Return to Article Details Climate Change and its Effects on Green Movements in Arab Countries: The Case of Morocco and Tunisia

التغيرات المناخية وتأثيراتها في الحركات الخضر في البلدان العربية: حالتا المغرب وتونس

Climate Change and its Effects on Green Movements in Arab Countries: The Case of Morocco and Tunisia

الحبيب استاتي زين الدين

إقبال بن موسى

الملخّص

تهدف الدراسة إلى رصد تجليات تأثير التغيرات المناخية في الحركات البيئية في البلدان العربية، بالإشارة إلى التجربتين المغربية والتونسية، وقياس مدى فاعلية عمل الناشطية المدنية وقدرتها على التفاعل إيجابيًا مع ضغوطات هذا التأثير ومخاطره، حاضرًا ومستقبلًا. ومن خلال الوعي باختلاف مستويات مخلفات المشكلات البيئية والمناخية، وبالخصوصيات الديموغرافية والاجتماعية - الاقتصادية داخل كل بلد، تنظر الدراسة في الحركات الاجتماعية الإيكولوجية الطامحة إلى إحداث التغيير الثقافي والسياسي المنشود في ظل تنامي تقلبات المناخ، وما يترتب عليها من مساس بحقوق الأجيال الحالية والمقبلة. وتخلص إلى أثر التغير المناخي في حفز الناشطية المدنية، ودورها المتزايد في التحسيس والتوعية بأهمية تعزيز القدرة على التكيف والمقاومة.

Abstract

Abstract:  This paper aims to monitor the manifestations of the impact of climate change on environmental movements in Arab countries, with reference to the Moroccan and Tunisian experiences, and to measure the effectiveness of the work of civil activism and its ability to interact positively with the pressures and risks of this impact, now and in the future. Aware of the different levels of residual environmental and climate problems, and the demographic and socio-economic idiosyncrasies within each country, this paper examines the social-ecological movements that aspire to bring about the desired cultural and political change in light of growing climate fluctuations, and the resulting infringement on the rights of current and future generations. The study concludes about the impact of climate change on stimulating civil activism, and its increasing role in sensitizing and raising awareness of the importance of enhancing the ability to adapt and resist.

الكلمات المفتاحية:
  • التغيرات المناخية
  • المستقبلات
  • الحركات الخضر
  • المغرب
  • تونس
Keywords:
  • Climate Change
  • Futures
  • Green Movements
  • Morocco
  • Tunisia

التغيرات المناخية وتأثيراتها يف الحركات الخضر في البلدان العربية: حالتا المغرب وتونس Climate Change and its Effects on Green Movements in Arab Countries: The Case of Morocco and Tunisia

مقدمة

يمرّ المناخ، في عالم اليوم، بتغّيارت معقدة ومتفاقمة غير مسبوقة، على المستويين المحلي والدولي، من حيث الآثار والمآسي التي تخلّفها، ومن حيث القيم والسلوكات التي تنشدها، وهو أمرٌ يفتح مج لًا لانشغال وحيرة متجدّدَين: إلى أين نسير؟ لن يخلو أيّ جواب حتمًا من الإشارة إلى أثر النشاط الإنساني في النظم البيئية، سواء من خلاال تطويع عناصر الطبيعة واستخدامها والانتفاع منها إلى أقصى الحدود الممكنة، أو من خلاال إلحاق الضرر بمظاهر الطبيعة ومواردها1؛ ما ينطوي، في حدّ ذاته، على سلسلة من التهديدات التي لم تتبيّنها المجتمعات البشرية وتكشف جسامتها على نحوٍ جلي إلا في العقود الثلااثة الأخيرة. وتظلّ السمة الأساسية التي تشترك فيها هذه المخاطر هي العلااقة فيم بينها؛ فنقص المياه، على سبيل المثال، يسهم في التصحر، بينم قد يؤدي تغّير المناخ إلى الف ضيانات في بعض المناطق، وتفاقم نقص المياه والجفاف في مناطق أخرى. وتجدر الإشارة إلى أن تلوث الهواء من الأسباب الكامنة وراء تغير المناخ2. تاريخيًا، لم يكن هذا الترابط واضحًا تمامًا حتى العقد الأخير من القرن العشرين، ومن الغريب أن يكشف الواقع إجرائيًا استمرار محدودية المبادرات المتّخذة لكبح تهديداته بعد أن صارت افتراضاته مؤكدة ومرئية، على مستوى السياسات العامة الداخلية، أو في إطار التعاون الدولي. وإذا لم تعالج هذه الآثار المدمرة معالجةً سريعة وحاسمة، فمن غير المستبعد أن تمسّ بالحق في الحياة، والعمل، والصحة، والغذاء، والمياه، والصرف الصحي، على نحو متزايد. فهذا التغير يشكّل عنصرًا كبيرًا في التأثير في جدوى مشروعات التنمية واستدامتها، حيث توجد العوامل الأساسية التي تجعل البلدان العربية، على سبيل المثال، وضمنها تلك التي تنتمي إلى منطقة المغرب الكبير، من أكثر المجالات الجغرافية عرضةً للااحتباس الحراري والكوارث الطبيعية. ومن المرجّح مستقبالًا أن يُجهد تغير المناخ الموارد المائية، مضافًا إليه العوامل الديموغرافية والاجتمعية – الاقتصادية، بسبب طول فترات الجفاف أو تكرارها؛ ما يؤدي إلى نقصان التصريف السطحي وتجدد المياه الجوفية، وتدّني نوعية الماء، وهو أمرٌ من شأنه مضاعفة المخاوف المتعلقة بالصحة البشرية، واندلاع الحرائق في الغابات، وزيادة تكاليف الطاقة بالنسبة إلى السكان، وخلق صراعات بين المستهلكين، وزيادة إمكانية حدوث تغيرات خطرة في المحيطات، بما في ذلك ارتفاع درجة حرارة مياهها، وارتفاع منسوبها، وزيادة حموضتها3. ولعل المتابع لهذه التأثيرات المتشابكة، يدرك الدور الذي يمكن أن تؤديه الحركات الاجتمعية من أجل العدالة الإيكولوجية، تحت مسمياتها المتعددة (حركات بيئية، وحركات إيكولوجية، وحركات خضر... إلخ)، في التنبيه إلى عواقب التغيرات المناخية التي يكون أثرها أكثر حدّة في شرائح السكان التي تواجه

  1. أنتوني غدنز، علم الاجتماع، ترجمة فايز الصياغ، ط 4 (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005)، ص.638
  2. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، المكتب الإقليمي للدول العربية، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009: تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية (نيويورك: 2009)، ص 34، شوهد في 2023/12/31، في: https://shorturl.at/exIP2
  3. ما يجب معرفته عن المحيطات وتغير المناخ"، البنك الدولي، 2022/2/8، شوهد في 2023/8/15، في: https://shorturl.at/cmJ78

أوضاعًا صعبة أصال، ا على الرغم من تأثير هذه الانعكاسات في الأفراد والمجتمعات في شتى أنحاء العالم، وذلك انطقًا مّما تُظهره الوقائع من بروز أشكال تعبئة وضغط مغايرة لما كان سائدًا قبلها، نظرًا إلى تبدّل المطالب والأولويات الاجتمعية في ظل المتغيرات الجارية والمحتملة على المستوى العالمي. لقد نشأت حركات بيئية فرضت مطالب تتعلّق بالحفاظ على البيئة والتوعية بالسيناريوهات الممكنة لتضررها، وأنضجت مع مرور الوقت مفهوم العدالة الإيكولوجية بما يحال عليه من توجه إصلااحي يتوخى توزيعًا عادلًا للبيئة والمجال الإيكولوجي من جهة، وجهد مبذول للتخفيف من ثقل الخسائر المناخية من جهة أخرى، في ظل ندرة الموارد وقلّتها بسبب استغلاالها واستنزافها على نحو مفرط. وقد حاولت عدّة نظريات مقاربة موضوع الديناميات المجتمعية، وخصوصًا مفهوم الحركات الاجتمعية، في إطار سعي العلوم الاجتمعية منذ نهاية القرن التاسع عشر لمحاولة فهم السلوك الاجتمعي وتفسيره، ودار النقاش فيها حول عقلاانية السلوك الجمعي أو لاعقلاانيته. وتعكس هذه الديناميات التغيرات الاجتمعية، وتتخذ أشك لًا احتجاجية وتعبوية متنوعة دفاعًا عن المصالح أو القيم الخاصة بفئة أو أكثر من فئات المجتمع. ويحَظ أن هذه الأشكال، وخصوصًا الحركات الاجتمعية الجديدة، أصبح يقودها فاعلون جدد، فرضوا أنفسهم في الفضاء العام، مثل الحركات الثقافية، والحركات النسائية، وحركات حقوق الإنسان والطفل، والبيئيين أو "الإيكولوجيين"... إلخ، وصاروا يوجّهون انتقاداتهم إلى ضروبِ لاعقلاانيةِ أنساق المجتمعات الحالية4. ومن اللاافت للاانتباه أنّ الثورة الاتصالية في سياق العولمة سهّلت انتشار الوعي البيئي النقدي وتغلغله في الثقافات المحلية، وفي نسيج المجتمع المدني. إضافةً إلى ذلك، غذّت الأزمات المالية والاقتصادية وتناقص كمّية الموارد الطبيعية واتساع الفوارق الاجتمعية من منظور اقتصادي وبيئي جميعها انتشار تلك الثقافة وتجذيرها في المجتمع5. قاربت الحركات الاجتمعية الجديدة، إذًا، موضوعات لم تطرحها الحركات الاجتمعية قبل هذا التاريخ، وهو ما أوجد إشكالية تعريف الحركات الاجتمعية الناشئة6. وبحسب ألبرتو ميلوتشي، لا تتمثل الصعوبة في معرفة إذا ما كانت الحركات الاجتمعية جديدة أو قديمة، بل في معرفة إذا ما كنّا نمتلك الأدوات التحليلية الضرورية لمعرفة ما لا ينتمي إلى إطار المجتمع الرأسملي أو الصناعي7. وفي هذا السياق، لم يعد منظّرو تعبئة الموارد والعملية السياسية - ابتداءً من سبعينيات القرن العشرين - يتساءلون عن سبب شعور البشر بأنّهم محبطون بما يكفي لينخرطوا في احتجاجات جمعية، بدلًا من أن ينتظموا عبر القنوات السياسية التقليدية، بل أصبح سؤالهم: متى يؤِّمِن هؤلاء البشر الموارد لمقارعة إقصائهم من تلك القنوات؟ وكيف؟ وبذلك، باتت الصيغة ذاتها منطوية على "مصالح" الفاعلين الجمعيين؛ إذ يفترض أنّ

  1. إميل مارون، "الحركات البيئية اللبنانية وتغيير التوجّهات الثقافية: نموذج الحركات البيئية في الشمال اللبناني"، عمران، مج 4، العدد 13 (صيف 2015)، ص.150
  2. عبد الحميد العبيدي، "محاولة في فهم تقاطعات الخطاب البيئي مع مسار نقد الحداثة"، عمران، مج 8، العدد 31 (شتاء 2020)، ص.120
  3. المرجع نفسه.
  4. Alberto Melucci, "Individualisation et Globalization," Cahiers de recherche sociologique, no. 24 (1995), pp. 184-206.

هذه المصالح الجمعية الطويلة الأمد تسهم في اقتناص الفرص حين تتاح، وتعبئة الموارد المحلية لأغراض اجتمعية أو سياسية في الوقت المناسب، وهو ما قد يؤدي إلى تأمين النفاذ إلى بنية المساومة السياسية المستقرة8. وقد اعترض على هذا الافتراض باحثو "الحركات الاجتمعية الجديدة"، وتحديدًا الحركات الاحتجاجية المتعلقة بالسلاام، والطاقة النووية، والاستقلاال المحلي، والنسوية؛ أي الحركات التي بدت كأنّها تحلّ محلّ التعبئة السياسية على أساس طبقي في أوروبا الغربية في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته9. ورأى منظّرو هذه الحركات أنّ المشاركة في مثل هذه الحركات لا يمكن التنبؤ بها من خلاال الموقع الطبقي، ولا يسعى المشاركون إلى تنازلات سياسية واقتصادية يقدّمها فاعلون مؤسسيون، بغية تعزيز "مصالحهم" بمعناها التقليدي، بل يسعون إلى اعترافٍ بهوياتٍ وأنماط حياة جديدة10، كم هو الشأن بالنسبة إلى الحركات الساعية إلى المحافظة على البيئة، بعد تزايد مخلفات تغير المناخ الذي جعل تنفيذ خطط طموحة لخفض انبعاثات الغازات المسبّبة للااحتباس الحراري أمرًا ملًّحًا. وتجنبًا لأيّ خلط بخصوص سيرورة تطور حركة الاستدامة البيئية ذاتها وأبرز التوجهات المعّبةر عنها، ينبغي التنبيه إلى أن هذه الحركة كانت، منذ بدايتها، منقسمةً على نفسها ما بين توجهٍ إصلااحي معتدل، "يُعرف أحيانًا بحركة "الاستدامة الضعيفة (ustainability S Weak)، يمثّله عادةً اتجاه "التحديث الإيكولوجي" (Modernization Ecological)، و"العدالة البيئية" (Justice Environmental)، وهم اتجاهان يحظيان بشعبية متزايدة ضمن أدبيات هذا التوجه، وبقبولٍ لدى السياسيين والحكومات والشركات في الدول الصناعية المتقدمة في الوقت نفسه، وتوجهٍ ثوري يُعرف بحركة "الاستدامة القوية" (Sustainability Strong)، أو "الإيكولوجيا العميقة" (Ecology Deep)، التي ينظر أنصارها إلى الأرض بوصفها موردًا ناضبًا غير متجدد، ومن ثم يزعمون أنه ل سي هناك مستقبل بيئي ممكن إلا إذا جرى إحداث تغّي/ر تعديل جذري في النموذج الإرشادي المهمين، إذا ما أريد فعالًا إنقاذ الأرض من التدهور البيئي؛ وهي وجهة النظر التي أثارت مخاوف كل الأطراف التي تفضّل حلولًا جزئية للمشكلاات البيئية. إن نشأة النوع الأول من الحركات، ونخص بالذكر الاتجاه الثاني من التوجه المعتدل الذي يمثّل مظلة تُستخدم لوصف الجهود الجمعية التي تحاول ت عزيز العدالة الاجتمعية والمساواة، بسبب حالات عدم العدالة التوزيعية الناتجة من سوء تقدير ضرر التهديدات المناخية، هي موضوع اشتغال هذه الدراسة.

  1. فرانشيسكا بوليتا وجيمس جاسبر، "الهوية الجمعية والحركات الاجتماعية"، ترجمة ثائر ديب، عمران، مج 8، العدد 33 (صيف 2020)، ص.170
  2. Alberto Melucci, "The Symbolic Challenge of Contemporary Movements," Social Research, vol. 52, no. 4 (1985), pp. 789-816; Alberto Melucci, Nomads of the Present: Social Movements and Individual Needs in Contemporary Society (London: Hutchinson Radius, 1989); Claus Offe, "New Social Movements: Challenging the Boundaries of Institutional Politics," Social Research, vol. 52, no. 4 (1985), pp. 817-868; Manuel Castells, The Power of Identity (Oxford: Blackwell, 1997); Jean L. Cohen, "Strategy or Identity: New Theoretical Paradigms and Contemporary Social Movements," Social Research, vol. 52, no. 4 (1985), pp. 663-716; Alain Touraine, "An Introduction to the Study of Social Movements," Social Research, vol. 52, no. 4 (1985), pp. 749-787.
  3. بوليتا وجاسبر، ص.170

فعلى الرغم من اهتمم بعض الباحثين العرب بالموضوع، فإن الواقع العربي عامة، والمغربي والتونسي خاصة، يبدو أنّ كااًّلا منهم لم يتجاوز بعد طابع ندرة الدراسات الاجتمعية والاستشرافية المتعلقة بعمل الحركات الخضر وتحدياتها. وفي ضوء وعينا بهذا الفراغ، ونحن نستحضر أن العيش بكرامة وبانسجام مع بيئة ذات جودة هو الهدف الذي ينبغي أن يتحقق لجميع الناس، وفي مقدمتهم الأكثر تضرّرًا، سنركّز في الإشكالية التي يعالجها هذا العمل ع لى مدى قدرة الحركات البيئية في بلدان المنطقة المغاربية على إحداث التغيير الثقافي وتطوير السياسات ذات الصلة بمسألة مخاطر التغيرات المناخية. وينبثق من هذا الإشكال هدفان متداخلاان؛ يتمثل أولهم في الكشف عن مظاهر التآثر بين التغيرات المناخية وأدوار الحركات الإيكولوجية في المنطقة ووسائل اشتغالها، في حين يرتبط ثانيهم بقياس مدى فاعلية عمل الناشطية المدنية وقدرتها على التفاعل إيجابيًا مع تطورات التغيرات المناخية وإكراهاتها في الحاضر والمستقبل. تفترض الدراسة أنّ هذه الإمكانية تتأثر بسلسلة من العوامل الذاتية والموضوعية التي تحيط بها. وبالنظر إلى اختلااف مستويات تأثير التغيرات المناخية، والمشكلاات البيئية والخصوصيات الديموغرافية والاجتمعية داخل كل بلد عربي، بصرف النظر عن بعض القواسم المشتركة، تنظر الدراسة، من خلاال الملااحظة والتحليل والمقارنة بين تونس والمغرب أساسًا، في إمكانية تجاهل إرهاصات ما يمكن تسميته عربيًا حركات اجتمعية إيكولوجية تطمح، وفقًا لبيئتها السياسية والثقافية، وإشراطات ميزان القوة والنفوذ داخلها، إلى إحداث التغيير الثقافي والسياسي المنشود، في ظل تنامي تقلبات المناخ وما يترتب عليها من مساس بحقوق الأجيال الحالية والمقبلة، ولا سيم بعد أن أصبح خطاب الحركات الاحتجاجية ونضالها غير منفصلين عن قضايا البيئة والمناخ. وتبعًا لذلك، قُسّمت الدراسة إلى مبحثين رئيسين؛ ي ستثمر أولهم نتائج الاستبيان والمقابلاات نصف الموجهة لرصد حال الحركات البيئية وتحدياتها، استنادًا إلى التجربتين التونسية والمغربية، في أفق سدّ النقص الحاصل في الدراسات والأبحاث المتعلقة بهذا الموضوع، في حين يستشرف ثانيهم، باستغلاال المعطيات الكمية والكيفية المتحصل عليها، مداخل تعزيز فعلية مشاركة الناشطية المدنية في مسعى تغيير العقليات والسياسات بشأن المخاطر المستقبلية للتغيرات المناخية.

أولًا: التغيرات المناخية يف المغرب الكبير

توجد منطقة بلدان المغرب الكبير، أي "الأرض التي تغرب فيها الشمس" باللغة العربية، في شمل غرب أفريقيا. وتغطي مساحةً شاسعة تناهز ستة ملاايين كيلومتر مربع (أي تقريبًا 42 في المئة من مساحة العالم العربي)، ويتجاوز عدد سكانها مئة مليون نسمة. وكل البلدان المغاربية (المغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، وموريتانيا) اقتصادات بحرية، بشريطٍ ساحلي يبلغ طوله نحو 6505 كيلومترات، تحتل موقعًا

استراتيجيًا بين الاقتصادات المتقدمة في أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط في الشمل، واقتصادات أفريقيا جنوب الصحراء النامية ذات الإمكانات الكبيرة في الجنوب11. تتأثر جميع هذه البلدان بالتغيرات البشرية الحديثة في المجال البيئي والمناخ (درجة الحرارة، وهطول الأمطار، والدورة الهوائية العامة، والظواهر المناخية المتطرفة، وارتفاع مستوى سطح البحر، ودرجة حرارة مياه البحر وملوحتها وتحَمّضها)، وازدياد عدد السكان، والتلوث، وممرسات الاستخدام غير المستدام للبرّ والبحر. وفي معظم المناطق، تتأثر النظم الإيكولوجية وسبل عيشِ البشر كلها معًا. ويُتوقع أن تتفاقم الآثار في العقود القادمة بالنظر إلى الاتجاهات العالمية والإقليمية لعوامل التغير، وخصوصًا إذا زاد الاحترار العالمي بمقدار درجة ونصف إلى درجتين، على المستوى ما قبل الصناعي12. وبما أن تأثر المناخ بالنشاط البشري لم يعد يحتاج إلى دليل، وأن التغيرات المناخية لها تداعيات واسعة النطاق على الإنسان وعلى الطبيعة، فإن ذلك يتطلب تضافر جهود كل مكونات المجتمع وفئاته كي يدرك الجميع أبعاد هذه التغيرات13. فليست السلطات العمومية الوحيدة المطالَبة باتخاذ مبادرات تستهدف التصدي لمخلفات هذه التغيرات، بل إن كل الأطراف معنية بتعزيز اليقظة والقدرة على المقاومة، وخاصة جمعيات المجتمع المدني، ضمن عملية تعبئة شاملة14، من أجل إدماج المخاطر المناخية في عمليتَي تصور الاستراتيجيات القطاعية والتخطيط على المدَييَن المتوسط والبعيد من ناحية، ومن أجل إعادة النظر من منظور دينامي في توجهات السياسات القطاعية بحسب تطور أنواع هشاشة المجالات من ناحية أخرى15. ولقياس هذه الفاعلية المدنية وأثر التغيرات المناخية فيها، أجرينا مقابلاات نصف موَّجَهة مع مسؤولين في و زارة البيئة التونسية ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة المغربية، ونفّذنا استبيانًا على عيّنة من الجمعيات التي تنشط في المجال البيئي والمناخي. وقد بدأ الإعداد للااستبيان في نيسان/ أبريل 2023، بتصميم استمرة حول تأثير التغيرات المناخية في الحركات الحضر في العالم العربي من خلاال حالتي المغرب وتونس، وعرضها على مجموعة من الفاعلين المدنيين والخبراء العرب في المسوحات الاجتمعية واستطلااعات الرأي. وأجرينا استبيانين قبليين في البلدين المعنيين على جمعيتين لاختبار أسئلة الاستمرة والتأكد من أنها مفهومة وواضحة.

  1. ألكسي كيرييف [وآخرون]، الاندماج الاقتصادي في المغرب العربي: مصدر للنمو لم يستغلّ بعد، سلسلة دراسات صندوق النقد الدولي 19 (واشنطن: صندوق النقد الدولي، 2018)، ص.1
  2. برنامج الأمم المتحدة للبيئة، شبكة خبراء البحر الأبيض المتوسط المعنية بتغير المناخ والبيئة، التغير المناخي والبيئي في حوض المتوسط الوضع الراهن والمخاطر المستقبلية، تقرير التق ييم المتوسطي الأول (نيروبي.)2020:
  3. المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إدماج مقتضيات التغّيارت المناخية في السياسات العمومية، إحالة ذاتية رقم 2015/21 (الرباط: المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، 2015)، ص.12
  4. المرجع نفسه، ص.13
  5. المرجع نفسه، ص.14

جرت مرحلة الإنجاز الميداني عبر توزيع الاستبيان بالتساوي بين المغرب وتونس في الفترة أيار/ مايو- آب/ أغسطس 2023، ونُفّذت بمساعدة أربعة باحثين مؤَّهَلين ومدربين تابعين لمؤسسات بحثية في البلدين، كُلفوا تحت إشرافنا بالتواصل المسبق مع عشرين جمعية (عشر جمعيات في كل بلد) حضوريًا في بعض الحالات، وعبر الهاتف، وعبر البريد الإلكتروني في حالات أخرى، وشرح المطلوب بدقة قبل إرسال الاستمرة. وفي البدء، جرى أخذ ثلااثة محددات على الأقل في الحسبان بخصوص هذه الجمعيات، هي: تنويع الانتمء الجغرافي، والحضور النوعي، والبحث ما أمكن في الاهتمم بمجال التغير المناخي بسبب تنوع التسميات التي تندرج تحتها، وتباين الدوافع التي ارتكزت عليها عند التأس سي. ونذكر هنا أن بعض الجمعيات تأخّرت في التفاعل مع الاستبيان، في حين عّبتر أخرى صراحةً عن تعذّر جوابها عن كل الأسئلة أو إحجامها عن التفاعل (خمس جمعيات، منها ثلااث في المغرب) مع بعضها، سواء تلك الخاصة ببعض المعلومات عن عدد المنخرطين أو الأهداف المنجزة فعلًّيًا في علااقةٍ بالتغيرات المناخية تنفيذًا للبرنامج السنوي للجمعية، على الرغم من تأكيدنا المستمر على سرية المعلومات المقَّدَمة للبحث واستعدادنا للتعهد كتابيًا باستعملها حصرًا لأغراض علمية. بعد أن استثنينا الاستبيانات غير الكاملة أو الناقصة من بين ست عشرة استمرة مرسلة (سبع استمرات في تونس، وتسع في المغرب)، احتفظنا بعد الفحص والتدقيق بعشرة استبيانات أُجيب عنها جيدًا (بمعدل خمسة استبيانات في كل بلد). ضمّت استمرة الاستبيان تسعة وعشرين سؤلًا موزّعة على قسمين؛ إذ يجمع القسم الأول معلومات عن الجمعية (تاريخ تأسيسها، وعدد منخرطيها، وأهدافها الحالية والمستقبلية) بصرف النظر عن تسميتها وتأليفها (جمعية أو حركة أو شبكة، أو ائتلااف يتكون من مجموعة من الجمعيات)، في حين يرصد القسم الثاني أوجه وعي الحركات البيئية بمسألة مستقبل التغيرات المناخية والتحديات التي تعترضها أو المحتمل مواجهتها، بالتركيز على مجالات اشتغالها ووسائل عملها ومدى فعلية أدوارها. وجرى توزيع الاستمرة نفسها في البلدين، مع أخذ اختلااف بعض التعابير القانونية بينهم في الحسبان، وقد اُّتُبعت هذه الطريقة لتظل كل تجربة منفصلةً منهجيًا فحسب عن الأخرى، وأيضًا لتفادي طغيان نتائج بلد على الآخر في المرحلة الأولى، على أن يوَّجَه الاهتمم في المرحلة الثانية إلى جوانب التباين والتقارب بين التجربتين.

1. التجربة المغربية

تمرّ المملكة المغربية بمنعطف حرجٍ في مسيرتها من أجل التنمية. وقد أفسحت الإصلااحات الهيكلية، التي بدأت قبل عقدين، الطريَق - إلى حدّ ما - لفترة مستدامة من النمو الاقتصادي والتنمية الاجتمعية16. لكن هذه الدينامية بدأت تظهر علاامات مطرّدة على الإنهاك حتى قبل تفّشي جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-)؛ ما حفّز على التفكير الوطني الشامل في كيفية التخفيف، بوتيرة أسرع، من الفوارق بين الفئات، والتخفيف أيضًا من التفاوتات المجالية، وتحقيق العدالة المناخية والاجتمعية. وفي علااقة

  1. مجموعة البنك الدولي، المغرب: تقرير المناخ والتنمية (واشنطن: 2022)، ص.2

بهذا الطموح الأخير، نستحضر أن المغرب يُعدّ رائدًا في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا فيم يتعلق بتغير المناخ وحمية البيئة من حيث التزاماته بالتخفيف من تغير المناخ17؛ فقد انضم إلى الجهود الدولية لمكافحة تغير المناخ بتصديقه، في عام 1995، على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، وعلى بروتوكول كيوتو (KP) في عام 2002، وعلى اتفاقية باريس (PA) في عام 2016. ولذلك، يؤيد المغرب السعي المستمر لتنفيذ اتفاق باريس الذي ينصّ في البند التاسع من المادة الرابعة على الإبلااغ عن المساهمة المحددة وطنيًا (NCD's) كل خمس سنوات ابتداء من سنة 202018. وعلى المستوى الوطني، وضع المغرب مخططه الوطني للمناخ 2030-2020 (PCN) الذي يهدف إلى إرساء أسس تنمية منخفضة الكربون ومقاوِمة لتغير المناخ، في حين ينتظر إخراج المخطط الوطني للتكيف (NAP) إلى الوجود. وعُِّزِز هذا المسار من خلاال اختيار نموذج تنموي جديد، حُددت فيه أهدافٌ إنمائية طموحة يُرتجى تحقيقها في عام 2035، ومن ضمنها الأهداف الخاصة بالمجال البيئي، على اعتبار أن "استفحال آثار تغير المناخ ستنجم عنه إكراهات متزايدة على التنوع البيولوجي الوطني، وضغط على الموارد الطبيعية، ولا سيم المياه، التي قد يعاني المغرب من ندرتها بحلول عام 2030. ويمكن أن يؤدي التغير المناخي أيضًا إلى زيادة النزوح القسري للسكان من المناطق القروية القاحلة نحو المراكز الحضرية، ولا سيم الساحلية منها"19. سارت نتائج الاستبيان في الاتجاه نفسه، وقد بيّنت تعُّرُض البيئة والموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي لضغوط قوية تحت تأثير التغير المناخي، وعدم أخذ السياسات العمومية والاستراتيجيات القطاعية في الاعتبار، على نحو كافٍ، بضرورة استدامة الموارد والتوازن البيئي. ونجم عن ضعف إدماج الإكراهات البيئية ضمن المشاريع والسياسات العمومية عدة مؤثرات خارجية سلبية بالغة الأثر تُقَدَّر تكلفتها، بحسب عدة دراسات وطنية ودولية، ب 3 في المئة من الناتج الداخلي الخام20. وكشفت النتائج أيضًا أن الوضع المائي "مقلق جدًا" بحسب كل الجمعيات المستجيبة، وهو ما يعكس هشاشةً قوية بالنسبة إلى المغرب إزاء التغير المناخي. ومن الشواهد على ذلك كيفية استعمل الماء وعدم مراعاة ندرته، وهي الملااحظة نفسها التي وردت في تقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، من جهة أن تسعيرة الماء الصالح للشرب أو للااستعمل الصناعي أو لأغراض السقي لا تعكس التكلفة الحقيقية لهذا المورد، ولا تحفّز على اللجوء إلى الموارد البديلة. وإضافة إلى ذلك، يتعرض الساحل الذي يضم معظم أنشطة البلااد الاقتصادية والبشرية لظواهر مناخية حادة21.

  1. المركز الدولي للقوانين غير الربحية، تغير المناخ والفضاء المدني في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: مع تسليط الضوء على العراق والأردن ولبنان والمغرب وتونس (واشنطن: المركز الدولي للقوانين غير الربحية، 2021)، ص 91، شوهد في 2023/12/31 ف:ي https://shorturl.at/nRUW0
  2. United Nations, Paris Agreement (New York: 2015), p. 5, accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/wCSW1
  3. النموذج التنموي الجديد، التقرير العام للجنة الخاصة بالنموذج التنموي (الرباط: 2021)، ص.38
  4. المرجع نفسه، ص.28
  5. المرجع نفسه.

وعلى الرغم من المبادرات التي قام بها المغرب من أجل التكيف مع هذا الوضع، يتفق كل المستجيبين على أنها تبقى محدودة، وتربط إحدى الجمعيات هذا التفاوت بين المنجز والمأمول ب "التأخر الحاصل في إدراج التأثيرات البيئية والمناخية ضمن المشاريع والبرامج العمومية، أو التطوير البطيء للأنشطة المتعلقة يرئادلا داصتقلااب"ةداعإب حمسي وحن لعى تاجتنلام ميمصت هيف يرجي ايبًاجيإ اجذونوم لايًادب لاًّاحًا هفصوب، استعملها أو تصنيعها أو تدويرها أو استعادتها، ومن ثمة المحافظة عليها ضمن الاقتصاد والاستفادة منها فترة أطول22. وعن هذا التفاوت بين الطموح والإكراهات الواقعية، نستحضر إجابَتيَن متداخلَتيَن: نقرأ في الأولى أن المغرب يؤدي دورًا رائدًا في مكافحة أزمة تغير المناخ عبر الالتزامات الطموحة التي يتبنّاها في قطاع الطاقة المتجددة، ولكن عندما يتعلّق الموضوع بتلوث الهواء بسبب الوقود الأحفوري، مثالً، نصطدم بوجود مشكلة جديّة تهدّد صحة كلّ مواطن مغربي و"جيبه"، وسيستمر التهديد إذا لم يجرِ تعزيز التحول في مجال الطاقة، الذي ينطوي على الإلغاء التدريجي للوقود الأحفوريّ وتسريع تطوير الطاقات المتجددة للتخفيف من تكلفة التدهور البيئي التي يقدّرها المجلس الاقتصادي والاجتمعي والبيئي في المغرب بنحو 32.5 مليار درهم؛ أي ما يعادل 3.52 في المئة من الناتج الداخلي الخام، وهو ما يمثّل 960 درهمً لكل فرد سنويًا23. تشير الثانية إلى أن "المملكة أحرزت تقدّمًا في مواكبة الاهتمم العالمي بقضايا البيئة اقتصاديًا وسياسيًا، وأصبحت من الدول الأكثر نشاطًا وفاعليةً على المستوى البيئي، كم يظهر من خلاال ما سنّته من قوانين وما نظّمته من لقاءات وأنشطة وتظاهرات تُوّجت باحتضان الدورة الثانية والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية، بشأن تغّير المناخ في الفترة 18-7 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، لكنّ مؤشرات عديدة تنقل إلينا أنها لا تزال تقاوم التقليل من المخاطر المناخية ووضع عموم المجتمع المغربي في صلب الإشكالات البيئية، الذي إن لم يكن سببًا مباشرًا في الكثير منها، فإنه ل سي في مأمن من انعكاساتها السلبية على الفرد والجمعة، كم تبّين العديد من التوترات المجتمعية، ولا سيم أنّ الدينامية الاقتصادية تمارس ضغوطًا قوية على البيئة والموارد الطبيعية". ولئن نجح المغرب في أن يدير أزمات الطاقة الناجمة عن علااقاته المتوترة مع المورّدين، عبر تعزيز علااقته مع الولايات المتحدة الأميركية، وتواصل الشراكة مع إسبانيا، وتكثيف التعاون مع بلدان أخرى في منطقة البحر الأبيض المتوسط، فإن استبدال مورّد للوقود الأحفوري بآخر لا يخدم حاجته إلى التحول العالمي من الوقود الأحفوري، ولا يخفف حتى التقلبات في أسعار تلك الأنواع من الوقود وإمداداتها. ونظرًا إلى أن المغرب يستورد ما يربو على

  1. المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إدماج مبادئ الاقتصاد الدائري في مجال معالجة النفايات المنزلية والمياه العادمة، إحالة ذاتية رقم 2022/59 (الرباط: المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، 2022)، ص.7
  2. المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إنجاح الانتقال نحو المدن المستدامة، إحالة ذاتية رقم 2017/32 (الرباط: المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، 2017)، ص.13

90 في المئة من احتياجاته من الطاقة24، فإنه يرجّح أن يظل عرضةً لتقلبات الأسعار في السوق العالمية، وهو ما يفرض عليه في المدَييَن القريب والمتوسط مواصلة الاستغلاال المعقلن لمصادر الطاقة المتجددة المتنوعة25 التي يزخر بها، مثل موارد الرياح الوفيرة في الداخل وعلى الساحل، والسطوع الشمسي أوقاتًا طويلة، وذلك في أفق توسيع الآمال في أّلا يصبح قادرًا على تلبية احتياجاته الخاصة من الكهرباء النظيفة فحسب، بل أيضًا في أن يصير، وهذا هو الرهان الأهم، مصدرًا إقليميًا لها إلى شمل أفريقيا وأوروبا. وقد أعلن المغرب خلاال الدورة الحادية والعشرين لمؤتمر الأطراف (21 COP) عن هدف جديد لزيادة قدرة مصادر الطاقة المتجددة إلى 52 في المئة (20 في المئة من الطاقة الشمسية، و 20 في المئة من طاقة الرياح، و 12 في المئة من الطاقة المائية) بحلول عام 2030، ما سيجعله أول بلد أفريقي يتوخى الوصول إلى أكثر من 50 في المئة من توليد الكهرباء من الطاقة المتجددة في قارة يمثّل فيها الوصول إلى أيّ نوع من الطاقة مشكلة كبيرة. وفي علااقة بهذا الرهان، وما يرمز إليه تحديدًا من انتظارات مدنية، عّبتر كل الجمعيات عن "جاهزيتها للااشتغال على مسألة مخاطر التغيرات المناخية على النظم البيئية والقطاعات الاجتمعية والاقتصادية حاضرًا ومستقبال"ا، واعتبر بعض منها نفسه "جزءًا من الحل تحسيسًا وترافعًا عبر برامجها، وجنبًا إلى جنب مع شركائها". وقد عكست نتائج الاستبيان إدراك جمعيات المجتمع المدني هذه المخاطر التي تهدد مقومات الحياة في مختلف مستوياتها، وسعيها إلى الاضطلااع بدورها في "تحليل وتق ييم السياسات العامة ذات الصلة بقضايا تغير المناخ والبيئة، وتعزيز وعي الساكنة بتحدياتها، ورفع قدرتهم على التكيف والمقاومة لمواجهتها عبر التخطيط الاستشرافي والتنفيذ الطموح للسياسات والتشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية". وفي الوقت ذاته، يبدو أن الاشتغال بالتمثّل السليم لهذا الدور مستقبالًا وتدقيقه سيكون مفيدًا حتى لا تختزل بعض الحركات الخضر المغزى من نشأتها في "الاستفادة من الدعم العمومي لتمويل أنشطتها أو ضمن مكانٍ لأعضائها في المؤتمرات العالمية"، بما في ذلك "المشاركة في اجتمعات اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ" بمبرر كونها "ممثلة للمجتمع المدني لضمن إسمع أفكار الشباب وتطلعاتهم". وباستثناء هذا الاختزال الفجّ الذي ورد في إحدى الاستمرات، ثمة تنوّع في الأهداف التي تروم الجمعيات بلوغها، وإن كنا نسجّل دقة وعمقًا لبعضها وعمومية وضبابية لأخرى. وبغضّ النظر عن تجاهل بعض الجمعيات الجواب عن سؤال أهداف السنة الماضية أو الحالية أو التعبير عنها – بعد طلبات متكررة – بعبارات فضفاضة، توجد إجابات تستبطن وعيًا بسيناريوهات التغيرات المناخية على الأنشطة الفلااحية والزراعية؛ إذ "يتوقع أن يصبح مناخ المغرب قاحالًا أكثر بسبب قلة التساقطات المطرية، وارتفاع درجات الحرارة، والظواهر الطبيعية الحادة المتكررة". ومن شأن هذا

  1. بلغت قيمة واردات الطاقة المغربية مستوى قياسيًا يناهز 153 مليار درهم مغربي (41.7 مليار دولار أميركي) في عام 2022، بارتفاع نسبته 102 في المئة مقارنة بالسنة التي سبقتها. ينظر: بنك المغرب، تقرير السنة المالية 2022 (الرباط: 2022)، ص 104، شوهد في 2023/12/31، في: https://shorturl.at/ablwS
  2. Leon Tikly, Education for Sustainable Development in the Postcolonial World: Towards a Transformative Agenda for Africa (New York: Routledge, 2020), p. 142.

التوجه أن يؤثر سلبيًا في الموارد المائية والتنوع البيولوجي، وخصوصًا أن المغرب "عرف خلاال السبعين سنة الأخيرة عشرين موسم جفاف". وبهدف التخفيف من هذه التداعيات، وضعت جمعية هدفين رئيسين ضمن خططها المستقبلية، هم "متابعة العمل على تقديم حلول ملاائمة ومبتكرة لتعزيز التكيف مع التغيرات المناخية، والتخفيف من آثار الغازات المسبّبة للااحتباس الحراري"، سواء من خلاال "إنجاز دراسات وأبحاث حول الطرق الحديثة لتدبير استعمل مياه السقي وعقلنته، أو تنظيم ورشات وحملاات لترسيخ الوعي بضرورة ترشيد استعمل هذه المادة الحيوية عبر استهداف الفلااحين والأسر والمؤسسات التعليمية للتأثير في ثقافة الاستهلااك والإنتاج باستعمل التكنولوجيا الخضراء، أو دفع السلطات والمؤسسات العامة والمقاولات المعنية إلى وضع برامج عملية لصيانة السدود، وبناء محطات إضافية لتدوير المياه العادمة وتحلية ماء البحر للحد من شحّ الماء الصالح للشرب على الرغم من الآثار البيئية في النظم الإيكولوجية القريبة من الساحل ومتطلبات الطاقة وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون المصاحبة، علااوةً على توسيع المساحات المغروسة بالأشجار المثمرة (بما في ذلك الأصناف الأكثر ملااءمة للمناطق القاحلة)، بهدف الرفع من القدرة على امتصاص ثاني أكسيد الكربون والتخفيف من انبعاثات الغازات المسببة للااحتباس الحراري". أما عن وسائل اشتغال الحركات البيئية وأدواتها، فقد كشف المستجيبون أنها متنوعة، وأنها تجمع بين التوعية والتواصل والبحث العلمي والاستعداد للتظلم العلني في الفضاء العام عند الضرورة، خاصة بعد تسجيل فتور تفاعل السلطات والمؤسسات العمومية مع مطالبها وانعدامه فيم يخص المقاولات الخاصة. ويأتي تنظيم الندوات والورشات التكوينية التي تركّز بدرجة أكبر على تأطير الشباب وتعبئتهم من خلاال مضامينها في مقدمة هذه الوسائل التي توظفها، بنسبة تجاوز 90 في المئة، في حين لا يتعدى رفع تقارير وإنجاز دراسات وتنفيذ برامج بشراكة مع مؤسسات وطنية ومنظمت دولية نسبة 10 في المئة من الوسائل المستعملة أو المتوقع استعملها بحكم طبيعة الموارد البشرية والتقنية التي يلزم توافرها لنيل ثقة هذه الأطراف بالتعاون. أما عن توظيف استراتيجية الشارع لدفع السلطة العامة إلى اتخاذ قرارٍ ما أو التراجع عنه، فتجدر الإشارة أولًا إلى أنه بدأ يتجه، منذ تسعينيات القرن العشرين، إلى الطابع السلمي غير العنيف، وأنه ارتبط، أساسًا، بمطالب ذات طبيعة اجتمعية محضة، لاعتبارات متعددة، يمكن إجملها في تحوّل بنية السلطة الحاكمة من نظام مغلق إلى نظام مفتوح نسبيًا، وإدراك التنظيمت النقابية والحزبية أنها تقوى على الدعوة إلى الاحتجاج، لكنها تعجز عن السيطرة على أعمل التخريب والعنف الدموي التي تصاحبه، وذلك تزامنًا مع التغيرات التي وقعت على المستوى الدولي، وفي مقدمتها انهيار الاتحاد السوفياتي، وارتفاع الطلب على احترام حقوق الإنسان، وما رافق ذلك من دع وات إلى تحرير الفضاءات العامة وإتاحتها لمكونات الشعب المختلفة حتى تعّبر عن انشغالاتها وتطلعاتها، وهو ما أفرز على الصعيد الداخلي – في ارتباطٍ بموضوعنا – تأس سي حزب اليسار الأخضر المغربي وحزب البيئة والتنمية، وأزيد من ألفَي جمعية تسعى، في حدود مواردها وإمكاناتها وطبيعة تركيبتها وسياقات نشأتها، إلى التنبيه إلى خسائر التغيرات المناخية والمطالبة بإدراج البعد البيئي والمناخي في أغلب التشريعات والسياسات العمومية الوطنية

والترابية، وهو ما سمح نسبيًا بانتقال دينامية فعل التغيير تدريجيًا من المعارضة السياسية إلى الديناميات المدنية؛ الأمر الذي جعل فعل الاحتجاج مألوفًا، تتعدد تعبيراته ومميزاته داخل الفضاء العام26. وحتى لا نغالي في هذا الانتقال، لا بدّ من التنبيه إلى أن وجود هذا الكمّ الهائل من الجمعيات في هذا المجال لا يعني أنها تجاوزت مرحلة التحس سي وتؤدي دورًا ضاغطًا وفعّ لًا ومؤثّرًا في القرار العمومي. وفي الإجابة عن السؤال: "هل تعتقدون أن الحركات البيئية سيكون لها دور مهم في استباق التغيرات المناخية وتعزيز تكيّف الفئات الأكثر هشاشة مع أضرارها؟"، بلغت نسبة الجمعيات التي اكتفت بالجواب ب "نعم"، من دون أيّ توضيح كم طُلب منها، 80 في المئة، في حين ربطت الجمعيات التي تمثّل النسبة المتبقية هذا الدور ب "التحس سي والتوعية والترافع والمساهمة في تق ييم السياسات العمومية البيئية". ويمكن تفسير ضعف الفاعلية بعاملين متداخلين: يرتبط العامل الأول بالعضوية وطبيعتها في هذه الجمعيات وعددها؛ إذ على الرغم من تنوّع تركيبتها (رج لً ونساءً وشبابًا من الجنسين، مع تفوّق عددي نسبيًا للإناث)، وتأكيد جميع المستجيبين أن فكرة الجمعية جاءت بمبادرة طوعية لمؤسسيها، تفيد المعاينة السوسيولوجية أنّ معظم أعضاء هذه الجمعيات ليسوا من ذوي المؤهلاات العلمية في مجال البيئة وتغير المناخ، مقارنةً بالجمعيات الدولية، ويرجّح أن يعود السبب في ذلك – من دون تعميم – إلى أنّ هيئات كثيرة من المجتمع المدني تتفرع من الأحزاب السياسية أو تنشأ بإيعاز وتحفيز من السلطة، أو ترغب في الاستفادة من التمويل؛ فتكون النتيجة أن الوعي البيئي المؤسَّس على كفايات علمية وتواصلية يكون محدودًا. يتصل العامل الثاني بتشتت جمعيات المجتمع المدني المحلية ونقص الخبرة والقدرات ونقص الموارد. فعدد كبير منها لا يملك بنكَ معلومات خاصًا بالبيئة والمناخ، ولا يشتمل على مقرات قائمة بذاتها ومستقلة عن دور الشباب التي تعتبر الحاضن الفعلي لجُلّها، سواء كانت بيئية أو تنموية أو ثقافية27. ومن ثمة، تحدّ الصعوبات التي تواجهها الجمعيات والجهات الفاعلة الأخرى، فيم يتعلق بالوصول إلى المعلومات والبيانات وانعدام الشفافية، من قدرتها على المشاركة الكاملة؛ فينعكس ذلك على صعوبة وضع الخطط والمشاريع أو تقديم أدلة لتوصياتها ومواقفها. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن المجتمع المدني المغربي لا يزال متشظّيًا، ومشاركته في برامج ومشاريع التغير المناخي تظل شكلية فحسب إذا لم يخضع ل "علااج بالصدمة" في أقرب وقت، سواء جرى ذلك بمحض إرادته أو بالإلزام وفق شروط شفافة وموضوعية. وما يبرر ذلك، مثالً، أن مقترحات مكونات المجتمع المدني وتوصياتهم، بحسب بعض الإجابات، لا تؤخذ في الحسبان، وحجتهم في ذلك أنهم "يشاركون في تقارير وورشات ودورات عمل عديدة حول العمل في إعداد السياسة الوطنية لتغير المناخ، بيد أن أسمءهم لا ترِد بتقارير هذه اللقاءات، بل يفقدون حتى القدرة أحيانًا على الاطلااع على محاضرها وخلااصاتها بعد ذلك".

  1. الحبيب استاتي زين الدين، "الممارسة الاحتجاجية بالمغرب: دينامية الصراع والتحول"، عمران، مج 5، العدد 19 (شتاء 2017)، ص.144
  2. عياد أبلاال، "المجتمع المدني والإيكولوجيا السياسية بين السياقين الغربي والعربي"، مؤسسة مؤمنون بلاا حدود للدراسات والأبحاث، 2020/2/20، شوهد في 2023/7/8، في: https://bit.ly/3T0cgT2

. 2 حالة تونس

تُعدّ الجمهورية التونسية من بين أكثر الدول عرضةً للتداعيات السلبية للتغيرات المناخية. وقد عرفت البلااد خلاال السنوات القليلة الماضية تسارع وتيرة الظواهر الطبيعية الحادّة؛ مثل الجفاف، والارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة، والف ضيانات. وتترتّب على هذه التغيرات المناخية مصاعب اقتصادية واجتمعية شديدة الوقع، ولا سيم على الفئات الاجتمعية الأكثر هشاشة. فقلّة تساقط الأمطار أو الف ضيانات في تونس تؤدي إلى ضعف المحاصيل الزراعية أو تلفها، ما ينتج من ذلك نقصٌ في المواد الغذائية، ومن ثمّ ارتفاع في أسعارها، فينعدم الأمن الغذائي. وتتسبّب التغيرات المناخية المذكورة أيضًا في ارتفاع معّدلّات البطالة28، وتفاقم ظاهرة النزوح من الوسط الريفي إلى الوسط الحضري. وبحسب ما تثبته بعض الدراسات، بدأ يرتفع، في السنوات الأخيرة، وعي التونسيين بخطورة التغيرات المناخية، خصوصًا أنهم اختبروا عمليًا تداعيات هذه التغيرات على معيشتهم اليومية. فبحسب مسح استقصائي أجراه البنك الأوروبي للااستثمر بشأن المناخ لعام 2020، فإّن 82 في المئة من التونسيين المشاركين في المسح يرون أنّ التغّير المناخي يؤثّر بالفعل في حياتهم اليومية، في حين يبيّن 52 في المئة منهم أنّ دخلهم قد تأثّر بهذه التغيرات، ويشير 83 في المئة إلى ضرورة منح الأولوية للااستثمر في الطاقة المتجدّدة. وفي السياق ذاته، في الاستبيان الذي أجريناه لإنجاز هذه الدراسة، ومن خلاال الإجابة عن السؤال الخاص بعدد المنخرطين في الجمعيات المعنية المتأثرين مباشرةً بالتغيرات المناخية، تمثّلت أغلبية الإجابات في القول إنّ هذه التغيرات تمسّ الجميع دونما استثناء، وتمسّ التداعيات السلبية للتغيرات المناخية بوجه خاصّ الفئات الضعيفة كالنساء والفقراء. ولا ندري إن كان في الإمكان اعتبار هذا العامل من العوامل المفّسر ة لكون أغلبية المنخرطين في الجمعيات المستجيبة من النساء، لا سيم الشابات منهن، ورّبام يكمن السبب في أنّ النساء أكثر إقب لًا على النشاط الجمعوي التطوعي عمومًا مقارنةً بالرجال. ويبقى هذا التفسير مجرّد فرضية تحتاج إلى دراسات ميدانية خاصة لإثباتها. وينبغي التنويه بأنّ تونس انخرطت في المنظومة الدولية المتعلّقة بالتغيرات المناخية، بتصديقها عام 1993 على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي29، وعلى بروتوكول كيوتو الملحق بالاتفاقية المذكورة في عام 200230، وعلى اتفاق باريس حول المناخ في عام  201631.

  1. Mathew Forstater, "Green Jobs: Public Service Employment and Environmental Sustainability," Challenge, vol. 49, no. 4 (July-August 2006), p. 59.
  2. الجمهورية التونسية، "القانون عدد 46 لسنة 1993 (المؤرخ في 3 أيار/ مايو 1993) المتعلّق بالمصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغّير المناخ"، الرائد الرسمي، العدد 35، 1993/5/11، ص.627
  3. الجمهورية التونسية، "القانون عدد 55 لسنة 2002 (المؤرخ في 19 حزيران/ يونيو 2002) المتعلّق بالموافقة على انضمام الجمهورية التونسية إلى بروتوكول كيوتو الملحق باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغّير المناخ"، الرائد الرسمي، العدد 51، 2002/6/21، ص 1604
  4. الجمهورية التونسية، "القانون الأساسي عدد 72 لسنة 2016 (المؤرخ في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2016) المتعلّق بالموافقة على 'اتفاق باريس' حول المناخ لتنفيذ الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن تغّير المناخ"، الرائد الرسمي، العدد 90، 2016/11/4، ص.3566

ولا تعدّ الجمعيات البيئية ظاهرةً حديثة في تونس؛ فجمعية أحبّاء الطيور، والجمعية التونسية لحمية الطبيعة، اللتان تعدان أعرق الجمعيات في هذا البلد قد تأسّستا قبل نصف قرن من الزمن32. لكنّ الجمعيات المهتمّة بمسألة التغيرات المناخية بوجه خاصّ نشأت حديثًا، أي خلاال العشر سنوات الفارطة، باعتبار أنّ هذه المسألة لم تكن تُطرح بالإلحاح نفسه في الفترة السابقة. والجدير بالذكر أن تونس انتقلت بعد عام 2011 من نظام الترخيص الذي يقيّد حرية الجمعيات ويجعلها رهينة موافقة مسبقة من السلطة التنفيذية، وتحديدًا وزارة الداخلية، إلى نظام التصريح الذي يعتبر أنّ الجمعية قد جرى تكوينها بمجرّد تقديم مؤسّسيها تصريحًا في الغرض إلى السلطة الإدارية. فبحسب المادة 10 من المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المؤرخ في 24 أيلول/ سبتمبر 2011، المتعلّق بتنظيم الجمعيات، وهو مرسوم يضمن، بحسب ما جاء في مادته الأولى، حريّة تأس سي الجمعيات والانضمم إليها والنشاط في إطارها، وتدعيم دور منظمت المجتمع المدني وتطويرها والحفاظ على استقلااليتها، فإن تأس سي الجمعية يخضع لنظام التصريح. وعلى الراغبين في تأس سي جمعية أن يرسلوا إلى الكاتب العامّ للحكومة مكتوبًا مضمون الوصول مع الإعلاام بالبلوغ يتضمّن معلومات ووثائق يعدّدها النص. وتؤكّد المادة 12 من المرسوم نفسه أنّ الجمعية تعتبر مكَّوَنة قانونًا من يوم إرسال المكتوب المشار إليه في الفصل العاشر، وأنها تكتسب الشخصية القانونية انطقًا من تاريخ نشر الإعلاان في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية. وقد أدّى التخلي عن نظام الترخيص لمصلحة نظام التصريح أو الإعلاام إلى ارتفاع عدد الجمعيات في تونس؛ إذ بلغ عدد الجمعيات الناشطة حتى 19 أيار/ مايو 2023، وفق بيانات رسمية نشرها مركز الإعلاام والتكوين والدراسات والتوثيق حول الجمعيات التابع لرئاسة الحكومة التونسية على موقعه الإلكتروني، 24803 جمعيات، من بينها 630 جمعية ناشطة في مجال البيئة. وتوضّح البيانات المذكورة تفاوتًا كبيرًا في التوزيع الجغرافي لهذه الجمعيات على التراب التونسي؛ إذ تتمتّع ولاية تونس بالنصيب الأكبر باعتبار تركّز ما يزيد على 20 في المئة من الجمعيات الناشطة في إقليمها. وتتذيّل ولاية تطاوين الواقعة في أقصى جنوب البلااد قائمة التوزيع الجغرافي للجمعيات بنسبة 2.02 في المئة. ولم يحُل الإقرار الدستوري بحريّة تكوّن الجمعيات33، والطابع التحرّري للمرسوم عدد 88، دون بروز ممرسات تعطّل نشاط الجمعيات، من بينها تلكؤ السلطة الإدارية في نشر الإعلاان الخاص بتكون الجمعية في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية بحسب مقت يضات الفصل 12 من المرسوم، وهو شرط إجرائي ضروري لاكتسابها الشخصية القانونية. فعلى سبيل المثال، ما زالت منظمة الشبيبة من أجل المناخ، وهي من أكثر المنظمت نشاطًا في مجال التغيرات المناخية، تنتظر منذ ما لا يقلّ عن سنتين، أن

  1. سليمان بن يوسف، "الجمعيات البيئية في تونس"، مجلة البيئة والتنمية (المنتدى العربي للبيئة والتنمية - أفد)، العدد 17 (كانون الأول/ ديسمبر.)2007
  2. المادة 40 من دستور 25 تموز/ يوليو 2022: "حرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات مضمونة. وتلتزم الأحزاب والنقابات والجمعيات في أنظمتها الأساسية وفي أنشطتها بأحكام الدستور والقانون وبالشفافية المالية ونبذ العنف". ينظر: الجمهورية التونسية، "دستور الجمهورية التونسية"، الرائد الرسمي، 2020/8/18، شوهد في 2023/12/14، في: https://bit.ly/3UrUYiv

يُنشر إعلاان تكوّنها في الرائد الرسمي؛ وقد ضيّق هذا التأخير من قدرتها على النشاط؛ إذ ل سي في إمكانها الترشّح لطلبات إنجاز المشاريع، كم جاء في ردّ المنظمة على الاستبيان المقترح في إطار هذا البحث. يُعاب على عدد من الجمعيات الناشطة في تونس خضوعها للسلطة السياسية، أو ارتباطها بأحزاب سياسية. وفي كلتا الحالتين، يؤثّر ضعف استقلاالية الجمعيات في قدرتها على أن تضطلع على نحو ناجع بالأدوار المنوطة بعهدتها. ويحجّر المرسوم المنظم للجمعيات جمع الأموال لدعم أحزاب سياسية أو مرشحين مستقلين في انتخابات وطنية وجهوية ومحلية وتقديم الدعم المادي لهم. وفي المقابل، لا يُنكر المرسوم على الجمعيات حقّها في التعبير عن آرائها السياسية ومواقفها من قضايا الشأن العام. ولا توجد معلومات حول ارتباطات تجمع المنظمت الناشطة في مجال البيئة والتغيرات المناخية في تونس بأحزاب سياسية. وفي هذا السياق، أكّدت الجمعيات المستجيبة أنّ تكوّنها جاء بمبادرة شخصية من مؤسسيها، وأنّ الأحزاب السياسية – وكذلك السلطة - لم تؤِّدِ أيّ دور في نشأتها، باستثناء مجموعة المفاوضين/ات الشبّان/ات المنشأة في عام 2021 التي بيّنت أنّ تكوّنها كان بمبادرة من المؤسسين، وبتشجيع من السلطات العمومية، وتحديدًا من وزارة البيئة، وذلك من أجل تعزيز الوفد الرسمي التونسي في مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغّير المناخ بعدد من الخبراء الشبان في مجال التغيرات المناخية. وبالنسبة إلى التأطير القانوني لمسألة التغيرات المناخية، جاء دستور 2022 في المادة 47 منه، مُقًرًّا بالحقّ في بيئة سليمة متوازنة والتزام الدولة بالمساهمة في سلاامة المناخ وتوفير الوسائل الكفيلة بالقضاء على التلوّث البيئي. وعلى الرغم من افتقار تونس اليوم إلى نصّ قانوني نافذ يتعلّق تحديدًا بمقاومة التغيرات المناخية، فإنّ العديد من التشريعات تشير إلى ضرورة حمية البيئة34. ومن المنتظر أن يجري تلاافي هذه الثغرة قريبًا، على اعتبار أنّ مشروع مجلة البيئة قد اكتملت ملاامحه وصار جاهزًا، وهو نصّ قانوني جامع يؤطّر مجال البيئة بمكوناته المختلفة، وقد خَّصّص بابًا كامالًا لمقاومة آثار التغيرات المناخية باعتبار أنّه، بحسب ما جاء في المادة 157 من مشروع القانون، "تمثل التغيرات المناخية وآثارها وانعكاساتها الحالية والمستقبلية تهديدًا للموارد الطبيعية والمنظومات البيئية واستدامتها. كم تشكّل خطرًا على التنمية الاجتمعية والاقتصادية وعلى الصحة والأمن". وتجدر الإشارة إلى أنّ مشروع القانون المذكور عدّد مبدأ المشاركة من بين مبادئ التنمية المستدامة، ونصّ في المادة 20 على أن "تساهم الجمعيات ومنظمت المجتمع المدني والمواطنات والمواطنون والعموم المعنيون في اتخاذ القرار البيئي الوطني والمحلي باعتبارهم شركاء في ذلك". لكن في أثناء الانتقال إلى بيان طرق المشاركة وآلياتها، نجد أنّ المواد اللااحقة للمدة 20

  1. وحيد الفرشيشي وعفاف الهمامي المراكشي، عشر سنوات من التشريعات البيئية في تونس: أيّ مكانة للبيئة في عشريّة الثورة؟ 2021-2011 (تونس: مؤسسة هاينريش بول،.)2021

اقتصرت على الإشارة إلى "العموم"، ولم تؤكّد على مشاركة الجمعيات35. ويمكن التساؤل عن المقصود بمصطلح العموم، وإن كان في إمكانه استيعاب عموم المواطنين المنظّمين في إطار جمعيات تنشط في مجال البيئة. ويمكن طرح التساؤل نفسه في خصوص مصطلح السكّان الوارد في المادة 162 من مشروع مجلة البيئة التي تقتضي أن "يتم تشريك السكّان في مقاومة التغيرات المناخية بصفة فعّالة  "36. وإذا تأملنا مجالات اشتغال الجمعيات المهتمة بق يضة التغيرات المناخية في تونس، فإنه لا يسعنا إلا معاينة تعدّدها وتنوّعها. لكن ينبغي التأكيد على كونها تتعلّق بمسائل على علااقة وثيقة بالتغير المناخي؛ إذ تشمل مجالات الاشتغال المتقاطعة المحافظة على الموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي، وحمية الشريط الساحلي التونسي، والتحكّم في الموارد المائية... إلخ. وتبرز مجالات الاهتمم المتعدّدة من خلاال التسمية الخاصة ببعض الجمعيات البيئية، مثل الجمعية التونسية لحمية البيئة والطبيعة والحيوانات والنباتات البرية، وهي جمعية تنشط في مدينة صفاقس، وتهدف إلى المساهمة في المحافظة على أصناف الحيوانات والنباتات البرية المحمية، ومقاومة الصيد المحظور، وتدعيم سلاامة المحيط وتطهيره من التلوّث. ومن اللاافت للاانتباه أنّ نسبةً مهمّة من الجمعيات البيئية التونسية تقرن الشواغل البيئية بالتنمية المستدامة. تُعدّ الجمعيات في تونس التي تتّخذ من المسائل ذات العلااقة بالتغّير المناخي مج لًا حصريًا لنشاطها محدودةً جدًا، ويمكن أن نذكر مث لًا عليها الجمعية التونسية للتغيرات المناخية والتنمية المستدامة، وجمعية الشبيبة من أجل المناخ. وعلى الرغم من تقاطع مجالات الجمعيات البيئية التونسية مع مجال التغير المناخي، فإنّ التحديات الكبرى التي يطرحها الأخير تجعلنا نعتقد أنّ التخصّص في الاشتغال على مسألة التغيرات المناخية، بدلًا من توسيع مجال النشاط إلى عدة ميادين أخرى، من شأنه أن يجعل عمل الجمعيات المعنية أكثر نجاعةً وتأثيرها أشد وقعًا. فالتخصص يخوّل الجمعية تعزيز قدرات أعضائها التقنية، ويجعلها تركّز برامجها وأنشطتها ومشاريعها على مجال التغّير المناخي الذي يُعتبر في حدّ ذاته مج لًا واسعًا يشمل جوانب متعدّدة تستوجب معرفة تقنية ومتابعة دائمة للمستجدات العلمية والتقنية. وفي هذا السياق، أشارت مجموعة المفاوضين/ات الشبان/ات المشارِكة في الاستبيان إلى أنّ القدرات المحدودة على المستوى المالي، وكذلك على المستويين التقني والمعرفي، تُعدّ من أبرز العوائق التي قد تؤثّر مستقبالًا في دور الجمعيات البيئية في تونس في التصدي للتغيرات المناخية ومجابهة الآثار الناجمة عنها.

  1. المادة 21: "يتم تنظيم مشاركة العموم بآليات مختلفة كالاستشارة والتشاور والاستقصاء العمومي وحضور المجالس واللجان الاستشارية بدعوة من الجهات المعنية أو بأي آلية أخرى". المادة 22: "يتم تشجيع مشاركة العموم في الهيئات والمفاوضات الدولية المتعلّقة بالبيئة أو التي لها تأثير على البيئة". المادة 23: "يقع تسهيل مشاركة العموم في الهيئات الوطنية التي تتناول القضايا البيئية الدولية". ينظر الجمهورية التونسية، "دستور الجمهورية التونسية".
  2. ينظر: الجمهورية التونسية، وزارة البيئة، مشروع مجلة البيئة (أيلول/ سبتمبر 2022)، شوهد في 2023/12/15، في: https://rb.gy/8pkccn

وبالنسبة إلى أدوات اشتغال الجمعيات البيئية التونسية، يمكن القول، بصفة عامّة، إنّها لا تخرج عن الأدوات التقليدية التي تستعملها الجمعيات الناشطة في مجالات أخرى، وهي تتمثّل أساسًا في عقد الندوات والمشاركة فيها، وتنظيم الورشات التدريبية أو المشاركة فيها. وقد وجّه بعضها عرائض إلى السلطة السياسية، ونظّم تحركّات ميدانية للدفاع عن ق يضة تتّصل بمسألة التغيرات المناخية. تُولي الجمعيات المشتغلة في مجال التغيرات المناخية أهمية خاصّة للتوعية بأسباب الظاهرة وبيان تداعياتها الخطرة على الحياة اليومية لعموم المواطنين. وتتوجّه حركات بيئية عديدة، في نشاطها التثقيفي والتوعوي، إلى فئة الشباب الصغار السنّ باعتبار أنّهم سيكونون المتضررين الرئيسين من التغير المناخي في حال بقاء الحال على ما هو عليه، وعدم اتخاذ الإجراءات العاجلة للحدّ من انبعاث الغازات الدفيئة، باعتمد الطاقات المتجددة، وحمية الثروة الغابية والنباتية. فرفع الوعي بالتغير المناخي يستوجب التأكيد على صلته الوثيقة بالنشاط البشري، ونشر التفسير العلمي للظواهر المناخية الحدية التي نعيشها اليوم. تلجأ الحركات البيئية إلى التحركات الميدانية، من خلاال تنظيم وقفات احتجاجية، وممرسة حقّها الدستوري في التظاهر السلمي للتنديد بالسياسات والممرسات التي تزيد الوضعية البيئية التي تعانيها بعض المناطق التونسية تدهورًا. وقد أدّى انقطاع تزويد بعض المناطق بمياه الشرب مددًا طويلة، تتجاوز أحيانًا شهورًا عديدة، إلى ظهور أشكال احتجاجية بدأت في التواتر والانتشار؛ تتمثل في قطع المحتجين للطرقات الرئيسة، وتعطيل حركة المرور حتّى يجدوا آذانًا صاغية. ويمكن أن نذكر مث لًا متعلقًا بهذه الحركات الاحتجاجية استنادًا إلى ما قام به ساكنون وناشطون من منطقة برقو في ولاية سليانة، ومنطقة السقدود من معتمدية الرديف في ولاية قفصة37. فضالًا عن ذلك، أوضحت بعض الجمعيات المستجيبة أنّ من بين وسائل نشاطها آلية تقديم العرائض بعد أن تأخذ على عاتقها عملية تجميع الإمضاءات لحشد الدعم في قضايا بيئية عمومًا، وذات علااقة بالتغيرات المناخية؛ من حيث الأسباب، أو تداعياتها الوخيمة على المستوى الاقتصادي والاجتمعي. فقد لجأت حركة الشبيبة من أجل المناخ، على الرغم من حداثة تكوينها، إلى هذه الآلية في ثلااث مناسبات؛ إذ توجّهت بعريضة إلى وزارَتي التربية والبيئة للمطالبة بإدراج مادة التربية البيئية ضمن المنهج الدراسي التونسي. وقدّمت في عام 2022 عريضةً ثانية موجّهة إلى رئ سي الجمهورية ورئيسة الحكومة قصد إعلاان حالة الطوارئ المناخية وصياغة سياسة مناخية عاجلة لإنقاذ البلااد من تداعيات التغيرات المناخية والتلوث الهوائي والبيئي، وإيجاد حلول لأزمة المياه التي تواجهها مختلف المدن التونسية. وتتمثّل الخطوط العريضة لحالة الطوارئ المناخية التي اقترحتها الحركة في الإقرار الرسمي في وجود التغيرات المناخية بتونس، وإعداد برنامج عمل يتضمّن استراتيجية الدولة لضبط خطّة استثمرات في التخفيف والتكيّف مع التغيرات المناخية. ويرتبط هذا البرنامج بعدّة مؤشرات يجب أن تحرص على تحقيقها من

  1. Rihab Mabrouki, "Coupure d'eau à Segdoud: Une souffrance persistante face à l'impuissance des autorités," Revue semestrielle de la justice environnementale (Forum Tunisien pour les Droits économiques et sociaux, Département de justice environnementale et climatique) (Juin 2023), pp. 47-58.

خلاال حمية الثروات الغابية والمائية، وضمن توافر المخزون المائيّ، وتنظيم القطاع الفلااحي والصيد البحريّ في كنف مقت يضات احترام التوازن البيئي وحمية مجالات الفلااحة والسياحة والصحة باعتبارها أكثر القطاعات الحيوية الخاضعة للتهديد المناخي، وإشراك مختلف عناصر المجتمع المدني في كامل مراحل إرساء حالة الطوارئ المناخية من التخطيط إلى التنفيذ من خلاال لجنة تضمن سرعة تحقيق هذه الخطّة ونجاعتها، وهي تضمّ ممثلين عن الحكومة وخبراء من كلّ مجال ذي صلة بالتغيرات المناخية (المياه، والطاقة، والفلااحة، والصيد، والصحة، والصناعة، والسياحة... إلخ). أمّا العريضة الثالثة التي قدّمتها حركة الشبيبة، فتتعلّق بحملة للمطالبة بإطلااق سراح الحيوانات السجينة في أقفاص حديقة الحيوان الواقعة في منطقة البلفدير في مدينة تونس، في محميات أو في محيطها الطبيعي، وتحويل الحديقة إلى منتزه نباتات في شكل مساحة خضراء صديقة للبيئة38. إلى جانب أدوات الاشتغال، المذكورة سابقًا، التي تخوّل الجمعيات البيئية المهتمّة بالشأن المناخي رفع الوعي بأسباب التغيرات المناخية وتداعياتها الخطرة، وكذلك الضغط من أجل التأثير في السياسات البيئية للدولة، تعتبر الدراسات والبحوث وسيلة اشتغال مهمّة لا تستغلها الجمعيات في تونس على نحو كافٍ، ربما لنقصٍ في الاقتناع بتأثيرها خارج حلقة المهتمين المتخصصين في التغيرات المناخية، أو لارتفاع تكلفتها مقابل الموارد الشحيحة لأغلبية الجمعيات البيئية. وتكمن أهمية القيام بالبحوث والدراسات والمشاركة فيها في الطابع التقني والعلمي لمسألة التغيرات المناخية فيم يتعلّق بأسبابها وإجراءات التخفيف من حدّتها والتكيّف معها. ويتطلّب تناول التداعيات الاقتصادية والاجتمعية للتغيرات المناخية القيام بدراسات وبحوث دقيقة تتضمّن إحصاءات ومعطيات كمية ونوعية وتحقيقات ميدانية وغير ذلك من الأدوات المنهجية في البحوث الاجتمعية والاقتصادية. وعلى الرغم من قلّة استعمل هذه الوسيلة، فإن من المهّم الإشارة إلى بعض التجارب الناجحة والثرية في هذا الصدد، ومنها تجربة المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتمعية الذي يضمّ قسمًا متخصصًا في العدالة البيئية والمناخية؛ فقد توّلى إنجاز العديد من البحوث والدراسات المتعلّقة بالمسائل البيئية، فضالًا عن أنه يُصدر دورية تهتم بالمستجدات في هذا المجال. ونشير كذلك إلى مشاركة جمعية "ساعة الأرض - تونس" في عمل بحثي عنوانه التواصل في قضية التغّير المناخي في تونس، بوصفه جزءًا من مشروع أشمل هو مشروع السرد البيئي في العالم

  1. ورّبام يكون من المفيد، للدلالة على ضرورة تسلّح الجمعيات البيئية بطول النفس وتنويع أدوات اشتغالها لتحقيق أهدافها، في ظّل ضعف الاستجابة من السلطات السياسية، أن نورد على لسان أحد أعضاء حركة الشبيبة من أجل المناخ المراحل المقطوعة لفرض إدراج التربية البيئية في المناهج الدراسية التونسية. فقد جاء في مقال صحافي ما يلي: "من هنا انطلقت مطالبتنا بحقّنا وحقّ الشباب التونسي بإدراج التربية المناخية في مناهج التعليم. وهكذا بدأنا أولًا بكتابة بعض التدوينات على صفحات التواصل الاجتماعي، والتي قابلها تفاعل إيجابي ودعم للمطلب من طرف الشباب والأساتذة وحتى الأولياء. وبعدها رأينا أنّ من الضروري التحرّك على الأرض، نزلنا إلى الشارع للتظاهر، وتحديدًا أمام المسرح البلدي في العاصمة تونس، حيث رفعنا شعارات تصبّ في خانة المطالبة بحق التونسيين بإدراج مادة التربية المناخية في البرامج التعليمية. وبالرغم من كلّ هذه التحركات التي قمنا بها لِلَفت الانتباه، فإنّ السلطات لم تتفاعل مع مطلبنا شأنها شأن وسائل الإعلاام التي لم تخصّص حيّزًا أو مساحة إعلاامية لتناول الملف. لكن قناعتنا بأنّ التربية المناخية أصبحت ضرورة جعلتنا نواصل العمل على الترويج لمطلبنا وحقّ الشباب بكلّ الطرق المتاحة، إلى أن تمّ الاتصال بنا من طرف منظمة 'غرينب سي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا' (MENA Greenpeace) لمساعدتنا في بلوغ أهدافنا وعلى رأسها حقّ الشباب التونسي في التربية المناخية". ينظر: سليمان بن يوسف، "التربية البيئية والمناخية: الحلم المشروع"، جريدة المغرب، 2022/10/24، شوهد في 2023/7/2، في: https://cutt.us/mmE7g

العربي، وهو يهدف إلى تقديم إرشادات عملية بشأن اللغة المناسبة للتواصل حول ق يضة تغير المناخ واللغة الأقل فاعلية لتناول الموضوع39. تطرح الرهانات الحالية والمستقبلية للتغيرات المناخية على الجمعيات البيئية في تونس تحديات مهمة تتعلّق بالتوجّه نحو التخصص في مجالات اهتممها، والرفع من القدرات العلمية والتقنية لمنخرطيها، والتنويع والتجديد في وسائل اشتغالها، حتّى يكون نشاطها أكثر تأثيرًا لدى فئة الشباب خاصة، وتستطيع أن توفّر لنفسها فرصًا أكبر للتأثير في السياسات العامة عبر ربط علااقات تفاعل مع سلطات القرار.

ثانيًا: فعلية المشاركة المدنية والقدرة على الصمود

تُجمع أبحاث عديدة على ضرورة ارتكاز الحركات البيئية على قِيم ومفاهيم كونية تشكّل الأساس والمرجع لعملها، وتتمحور تحديدًا حول الديمقراطية والعدالة والحرية والمساواة وحقوق الإنسان، علمًا أنّ هذه القيم تشكّل وحدة مترابطة يصعب تجزئتها، أو القبول ببعض أبعادها واتجاهاتها ورفض البعض الآخر، مع الإشارة إلى أنّ أهميتها تكمن في حاجة الفاعل البيئي إليها لتوجيه فعله وخطابه اللذين يجب أن يتقاطعا معها. ولئن كانت الحركات البيئية تنطلق مثالًا من حق الإنسان في العيش في بيئة نظيفة وآمنة، فإنها لا يمكنها استتباعًا رفض حقّه في التعلّم؛ ذلك أن حقوق الإنسان كٌّلٌ متكامل40. توجد العدالة الإيكولوجية دائمًا، تبعًا لهذا الترابط، في جوهر العدالة الاجتمعية، ويُتوقع أن تتحول اللاامساواة الاجتمعية باستمرار إلى لامساواة إيكولوجية؛ فحيثم يوجد إقصاء اجتمعي وتهميش سياسي، توجد هشاشة إيكولوجية ومشكلاات صحية أكبر. والحق في بيئة سليمة وصحة جسدية واجتمعية ونفسية ي يضق على نحو ملحوظ عند الطبقات الفقيرة، في حين يتّسع عند الطبقات الغنية والمهيمنة سياسيًا، والعكس صحيح؛ أي متى سُجلت هشاشة إيكولوجية ينتجها الاقتصاد الاستخراجي، يصبح ممكنًا التنبؤ بمضاعفة نسب الفقر والإبعاد الاجتمعي، وازدياد معدلات الأوبئة والأمراض41. وفي حين تحدث ظاهرة "النينو" بصورة طبيعية بحسب الأمينة العامة السابقة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، سيليستى ساولو (Saulo Celeste)42، فإن "تغير المناخ على المدى الطويل يتصاعد، وهذه نتيجة بديهية السببُ فيها أنشطة الإنسان. وأزمة المناخ تُفاقِم أزمة عدم المساواة، وتؤثر في جميع جوانب التنمية المستدامة،

  1. روبن ويبستر [وآخرون]، التواصل في قضية التغير المناخي في تونس: مشروع السرد البيئي، ترجمة أشرف الشيباني (تونس: كلاايمت أوتريش،.)2020
  2. مارون، ص.150
  3. United Nations Office for Disaster Risk Reduction & World Meteorological Organization, Global Status of Multi-Hazard Early Warning Systems (Geneva: UNDRR, 2023).
  4. Dan Symonds, "WMO Declares Onset of El Niño Conditions," Meteorological Technology International, 4/7/2023, accessed on 14/8/2023, at: http://tinyurl.com/2xker73w

وتقوض الجهود الرامية إلى التصدي للفقر والجوع والمرض والنزوح والتدهور البيئي"43. فهل يمكن التنبؤ، والحالة هذه، بالتخفيف من هذا التأثير في غياب تعبئة كل مكونات المجتمع وفئاته؟ لا نتوقع أن يخالف العقل السليم فوائد اليقظة الجمعية واتخاذ تدابير استباقية لضمن حقوق الأجيال المقبلة، بدءًا بحمية الأطفال من الدمار المناخي المباشر، من خلاال تك ييف الخدمات الاجتمعية الحيوية التي يحتاجون إليها، من قبيل خدمات الصحة، والمياه والصرف الصحي، والتربية، لتتمكن بمعيّة باقي فئات المجتمع من تحمّل موجات الحر وغيرها من الصدمات المناخية والبيئية، ومن ثمّ، إعداد هؤلاء للعيش في عالم تغَّير مناخه، وذلك من خلاال تزويدهم بالتعليم والمهارات والفرص للمشاركة الجدّية في صنع السياسات المعنية بالمناخ44. ومن المستبعد أن يتحقق هذا الطموح من دون إشراك جمعيات المجتمع المدني، وإيلااء أهمية خاصة لآرائه وتعزيز مساهمته في تغيير سلوكات الأفراد تجاه المناخ والرهانات المرتبطة به، مع العمل على التوفيق بين المصالح الخاصة وأولويات التنمية المستدامة. ولأنّ مجال تغير المناخ هو عبارة عن سلسلة من العلااقات الديناميكية المتفاعلة بين نُظم وفاعلين متعددين على المستويات الإقليمية والوطنية والمحلية، نجد أن فاعلية عمل الجمعيات البيئية ونجاعته في الحالتين المدروستين يمرّان عبر تفاعلها مع بقية الفاعلين في هذا المجال؛ ومن ثمّ، لن تخرج أيّ رؤية مستقبلية لسيناريوهات تعزيز هذا العمل عن النظر إلى تأثيرات الحركات والجمعيات البيئية المتبادلة مع السلطات العمومية في الدولة من ناحية، ومع المؤسّسات الاقتصادية الخاصّة من ناحية ثانية، ومع مختلف الحركات والجمعيات البيئية الناشطة على المستوى الوطني والإقليمي والدولي من ناحية أخرى.

التفاعل مع مؤسسات الدولة والجمعات الترابية

على الرغم من أنّ الفاعل العمومي يضطلع بمسؤولية تنفيذ تدابير مواجهة تغير المناخ وتقديم الدعم والمساعدة للفئات المتضررة من آثاره، فإن الواقع يكشف عن تزايد الدور الذي تقوم به الأطراف غير الحكومية على المستوى المحلي. فثمة حاجة ملحّة، في هذا الإطار، إلى إجراءات أكثر جرأة وحافزية على المدى البعيد، لتعزيز آليات الديمقراطية التشاركية في ظل استمرار حالات ضعف التعاون والتنسيق بين السلطات العامة والمجتمع المدني الناشط في مجال التغيرات المناخية. وكم سبقت الإشارة إلى ذلك بخصوص التجربة التونسية، فإنّ مشروع مجلة البيئة، مثال، ا من المفروض أن يتلاافى هذا النقص بتأكيد المادة 20 منه على مساهمة الجمعيات ومنظمت المجتمع المدني في اتخاذ القرار البيئي. إلا أنّ هذا النص ما زال في طور المشروع ولم يدخل حيّز التنفيذ بعد. فضالًا عن ذلك، فإنّ الوثيقة التوجيهية التي أعدّتها وزارة الاقتصاد والتخطيط، والتي ستكون مرتكزًا لمخطط التنمية في خصوص التأقلم مع التغيرات

  1. المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تؤكد أن عام 2023 يحطم الرقم القياسي لدرجات الحرارة العالمية"، المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، 2021/1/12، شوهد في 2023/12/15، في: https://2u.pw/xdmEopd
  2. منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، السنة الأكثر برودة لبقية حياتهم: حماية الأطفال من التأثيرات المتصاعدة لموجات الحر (نيويورك: منشورات اليونيسف، 2022)، ص.15

المناخية، قد خصّصت محورًا رابعًا للااقتصاد الأخضر والتغيرات المناخية، وأّك دت على الحاجة في مجال مجابهة التغيرات المناخية إلى "تكاثف مجهودات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني من أجل الرفع من قدرة الفئات الهشّة، وخاصة الفقراء والنساء بالوسط الريفي، على التأقلم مع التغيرات المناخية وتوفير مختلف أشكال الدعم... إلخ"45. إلا أنّ هذا التنصيص يظلّ مجرّد توجيهات عامّة تستوجب تفصيلها وتدقيقها وتنزيلها في شكل آليات محدّدة تخوّل المجتمع المدني مشاركة فعالة. وبغضّ النظر عن تأكيد الجهات الحكومية على إشراك الجمعيات، فإن الأخيرة لا تُخفي قلقها من وجود فرق كبير بين المنتظَر والمنجَز عمليًا لضمن فعلية المشاركة وتقويتها. مغربيًا، كشفت إحدى الجمعيات عن استفادتها من عضويتها في الهيئات الاستشارية المحدثة لدى المجالس الترابية لإعداد رأي استشاري في المجال البيئي والتغيرات المناخية، وإن صرّحت بأن هذا المكتسب التشريعي – على أهميته – لا يزال مُحاطًا من الناحية العملية بعديد الصعوبات. ويذكر المركز الدولي للقوانين أن السياسة المغربية لتغّير المناخ تكرّر الالتزام بالنهج التشاركي، إلا أنه لم يرد ذكر المجتمع المدني صراحةً في السياسة. وكم هو مبّين في تقرير نشرته منظمة "سوشيال ووتش" (Watch Social)، وقد طورته شبكة المنظمت غير الحكومية العربية التي نظرت في تنفيذ "أجندة 2030" في المغرب، ثمة مشاركة محدودة مع المجتمع المدني فيم يتعلق بتنفيذ جدول الأعمل. فعلى سبيل المثال، يشير التقرير إلى أنه خلاال المشاورة الوطنية لعام 2016 التي أُجريت لتحديد الأولويات الوطنية، من حيث صلتها بأهداف التنمية المستدامة، خُصّص يوم واحد لمنظمت المجتمع المدني46، ولكنْ لا تُضمّن غالبًا مداخلاات منظمت المجتمع المدني في التقارير أو التوصيات47. وفي السياق ذاته، عّبتر الجمعيات التونسية المشاركة في الاستبيان عن خضوع الإشراك للإرادة المنفردة للسلطات العمومية، وتحديدًا لوزارة البيئة التونسية، من دون أن تكون معايير المشاركة عادلة وواضحة، بل ذهبت بعض الجمعيات إلى التعبير عن مخاوفها في حال انتقادها السياسات العمومية في مجال التغيرات المناخية؛ إذ قد يجري استبعادها من الندوات التي تنظمها وزارة البيئة، ومن اللقاءات التشاورية التي تعقدها وتدعو إليها بعض الجمعيات المهتمة بمسألة التغيرات المناخية48. وبصرف النظر عن غياب منهج منظّم مؤسسي ومعايير ومبادئ محدّدة في إشراك السلطة العامّة للمجتمع المدني في صياغة القرارات في المجال البيئي، وفي الحضور والمشاركة الفعّالة في الملتقيات الدولية الخاصة بتغّير المناخ، فإنّ التطبيق يبُرز تطورًا كبيرًا في علااقة وزارة البيئة بالمجتمع المدني، إذ صرّحت بعض الجمعيات البيئية المغربية والتونسية بأنّ العلااقة مع الجهات المشرفة على قطاع البيئة كان يغلب عليها الفتور

  1. الجمهورية التونسية، وزارة الاقتصاد والتخطيط، الوثيقة التوجيهية: تونس 2035، 2020/5/5، شوهد في 2023/8/15 ف:ي https://cutt.us/KtjLd
  2. للااستزادة، ينظر: المركز الدولي للقوانين غير الربحية، ص.93
  3. المرجع نفسه، ص.94
  4. المرجع نفسه، ص.122

والتوجس في البداية، لكنّها بدأت في التحسّن مع مرور الوقت بعد استيعاب دور المجتمع المدني في المراقبة والتق ييم والتوعية والترافع. ولذلك، يربط المستجيبون في البلدين بين التقليل من حدّة التغيرات المناخية ومعالجة آثارها، بأقصى قدر ممكن، و"تحسين مسلسل مشاركة الجمعيات في آليات تصور وإعداد وتتبّع وتق ييم السياسات العمومية على المستوى الجهوي والوطني، وإضفاء الموضوعية والطابع الاحترافي المهني على هذه العملية لضمن مساهمة الجمعيات الفاعلة في الميدان والتي راكمت معارف وخبرات في مجال تقني ومتشعّب الجوانب"، بحسب ما جاء في جواب الجمعيات المستجيبة.

. 2 توطيد العلاقة مع القطاع الخاص

إن القطاع الخاص الذي يسيطر على جلّ التدفقات المالية يقوّض فرص الاستدامة المجتمعية للجيل الحالي والأجيال القادمة، ولذا فهو يتعرّض لانتقادات كثيرة من المنظمت والحركات المدافعة عن حقوق الإنسان والبيئة49. ويبدو أساسيًا، على المدَييَن القريب والمتوسط، أن يوطّد تعاونه مع حاملي المشاريع الخضراء، ويتقيّد بالقوانين الجاري العمل بها، وينفتح على المبادرات المدنية الساعية إلى المحافظة على البيئة، وهو أمرٌ من شأنه أن يُخرج علااقته مستقبالًا مع الحركات الإيكولوجية من حالة التوتر والضعف. وتُطلِعنا إفادات المستجيبين، كم سبقت الإشارة، على أن تفاعل القطاع الاقتصادي الخاص مع الحركات البيئية شبه منعدم إذا ما اعتبرنا أنّ التفاعل هو علااقة التأثير المتبادل بين الجانبين. والمقصود بهذا القطاع هنا الوحدات الفلااحية والصناعية والسياحية التي تمارس نشاطًا مضًّرًا بالبيئة من حيث صبغته الملوّثة، أو استنزافه للموارد الطبيعية. وعلى الرغم من أنّ المؤسسات والمقاولات الاقتصادية التي يُعدّ نشاطها الأكثر إضرارًا بالبيئة من حيث تلويث الهواء بالغازات المضرة وتلويث البحار بالمواد الكيميائية50 تنتمي، مثال، ا إلى القطاع العمومي كالمجمع الكيميائي بخليج قابس، فإنّ بعض المؤسسات الصناعية الخاصة تنتهك التشريعات وتُصرّف النفايات السائلة الصناعية في البحار. ويمكن أن نذكر أيضًا التلوّث الحاصل بواسطة مادة المرجين، وهي مياه فاسدة سوداء اللون ذات رائحة كريهة تنتج من عملية عصر الزيتون، وهي مادّة شديدة الحموضة تؤثّر عند سكبها على الأرض في التربة والمياه الجوفية. وبسبب عدم احترام بعض المقاولات للتشريعات والإجراءات التي تؤطّر نشاطها المضر بالبيئة، فإنّ الجمعيات البيئية في المغرب وتونس تفضّل التوجه بضغطها (عن طريق الشكاوى والعرائض) إلى السلطة العمومية حتى تقوم بإنفاذ القانون وردع المؤسسات والمقاولات العامة والخاصة المخالفة. وبخلااف الجمعيات التونسية المشاركة في الاستبيان التي نفت أن تكون قد توجهت بعرائض إلى مقاولات القطاع الخاص، كشفت نظيرتها المغربية (ثلااث جمعيات) عن توجيه أزيد من عشر شكايات إلى هذه المقاولات.

  1. الحسين شكراني، "تحديات التغيرات المناخية والرهانات المستقبلية للتحول إلى 'الوظائف الخضراء': نقد المنظور الرأسمالي"، استشراف للدراسات المستقبلية، العدد 7 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص.31
  2. عفاف كواص، "التلوّث البحريّ في تونس: حدود الانسجام ضمن السياسة البيئية"،، 2022/1/10، شوهد في 2023/7/6 حلول ف:ي https://bit.ly/3wfx7sC

. 3 التشبيك المدني على الصعيدين الوطني والدولي

عّبر المشاركون في الاستبيان عن استعدادهم لدعم التشبيك مع باقي الجمعيات التي تتشارك معها الانشغالات والاهتممات نفسها، وكذلك الانخراط في الشبكات الإقليمية والدولية المهتمة بمسألة التغيرات المناخية. وترى هذه الجمعيات أنّ تشكيل الشبكات سيمنحها مزيدًا من القوة والتأثير؛ في مجال تطوير السياسات البيئية، أو التأطير والتوعية، أو الترافع والمناصرة. وينخرط اليوم عدد من الجمعيات والحركات البيئية في شبكات وائتلاافات وطنية ودولية تتطلع إلى توحيد جهود آليات التنسيق وتعزيزها فيم بينها. ولأن تأثيرات تغير المناخ لا تعترف بالحدود الجغرافية، يبدو أن الحركات الإيكولوجية تعي أن الرفع، على المدى القصير، من مستويات التعاون والتعبئة الجمعية يعتبر أحد المداخل الرئيسة لتعزيز القدرة على المقاومة. ومن التجارب التي تشكّل نموذجًا واعدًا للتشبيك المناخي الإقليمي، بصرف النظر عن بعض الإكراهات التي تشكو منها، يمكن أن نذكر شبكة العمل المناخي في العالم العربي (CANAW) التي تعمل تحت مظلة شبكة العمل المناخي العالمية التي أُطلقت بعد قمّة المناخ في باريس في عام 2015؛ وهي "عبارة عن شبكة من المنظمت غير الربحية تأسّست في أيلول/ سبتمبر 2015 على أساس الحاجة إلى تنسيق جهود المجتمع المدني في مواجهة مجموعة من التحديات المشتركة التي يطرحها تغّير المناخ على المستويين العابر للحدود والمجتمعي. وفي هذا الإطار، يعتبر الا ئتلااف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة أن "الأزمات المناخية والبيئية والاقتصادية والاجتمعية والتحولات الكبرى التي تعيشها المملكة في ظل نماذج تنموية أبانت محدوديتها، تتطلب، أكثر من أيّ وقت مضى، تعاونًا فعليًا وقويًا بين كل الفاعلين والمتدخلين الحكوميين وغير الحكوميين، على المستوى الوطني والدولي"51. ويؤكّد الائتلااف التونسي من أجل العدالة المناخية والبيئية والاجتمعية على دور العمل المشترك "في إرساء وتطوير ميزان قوى جديد يمكّن الجمعيات البيئية من إقامة سياسات محلية ووطنية وحتى دولية تحمي الطبيعة وتوفر الغذاء والعيش السليَميَن لكافة المواطنين بالاعتمد على الطاقات المتجددة النظيفة والاقتصاد الاجتمعي التضامني"52.

خاتمة

تبيّن لنا من خلاال هذه الدراسة أن المملكة المغربية والجمهورية التونسية لا تواجهان تحديات متشابكة ومتفاقمة في سياق التأثير الواقع والمتوقع لتغّير المناخ بالتفاعل مع عوامل أخرى (في الدرجة الأولى التطورات الديموغرافية والاجتمعية – الاقتصادية، بما فيها الممرسات الزراعية غير المستدامة)، فحسب، بل ينتظرهم أيضًا المصير نفسه إنْ لم تُوضع التنمية على مسار أكثر صلاابة وإنصافًا واستدامة. وثمة دلائل قوية، كم رأينا، على أن منطقة المغرب الكبير قد تعرّضت لاحترار مهم وواسع النطاق، وتميل

  1. بيان ختامي 'المؤتمر الوطني الثالث' الائتلااف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة تحت شعار: دينامية جديدة لمزيد من التأثير"، الائتلااف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة، شوهد في 2023/12/16، في: https://2u.pw/isxmVPC
  2. الائتلااف التونسي من أجل العدالة المناخية والبيئية والاجتماعية ضد سياسات التهميش والتلوث"،، 2017/4/21، شوهد في نواة 2023/12/16، في: https://2u.pw/ou9e1OS

التنبؤات المستقبلية إلى احتمل أن يكون ذلك مصحوبًا بتراجع متواصل لكمية تساقط الأمطار من سنة إلى أخرى، ويرجّح أن تطول فترات الجفاف خلاال القرن الحادي والعشرين، مع ما يترتب على ذلك من تقلبات شديدة الخطورة على مقوّمات الحياة الكريمة والآمنة. ف "تخضير" الدولة والاقتصاد والتكنولوجيا يتطلب إيجاد الأدوات المالية والاقتصادية الملاائمة من أجل معالجة الإنتاج المضرّ بالبيئة، ويستلزم المرور بالقدر نفسه عبر التربية والتعليم لمساعدة الناس على فهم أضراره، وتنمية استعدادهم للتعايش مع آثاره، واتخاذ الإجراءات المناسبة لتبنّي أنماط حياة أكثر استدامة. وفي الحالتين معًا، تُظهر المؤشرات الحالية والتوقعات لسيناريوهات العمل الجمعي للرفع من درجات الصمود أن أيّ استراتيجية للتكيف تستهدف تقليل آثار التغير البيئي في النظم الإيكولوجية مهددة بالتعثر إذا فشلت في إشراك الجمعيات والشبكات العاملة النشيطة في مجالات التغير المناخي والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان في بلورة الخطط والسياسات الوطنية، على النحو المبيّن في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة. ويصعب إنكار المجهودات التي بُذلت من أجل تعزيز التعاون بين الجمعيات وباقي الشركاء في هذا المجال، كم يفرض الحسّ السليم الاعتراف بأن نقائص عديدة تُحيط بطرق اشتغال الجمعيات والحركات البيئية، على نحو يشوّش على مسار تطوير خبرة مدنية، وطنية ومحلية، قادرة على الاقتراح والتكوين والبحث، وملمّة بمناهج الحوار البيئي بين مختلف الأطراف المعنيّة (المنتخبون والإدارات الترابية والمنظمت غير الحكومية والمواطنون). فعلى غرار باقي بلدان العالم العربي، لا يزال حصر تعداد هذه الجمعيات، وبخاصة غير الحكومية، صعبَ المنال في المغرب وتونس، على الرغم من المحاولات الكثيرة التي أجرتها وزارة البيئة التونسية ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة المغربية لإعداد قائمة بالجمعيات التي تنشط، أساسًا، في مجال تغّير المناخ والتنمية المستدامة. وتتذرع الوزارتان، بشأن التأخر في القيام بهذا الجرد، بتنوع التسميات التي تندرج تحتها، وتباين الدوافع التي ترتكز عليها عند التأس سي، وربما المستفاد أن عدد الجمعيات التي أُِّسِست انطقًا من هواجس علمية أو بيئية ومناخية بحتة، أو التي تشتغل فعليًا وعلى نحو دائم، وتسهم في مختلف الأنشطة والنقاشات العمومية التي تكون بشراكة مع المؤسسات العمومية أو المقاولات، لن يكون كبيرًا، ويُستنتج أن الباقي أُنشِئ في ارتباط بالتنظيمت السياسية التي تسارع إلى تأس سي هذا النوع من الجمعيات من أجل الحصول على التمويل والحفاظ على علااقات الاستلزام والاستقطاب في بعض المناطق، أو في سياق التحضير للاانتخابات أو نتيجة لها، أو رغبة في الحصول على الدعم المادي بتشجيع مباشر أو غير مباشر من الجهات الممولة والراعية المحلية أو الخارجية. من هنا، يحَظ أنّ عمل أغلب هذه المنظمت تطغى عليه العمومية والرمزية، وأبرز دليل على ذلك أنه بدلًا من التخصص والتعمق في ق يضة أو قضايا بيئية محددة، تكشف قوانينها الداخلية صعوبة حصر مجال اشتغالها وقابليته للااتساع والتمدد بحسب الظروف والسياقات. وتُعزى القابلية عامة إلى الرغبة المبطنة لديها في استملة الجهة المانحة؛ إذ تبقى بابتعادها من التخصص على هامش أوسع يمكّنها من تبنّي المشاريع واجتذاب الممولين. وهذا ما يؤدي إلى رفع مستوى المنافسة بين الجمعيات من دون ضمن

إيصال الرسالة البيئية الصائبة. والنتيجة هي عسُر تحقيق الحركات البيئية في البلدان العربية عامة، وفي حالتي الدراسة على وجه التخصيص، فإنّ التغيير المنشود على أرض الواقع هو في الأمد القريب، وإن تمكّنت مثالًا من دفع السلطات والمؤسسات العامة إلى المضي قُدمًا في بعض خطط التك ييف والتخفيف من الآثار السلبية للتغيرات المناخية، أو من استصدار بعض القوانين التي لا يزال أمر تطبيقها مستعصيًا. لذلك، لا يكفي أن تتفق الحركات الخضر على حقّ الإنسان في العيش ضمن بيئة نظيفة وتختلف في شأن حقوقه الأخرى، ضمن واقع مدني وطني منقسم ومجزّأ تسكنه جمعيات معزولة بعضها عن بعض، ولكٍّلٍ منها وجهته الخاصة أحيانًا كثيرة، وهو ما يجعل عمل الجمعيات في البلدين المذكورين، وأيّ جمعيات عربية أخرى، خاضعًا للااعتبارات ذاتها، الأمر الذي يعكسه تفاوت وتيرة أنشطتها، وموسمية حركتها التي تبرز عادةً بعد وقوع كارثة أو تأزم ق يضة. فهل يجوز، والحالة هذه، وصف التحركات في الحالتين المدروستين بأنها حركات اجتمعية تمتلك القدرة الكافية على التأطير والتوجيه والضغط والاقتراح؟ سنبالغ إذا أجبنا بالإيجاب من دون تنسيب؛ إذ على الرغم من الدينامية المسجّلة في المغرب وتونس، وبروز مبادرات ائتلاافية لتوحيد الجهود، فإنه يُتوقع أن يبقى خطاب البيئة مرتبطًا بالبعد التوعوي الصرف، إلا إذا استجدت ظروف استثنائية، وهو ما لا نراه راجحًا على المدى القريب؛ ذلك أنّ اللبنات الأولى للقوانين البيئية والمعايير البيئية والإيكولوجية لم تنبثق إلا مع بداية الألفية الثالثة وعلى نحو محتشم جدًا، في ظل ضعف الانسجام بين الجانب الحقوقي والجانب القانوني الملزم لكل الأطراف من ناحية، وهشاشة الجانب الحيوي للبيئة وجانبها التنموي المرتبط بالسياسات العامة من ناحية أخرى. في المقابل، وبصرف النظر عن صعوبة التوصيف، لأسباب ذاتية متعلقة مثالًا بضعف الخلفية الفكرية الكفيلة بنشر الوعي البيئي، وتكريس منظومة حقوق الإنسان المرتبطة بالشق البيئي والمناخي، أو تواضع رأس مالها البشري والثقافي الإيكولوجي، أو لأسباب موضوعية مرتبطة باستمرار الأجهزة الحكومية في احتكار عملية التخطيط والإنجاز في معظم الحالات، فإنه يمكننا، على سبيل الإنصاف، ملااحظة إرهاصات لما يمكن تسميته حركات اجتمعية تُعنى بالمحافظة على البيئة. بيد أن ما يجدر التنبيه إليه، في هذا الإطار، أن الناشطية الجمعوية من أجل العدالة المناخية لا يمكنها أن تُبلور وحدها حركة بيئية مؤثرة ومتفاعلة ما لم تكن جزءًا من يقظة سياسية واعية بمستلزمات أمنها الداخلي والخارجي. ولا يعني ذلك أنْ لا شيء أُنجز بقدر ما يعني لَفْتَ الانتباه إلى أن أمورًا كثيرة لم تحصل بعدُ، وأن ما أُنجز على أهميته يحتاج إلى استثمر وتطوير دائَميَن. ومهم كان الحكم قاسيًا، علينا أن نعتر ف بأن مخلفات المناخ لا تدبّر من خلاال الاقتصاد أو الإرادة السياسية أو التوصيات العلمية فحسب، بل بالروح الوطنية وربط المسؤولية بالمحاسبة أيضًا. أمّا من جهة التخطيط الاستراتيجي، ولزوم التدبير الاستباقي للمخاطر؛ فلو تخيّلنا التزامًا داخليًا بين الفاعلين السياسيين والاجتمعيين والمدنيين بصون الديمقراطية، وتوجّهًا حازمًا من السلطات السياسية نحو تطبيق مبادئها، من جهة سيادة القانون، والتوزيع العادل للثروة ومنع كل أشكال الاستحواذ عليها، والاستثمر الجيد في التعليم، وتوفير ضروريات الحياة الكريمة، لكان سيناريو قدرة هذه الحركات على التأثير واردًا، وصار معه احتمل التحكم بدرجة عالية في التغيرات المناخية ممكنًا من دون أيّ تردد.

المراجع

العربية

حدود للدراسات والأبحاث. 2020/2/20:. في https://bit.ly/3T0cgT2

العدد 19 (شتاء.)2017

2009: تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية. نيويورك. 2009:

المتوسطي الأول. نيروبي:.2020

- أفد)، العدد 17 (كانون الأول/ ديسمبر 2007).

بنك المغرب. تقرير السنة المالية 2022. الرباط:.2022

مج 8 العدد، 33 (صيف.)2020

ف:ي https://cutt.us/KtjLd العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022

العدد 31 (شتاء.)2020

للبيئة في عشريّة الثورة؟ 2021-2011. تونس: مؤسسة هاينريش بول،.2021

أبلاال، عياد. "المجتمع المدني والإيكولوجيا السياسية بين السياقين الغربي والعربي". مؤسسة مؤمنون بلاا استاتي زين الدين، الحبيب. "الممرسة الاحتجاجية بالمغرب: دينامية الصراع والتحول". عمران. مج 5، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. المكتب الإقليمي للدول العربية. تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام برنامج الأمم المتحدة للبيئة. شبكة خبراء البحر الأبيض المتوسط المعنية بتغير المناخ والبيئة. التغير المناخي والبيئي في حوض المتوسط الوضع الراهن والمخاطر المستقبلية. تقرير التق ييم

بن يوسف، سليمن. "الجمعيات البيئية في تونس". مجلة البيئة والتنمية (المنتدى العربي للبيئة والتنمية بوليتا، فرانشيسكا وجيمس جاسبر. "الهوية الجمعية والحركات الاجتمعية". ترجمة ثائر ديب. عمران. الجمهورية التونسية. وزارة الاقتصاد والتخطيط. الوثيقة التوجيهية: تونس 2035 2020/5/5. الجمهورية التونسية. وزارة البيئة. مشروع مجلة البيئة (أيلول/ سبتمبر 2022:). في https://rb.gy/8pkccn شكراني، الحسين. "تحديات التغيرات المناخية والرهانات المستقبلية للتحول إلى "الوظائف الخضراء": نقد المنظور الرأسملي". استشراف للدراسات المستقبلية. العدد 7. الدوحة/ بيروت: المركز

العبيدي، عبد الحميد. "محاولة في فهم تقاطعات الخطاب البيئي مع مسار نقد الحداثة". عمران. مج 8، غدنز، أنتوني. علم الاجتمع. ترجمة فايز الصياغ. ط 4. بيروت: المنظمة العربية للترجمة..2005

الفرشيشي، وحيد وعفاف الهممي المراكشي. عشر سنوات من التشريعات البيئية في تونس: أيّ مكانة الجمهورية التونسية. "القانون عدد 46 لسنة 1993 (المؤرخ في 3 أيار/ مايو 1993) المتعلّق بالمصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغّير المناخ". الرائد الرسمي. العدد.1993/5/11.35

________. "القانون عدد 55 لسنة 2002 (المؤرخ في 19 حزيران/ يونيو 2002) المتعلّق بالموافقة على انضمم الجمهورية التونسية إلى بروتوكول كيوتو الملحق باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغّير المناخ". الرائد الرسمي. العدد.2002/6/21.51

________. "القانون الأساسي عدد 72 لسنة 2016 (المؤرخ في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2016) المتعلّق بالموافقة على ’اتفاق باريس‘ حول المناخ لتنفيذ الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن تغّير المناخ". الرائد الرسمي. العدد.2016/11/4.90

كيرييف، ألكسي [وآخرون]. الاندماج الاقتصادي في المغرب العربي: مصدر للنمو لم يستغلّ بعد. سلسلة دراسات صندوق النقد الدولي 19. واشنطن: صندوق النقد الدولي،.2018

مارون، إميل. "الحركات البيئية اللبنانية وتغيير التوجّهات الثقافية: نموذج الحركات البيئية في الشمل اللبناني". عمران. مج 4 العدد، 13 (صيف.)2015

المجلس الاقتصادي والاجتمعي والبيئي. إدماج مقتضيات التغّيارت المناخية في السياسات العمومية. إحالة ذاتية رقم 2015/21. الرباط: المجلس الاقتصادي والاجتمعي والبيئي، 2015.

________. إنجاح الانتقال نحو المدن المستدامة. إحالة ذاتية رقم 2017/32. الرباط: المجلس الاقتصادي والاجتمعي والبيئي،.2017

________. إدماج مبادئ الاقتصاد الدائري في مجال معالجة النفايات المنزلية والمياه العادمة. إحالة ذاتية رقم 2022/59. الرباط: المجلس الاقتصادي والاجتمعي والبيئي،.2022

مجموعة البنك الدولي. المغرب: تقرير المناخ والتنمية. واشنطن: مجموعة البنك الدولي، 2022.

المركز الدولي للقوانين غير الربحية. تغير المناخ والفضاء المدني في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا: مع تسليط الضوء على العراق والأردن ولبنان والمغرب وتونس. واشنطن: المركز الدولي للقوانين غير الربحية، 2021.

منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف). السنة الأكثر برودة لبقية حياتهم: حمية الأطفال من التأثيرات المتصاعدة لموجات الحر. نيويورك: منشورات اليونيسف، 2022.

النموذج التنموي الجديد. التقرير العام للجنة الخاصة بالنموذج التنموي. الرباط.2021:

ويبستر، روبن [وآخرون]. التواصل في قضية التغير المناخي في تونس: مشروع السرد البيئي. ترجمة أشرف الشيباني. تونس: كلاايمت أوتريش،.2020

الأجنبية

Castells, Manuel. The Power of Identity. Oxford: Blackwell, 1997.

Cohen, Jean L. "Strategy or Identity: New Theoretical Paradigms and Contemporary

Social Movements." Social Research. vol. 52, no. 4 (1985).

Forstater, Mathew. "Green Jobs: Public Service Employment and Environmental

Sustainability." Challenge. vol. 49, no. 4 (July-August 2006).

Mabrouki, Rihab. "Coupure d'eau à Segdoud: Une souffrance persistante face à

l'impuissance des autorités." Revue semestrielle de la justice environnementale

(Forum Tunisien pour les Droits économiques et sociaux, Département de justice

environnementale et climatique) (Juin 2023).

Melucci, Alberto. "The Symbolic Challenge of Contemporary Movements." Social

Research. vol. 52, no. 4 (1985).

________. Nomads of the Present: Social Movements and Individual Needs in

Contemporary Society. London: Hutchinson Radius, 1989.

________. "Individualisation et globalization." Cahiers de recherche sociologique. no. 24

Offe, Claus. "New Social Movements: Challenging the Boundaries of Institutional

Politics." Social Research. vol. 52, no. 4 (1985).

Tikly, Leon. Education for Sustainable Development in the Postcolonial World: Towards

a Transformative Agenda for Africa. New York: Routledge, 2020.

Touraine, Alain. "An Introduction to the Study of Social Movements." Social Research.

vol. 52, no. 4 (1985).

United Nations Office for Disaster Risk Reduction & World Meteorological Organization.

Global Status of Multi-Hazard Early Warning Systems. Geneva: UNDRR, 2023.

United Nations. Paris Agreement. New York: 2015. at: https://shorturl.at/wCSW1