العودة إلى تفاصيل المؤلَّف استشراف مستقبلات العمل البحثي في العلوم الاجتماعية والإنسانية: أفكار أولى

استشراف مستقبلات العمل البحثي في العلوم الاجتماعية والإنسانية: أفكار أولى

An Attempt to Forecast the Futures of Research Work in the Social Sciences and Humanities: First Ideas

جمال باروت

مراد دياني

الملخّص

بفعل التحولات التكنولوجية والاقتصادية والجيوسياسية الكبرى خلال العقود القليلة الماضية، شهدت عمليات البحث العلمي تطورات نوعية مهمة. وإن كانت هذه التحولات أكثر تأثيرًا ونطاقًا في مجال "العلوم الدقيقة"، فإنّ مجال "العلوم الاجتماعية والإنسانية" لم يشذّ بدوره عنها، سواء في ما يخص الممارسة البحثية في حد ذاتها، وتحولاتها البنيوية بفعل تعميم استخدام الأدوات الرقمية والتكنولوجية والشبكية، وتقنيات البحوث الكمية وتطور البرمجيات، وتيسير قدرات التعلم المستمر وبناء القدرات في ضوء التطورات العلمية البحثية، أو في ما يخص تأثر هذه الممارسة البحثية بعناصر موضوعية عدة، منها التصنيفات الدولية للباحثين والجامعات والمجلات والمؤسسات، وتزايد ضغوط النشر. تتناول هذه الورقة، بالدرس والتحليل، "العمل البحثي" في مجال "العلوم الاجتماعية والإنسانية" العربية، وترسم بعض معالم تطوراته المستقبلية.

Abstract

ملخص:  بفعل التحولات التكنولوجية والاقتصادية والجيوسياسية الكبرى خلال العقود القليلة الماضية، شهدت عمليات البحث العلمي تطورات نوعية مهمة. وإن كانت هذه التحولات أكثر تأثيرًا ونطاقًا في مجال "العلوم الدقيقة"، فإنّ مجال "العلوم الاجتمعية والإنسانية" لم يشذّ بدوره عنها، سواء في ما يخص الممرسة البحثية في حد ذاتها، وتحولاتها البنيوية بفعل تعميم استخدام الأدوات الرقمية والتكنولوجية والشبكية، وتقنيات البحوث الكمية وتطور البرمجيات، وتيسير قدرات التعلم المستمر وبناء القدرات في ضوء التطورات العلمية البحثية، أو في ما يخص تأثر هذه الممرسة البحثية بعناصر موضوعية عدة، منها التصنيفات الدولية للباحثين والجامعات والمجلات والمؤسسات، وتزايد ضغوط النشر. تتناول هذه الورقة، بالدرس والتحليل، "العمل البحثي" في مجال "العلوم الاجتمعية والإنسانية" العربية، وترسم بعض معالم تطوراته المستقبلية. كلمت مفتاحية:  البحث العلمي، العلوم الاجتمعية والإنسانية، التحولات التكنولوجية، الكتابة البحثية، النشر العلمي. Abstract: Due to the major technological, economic and geopolitical transformations during the past few decades, scientific research processes have witnessed important qualitative developments. Although these transformations were more influential and widespread in the field of "Exact Sciences", the field of "Social Sciences and Humanities" was not an exception, both in terms of research practice itself, in its structural transformations due to the generalization of the use of digital, technological and networked tools, in the quantitative research techniques and the development of Software, in facilitating continuous learning and capacity-building in the light of scientific research developments, or with regard to the impact of this research practice on several objective elements, including international classifications of researchers, universities, journals, and institutions, and increasing publishing pressures. This paper discusses the "research work" in the field of Arabic "Social Sciences and Humanities" and draws some features of its future developments.

الكلمات المفتاحية:
  • البحث العلمي
  • العلوم الإنسانية والاجتماعية
  • التحولات التكنولوجية
  • الكتابة البحثية
  • النشر العلمي
Keywords:
  • Scientific Research
  • Social Sciences
  • Humanities
  • Technological Transformations
  • Research Writing
  • Scientific Publishing

يف محاولة استشراف مستقبلات العمل البحثي في العلوم الاجتمعية والإنسانية: أفكار أولى An Attempt to Forecast the Futures of Research Work in the Social Sciences and Humanities: First Ideas

مقدمة

شهدت عمليات البحث العلمي تطورات نوعية مهمة خلال العقود القليلة الماضية، نتيجة تأثيرات متعددة، بعضها ذاتي، بفعل دينامية الممرسة البحثية وتحولاتها في حدّ ذاتها، وبعضها موضوعي، بفعل التحولات التكنولوجية والاقتصادية والجيوسياسية على نحوٍ أوسع. وسيتزايد حجم هذه التحولات ونطاقها في الفترة القادمة بفعل تزايد مسبباتها وتكثيفها، ما سيكون له تأثيرات أكبر في العمل البحثي في المستقبل. وإن كانت هذه التحولات في الممرسة البحثية أكثر تأثيرًا ونطاقًا في مجال "العلوم الدقيقة"، فإنّ مجال "العلوم الاجتمعية والإنسانية" بدوره لم يشذّ عن هذه التحولات، سواء في ما يخص الممرسة البحثية في حد ذاتها، وتحولاتها البنيوية بفعل تعميم استخدام الأدوات الرقمية والتكنولوجية والشبكية، وتقنيات البحوث الكمية وتطور البرمجيات، وتيسير قدرات التعلم المستمر وبناء القدرات في ضوء التطورات العلمية البحثية، أو في ما يخص تأثر هذه الممرسة البحثية بعناصر موضوعية عدة، منها التصنيفات الدولية للباحثين والجامعات والمجلات والمؤسسات، وتزايد ضغوط النشر. تتناول هذه الورقة، بالدرس والتحليل، "العمل البحثي" في مجال "العلوم الاجتمعية والإنسانية"1 العربية، وتُخصص القول في بُعده3. تناقش النقطة الأولى تحولات العمل البحثي في ظل الثورة الرقمية، سواء في ما يخص إمكانات الوصول إلى المصادر والمراجع، وطرق معالجتها، والكتابة البحثية، أم في طرق التأكد من انتحال النصوص العلمية. ثم تتعرض النقطة الثانية لتحولات العمل البحثي في العلوم الاجتمعية والإنسانية في ظلّ سيادة اللغة الإنكليزية، التي أصبحت "اللغة المشتركة" لنشر نتائج البحث العلمي. وتتناول النقطة الثالثة بالدرس والتحليل، التحولات البنيوية في بيئة العمل البحثي في العلوم الاجتمعية والإنسانية، سواء في ما يخص تحولات تكامل التدريس والبحث، أم في تعدد الاختصاصات وعبور الاختصاصات. وتخص النقطة الرابعة النظر في تحولات العمل البحثي في العلوم الاجتمعية والإنسانية في ظلّ تزايد التنافسية الدولية، بفعل الأهمية المتزايدة للتصنيفات الدولية للجامعات، ولتصنيف الباحثين. وأخيرًا، تخص النقطة الخامسة تحولات العمل البحثي في العلوم الاجتمعية والإنسانية في المنطقة العربية، ويرسم بعض معالم تطوراته المستقبلية، لا سيم النهوض بالعلوم الاجتمعية والإنسانية باللغة العربية ضمن بيئةٍ معولمة وموسومة بمركزية اللغة الإنكليزية في المجال العلمي.

أولً: تحولات العمل البحثي يف ظل الثورة الرقمية

عرفت الأنشطة البحثية تطورات مهمة منذ أن بدأت تشهد استقلالية عن سواها من المجالات ذات الصلة، وتندرج ضمن أنساق بردايمية محددة. ففي العالم الغربي، كانت أنشطة البحث في الماضي

  1. نعدّ تمايز طبيعة الممارسة البحثية في مجال "العلوم الاجتماعية والإنسانية" نسبة إلى مجال "العلوم" خارج نطاق هذا البحث، ومن ثمّ لن نفصّل فيه القول. 2 علمً أنّ غالبية العاملين في المجال البحثي تعمل أيضًا في الآن ذاته في مهمات تدريسية وإدارية وتنسيقية أخرى.

محدودة ومتداخلة مع المهن التقنية والتصنيعية، إلى أن بدأ البحث يتميز تدريجيًا من أنشطة التصنيع الحرفية في العصور الوسطى، حين خصص بعض الحرفيين وبعض الصيادلة القليل من وقتهم لتجديد منتجاتهم، على أساس معرفتهم وخبرتهم العملية التجريبية، ليتسارع تقسيم العمل بين الإنتاج والبحث مع مرور الزمن، ويصبح بعض هؤلاء الحرفيين متخصصين في البحث، بمعنى مخترعين/ مكتشفين/ باحثين. ثم جرى إنشاء مجموعات العمل تدريجيًا، حيث جمعت بين المخترعين والمكتشفين المختلفين الذين نظّموا أنفسهم للحصول على التمويل. وإضافة إلى ذلك، أدى التطور السريع للجامعات الغربية في القرن التاسع عشر إلى مزيد من الاستقلالية لأنشطة البحث، من دون أن تصبح مستقلة عن التدريس، وهو ما سيتحقق في القرن العشرين، سواء في المجال الجامعي أو الصناعي. أما في العالم العربي، فقد كانت الأنشطة البحثية دائمًا متعددة الاختصاصات ومتداخلة مع مهن وأنشطة متعددة: الأطباء، والفلكيون، والكيميائيون، والنسابة، وعلمء التاريخ... إلخ. ولم يطرأ تحول حقيقي في تأطير أنشطة البحث ومأسستها إلّ مع تأسيس أولى الجامعات العربية في بدايات القرن العشرين، وخصوصًا في أعقاب الاستقلالات في أواسطه، لتشهد هذه المؤسسات تحولاتٍ حقيقية مع بداية الألفية الثالثة التي عرفت تفجّرًا في إنشاء مراكز البحوث المستقلة وتعزيز الاهتمم بها في الأنشطة والمؤسسات الجامعية، إضافة إلى تطورات مهمة للجامعات العربية العمومية والخاصة منها على حد سواء، وتزايد الاهتمم بها وبمخرجاتها في ظل التحول نحو اقتصادات قائمة على المعرفة. تعدّ الثورة الرقمية التي انطلقت مع نهاية ثمانينيات القرن الماضي وبداية تسعينياته من أهم عوامل هذه التحولات التي هي بصدد تحويل العمل البحثي والممرسات البحثية في الزمن الراهن والمستقبل. وحتى إنه، وفقًا لغسان مراد، "يمكن مقارنة الثورة الرقمية اليوم بما حدث خلال عصر ظهور الطباعة؛ إذ إنها تفتح حقبةً علمية جديدة في العلوم الإنسانية والاجتمعية التي تخضع لتغييرات عميقة في أدواتها وممرساتها وأساليبها المتعلقة بكل تخصص"4. فالأدوات الرقمية تسهّل إلى حد بعيد العمل البحثي، على جميع المستويات تقريبًا، من البحث في المصادر والمراجع، إلى تتبّع المنشورات البحثية باستمرار، سواء من خلال محركات البحث أو الفهارس أو قواعد البيانات، أو الأرشيفات الرقمية، فضلً عن الإمكانات الهائلة للوصول إلى القواميس والمعاجم العامة والمتخصصة، وتزايد إمكانات تعزيز قيمة مخرجات البحث ونشرها. يضاف إلى ذلك الثورة في تقانات الاجتمعات والمؤتمرات واللقاءات، ومن ثمّ، تسمح هذه الثورة الرقمية للباحث في حقل العلوم الاجتمعية والإنسانية بتوسيع مصادر بحثه ومراجعه، وسرعة الوصول إليها، وسرعة معالجتها، وبتوسيع نطاق شبكاته العلمية، وتيسير النقد الداخلي والخارجي للبيانات التي تتسم بوفرتها وبتسريع التواصل مع المجلات العلمية ودور النشر والمؤسسات ومراكز البحث. كم توفر له سرعةً ونجاعة أكبر في الوصول إلى المعاجم، وإمكانات كبرى في

  1. غسان مراد، "التحول الرقمي ومستقبل العلوم الاجتماعية والإنسانية"، في: استشرافللدراسات المستقبلية، الكتاب السنوي السادس: استشراف تحولات العلوم والتكنولوجيا: بوابة العرب إلى المستقبل (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص.240

الترجمة الآلية. يضاف إلى ذلك الإمكانات الأكبر والأسرع في الكتابة البحثية، مثلً مع تقنيات التعرف الآلي على الصوت في الكتابة).Speech recognition/ Speech-to-text(وتفتح الثورة الرقمية أيضًا آفاقًا ممتدة بالنسبة إلى الكتابة البحثية في حدّ ذاتها، مثلً في ما يخص قضايا إعادة الصياغة والاقتباسات التي تعدّ من أهم مهمت الباحث، وركيزةً أساسية للسوية العلمية للعمل البحثي، وسمة رئيسة من سمت "المحاورة العلمية" بين الباحثين من جميع أنحاء العالم ومن الأجيال المختلفة، وأساس الطبيعة التراكمية للبحث العلمي، التي تخضع لمجموعةٍ من القواعد المستخدمة لاستدعاء الأعمل السابقة من أجل تبرير اختيارات البحث (أهمية الموضوع/ المدونة/ النظرية)، و/ أو شرح منهجيته، و/ أو دعم تحليلاته (الكمية و/ أو النوعية)، و/ أو تعزيز النتائج التي جرى التوصل إليها والتي يمكن أن تكون سياقيةً أو قابلةً للتعميم. فإن كانت الإشارة إلى النصوص العلمية أو الفكرية السابقة توفر للقارئ "ضمنًا" بأنّ المواقف التي يتخذها المؤلّف مختومة بختم السمة العلمية، فإنه مع تزايد رقمنة العمل البحثي أصبح يُنظر على نحوٍ متزايد إلى إعادة الصياغة والاقتباسات بواسطة برامج مكافحة الانتحال على أنها مؤشر على الاحتيال الفكري. ومم لا شك فيه أنّ حالات الانتحال هذه كانت موجودة دائمًا، لكن أصبح من الأيسر الكشف عنها اليوم وقياس تأثيرها بفضل الأدوات الرقمية والشبكية. وتستخدم العديد من مؤسسات النشر والمؤسسات الجامعية والأكاديمية برامج كشف الانتحال لكشف احتملية السرقة ولردع مرتكبيها5. وعلاوة على ذلك، تسمح هذه الأدوات الرقمية بالتأكد على نحوٍ أفضل من انتحال النصوص العلمية المترجمة من لغة أجنبية من دون ذكر الأصل؛ وهي تتخذ جميع أنواع الانتحال العلمي السالفة الذكر، من "استنساخ " و"استبدال" و"مزج"، وأيضًا من التأكد من "الانتحال العلمي الذاتي" (Duplicate) الذي ينطبق على المؤلفين الذين Publication/ Multiple Publication/ Redundant Publication يعيدون استخدام محتوى أعملهم السابقة التي سبق نشرها من دون الاستشهاد به، ويمررونه على أنه نتائج جديدة. وإن كانت البرمجيات الموجودة اليوم غير قادرة على كشف الانتحال كليًا، لأنها تكتشف فقط الاقتراضات الحرفية، وتظلّ السرقات النصية مع تعديلات الكلمت تفلت منها، والانتحال عبر ترجمة نصوص أصلية بلغاتٍ أجنبية، فإنها مع ذلك تظل رادعةً على نحوٍ فعال وتعزز أخلاقيات إنتاج البحث وأصالته. وإضافة إلى هذا الأثر الردعي، تسعى بعض المؤسسات إلى درء مخاطر الانتحال من خلال تقديم برامج تدريب على الكتابة العلمية. وبعضها يُلزم الطلاب وباحثي سلك الدكتوراه بميثاق شرف. ولذا تتزايد حاجة الباحث إلى التثبّت من التوثيق (المرجع في حالة الإحالة العامة، وتحديد رقم الصفحة في حالة الإحالة الخاصة أو الاقتباس)، والنظر في أنماط التوثيق العلمي للأفكار، وتوثيق المصادر والبيانات (إحصاءات، جداول، رسوم بيانية، صور... إلخ)، والعودة مباشرةً إلى المصادر والمراجع الأصلية.

  1. هذه الأدوات الرقمية متوافرة اليوم بغزارة، نذكر من بينها برامج (Quetext, Scribbr, Turnitin, Copyleaks, iThenticate,.)Unicheck, PaperRater

من ناحية أخرى، أدى انفجار المعلومات والمعرفة إلى ظهور عدد كبير جدًا من المواد المتاحة أمام الباحث في العلوم الإنسانية والاجتمعية تتجاوز قدرات المعالجة الفردية؛ الأمر الذي يدفع الباحثين أكثر فأكثر نحو العمل الجمعي والعمل الشبكي. من المؤكد، إذًا، أن هذه الأدوات الرقمية والشبكية تؤثر مباشرة في ممرسات الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتمعية من خلال دفعهم إلى اكتساب مهارات جديدة، من أهمها المهارات الرقمية والشبكية، التي برز دورها الفعال في تطوير منهجيات البحث الكمي في العلوم الاجتمعية على المستويات كافة، بهدف إضفاء مزيد من العلمية على أدواته وتحليله النوعي وبياناته وبنائه للنتائج

ثانيًا: تحول العمل البحثي يف العلوم الاجتمعية والإنسانية يف ظلّ سيادة اللغة الإنكليزية

تحولٌ آخر مهم تشهده الممرسة البحثية يتعلق بلغة البحث والنشر والتواصل على المستوى الدولي. فخلال العقود القليلة الماضية، أصبحت اللغة الإنكليزية هي "اللغة المشتركة" (Franca Lingua) لنشر نتائج البحث العلمي6. وعلى الرغم من الجهود الكبيرة المبذولة في جميع أنحاء العالم للحفاظ على لغات أخرى غير اللغة الإنكليزية للتواصل والنشر العلمي، فإن من الواضح أن هذه الحالة تتحدى الباحثين في العلوم الاجتمعية والإنسانية من حيث إنه أصبح لزامًا عليهم التواصل ونشر معظم نتائج بحوثهم بلغة أخرى غير لغتهم الأم، وبلغة منطوقة ومكتوبة على نحوٍ أقل إتقانًا من لغتهم الأم7. فإتقان اللغة الإنكليزية جزئيًا فحسب يمكن أن يحدّ في البداية من فرص الباحث وقدراته في العلوم الاجتمعية والإنسانية مع أقرانه في المؤتمرات الدولية، وكذلك من قدراته على تقييم الأعمل البحثية لأقرانه. وقد يحدّ هذا أيضًا من فرص التعاون مع الباحثين والشركاء الاجتمعيين والاقتصاديين؛ خصوصًا أنّ اللغة الإنكليزية ستظل، في المستقبل المنظور، اللغة المشتركة للعلوم والتكنولوجيا وللإنتاج البحثي8، بل حتى البلدان الفخورة بلغتها وثقافتها غدت تفتح جامعات تدرّس باللغة الإنكليزية، كم في فرنسا وألمانيا، وانتقلت هذه الموجة أيضًا إلى العديد من الدول العربية. بيد أنّ هذا لا يعني تلاشي اللغات الوطنية في المجال العلمي والإنتاج والتواصل، بل على العكس من ذلك، يُشترط الولوج إلى عولمة العلوم باللغة الإنكليزية بناء القدرات الاستيعابية باللغات الوطنية

  1. Christine M. Tardy, "The Role of English in Scientific Communication: Lingua Franca or Tyrannosaurus Rex?" Journal of English for Academic Purposes, vol. 3, no. 3 (2004), pp. 247-269.
  2. Ulrich Ammon, The Dominance of English as a Language of Science: Effects on other Languages and Language Communities (New York: Mouton de Gruyter, 2001).
  3. Raoul Kamadjeu, "English: The Lingua Franca of Scientific Research," The Lancet, vol. 7 (September 2019), p. e1174.

بوصفها شرطًا لا غنى عنه. فالتعامل مع لغتين في مجال البحث (اللغة الأم واللغة الإنكليزية) يمكن أن يكون مفيدًا، لأنه يخلق فرصًا وتجارب جديدة، لكنه يظل مع ذلك هدفًا بعيد المنال بالنسبة إلى معظم البلدان النامية؛ إذ إنّ معظم الباحثين في البلدان غير الأنكلوسكسونية أضحوا قادرين على قراءة نص باللغة الإنكليزية في مجال معرفتهم وفهمه، لكنهم نادرًا ما يتقنون اللغة الإنكليزية على نحو كافٍ لكتابة نص واضح ومختصر. وعلى النقيض من ذلك، يواجه تقدّم اللغة الأم العلمية أيضًا عقبات نتيجة الأهمية المتزايدة الممنوحة للغة الإنكليزية في مجال النشر. فإذا أخذنا البرازيل مث لً، يبرز روجيريو مينيغيني وآبل باكر أنّ "العلمء البرازيليين ينشرون حاليًا حوالي 50000 مقالة كل عام، 60 في المئة منها تقريبًا باللغة البرتغالية. وقد نشُر نحو 18000 من هذه المقالات في المجلات المفهرسة عبر قاعدة بيانات شبكة طومسون العلمية للعلوم (Science of Web Scientific Thomson). بيد أن 2.7 في المئة فقط من هذه المقالات هي باللغة البرتغالية"9. الأمر الذي يؤكد سيادة اللغة الإنكليزية لغةَ تداول وتواصل علمي على المستوى الدولي، حتى بالنسبة إلى دولةٍ كالبرازيل التي تتوافر فيها قدرات علمية وبحثية هائلة بلُغتها الأم (البرتغالية). يطرح علينا هذا التوجه إلى اعتمد اللغة الإنكليزية في المستقبل في العلوم الاجتمعية والإنسانية قضية مكانة اللغة العربية في البحث والنشر والتواصل، ومدى اتساقها مع استخدامات اللغة الإنكليزية. ومن المهم الإشارة في هذا الصدد إلى تجربة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الذي اعتمد منذ نشأته اللغة العربية لغةَ بحثٍ علمي ونشر وتواصل، مع انفتاحه على نحو واسع على اللغة الإنكليزية في جميع فعالياته ومنشوراته. ويرتبط ذلك بفهمه لدوره في استئناف النهضة العربية التي لا يمكن أن تنهض كم حصل في النهضات كافة إلا بواسطة اللغة العربية، وكذلك بقناعته بالطاقات التعبيرية والناقلة الكبرى للّغة العربية حتى في مجال التعريب وترجمة مصطلحات العلوم الدقيقة.

ثالثًا: التحولات البنيوية في بيئة العمل البحثي يف العلوم الاجتمعية والإنسانية

1. تحولات تكامل التدريس والبحث

على مرّ التاريخ، ظل العمل البحثي مقترنًا بالعمل التدريسي والأكاديمي ومتداخلً معه. وإن كان المجال البحثي قد بدأ يشهد استقلالية متزايدة طوال العقود القليلة الماضية، سواء في مجالات صناعية أو تطبيقية، أو مع تطوير مراكز بحثية مستقلة، أو مع تطوير مراكز تفكير وخبرة (Thanks Think)، فإن التأثيرات المتبادلة بين المجالين ستظل تكتسي أهمية بالغة في المستقبل بفعل عوامل عدة.

  1. Rogerio Meneghini & Abel L. Packer, "Is there science beyond English?" EMBO Reports, vol. 8, no. 2 (2007), p. 114.

فالباحثون في العلوم الاجتمعية والإنسانية يمتهنون لكسب لقمة العيش صنعة الاستثمر في البحث، إضافة إلى وظائف أخرى. وللقيام بذلك، ينبغي لهم أولً إجراء دراسات طويلة يُطلب منهم فيها أن يكونوا متفوقين. وفي الآن ذاته، إذا وُلد البحث العلمي في بداياته بوصفه عملً فرديًا، فقد أصبح تدريجيًا عملية جمعية. وفي العلوم الإنسانية والاجتمعية، يُوزّع البحث بين المؤسسات ذات المهن المختلفة في المجتمع. وقد ظلّ البحث الأكاديمي، مع منظمته البحثية وجامعاته، فترةً طويلة، مهنةً حصرية للعمل الأساسي والنظري، بينم تستثمر المؤسسات الأخرى في الجوانب التطبيقية، في الابتكار والتنمية الاقتصادية المباشرة، قبل أن تتحول هذه الصورة تدريجيًا خلال العقود القليلة الماضية ويصبح التداخل أكبر بين هذه المجالات. يحرص الباحثون في العلوم الاجتمعية والإنسانية على متابعة التقدم في اختصاصهم من خلال مراجعة يومية للأدبيات البحثية والابتكارات في مجالهم، والأسئلة البحثية التي تتطلب مزيدًا من البحث. وفي الآن ذاته، يقررون هم بأنفسهم أو تقرر إداراتهم إجراء عملية البحث انطلاقًا من عناصر الأدبيات التي تتطلب إجابات أو توجد فيها إشكالات. ثم يبنون مشروعهم، ويكتبون مقترحات بحثية لإقناع كل من زملائهم ومموليهم. وبعد ذلك، ينفذونها، أي يقومون بتعريف العمل وبرمجته، ويتابعون استكمل نتائجها. ثم يستغلون النتائج وينشرونها ويضعونها في السياق العلمي والتقني والاقتصادي لكتابة الاستنتاجات والتقارير والمؤتمرات والمنشورات وبراءات الاختراع. غير أن الوقت الذي يخصصه الباحثون والأساتذة الباحثون ينبغي لهم، في الغالب، تقسيمه بين مجموعة من الأنشطة: البحث، والتدريس، والتطوير، والإدارة. فالباحثون الأكاديميون يمتهنون، في الغالب، إلى جانب مهنة البحث أيضًا التدريس، ويتحملون المسؤوليات الجمعية على المستويات المحلية والوطنية والدولية. ويختلف وقت العمل المخصص لهذه الفئات المختلفة من الأنشطة اختلافًا كبيرًا وفقًا للحالة، والمؤسسة التي يلتحقون بها، والعمر، والمرحلة المهنية10. ويتميز الباحثون عمومًا باستقلالية نسبية، والقدرة على تقييد أنفسهم ساعات عمل طويلة أو أكثر، وجداول زمنية غير نمطية وإيقاعات متغيرة ومكثفة. وعلى الرغم من وجود إطار معيّ لساعات العمل الرسمية، يختلف باختلاف النظام الأساسي والمؤسسات المرتبطة به، فإنه لا يزال فضفاضًا نسبيًا ولا يسمح بأيّ تحديد أو مراقبة لساعات العمل. وتحدد المنظمت البحثية ساعات العمل الرسمية والعطلات (تحديد الحد الأدنى لحجم العمل)، ولكن على العكس من ذلك من دون تعويض عن العمل الإضافي. ولدى الباحثين، مثل الأساتذة الباحثين، إمكانية تنفيذ جزء من نشاطهم خارج مكان تكليفهم الرسمي. وفي حين أن هذا التوزيع للمهمت أمر شائع بين جميع الباحثين، فإنّه يشغلهم على نحو مختلف اعتمدًا على المؤسسة التي توظفهم ووضعهم؛ إذ يستثمر الباحثون الأكاديميون والباحثون في المجالات التطبيقية

  1. Lise Gastaldi & Caroline Lanciano-Morandat, "L'enseignement supérieur et la recherche: Une pression temporelle accrue," La nouvelle revue du travail, vol. 11 (2017).

في الأنشطة العلمية الأساسية، في حين تعتبر مهنة الأستاذ الباحث عملً أكثر تكثيفًا، لأنها تمزج بين العديد من المهن: مهنة الأستاذ، ومهن الباحث، وأيضًا مهن الإشراف التربوي، وإدارة التدريب، وإدارة البحوث وتقييمها، وبمزاوجته بين التدريس والبحث. ومن التطورات التي بدأنا نشهدها في العقود الماضية أن أصبح التدريس والبحث منفصليَن عن بعضهم على نحوٍ متزايد، ومن ثم لا يستفيد كل منهم من علاقة التآزر، في حين أنه ينبغي أن تمارَس مهنة البحث لمصلحة مهنة الأستاذ وليس على حسابها؛ ذلك أن التدريس يحتل في الواقع مكانة مهمة في حياة الباحث، ويستهلك جزءًا معتبرًا من وقته، ولذلك ينبغي له أن يوفق باستمرار بين مهمته المختلفة. وأحد أسباب ذلك أنّ الباحث الجامعي يعدّ أنشطته التدريسية غير مرتبطة بأنشطته البحثية بوصفها تستنزف الوقت الذي ينبغي في الأصل تخصيصه للبحث11. وذلك ينطبق إلى حد بعيد على الباحث في بداية حياته المهنية الذي يواجه تحدي دمج مهنتَي الباحث والأستاذ. ومع ذلك، من المفترض أن يسهّل هذا التكامل نقل المعرفة بين أنشطة البحث والتدريس التي يقوم بها الباحث.

2. تعدد الاختصاصات وعبور الاختصاصات

يعدّ مجال تعدد الاختصاصات وعبورها أيضًا أحد أهم معالم تحولات الحقل البحثي في العقود القليلة الماضية، والتي ستستمر في المستقبل. وقد خُصصت خلال العقود القليلة الماضية مؤلفات مهمة في العلوم الإنسانية والاجتمعية في موضوع "تداخل التخصصات". وتقدّم معظم الأعمل الفلسفية12 والاجتمعية13حول هذا الموضوع تنظيرات وأمثلة ملموسة من أجل تعزيز الجوانب التي يعدّونها مفيدة للتعاون والتقاطع بين الاختصاصات، بما في ذلك التآزر بين العلوم الاجتمعية والعلوم الدقيقة: والجمع بين المنهجين الكمي والنوعي كم نرى ذلك جليًا من خلال انتشار المصطلحات اللسانية حتى في علوم الهندسة الكهربائية وغيرها، وكذلك استخدام العلوم الاجتمعية لمصطلحات العلوم الدقيقة مثل اللازمة وغيرها. ومع ذلك، فإنه نادرًا ما نجد فيها نماذج ملموسة لممرسات العمل البحثي المتعدد التخصصات.

  1. Malcolm Tight, "Examining the Research/ Teaching Nexus," European Journal of Higher Education, vol. 6, no. 4 (2016), pp. 293-311.
  2. Isabelle Stengers (ed.), D'une science à l'autre: Des concepts nomades (Paris: Seuil, 1987); Marcel Jollivet (ed.), Sciences de la nature, sciences de la société: Les passeurs de frontières (Paris: CNRS Éditions, 1992); Frédéric Darbellay (ed.), La circulation des savoirs: Interdisciplinarité, concepts nomades, analogies, métaphores (Berne: Peter Lang, 2012).
  3. Michael Gibbons et al., The New Production of Knowledge: The Dynamics of Science and Research in Contemporary Societies (London: Sage, 1994); Peter Weingart & Nico Stehr (eds.), Practising Interdisciplinarity (Toronto: University of Toronto Press, 2000); Dominique Vinck, Pratiques de l'interdisciplinarité: Mutations des sciences, de l'industrie et de l'enseignement (Grenoble: Presses universitaires de Grenoble, 2001); Andrew Barry & Georgina Born (eds.), Interdisciplinarity: Reconfigurations of the Social and Natural Sciences (New York: Routledge, 2013); Felicity Callard & Des Fitzgerald, Rethinking Interdisciplinarity across the Social Sciences and Neurosciences (New York: Palgrave Macmillan, 2015).

فحين يشرع الباحث في أعمل بحثية تستدعي تعدد الاختصاصات وعبورها، فهو كم لو كان يضع حقله الخاص في الخلفية؛ وهو ما قد تكون له عواقب على مسيرته المهنية، من مثل الأحكام التي تُصدرها بشأن ذلك لجانُ التوظيف ولجان الترقية. وإذا كان قد جرى النظر فترةً إلى تعدد التخصصات بوصفه نتيجة عفوية لدينامية العلوم المعاصرة، متقاربةً تدريجيًا نحو نموذج جديد للتعقيد14، فإنه يمكن بالأحرى اعتبار تعدد التخصصات بمنزلة "رفاهية نهاية الحياة المهنية"، ولا يمكن الوصول إليها بسهولة للشباب الذين لا يزالون يعتمدون بشدة على تقييم أعملهم البحثية بغرض التوظيف أو الترقية.

رابعًا: تحولات العمل البحثي يف العلوم الاجتمعية والإنسانية يف ظلّ تزايد التنافسية الدولية

يتأثر العمل البحثي في العلوم الاجتمعية والإنسانية أيضًا بتزايد التنافسية الدولية، بفعل الأهمية المتزايدة للتصنيفات الدولية للجامعات، ولتصنيف الباحثين، ومطالبتهم على نحوٍ متزايد بزيادة تنافسيتهم الدولية، بوصفها شروطًا للتوظيف والترقية، وتحصيل الجوائز العلمية والمنح والمناصب بالنسبة إلى الباحثين، وشروطًا للحصول على التمويل بالنسبة إلى الجامعات؛ ما ينعكس بالضرورة على الممرسة البحثية للباحثين في العلوم الاجتمعية والإنسانية.

1. تصنيف الجامعات

في اقتصاداتٍ ومجتمعات معولمة ومتشابكة معرفيًا على نحوٍ متزايد، وقائمة أكثر فأكثر على الأصول غير الملموسة، ولا سيم المعرفة والابتكار والبحث والتطوير، أصبح يُنظر إلى مسألة المكانة التي تحتلها الجامعات في السياق الدولي للبحث والتطوير بوصفها ضمنًا للجودة و"الامتياز". وتأتي في هذا الصدد التصنيفات الدولية للجامعات لتلبّي احتياجات متعددة تتعلق بالتنظيم الداخلي للجامعات، وسمعتها وقدرتها على استقطاب الطلاب، وبأسس وضع السياسات العمومية في مجال التعليم العالي والبحث والتطوير، وأيضًا لتلبّي طلبًا متزايدًا من لدن الدول المتنافسة في سياق التقسيم الدولي للمعرفة. لقد أصبح مجال التعليم العالي تدريجيًا سوقًا عالمية، وأصبح يُنظر إلى الجامعات على أنها "شركات" تتنافس على نطاق عالمي15. وفي هذه المنافسة، وفي نظر واضعي السياسات (الذين يغلب عليهم التوجه النيوليبرالي)، تؤدي هذه التصنيفات الدولية دورًا حاسمً في توحيد معايير تقييم "الامتياز" على نطاق عالمي، فضلً عن أنها أصبحت هوسًا لدى وسائل الإعلام16، وأصبح المسؤولون

  1. Edgar Morin, Science avec conscience (Paris: Fayard, 1982).
  2. Simon Marginson, "Global University Rankings: Implications in General and for Australia," Journal of Higher Education Policy and Management, vol. 29, no. 2 (2007), pp. 131-142.
  3. Robert A. Rhoads, Shuai Li & Lauren Ilano, "The Global Quest to Build World‐Class Universities: Toward a Social Justice Agenda," New Directions for Higher Education, no. 168 (Winter 2014), pp. 27-39.

عن كبرى الجامعات الدولية ينفقون قدرًا كبيرًا من الموارد ومن الجهود لإدراج (أو الحفاظ) على مؤسساتهم ضمن فئة أفضل مئة جامعة في التصنيف العالمي (University Class World)، أو حتى ضمن فئة أفضل خمسمئة جامعة. وأفرزت هذه التقييمت تأثيرات عميقة في مؤسسات التعليم العالي؛ فهي تعدّل كيفية توزيع التمويل (لصالح الأقسام التي من المحتمل أن تنتج تصنيفات أفضل)، وتعدّل كذلك استراتيجيات التوظيف (استهداف الفائزين بجوائز، أو المدرجين ضمن قوائم الباحثين الأكثر استشهادًا)، وتحفز الاندماج في الجامعات... إلخ17. وتدعم هذه الاستراتيجيات أيضًا (أو تطبّقها) على المستويات الوطنية، الحكوماتُ التي تعتبر أن سمعة بلدها مبنية، على الأقل جزئيًا، على جودة التعليم العالي والبحث والتطوير18. يعدّ تصنيف شنغهاي المقارِن الرئيس للجامعات، منذ إنشائه في عام 2003 وحتى اليوم، بيد أنه ليس الوحيد؛ إذ توجد العديد من التصنيفات الدولية الأخرى للجامعات، من أشهرها تصنيف الجامعات العالمية (Rankings University World The) لمجلة تايمز للتعليم العالي (Education Higher Times، وتصنيف الجامعات العالمي كيو)19إسQS World University Rankings(لشركة كواكواريلي سيموندسQuacquarelli() Symonds، وتصنيف ويبوميتركس العالمي للجامعات)20 Webometrics Ranking of World()Universities21. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ تصنيفَي التايمز وكيو إس كانا موحّدَين حين صدرا أول مرة في عام 2004 قبل أن ينفصلا. فم بين عامَي 2004 و 2009، نشرت المجلة البريطانية تايمز للتعليم العاليبالتعاون مع شركة كواكواريلي سيموندس تصنيف الجامعات العالمية - تصنيف الجامعات). وقد صنّفت Times Higher Education–QS World University Rankings(العالمي كيو إس مجلة تايمز للتعليم العاليأفضل مئتَي جامعة، في حين نشرت شركة كواكواريلي سيموندس على الإنترنت تصنيف أفضل خمسمئة جامعة. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2009، انفصلت مجلة تايمز للتعليم العاليعن شركة كواكواريلي سيموندس وانضمت إلى مؤسسة طومسون رويترز Thomson(Reuters) لتقديم تصنيف جديد للجامعات العالمية، يسمى تصنيف الجامعات العالمية لمجلة تايمز). وقد صنّفت آخرTimes Higher Education World University Rankings(للتعليم العالي دورة من المؤشر لعام 2019 أزيد من 1250 جامعة، نجد من بينها 52 جامعة عربية تتوزّع على النحو التالي: 19 جامعة من مصر، و 6 جامعات من كل من المملكة العربية السعودية والجزائر، و 4 جامعات من كل من المغرب والأردن والإمارات العربية المتحدة، و 3 جامعات من تونس، وجامعتان

  1. Wendy Nelson Espeland & Michael Sauder, Engines of Anxiety: Academic Rankings, Reputation, and Accountability (New York: Russell Sage Foundation, 2016).
  2. Philippe Aghion et al., "The Governance and Performance of Universities: Evidence from Europe and the US," Economic Policy, vol. 25, no. 61 (January 2010), pp. 7-59.
  3. لمزيد من التفصيل بخصوص التصنيف، ينظر: https://bit.ly/2qIxomr
  4. لمزيد من التفصيل بخصوص التصنيف، ينظر: https://www.qs.com/rankings
  5. لمزيد من التفصيل بخصوص التصنيف، ينظر: http://www.webometrics.info/en

من لبنان، وجامعة واحدة من كل من قطر والعراق والكويت وعُمن22. وإضافةً إلى التصنيف العالمي، يضم المؤشر الحالي تصنيفات فرعية بحسب الموضوع والسمعة، وكذلك تصنيفات إقليمية. من جهتها، بدأت شركة كواكواريلي سيموندس في نشر تصنيفها الجامعي الخاص بها منذ عام 2009، وقد أصبح يسمى تصنيف الجامعات العالمي كيو إس، على أساس الاستمرار في استخدام المنهجية الموجودة من قبل. وتوسع مؤشر كيو إس ليشتمل على التصنيف العالمي العام فضلً عن تصنيفات فرعية (أفضل الجامعات في العالم لدراسة 48 موضوعًا مختلفًا)، إلى جانب تصنيف عالمي لأفضل المدن الطلابية (QS Best Student Cities)23، وخمسة جداول إقليمية مستقلة24، أحدثها تصنيف خاص بالدول العربية؛ إذ يصنف أفضل 180 جامعة عربية25. كم تجدر الإشارة إلى تصنيف ويبوميتركس العالمي للجامعات الذي يصدره منذ عام 2004 (Lab Cybermetrics) التابع للمؤسسة العمومية الرئيسة للبحث العلمي في إسبانيا، المجلس الوطني للبحوث (CSIC). وهو يعتمد على مؤشر مركّب يأخذ في الاعتبار حجم محتويات الجامعة على شبكة الإنترنت (عدد صفحات الويب والملفات)، ومدى رؤية هذه المنشورات وتأثيرها في الشبكة وفقًا لعدد الروابط الخارجية (استشهادات المواقع). ويهدف التصنيف إلى تحسين وجود المؤسسات الأكاديمية والبحثية على شبكة الإنترنت، وتعزيز النشر المفتوح لنتائج البحث العلمي. وهو يوفر اليوم تصنيفًا على الشبكة لأكثر من 12 ألف جامعة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك أكثر من ألف جامعة عربية. وعلى نحوٍ عام، يظلّ مؤشر شنغهاي، من بين جميع المؤشرات "الغربية" الأخرى، المؤشر الذي يحظى بالموثوقية الأكبر وبالتأثير الأشد،، وكذا في المؤسسات الجامعية والبحثية الدولية وفي السياسات العامة في مجال التعليم العالي والبحث العلمي. وإن كانت الجامعات العربية لا تزال متأخرةً في التصنيفات الدولية للجامعات، وفي مقدمتها تصنيف شنغهاي الذي ضم 19 جامعة عربية في إصداره الأخير لعام 2022 (7 جامعات سعودية، و 7 جامعات مصرية، وجامعة واحدة لكل من لبنان وقطر وعُمن والأردن والإمارات)26، فإنّ ضغط هذه التصنيفات قد بدأ يستشعره الباحثون العرب، سواء في العلوم أو في العلوم الاجتمعية والإنسانية، وستزداد شدته في المستقبل، وهو ما سينعكس حتمً على ممرساتهم البحثية. بيد أن عملية التصنيف تواجه ملاحظات عميقة وجدّية نظرًا إلى ما توليه للمؤشرات الكمية من أهمية في وزن عملية التقييم. فهذه المؤشرات، مثل كمية المدخلات (حجم الأساتذة بالنسبة إلى الطلاب، والمختبرات، وتكلفة إنفاق الطالب، وانتظام

  1. لمزيد من التفصيل بخصوص التصنيف، ينظر: https://bit.ly/2Pxz0HW
  2. لمزيد من التفصيل بخصوص التصنيف، ينظرhttps://bit.ly/2Tr0AYS:
  3. هذه التصنيفات مستقلة عن التصنيف العام، وتتوصل إلى استنتاجات مختلفة عن التصنيفات العالمية، بسبب الاختلافات في المنهجية والمعايير المستخدمة.
  4. QS Quacquarelli Symonds, "QS Arab Region University Rankings 2022," accessed on 11/9/2022, at: https://bit.ly/3daxgnJ
  5. 2021 Academic Ranking of World Universities," Shanghai Ranking (2021), accessed on 10/1/2021, at: https://bit.ly/3WY1BaN

نشر الدوريات... إلخ)، قد تكون خادعة. ففي بعض الدول الثرية، تتوافر الكفاءة الخارجية بأعلى معاييرها، في حين أن الكفاءة الداخلية محدودة، وجودة العملية التعليمية نفسها متدنية، فضلً عن استمرار مشكلة الفجوة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، وضعف عملية التنشئة في التعليم الأساسي. ومن ثمّ، ينبغي الاهتمم بنسبية المؤشرات بحسب واقع كل دولة، والاهتمم الدائم بالعلاقة بين الكفاءة الداخلية والكفاءة الخارجية المتعلقة بالتنمية وأسواق العمل.

2. تصنيف الباحثين

يُنظر إلى المنشورات وبراءات الاختراع والابتكارات على أنها منتجات ومخرجات بحثية، وعلى هذا النحو تُوضع في منافسة في أسواق عالمية مختلفة. وإن كانت هذه المنافسة الدائمة ليست جديدة تمامًا، فإنها أصبحت اليوم معولمة ومعممة. وباعتبارها منتجات "فردية"، يجري تقييم "الأقران" لنتائج البحث بناءً على اختبارات "موضوعية" محددة بالنسبة إلى كل حقل علمي، تهدف إلى مقارنة الوحدات والباحثين بعضهم ببعض، في حين أن الاتجاه الحالي أضحى هو تحليل هذه المقارنات وفقًا لمنطق "الموضوعية" الميكانيكية المعممة، استنادًا إلى مؤشرات موحدة محددة مسبقًا، وأصبح بذلك من الممكن دمج التصنيفات العالمية. تعمل أجهزة الحكم الجديدة هذه على "تسليع" مخرجات البحث، وتعديل تقييم وحدات البحث، وكذلك تقييم الباحثين. وقد أشارت العديد من التحليلات إلى خطورة التوحيد المتزايد لتصنيف الباحثين تحت شعار "النشر أو الهلاك" (perish or Publish)، وإعادة إنتاج ممرسات المنافسة في السوق27، حيث يقارَن الباحثون بعضهم ببعض فرديًا، وبين أقرانهم، وجمعيًا، وبين الجامعات. على مدى السنوات العشر الماضية، يبدو أن "الثورة الرقمية" لم تؤدِّ إلى انفجار في عدد المنشورات التي يمكن الوصول إليها رقميًا فحسب، وإنما أيضًا في تحول عميق في طرق الوصول إلى المعلومات العلمية وفي استخدام الأساليب الببليومترية للتقييم. وعلى الرغم من أن هذه الأساليب قد جرى تصميمها في الأصل للعلوم، فإنها ليست مناسبة تمامًا للعلوم الإنسانية والاجتمعية، بحكم أنها لا تختلف في مواضيع الدراسة وطرق البحث والعلاقة بالسياق الاجتمعي فحسب، بل تختلف عن العلوم أيضًا في طرق التواصل العلمي. ويعدّ "مؤشر هيرش" أو "مؤشر إتش" (h-index)، الذي اقترحه جورج إدواردو هيرش في عام 2005 في البداية أداةً لتحديد الجودة النسبية في مجال الفيزياء النظرية، قبل أن يجري تعميمه على باقي العلوم‏، أحد أهم المؤشرات الدولية لقياس إنتاجية الباحثين في العالم وتأثيرهم الانتشاري بناءً على منشوراتهم

  1. Hendrik P. Van Dalen & Kène Henkens, "Intended and Unintended Consequences of a Publish or Perish Culture: A Worldwide Survey," Journal of the American Society for Information Science and Technology, vol. 63, no. 7 (2012), pp. 1282-1293.

العلمية المصنّفة. وإن كان هذا المؤشر قد ووجه بعدد من الانتقادات، من قبيل أنّ العدد الإجملي لمقياس الاقتباسات يتأثر بشدة بالمشاركة في منشور واحد له تأثير كبير، فقد اعتمدته عدة جامعات دولية منذئذٍ شرطًا أساسيًا للترقية العلمية. من جهة أخرى، تعدّ فئة "الباحثون ذوو الاستشهادات العالية" (Researchers Cited Highly) أحد أهم مؤشرات هذه القدرات الداخلية؛ وهي قائمة تنشرها سنويًا شركة (Science of Web Clarivate/)، وتضمّ الباحثين في العلوم والعلوم الاجتمعية الذين أظهروا تأثيرًا كبيرًا من خلال نشر العديد من الأوراق البحثية التي استشهد بها أقرانهم بغزارة خلال العقد الماضي. وتصنف هذه الأوراق التي جرى الاستشهاد بها في أعلى 1 في المئة من حيث الاستشهادات لمجال أو مجالات علمية وسنة النشر في شبكة العلوم، ويجري اختيار الباحثين لأدائهم الاستثنائي في واحد أو أكثر من 21 مج لً بحثيًا. وقد ضمّت قائمة عام 2020 ما يقرب من 6400 باحث ضمن فئة الباحثين الأكثر اقتباسًا في العالم28. أما بالنسبة إلى البلدان العربية، فتبقى فئة "الباحثين العرب ذوي الاستشهادات العالية" سلعة نادرة جدًا. فمن بين 6389 باحثًا، جرى الاستشهاد بهم في جميع أنحاء العالم في عام 2020، ينتسب 112 باحثًا فقط إلى جامعات في الوطن العربي، ومعظمهم في المملكة العربية السعودية29. تعد قواعد البيانات (ScopusScience() و of WebScholar() و Google) الأكثر انتشارًا وتأثيرًا في المجال العلمي. وتقوم قواعد البيانات الثلاث بجمع المؤلفات العلمية وفهرستها. ويتمثل الاختلاف الكبير بين قواعد البيانات في المحتوى؛ إذ يختار محررو (ScopusScience() و of Web) المجلات والكتب ووقائع المؤتمرات والمواد الأخرى التي يجري إدراجها وتنظيمها، في حين تشمل قاعدة بيانات (Scholar Google) كل ما يمكن العثور عليه من خلال الرصد الآلي؛ ما يعني مراقبة الجودة أو التصفية بدرجةٍ أقل. وعلى الرغم من وجود الكثير من المحتوى في جميع قواعد البيانات الثلاث، فإنها تختلف اختلافًا جوهريًا في التغطية، إذ تعطي (ScopusScience() و of Web) الأولوية للمنشورات العلمية باللغة الإنكليزية، في حين أن (Scholar Google) أكثر شمولً لِلُغات مختلفة. يحوّل هذا النوع من البيئة التنافسية العلاقة بين جودة الابتكار المنفذ وسرعة تقييمها. فالسباق للوصول إلى أفضل المجلات، وإلى تسجيل أفضل براءات الاختراع، وإلى إدخال منتجات مبتكرة، يسرّع عملية البحث والنشر، لكن يضعفها في الآن ذاته، لا سيّم من خلال تشجيع التعاون بين البحث الأكاديمي والبحث الصناعي، وتعديل التنظيم المؤسسي ووسائل تمويل هذا النشاط. ففي حين كان الباحثون في السابق يتلقون الدعم على نحو متكرر من كل مؤسسة من مؤسساتهم، فإنهم اليوم

  1. Clarivate/ Web of Science, "Methodology - Highly Cited Researchers 2020," accessed on 11/1/2022, at: https://bit.ly/3iQIP4d
  2. Ibid.

يستجيبون لعروض مناقصة من خلال تقديم المشاريع من أجل الحصول على الموارد. وفي حين كانوا في الماضي أمام سلطة علمية ومالية واحدة، فإنهم يواجهون الآن العديد من الممولين الذين يختارون بينهم قبل أن يصبحوا "أسرى" برامجهم البحثية. ومن ثمّ، فإنّ الباحث لم يعد مضطرًا إلى بناء مشروعه الخاص، فهو يتأقلم مع برنامج محدد سلفًا، ويستجيب للطلبات المكتوبة من خبراء خارجيين قبل الدخول في منافسة مع زملائه. وإن كان لهذا التحول مزايا التقليل من أوجه عدم اليقين الخاصة بالبحث، وتنظيم العمل في هياكل بحثية أكثر مرونة، فإنه يقود في المقابل إلى التحكم في إنتاجية الباحثين وفاعليتهم في الحصول على النتائج، ويقلّل من استقلاليتهم، هذا إذا لم يكن يقلّل من إبداعهم30. وقد بدأ الضغط للنشر يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة ما يجري إنتاجه؛ وهي تساؤلات ستزداد حدّتها في المستقبل. ويشير البعض إلى وجود اتجاه نحو عدد أقل من المنشورات الأصلية، واستراتيجيات "تقسيم" النتائج لعمل المزيد من المنشورات من البحث نفسه، والمقالات التي تُنجز بسرعة كبيرة على حساب متانة النتائج أو التي تضحّي بأهميتها من أجل احترام معايير المجلات الرسمية. ولا تخفى ملاحظة الممرسات المنحرفة المرتبطة بالضغط من أجل إنتاج النتائج والمنشورات بسرعة: الانتحال، والانتحال الذاتي، وما إلى ذلك.

3. "تأثير متّى"

تتسم العلوم الاجتمعية والإنسانية، على غرار سواها من العلوم، بوجود "تأثير متّى" (Matthew Effect) الذي يُستخدم لوصف "النمط العام لعدم المساواة التي تعزز ذاتيًا"، والتي يمكن أن تكون مرتبطة بالثروة الاقتصادية، أو القوة السياسية، أو النفوذ، أو المكاسب التعليمية، أو أي مجال آخر يعتمد على التراكم31. ففي جميع هذه المجالات، فإن الفجوات بين أولئك الذين تراكمت لديهم المزايا (من يملكون) ومن لا يملكون "تتسع باستمرار على مرّ الزمن من غير وجود آليات لتصحيحها32. وقد تناول روبرت ميرتون في مقالته التأسيسية "تأثير متّى في العلوم" هذا الأثر السلبي من حيث الارتباط بين الإنتاجية العلمية المبكرة ومعدلات الإنتاجية وطول العمر ووفرة الإنتاج العلمي، وذلك من

  1. Knorr Cetina, Epistemic Cultures: How the Sciences Make Knowledge (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1999).
  2. Robert K. Merton, "The Matthew Effect in Science: The Reward and Communication Systems of Science are Considered," Science (New Series), vol. 159, no. 3810 (1968), pp. 56-63; Robert K. Merton, "The Matthew Effect in Science, II: Cumulative Advantage and the Symbolism of Intellectual Property," Isis, vol. 79, no. 4 (December. 1988), pp. 606-623.
  3. Ibid.

خلال النشر في أفضل المجلات العلمية المتخصصة33. وأشار إلى أن مشاهير الباحثين في المجال العلمي يبحثون عن الاعتراف الكبير الذي قد لا يكون مناسبًا لأعملهم الجديدة، مقارنة بتقدير عمل زملائهم الذين ينتجون أعملً لا تقل جودة ويحصلون على تقدير أقل، بسبب تراكم حوافز في الفئة الأولى من المنح المالية أو الجوائز أو التكريم أو اقتباسات الآخرين من عملهم. هذا التراكم المالي و/ أو الرمزي يعني مضاعفة الأفضليات وتوسيع الفجوات على نحو مطّرد. ومع تزايد ضغوطات النشر على الباحثين، تتزايد حدة "تأثير متّى" الذي يبُرز الطبيعة التراكمية للأفضليات، ويصبح "من هم أغنياء" في المجال البحثي "أكثر غنى" في المستقبل و"من هم فقراء يزدادون فقرًا"، ومن ثمّ يُعمّق الفوارق ويزيد من حدة التنافس بينهم.

خامسًا: تحولات العمل البحثي يف العلوم الاجتمعية والإنسانية يف العالم العربي

يتميز العالم العربي أيضًا بتفاوت في مستويات الوصول إلى الوسائل البحثية. ومن شأن الأدوات الرقمية هنا، لا سيم التكنولوجيا المحمولة التي لا تتطلب استثمرات كبرى وبُنى تحية مادية كبرى، أن تُدمج العديد من البلدان والمدن والأقاليم المهمّشة في السابق في الديناميات التعلمية والبحثية الناشئة، مع دخول البشرية في طور نوعي جديد، وهو بروز قدرات التعلم عن بعد وكفاءاته، وتطور الجامعات المفتوحة، وتيسير التقدم التقني لعملية التعلم والتعلم الذاتي المستمر، بحيث بات دور المدرّس هو دور الميسّ أكثر منه دور الملقّن. ويطور هذا الدور على نحو مبكر امتلاك المتعلم لمهارات البحث والتفاعل مع شبكة واسعة من المعارف، ومن ثمّ تطوير مهارات الابتكار، وإيجاد حلول إبداعية للمشكلات في تلك المناطق المهمشة. كم يؤثر تزايد نشر الباحثين العرب في العلوم الاجتمعية والإنسانية باللغة الإنكليزية بالضرورة في إنتاج المعرفة العربية. وللحفاظ على مكانتها في العلوم العالمية، ينبغي للدول العربية حتمً تدريب باحثيها أكثر على الكتابة والنشر باللغة الإنكليزية، مع بناء قدرات بحثية ذاتية باللغة العربية، وبالمعايير الدولية؛ ذلك أنه على الرغم من الادعاء بأن الاعتراف بالتعددية الثقافية قد غدا حقيقةً قائمة، فإنّ المركزية الإنكليزية تنقض ذلك، وتستثني من مجالها مثلًالدوريات التي

  1. Ibid. بيّ ميرتون الترابط المتلازم للإنتاجية العلمية المبكرة مع معدلات الإنتاجية وطول عمر الإنتاج العلمي وغزارته، من خلال النشر في أفضل المجلات العلمية المتخصصة، وأوضح أن الباحثين المشهورين في الحقل العلمي يحظون باعتراف كبير قد لا يتناسب مع أعمالهم الجديدة، مقارنةً بالاعتراف بأعمال زملائهم الذين ينتجون أعمالً لا تقل جودة ويحصلون على اعتراف أقل، وذلك بفعل تراكم الحوافز لدى الفئة الأولى من منح مالية وجوائز وتكريم أو استشهاد الآخرين بأعمالهم. وقد عرّف ميرتون هذه الدينامية السلبية مضاعفة الأفضليات واتساع الفجوات على نحو مطرد ب "تأثير متّى" في إشارة إلى آية من الإنجيل بحسب القديس متّى: "لأنَّ كَُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى فيَزْدَادُ، ومَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ" (الإنجيل بحسب القديس متّى، الأصحاح الخامس والعشرون).29:

تصدر بغير اللغة الإنكليزية، علمً أن اللغات الأخرى التي تهملها هي لغات عالمية وفق اعتراف الأمم المتحدة بها، وفي مقدمتها اللغة العربية التي تعدّ إحدى اللغات الأكثر انتشارًا واستخدامًا في العالم؛ إذ يتحدثها ما يزيد على 400 مليون نسمة من سكان المعمورة، وهي ضمن اللغات الرسمية الست ولغات العمل في الأمم المتحدة (إلى جانب الصينية والإنكليزية والفرنسية والروسية والإسبانية)، كم تترجم منظمت الأمم المتحدة نصوصها إليها. ويتعلق الأمر أيضًا بإثبات جدارة المضمون العلمي للدوريات العربية في تخفيف تلك المركزية، والاضطرار إلى وضعها في الاعتبار في التصنيف والشمول. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى تجربة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات التي بدأت في عام 2010، والذي أخذ على عاتقه تطوير عملية الإنتاج البحثي باللغة العربية، بحيث تفرض نفسها في المجتمع العلمي مع تقدّم نوعية الإنتاج؛ الأمر الذي نتج منه نشر مئات الكتب المحكمة باللغة العربية في مجالات العلوم الاجتمعية والإنسانية كافة، وستّ دوريات علمية محكمة باللغة العربية، ومئات المؤتمرات والندوات والفعاليات المنظمة أيضًا باللغة العربية، بما يسهم في التراكم اللازم لنهوض علمي متسق ومستدام.

خاتمة

المجال البحثي مجال محفوف بالمخاطر وعدم اليقين، وتنظيم مؤسساته صعب؛ إذ تتميز مهنة الباحث بعمليات طويلة وغير مؤكدة، حيث يتداخل التعلم المستمر بالنشاط الإنتاجي، ويجري تقييم قدرات كل فرد، وكل مجموعة، لكل مهمة منجزة باستمرار. مستقبلً، سيستمر تقديم العديد من الاقتصاديين والقادة السياسيين البحثَ على نحو متزايد بوصفه أصلً أساسيًا للقدرة التنافسية للأمم، في ظل تواصل التحول نحو اقتصادات ومجتمعات قائمة على المعرفة والأصول اللامرئية. لكن هذه الميزة لن تكون فعالة إلا بناءً على قدرة الباحثين على مضاعفة نتائجهم وتعزيزها، وقدرة الشركات على الابتكار في الأسواق، ونوعية العلاقات التي أقيمت بين الأكاديميين والصناعيين. والخلاصة أننا أبرزنا في هذه الدراسة بعض أهم معالم تحولات العمل البحثي في العلوم الاجتمعية والإنسانية، حاضرًا ومستقبلً، بما يمكن البناء عليه لرسم سياسات عمومية ومشاريع بحثية متسقة مع هذه التحولات، وأساسًا للنهوض بهذه العلوم في البلاد العربية.

  1. الأمم المتحدة، "اليوم العالمي للغة العربية، 18 كانون الأول/ ديسمبر"، شوهد في 2022/11/3، في: https://bit.ly/3DVVb4T أعدّت هذه الورقة بوصفها ورقة خلفية نقاشية قُدّمت إلى استشراف في سياق التحضير لهذا المحور.

المراجع

العربية

استشراف للدراسات المستقبلية، الكتاب السنوي السادس: استشراف تحولات العلوم والتكنولوجيا: بوابة العرب إلى المستقبل. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021

الأمم المتحدة. "اليوم العالمي للغة العربية، 18 كانون الأول/ ديسمبر". في: https://bit.ly/3DVVb4T

الأجنبية

"2021 Academic Ranking of World Universities." Shanghai Ranking (2021).

at: https://bit.ly/3WY1BaN

Aghion, Philippe et al. "The Governance and Performance of Universities: Evidence

from Europe and the US." Economic Policy. vol. 25, no. 61 (January 2010).

Ammon, Ulrich. The Dominance of English as a Language of Science: Effects on

other Languages and Language Communities. New York: Mouton de Gruyter,

Barry, Andrew & Georgina Born (eds.). Interdisciplinarity: Reconfigurations of the

Social and Natural Sciences. New York: Routledge, 2013.

Callard, Felicity & Des Fitzgerald. Rethinking Interdisciplinarity across the Social

Sciences and Neurosciences. New York: Palgrave Macmillan, 2015.

Cetina, Knorr. Epistemic Cultures: How the Sciences Make Knowledge. Cambridge,

MA: Harvard University Press, 1999.

Clarivate/ Web of Science. "Methodology - Highly Cited Researchers 2020."

at: https://bit.ly/3iQIP4d

Darbellay, Frédéric (ed.). La circulation des savoirs. Interdisciplinarité, concepts

nomades, analogies, métaphores. Berne: Peter Lang, 2012.

Espeland, Wendy Nelson & Michael Sauder. Engines of Anxiety: Academic

Rankings, Reputation, and Accountability. New York: Russell Sage Foundation,

Gastaldi, Lise & Caroline Lanciano-Morandat. "L'enseignement supérieur et la

recherche: Une pression temporelle accrue." La nouvelle revue du travail. vol.

Gibbons, Michael et al. The New Production of Knowledge: The Dynamics of

Science and Research in Contemporary Societies. London: Sage, 1994.

Jollivet, Marcel (ed.). Sciences de la nature, sciences de la société: Les passeurs de

frontières. Paris: CNRS Éditions, 1992.

Kamadjeu, Raoul. "English: The Lingua Franca of Scientific Research." The Lancet.

vol. 7 (September 2019).

Marginson, Simon. "Global University Rankings: Implications in general and

for Australia." Journal of Higher Education Policy and Management. vol. 29,

no. 2 (2007).

Meneghini, Rogerio & Abel L. Packer. "Is there science beyond English?" EMBO

Reports. vol. 8, no. 2 (2007).

Merton, Robert K. "The Matthew Effect in Science, II: Cumulative Advantage and

the Symbolism of Intellectual Property." Isis. vol. 79, no. 4 (December 1988).

Merton, Robert K. "The Matthew Effect in Science: The Reward and Communication

Systems of Science are Considered." Science (New Series), vol. 159, no. 3810

Morin, Edgar. Science avec conscience. Paris: Fayard, 1982.

QS Quacquarelli Symonds. "QS Arab Region University Rankings 2022." at:

https://bit.ly/3daxgnJ

Rhoads, Robert A., Shuai Li & Lauren Ilano. "The Global Quest to Build World‐

Class Universities: Toward a Social Justice Agenda." New Directions for Higher

Education. no. 168 (Winter 2014).

Stengers, Isabelle (ed.). D'une science à l'autre: Des concepts nomades. Paris: Seuil, 1987.

Tardy, Christine M. "The Role of English in Scientific Communication: Lingua

Franca or Tyrannosaurus Rex?" Journal of English for Academic Purposes. vol.

3, no. 3 (2004).

Tight, Malcolm. "Examining the Research/ Teaching Nexus." European Journal of

Higher Education. vol. 6, no. 4 (2016).

Van Dalen, Hendrik P. & Kène Henkens. "Intended and Unintended Consequences

of a Publish or Perish Culture: A Worldwide Survey." Journal of the American

Society for Information Science and Technology. vol. 63, no. 7 (2012).

Vinck, Dominique. Pratiques de l'interdisciplinarité: Mutations des sciences, de

l'industrie et de l'enseignement. Grenoble: Presses universitaires de Grenoble,

Weingart, Peter & Nico Stehr (eds.). Practising Interdisciplinarity. Toronto:

University of Toronto Press, 2000.