العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تكنولوجيا المستقبل، والنيوليبرالية، ومستقبل الفقر واللامساواة قراءة في كتاب: وعد الالتحاق: التكنولوجيا، واللامساواة، والاقتصاد السياسي للأمل

تكنولوجيا المستقبل، والنيوليبرالية، ومستقبل الفقر واللامساواة قراءة في كتاب: وعد الالتحاق: التكنولوجيا، واللامساواة، والاقتصاد السياسي للأمل

Future Technology, Neoliberalism, and the Future of Poverty Critical Reading of: The Promise of Access: Technology, Inequality, and the Political Economy of Hope

عمر المغربي

الملخّص

قراءة يف كتاب: وعد الالتحاق: التكنولوجيا، واللامساواة، والاقتصاد السيايس للأمل

Abstract

Future Technology, Neoliberalism, and the Future of Poverty

الكلمات المفتاحية:
  • الفجوة الرقمية
  • النيوليبرالية
  • عقيدة الالتحاق
  • مستقبل العمل

الرقم التعريفيDOI https://doi.org/10.31430/YMBV8334

D
i l G

A Critical Reading of The Promise of Access: Technology, Inequality, and

the Political Economy of Hope

Daniel Greene

The Promise of Access: Technology, Inequality, and the Political Economy of Hope

(Cambridge, MA: The MIT Press, 2021), 272 pages.

Assistant Researcher, Arab Center for Research and Policy Studies. E-mail: omar.almagharebi@dohainstitute.org

مقدمة

أدّت التكنولوجيا دورًا أساسيًا في تطور الاجتمع البشري منذ فجر التاريخ؛ ما جعل بعض الباحثين يقولون إنّ ثمة ارتباطًا حصريًا بين التطورات الاجتمعية والاقتصادية والتطور التكنولوجي. وقد تعززت هذه الفكرة في القرن العشرين، خاصة في الربع الأخير منه، الذي حَفل بالكثير من الاختراعات والاكتشافات الثورية، وبالنظر إلى ما اتسمت به التكنولوجيا من حضور طاغٍ في المجتمعات المعاصرة؛ إذ تعزّز الوعي بالحاجة إلى التكنولوجيا المتقدمة، حتى غدت، بوجهٍ من القول، مدرجةً ضمن الحاجات الأساسية. وقد زامنت هذه التطورات التكنولوجية تحولات عديدة على الساحتين الاقتصادية والسياسية، كم كان الشأن بالنسبة إلى الثورات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية السابقة. فبظهور التقنيات الحديثة، تندثر وظائف وتولد أخرى؛ ما يهدد شرائح اجتمعية واسعة ويضعها في حالة من القلق وعدم اليقين، خاصة أولئك الذين لا يتمتعون بمهارات مجاراة تلك التطورات. وليست التطورات التكنولوجية التي انطوت عليها الثورة الصناعية الرابعة بمنأى عن ذلك؛ إذ ترافق مع صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والتخزين السحابي، والنانوتكنولوجيا، خسارة سوق العمل العديد من الوظائف التي أضحت تشغلها الآلات. ولكن في الوقت ذاته، خلقت هذه التقنيات فرص عمل جديدة لم تكن موجودةً من قبل، وتبلورت مجموعة من البرامج السياسية والاقتصادية التي تقارب جميع الأزمات التقليدية الاقتصادية من خلال وسائل تقنية؛ وبذلك تسلّلت "بداهة" الخلاص التقني لتشغل المركز من أجندات ومشاريع التنمية الوطنية وصناعة السياسات في دول العالم، المتقدمة والنامية على السواء. تبرز، في هذا السياق، أهمية كتاب وعد الالتحاق: التكنولوجيا، واللامساواة، والاقتصاد السياسي للأمل الذي صدر في عام 2021، لدانيال غرين، الخبير الأميركي في دراسات المعلومات والأستاذ بجامعة ماريلاند، والذي يسعى لكشف النقاب عن تطور "البداهة السياسية التي تفيد بإمكان حلّ أزمة الفقر من خلال المهارات والأدوات التقنية المناسبة"، والتي يطلق عليها "أيديولوجيا الالتحاق).Access Doctrine("

يطلق على هذا التصور في السياق العلمي مصطلح "الحتمية التقنية". للمزيد، ينظر: Leo Marx & Merritt Roe Smith, Does Technology Drive History? The Dilemma of Technological Determinism (Cambridge: The MIT Press, 1994). ينظر في ذلك: هيئة التحرير، "مستقبلات العلوم والتكنولوجيا العربية في الثورة الصناعية الرابعة"، في: استشراف للدراسات المستقبلية، العدد 6 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2022 Daron Acemoglu, "Technical Change, Inequality, and the Labor Market," Journal of Economic Literature, vol. 40, no. 1 (March 2002), pp. 14–24, accessed on 6/1/2022, at: https://bit.ly/32LAk4N Klaus Schwab, The Fourth Industrial Revolution (Geneva: World Economic Forum, 2016). Daniel Greene, The Promise of Access Technology, Inequality, and the Political Economy of Hope (Cambridge, MA: The MIT Press, 2021), p. 7.

يحاول المؤلف الكشف عن هذه الأيديولوجيا، من خلال تتبع العلاقة بين تقاطع سياسات التقنية والفقر في الولايات المتحدة الأميركية. وهذا الكتاب، وإن كان يندرج في سياق الأدبيات الماركسية الناقدة للعلاقة بين التكنولوجيا والرأسملية المتأخرة، فإنه ضيم إلى أبعد من نقد خطاب الخلاص التقني؛ إذ يحاول من خلال سبرٍ إثنوغرافي قام به في مدينة واشنطن في الفترة 2015-2012، تتبع عملية إعادة إنتاج رأس المال الاجتمعي الذي تقوم به الدولة من خلال المكتبة العامة (الفصل الثالث)، والمدرسة (الفصل الرابع)، حيث تجري عملية إعادة تشكيل قيم المؤسسات الاجتمعية وأهدافها، لتتوافق وأغراض النظام الاقتصادي الجديد. ويرصد المؤلف التحولات البنيوية التي طرأت على تلك المؤسسات في محاولتها تمثُّل صورة شركات الأعمل الناشئة (Companies Startup)، وهو ما يطلق عليه "البرنامج التحضيري").Bootstrapping(ينطلق المؤلف في بحثه من مسلمة مفادها أنّ النظام النيوليبرالي ليس مجرد نظام اقتصادي يُنظّم علاقة الدولة بالسوق؛ إذ ينطوي هذا النظام على نظرة خاصة إلى علاقة الدولة بالمجتمع والفرد والحرية، أي إنه يمتلك صورة لتدبير التَّعقُل وليس مجرد إدارة الدولة. ويسعى الكتاب إلى تفكيك أحد أبرز المصطلحات في قاموس صانعي السياسات في العقود الأخيرة، وهو مفهوم "الفجوة الرقمية" (Divide Digital)، إضافة إلى البحث في طبيعة الخطاب النيوليبرالي تجاه التقنية وتطوره تاريخيًا، وكذلك دراسة الآثار الاجتمعية المباشرة للتحولات الاقتصادية والتقنية التي عرفتها الولايات المتحدة بداية من تسعينيات القرن الماضي، ساعيًا في نهاية المطاف للإجابة عن سؤال: هل يمكن أن يُنقذنا تعلّم البرمجة حقًّا؟

أولً: الفجوة الرقمية

يمكن تتبع بروز مصطلح "الفجوة الرقمية" في تقرير صادر عن إدارة الاتصال والمعلومات الأميركية في عام 1995 بعنوان السقوط من الشبكة. ويعرّف التقرير الفجوة الرقمية بأنها "المسافة الفاصلة بين أولئك الذين يمتلكون سُبل الوصول إلى التقنيات الحديثة ومن لا يمتلكونها". بيد أنّ بروز المصطلح المتأخر نسبيًا لا يعني عدم حضور المعنى في وقت سابق؛ إذ كانت تجري الإشارة إليه من خلال مصطلحات مشابهة، مثل "الإدماج التقني" (Inclusion Digital)، أو "اللامساواة

Cf. Shoshana Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power (New York: Public Affairs, 2019); Nick Srnicek, Platform Capitalism (Cambridge: Polity Press, 2017). National Telecommunications and Information Administration/USA, Falling Through the Net: A Survey of the "Have Nots" in Rural and Urban America (Washington, D.C.: NTIA, 1995), accessed on 10/1/2022, at: https://bit.ly/34uZhBL. National Telecommunications and Information Administration/USA, Falling Through The Net: Defining The Digital Divide (A Report on the Telecommunications and Information Technology Gap in America) (July 1999), p. xiii, accessed on 6/1/2022, at: https://ibit.ly/ba7a

الرقمية" (Inequality Digital). وقد ظلّ المصطلح إلى اليوم موضعًا للجدل؛ غير أنّ الجدل والخلاف الدائرين حوله لا يشملان صورة الفجوة في حدّ ذاتها؛ ذلك أن الاختلافات المؤسِّسة له تتعلق بخاصتَي القُدرة والمهارة؛ ويتحدّد ذلك من جهة في عدم قدرة شريحة من المواطنين على الوصول إلى المعدات الضرورية للاتصال بتكنولوجيا المعلومات والاتصال (معدل الوصول إلى الحواسيب، والهاتف المحمول، والاتصال بالإنترنت... إلخ)، ومن جهة أخرى في عدم امتلاك تلك الشريحة المهارات اللازمة لاستخدام هذه التقنية للولوج إلى فضاء الإنترنت، والاستفادة من "الفرص" التي يتيحها. ويرى بعض الباحثين في مصطلح الفجوة الرقمية بُعدًا اختزاليًا بارزًا؛ ذلك أنه لا يأخذ في الاعتبار اختلاف السياقات الاجتمعية. فمن خلال التركيز على جسر الفجوة الرقمية، يصبح الهمُّ الرئيس هو تسهيل الوصول إلى المعدات الحاسوبية، من دون الاكتراث بنوع السياق الاجتمعي (مدينة، قرية، مخيم... إلخ) التي توضع فيه، والكيفية التي تتفاعل معها الجمعات الأهلية. في حين يرى آخرون في "الفجوة الرقمية" عملية تكريس لنوعٍ مُبهم من اللامساواة (بين من يمتلكون المهارات والمعدات، ومن لا يمتلكونها)؛ وفي ذلك إهمل لمستويات الاختلاف الاقتصادية والتعليمية بين الجمعات البشرية. فتصبح بذلك تضليلً عن صورة اللامساواة الحقيقية داخل المجتمع. في حين يفضل باحثون آخرون رؤية الفجوة الرقمية بوصفها "فجوة الفجوات"؛ إذ تكتنف صورًا متعددة من الفجوات على المستوى التكنولوجي (فجوة المحتوى والاتصالات)، والمستوى الموضوعي (فجوة العقل والتعلم واللغة)، وأخيرًا فجوة اقتصاد المعرفة. على خلاف سائر الباحثين، لا ينغمس المؤلف في نقد مصطلح "الفجوة الرقمية"، منطلقًا من أرضية اقتصادية معرفية؛ بل يحاول قراءته داخل إطار أوسع، وذلك بوضعه في السياق التاريخي لتطور خطاب صانع السياسات الأميركي تجاه أزمة الفقر، بالتزامن مع التحولات الاقتصادية الاجتمعية النيوليبرالية التي ظهرت منذ بداية سبعينيات القرن الماضي؛ ذلك أنّ شيوع المصطلح في الأوساط الأكاديمية وصانعي السياسات قد ارتبط، خلال فترة التسعينيات، بانتشار قناعةٍ مفادها أنّ أزمة الفقر واللامساواة يمكن معالجتها من خلال حلولٍ تقنية. وحينئذ، يغدو حل أزمة اللامساواة ممكنًا، من خلال جسر الفجوة التقنية بتوفير الأدوات والمهارات اللازمة للفئات الاجتمعية التي لا تمتلكها. ولذلك، شهدنا خلال تلك الفترة تحول طريقة نظر صانع السياسات الأميركي

9 للاستزادة بشأن تطور ظهور المصطلح، يُنظر: Neil Selwyn, "Reconsidering Political and Popular Understandings of the Digital Divide," New Media & Society, vol. 6, no. 3 (June 2004), accessed on 6/1/2022, at: https://bit.ly/3JLJXAR ; David J. Gunkel, "Second Thoughts: Toward a Critique of the Digital Divide," New Media & Society, vol. 5, no. 4 (December 2003), accessed on 6/1/2022, at: https://bit.ly/3HGJD4y 10 Mark Warschauer, "Demystifying the Digital Divide," Scientific American, vol. 289, no. 2 (August 2003), pp. 42-47. 11 Siobhan Stevenson, "Digital Divide: A Discursive Move Away from the Real Inequities," The Information Society, vol. 25, no. 1 (January 2009), accessed on 6/1/2022, at: https://bit.ly/3eXyW1b نبيل علي ونادية حجازي، الفجوة الرقمية: رؤية عربية لمجتمع المعرفة، سلسلة عالم المعرفة 318(الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.)2005

من وجود أزمة في توفير التنافسية اللازمة للسوق المحلية إلى الخروج بنتيجة مؤدّاها اعتبار أنّ الفرص باتت موجودة، ولكن الأمر يتعلق بتمكين المواطنين من اكتساب المهارات اللازمة للوصول إلى تلك الفرص.

ثانيًا: أزمة مهارات أم أزمة فرص؟

يرى المؤلف أن "أيديولوجيا الالتحاق" هي ما يقف خلف مصطلح "الفجوة الرقمية"، ويعود بها إلى بداية التسعينيات مع ولاية الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون (Clinton Bill) (2001-1993)؛ إذ على الرغم من إمكانية تتبعها إلى فتراتٍ في الإدارات الأميركية السابقة، فإنها حققت انتشارها مع مجموعة من صانعي السياسات يطلق عليهم "ديمقراطيو الأتاري" (Democrats Atari). وتتمظهر أيديولوجيا الالتحاق في مستويات ثلاثة: "الإعلان عن اضمحلال التنافسية على المستوى الوطني، وتحديدها، من ثمّ، تبعًا لمصطلحات رأس المال البشري، ويُصار إلى معالجتها، أخيرًا، بتحرير سوق الاتصالات، والسعي لعقد الشراكات بين القطاعين العام والخاص" (ص. 30) لم تعد الأزمة الاقتصادية، استتباعًا لهذا النوع من الخطاب وفي ظله، تتعلق بانعدام وجود الفرص في سوق العمل؛ ذلك أنّ الفرص توجد على الضفة الأخرى من الفجوة الرقمية، ومن ثمّ تصبح مهمة الدولة هي تزويد المواطنين بالمهارات اللازمة من أجل الوصول إلى هذه الفرص المتاحة. وهكذا، فإن "سياسات الفقر" (Policy Poverty) تحولت في ظل "النظام الاقتصادي الجديد" إلى "سياسات تقنية" (Policies Technology) يقتصر فيها دور الدولة على تدخّل محدود على المستوى الاقتصادي من أجل التدريب والتوعية، متنحيَّة بذلك عن الأدوار المركزية التي كانت تضطلع بها ضمن الأجندة الاقتصادية التي أعقبت الكساد الكبير، مثل مشروع "الصفقة الجديدة" (Deal New) (1939-1933) زمن الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت (Roosevelt Franklin) (1945-1932)، و"المجتمع العظيم" (Society Great) (1965-1964)، زمن الرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون (Johnson Lyndon).)1969-1963(يرافق هذا التحول، ضمنيًّا، تحول آخر في انتقال عبء مسؤولية حل أزمة الفقر من كاهل الدولة إلى المجتمع. فليست الدولة، وفق الاعتبار السالف، هي المسؤولة عن عدم تقدُّم المجتمع، بل الأفراد

نسبةً إلى العلامة التجارية "أتاري " (Atari) لأجهزة ألعاب الفيديو وآلات الأركيد. وترمز التسمية إلى مجموعة من صانعي السياسات الأميركيين النيوليبراليين الذين اشتهروا في مطلع الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي بمعاداتهم للسياسات الاقتصادية الكينزية، وتأكيدهم دور قطاع التقنية الخاص. للمزيد، ينظر: Lily Geismer, "Atari Democrats," Jacobin, 2/8/2016, accessed on 28/12/2021, at: https://ibit.ly/gOUv قد يحسن في هذا السياق استذكار عبارة رئيسة الحكومة البريطانية مارغريت تاتشر (Thatcher Margaret) (1990-1979:) المأثورة "لا يوجد شيء يسمى مجتمع، ثمة آحاد من الرجال والنساء، وثمة عائلات. ولا يمكن لأي حكومةٍ أن تفعل أيّ شيء إلا من خلال أشخاص، ويجب على الناس أن ينظروا إلى أنفسهم أولً". وهي في ذلك متأثّرة بشدّة بالتنظيرات النيوليبرالية لفريدريش هايك. يُنظر: Margaret Thatcher, "Interview for 'Woman's Own' ('No Such Thing as Society')," in: Margaret Thatcher Foundation, Speeches, Interviews and Other Statements (London: Margaret Thatcher Foundation, 1987).

الذين يرفضون تعلّم المهارات التي من شأنها أن تساعدهم. وقد نجم عن ذلك تغيّ المعجم الذي يجري التعامل من خلاله مع تلك الأزمات إلى معجمٍ يرتبط بالتقنية وتنمية رأس المال الاجتمعي، بدلً من المعجم الاقتصادي -  الاجتمعي. ويمكننا أن نتأوّل هذا الخطاب بوصفه نتيجةً لتأكّل شرعية مؤسسات الدولة، وضعفها في مواجهة التحديات الاقتصادية، من بطالة وضعف في النمو وزيادة في نسبة اللامساواة؛ فتحاول إذّاك إزاحة احتمل الفشل عنها إلى دائرة المجتمع.

ثالثًا: مدرسة، مكتبة، شركة ناشئة

نقطة أرخميدس في مقاربة دانيال غرين هي افتراض أنّ الإنترنت هي الوجه المعاصر لإعادة الإنتاج الاجتمعي (Reproduction Social) أساسًا؛ ومن ثمّ، فهو يأخذنا إلى قلب المؤسسات التقليدية لإعادة الإنتاج الاجتمعي: المكتبة العامة، والمدرسة المستقلة، إضافة إلى مؤسسةٍ لإعادة الإنتاج الاجتمعي برزت مع ثورة الإنترنت، وهي الشركة الناشئة. ومن خلال تسليط الضوء على هذه المؤسسات المهيكِلة، يشرح كيف يجري تحديد النظام الاجتمعي وإعادة إنتاجه، بما في ذلك الحفاظ على هشاشته. يلاحظ المؤلف أنّ الشركات الناشئة تُقدِّم نموذجًا مثاليًّا للتطور في سياق الاقتصاد النيوليبرالي؛ وذلك لتبنيها ثقافةً مؤسسية تسعى لتغيير هويتها، بصفة مستمرة، في سياق سريع التبدُّل والتحول. ويقع في قلب هذه الثقافة عملية "تبديل المحوَر" (Pivoting)، وهي العملية التي تقوم فيها الشركات بتغييرات جذرية في أهدافها، ونوع الخدمات التي تقدّمها، والجمهور الذي تتوجه إليه تجاوبًا مع حاجات السوق ومتطلباتها. وبسبب الاختلاف الجوهري بينها وبين طبيعة الأهداف التي تخدمها المؤسسات العامة، وارتباطها الاجتمعي، فإنّ المدرسة والمكتبة ليس في إمكانهم تغيير أهدافهم وجمهورهم على الشاكلة ذاتها. ولكن على الرغم من ذلك، يجب أن تتكيّف المؤسسات العامة، ضمن المنظومة الجديدة، مع النظام الجديد. فقد ألفت هذه المؤسسات نفسها في وضعية ثقافية جديدة يطلق عليها المؤلف "البرنامج التحضيري" (Bootstrapping)؛ وهي "عملية التحول المؤسسي السريعة التي تطرأ عندما تسعى مؤسسات الخدمات العامة لتعريف مشكلة الفقر بوصفها أزمةً متعلقة بالتقنية ومهارات استخدامها" (ص. 61) وفي ظل هذا التحول المؤسسي الثقافي، يوضِّح المؤلف أنّ اختلاف أولويات المؤسسات العامة من الخدمة العامة إلى "البرنامج التحضيري"، تنتج منه عدة تحولات؛ إذ تصبح المؤسسات العامة ذات طابع احترافي، لكونها تعمل على خدمة أولئك الذين يمتلكون المهارات التقنية، أو على الأقل، يمتلكون القابلية الأولية لتعلم تلك المهارات؛ ما يدفع المؤسسات إلى تهميش بعض الفئات الاجتمعية أكثر فأكثر. وفي واقع

من الأمثلة على الشركات التي قامت بهذا النوع من التحول الجذري وحققت نجاحًا، شركة تويتر (Twitter)، التي تحولت من موقع لتحميل البودكاست إلى موقع تواصل اجتماعي؛ وشركة أندرويد (Android)، من خدمة تخزين سحابية للصور وواجهة للكاميرات الذكية إلى نظام تشغيل هواتف؛ وشركة ستارباكس (Starbucks)، من صانع لآلات قهوة الإسبريسو إلى سلسلة مقاهي.

الأمر، تتوارى خلف هذه الأولوية مُسلّمة خطابية مفادها أنّ حجم الثروة التي يمكن أن يحصّلها الفرد يرتبط حصريًّا بمستواه التعليمي، وفي هذا، من دون شك، تبسيط مُخلّ للآلية التي تعمل بها السوق. ويرصد المؤلف، أيضًا، تحولً آخر يتمثّل في أنّ "البرنامج التحضيري" يضفي مسحة من الالتباس على الجمهور الذي تضطلع المؤسسات العامة بخدمته. فهي تسعى لتدريب الأفراد كي يمتلكوا مهارات تقنية متقدمة تؤهلهم لدخول سوق العمل؛ ولكن بسبب صفتها العامة يحول ذلك دون قدرتها على تحديد جمهورها المستهدف، واستتباعًا، تقديم عائد إنتاجي أعلى (للمزيد من الاختلافات بين ثقافتي "البرنامج التحضيري" و"الخدمة العامة"، يُنظر الجدول).

التحول المؤسسّي الثقافي

البرنامج التحضيري
Bootstrapping
الخدمات العامة
Public Services
الثقافات المؤسسية المتنافسة
النيوليبراليةالكينزيةالحقبة السياسية
ضرائب متناقصة، تضاف إليها منح
تنافسية
الدولة والضرائب المحليةمصادر التمويل
منافسون داخل المنطقة والإقليممراكز داخل الدولة والشبكات المحليةتوجهها إلى المؤسسات المشابهة
فضاء للتدريبفضاء آمنتوجهها إلى الأفراد الذين تخدمهم
المؤسسة
مُتَجهات المنافسةالمصلحة العامةتوجهها إلى التقنية داخل المؤسسة
توفير المهاراتتوفير الدعمتوجهها إلى الفقر
كليات التربية والتأهيل التربوي، مثل
المؤسستين iSchools TFA;
كليات التربية وعلوم المكتباتهيئات تدريب المدربين
دائم، بسبب حاجتها إلى البقاءمنتظم، عادة بموجب توجيه من الدولةسرعة التغيير المؤسسي

المصدر: Daniel Greene, The Promise of Access Technology, Inequality, and the Political Economy of Hope (Cambridge, MA: The MIT Press, 2021), p. 168.

ينتج مم سبق فشل المؤسسات العامة في تحقيق أهدافها؛ ذلك أنّ صورتها المؤسسية تقف عائقًا في سبيل المشكلات التي تضطلع بمعالجتها، على اعتبار أنّ هذه المؤسسات لم تعد أماكن تقدّم الرعاية للمجتمع، بقدر ما تحولت إلى مراكز للتدريب، واستحالت المؤسسات التي يفترض أن تكون أماكن

للتوسع بشأن أزمة العمل المعاصرة، وموقع قيمة "الرعاية"، يمكن العودة إلى الفصل الأخير من كتاب: David Graeber, Bullshit Jobs: A Theory (New York/ London: Penguin Books, 2019).

مصونة من إكراهات السوق إلى أماكن توضع أهدافها وفق حاجات السوق وأغراضها. وهذا ما يجعلها، في الحصيلة، مؤسسات مشوهة؛ فلا هي قادرة على تحقيق أهدافها الاجتمعية، "بما هي مؤسسات عامة"، ولا هي قادرة على الالتحاق بالسوق لتصبح شركات. في نظر المؤلف، لا تتوقف مهمة المؤسسات العامة على ما سبق؛ إذ تَعمد كذلك إلى إنتاج "الأمل" الزائف، وذلك من خلال تكريس فكرة أن مستقبل الأفراد يعتمد بصورة حصرية على قدراتهم ومهاراتهم التقنية. وهكذا، فإن "المدارس والمكتبات لا تخضع لآثار التحولات الاقتصادية فحسب، بل تقوم أيضًا بإعادة إنتاج قوانينها [ثقافيًا]" (ص. 30)؛ فهي تشكّل أداة تغيير ثقافي، ومراكز إعادة إنتاج رأس المال الاجتمعي، ومحلًّ للفعل والتأثير. وبهذا، ف "إنّ التحول في نمط الإنتاج الاقتصادي يرافقه تحولٌ في نمط الإنتاج الاجتمعي" (ص. 174).

نقاش ختامي

على الرغم من أهمية التحليل الذي قدّمه دانيال غرين في الربط بين سياسات الفقر والتقنية في ظل الاقتصاد النيوليبرالي، فإنّ أهمية الكتاب تنبع من كشفه عن آليات إعادة إنتاج رأس المال الاجتمعي. ف "أيديولوجيا الالتحاق" ليست مجرد مشروع أو خطاب يُكن تجاوزه بتفنيده ونقده، بل هي جزء من شبكة واسعة من المعايير والثقافة، تقوم الدولة بتكريسها وإنتاجها بصفة منظمة من خلال المؤسسات العامة. ومن ثمّ، يُكن أن نستنتج أنّ الحضور الطاغي للأيديولوجيا السالفة لا ينبع من تحولاتٍ اقتصادية كبيرة أو قناعات فردية لشخصيات تتمتع بالنفوذ، بقدر ما ينبع من منظومةٍ مؤسساتية تعيد إنتاجها بصورة مستمرة، وذلك على الرغم من تعثُّها وقصورها المستمر في معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتمعية. من جانب آخر، قد يُؤاخذ الكتاب باستغراقه في نقد "أيديولوجيا الالتحاق"، ومصطلح "الفجوة الرقمية"، من دون تمييزٍ واضح بين الصلات التي تجمعهم، ضِمن ما يُعرف ب "الاقتصاد الرقمي" و"اقتصاد المعرفة". فالكتاب يزخر بانتقادات للوعد الكاذب والأمل الزائف الذي تقدّمه الدولة النيوليبرالية بترويجها لتكنولوجيا المعلومات والاتصال، وتأكيدها أنّ المستقبل رهنٌ لمن هو قادر على اكتساب المهارات اللازمة لاستخدامها. في حين أنّ ثمة تحولات فعلية تؤثر، إلى حدّ بعيد ومطّرد، في بنية سوق العمل؛ ليس على المدييَن البعيد والمتوسط فحسب، بل أيضًا على المدى المنظور. فمجال "الاقتصاد الرقمي" ما زال في تضخُّمٍ مطّرد، خاصة مع ما قدمته له أزمة جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) من دفعةٍ قوية. وبناءً

17 United Nations Conference on Trade and Development, Digital Economy Report 2021 (Geneva: 2021), accessed on 22/12/2021, at: https://bit.ly/3F1mZlU

على ذلك، فإنّ رعاية الدولة للمتطلبات الجديدة التي يفرضها تطور سوق العمل، واستثمرها مؤسسات التغيير الاجتمعي من أجل توعية المجتمع برهانات الزمن الجديد، هم من دون شكٍ أمرٌ مطلوب. إضافة إلى ما سلف، ركّز المؤلف على العلاقة بين "أيديولوجيا الالتحاق" والولايات المتحدة، من دون أن يشير إلى علاقة هذه السياسات والسياقات بالمستوى الدولي. فم أثر هذه السياسات عند تطبيقها في الدول النامية؟ وهل يمكن أن تكون لها آثار إيجابية، خلافًا لما حدث في الولايات المتحدة؛ خاصة أن فضاء الإنترنت عزز مدى العولمة، وأسهم في خلق سوقٍ موحدة تتيح للأفراد على اختلاف خلفياتهم القومية والاجتمعية والاقتصادية التواصل والعمل، وبذلك من شأن تبنّي "أيديولوجيا الالتحاق"، ومن خلفها "اقتصاد المعرفة"، أن يُشكِّل "فرصة ذهبية" للتنمية بالنسبة إلى الدول النامية؟ ختامًا، يمكن أن نَستَشفّ فكرةً أخيرة من الكتاب متمثّلة في تأكيده تاريخية الوضعيات الثقافية والاجتمعية؛ وذلك من خلال تتبع جذورها التاريخية، ودراسة المؤسسات التي تُنتج الخطابات الثقافية، والأغراض التي تقوم بخدمتها والمصالح المضمرة التي تقف خلفها. إنّ هذه الوضعية هي نتاج قرارات وضعها صانعو السياسات في لحظة محددة من التاريخ؛ ومن ثمّ، فإنّ شروط التغيير الاجتمعي والاقتصادي لا تكمن في مستويات تتجاوز الجمعة البشرية على نحوٍ كلّ، وهو أمرٌ يفتح لنا "باب التاريخ" على الاختيار الحر ل "الحياة الطيبة" التي نريد. في الحصيلة، تضمّن "أيديولوجيا الالتحاق"، وفقًا لغرين، موافقةً على العيش في وضعٍ غير مقبول من الهشاشة ومن اللامساواة، مغلّف بغلاف وعد التكنولوجيا بإمكانية "الالتحاق" بالنسبة إلى الجميع. وعبر تسليط الضوء على الآليات والمؤسسات الاجتمعية التي يتم من خلالها الحصول على هذه الموافقة، يخلص غرين إلى أنه من الأجدر رفض منح هذه الموافقة، ودرء إعادة إنتاج النظام الاجتمعي من خلالها.

المراجع

References

العربية

استشراف للدراسات المستقبلية. العدد 6. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022. علي، نبيل ونادية حجازي. الفجوة الرقمية: رؤية عربية لمجتمع المعرفة. سلسلة عالم المعرفة 318. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2005

الأجنبية

Acemoglu, Daron. "Technical Change, Inequality, and the Labor Market." Journal of Economic Literature. vol. 40, no. 1 (March 2002). at: https://bit.ly/32LAk4N Geismer, Lily. "Atari Democrats." Jacobin. 2/8/2016. at: https://ibit.ly/gOUv Graeber, David. Bullshit Jobs: A Theory. New York/London: Penguin Books, 201. Greene, Daniel. The Promise of Access Technology, Inequality, and the Political Economy of Hope. Cambridge, MA: The MIT Press, 2021. Gunkel, David J. "Second Thoughts: Toward a Critique of the Digital Divide." New Media & Society. vol. 5, no. 4 (December 2003). at: https://bit.ly/3HGJD4y Margaret Thatcher Foundation. Speeches, Interviews and Other Statements. London: Margaret Thatcher Foundation, 1987. Marx, Leo & Merritt Roe Smith. Does Technology Drive History?: The Dilemma of Technological Determinism. Cambridge: The MIT Press, 1994. National Telecommunications and Information Administration/USA. Falling Through the Net: A Survey of the "Have Nots" in Rural and Urban America. Washington, DC: NTIA, 1995. _______. Falling Through The Net: Defining The Digital Divide (A Report on the Telecommunications and Information Technology Gap in America) (July 1999). at: https://ibit.ly/ba7a

Schwab, Klaus. The Fourth Industrial Revolution. Geneva: World Economic Forum, 2016. Selwyn, Neil. "Reconsidering Political and Popular Understandings of the Digital Divide." New Media & Society. vol. 6, no. 3 (June 2004). at: https://bit.ly/3JLJXAR Srnicek, Nick. Platform Capitalism. Cambridge: Polity Press, 2017. Stevenson, Siobhan. "Digital Divide: A Discursive Move Away from the Real Inequities." The Information Society. vol. 25, no. 1 (January 2009). at: https://bit.ly/3eXyW1b United Nations Conference on Trade and Development. Digital Economy Report 2021 (Geneva: 2021). at: https://bit.ly/3F1mZlU Warschauer, Mark. "Demystifying the digital divide." Scientific American. vol. 289, no. 2 (Aug 2003). Zuboff, Shoshana. The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power. New York: Public Affairs, 2019.