العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تكنولوجيا المستقبل ومستقبل الحرب قراءة نقدية في كتاب

تكنولوجيا المستقبل ومستقبل الحرب قراءة نقدية في كتاب

Future Technology and the Future of War Critical Reading of: Army of None: Autonomous Weapons and the Future of War

آمنة مصطفى دلة

الملخّص

قراءة نقدية يف كتاب "جيشٌ بلا آمر: الأسلحة المسيّة ذاتيًا ومستقبل الحرب"

Abstract

Future Technology and the Future of War

الكلمات المفتاحية:
  • الحرب
  • المستقبل
  • الذكاء الاصطناعي
Keywords:
  • War
  • the Future
  • Future Technology

A Critical Reading of Army of None: Autonomous Weapons and the

الرقم التعريفيDOI https://doi.org/10.31430/DVZC7551

Paul Scharre

Army of None: Autonomous Weapons and the Future of War

(New York/ London: W.W. Norton, 2018), 463 pages.

Future of War

Professor of Political Science at Hassiba Ben Bouali University, Chlef, Algeria. E-mail: a.mostefadella@univ-chlef.dz

يستهلّ بول شار، خبير الأمن والدفاع الأميركي ورئيس ومدير الدراسات في "مركز الأمن الأميركي الجديد" كتابه، جيشٌ بلا آمر: الأسلحة المسيّة ذاتيًا ومستقبل الحرب، بسرد وقائع الليلة السادسة والعشرين من أيلول/ سبتمبر 1986؛ وهي إحدى ليالي الحرب الباردة التي أوشك العالم فيها أن يصيبه الفناء، لولا التفطّن البشري المبكر للكولونيل السوفياتي ستانيسلاف بيتروف (Petrov Stanislav). ففي مطلع ربيع تلك السنة، أطلق الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان (Reagan Ronald) مبادرة الدفاع الاستراتيجي "حرب النجوم"، بصفتها درعَ دفاعٍ صاروخي. وردًّا على ذلك، نشر السوفيات نظام الإنذار المبكر بوساطة الأقمر الصناعية "أوكو" (Oko)، للإبلاغ عن أي إطلاق صاروخي أميركي محتمل. وبعد مضيّ منتصف الليلة بقليل، وبينم كان بيتروف ماكِثًا في خندقه سربوخوف 15- خارج موسكو، انطلقت صافرات الإنذار، وومضت شاشة "الإطلاق" الحمراء العملاقة ذات الإضاءة الخلفية، محذرةً بيتروف من أنّ الأميركيين أطلقوا الصاروخ النووي الأول على الاتحاد السوفياتي، ثمّ الثاني، فالثالث، فالرابع، فالخامس... إلخ. وهو هجوم صاروخي أعلنه نظام الإنذار بكثيرٍ من الثقة، ومن دون أي تردد. وفي مثل هذه الحالات، كان على بيتروف أن يسارع لإعلام قادته بالهجوم؛ على اعتبار أنه لم يتبقَ سوى ثوانٍ معدودة للاستجابة وللتفكير فيم ينبغي فعله في حال تعرّض بلدهم حقًّا لهجومٍ نووي. لقد كان العالم على شفا حرب عالمية ثالثة، وكان الاتحاد السوفياتي على شفا مصير شبيهٍ بالمصير الياباني بعد هجوم بيرل هاربر الشهير في عام 1941. لكنّ شيئًا من ذلك لم يحدث. فقد أنقذ السوفيات سؤالٌ طريف تبادر إلى ذهن بيتروف: لماذا تطلق الولايات المتحدة الأميركية خمسة صواريخ فقط؟ فالأمر لم يكن منطقيًا؛ إذ كان يمكن أن يحدث هجوم مباغت هائل، أو ضربة قاضية تسحقُ الصواريخ السوفياتية على الأرض. وكل ما كان بيتروف في حاجة إليه هو مزيد من المساءلة الذهنية، ومزيد من الوقت، ومزيد من المعلومات لم يمنحها نظام الإنذار لنفسه. وقد أثبتت الرادارات الأرضية، في عقب كلّ ذلك، أنّه كان إنذارًا خاطئًا سبّبته أشعة الشمس المنعكسة فوق قمم الغمم. في الواقع، تلخص القصة الجدل الذي أثارته الأسلحة الفتاكة المسيّة ذاتيًا كليًا (Autonomous Lethal LAW Weapons,)، ومدى قانونية احتكارها لقرارات الحياة والممت وصوابيّتها. والأهم من ذلك أنها تلخص ما ستكون عليه حروبٌ مستقبلية مأهولة بمثل هذه الأسلحة؛ وهو جدل حاول المؤلف أن يعرضه في هذا الكتاب بكثيرٍ من التفصيل والسلاسة، عبر الأقسام الستة لكتابجيشٌ بلا آمر. وهو يأخذنا طوال أسطر الكتاب، بصفته محللً للسياسة المدنية بمكتب وزارة الدفاع بالبنتاغون، وقائدًا للمجموعة التي صاغت السياسة الأميركية الرسمية بشأن استقلاليّة الأسلحة، في جولة داخل أروقة شركات الدفاع المطوّرة لصواريخ ذكيّة، ومخابر البحث التي أجرت بحوثًا طلائعيّة حول تقنيّة "الاحتشاد"، ويُطلعنا على اعتقاد المسؤولين الحكوميين والعسكريين الأميركيين بشأن السياسات المتعلقة بمنظومات "الأسلحة

Paul Scharre, Army of None: Autonomous Weapons and the Future of War (New York: W.W. Norton, 2018). وتجدر الإشارة إلى أنّ الكتاب اختير بوصفه أحد أفضل خمسة كتب لبيل غيتس بالنسبة إلى عام.2018

المسيّة ذاتيًا"، وعلى رفض الناشطين لذلك. إنها جولةٌ في تكنولوجيا المستقبل، وعالم جيل الأسلحة الروبوتيّة المقبل الآخذ في التطوّر سريعًا، بعيدًا عن المناقشة والمساءلة العموميّة. في القسم الأول من الكتاب، حاول المؤلف أن يضبط مفهوم "الأسلحة الفتاكة المسيّة ذاتيًا كليًّا"، مشيرًا إلى أنّ تعريف وزارة الدفاع الأميركي الذي يعود إلى سنة 2012، باعتباره أحد أكثر التعريفات اعتمدًا وانتشارًا في العالم، مبسّطٌ جدًّا؛ إذ نصّت الوثيقة على "أنّها أسلحة بمجرد تشغيلها يمكنها تحديد الأهداف والاشتباك معها من دون أدنى تدخّلٍ بشريّ". ويشير، أيضًا، إلى التعريف الذي قدّمته الصين بوضعها خصائص خمسًا لهذه الأسلحة؛ بأن تحوز القدرة على حمل "حمولة كافية" مُعَدّة لاستخدام القوة الفتاكة، وأن يغيب الإشراف والتدخل البشري عنها أثناء تنفيذ "المهمت"، وأن يغيب "خيار الإيقاف" بمجرد التنشيط؛ وبأن تنفّذ الأسلحة مهمت القتل "بغضّ النظر عن الشروط، والظروف، والأهداف"، وأن تكون لها قدرة التطور و"التعلم الذاتي". إن كان التعريف الصيني شاملً، كم يبدو في ظاهره التعريف الأميركي، فإنّ الثغرات العمليّة والقانونية التي تركها القائمون على التعريفين هي التي أقضّت مضجع المؤلف وأغلب المدافعين عن الحظر الدولي لهذه الأسلحة. ويتعلق الأمر في الدرجة الأولى بالاستبعاد الخفيّ لأشكال أخرى من التسيير الذاتي ضمن منظومات الأسلحة. ولنأخذ مثالًالخاصية الأولى للتعريف الصيني، وهي خاصية من شأنها استبعاد الأسلحة التي تحمل ذخائر أقل فتكًا، كالمروحيات من دون طيار "سكانك " (Skunkcopter)، وكذلك الخاصية الثالثة التي تستبعد منظومة الأسلحة المسيّة ذاتيًّا التي يمكن أن يتجاوزها المشرف البشري، كنظام الدفاع الصاروخي المضاد للسفن في منظومة "نظام فالانكس الصاروخي" (CIWS Phalanx). فللتسيير الذاتي، وفقًا للمؤلف، أبعادٌ ثلاثة مستقلّة، والحكم على مدى التسيير الذاتي للآلة يرتبط بمدى التسيير الذاتي الممنوح لها في كل بعدٍ من هذه الأبعاد، وهي: طبيعة المهمت الموكلة إلى الآلة، وعلاقة الإنسان بالآلة أثناء تأدية مهمتها، ودرجة تعقيد عملية صنع القرار في الآلة في خضم ذلك (ص 29-28، 35-34).

تُشير "تكنولوجيا المستقبل" إلى "تكنولوجيا افتراضية" لم توجد بعد في الزمن الحالي، أو هي توجد على نحوٍ تجريبي فحسب، أو في "نماذج أولية" (Prototypes)، ولكن من المرجّح جدًّا أن توجد في المستقبل القريب. يُنظر في ذلك: Robert H. Latiff, Future War: Preparing for the New Global Battlefield (New York: Knopf Publishing House, 2017). يجب أن يفهم مصطلح "السلاح" المستخدم في نصّ بول شار بمعناه الكلي؛ فهو يعني به منظومة عمل الآلة العسكرية ككلّ، من استشعار، ورصد للأهداف، وقرارٍ للاشتباك معها، وتنفيذٍ للاشتباك. The United States of America, Department of Defense (DOD), "Directive 3000.09," 21/11/2012, accessed on 10/10/2021, at: https://bit.ly/3lr8Jw4 "Group of Governmental Experts of the High Contracting Parties to the Convention on Prohibitions or Restrictions on the Use of Certain Conventional Weapons Which May Be Deemed to Be Excessively Injurious or to Have Indiscriminate Effects," CCW Conference 2018, Position Paper, Submitted by China, Geneva, 11/4/2018, accessed on 12/8/20121, at: https://bit.ly/3AtG7qc وهو نظام "أسلحة القتال القريب" (CIWS) الذي يُستخدم للكشف عن الصواريخ القصيرة المدى الواردة، وطائرات العدو التي

اخترقت الدفاعات الخارجية، وتدميرها؛ وقد أصبح يُثبّت عادةً على متن جميع فئات السفن الحربية الحديثة. Cf. Austin Wyatt, "So Just What Is a Killer Robot? Detailing the Ongoing Debate around Defining Lethal Autonomous Weapon Systems," Washington Headquarters Services, 8/6/2020, accessed on 15/8/2021, at: https://bit.ly/3BIOQXj

فم يجب الانتباه إليه، بحسب المؤلف، هو أنّ "التسيير الذاتي" لا يقترن ببساطة بحرية الفعل، أو ب "عصيان" الآلة ما بُرمجت لتأديته. وليس الأمر مجرد ارتباطٍ خطي بسيط بين الاستشعار والفعل، ولكنّه قدرة الآلة على التكيّف واتخاذ القرار بناءً على المتغيرات التي تختلف باختلاف بيئات عملها غير الخاضعة للمراقبة في أحيانٍ كثيرة. والسياق هنا مهم جدًّا لأنّه أصل الجدل الحالي؛ إذ لا يزال الترجيح يصبّ في كفة الإنسان على حساب الآلة. وفقًا لذلك، ميّز المؤلف بين ثلاث منظومات أسلحة ينطبق عليها وصف المسيّة ذاتيًا: منظومة سلاح مسيّة ذاتيًا نِصفيًا (System Weapon Semiautonomous)، ومنظومة سلاح مسيّة ذاتيًا خاضعة للإشراف (Weapon Autonomous Supervised)، ومنظومة سلاح مسيّة ذاتيًّا كليًّا (Weapons Autonomous Fully). والتفريق بينها يكون بالنظر إلى موقع العنصر البشري ضمن "حلقة الاشتباك" (Loop Engagement) في كلّ منها. في المنظومة الأولى، يجري برمجة/ أتمتة المنظومة على البحث وتحديد الأهداف وتنفيذ الهجوم، مع إبقاء قرار الاشتباك بيد العنصر البشري. أما المنظومة الثانية، فهي مبرمجة ذاتيًا للقيام بكل الأدوار. وأما العنصر البشري، فأدواره محصورة في الإشراف والتدخل اختياريًا وقت الضرورة. في حين أن المنظومة الثالثة مبرمجة للقيام بكل الأدوار مع غياب كلّ لأي دورٍ بشري. الخطير في هذه التصنيفات أنّ عددًا قليلً من منظومات الأسلحة يصدُق عليها وصف المسيّة ذاتيًا على نحوٍ كلّ، ك "الذخائر المتسكّعة " (Munition Loitering) التي تنتمي إليها المسيّة الإسرائيلية "هاربي" (Harpy)، بينم توجد أخرى في استطاعتها طمس الخطوط الفاصلة بين المسيّة ذاتيًا نصفيًا وكليًا، كالألغام البرية والبحرية والقنبلة الاستشعارية الجوية "سي بي يو"97- (Weapon Fuzed Sensor.)CBU-97 في القسم الثاني من الكتاب، يستكمل المؤلف جرده النوعي لمنظومات الأسلحة الأميركية التي استشرت فيها خاصية "التسيير الذاتي"، بدءًا بالطائرة الاختبارية المسيّة ذاتيًا "إكس 47- بي" (X-47B) باعتبارها أول طائرة غير مأهولة تقلع وتهبط على حاملة الطائرات، وتتزود بالوقود من أخرى بطريقة ذاتية، والصاروخ المضاد للسفن البعيد المدى (LRASM Missile, Anti-Ship Range Long)، الذي يمكنه الطيران إلى نحو 005 ميل بحري، مع قدرته على الاكتشاف الذاتي للتهديدات، وتجنّبها أثناء مساره. وكذلك الأمر بالنسبة إلى مشروع "التسيير الذاتي السريع والخفيف للطوافات" الذي اقترحته وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتطورة (DARPA Agency, Projects Research Advanced Defense)، والذي يهدف إلى تسريع استشعار الطوافات للعوائق التي تواجهها في الأوساط المزدحمة. والمثير في هذا القسم إبراز المؤلف أنّ هذه المنظومات كانت كاشفةً عن المنظور العام لقادة البنتاغون للمسألة كلّها.ويقدّم على ذلك مثال وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتطورة التي تملك نمطًا ثقافيًّا وتنظيميًّا متميّزًا من بقية المركّبات الصناعية العسكرية الأخرى؛ فهي نادرًا ما تُنتج منظومة سلاح مكتملة، لأنّ أغلب مشاريعها وجهودها موجهة صوب الاستثمر في التكنولوجيا العالية المخاطر والسخية المكاسب، والتي من شأنها أن تمنع تعرّض الولايات المتحدة لأي "مفاجأة استراتيجية" مجددًا، كم حدث مع الإطلاق السوفياتي للقمر الصناعي سبوتنيك في عام 1957. لم يدُم دفاع المؤلف عم اعتبره "مقاومةً ثقافيّة" طويلً؛ بسبب تضمينه في هذا القسم على نحو خاص آراءَ المسؤولين التنفيذيين بالبنتاغون: نائب وزير الدفاع السابق بوب وورك، وهو ثاني أهم البيروقراطيين في

البنتاغون، وفرانك كيندل، سكرتير القوات الجوية للولايات المتحدة، وكبير تقنيي البنتاغون ومشتري الأسلحة في إدارة باراك أوباما؛ إذ لم يُفلح التغليف الإنساني الذي طبع إجاباتهم عن أسئلة المؤلف، بشأن التوجه الأميركي صوب الاعتمد الرسمي لهذه المنظومات، قناعتهم الراسخة بتعاظم المكاسب العسكرية التي يمكن أن يجنيها الجيش الأميركي من التطور التكنولوجي المستمر. ووفقًا لهذا المنطق، يبدو أنّ الموافقة الأميركية على تزويد أستراليا بتقنية الدفع النووي - ولعلّها سابقة في تاريخ التعاون العسكري بين الدول النووية الكبرى - مدفوعٌ بالدرجة الأولى بتعزيز رؤى "هيمنة المعلومات" و"الحروب القائمة على الشبكات" التي تعثرت في أفغانستان والعراق؛ بسبب التركيز الأميركي على ما يسمّى "حروب مكافحة التمرد العشوائية". فقد كانت الاستثمرات العالية التقنية في منظومات الأسلحة من الجيل الثاني، مثل الطائرات المقاتلة من صنف "إف 22-" F-(22)، باهظة الثمن، أو غير ذات صلة بالعثور على "المتمرّدين" وتعقّبهم، كم لم تكن مغريةً على نحو كافٍ لجذب التمويل الفدرالي الحكومي و"عقول الأميركيين وقلوبهم"، وفق تعبير المؤلف (ص. 91) وقد عرض المؤلف تخوّفه الحقيقي من منظومة الأسلحة المستقلة ذاتيًّا بصفة كليّة، في القسمين الثالث والرابع؛ إذ كشف في القسم الثالث عن جزءٍ من المآسي التي سببتها التجارب الأميركية الماضية مع منظومة صواريخ "باتريوت" (Patriot)، ومنظومة "إيجيس" (Aegis) القتالية. والأمر المشترك بينهم أنّ كلتيهم منظومة سلاح فتاكة، معقّدة، ومُؤَتْتَة جدًّا، وتتوفران على نمطَي التشغيل النصفي الخاضع للإشراف، مع احتمل اشتملهم مستقبلً على نظام تشغيل مسيّ ذاتيًّا كليًّا. وعرض المؤلف أمثلة استهداف منظومة الباتريوت للطائرات الصديقة، كطائرة "إف"18- (F-18) التي كان ضحيتها الملازم نايثن وايت، وكذلك إسقاط منظومة إيجيس الطائرة التجارية الإيرانية 655، التي كان ضحيتها نحو 290 راكبًا مدنيًا، بوصفها شواهد على المآسي التي يمكن يسبّبها التحيّز اللامبرر واللانقدي للأتمتة. ومن ثمّ، قدّم المؤلف الحادثتين بوصفهم دفاعًا آخر عن ضرورة أن يبقى قرار اشتباك منظومات الأسلحة مع أهداف العدو بيد المشغّلين البشريين (ص. 164). والميزة الحقيقية لإعادة الدور للمشغّل البشري في منظومات الأسلحة لا تتكشّف في زمن السّلم فقط، بل في زمن الحرب أيضًا. فالخبرة التشغيلية التي تحصّلها هذه المنظومات نتيجة العمل والاطلاع اليومي على الخصائص الفريدة للبيئة التي تعمل بها تزيد من احتملية عدم تكرار حوادث مثيلة، فضلً عن التحسين المستمر لعملياتها. والأمر مهمٌّ في زمن الحرب؛ لأنّ الهدف الأسمى للعدو سيكون تقويض عمل هذه المنظومات، أو تخريبها. وقد أثبتت التجربة أنّ البشر لا يزالون متفوّقين على الآلة في مجال التكيّف المرن والاستجابة السريعة لمباغتات العدوّ. في القسم الرابع، يقدّم المؤلف مثالين داليّن على مخاطر "الأسلحة المسيّة ذاتيًا" من عالم المعاملات المالية الدولية: أولً من الانهيار الذي عرفته سنة 2012 المجموعة المالية "نايت كابيتال" (Capital Knight)، المتخصصة في "المعاملات المالية العالية التردّد" (Trading High-Frequency)، وهي معاملات مالية دولية تقوم بها كليًّا روبوتات مسيّة بخوارزميات مبرمجة سلفًا، وثانيًا من "الانهيار الخاطف" (Crash Flash) لسوق الأسهم الأميركية سنة 2010 (ص. 203-208). فقد أظهرت الواقعتان مخاطر الاعتمد على منظومة

تداولية مسيّة كليًّا بصفة ذاتية؛ إذ لا يملك البشر القدرة على التدخل، حتى إن أرادوا ذلك. فمن غير الممكن أن يُراقبوا سوق الأسهم ويتفاعلوا معها بالميكروثانية (جزء من مليون من الثانية)؛ لأنّها أضحت منظومةً معقّدة جدًّا بسبب الأتمتة. وحتى مع استحداث "قواطع الدارة" (Breakers Circuit) للحدّ من الأضرار المستقبليّة، تبقى احتملية ظهور حوادث مثيلة واردة؛ لأنّ هذه القواطع لا تستطيع، في أحسن الأحوال، وفقًا للمؤلف، سوى درء أن تكون هذه العواقب كارثية، من دون أن تستطيع درأها كليًّا (ص. 208). وعلى غرار مجال المعاملات المالية الدولية، يورد المؤلف أيضًا تشبيهًا ممثلً في المجال العسكري، وذلك بإمكانيّة حدوث "حربٍ خاطفة" (War Flash)، بالسرعة ذاتها التي طرأ فيها "الانهيار الخاطف" في عام 2010. غير أنّ برادفورد توسلي (Tousley Bradford)، مدير مكتب التكنولوجيا التكتيكية بوكالة المشاريع البحثية الدفاعية المتقدمة "داربا" (DARPA) ينفي ذلك؛ على اعتبار أنّ فيزياء تحريك الصواريخ، أو الطائرات، أو السفن، عبر الفضاء المادي تفرض قيودًا زمنية على مدى السرعة التي يمكن أن تخرج بها الأحداث عن نطاق السيطرة، مم يمنح البشر نظريًا وقتًا كافيًا للتكيف والاستجابة، حتى إن كانت المركبات أو الذخائر تفوق سرعتها سرعة الصوت (ص. 201). القسم الخامس من الكتاب هو الأكثر إثارةً؛ بسبب حمولته الأخلاقية والقيمية المكثفة، من خلال المقابلة التي يضعها المؤلف بين الحجج الأخلاقية المؤيدة والرافضة لهذه الأسلحة. ومكمن الإثارة أنه طرح إمكانية قانونية هذه الأسلحة في حال التزام قواعد القانون الدولي الإنساني، كمبدأ التمييز بين مقاتلي العدو والمدنيين، ومبدأ التناسب وعدم إلحاق أضرار وخسائر بشرية زائدة عن الضرورة العسكرية، والمبدأ العسكري الفرنسي "خارج المعركة" (combat de Hors). فالمقاربات الجديدة للتعلّم الآلي، كالشبكات العصبية، يمكن أن تسهّل مبدأ التمييز. ويقدّم المؤلف، في هذا السياق، مثالً متعلقًا ب "برنامج العمليات التعاونية في البيئات المجهولة" (CODE) ل "داربا" الذي مكّنته خاصية دمج بيانات أجهزة الاستشعار التي يحوزها من التمييز، بكثيرٍ من الموثوقية، بين الأهداف العسكرية والمدنية والمخادعة (ص. 88-89). لكن إن كان الأمر يبدو مثاليًّا وممكنًا في ساحة معركة ثابتة، ومع سلوك عدائي واضح لجنود ببدلات

وخوذات عسكرية، فمذا عن المزارعين والحطّابين الأفغان الذين ألِفوا عادة حمل أسلحة نارية لحمية أنفسهم وممتلكاتهم؟ ماذا عن القتل الطائفي الذي كان يُقدِم عليه أفراد الشرطة العراقيون ليلً؟ كيف يمكن أن تعرف وحدات الجيش الأميركي ما إن كانوا متمردين بأزياء رسمية مسروقة أو ضباط شرطة خارج الخدمة؟ (ص. 244-245). إنّ هذه الأسئلة تغني عن الجواب؛ على اعتبار أن التمييز في مثل هذه الحالات بين الأجهزة الصالحة للاستخدامين المدني والعسكري وبين المقاتلين والأهالي يظلّ أمرًا صعبًا جدًّا من دون فهمٍ للسياق، ومن دون خبرةٍ بشرية محصّلة على الأرض. نظريًا كذلك، ومن منظور عواقبي ونفعي أيضًا، من شأن تحميل الأسلحة المسيّة ذاتيًا مسؤوليةَ القتل أن يُخفّف وطأة "الأذى المعنوي" على الجنود؛ وهو رأيٌ أثبته النفساني المقدّم في الجيش ديف غروسمن في

كتابه عن القتل)1995(. ويذكر المؤلف أنّ المؤرخ الأميركي أتوود مارشال كان قد أدهشته نسبة الجنود الذين أطلقوا النار فعليًّا خلال الحرب العالمية الثانية، والتي راوحت بين 15 و 20 في المئة؛ وكأنّ الأمر تناسبٌ طردي بين المقاومة البيولوجية للقتل الفطرية في الإنسان (المقاتل) والمسافة النفسية لعدوّه (ص. 109). وهو يقابل ذلك بكون مشغلّي الأسلحة المسيّة ذاتيًا، كالطائرات المسيّة، قد توفّر لهم تكنولوجيا المعلومات الحديثة فرصة الابتعاد الجسدي عن ضحاياهم؛ غير أنه من غير المرجّح - مع ذلك - إلغاء المسافة النفسية، بسبب المراقبة الطويلة الأمد للضحايا التي توفرها الكاميرات العالية الدقة لأطقُمِ هذه الطائرات (ص. 269). من جانبٍ آخر، تفيد حجج المدافعين عن الأسلحة المسيّة ذاتيًا أنّها ستزيد من احترافية الجيوش، وستمكّنها من إنجاز مهمتها على أكمل وجه؛ فكلم كانت الأسلحة أصغر حجمً وأخفّ وزنًا وأسرع وأكثر قدرة على المناورة، كانت أقدر على البقاء أطول مدة في ساحة المعركة، وأمكنها تحمّل المزيد من المخاطر، وفتح فرص تكتيكية لمهمت خطيرة، أو حتى انتحارية، من دون المخاطرة بحياة البشر (ص. 14). وإن كان ذلك صحيحًا من منظور تقني، فإنّ تجربة المؤلف بوصفه محاربًا سابقًا في العراق وأفغانستان، كم روى في أحد أجزاء القسم الخامس، كانت كاشفةً عن فداحة المهانة التي تلحق العسكريين. فم يعرّف الحرفة العسكرية أساسًا التقريرُ بشأن الحياة أو الموت في خضم اللايقين والمعلومات الغامضة والقيم المتضاربة. أما إن استولى المهندسون والمحامون على هذه السلطة، فم الذي يميّز حرفة العسكريين من غيرهم؟ (ص. 292) في القسم السادس والأخير من الكتاب، قدّم المؤلف منظوره الخاص لما اعتبره "تمازجًا مثمرًا بين الإنسان والآلة"، ولشروط نجاح أيّ مشروعٍ مستقبلي لحظر استخدام الأسلحة المسيّة ذاتيًا. التمزج المثمر مثّله ب "محاربي القِنطور" (Warfighters Centaur)، بوصفهم أفضل المنظومات المعرفية الهجينة التي من شأنها أن تجمع بين دقة الأتمتة (الآلة) وموثوقيتها، وقوة الذكاء البشري ومرونته (ص. 308). فحيازة البشر السلطة التقريريّة أثناء عمليات الاشتباك بالأسلحة مرهونة، بحسب المؤلف، بتأديتهم وظائف ثلاث: أن يتصرّفوا بصفتهم مشغّلين أساسيين لمنظومة الأسلحة، وأن يكون في إمكانهم التدخل لوقف الاشتباك في حال وجود خيار غير مناسب أو ذا تكلفة، وأن يتصرّفوا بوصفهم "فاعلين أخلاقيين"، خاصة فيم يتعلق بحكمهم القيمي بشأن مدى مشروعية استخدام القوة (ص. 309).

قراءة نقدية

إنّ أكثر ما تُسائله الأسلحة المسيّة ذاتيًا هو مفهومنا للحرب وللغاية منها. فأغلب نقاشات الباحثين في مجال "أخلاقيات الأسلحة المسيّة ذاتيًا" تنتهي بهم إلى مقارعة أصلِ المعضلة: الحرب. وأيّ قيمة تبقى للسؤال عن هوية صاحب القرار بشأن الحياة أو الموت في الوقت الذي يمثّل فيه القتل جوهر الحرب.

Dave Grossman, On Killing: The Psychological Cost of Learning to Kill in War and Society (New York: Back Bay Books, 1996).

لقد جادل فلاسفة "الحرب العادلة" بأنّ الحكم على مدى أخلاقية الحرب يعتمد على ضرورة تحميل طرفٍ ما مسؤولية القتل؛ والمسؤولية التي يقصدونها أخلاقية، وليست مجرد مسؤولية قانونية أو سببية.تتعلّق بعواقب التخلي عن تحمّل المقاتلين مسؤولية القتل بشأن حياتنا الأخلاقية وجوهر إنسانيتنا ويبدو أنّ الأسلحة المسيّة ذاتيًا ستصعّب المسألة أكثر؛ فإن اعترى الأسلحة المسيّة ذاتيًا خللٌ ما تسبّب في مقتل عدد كبير من المدنيين، على من ستُلقى اللائمة؟ أعلى الروبوت الذي لا يمكن عدّهُ شخصًا قانونيًا أم المشغّل البشري الذي يبقى أمر اتهامه مرهونًا بتبيان نيته؟ بالنسبة إلى البلدان العربية، من المرجح أن تكون لهذه التطورات التكنولوجية ذات الصلة بالدفاع والحرب (تكنولوجيا النانو، والعلوم المعرفية، والذكاء الاصطناعي... إلخ) آثار جسيمة؛ ما يعني أنه من الضروري الإعداد لها منذ اليوم ولرهاناتها، على كل المستويات. وتُجسّد اليوم هذه التحديات، على نحوٍ واضح، حرب الطائرات من دون طيار التي أصبحت واقعًا معيشًا في العديد من السياقات التي تعرف توترات ونزاعات. أما بالنسبة إلى البلدان الغربية، فمن المهم تأكيد ما يلي: "مهم جرى استخدام أسلحة متطورة في حرب المستقبل، فإنها لن توفر للبلدان الغربية أيّ حمية ضد الإرهاب، بل إنّ من شأنها – على عكس ذلك – أن تزيد الشعور بالاحتقان والغضب ضدها، وتعطي المتطرفين مزيدًا من الدوافع لاستهداف أمْنها، بالنظر إلى آثارها الجانبية المدمّرة. وإنّ العدالة والإنصاف والتعامل بنزاهة ومسؤولية هي السُّبل الحقيقية لإرساء السّلم في المستقبل في ربوع العالم، وسُبل القضاء على الإرهاب والتحصين ضدّه أيضًا". وقد أظهرت سياقات نزاع عديدة أنّ كلّ مشكلة يمكن حلها باستخدام الذكاء الاصطناعي ينتهي بها الأمر إلى إنشاء مشكلات جديدة، ربما تفوقها حجمً وخطرًا. أخيرًا، من المهم ومن الضروري موضعة "حرب المستقبل" في سياق العشرية الثالثة من القرن الحادي والعشرين، حيث يكتسب البعد غير المادي والسيبرياني للحرب أهميةً تتجاوز في بعض الأحيان أهمية بعدها المادي.

للتفصيل بشأن حرب الطائرات من دون طيار، سواء في نواحيها العسكرية، أو السياسية، أو الجيوسياسية، أو حتى من الناحيتين القانونية والأخلاقية، يُنظر: ياسين اليحياوي، "هل بدأت حرب المستقبل اليوم؟ مراجعة كتاب 'حرب المستقبل'"، في: استشراف للدراسات المستقبلية، العدد 2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.334-328 9 المرجع نفسه، ص.334 10 Cf. Christopher Coker, "Artificial Intelligence and the Future of War," Scandinavian Journal of Military Studies, vol. 2, no.1 (2019), pp. 55-60. من دون استبعاد استخدام "القوة الصلبة" ونشر القوات العسكرية في مواجهات عسكرية محتملة، أصبحت الحرب تُشنّ في زمن السلم من خلال "قوة ناعمة"، قوامها الأمن السيبراني وتشكيل البيئة المعلوماتية. ويمكن تقديم العديد من الأمثلة الدالّة على ذلك اليوم، مثل ما قامت به روسيا في عمليتها في عام 2008 ضد جورجيا التي جمعت بين القوات التقليدية والهجمات الإلكترونية والإجراءات الإعلامية، أو كيفية "استعادتها" شبهَ جزيرة القرم في عام.2014

المراجع

References

العربية

استشراف للدراسات المستقبلية، العدد 2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2017

الأجنبية

Coker, Christopher. "Artificial Intelligence and the Future of War." Scandinavian Journal of Military Studies. vol. 2, no.1 (2019). Department of Defense (DOD). "Directive 3000.09." 21/11/2012. at: https://bit.ly/3lr8Jw4 Grossman, Dave. On Killing: The Psychological Cost of Learning to Kill in War and Society. New York: Back Bay Books, 1996. "Group of Governmental Experts of the High Contracting Parties to the Convention on Prohibitions or Restrictions on the Use of Certain Conventional Weapons Which May Be Deemed to Be Excessively Injurious or to Have Indiscriminate Effects." CCW Conference 2018. Position Paper. Submitted by China. Geneva. 11/4/2018. at: https://bit.ly/3AtG7qc Latiff, Robert H. Future War: Preparing for the New Global Battlefield. New York: Knopf Publishing House, 2017. Scharre, Paul. Army of None: Autonomous Weapons and the Future of War. New York: W.W. Norton, 2018. Wyatt, Austin. "So Just What Is a Killer Robot? Detailing the Ongoing Debate around Defining Lethal Autonomous Weapon Systems." Washington Headquarters Services. 8/6/2020. at: https://bit.ly/3BIOQXj