دور المدينة والمجتمع والتوجهات العمرانية المستقبلية في مواجهة تداعيات التغيير المناخي: حالة المدن الخليجية المعاصرة
Role of the City, Society, and Future Urban Trends in Facing the Repercussions of Climate Change: The Case of Contemporary Gulf Cities
الملخّص
ملخص: تستطيع المدن مواجهة تحديات التغير المناخي؛ إذ لديها القدرة على خفض انبعاثاتها بنسبة 90 في المئة بحلول عام 2050 باستخدام تدابير مجدية تقنيًا. وقد أحرزت الجهود المبذولة لإشراك المدن في إدارة المناخ تقدمًا ملموسًا، بيد أنه لا تزال هناك إمكانات غير مستغلة لاتخاذ إجراءات أنجع في معالجة حالة الطوارئ المناخية. تتناول هذه الدراسة التحديات والفرص المستقبلية لتخطيط المدن والبلدات في مناخ متغير، وتوصي بإجراءات رئيسة لمستقبل حضري أكثر مرونة، وخاصة في سياق المدن الخليجية. كلمت مفتاحية: التغير المناخي، التخطيط العمراني، مدن المستقبل، الاستدامة، مدن الخليج.
Abstract
As many development and urban planning experts argue, cities are the real context in which climate change challenges will be won or lost. Cities have the potential to reduce their emissions by 90 percent by 2050 using technically feasible measures. Efforts to engage cities in climate governance have made significant progress, but there remains untapped potential for cities to take stronger action in tackling the climate emergency. The paper therefore addresses future challenges and opportunities for city and town planning in a changing climate, and recommends key actions for a more resilient urban future, especially in the context of Gulf cities.
- التغير المناخي
- التخطيط العمراني
- مدن المستقبل
- الاستدامة
- مدن الخليج
- Climate Change
- Urban Planning
- Future Cities
- Sustainability
- Gulf Cities
علي عبد الرؤوف | Alraouf A. *Ali
دور المدينة والمجتمع والتوجهات العمرانية المستقبلية يف مواجهة تداعيات التغّير المناخي: حالة الممدن الخليجية المعاصرة Role of the City, Society, and Future Urban Trends in Facing the Repercussions of Climate Change: The Case of Contemporary Gulf Cities
القبولAccepted Received التسلمRevised التعديل
الرقم التعريفيDOI https://doi.org/10.31430/VJZC1371
مقدمة
منذ قرابة ثلااثة عقود، أرست الأمم المتحدة الأسس للااستجابة العالمية لتغير المناخ، فخلقت بذلك إطارًا يوضّح دور الدول. كم شهدت اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) مشاركة الدول مع الاتحاد الأوروبي في مفاوضات متعددة الأطراف في المؤتمر السنوي لقمة المناخ)COP(1. وعلى الرغم من نفوذ منظمت المجتمع المدني على أرض الواقع، فإن مشاركتها المباشرة في هذه المفاوضات كانت محدودة. ومن ثمّ، تناولت العديد من المؤسسات الفاعلة والملتقيات العلمية والأطروحات البحثية الدور المهم الذي يمكن أن تقوم به المدينة في التعامل مع قضايا التغير المناخي. وحسب نتائج مؤتمر القمة المناخي المنعقد في شرم الشيخ في عام 2022، تبين أنه من المهم تحفيز إمكانات المدن غير المستغلة في إعادة تشكيل حوكمة المناخ، والدعوة إلى حوكمة شاملة تشمل المجتمع المدني والقطاع الخاص والمؤسسات غير الحكومية. تتناول هذه الدراسة التحديات والفرص المستقبلية لتخطيط المدن والبلدات في سياق مناخ متغير، وتوصي بإجراءات رئيسة لمستقبل حضري أكثر مرونة. وتعقد مجموعةً من الدراسات التحليلية المقارنة التي تختبر الأطروحات العمرانية المعاصرة التي وعدت بتعامل أكثر إيجابية مع قضايا التغير المناخي والاستدامة، من خلاال تحليل مشروعات مثل مدينة مصدر في أبوظبي، ومدينة الخط في نيوم، ومدينة مشيرب في الدوحة، ضمن المشروعات التي انتشرت في الخليج، وتقترح على مستويات مختلفة صورة أفضل للمستقبل. وفي الواقع إنّ المعمريين والمخططين ومتخذي القرار والمستثمرين لا ينبغي أن يكون مصدرهم الحملاات الإعلاانية والتسويقية البراقة التي تروج لمفهوم محدود من الاستدامة، وتتحدث عن نتائج غير مثبتة علميًا، أو تق سي جوانب محدودة فقط من الأداء البيئي، فالاستدامة في العمرة والعمران هي مفهوم شامل وكّلي ومتعدد الركائز، يضم الاستدامة الاجتمعية، والتعددية الثقافية، والإتاحة والقدرة المالية على الوجود في مدينة معينة لكل أفراد المجتمع. ولذلك تقدم الدراسة تصورًا لتحويل تلك المدن إلى مستوطنات حضرية متصلة ومرنة، وصديقة للإنسان، تستطيع المساهمة في مواجهة تداعيات التغير المناخي، من دون التنازل عن حق السكان في معايير متميزة لجودة الحياة. من هذا المنطلق، تتبلور عدة أسئلة بشأن التفكير في المستقبل في مواجهة تغير المناخ، وبشأن الأدوات اللاازمة والإرادة المطلوبة لإعادة التفكير بصفة جمعية في التعامل مع تلك التحديات من أجل توليد إمكانات بديلة للأمل، أو العمل أو الوعي البسيط فيم يتعلق بالكوكب وكائناته؛ ذلك أنّ البشر يتسببون بصورة جوهرية في تغير المناخ من خلاال الاعتمد المفرط على الوقود الأحفوري لتوليد الطاقة وإنتاج
1 اتفاق باريس هو معاهدة دولية ملزمة قانونًا بشأن تغير المناخ. وقد اعتمده 196 طرفًا في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP21) في باريس في 12 كانون الأول/ ديسمبر 2015، ودخل حيز النفاذ في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016. هدفُ الاتفاق الشامل هو الحفاظ على "الزيادة في متوسط درجة الحرارة العالمية إلى أقل بكثير من 2 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة"، ومتابعة الجهود "للحد من زيادة درجة الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة". الأمم المتحدة، العمل المناخي، "حقائق سريعة عن العمل المناخي"، شوهد في 2023/12/31، في: https://t.ly/8L738
الغذاء والملاابس والمواد الاستهلااكية الأخرى. فإن كانت الأشجار تحوّل ثاني أكسيد الكربون إلى أكسجين، وربما تطور صناعة الوقود الأحفوري احتجاز الكربون وتخزّن بعض انبعاثاتها الخاصة، فلاا يوجد ما يكفي من عزل الكربون اليوم لحمية المستقبل. وهذا التقاعس يؤدي إلى أن نحكم على الأجيال الحالية والأجيال المقبلة بالخسارة والمعاناة في كل يوم يتواصل فيه حرق الوقود الأحفوري على هذه الوتيرة. شاركت الأمم المتحدة في مبادرة عالمية في عام 2015، قدمت فيها سبعة عشر هدفًا من أهداف التنمية، تتضمن آليات وإرشادات بشأن قضايا جوهرية بارزة في العالم، مثل القضاء على الفقر، وتغير المناخ، والمساواة بين الجنسين2. وتمثّل الغرض الرئ سي من ذلك في دمج أهداف التنمية المستدامة في السياسة الحكومية، بهدف إعطاء الدول الأولويةَ للتحديات الاجتمعية والاقتصادية والبيئية، وإشراك العديد من أصحاب المصلحة، بما في ذلك المجتمع المدني والمجتمعات المهمشة؛ ما يمكن أن يساعد في تعزيز ثقافة الشمولية والمساءلة في صنع السياسات رفيعة المستوى. إن تغير المناخ هو أهم أزمة واجهتها البشرية، والعالم يواجه عقبات ضخمة لحلّها3. فم العمل؟ وهل ثمة أمل للبشرية؟ فالمشكلة نفسها معقدة، ولا يوجد حل واحد. ولكن من خلاال فهم الحواجز التي تحول دون حل ظاهرة الاحتباس الحراري، وتوظيف مجموعة واسعة من الحلول، من التحول إلى الطاقة النظيفة، إلى زراعة الأشجار، إلى إصلااح الممرسات الزراعية، يظل في الإمكان إعادة العالم إلى المسار الصحيح.
أولًا: المدينة العربية وقضايا البيئة والتغير المناخي
السياق العربي وقضايا البيئة والتغير المناخي
غابت قضايا البيئة والتغير المناخي والاستدامة عن الفكر التخطيطي والتنموي للمدن المعاصرة عربيًا، خاصة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. فقد ساعدت العوائد النفطية غير المسبوقة على تحويل العواصم والمدن الخليجية سريعًا إلى حالة من التحضر لا تُعنى بأهمية الوعي الكامل لتأثير البيئة المبنية في البيئة الطبيعية4. ولم تتبلور، في حالة مدن الخليج، فكرة المدينة بمعناها المعاصر في عمران الخليج إلا مؤخرًا، خاصة بعد اكتشاف النفط وتوجيه عوائده لتطوير البلدات والمستقرات التقليدية
2 اعتمدت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في عام 2015 "أهداف التنمية المستدامة" (SDGs)، والتي تُعرف أيضًا باسم "الأهداف العالمية"، باعتبارها دعوةً عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلاام والازدهار بحلول عام.2030 للااستزادة، ينظر: الأمم المتحدة، التنمية المستدامة، "أهداف التنمية المستدامة"، شوهد في 2023/12/31، في: https://t.ly/UJTYU 3 David Suzuki & Ian Hanington, Just Cool It! The Climate Crisis and What We Can Do - A Post-Paris Agreement Game Plan (Vancouver, CA: Greystone Books, 2017). 4 Roberto Fabbri & Sultan Al-Qassemi, Urban Modernity in the Contemporary Gulf: Obsolescence and Opportunities (Milton Park: Routledge, 2021); Nasser Golzari, Architecture and Globalisation in the Persian Gulf Region (Milton Park: Routledge, 2016).
وتحويلها إلى مدن بعضها أصبح عالمي التوجه، مثل دبي، والدوحة، وأبوظبي5. ونرصد فيم يلي مجموعة أساسية من تلك المشاهد والتساؤلات التي تجتهد الدراسة في التعامل معها وتحليل وجودها وتق ييم استمراريتها، والتي تصبّ في محدودية التصورات المستقبلية لحالة المدن الخليجية، وخاصة الجهد المبذول للتحول من اقتصاد الموارد الأحفورية (البترول والغاز) إلى اقتصاد المعرفة، بصفته مدخالًا حتميًا لعصر ما - بعد الكربون/ النفط6. فعلى الرغم من التنمية المطردة في الخليج، فإنّ قياسات المنظمت البيئية العالمية تعكس واقعًا كارثيًا في معدلات استهلااك الطاقة والمياه والانبعاث الكربوني في دول الخليج الست7. فعلى سبيل المثال، معدل الانبعاث الكربوني للشخص في مدينة دبي، التي يقطنها ثلث سكان الإمارات العربية المتحدة، يأتي في المركز الثاني عالميًا بعد الولايات المتحدة الأميركية. ثمّ إنّ معدل استهلااك سكان الإمارات للطاقة يبلغ أكثر من ضعف المتوسط العالمي. وقد انخفض المخزون السمكي لأكثر من 80 في المئة تبعًا لهيئة البيئة، وتعرضت الشواطئ البحرية لتحديات لا تعالجها مشروعات التنمية العقارية والفندقية والأعمل المنظمة لردم الخليج8.
. 2 تعاظم دور المدينة في مقاومة التغير المناخي
المدن هي خط الدفاع الأول في معركة البشرية ضد الحرارة القاتلة. ومن الحتمي البحث والتنقيب في التغييرات التي تقوم بها بعض المدن الأكثر حيوية في العالم لحمية سكانها من درجات الحرارة القصوى. ويوضح التحدي المركب الخاص بتداعيات التغير المناخي، وتأثيراته المتعددة في المدينة والتحضر وأنماط حياة المجتمعات العربية والخليجية، دور التخطيط العمراني في إعادة التوطين الحضري بصفته ق يضة خاصة، تركز على التكيف والعمل مع الطبيعة، وتقديم إجراءات حقيقية بشأن تغير المناخ مع المجتمعات المحلية. ولذلك فإنّ التخطيط العمراني أساسي للعمل بشأن تغير المناخ. ومن خلاال القيام
5 عبد الله السدحان، الآثار الاجتماعية للتوسع العمراني: المدينة الخليجية نموذجًا، كتاب الأمة، العدد 126 (الدوحة: مركز البحوث والدراسات، 2010)؛ Farah Al-Nakib, Kuwait Transformed: A History of Oil and Urban Life (Stanford: Stanford University Press, 2016); Steffen Wippel et al. (eds.), Under Construction: Logics of Urbanism in the Gulf Region (London: Ashgate, 2014); Ali Alraouf, "The Urban Megaprojects Paradigm in Qatar: A Holistic Criticism and Premeditated Prophecy," Journal of Urban Research and Development (JURD), vol. 1, no. 1 (Fall 2020), pp. 30-44. 6 Ali Alraouf, Knowledge-Based Urban Development in the Middle East (PA, USA: IGI Global Publishing, 2018); Mirza H. Alqassab, Life After Oil: The Survival Predicament of the Gulf Arab States (Leicester, UK: Matador, 2020); Christopher Davidson, Abu Dhabi: Oil and Beyond (Oxford: Oxford University Press, 2011). 7 بحسب البيانات التي تضمنها "أطلس المخاطر المائية لقنوات المياه" الصادر عن معهد الموارد العالمية في واشنطن، فإن دول مجلس التعاون الست تأتي ضمن سبع عشرة دولة تُعَُّدُ الأكثر شُحًا في المياه في العالم؛ ينظر: World Resources Institute, "Aqueduct Water Risk Atlas," accessed on 31/12/2023, at: https://www.wri.org/aqueduct 8 Elie Azar & Mohamed Abdel Raouf, Sustainability in the Gulf: Challenges and Opportunities (London: Routledge, 2017); Gökçe Günel, Spaceship in the Desert: Energy, Climate Change, and Urban Design in Abu Dhabi (Durham: Duke University Press Books, 2019).
بذلك، فإنه ينظر خاصة في الممرسات والفرص الحالية للاابتكار وبناء القدرات في المستقبل، مثل التنمية المحايدة للكربون، وإعادة البناء بطريقة أفضل، وإنشاء مستوطنات حضرية أكثر مرونة في جميع أنحاء العالم. وتجري تغطية التحدي المعقد، المتمثل في إعادة التوطين الحضري المحتمل من تأثير تغير المناخ، على أنه ق يضة خاصة تركز على التكيف والعمل مع الطبيعة، وتقديم إجراءات حقيقية بشأن تغير المناخ مع المجتمعات المحلية. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى مؤتمر شرم الشيخ حول التغيرات المناخية، في الدورة السابعة والعشرين لمؤتمر الأطراف (COP27)، الذي انعقد في تشرين الثاني/ نوفمبر 20229، والذي على الرغم من تعثر ملفين أساسيين فيه بما يتعلق بمفاوضات المناخ (التسريع في خفض الانبعاثات للحد من الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية، وملف تعويض الدول المتضررة)، فإنه شهد إطلااق مبادرة المرونة الحضرية المستدامة للجيل المقبل (SURGE) لتسريع العمل المناخي المحلي والحضري من خلاال معالجة التحديات في الحوكمة والتمويل والوصول إلى التكنولوجيا10، والتي تهدف إلى القيام بذلك مع التركيز على النظم الحضرية مثل المباني والتنقل، والمياه، والطاقة، والنفايات11. وفي ضوء الصعوبات التي يواجهها السياسيون والعلمء والعديد من خبراء التنمية ودراسات المستقبل، في التوصل إلى استنتاجات قاطعة بشأن الاستجابة الصحيحة لكارثة المناخ الوشيكة أو المستمرة، ينبغي بلورة بعض الأفكار حول ما يمكن أن ن يضفه إلى تصورات المستقبل، والتعامل مع إشكالية المناخ بخلااف روايات التشاؤم، والبحث عن استجابات نفعية لارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية12. فنحن اليوم في مرحلة تتطلب وقف تغير المناخ، بل ربما عكس اتجاهه، والدعم المخلص للجهود الرامية إلى إبطاء سرعة الاحترار العالمي الناجم عن الأنشطة البشرية وتحمل آثاره13. ونظرًا إلى أن "الاستدامة" (Sustainability) تبدو كأنها وهم من الماضي هذه الأيام، فقد أصبحت "المرونة" (Resilience) واحدة من أكثر الكلمت انتشارًا في الوقت الحالي؛ ما يستحضر قدرة البشرية على مقاومة العواقب الأكثر تدميرًا
9 United Nations, Climate Change, "Sharm el-Sheikh Climate Change Conference - November 2022," accessed on 31/12/2023, at: https://unfccc.int/cop27 10 Ibid. 11 لم يحرز البيان الختامي أيّ تقدمٍ على صعيد ملف التخفيف من الانبعاثات عما تحقق في القمة السابقة في غلااسغو (COP26)، على
الرغم من مطالبة 80 دولة ببيان ختامي يدعو إلى تخفيف استخدام كل أنواع الوقود الأحفوري. 12 Azar & Abdel Raouf. 13 كان عام 2023 الأكثر احترارًا على الإطلااق، فقد وصلت قراءات الحرارة من طوكيو إلى فينيكس إلى مستويات غير مسبوقة؛ ما يؤدي إلى حرائق الغابات وذوبان غير مسبوق للصفائح الجليدية في القارة القطبية الجنوبية؛ ينظر:
EU/Copernicus Climate Change Service, "Record Warm November Consolidates 2023 as the Warmest Year, " 7/12/2023, accessed on 31/12/2023, at: https://t.ly/zdMvb وفي منطقة الشرق الأوسط، التي تضم بعض المدن الأكثر سخونة على وجه الأرض، ترتفع درجة الحرارة فيها مرتين أسرع من المتوسط العالمي؛ ينظر: "In the Middle East, Temperatures are Soaring. Will the Region Remain Habitable?" Fanack Water, 24/1/2023, accessed on 31/12/2023, at: https://t.ly/TolC2
للظروف البيئية المتغيرة. ومن ثمّ، يتحتم التفكير في المرونة ل سي من حيث أصلها الاشتقاقي في الكلمة اللااتينية التي تعني "القفز للخلف" أو "الارتداد" فحسب، وإنما أيضًا بوصفها دعوةً إلى الخروج من الديناميات القديمة والتغلب عليها.
ثانيًا: المدينة الخليجية وقضايا البيئة والتغير المناخي
تعاني المنظومات الحيوية والمجتمعات وسبل عيشها، في الخليج والشرق الأوسط، الآثار السلبية لتغير المناخ المتسارع. فبحسب تقرير جديد من مختبرات غرينب سي للبحوث في جامعة إكسيتر في المملكة المتحدة بعنوان: "على شفير الهاوية: تداعيات تغّير المناخ على ستة بلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا"14، تعاني منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا ظاهرة الاحترار، بوتيرة تقارب ضعف المعدل العالمي. ويشدد التقرير على ضرورة العمل العاجل لمواجهة الاحترار، وشحّ المياه، والخطر على الأمن الغذائي في المنطقة15. يشكّل تغّير المناخ تحديًا فريدًا بالنسبة إلى دول الخليج العربية الست: الإمارات والبحرين والكويت وعُمن وقطر والمملكة العربية السعودية، التي تقع في بيئة طبيعية صحراوية قاسية وقاحلة في معظم أراضيها، ولكنها على صعيد الموارد، تحظى بثروة اقتصادية مدعومة بالمواد الهيدروكربونية. فهذه الثروة تمكنهم من الاستمرار في ممرسة أساليب الحياة والتنمية البعيدة عن مفاهيم الاستدامة والتعامل الرصين مع تحديات التغير المناخي، وتجعل المدن الخليجية المعاصرة حالةً خاصة من حيث إنّ الوقود الأحفوري هو العصب الرئ سي في منظومتها الاقتصادية16. ولذلك تتعاظم المسؤولية الأخلااقية لهذه البلدان، لإبطاء تغّير المناخ في الوقت الحالي. فإذا كانت جهات مصالح الوقود الأحفوري (أصحاب الفحم والنفط والغاز، وخطوط الأنابيب والمصافي وبنيتهم التحتية الداعمة الضخمة، والمؤسسات المالية المرتبطة بهم) تحاول تحويل انتباه المواطنين المعنيين من خلاال الإعلاان عن أهداف بعيدة غامضة مثل "صافي الصفر 2050" لتحقيق الحياد المناخي، بينم تخطط لمواصلة العمل كالمعتاد لأطول فترة ممكنة17، فإنه ينبغي خفض إنتاج طاقة الكربون على الفور كثيرًا. علااوةً على ذلك، فإن السياسات العالمية المتقدمة حول المناخ، وبخاصة تلك التي تستهدف التحول بعيدًا عن استهلااك موارد الطاقة الهيدروكربونية، يمكنها أن تفرض خسائر اقتصادية مباشرة على دول الخليج
14 Kathryn A. Miller et al., Living on the Edge: The implications of Climate Change for Six Countries in the Middle East North Africa Region, Greenpeace Research Laboratories Technical Report (Review) 2/11/2022, accessed on 31/12/2023, at: https://t.ly/fLkZy 15 Ibid. 16 ممدوح سلاامة، أسباب الهبوط الحاد في أسعار النفط الخام: فائض الإنتاج أم السياسة الدولية؟ (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2015 17 Barbara Norman, Urban Planning for Climate Change (London: Routledge, 2020).
العربية التي تمتلك نحو 30 في المئة من إجملي الاحتياطي العالمي المثْبت من النفط، ونحو 20 في المئة من إجملي احتياطي الغاز الطبيعي المثبت؛ ما يجعل الموارد الهيدروكربونية تساهم كثيرًا في اقتصادات هذه الدول18. تجادل عائشة السريحي19 بأن تغّير المناخ خلقَ تحدّيات فريدة من نوعها لدول الخليج العربية تراوح بين ارتفاع درجات الحرارة، وتزايد فترات الجفاف، وارتفاع مستوى سطح البحر، والظروف الجوية القاسية، فضالًا عن التداعيات على الثروة الهيدروكربونية في المنطقة20. ويعُدُّ شُّحُ المياه، على نحوٍ خاص، مصدرَ قلق كبير لدول الخليج. فقد أشارت البيانات التي تضمنها "أطلس المخاطر المائية لقنوات المياه" الصادر عن معهد الموارد العالمية بواشنطن، إلى أنّ دول الخليج العربية الست تأتي ضمن السبع عشرة دولة الأكثر شُحًا في المياه في العالم21. ويجعل تغّير المناخ، وزيادة درجات الحرارة، وتراجع أنماط الهطولات المطرية من التوقعات المتعلقة بشح المياه أكثر مبعثًا للقلق. وبدأت المنطقة بالفعل التوسع في مشاريع تحلية المياه لتلبية الطلب المتزايد؛ إذ تشكّل عمليات التحلية نسبة 45 في المئة من طاقة التحلية العالمية22. واستجابةً لذلك، اتّخذت حكومات منطقة الخليج خطوات مهمة في بناء القدرات المؤسّسية، ووضع أهداف واستراتيجيات للتصدّي لتغّير المناخ، من حيث إجراءات التكيّف مع هذه الظاهرة والتخفيف من آثارها. وتشمل هذه الإجراءات مجالات كفاءة الطاقة، والطاقة المُتجدّدة، والهيدروجين، وكذلك الالتزام بتحقيق هدف الوصول إلى صافي صفري من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين. وقد دمجت بعض دول الخليج حمية البيئة والاستدامة في خطة التنمية الاقتصادية الخاصة بها. فعلى سبيل المثال، تنص "رؤية البحرين الاقتصادية 2030" على أن النمو الاقتصادي يجب ألا يأتي أبدًا على حساب البيئة ورفاهية الشعب على المدى الطويل. بينم تتعهّد "رؤية الكويت 2035" بضمن اللوائح البيئية والاستدامة الفعّالة داخل الدولة. وتنص "رؤية قطر الوطنية 2030" على أن التنمية الاقتصادية وحمية البيئة مطلبان لا ينبغي التضحية بأي منهم من أجل الآخر. وتضع "رؤية
18 BP, Statistical Review of World Energy 2021, 70 th ed. (London: Statistical Review of World Energy, 2021), accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/dgkI3 19 عائشة السريحي، "إدارة تغّير المناخ في منطقة الخليج العربي: السياسات والتحديات والآفاق"، مركز الإمارات للسياسات، 2023/8/3، شوهد في 2023/12/31، في: https://shorturl.at/kzNRV 20 أشار تقرير "المبادرة الإقليمية لتق ييم أثر تغّير المناخ على الموارد المائية وقابلية تأثر القطاعات الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة العربية" إلى أن درجات الحرارة سترتفع في المنطقة العربية خلاال القرن الجاري بسرعة تزيد بمعدل الضعف مقارنة بأجزاء أخرى من العالم. ينظر: ريكار/ المبادرة الإقليمية لتق ييم أثر تغّير المناخ على الموارد المائية وقابلية تأثر القطاعات الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة العربية، التقرير العربي حول تقييم تغير المناخ: التقرير الرئيسي (بيروت: لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا/ الإسكوا، 2017)، شوهد في 2023/12/31، في: https://shorturl.at/eAEU4 21 World Resources Institute. 22 Waleed K. Al-Zubari & Suzan M. Alajjawi, "The Water Sector in the GCC Countries: Climate 37 Change Vulnerability and Adaptation," in: Aisha Al-Sarihi, COP 27 and the Middle East (Queenstown, Singapore: National University of Singapore/ Middle East Institute, 2022).
عُمن 2040 " حمية البيئة الطبيعية والاستخدام المُستدام للموارد الطبيعية في صميم الأولويات الوطنية، وتربط أولوياتها الوطنية بأهداف الأمم المتحدة السبعة عشر للتنمية المستدامة.)SDGs(توضح إحدى الدراسات المنشورة حديثًا تعرض دول ومدن مختلفة لحرارة غير مسبوقة (متوسط درجات الحرارة السنوية 29 درجة مئوية أو أكثر)، في ارتفاع 1.5 درجة مئوية أو 2.7 درجة مئوية في درجة حرارة الكوكب مقارنةً بمستويات ما قبل الصناعة23. وحذرت الدراسة من أن جميع سكان البحرين وقطر والإمارات قد يكونون عرضةً للحرارة الشديدة، إذا استمرت درجة حرارة الكوكب في الارتفاع في السنوات المقبلة24. ووجدت أن 419 مليون شخص في 57 دولة كانوا عرضة لارتفاع 1.5 درجة مئوية من الاحترار العالمي في السنوات المقبلة، في حين أن 1.99 مليار شخص في 122 دولة كانوا عرضةً لارتفاع درجة الحرارة بمقدار 2.7 درجة مئوية25. وهذه الحقائق هي ما سبق أن أُعلن عنه في اتفاق باريس لعام 2015 من حيث إن ملاايين الأشخاص سيكونون عرضةً للآثار السلبية للااحتباس الحراري إذا تم تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية. وأصدرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تحذيرًا مقلقًا ومحذرًا من أنه للمرة الأولى، من المرجح الآن أن تتجاوز درجات الحرارة العالمية عتبة باريس في السنوات الخمس المقبلة26. وقد وجدت دراسة حديثة أخرى أن ثثًا من دول الخليج، هي البحرين وقطر والإمارات، قد يتعرض 100 في المئة من أراضيها وسكانها لحرارة تهدد الحياة بسبب ارتفاع درجات الحرارة العالمية بمقدار 2.7 درجة مئوية27. ودولة الإمارات معرضة للخطر على نحوٍ خاص، حيث يتعرض أكثر من 80 في المئة من سكانها للحرارة الشديدة حتى في ظل سيناريو 1.5 درجة مئوية28. أحد أهم مظاهر هذه التغيرات المناخية هو ارتفاع مستوى سطح البحر؛ إذ يعيش نحو 90 في المئة من سكان دول الخليج في المناطق الحضرية التي تقع معظمها على طول السواحل، والتي تشهد عادةً تركيزًا عاليًا للمباني والطرق والبنية التحتية ومنشآت الصناعة؛ ما يجعلها عرضة لمخاطر المناخ29. وقد يؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر إلى خسارة بعض الدول، مثل الإمارات والبحرين وعُمن وقطر، أجزاء كبيرة
23 Jack Dutton, "Entire UAE, Qatar, Bahrain Populations Vulnerable to Extreme Heat, Study Says," Al Monitor, 22/5/2023, accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/QV145 24 Ibid. 25 Ibid. 26 World Meteorological Organization (WMO), "Global Temperatures Set to Reach New Records in Next Five Years," Press Release, 17/5/2023, accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/kpzQ3 27 Timothy M. Lenton et al., "Quantifying the Human Cost of Global Warming," Nature Sustainability, vol. 6 (2023), pp. 1237-1247. 28 Ibid. 29 Aisha Al-Sarihi, "Managing Climate Change in the Gulf: Challenges, Policies, and the Way Forward," Emirates Policy Center (EPC), 7/8/2023, accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/boBGH
من سواحلها30. فمعظم مدن الخليج وعواصمه هي مدن ساحلية ذات إطلاالة مباشرة على المسطح المائي للخليج. وكل ما شهدته هذه المدن من طفرات عمرانية ومعمرية يقع بالقرب من حدود الساحل؛ ما يجعل مصير هذا الرصيد المعمري والعمراني مقلقًا في حالة ارتفاع سطح الماء في الخليج نتيجة التغّير المناخي وتهديد تلك المدن بالزحف المائي التدريجي، ومن ثمّ إغراق سواحلها وبنيتها التحتية. على صعيد التركيبة السكانية، تظلّ فئة كبار السن هي الأكثر ضعفًا إزاء هذا التغير المناخي. وقد حذر العلمء من أن الحرارة الشديدة يمكن أن تكون قاتلة، وتزيد من نسب الوفيات، خاصة بين الفئات العمرية الضعيفة مثل الأطفال وكبار السن والعاملين في الهواء الطلق، وأن المجتمعات ستتعرض لخسائر اقتصادية هائلة وارتفاع حاد في عدم الاستقرار الاجتمعي، من بين آثار سلبية مهمة أخرى. ولا يمكن لدول الخليج أن تكون محصنة ضد هذه الآثار، على الرغم من أنّ العواقب قد تكون متباينة وفق كل بلد. ولذا يجب على كل دولة العمل على تجنب أسوأ آثار تغير المناخ، وتنفيذ مساهمتها المحددة وطنيًا وخطط العمل المناخي لخفض الانبعاثات والتكيف مع تغير المناخ. وتختلف استجابات دول الخليج لمعضلة تغير المناخ؛ ففي حين تبنّت دول مثل السعودية والإمارات أهداف صافي الانبعاثات الكربونية، واستثمرت مليارات الدولارات في الطاقة المتجددة، تواصل خطط الكويت الوطنية الضغط من أجل إنتاج النفط بكميات كبيرة، وهي على ما يبدو غير مدركة للعواقب على المدى الطويل. وتبرز في هذا الصدد رندا دياب بهمن ودلال عبد الهادي معرفي31، في فحصهم للحالة الكويتية؛ إذ تلتزم النقاشات البرلمانية والدعاية الانتخابية لمجلس النواب الصمت بشأن الخطط الاستراتيجية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. ويجري في بعض مدن الخليج تنفيذ برامج المدن التي يطلق عليها "الذكية" التي تركز دعايتها على أنها تحقق الاستدامة على مستويات متعددة، وأهمها تحسين نوعية الحياة في البيئات الحضرية. وأمثلة ذلك في السياق الخليجي مدينة مصدر الإماراتية، ومدينة نيوم في السعودية. فهذه المدن الجديدة لها استراتيجيات ممثلة للوصول إلى هذا الهدف "المدن الذكية" من خلاال تفعيل التقنيات الرقمية لتحسين الوظائف التي تدعم العيش في البيئات الحضرية والتقنيات المستدامة والصديقة للمناخ.
ثالثًا: مساءلة نماذج التنمية العمرانية المستدامة يف الخليج نحلل فيم يأتي ثلااثة مشروعات بارزة في سياق المدن الخليجية المعاصرة، استخدمت، وتستخدم بصورةٍ متزايدة، أدلةً على تغّير نوعي في مفاهيم التنمية العمرانية من خلاال تبنّي مفاهيم الاستدامة والمرونة
30 Tanzeed Alam & Leela Evans, "Climate Change Adaptation in the GCC: Implementation Gaps," in: Al-Sarihi, COP 27 and the Middle East. 31 رندا دياب بهمن ودلال عبد الهادي معرفي، "التنمية المستدامة في الكويت: بين القول والفعل"، صدى (كارنيغي) (14 أيلول/ سبتمبر 2023)، شوهد في 2023/12/31، في: https://shorturl.at/hrx03
والتعامل الإيجابي مع تحديات التغير المناخي. وتهدف الدراسة إلى إلقاء الضوء على صدقية هذه المشروعات، ومساءلة مدى تبنّيها مفاهيم الاستدامة بمعناها الشامل، سواء كانت مفاهيم مؤثرة وحاكمة لمنطق التنمية في هذه المشروعات أم إنها مجرد وسائل دعاية وتسويق للمشروع والمدينة، وأحيانًا للدولة برمّتها.
الم رشوع الأول: حالة مدن مصدر، أبوظبي، الإمارات: أهي فقاعة مستدامة أم حلم ممزق؟
في عام 2006، أطلقت أبوظبي مشروعًا طموحًا لبناء أول مدينة خالية من الكربون في العالم32. واستُدعي المعمري والمخطط العمراني نورمان فوستر وشركاؤه لوضع الرؤية التخطيطية للمدينة33. ولم يقدم مخططو المدينة رؤى حول التصميم العمراني فحسب، بل اقترحوا أيضًا طرائق لتخيل مستقبل الحياة والطاقة والمناخ34. فقد تأسست مدينة مصدر من أجل أن تكون المدينة الأكثر استدامةً بيئيًا في العالم، وأن تكون بمنزلة نموذج عالمي للتنمية الحضرية المستدامة. وسميت هذه المدينة ب "البصمة الخضراء" Print Green الجديدة لمدن المستقبل والحياة المستدامة، وتعتمد أساسًا على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح؛ إذ يجري تزويدها بالطاقة النظيفة من مزرعة ألواح الشمسية بقدرة 10 ميغاوات، بُنيت بجوار المدينة. وصُمّمت المدينة لتكون نموذجًا للسياقات العمرانية الخالية من السيارات، وبمعدل انبعاث كربوني صفري، وهي تعتمد اعتمدًا كامالًا على مصادر الطاقة المتجددة، مع عدم وجود أي مخلفات؛ إذ يجري إعادة تدوير كل ما ينتج. كم تعتمد المدينة على حركة المشاة وتكثيف استخدام أنظمة التهوية الطبيعية. ويهدف المشروع، الذي من المقرر الانتهاء منه في أواخر عام 2030، إلى أن يكون موطنًا لحوالى 40 ألف شخص و 1500 شركة35 غير أنّ المدينة تلقّت انتقادات بسبب التقدم البطيء المحرز في بنائها. فمع إدراك أنّها لم تكن قريبة من الاكتمل في عام 2016، ولا تقترب من تصفير انبعاثات الغازات الدفيئة، وهو أحد أهدافها الرئيسة، فقد برز بعض التشاؤم بشأن آفاق نجاحها في المستقبل، ووُِّجِهت إليها الانتقادات بأنها فاشلة36، وتمثل مشروع غسيل أخضر للتغطية على انبعاثات الكربون في الإمارات وإنتاج النفط37.
32 علن عن البدء بالتمويل من "مبادلة"، وهو صندوق ثروة سيادي إماراتي، يعكس الاهتمام المؤسسي بالمشروع وقيمته في بدء التحول أُ نحو حقبة جديدة من التنمية العمرانية، شعارها الاستدامة والحفاظ على البيئة؛ ينظر: "أبوظبي تطلق أعمال بناء أول مدينة خالية تمامًا من الانبعاثات الكربونية"، القدس العربي، 2008/2/12، شوهد في 2023/12/31، في: https://shorturl.at/JKNY6 33 Marcus Fairs, "Zero-carbon City by Foster + Partners," Dezeen, 8/5/2007, accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/eRY56 34 Ibid. 35 Sussan SaikaliJul, "Smart and Sustainable: The Gulf Goes All in on Tech Cities," The Arab Gulf States Institute in Washington (AGSIW), 5/7/2023, accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/bqrO5 36 Federico Cugurullo, "Urban Eco-modernisation and the Policy Context of New Eco-city Projects," Urban Studies, vol. 53, no. 11 (August 2016), pp. 2417-2433. 37 Cf. Suzanne Goldenberg, "Masdar's Zero-carbon Dream could become World's First Green Ghost Town," The Guardian, 16/2/2016, accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/kpruC
وقد حاولت إدارة المدينة، بعد عدم تحقيقها أهدافها المعلنة؛ الكمية والنوعية، وخاصة جذب مجتمع سكاني مقيم ومنتمٍ إلى المدينة، أن تعلن عن مشروعات ومبادرات جديدة لإعطاء الانطباع بأنها ما زالت فاعلة ونشطة.
. الصورة (1) الرؤية التخطيطية لمدينة مصدر التيطُرحت بصفتها أول مدينة في العالم كاملة الاستدامة، صفرية الانبعاثات الكربونية
المصدر: Foster and Partners, "Projects/Masdar City, ˮ accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/ltyH7
يبرز جوكش غونيل في كتابه سفينة الفضاء في الصحراء، أنّ قصة مدينة مصدر، التي كانت تُسوّق على أنها "مدينة فاضلة" ترعاها الحكومة الإماراتية، تجسّد الفارق الكبير بين الرؤية والواقع38؛ فالعديد
38 Günel.
من المبادرات في هذه المدينة، مثل تطوير مصادر طاقة جديدة، وشبكة نقل سريع من دون سائق، قد توقفت أو لم تحقق التوقعات، ولم يكد يتبقى منها إلا مقارّ شركات ومعهد تقني فيه مجموعة محدودة من الطلبة والباحثين. ويرجع فشل مشروع هذه المدينة، التي سُوّقت للعالم بأسره بوصفها أول مدينة عديمة الانبعاث الكربوني، وعديمة التلوث، وعديمة المخلفات، والأكثر استدامةً في الكون، إلى أنها كانت جزءًا من "دب يية"39 المدن الخليجية والعربية بإنتاج سرديات شكلية، غريبة وافتراضية، ولا توجد المقومات الفعلية لتفعيلها، ولكنها تحقق النجاحات الدعائية المطلوبة لخلق صورٍ، مثل مدينة دبي، تجعل الكثيرين يتحدثون عنها دائمًا؛ كفكرة أكبر مجمع تجاري، وأضخم مهٍ، وأعلى برج في العالم، ومشروع النخلة، وجزيرة العالم، وغير ذلك من "الفانتازيا العقارية" التي ييسرها وجود المال المتدفق، ويغادرها الناس عند أول أزمة مالية تلوح في الأفق40.
الم رشوع الثاني: حالة م رشوع الخط، مدينة نيوم، السعودية: مدينة جديدة في مكان بعيد
مع آمال في تعزيز مكانة السعودية في صناعة التكنولوجيا المستدامة، وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، وجذب السياح والمستثمرين الأجانب، أعلنت المملكة عن بناء مدينة نيوم، وهو مشروع ضخم يهدف إلى جعل البلااد تبرز على أنها من المنافسين الدوليين في مجال تطوير المدن والسياقات التنموية الحضرية المتميزة. ومن المتوقع أن يكون المشروع الذي تبلغ تكلفته 500 مليار دولار مدينة تعمل كلّيًا بالطاقة المتجددة، بما يسمح للسكان والمقيمين والزوار العيش والعمل والترفيه في سياق متكامل. ويهدف المشروع أيضًا إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، بما فيها تطوير الصناعات المستقبلية، والطاقة النظيفة والابتكارات في الحياة الحضرية. وتهدف نيوم بذلك لأن تصبح وجهةً سياحيةً رئيسة، وتسوق نفسها على أنها "المشروع السياحي الأكثر طموحًا في العالم"41. وإضافة إلى مبادرات الطاقة المتجددة، تعهدت نيوم مؤخرًا بتخصيص 95 في المئة من إجملي مساحتها للحفاظ على الحياة البرية وتخطط لتطوير منشأة ستكون موطنًا لأحد أكبر برامج استعادة الحياة البرية في العالم42.
39 ظاهرة "دب يية المدن الخليجية والعربية" (Cities Arab and Gulf of Dubaification)، هو تعبير اجترحه الباحث وظاهرة حللتها مجموعة من الدراسات المنشورة، ارتكزت على فهم تحول دبي إلى علاامة عمرانية؛ بسبب استخدام مكثف لمشهدية غربية تكونها ناطحات السحاب والمجمعات التجارية العملااقة والمشروعات العقارية الأيقونية والعمارة الفانتازية. وقد تبنّى هذه العلاامة، أو بالأحرى هذه المشهدية البصرية للمدينة، العديد من المسؤولين في مدن خليجية وعربية من أجل تحقيق نموذج "المدينة المتعولمة" (Citiy Lobalized)، المثيرة بصريًا ودعائيًا، من دون الالتفات إلى قيمة المجتمع أو حتمية الحرص على البيئة في خضم تداعيات التغير المناخي الموثقة. 40 Alraouf, "The Urban,"; Alraouf, Knowledge-Based Urban. 41 تشارلز فيليبس، "مشاريع سياحية عملااقة: السعودية تسعى لمكان على خريطة السياحة العالمية"، معهد دول الخليج العربية في واشنطن، 2023/5/9، شوهد في 2023/12/31، في: https://shorturl.at/CRUY7 42 "A New Model for Protection, Preservation & Regeneration," Neom/ Nature, accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/fiAJX
وكم هو متوقع، أثار مستوى الطموح الذي يميز المشروع نوعًا من التشكيك. وعلى الرغم من مبادرات الطاقة الخضراء، تلقت نيوم مقاومة من مجموعات مختلفة، واتهمت المملكة الغنية بالنفط ب "الغسيل الأخضر"؛ إذ يزعم العديد من النقاد أن المشاريع البيئية في السعودية إنما يجري الترويج لها لصرف الانتباه عن استمرار إنتاج النفط. علااوةً على ذلك، أثيرت أسئلة بشأن التطبيق العملي والاستدامة طويلة الأجل لنيوم، إضافة إلى تأثيرها في الحياة البرية والنظام البيئي الحالي في المنطقة؛ ما دفع النقاد إلى الادعاء بأن المشروع سيسبب ضررًا أكثر من نفعه. وقد استخدم أحد أهم مكونات مشروع نيوم، وهو مدينة الخط، لنقد أسلوب التنمية المستدامة الدعائي ول سي الأصيل الذي يتبناه المشروع43.
. الصورة (2) المكونات الأربعة الرئيسة لمدينة نيوم والتي تشمل مشروع الخط
المصدر: ArchDaily, "NEOM: The Latest Architecture and News," accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/hrPW2
وفي السياق المتسارع لتطوير المدن الخليجية المعاصرة، نرى أن ما يحدث في السعودية يستحق الفحص. ففكرة المدينة الخطية ليست جديدة، بل كان لها مكانة خاصة بين العديد من المفاهيم التخطيطية والمعمرية والنظريات الطوباوية التي جرى تطويرها على مر السنين. وقد سوقت الفكرة من منطلق أن مزايا المدينة الخطية هي العلااقة الوثيقة بالطبيعة والسياق والمرونة والانفتاح على النمو. وميزة التطوير
43 Rowan Moore, "Saudi's 100-mile Mega-city is Meant to Blow Our Minds – so we Forget the Crimes of its Rulers," The Guardian/ The Observer Architecture, 23/10/2022, accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/lyJW5
الخطي أن جميع مكونات المدينة قريبة من خط النقل الرئ سي، ويمكن الوصول إليها بسهولة من حيث الوقت والجهد. ويوثق تاريخ العمران أن المصمم الإسباني أرتورو سوريا ماتا كان أول من اقترح في عام 1882 فكرة المدينة الخطية، وتصميم المدينة بالتوازي مع نهر أو ممر حركة عمراني. ومع نمو المدينة، تضاف قطاعات إلى الأطراف، بحيث تصبح المدينة أطول، من دون أن يزيد عرضها. وقد روج للفكرة السوفياتي نيكولاي ميليوتين، في أواخر عشرينيات القرن العشرين. ثمّ إن تجربة احتواء كٍّمٍ من البشر في سياق خطي لها تأصيل تاريخي في فكر بعض المخططين الطليعيين في حقبة الستينيات، مع تجربة آلان بوتويل ومايك ميتشل في عام 1969، اللذين استكشفا التصميم المفاهيمي بعنوان "مدينة مستمرة لمليون إنسان"؛ واختبر المصممن الفكرة من خلاال تصميمهم للهياكل الضخمة الخيالية لمدينة عملااقة مستقبلية ستكون موطنًا لملاايين الأميركيين44.
. الصورة (3) مدينة الخط المغلفة بالمرايا العاكسة والممتدة لعشرات الكيلومترات التيتُسوّق بصفتها نموذجًا للعمران المستدام المقاوم للتغيرات المناخية
المصدر: Neom, "The Line," accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/vCNVW
44 Oliver Wainwright, "Nine Million People in a City 170km Long; Will the World ever be Ready for a Linear Metropolis?" The Guardian/ Architecture, 8/9/2022, accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/szACK
. الصورة (4) مجموعة من الخرائط التي توضح مقياس مشروع الخط الممتد لحوالى 170 كيلومترًا طوليًا
المصدر: من إعداد الباحث.
جادل رينر بانهام في كتابه البنية الضخمة: المستقبل الحضري للمضي القريب45، بأن هذا التصنيف تبلور من الهياكل الضخمة في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين استلهامًا من القيم والمثل العليا الطوباوية، واستكشف المعمريون إنشاء هياكل ضخمة يمكنها إيواء المجتمعات وحتى مدن بأكملها. فقد كانت الهياكل الضخمة أكثر من مجرد مبانٍ؛ حيث كانت "خارطة طرق لتنظيم المجتمع"، وكانت معقدة ومكلفة للبناء، وظلت العديد من الهياكل الضخمة – على الرغم من شعبيتها في جميع أنحاء العالم – مفاهيم نظرية فحسب، ولم تتحقق في الواقع قط. وعلى الرغم من أن الحمس للهياكل الضخمة تلااشى،
45 Reyner Banham, Megastructure: Urban Futures of the Recent Past (New York: Harper and Row, 1976).
. الصورة (5) تشكيل الفضاءات الداخلية لمشروع الخط الذي تتضاءل فيه المقاييس الإنسانية وتنسحق أمام ضخامته
المصدر: Neom, "The Line," accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/vCNVW
فإن الخيال العلمي في هوليوود أعطاها مساحة أكبر للاازدهار. ففي عوالم السينم، استُخدمت تلك الصيغ المفاهيمية للمدينة الخطية أو العملااقة التي تحتوي الملاايين للتعبير عن العوالم المستقبلية، كم في سلسلة أفلاام "حرب النجوم" Wars Star، أو في فيلم "العنصر الخامس" Element Fifth The. بل يمكن رؤية أطروحات المعمري المستقبلي أنطونيو سانت إيليا، الذي توفي في عام 1916، في أفلاام مثل "متروبول سي" (Metropolis) في عام 1927، و"عداء الشفرة" (Runner Blade) في عام 1982. إن السياقات العمرانية والمباني التي تؤدي أفضل أداء بيئيًا هي تلك التي تحقق درجة من التوازن بين حجمها ومساحة سطحها. وتفشل ناطحات السحاب في هذا الصدد. ولذلك يتوقع الكثير من علمء البيئة والعمران الإخفاق نفسه أيضًا في مدينة خطية؛ لأنّ المشروع نبع من رؤى تشكيلية هادفة إلى التسويق والترويج ولفت الانتباه، أكثر منها إلى التعلم من التاريخ أو من نتائج الأبحاث المعاصرة. ولذلك ف "الخط" هو مشروع "فانتازيا عمرانية" بالأساس، وذو أبعادٍ تسويقية كبرى46. وفي نهاية المطاف، عندما يكتمل المشروع (إذا اكتمل)، فإنّ هذا البناء الذي يبلغ طوله 170 كيلومترًا في الصحراء، لن يفضي سوى إلى جلب بعض السياح في الغالب بدافع الفضول. وكم رأينا ذلك مع مدينة مصدر، يتحدث الكثيرون عن عظمة المشروع وتفرده، ويقدم بعضهم دلائل على أصالة الفكرة، وأن لها جذورًا تاريخية في الفكر التخطيطي العالمي لعمل المدن الخطية، ويسعى الاستشاريون والمسوقون الأجانب لإبهارنا ب "رؤية مبهرة" ل "قيادة مبهرة" من العالم العربي. من المهم أن نتوقف عن الانسياق للحملاات الدعائية الحمسية لمشروع الخط، من حيث إنه إعادة لسردية مدينة مصدر، بما تنطوي عليه من أوهام، وفانتازيا معمرية وعمرانية، ومفارقات، بغض النظر عن جميع الخطابات بخصوص حتمية التنمية المستدامة والاستعداد لحقبات ما - بعد الكربون47. ومثلم جرى الترويج لمدينة مصدر على أنها "المدينة الفاضلة الحضرية العالمية" (Utopia Urban Global) وفشلت، فإن مشروع الخط محكوم عليه بالفشل أيضًا.
. 3 المشروع الثالث: مشروع مشيرب، قطر: دفق الحياة في قلب الدوحة
تمثل تجربة مشيرب تجسيدًا لمنهج التعامل مع التراث بصفته وعاء للتعلم ول سي مستودعًا لما يمكن تكراره ونسخه. وقد اعتمدت العملية التصميمية في بدايتها على تشريح المدينة التقليدية والوصول إلى المبادئ والمقومات والأنساق التي أعطتها تميزها وقدرتها على التعايش مع مجتمع له خصوصيته وسياقه المناخي شديد القسوة. مشيرب هو الاسم التقليدي لمنطقة قلب الدوحة، وأصل الاسم يعود إلى أنه "المكان المخصص لشرب المياه"، وهو الاسم التاريخي الذي عرف به وسط مدينة الدوحة أو مركزها48.
46 GCR/ Global Construction Review, "Why Saudi Arabia's 'The Line' is not a Revolution in Urban Living," The Complexity Science Hub Vienna, 23/6/2023, accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/aLR29 47 Andrew Allan & Subha Parida, "What is The Line, the 170km-long mirrored Metropolis Saudi Arabia Is Building in the Desert?" The Conversation, 14/9/2022, accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/uzU46 48 بُني الحي القديم في وسط مدينة الدوحة التاريخي حول بئرٍ شجعت وفرة مياهها الأهالي على الاستقرار في المنطقة، واليوم أصبح المكان موقعًا لمشروع إعادة إحياء وسط المدينة، مشروع "مشيرب قلب الدوحة."
يقوم مشروع مشيرب الذي تبلغ تكلفته 5.5 مليارات دولار أميركي، وهو أول مشروع مستدام لتطوير وسط المدينة في العالم، على مساحة 35 هكتارًا في قلب مدينة الدوحة49. ويهدف المشروع إلى إنعاش القلب التجاري القديم للعاصمة القطرية وجعله مركز مدينة نابض بالحياة والنشاط التجاري والثقافي كم كان في السابق، ومعالجة مشكلاات الازدحام والاستدامة، وتعزيز جمليات العمرة القطرية الفريدة والتواصل الاجتمعي بين أفراد المجتمع.
. الصورة (6) مخطط الاستعملات المتعددة في مشروع مشيرب ويظهر النسيج العمراني المرتكز على الأنساق التراثية ومحاور حركة المشاة في قلب المشروع
المصدر: مشيرب العقارية، "مشروع مشيرب قلب الدوحة"، شوهد في 2023/12/31، في: https://shorturl.at/amotT
49 "Msheireb," Middle East Economic Digest, Qatar Supplement, 22/2/2013.
تولت مؤسسةُ قطر للتعليم والعلوم وتنمية المجتمع مشروعَ "قلب الدوحة"، وجرت صياغته بصفته مبادرة نموذجية، يمكن أن تجسد وتعزز المفاهيم والممرسات القطرية والهوية الثقافية، سواء في شكل البيئة المبنية وفي أنماط المعيشة الحضرية الجديدة، باعتبارها نموذجًا للتنمية في المستقبل50. وهو يهدف إلى دراسة العناصر الأصيلة للعمرة القطرية التقليدية ضمن سياق العصر وتقنياته الحديثة المبتكرة، وتحقيق مزيج فعال بين عناصر التراث والحداثة، بهدف خلق لغة معمرية جديدة قائمة على الأسس المعمرية الأصيلة والتفكير المبتكر والتكنولوجيا الحديثة.
. الصورة (7) أنماط الحركة الصديقة للبيئة من أهم ملامح مشروع مشيرب الذي يمثل قلبه نموذجًا للمناطق العمرانية الخالية من السيارات
المصدر: مشيرب العقارية، "سكة وادي مشيرب"، شوهد في 2023/12/31، في: https://shorturl.at/irzAV
يقدم مشروع مشيرب منظورًا مغايرًا للمشروعين اللذين عرضناهم سابقًا، وصديقًا للبيئة وللإنسان، ولغةً تتناقض مع اللغة الحداثية غربية المصدر الموجودة بكثافة في عمرة الخليج الغربي وعمرانها، وضمنيًا مع لغة التنمية المعمرية في المدن الخليجية المجاورة، خاصة دبي وأبوظبي. فالمشروع هو محاولة لوضع نموذج جديد للتنمية في الدوحة، يمكن أن يميزها من جيرانها في المدن الخليجية الأخرى، وكذلك كسب الاحترام على المنبر الدولي، خارج منطقة الخليج، من خلاال استثمر فكرة الهُوية والذاكرة، من دون
50 Ibid.
الوقوع في فخ تقليد الماضي. ذلك لأن المشروع لا يحتوي على ناطحات السحاب أو الأبراج الزجاجية أو المجمعات التجارية العملااقة، ولكنه يقدم أفكارًا معاصرة لعناصر عمرانية ومعمرية تراثية بصورة مبدعة، ومنها "الفريج"، و"البراحة"، و"الداعوس"، و"الفناء"، و"الليوان"، من خلاال عمران متضام، ومتراكم، وصديق للبيئة وللإنسان. والمخطط العام لمشروع مشيرب يضمّ أيضًا رؤيةً للتنمية المستدامة، على اعتبار أنه اقترح استخدام أساليب التبريد الطبيعية لخلق فراغات قابلة للمعيشة، سواء داخليًا أو خارجيًا في الهواء الطلق، وذلك لجزء كبير من السنة؛ وهو الذي يمكن التعامل فيه مع معطيات المناخ من درجات حرارة ورطوبة.
. الصورة (7) النسيج العمراني لمشروع مشيرب الذي يرتكز على مبادئ العمران المستدام والمركب الموروث من العمران التقليدي في المدن الخليجية والقطرية ويحقق التوافق البيئي والاجتمعي
المصدر: من إعداد الباحث.
وكان من أهم التحديات التي رفعها المشروع، هو إقناع العميل، والجمهور، والخبراء الاستشاريين على حد سواء، بأنه ينبثق من مبادرة للحياة المستدامة، يمكن أن تعمل في هذا الجزء من العالم وتزدهر فيه، حيث الحياتان الخاصة والعامة منفصلتان على نحوٍ صارم. فالمشروع يقدم تصورًا معاصرًا ومستدامًا لمعنى التنمية العمرانية النابعة من الفهم العميق لمبادئ التراث المعمري والعمراني الخليجي والقطري وأنساقه، وإعادة استلهامه بصورة مبدعة، وباستخدام تقنيات العصر، لتحقيق الاستدامة وكفاءة
استخدام الموارد والطاقة وإنتاج بيئة صديقة للإنسان، بعيدًا عن ثقافة المجمّع التجاري (Mall) شديدة الانتشار، والتي تنأى بمعظم الناس عن الأنشطة في الهواء الطلق51.
أطروحات ختامية
بيّنت هذه الدراسة وجوب اضطلااع المجتمعات بالدور الرئ سي في معالجة تغير المناخ وخلق مستقبل أكثر إيجابية وتفاؤلًا للمدن والمستقرات الإنسانية، واستكشاف إمكانية أن يخلق التعاون والمشاركة وإضفاء الطابع الديمقراطي، على التصميم والنهج، مدنًا ومجتمعاتٍ أفضل. من خلاال المقارنة بين ثلااثة مشاريع خليجية، على نحو يسلط الضوء على حاجة الحكومة الخليجية إلى تحديد الفجوات في خططها ومعالجتها، وتحديد أولويات أهداف التنمية المستدامة الخاصة بالمواطنين. وقد تبّين أن الإجراءات المستدامة مترابطة ومتعددة الأوجه بطبيعتها؛ ومن ثمّ يصبح التقدم بعيد المنال إذا عمل أصحاب المصلحة باستمرار في عزلة، من دون أن يدركوا أنه لا يوجد الكثير من الوقت لاستنزافه أو إضاعته، في ظلّ تغّير المناخ وتردّي البيئة. يمكن، بمتابعة المشهد الثقافي والعمراني والاجتمعي في سياق المدن الخليجية، استنتاج تبلور حقبة جديدة تتغير فيها الأدوار؛ إذ ترغب القيادات في السعودية في دفق مشروع تحديثي معاصر، ولكن الدلائل تظهر أنه استمرار لمدرسة "الدب يية" العمرانية والتسويقية نفسها ببناء الغريب والشكلي والفانتازي. ومن ثمّ، فتصور مدينة فاضلة مستدامة عديمة التلوث ومفعمة بالحياة، وبقياسات طول تماثل المسافة بين مدينتي أبوظبي والشارقة أو المسافة بين القاهرة والإسكندرية، لا يقدم الحلول التي تبشر بمستقبل مستدام أو يساهم في مقاومة التغيرات المناخية، ويبقى في سياق تسويق المدن والدول فحسب، كم تبّين في نقدها العمراني والبيئي. يجري تحويل الطاقة في دول الخليج العربية، ولكن ينبغي تحديد أولوياته وتوسيع نطاقه كثيرًا لتحقيق أهداف صافي الصفر التي اعتمدتها غالبية دول مجلس التعاون. وإن كانت حصة مصادر الطاقة المتجددة في الشرق الأوسط تتزايد، فإنها لا تزال جزءًا صغيرًا من قدرة الطاقة المتجددة العالمية، وغير قادرة على تنفيذ التدابير اللاازمة لإزالة الكربون من صناعات الطاقة لديها، والمساهمة إيجابيًا في الجهود المناخية. ثمة حاجة إلى مزيد من التمسك بين جميع أصحاب المصلحة المعنيين لتحقيق هذه الأهداف الجمعية الخاصة بالاستعداد ومقاومة التغير المناخي وتداعياته. إن الدعوة إلى العمل بشأن أهداف التنمية المستدامة مجزأة، وتأتي في المقام الأول من عدد قليل من الأصوات المستقلة والمنظمت غير الحكومية. وهي تعزز الوعي وتدعو إلى التغيير في مجموعة متنوعة من قضايا الاستدامة، بما في ذلك العمل المناخي.
51 حصد المشروع العديد من الجوائز، وخاصة في مجال العمارة والعمران المستدام وفكرة المراكز العمرانية متعددة الاستعمالات، ومنها جائزتان من معرض ميبيم العالمي للعقارات (جوائز المشاريع المستقبلية). وأشارت لجان التحكيم إلى أنّ تصميم الساحة يحقق لغة معمارية وعمرانية معاصرة في الخليج، حيث يجري الجمع بين الأماكن العامة، مع خلق فراغات مظللة تسمح بتفاعل المجتمع.
ولذلك ينبغي لدول الخليج إنشاء المنصّات الضرورية التي تُسهّل تبادل المعرفة والخبرات وتحديد سبل التعاون فيم بينها، في الوقت الذي تواجه فيه التحديات المناخية المشتركة والعابرة للحدود. فالمنطقة تتمتع بإمكانات هائلة للطاقة الشمسية، ولا تزال طاقة الرياح غير مستغلة إلى حد كبير في معظم أنحاء الشرق الأوسط، وكانت بعض البلدان، مثل السعودية، بطيئة في إطلااق برنامجها للطاقة المتجددة. لا يمكننا الاعتمد ببساطة على التكنولوجيا فقط، كم اقترح بعض المعلقين المفرطين في التفاؤل، وبعض مخططات الهندسة والتنمية. فنحن في حاجة إلى التفكير الشامل في كيفية تأثير التغيرات التكنولوجية والاقتصادية والسياسية والثقافية في المجتمع البشري وفي العديد من المجتمعات المتنوعة في جميع أنحاء العالم. ويتحمل المحرومون اقتصاديًا والمهمشون سياسيًا تكاليف تغير المناخ على نحوٍ غير متناسب. يجب أن تأخذ استجاباتنا ذلك في الاعتبار، وربما الأهم، أن تشمل معرفة الأشخاص المتأثرين بتغير المناخ، ولكن لا يُنظر إليهم عمومًا على أنهم جزء من عمليات صنع القرار. يمكن أن يشجعنا اعتمد "المرونة" على تصور أنواع المجتمعات الشاملة التي نرغب في بنائها وتعزيزها في البيئات التي شكلها الاحترار العالمي. وقد يكون من الصعوبة أن نحقق ما نصبو إليه دائمًا من دمج الفقراء والمهمشين وتحقيق المجتمعات المثالية التي نتخيلها، ولكن من الواجب استخدام الطاقات الإبداعية لتكون إحدى الأدوات الفارقة في الرد على التغييرات والتحديات والكوارث.
المراجع
العربية
الأمم المتحدة، العمل المناخي. "حقائق سريعة عن العمل المناخي". في: https://t.ly/8L738 الأمم المتحدة، التنمية المستدامة. "أهداف التنمية المستدامة". في: https://t.ly/UJTYU بهمن، رندا دياب ودلال عبد الهادي معرفي. "التنمية المستدامة في الكويت: بين القول والفعل". صدى (كارنيغي) (14 أيلول/ سبتمبر 2023:). في https://shorturl.at/hrx03 ريكار/ المبادرة الإقليمية لتق ييم أثر تغّير المناخ على الموارد المائية وقابلية تأثر القطاعات الاجتمعية والاقتصادية في المنطقة العربية. التقرير العربي حول تقييم تغير المناخ: التقرير الرئيسي. بيروت: لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتمعية لغربي آسيا/ الإسكوا. 2017. في: https://shorturl.at/eAEU4 السدحان، عبد الله. الآثار الاجتمعية للتوسع العمراني: المدينة الخليجية نموذجًا. كتاب الأمة. العدد 126. الدوحة: مركز البحوث والدراسات،.2010 السريحي، عائشة. "إدارة تَغُّير المناخ في منطقة الخليج العربي: السياسات والتحديات والآفاق". مركز الإمارات للسياسات 2023/8/3.فيhttps://shorturl.at/kzNRV:. سلاامة، ممدوح. أسباب الهبوط الحاد في أسعار النفط الخام: فائض الإنتاج أم السياسة الدولية؟ الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 فيليبس، تشارلز. "مشاريع سياحية عملااقة: السعودية تسعى لمكان على خريطة السياحة العالمية". معهد دول الخليج العربية في واشنطن. 2023/5/9:. في https://shorturl.at/CRUY7
الأجنبية
Al-Nakib, Farah. Kuwait Transformed: A History of Oil and Urban Life. Stanford: Stanford University Press, 2016. Alqassab, Mirza H. Life After Oil: The Survival Predicament of the Gulf Arab States. Leicester. UK: Matador. 2020. Alraouf, Ali. Knowledge-Based Urban Development in the Middle East. PA. USA: IGI Global Publishing, 2018.
________. "The Urban Megaprojects Paradigm in Qatar: A Holistic Criticism and Premeditated Prophecy. ˮ Journal of Urban Research and Development. JURD. vol. 1, no. 1 (Fall 2020). Al-Sarihi, Aisha. COP 27 and the Middle East. Queenstown. Singapore: National University of Singapore/ Middle East Institute, 2022. ________. "Managing Climate Change in the Gulf: Challenges, Policies, and the Way Forward. ˮ Emirates Policy Center. EPC. 7/8/2023. at: https://shorturl.at/boBGH Azar, Elie & Mohamed Abdel Raouf. Sustainability in the Gulf: Challenges and Opportunities. London: Routledge, 2017. Banham, Reyner. Megastructure: Urban Futures of the Recent Past. New York: Harper and Row, 1976. BP. Statistical Review of World Energy 2021. 70 th ed. London: Statistical Review of World Energy, 2021. at: https://shorturl.at/dgkI3 Cugurullo, Federico. "Urban Eco-modernisation and the Policy Context of New Eco-city Projects." Urban Studies. vol. 53, no. 11 (August 2016). Davidson, Christopher. Abu Dhabi: Oil and Beyond. Oxford: Oxford University Press, 2011. EU/ Copernicus Climate Change Service. "Record Warm November Consolidates 2023 as the Warmest Year." 7/12/2023. at: https://t.ly/zdMvb Fabbri, Roberto & Sultan Al-Qassemi. Urban Modernity in the Contemporary Gulf: Obsolescence and Opportunities. Milton Park: Routledge, 2021. Golzari, Nasser. Architecture and Globalisation in the Persian Gulf Region. Milton Park: Routledge, 2016. Günel, Gökçe. Spaceship in the Desert: Energy. Climate Change and Urban Design in Abu Dhabi. Durham: Duke University Press Books, 2019. Lenton, Timothy M. et al. "Quantifying the Human Cost of Global Warming." Nature Sustainability. vol. 6 (2023).
Miller, Kathryn A. et al. Living on the Edge: The Implications Of Climate Change for Six Countries in the Middle East North Africa Region. Greenpeace Research Laboratories Technical Report (Review) 2/11/2022. at: https://t.ly/fLkZy Norman, Barbara. Urban Planning for Climate Change. London: Routledge, 2020. SaikaliJul, Sussan. "Smart and Sustainable: The Gulf Goes All in on Tech Cities." The Arab Gulf States Institute in Washington. AGSIW. 5/7/2023. at: https://shorturl.at/bqrO5 Suzuki, David & Ian Hanington. Just Cool It! The Climate Crisis and What We Can Do - A Post-Paris Agreement Game Plan. Vancouver. CA: Greystone Books, 2017. United Nations, Climate Change. "Sharm el-Sheikh Climate Change Conference - November 2022." at: https://unfccc.int/cop27 Wippel, Steffen et al. (eds.). Under Construction: Logics of Urbanism in the Gulf Region. London: Ashgate, 2014. World Resources Institute. "Aqueduct Water Risk Atlas." at: https://www.wri.org/aqueduct