أو معالجة الجائحة، بل يشملها كلها مجتمعة في إطار تغييرٍ مجتمعي شامل وعميق. ينظر في ذلك: Klaus Schwab & Thierry Malleret, Covid-19: The Great Reset (Geneva: World Economic Forum, 2020).

"ثورةً صناعية"، وعبّ عن ذلك بصيغة "الثورة الصناعية الرابعة". وفضلً عن كونه اجترح هذا المفهوم، تكمن أهمية هذا الكتاب أيضًا في أنه قد أسهم في إنتاج أدبيات كثيرة وفي كل المجالات تناقش جوانب مختلفة من التقنيات التي تضمنت الثورة الصناعية الرابعة. وهو ما سنسعى لاستيعاب بعض أهم عناصره في هذه القراءة النقدية، لا سيم من خلال ربط موضوعه بمنظومة العلوم والتكنولوجيا العربية. في اشتباكنا النقدي مع الكتاب، نناقش الفكرة الرئيسة، والتي مفادها أنّ الثورة الصناعية الرابعة تتجاوز حدود ثورة في تكنولوجيات فائقة عديدة وتلاقيها، بل هي أيضًا ثورة في تكنولوجيا الحوكمة، لا سيم من خلال تقنية "قاعدة البيانات المتسلسلة" (يُنظر الهامش 15)، وهو ما يعني بالنسبة إلى البلدان العربية تغييرات مهمة على الصعد السياسية والاجتمعية والاقتصادية. لذا، نسعى من خلال هذه القراءة لربط تحليل هذه الأبعاد الرئيسة للثورة الصناعية الرابعة بالعلوم والتكنولوجيا العربية، في محاولةٍ لرصد واقعها في الجوانب المتعلقة بالثورة الصناعية الرابعة، واستشراف آفاقها في المستقبل وشروط النهوض بها. قبل ذلك، من المهم أن نعود إلى الثورات الصناعية الثلاث الأولى، لنبرز أشكال القطيعة التطورية التي تحدثها اليوم الثورة الصناعية الرابعة.

أولً: الثورات الصناعية بين المايض والحاضر والمستقبل

من وجهة النظر الاقتصادية، تُعرّف "الثورات الصناعية" بوصفها "فترات تاريخية تتميز بتطبيقات اختراق رئيسة منهجية ومستقلة عن الصناعة للتكنولوجيا المبتكرة التي تسمح بمظاهر جديدة للمؤسسات الاقتصادية أو الأسواق الأساسية، والتي تميل إلى تغيير حدود إمكانيات الإنتاج الإجملية نحو الخارج، مع

في ما قبل ذلك، أطلق على هذه الظاهرة تسمية "الجيل الرابع من الصناعةُ" (4.0 Industry)؛ وهي تسمية جرى اجتراحها في ألمانيا في عام 2011 لدى إطلاق مبادرتها الاستراتيجية الخاصة بتعزيز ريادة ألمانيا في التصنيع العالمي وتدعيمها. ينظر: Christoph J. Bartodziej, The Concept Industry 4.0: An Empirical Analysis of Technologies and Applications in Production Logistics (Wiesbaden: Springer Gabler, 2017). 3 ومن بين أهمها، على سبيل المثال لا الحصر: Ziska Fields, Handbook Of Research On Information And Cyber Security in The Fourth Industrial Revolution (Hershey, PA: IGI Global/IRMA, 2018); Jon-Arild Johannessen, Automation, Innovation and Economic Crisis: Surviving the Fourth Industrial Revolution (London: Routledge, 2018); Alejandro Lanteri, Clever: The Six Strategic Drivers for the Fourth Industrial Revolution (New Jersey: BookBaby, 2019); Jon-Arild Johannessen, The Workplace of the Future: The Fourth Industrial Revolution, the Precariat and the Death of Hierarchies (London: Routledge, 2019); Keun Lee, Franco Malerba & Annalisa Primi, "The Fourth Industrial Revolution, Changing Global Value Chains and Industrial Upgrading in Emerging Economies," Journal of Economic Policy Reform, vol. 23, no. 4 (May 2020), pp. 1-12; Nicholas Johnson & Brendan Markey-Towler, Economics of the Fourth Industrial Revolution: Internet, Artificial Intelligence and Blockchain (London: Routledge, 2020); Hyun-Hoon Lee & Donghyun Park, Post-COVID Asia: Deglobalization, Fourth Industrial Revolution, and Sustainable Development (Athens: World Scientific Publishing Co. Pte. Ltd., 2021); Jayaluxmi Naidoo (ed.), Teaching and Learning in the 21 st Century: Embracing the Fourth Industrial Revolution (London/ Boston: Brill Sens, 2021); Glenn Diesen, Great Power Politics in the Fourth Industrial Revolution: The Geoeconomics of Technological Sovereignty (London: I.B. Tauris / Bloomsbury, 2021); Jongbae Kim & Roger Lee, Data Science and Digital Transformation in the Fourth Industrial Revolution (New Work: Springer, 2021).

رفع مستوى المعيشة بصفة دائمة". ترى جهة النظر هذه أن العالم مرّ بالعديد من التحولات الكبرى منذ ما سمي "الثورة الصناعية"، لا سيم "الثورة التكنولوجية"، ثمّ "الثورة الرقمية".

1. الثورة الصناعية: الثورة الأولى

حدثت الثورة الصناعية ما بين حوالى عام 1760 وعام 1840 تقريبًا، في بريطانيا، قبل أن تنتقل إلى أجزاء محدّدة من البلدان الغربية. وقد كان من أهمّ سمتها المميزة اختراع المحرك البخاري، والبناء الواسع النطاق للسكك الحديدية؛ ما جعل الإنتاج الميكانيكي ممكنًا، وفتح إمكانيات جديدة لشبكات الاتصالات والتجارة. وقد جرى خلال هذه المدة تطوير التكنولوجيا التي مكّنت من بناء البنية التحتية لدعم إنتاج سلع وخدمات أكثر قيمة في إطار زمني معين، بالموارد نفسها. وسمح أيضًا تطوير البنية التحتية بتطوير أسواق عالمية أكبر للاتصالات والتجارة والاستثمر، وبدأ الحصول على نسبة أكبر من الناتج المحلي الإجملي من القطاعات غير الزراعية. ولم تشمل هذه الثورة الصناعية في موجتها الأولى معظم دول العالم، بما في ذلك بعض البلدان الغربية.

2. الثورة التكنولوجية: الثورة الصناعية الثانية

حدثت "الثورة التكنولوجية"، أو الثورة الصناعية الثانية، ما بين حوالى عام 1850 إلى حوالى عام.1920 وتمثلت سمتها الأساسية في التقدم الهائل في التصنيع والقدرة الإنتاجية المنظمة؛ إذ تطورت الكهرباء والاتصالات عن بعد والنقل وخطوط الإنتاج. وقد شهدت هذه المدة التبنّي الواسع والتكامل المبتكر للتقنيات عبر سلاسل التوريد؛ ما أدى إلى تحوّل عمليات الإنتاج والتجارة باستخدام الكهرباء، وإدارة الأعمل على نحوٍ أفضل. ونظرًا إلى تأثيرها (المستمر إلى يومنا هذا) في النمو الاقتصادي، يربط بعض الباحثين الفترة التي رافقت هذه الثورة التكنولوجية، والتي تُعرف باسم "نظام النمو المستدام"، ببُعد "التقدّم" المحايث للحداثة الغربية.

3. الثورة الرقمية: الثورة الصناعية الثالثة

وجدت "الثورة الرقمية"، أو الثورة الصناعية الثالثة، جذورها في نهاية أربعينيات القرن الماضي وبداية خمسينياته، وعرفت دفعًا قويًا في السبعينيات، واختتمت مع منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حينم انتشرت الهواتف الذكية وأجهزة الحوسبة المتنقلة. وقد كانت السمة المميزة للثورة الرقمية هي الإنتاج الضخم في بداية سبعينيات القرن الماضي للمعالجات الدقيقة والعديد من الأجهزة الإلكترونية الأخرى للحساب والاتصالات وتخزين البيانات. ومثّل ابتكار بروتوكول (TCP-IP) في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، والذي سمح بتعميم شبكة الإنترنت، علامةً بارزة في هذه الثورة. ولفتت الوتيرة

4 Johnson & Markey-Towler.

السريعة للنمو في هذا القطاع اهتممًا كبيرًا من الباحثين، وهو ما جرى التعبير عنه ب "قانون مور". وتضمنت بعض التطبيقات الأكثر قيمة من الناحية الاقتصادية لهذه التكنولوجيا الجديدة أجهزة الكمبيوتر الشخصية، والأقراص المدمجة، والإنترنت، وآلات الصرف الآلي، والكاميرات الرقمية، والهواتف المحمولة.

ثانيًا: الثورة الصناعية الرابعة

في مقابل التحولات الاقتصادية والاجتمعية والعلمية والتكنولوجية المهمة التي ولّدتها الثورات الصناعية الثلاث السابقة، والتي رافقتها تحولات ديموغرافية وسياسية وثقافية، بدأت الثورة الصناعية الرابعة منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وتميزت بدمج التقنيات الرقمية الجديدة، المتجذّرة في تطورات الثورة الرقمية، مع التطبيقات التكنولوجية في المجالات الفيزيائية والبيولوجية. ويعود قدم السبق إلى كلاوس شواب في لفت الانتباه إلى أهمية هذا التحول الجاري، وتقديم حجج على أن خصائص التحولات التي أضحت تواجه المؤسسات الاقتصادية والصناعة والمجتمع عمومًا هي ذات طبيعة مختلفة اختلافًا جوهريًا عن تلك التي رأيناها في الثورة الرقمية. ولذا نجده يجادل في كتابه المؤثر، الثورة الصناعية الرابعة، بأنّ الثورة الصناعية الحالية تتجاوز الثورة الرقمية مقيسة على: (أ) سرعة التقارب التكنولوجي، (ب) اتساع التحولات المؤسسية التي تعيد تشكيل هويتنا وطريقة عملنا وعمقها، (ج) التأثير في مستوى الأنظمة، ليس داخل الصناعات والبلدان فحسب، ولكن أيضًا عبرها (ص. 8). يستعرض كلاوس شواب في هذا الكتاب قائمةً بما يعتبره "الاتجاهات التكنولوجية الضخمة" (Megatrends) الأشد تأثيرًا في الثورة الصناعية الرابعة، والتي تقود التغييرات التي نشهدها حاليًا. ويشير في الفئة المادية إلى دور المركبات ذاتية القيادة، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والروبوتات المتقدمة، والمواد الجديدة للبناء، والتصميم (ص. 22-24). وفي الفئة الرقمية، يسلط الضوء على التأثير الواسع لما يسمى إنترنت الأشياء، وتطبيقات "قاعدة البيانات المتسلسلة"، والعديد من المنصات الرقمية المصممة لأعداد كبيرة من المستخدمين. وفي الفئة البيولوجية، يؤكد شواب على التطورات السريعة في البيولوجيا التركيبية، وصيانة الصحة، وعلوم الأعصاب (ص. 24-26).

ابتكر "قانون مور" (Law Moore's)‏ غوردون مور (وهو أحد مؤسسي شركة "إنتل" Intel) في عام 1965 للإشارة إلى أنّ عدد

الترانزستورات على شريحة المعالج يتضاعف تقريبًا كل عامين. وقد جرى استخدام هذا القانون لاحقًا للتعبير عن النمو الأ سّ للأداء الحاسوبيُ الذي أصبح يقاس بملايين العمليات في الثانية الواحدة. وفي عام 2021، بدأ قانون مور يصل إلى حدوده المادية (الجدار الكمّي). يُعرف هذا الاندماج أيضًا باسم "التقارب التكنولوجي" (Convergence Technology). ينظر في ذلك: Hang Sik Park, "Technology Convergence, Open Innovation, and Dynamic Economy," Journal of Open Innovation: Technology, Market, and Complexity, vol. 3, no. 1 (2017), p. 24.

وقد ناقش شواب العديد من الاتجاهات التكنولوجية الأخرى للثورة الرابعة في كتابٍ تكميلي لكتابه موضوع هذه القراءة النقدية، صدر في عام 2018 وكان بعنوان تشكيل مستقبل الثورة الصناعية الرابعة. وفيه يجري تقديم الثورة الصناعية الرابعة بوصفها نتيجة للتكامل والتأثير المركب للعديد من "التقنيات الأسّية"، مثل الذكاء الاصطناعيُ (Intelligence Artificial)، والتقنيات الحيوية (Biotechnologies)، والمواد النانوية (Nanomaterials). ويكفي تقديم أحد الأمثلة على هذا الواقع الناشئ داخل الثورة الصناعية الرابعة لإبراز مدى تعقيده، وهو تطوير الكائنات البيولوجية الاصطناعية المصنعة باستخدام خطوط التجميع الروبوتية، حيث توفر المواد النانوية تحسينات هائلة في كفاءة الإنتاج. يرى شواب أنّ الثورة الصناعية الرابعة توسع نموذج الثورة الصناعية إلى المستقبل، عندما تختفي العديد من عناصر ما يمكن أن نعتبره الصناعة (المصانع الثابتة والمركزية، وقوى العمل الضخمة داخل الشركات الكبيرة). وأكثر التقنيات الأسّية شيوعًا هي الزيادة الهائلة في طاقة الكمبيوتر وتقليل تكلفة التخزين. وعندما يجري دمج هذه التقنيات الرقمية الأسّية مع تقنيات أخرى سريعة النمو ممثلة (التكنولوجيا الحيوية، وتكنولوجيا النانو، والذكاء الاصطناعي)، فإنّ وتيرة التغيير تتضاعف (ص. 9). على نحوٍ عام، يمكننا تحديد المكونات الرئيسة التي تأتلف فيم بينها للثورة الصناعية الرابعة في العناصر التالية:

1. إنترنت الأشياء

تشير "إنترنت الأشياء" (Things of Internet) إلى تقديم ربط "الأشياء" فيم بينها من خلال الشبكات السلكية واللاسلكية بطرائق مختلفة. وإن كان من السهل فهم كون الأشياء "متصلة" بالإنترنت أو بشبكة متصلة مكونة من أشياء، فعلى عكس الإنترنت الحالية، والتي يجري توصيلها من خلال جهاز كمبيوتر أو هاتف ذكي، يمكن القول إنّ إنترنت الأشياء هي عبارة عن إنترنت تتكون من كل الأشياء الموجودة في الجوار، من الأجهزة المادية والمَركبات والأجهزة المنزلية وغيرها من العناصر المادية الموصولة بالأجهزة الإلكترونية، والبرمجيات، وأجهزة الاستشعار، والمحركات، والوصلات التي تمكِّن هذه الأشياء المادية والافتراضية من الاتصال فيم بينها وتبادل البيانات.

Klaus Schwab & Nicholas Davis, Shaping the Future of the Fourth Industrial Revolution (Geneva: World Economic Forum, 2018). 8 Ibid. Bryan Edward Penprase, "The Fourth Industrial Revolution and Higher Education," in: Nancy W. Gleason (ed.), Higher Education in the Era of the Fourth Industrial Revolution (Singapore: Palgrave Macmillan, 2018), p. 215. 10 Dong-Jin Pyo, Jaejin Hwang & Youngjin Yoon, Tech Trends of the 4 th Industrial Revolution (New Delhi: Mercury Learning and Information, 2021), p. 7.

2. الحوسبة السحابية

"الحوسبة السحابية" (Computing Cloud) هي التزويد الفوري لموارد النظام وموارد تكنولوجيا المعلومات بأجهزة الكمبيوتر الافتراضية. إنها نوع من الحوسبة القائمة على الشبكة، والتي تشير إلى تقنية تعالج المعلومات باستخدام أجهزة كمبيوتر أخرى متصلة بالسحابة (الإنترنت) بدلً من الكمبيوتر الخاص بالفرد. ففي بيئة السحابة، لا يمتلك الأفراد موارد الكمبيوتر الضرورية، مثل الأجهزة (Hardware)، والبرامج (Software)، وهي العناصر الأساسية المطلوبة لاستخدام الكمبيوتر، ولكنهم يستعيرونها ويستخدمونها بقدر ما يحتاجون إليها.

3. البيانات الضخمة

من الصعب تحديد نطاق "البيانات الضخمة" (Data Big). فقد يُطلق على كمية كبيرة من البيانات نفسها تسمية "البيانات الضخمة". ولكن بصفة عامة، من المستحسن فهم أنّ البيانات الضخمة هي عبارة عن سلسلة من العمليات من بداية البيانات إلى نهاية الاستخدام، مثل جمع البيانات ومعالجتها وتخزينها وتحليلها. وذلك لأن التقنيات مثل "إنترنت الأشياء"، و"الحوسبة السحابية"، و"الذكاء الاصطناعي"، ترتبط حتمً بالبيانات الضخمة. ويمكن تلخيص أهم خصائص البيانات الضخمة في ما يُطلق عليه Vs":"5 "الحجم" (Volume)، والتنوع (Variety)، والسرعة (Velocity)، والموثوقية (Veracity)، والقيمة (Value).

4. الذكاء الاصطناعي

"الذكاء الاصطناعي" (Intelligence Artificial) هو تطبيق مصطنع للذكاء البشري. ذلك أن أجهزة الكمبيوتر ذات الذكاء الاصطناعي يمكنها أتمتة ما يفعله البشر، واتخاذ القرارات على نحوٍ مستقل، والتفاعل مع البشر على غرار التعامل البشري. وقد أصبح الذكاء الاصطناعي يساعد على ضمن حياة أكثر راحة، ويحقق وفورات هائلة في التكاليف للشركات من خلال المعالجة السريعة والدقيقة.

5 ي. الواقع الافتراض والواقع المعزز

جرى منذ عقود تقديم "الواقع الافتراضي" (Reality Virtual)/ "الواقع المعزّز" (Reality Augmented) من خلال روايات الخيال العلمي وأفلامه. ومن خلال التقنيات المتقدمة الحديثة للعرض، والتشبيك، والاستشعار، أصبح اليوم من الممكن التعبير عن العالم الافتراضي على نحوٍ أكثر واقعية. ويبني الواقع الافتراضي كل البيئات المرئية داخل عالمٍ افتراضي مثالي، بينم يجري تطبيق الواقع المعزّز عن طريق

11 Ibid., pp. 22, 23. 12 Ibid., pp. 37, 38. 13 Ibid., p. 50.

تركيب الصور الافتراضية على البيئة الحقيقية. وقد أظهر تطوير هذه التكنولوجيا إمكانيات لا حصر لها لاستخدام الواقع الافتراضي/ المعزز في مختلف الصناعات، ومن ثمّ بناء نظام بيئي صناعي جديد.

6. قاعدة البيانات المتسلسلة

تسمح تقنية "قاعدة البيانات المتسلسلة" (Blockchain) بتحويل طريقة تخزين البيانات وإدارتها. فبدلً من استخدام قاعدة بيانات مركزية، تعتمد تقنية قواعد البيانات المتسلسلة على شبكة من كتل البيانات المحمية والمتصلة معًا باستخدام الترميز. ويبشر صعود استخدام تقنية قواعد البيانات المتسلسلة بإحداث ثورة في العديد من القطاعات، بما في ذلك الخدمات اللوجيستية التجارية عبر الحدود وسلاسل العرض العالمية. عمليًا، يمكن تتبع أيّ شيء ذي قيمة وتداوله على شبكة قاعدة البيانات المتسلسلة؛ ما يقلل المخاطر والتكاليف، ولذا، فقد أسهمت في إحداث ثورة في عالم العملات والمعاملات المالية. وقد أصبحت اليوم تقنية قاعدة البيانات المتسلسلة حديث الساعة مع انتشار العملات الرقمية المشفّرة، لا سيم أشهرها "البيتكوين" (Bitcoin) التي أنشأها الاسم المستعار ساتوشي ناكاموتو في عام 2009 باستخدام تقنية قاعدة البيانات المتسلسلة.

7. الروبوتات والأتمتة

تقوم الروبوتات بأتمتة مهمت متكرّرة ومعقّدة على نحوٍ متزايد، وتنفيذها بسرعة وبدقة. وبفضل هذه المزايا، يجري استخدامها على نطاق واسع في مجالات تمويل الشركات، والمحاسبة، والتصنيع، والشراء، وإدارة العملاء. ويجري، على نحوٍ متزايد، دمج الروبوتات والأتمتة مع تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي، وتعلّم الآلة، ما يجعلها تحلّ على نحوٍ متضاعف محلّ البشر بقدرات عالية لا يمكن الإنسان القيام بها، ولكن مع مخاطر جمّة، مثلً في مجال استخدام الطائرات من دون طيّار (Drones) في الحروب، أو في مجال المضاربات المالية الدولية (Trading.)High-Frequency يمكننا، على نحوٍ إجملي، التمييز بين موجات الثورة الصناعية الأربع، وفقًا لمعايير موارد الطاقة الرئيسة، والإنجازات التقنية الرئيسة، والصناعات المتطورة الرئيسة، ووسائل النقل الرئيسة، كم يوضحها الجدول.

14 Ibid., pp. 68, 69. 15 Ibid., pp. 89, 91. 16 Ibid., p. 111.

الموجات الأربع للثورة الصناعية

الموجة
املصناعية
االمدة الزمنيةالفترة
الانتقالية
مصدر الطاقة
اإلرئيس
الإنجاز التقني
املرئيس
الصناعات
المتطورة الرئيسة
وسائل النقل
الأولى1900-17601900-1860املفحماملمحرك البخاريالمنسوجات
والصّلب
القطار
الثانية1960-19001960-1940النفط والكهرباءمحرك الاحتراق
الداخلي
التعدين
والسيارات وبناء
الآلات
القطار
والسيارة
الثالثة2000-19602000-1980الطاقة النووية
والغاز الطبيعي
أجهزة الكمبيوتر
والروبوتات
السيارات
والكيمياء
السيارة
والطائرة
الرابعة-2000الزمن
الحاضر
2010-2000ارألطاقات الخضراءإنترنت الأشياء
والطابعة ثلاثية
الأبعاد والهندسة
الوراثية
الصناعات فائقة
التقنية
السيارة
الكهربائية
والقطار فائق
السرعة

المصدر: من إعداد هيئة التحرير.

ثالثًا: العلوم والتكنولوجيا العربية يف الثورة الصناعية الرابعة أين تقع العلوم والتكنولوجيا العربية من هذه الثورة الصناعية الرابعة التي تتميز بانصهار العوالم الرقمية والبيولوجية والمادية، فضلً عن الاستخدام المتزايد للتقنيات الجديدة، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والروبوتات والطباعة ثلاثية الأبعاد وإنترنت الأشياء والتقنيات اللاسلكية المتقدمة، من بين أمور أخرى؟ فقد تخلفت الدول العربية عن الركب خلال الثورات الصناعية الماضية. وحتى اليوم، لا تزال المؤشرات الأساسية للثورة الرقمية متخلفة في معظم الدول العربية عن المتوسط العالمي، على الرغم من بعض التحسينات في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مدفوعة إلى حد بعيد بتوسيع نطاق الوصول إلى الإنترنت وأجهزة الكمبيوتر عبر شبكات الهاتف المحمول، كم يبرز ذلك الشكلان (1.)(2) و نلحظ من خلال الشكلين ((12) و) أنّ الدول العربية حققت (في المتوسط) تقدمًا ملموسًا بالنسبة إلى مؤشّ امتلاك أجهزة كمبيوتر و/ أو إمكانية الوصول إلى الإنترنت المنزلية، وناهزت المتوسطات العالمية بالنسبة إلى السكان الحضر، في حين تظل متخلفةً عن المتوسط العالمي بالنسبة إلى مؤشّ شبكة الجيل الرابع للهاتف المحمول. ففي حين بلغ المتوسط العالمي بالنسبة إلى المؤشر الأول نسبة 84.7 في المئة، لم يتجاوز في الوطن العربي نسبة 44.3 في المئة.

يُعدّ مؤشّ شبكة الجيل الرابع للهاتف المحمول من أهم مؤشّات البنية التحتية للثورة الصناعية الرابعة. بيد أنّ الجيل الخامس

للهاتف المحمول (G 5) يكتسي أهميةً أكبر؛ وتتدنّ هذه النسب إلى أدنى المستويات في أغلب البلدان العربية، مقارنةً بالمتوسطات الدولية، باستثناء بعض بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

الشكل (1) تغطية السكان بحسب نوع شبكة الهاتف المحمول، 2020

المصدر: ITU, Measuring Digital Development: Facts and Figures 2020 (Geneva: International Telecommunication Union, 2020), p. 4.

الشكل (2) النسبة المئوية للأسر التي تمتلك أجهزة كمبيوتر و/ أو إمكانية الوصول إلى الإنترنت المنزلية، 2019

اﻟﻮﺻﻮل إﱃ اﻟﻜﻤﺒﻴﻮﺗﺮ اﻟﺤﴬ -

اﻟﺤﴬ - اﻟﺮﻳﻔﻴﻮن -

المصدر: 6 p..Ibid.,

اﻟﻌﺎ

أﻓﺮﻳﻘﻴﺎ اﻟﺪول اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ آﺳﻴﺎ واﳌﺤﻴﻂ اﻟﻬﺎدئ راﺑﻄﺔ اﻟﺪول اﳌﺴﺘﻘﻠﺔ أوروﺑﺎ اﻷﻣ ﻛﺘﺎن

اﻟﻮﺻﻮل إﱃ اﻹﻧﱰﻧﺖ

اﻟﻌﺎ

اﻟﺮﻳﻔﻴﻮن -

أﻓﺮﻳﻘﻴﺎ اﻟﺪول اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ آﺳﻴﺎ واﳌﺤﻴﻂ اﻟﻬﺎدئ راﺑﻄﺔ اﻟﺪول اﳌﺴﺘﻘﻠﺔ أوروﺑﺎ اﻷﻣ ﻛﺘﺎن

وعلى غرار عدم الاهتمم اللازم بالثورات الصناعية الثلاث الأولى، يلاحظ أنّ مجالات الذكاء الاصطناعي، وقاعدة البيانات المتسلسلة، والذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والحوسبة السحابية، وإنترنت الأشياء، وبقية مجالات الثورة الصناعية الرابعة، لا تزال لم تحظ بالاهتمم اللازم في العالم العربي، على الرغم من أنّ تأثيراتها ستكون أكبر من الثورات الصناعية السابقة في كل المجالات، على اعتبار أنّ تقنيات الثورة الصناعية الرابعة تعمل على طمس الخطوط الفاصلة بين المجالات المادية والرقمية والبيولوجية ودمجها. فالابتكار الجذري والتقارب التكنولوجي اللذان تقوم عليهم الثورة الصناعية الرابعة يتطلّبان تحولات جمّة في الأنظمة السياسية وأنظمة الحكامة، وتحولات مهمة في الموارد البشرية، ويعيدان أيضًا تشكيل كيفية عمل الشركات، وإنشاء أسواق جديدة وتحديد منتجات جديدة. في غياب تحقيق هذه الشروط الإلزامية من أجل توطين الثورة الصناعية الرابعة، لن تكون تأثيرات هذه الثورة هي ذاتها بالنسبة إلى البلاد العربية، على الأمد القصير، كم هو الحال بالنسبة إلى أغلب بلدان الجنوب. فكم في الثورات الاقتصادية السابقة، تتسبب الديناميات القائمة على "الأفضليات التراكمية" في اتساع التفاوتات، ويزداد الأثرياء ثراءً والفقراء فقرًا، وهو ما يسمى "تأثير متّى." يضاف إلى ذلك أنّ هذه الضغوط والتحديات سوف تزداد بالنسبة إلى العالم العربي؛ بالنظر إلى كون ساكنته سوف تزداد وفقًا لتوقعات شعبة السكان بالأمم المتحدة من 436977 مليون نسمة في عام 2020، إلى 202475 مليون نسمة في عام 2030، وإلى 672146 مليون نسمة في عام 2050، وإلى 818688 مليون نسمة في عام 2075، وإلى 904774 مليون نسمة في عام 2100. وبما أنّ القوى العاملة العربية ستكون أكبر، فإنّ فرص النمو الهائلة التي تمثّلها الثورة الصناعية الرابعة ستظلّ في انتظار اقترانها بالبنية التحتية، والمهارات اللازمة للابتكار واستخدام التكنولوجيا، وبالبنى المؤسسية، وسيادة القانون. ومن ثمّ، نثير السؤال الرئيس في هذه القراءة النقدية، وهو: هل في إمكان البلدان العربية "حرق المراحل" واللحاق بركب الثورة الصناعية الرابعة في مجال العلوم والتكنولوجيا والصناعات والابتكار، في حين أنها لم تستوف شروط تملّك الثورتين الصناعيتين الثالثة والثانية، وحتى الثورة الصناعية الأولى

على سبيل المثال، أصبحت شبكة "نيتفليكس" (Netflix) تتنافس مع التلفزيون التقليدي، وسيارات الأجرة تتنافس مع شركات "أوبر" (Uber)، وأماكن الإقامة الليلية التقليدية تتنافس مع "إير بي إن بي".)Airbnb(19 Naiefa Rashied & Muaaz Bhamjee, "Does the Global South Need to Decolonise the Fourth Industrial Revolution?" in: Wesley Doorsamy, Babu Sena Paul & Tshilidzi Marwala (eds.), The Disruptive Fourth Industrial Revolution Technology, Society and Beyond (Cham: Springer, 2020), pp. 95-110. 20 Robert K. Merton, "The Matthew Effect in Science," Science, vol. 159, no. 3810 (1968), pp. 56-63; Robert K. Merton, "The Matthew Effect in Science, II: Cumulative Advantage and the Symbolism of Intellectual Property," Isis, vol. 79, no. 4 (December 1988), pp. 606-623. 21 United Nations, Department of Economic and Social Affairs, Population Division, World Population Prospects 2019, vol. II: Demographic Profiles (New York: United Nations, 2019).

في بعض جوانبها؟ (ص 15). ليس من اليسير الإجابة عن هذا السؤال؛ لأنّ العوائق تظلّ جمة في سبيل ذلك، مع استدامة أشكال "الدولة المعاقة" و"التنمية المعاقة" في هذه البلدان، وانعكاس ذلك على منظومة العلوم والتكنولوجيا.

رابعًا: الإمكانات التحويلية للثورة الصناعية الرابعة يف العالم العربي

نحاجّ في هذه القراءة النقدية بأنّ الثورة الصناعية الرابعة تحمل مع ذلك في ثناياها إمكانات لكسر الدوائر المفرغة التي يدور فيها عدد من القطاعات، وفي مقدمتها قطاع العلوم والتكنولوجيا. فإن كان من الصعب جدًا، بالنسبة إلى البلدان العربية، بل من المستحيل، أن تتبوّأ الريادة في مجال تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة أو في مجال حوكمتها، على الأمد القصير، فإنه من الضروري أن تسعى لتتبوّأ مكانة "المتابع السريع"؛ وهو ما يفترض بناء "قدرات استيعابية" مناسبة، ويتطلب اتخاذ قرارات من الآن بشأن نسبة رأس المال المخصص للاستثمرات التكنولوجية، وتوجيه خيارات المسارات والمنصات التكنولوجية، وتكييف الهياكل التنظيمية، واحتياجات المهارات والعلاقات عبر مختلف القطاعات. ويظلّ الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة في البلدان العربية مقيّدًا بمعايير البنية التحتية، مثل نقص الكهرباء وانخفاض الكثافة الهاتفية وكثافة الإنترنت وتغلغل النطاق العريض. وينطبق الأمر ذاته على العوائق الذاتية البنيوية للبلدان العربية، والعوائق الموضوعية ذات الصلة بالتقسيم الدولي للعمل وللتقسيم الدولي للمعرفة، وللفجوات الصناعية والرقمية والمعرفية الناجمة عنهم. فإذا أخذنا بعدًا مركزيًا واحدًا فقط في الثورة الصناعية الرابعة، وهو بُعد نماذج الإدارة والعمل والابتكار القائمة على التشبيك والتشاركية (Models Collaborative and Networked) (ص. 61)، فإن من شروطه المسبقة بلوغ مكونات هذه الشبكات التشاركية المعقدة مرحلة النضج؛ وهو ما لا يزال خارج المنال إلى اليوم. لتحقيق الاستفادة من الثورة الصناعية الرابعة، يحتاج الفاعلون السياسيون ورواد الأعمل العرب إلى التعرف إلى مجالات جديدة للصناعة والاستفادة منها لتحقيق نمو مستدام وشامل، واتخاذ خطوات حاسمة لسد الفجوات في المهارات الرقمية، والبنية التحتية، والبحث والتطوير. وستكون هناك حاجة إلى تغييرات كبيرة في مناهج العلوم والتكنولوجيا للسمح للطلاب بتطوير القدرات في المجالات الناشئة بسرعة في علم الجينوم وعلوم البيانات والذكاء الاصطناعي والروبوتات والمواد النانوية. من شأن منهج

وهو ما يؤكده كلاوس شواب من حيث إن 17 في المئة من ساكنة العالم (حوالى 1.3 مليار شخص) لم يستفيدوا من مزايا الثورة الصناعية الثانية بسبب نقص الوصول إلى الكهرباء، بينما 25 في المئة (ما يقرب من 4 مليارات شخص) لم يستفيدوا بعدُ من مزايا الثورة الصناعية الثالثة بسبب محدودية الوصول إلى الإنترنت. ينظر في ذلك، ضمن هذا العدد من استشراف: موزة بنت محمد الربان، "منظومة العلم والتقنية في الوطن العربي: الواقع والمستقبل"؛ عز الدين البوشيخي، "استشراف مستقبل البحث في العلوم والتكنولوجيا العربية؛ في ضوء تجارب دولية رائدة."

الثورة الصناعية الرابعة أن يعيد النظر في المناهج الدراسية ضمن العلوم الابتدائية التقليدية (الأحياء، والكيمياء، والفيزياء)، وأن يضع علاوة أعلى على التدريب في موضوعات علوم الكمبيوتر باعتباره شكلً من أشكال محو الأمية في الثورة الصناعية الرابعة. بالنسبة إلى علم الأحياء، قد تتضمن الأساليب الجديدة التدريب في الدورات التمهيدية لمناقشة المجالات الناشئة مثل البيولوجيا التركيبية والتصميم الجزيئي. لئن كانت الثورات الصناعية السابقة قد وسمت بمركزية غربية، مع لحاق جزء من دول الجنوب بها بعد عقود، وهي دينامية تطورية لها أبعاد مركّبة لا مجال للاستفاضة فيها في هذه القراءة، فلربما تكون الثورة الصناعية الرابعة استثناءً في ذلك، بعد أن تبوأت الصين والبرازيل وسنغافورة زمام المبادرة فيم يتعلق بالرقمنة، جنبًا إلى جنب مع رواد التكنولوجيا المعتادين. وقد أدّت الثورة الصناعية الرابعة إلى تحسين الإنتاجية والتخصيص الشامل، على نحوٍ أسرع من السابق، من خلال التطورات التكنولوجية والمنهجيات الجديدة للتشبيك.

توصيات لاستراتيجيات المستقبل

خلُصنا من خلال هذه القراءة لكتاب الثورة الصناعية الرابعة إلى أنّ المسألة الجيدة بالنسبة إلى الدول العربية تتمثّل في أنّ تطور الثورة الصناعية الرابعة لا يزال في أولى مراحله. فالقواعد التي تحكم التقنيات الناشئة لا تزال في طور التطوير. وقد منحت البلدان الآسيوية والدول صاحبة أسرع نمو اقتصادي في العالم "البريكس" (BRICS) قرائن مهمة على إمكانية "حرق المراحل" في الثورة الصناعية الرابعة والانخراط في رسم مسارات التطور المستقبلية من موضع الريادة وليس التابع، متى توافرت الشروط المسبقة لذلك. ويكفي تقديم نموذج الصين وشركة "هواوي" وتكنولوجيا الجيل الخامس للبرهنة على ذلك. من الواضح أنّ الثورة الصناعية الرابعة تمثل فرصًا كبيرة وتحديات للدول العربية. وتظلّ القضية الأساسية لصانعي السياسات العرب في مجال العلوم والتكنولوجيا هي كيفية ضبط اقتصاداتهم للاستفادة من الثورة الصناعية الرابعة، مع ترابط بالنهوض بمنظومة العلوم والتكنولوجيا والابتكار. وهو بدوره مرتهن بإمكانات التحول الاجتمعي والتحول الديمقراطي في هذه البلدان.

24 Bryan Edward Penprase, "The Fourth Industrial Revolution and Higher Education," in: Gleason (ed.), pp. 217-218. 25 Doorsamy, Paul & Marwala (eds.), p. 96. 26 Kaushik Kumar, Divya Zindani & J. Paulo Davim, Industry 4.0: Developments towards the Fourth Industrial Revolution (Singapore: Springer, 2019), p. vi.

المراجع

References

Bartodziej, Christoph J. The Concept Industry 4.0: An Empirical Analysis of Technologies and Applications in Production Logistics. Wiesbaden: Springer Gabler, 2017. Diesen, Glenn. Great Power Politics in the Fourth Industrial Revolution: The Geoeconomics of Technological Sovereignty. London: I.B. Tauris / Bloomsbury, 2021. Doorsamy, Wesley, Babu Sena Paul & Tshilidzi Marwala (eds.). The Disruptive Fourth Industrial Revolution Technology, Society and Beyond. Cham: Springer, 2020. Fields, Ziska. Handbook of Research on Information and Cyber Security in the Fourth Industrial Revolution. Hershey, PA: IGI Global/IRMA, 2018. Johannessen, Jon-Arild. Automation, Innovation and Economic Crisis: Surviving the Fourth Industrial Revolution. London: Routledge, 2018. __________. The Workplace of the Future: The Fourth Industrial Revolution, the Precariat and the Death of Hierarchies. London: Routledge, 2019. Johnson, Nicholas & Brendan Markey-Towler. Economics of the Fourth Industrial Revolution: Internet, Artificial Intelligence and Blockchain. London: Routledge, 2020. Kim, Jongbae & Lee Roger (eds.). Data Science and Digital Transformation in the Fourth Industrial Revolution. New York: Springer, 2021. Kumar, Kaushik, Divya Zindani & J. Paulo Davim. Industry 4.0: Developments towards the Fourth Industrial Revolution. Singapore: Springer, 2019. Lanteri, Alejandro. Clever: The Six Strategic Drivers for the Fourth Industrial Revolution. New Jersey: BookBaby, 2019. Lee, Hyun-Hoon & Donghyun Park. Post-COVID Asia: Deglobalization, Fourth Industrial Revolution, and Sustainable Development. Athens: World Scientific Publishing Co. Pte. Ltd., 2021.

Lee, Keun, Franco Malerba & Annalisa Primi. "The Fourth Industrial Revolution, Changing Global Value Chains and Industrial Upgrading in Emerging Economies." Journal of Economic Policy Reform. vol. 23, no. 4 (May 2020). Merton, Robert K. "The Matthew Effect in Science." Science. vol. 159, no. 3810 (January 1968). ________. "The Matthew Effect in Science, II: Cumulative Advantage and the Symbolism of Intellectual Property." Isis. vol. 79, no. 4 (December 1988). Naidoo, Jayaluxmi (ed.). Teaching and Learning in the 21 st Century: Embracing the Fourth Industrial Revolution (Leiden/ Boston: Brill Sens, 2021). Nancy W. Gleason (ed.). Higher Education in the Era of the Fourth Industrial Revolution. Singapore: Palgrave Macmillan, 2018. Park, Hang Sik. "Technology Convergence, Open Innovation, and Dynamic Economy." Journal of Open Innovation: Technology, Market, and Complexity. vol. 3, no. 1 (2017). Pyo, Dong-Jin, Jaejin Hwang & Youngjin Yoon. Tech Trends of the 4th Industrial Revolution. New Delhi: Mercury Learning and Information, 2021. Schwab, Klaus. Fourth Industrial Revolution. Geneva: World Economic Forum, 2016. Schwab, Klaus & Nicholas Davis. Shaping the Future of the Fourth Industrial Revolution. Geneva: World Economic Forum, 2018. Schwab, Klaus & Thierry Malleret. Covid-19: The Great Reset. Geneva: Forum Publishing, 2020. United Nations, Department of Economic and Social Affairs, Population Division. World Population Prospects 2019, vol. II: Demographic Profiles. New York: United Nations, 2019.