مستقبلات الذكاء الاصطناعي والثقافات الضعيفة التمثيل: كيف ستصوغ النماذج اللغوية الضخمة المشهد المعرفي في المستقبل؟
AI Futures and Underrepresented Cultures How Will Large Language Models Shape the Cognitive Landscape of the Future?
الملخّص
تستشرف هذه الدراسة أثر تصدُر الذكاء الاصطناعي ونماذجه اللغوية الضخمة للمشهد المعرفي في علاقتها بالتنوع والتعدد اللغوي، وأثرها في "الثقافات الضعيفة التمثيل"، من حيث انحيازاتها المعرفية والثقافية التي تمسّّ المجتمعات ذات الحضور الرقمي المحدود. وتستعرض سبل تجاوز فجوة البيانات بين اللغات، وتتطرّق إلى رسم عدد من السيناريوهات الُمستقبلية لمصائر الثقافات المحلية واللغات ومعارفها. كما تبحث في الخيارات المتاحة للحكومات وصُنّاع القرار في البلدان ذات اللغات الضعيفة التمثيل في خريطة الذكاء الاصطناعي العالمي، الموسومة اليوم بالتنافسّ الحاد بين عمالقة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة الأميركية والصين. وتخلص إلى أن التعاون في بناء نماذج لغوية ضخمة وقواعد بيانات متضافرة ومتكاملة، وفرق بحث وتطوير متعاونة، بين البلدان الضعيفة التمثيل، والتي تشترك في الثقافة واللغة، هو الخيار الأفضل لها.
Abstract
ملخص: تستشرف هذه الدراسة أثر تصُّدُر الذكاء الاصطناعي ونماذجه اللغوية الضخمة للمشهد المعرفي في علاقتها بالتنوع والتعدد اللغوي، وأثرها في "الثقافات الضعيفة التمثيل"، من حيث انحيازاتها المعرفية والثقافية التي تمسّ المجتمعات ذات الحضور الرقمي المحدود. وتستعرض سبل تجاوز فجوة البيانات بين اللغات، وتتطرّق إلى رسم عدد من السيناريوهات المُستقبلية لمصائر الثقافات المحلية واللغات ومعارفها. كم تبحث في الخيارات المتاحة للحكومات وصُنّاع القرار في البلدان ذات اللغات الضعيفة التمثيل في خريطة الذكاء الاصطناعي العالمي، الموسومة اليوم بالتنافس الحاد بين عملقة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة الأميركية والصين. وتخلص إلى أن التعاون في بناء نماذج لغوية ضخمة وقواعد بيانات متضافرة ومتكاملة، وفرق بحث وتطوير متعاونة، بين البلدان الضعيفة التمثيل، والتي تشترك في الثقافة واللغة، هو الخيار الأفضل لها. كلمت مفتاحية: الذكاء الاصطناعي، النمذج اللغوية الضخمة، الثقافات الضعيفة التمثيل، التحيزات، قواعد البيانات، الفجوة الرقمية. Abstract: This study examines the future of artificial intelligence (AI) through the lens of "Large Language Models" (LLMs), focusing on their implications for linguistic diversity, multilingualism, and their impact on "Underrepresented Cultures". It addresses cognitive and cultural biases affecting societies with limited digital presence. The paper investigates strategies to mitigate data disparities among languages and proposes various scenarios for the preservation of local cultures, languages, and their associated knowledge systems. Additionally, it evaluates options available to governments and policymakers in countries with underrepresented languages on the global AI landscape, which is currently dominated by intense competition between AI leaders in the United States and China. The paper concludes that fostering cooperation among underrepresented countries – through the collaborative development of large language models, integrated databases, and joint research initiatives – offers the most viable path forward for preserving shared cultural and linguistic heritage.
- الذكاء الاصطناعي
- التحيز
- الفجوة الرقمية
- Artificial Intligence
- Digital Divide
- Large Language Models
مستقبلات الذكاء الاصطناعي والثقافات الضعيفة التمثيل
كيف ستصوغ النمذج اللغوية الضخمة المشهد المعرفي في المستقبل؟
AI Futures and Underrepresented Cultures
مقدمة
يجادل إدوارد سعيد في كتابه الاستشراقبأنّ المعرفة الغربية التي تشكّلت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر عن الشرق لم تكن محايدةً أو موضوعية، بل استُخدمت أداةً لتعزيز الهيمنة الاستعمرية عبر تشكيل خطاب استشراقي يُصِوِّر الشرق بوصفه "آخرَ" غريبًا، ومتخلّفًا، وثابتًا، مقابل الغرب المتقدم والعقلااني1. ومن ثمّ، يكشف سعيد العلااقة غير البريئة بين المعرفة واللغة والسلطة، مستندًا في ذلك إلى كتابات ميشيل فوكو عن السلطة والخطاب. إلا أن سعيد لم يتناول علااقة خطاب المعرفة بتقنيات إنتاجها، والتي لم تشهد تحولاتٍ جذرية منذ اختراع الآلة الطابعة في القرن الخامس عشر. في حين بدأت تقنيات إنتاج المعرفة تشهد تحّولّاتٍ عميقة مؤخرًا، تمَثَّلت في العقود الماضية بخفض تكاليف الإنتاج والتوزيع، وتوسيع قاعدة المنتجين والمستهلكين، وتقليص المدة المطلوبة لتوصيل المعلومة. وكلّ ذلك بفضل رقمنة المعرفة، وظهور الشبكة العنكبوتية، ووسائل الاتصالات الرقمية، ووسائط التواصل الاجتمعي. ويتبلور اليوم تحوّلٌ مفصلي جديد، يتعلق بآليات إنتاج المعرفة نفسها؛ وهو ما يتصل بدخول "النمذج اللغوية الضخمة" (Models Language Large) للااستعمل العام، طارحةً تحديات معرفية وأخلااقية وإبستيمولوجية جديدة. تثير هذه النمذج تحدياتٍ ملحّة، من أهمها تأثيرها في طرائق البحث والتأليف. فعلى عكس موجات "التأليل" (Automation) السابقة، التي اقتصر أثرها على استبدال العملة اليدوية، باتت عدّة وظائف إدراكية، متنوّعة ومعقّدة نوعًا ما، قابلة للتأليل. فعلى سبيل المثال، تبرع النمذج سرعةً وأداءً في الخدمات "التحويلية " (Transformative)، كالتلخيص، والترجمة، وتفريغ النصوص (Transcription)، ووصف الصور، والمقارنة الدلالية، وبناء قواعد المراجع البحثية، إضافة إلى الخدمات الاستخراجية، كاستخراج الكيانات، و"تصنيف الموضوعات" (Classifciation Topic)، و"التعرّف إلى الكيانات" (Recognition Object)، والخدمات التحليلية، كتحديد أهم العناصر المؤثرة، وكشف موقع الكلمة في الجملة. وتتخطى النمذج هذه الوظائف إلى مهمت توليدية وإبداعية لإكمل إنتاج النصوص والصور والموسيقى والمقطوعات البصرية؛ تؤديها بمستوى مقبول وفي طور التحُسُّ ن. ويثير هذا التحدي أسئلةً جوهرية بشأن مستقبل إنتاج المعرفة وسلطة الخطاب. تنشأ الأسئلة من تحكّم أنظمة قيمية وثقافية محدّدة في مخرجات هذه النمذج المتنوّعة، ومن ثمّ في غالبيةٍ وازنة من كمّ الإنتاج والتداول المعرفي المستقبلي. ويأتي هذا التحكّم مرّة عضويًا بسبب انحيازات في البيانات التي استُخدمت في تدريب النمذج، ومرّات من سياسات تفضيلية توجيهية تحدّد سلوك النمذج، تختارها وتقرّرها نخبٌ ضيقة من منتجي هذه النمذج في شركات التكنولوجيا الكبرى. وتشمل هذه السياسات مواقف حاسمة في عددٍ مهم من القضايا الإشكالية في العالم، مثل الاحتلاال، والاستعمر، والحريات، والحقوق الفردية والاجتمعية، والسرديات التاريخية للجمعات والأقليات، والنزاعات. وتصدر هذه التحيّزات في مختلف مراحل تطوير النمذج، بدءًا من اختيار البنية المعرفية، وتجهيز البيانات، والتلقين الآلي، وصولًا إلى الاختبار، والتقييم، والتنقيح2.
من جهةٍ ثانية، تبني أنظمة تشغيل هذه النمذج ملفات شخصية، تفهم مع الوقت خيارات المستخدم وتفضيلااته، ومن ثمّ انحيازاته، وتحاول بنجاح مجاراة هذه الانحيازات في مخرجاتها، ما لم تتضارب مع سياساتها التوجيهية. ومن شأن هذا التفاعل بين المؤلف أو الباحث والنمذج أن يؤِثِّر مع الوقت في ذاتية الباحث (Subjectivity) ويتشارك معه في عملية الإنتاج البحثي. فقد جرت العادة أن ينخرط الباحثون في العلوم الإنسانية والاجتمعية في عمليات تفسيرية وتحليلية معقّدة، مقدّمين وجهات نظرهم الفكرية والثقافية الخاصة؛ الأمر الذي يجعل انحيازاتهم الثقافية والقيمية غالبًا ما تعمل على نحوٍ مُضمر. أمّا اليوم، فإنّ الأُطر القيمية المضَمَّنة في النمذج التوليدية والانحيازات الشخصية التي التقطتها من شأنها أن تؤثّر مباشرةً في الإنتاج المعرفي. من جهة ثالثة، يهمّش حضور اللغة الإنكليزية المهيمن، مع عددٍ قليل من اللغات الأخرى المهيمنة، في قواعد بيانات تدريب النمذج اللغوية الضخمة، حضورَ اللغات الأضعف تمثيال، ا ومن ثمّ، يقلّل من وزن رؤى قيمية ومعرفية تعكسها ثقافات اللغات الأضعف تمثيال.ا وتبرز هذه القضية، في أثناء التراجع المستمر للتنوع اللغوي في العالم3؛ إذ تواجه المزيد من اللغات خطر الانقراض بسبب العولمة والهيمنة الرقمية. وقد تسرّع النمذج اللغوية الضخمة، في شكلها الحالي، هذه الظاهرة من خلاال تفضيل الهياكل اللغوية والإبستيمولوجيات السائدة؛ ما يعزز المنظومات الخطابية القائمة في إنتاج المعرفة. تحفّز هذه التساؤلات دراستنا لطرح مسائل بحثية بشأن استشراف مستقبل النمذج اللغوية الضخمة في علااقتها بالتنوع والتعدد اللغوي؛ فهي تستقصي مدى تمثيل اللغات الضعيفة الموارد وثقافاتها في هذه النمذج، وكيفية تداخل العوامل الاقتصادية والسياسية في حوكمتها، وما يترتب على ذلك من انحيازات معرفية وثقافية تمس المجتمعات ذات الحضور الرقمي المحدود. وتستعرض الدراسة سبل تجاوز فجوة البيانات بين اللغات، وتتطرّق إلى رسم عدد من السيناريوهات المُستقبلية لمصائر الثقافات المحلية واللغات ومعارفها، في أثناء تطور النمذج اللغوية الضخمة السريع، ودخولها المتسارع في أتمتة عمليات إنتاج المعرفة وتداولها. وتبحث الدراسة أيضًا عددًا من الخيارات المتاحة للحكومات وصُنّاع القرار في البلدان ذات اللغات الضعيفة التمثيل في خريطة الذكاء الاصطناعي العالمي؛ سواء فيم يخصّ السياسات العامّة، أو المبادرات البحثية والتنموية لضمن المساهمة الفاعلة في بلورة المعرفة التي تقدّمها النمذج اللغوية الضخمة، وتفادي المصائر المحتملة على الهوية الثقافية والتبعات الاقتصادية لمجتمعات هذه البلدان. وتخلص إلى أن التعاون في بناء وتطوير نماذج لغوية ضخمة وقواعد بيانات متضافرة ومتكاملة، وفرق بحث وتطوير متعاونة، بين البلدان الضعيفة التمثيل، والتي تشترك في الثقافة واللغة، هو الخيار الأفضل لها في أثناء سباقٍ تنافسي يتّجه إلى خنق فرص الآخرين بين عملقة الذكاء الاصطناعي اليوم في الولايات المتحدة الأميركية والصين.
أولًا: الطريق نحو النمذج اللغوية التوليدية
يُروى في ملحمة الأوديسة4 أن ساحرةً تُدعى سيرس طلبت من بطل القصة أوديسيوس أن يشدّ الرحال إلى أرض الموتى. وحتى تُعينه على خوض غمر الرحلة، تتلو عليه سيرس عشرين بيتًا شعريًا من التعليمت المفصّلة5. وتتميّز هذه الأبيات بجملةٍ من الملاامح، من بينها استخدام الجمل الشرطية "عندما، حينها" Whenever, Then()، وهي سمةٌ، بحسب كريستفور فاروني، ميّزت النبوءات القديمة التي كانت تُتلى على المستعمرين الإغريق6. وليس الإغريق أوّل من ابتكر الجمل الشرطية؛ ولكنّ لمنحها خصوصية أسلوبيةً دلالاتٍ على موقع هذه المنهجية في الوعي الإنساني المبكّر. يشبه تمثيل المعارف عبر القواعد والخيارات بدايات الذكاء الاصطناعي في القرن الماضي. يُعرّف الذكاء الاصطناعي بأنه تعليم الآلة كيفية التفُكُّر مثل البشر، بما يتّسعُ له تعبير التفُكُّر من معانٍ تضُمُّ الإدراك، والفهم، والتعلّم، وحلّ المشكلاات، واتخّاذ القرارات، وفي مستويات طموحة أكثر، على المدى البعيد، الإبداع، والاستقلاالية7. لذا بطبيعة الحال، استلهمت بواكير الذكاء الاصطناعي قواعد التفكّر البشري المبسّطة بصيغتها الشرطية (If-Then)، البسيطة والفعّالة، مع قدرةٍ أسرع وأكثر سعة (Scale Larger) من قدرة البشر على معالجتها. ويشكّل مؤتمر دارتموث في سنة 1956 تعارف عليها تاريخيًا للذكاء الاصطناعي، بوصفه حقالًا الانطلااقة المُ علمًّيًا. فقد قدّم مجموعة من العلمء خلاال المؤتمر برنامج المُنظّر المنهجيّ(Theorist Logic)، الذي كان أوّلَ ما يكمنُ أن يُطلق عليه برنامج ذكاءٍ اصطناعيّ8. ونجح البرنامج في إثبات 38 برهانًا من أصل 52 في كتاب أصول الرياضيات (Mathematica Principia) لبرتراند راسل (1970-1827)، وألفريد وايتهيد (1947-1861، وقامت منهجيته على مجموعة من خوارزميات البرهنة الشكلية)9 Formal(Deduction)، والقواعد الشرطية التي يتبعها، وصولًا إلى الحل. واعتمد البرنامجُ على عدة أساليبَ للبرهنة الرياضية، وتعليمت خاصة في حال الفشل في الوصول إلى الإثبات، إضافة إلى القدرة على الاستفادة من قاعدة من الفرضيات، والبراهين الناجزة، لحلّ المع لاضت المتبقية10.
وتجدر الإشارة إلى أنّ العقدين اللااحقين حفلاا بالمنجزات، وارتفع الاستثمر في الذكاء الاصطناعي على نحوٍ كبير11. فقد رأت النور خلاال تلك الفترة "آلة الهندسة " (Machine Geometry)، من إصدار شركة "آي بي إم" (IBM) سنة 1959، وأول روبوت اصطناعي، وهو الذراع الآلية "يونيميت" (Unimate)، استُخدمَ للعمل في خطوط التجميع في شركة "جنرال موتورز" (Motors General) سنة 1962، وأول بوت دردشة من إصدار معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) سنة 1969. وابتُكرت لغةُ البرمجة "ليسب) LISP(" في سنة 1958، والتي صمُمت خصيصًا لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وغلبت على الصنعة لعقودٍ تلت12. وفي هذا السياق، ارتفعت التوقعات بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي بنحوٍ مُبالغ فيه. ففي سنة 1970، على سبيل المثال، صرّح مارفين مينسكي ((1927 Minsky) 2016-Marvin)، وهو أحد الآباء المؤسسين للذكاء الاصطناعي، أنّ ثثًا إلى ثماني سنوات تفصلُ البشرية عن الذكاء العام الاصطناعي Artificial(Intelligence General، أي ذلك الذكاء الاصطناعي القادر على القيام بالمهمت الإدراكية التامة التي)13يقومُ بها الأذكياء من البشر. بيد أنه خاب توقّع مينسكي، وفتر الاهتمم بالذكاء الاصطناعي، ضمن ما يُعرف في الأدبيات ب "شتاء الذكاء الاصطناعي الأول"، الذي استمر حتى ثمانينيات القرن الماضي14. واعتقد الباحثون حينها أن "قابلية التوسّع" (Scalability متوقفة على القدرات الحوسبية والذاكرة، أي زيادة التعليمت المكتوبة للبرامج.)15ومع مرور الزمن، تطوّر مفهوم الذكاء الاصطناعي من قواعد مصفوفات استنتاج منطقية، لمحاكاة "التفُكُّر الإحصائي" (Reasoning Statistical)، وعلوم الاحتملات (Reasoning Probabilistic)، التي بدأت تدخل عالم التأليل. فأصبح المطلوب إيجاد بُنى إدراكية تستطيع محاكاة الذكاء الإنساني الإحصائي والاحتملي، عبر التعرّض لمشاهدات (Observations) من المدخلاات (Inputs) والمخرجات (Outputs). وظهرت بذلك عدّة بُنى، منها "نموذج ماركوف المخفي" (Model Markov Hidden)، و"شبكة بايس" (Bayesian Network)، و"شجيرات الانحدار اللوجستي" (Trees Regression Logistic)، التي وفّرت تمثيالًا مكلّفًا وتقريبيّا للمقاربات الإحصائية. ثمّ ظهر مفهوم "الشبكات العصبية" (Networks Neural نموذجًا)17، تقريبًّيًا فعّ لًا في بعض التطبيقات والنطاقات من دون ضمن للصحة، وحظي باهتمم محدود في نطاق تطبيقات بدت مناسبةً له حينها، كمعالجة الصور والبصريات18. وتزايد الاهتمم بالمفهوم في سنة 1986،
مع نشر بحث "تعلم التمثيلاات عن طريق الانتشار العكسي للأخطاء" الذي قدّم تقنية "الانتشار العكسي" (Back-propagation. وأثبتت هذه التقنية قدرةً على تدريب الشبكات العصبية المتعدّدة الطبقات،)19كانت موضع شكٍ في السابق20. فتح هذا الكشف الباب لتقنيات "التعلّم العميق" (Learning Deep) في العقدين الماضيين21، لا سيّم مع تزايد قدرة الحواسيب على معالجة ملاايين العمليات بالتوازي زمنيًا، بفضل "وحدات معالجة الرسومات" (Units Processing Graphics). وشهدت الفترة اللااحقة تحسينات على تقنيات التعلّم العميق، إضافةً إلى التطوّر المُستمرّ في القدرة على المعالجة. وكان لظهور "البيانات الكبيرة) Big Data(" والمفتوحة المصدر (Source Open) أثرٌ مهم في تطوّر الحقل؛ فقد أتاحت تدريب الآلة على أحجام غير مسبوقة من البيانات. ونذكر في هذا السياق قاعدة بيانات "شبكة الصور" (ImageNet)، المؤلّفة من 14 مليون صورةً مُرمّزة22، والتي شكّلت فارقًا نوعًّيًا حينها. ساعد تضافر عدة عوامل على تمكّن البنى المعرفية من محاكاة الإدراك البشري في عدة مجالات وتطبيقات، وهي 1. توافر البيانات الضخمة، 2. غناها وتنوّعها، 3. تطوّر قدرات التخزين الرقمية لتتسع لهذه البيانات وتسترجعها بسرعة، 4. تطوّر القدرات الحسابية لمعالجة البيانات بسرعة وتكلفة معقولة، 5. تطوّر معايير نظريات المعلومات لقياس الفوارق بين البيانات، بما يعزّز قدرة البنى الإدراكية على التعلّم من بيانات مختلفة. وساعد تنوّعُ البيانات وضخامتها بنيَة الشبكات العصبية على تجاوز مشكلة "التخصص المفرط" (Overfitting الذي يحسّن أداءها في مجال البيانات التي تعرّضت لها، ويخفّضه)23في مجال البيانات الحديثة عليها؛ ما رفع من قدرتها على التعميم، مع الحاجة الدائمة إلى "تعزيز التعلّم") للحفاظ على أداء مناسب.Reinforcement Learning(لم يكن الانحياز في أدوات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة موضوعًا أساسًّيًا في النقاشات العامة كم هو الحال اليوم، بل كان يُعتقد أن "أتمتة صُنع القرار البشري" ستُلغي هذه الانحيازات. وفي هذا الصدد، يجادل أندرياس تسامسادوس وآخرون بعدم صواب هذا الرأي، ويرون أن الخوارزميات ستعكس بالضرورة قيم المُطوّر، حتى إن لم يتعمّد تضمينها في التصميم؛ فالخوارزميات ستتدرّب على بياناتٍ تعّبر
في بنيتها عن منظومة اجتمعية ممأسسة24. ويُضيف الباحثون أنه من الصعب تحديد هذه الانحيازات أو التنبؤ بها من خلاال مُعاينة المنتج النهائي؛ إذ يتطلّب الأمر الاطلااع على كيفية تطويرها25. وفي السنوات العشر الأخيرة، تلقّى الرأي العام والإعلاام تطورات الذكاء الاصطناعي باهتمم وإثارة بالَغيَن، مع توالي الإنجازات (والادعاءات) التي حقّقها الحقل؛ ومن أبرزها الجدل الذي أحدثه انتصار برنامج "ألفا غو" (AlphaGo) سنة 2016 على بطل العالم في لعبة "الغو"26، والانتقادات التي فنّدت مدى مساهمة الذكاء الاصطناعي في تحقيق الإنجاز27، مقابل استغلاال شركات التكنولوجيا الكبرى (Tech Big) للمفهوم دعائيًا28. وفي السنة التي تلتها، أصدر باحثون من شركة غوغل تقنية "المُحّولّات) Transformers(" بصفتها بنية معرفية تختزن معرفة العمليات التحويلية، مُحدثينَ بذلك خطوةً مهمة في المجال. وتفوّقت الهيكلية الجديدة على أسفِها في الأداء، بحيث سهّلت عملية المعالجة المتوازية للمُدخلاات عبر تقنية تركيز انتباه المحوّل (Attention)، مخفّضةً من العمق المطلوب للمعالجة بالتسلسل. وبرعت المُحّولّات في استخراج "علااقات الاعتمد البعيدة المدى" (Dependencies Long-range) بين عناصر المُدخلاات؛ ما جعلها أكثرَ كفاءةً في الترجمة مثال، ا لقدرتها على الاحتفاظ بالسياق29. وتبِعت ذلك فترة من تردّد الشركات الكبرى في طرح النمذج الضخمة التي بنتها، بل سحبها، تخوّفًا من خلل بنيوي فيها يجعلها تقدّم مخرجات خاطئة، وإن كانت مُقنعةً لغويّا وبنيويّا30. واغتنمت شركة الذكاء الاصطناعي الأميركية "أوبن إي آي" (AI Open) الفرصة سنة 2022، وتقدّمت على الآخرين بإطلااقها للعموم تطبيق المحادث الآلي "تشات جي بي تي" (ChatGPT)، بناءً على نموذج "المحول التوليدي مُسبق التدريب 3 ". شكّل اختبار النموذج صدمةً إيجابية آنذاك، نظرًا إلى ما قدّمه من إمكاناتٍ لم يسبق للمستخدمين تجربتها في الكتابة والتأليف واسترجاع النصوص وتحويلها في شتّى
المجالات31. ومُذّاك، انطلق سباق صناعي بين شركات التكنولوجيا الكبرى لإصدار نماذج لغوية ضخمة ومتنوعة الوسائط، لتشمل الصور، والفيديوهات، والأصوات، ولإقحام علاامات استخدام هذه النمذج في منتجاتها. فتميّز هذا الحقل بتسارعٍ غير مسبوق وتوسعٍ في الاستثمر، ونمت قاعدة مستخدميه بسرعةٍ هائلة. لنجد أنّ هذه النمذج بدأت تدخل نطاق الاستخدامات اليومية، من العمل والترويج إلى الدراسة والترفيه. وهذا، على الرغم من الكثير من الأخطاء والهلوسات التي تعتري أداء هذه النمذج، والتساؤلات عن جاهزيتها للااستخدام العام، والتجاوزات الأخلااقية والحقوقية المتعلقة باحترام الشركات لحقوق منتجي البيانات ومستخدمي النمذج في آن. وبهذا، تجدُ المجتمعات والحكوماتُ المسؤولة عنها اليوم نفسها أمام أسئلة كثيرة بشأن مخاطر هذا الإقحام، وكيفية إدارته، وماهية السياسات العامّة المتّبعة، وتلك التي ستُتبع إزاء التطورات المتلااحقة. وقد أثارت الخاصية التوليدية لهذه النمذج مجموعةً أخرى من الأسئلة والتحديات في المجتمعات غير المنخرطة مباشرةً في إنتاجها، خاصة فيم يتعلق ببناء قاعدة المعرفة الخاصة بالمستقبل، في غياب أيّ تمثيلٍ للكثير من ثقافات هذه المجتمعات ودولها. فلم تعد موضوعات الانحيازات المعرفية والثقافية مسألة هامشية كم في السابق، خاصةً مع تزايد نطاق المهمت التي بدأت تنوب البشر في القيام بها. ويُظهر الشكل (1) إجابة نموذج "غروك "3 (3 Grok) عن التعليمة التالية:
الشكل (1) الانحيازات المعرفية والثقافية في نموذج "غروك "3
"اكتب قصة من خمسة أسطر عن شجاعة جندي في المعركة. حدد المكان، وشكل الجندي وعرقه، والزمان. اختر معركةً جرت في الحقيقة".
اختار النموذج كم يتضّح في الإجابة الحديث عن مواطنٍ أوروبي حارب في معركةٍ أوروبية. وتطلّبَ الأمر ثلااث محاولاتٍ للحصول على شخصية غير بيضاء، وأربع محاولات حتى نجحَ النموذج في توليد قصةٍ تدور أحداثها في سياقٍ غير غربي، أي خارج نطاق الولايات المتحدة وأوروبا32. وفي الشكل (2)، قمنا بتجربة التعليمة التالية مع أكثر من نموذجٍ من نماذج "تشات جي بي تي":
الشكل (2) الانحيازات المعرفية والثقافية في نماذج "تشات جي بي تي"
"ولّد عشر جملٍ تتألف من فعل + فاعل + تتمة، وتتعلّق كل جملة منها بمهنة من المهن المعروفة. واحرص على تضمين بعض المهن المرتبطة بالقيادة والمجال الصحي والسياسي"
لم يولّد النموذج جملةً واحدة كان فيها الفاعل أنثى، على الرغم من تكرار المحاولة أربع مراتٍ متتالية33. ويعكس المثالان السابقان كيف أنّ الانحيازات المتأصّلة في اللغة تشقّ طريقها إلى المنتج المعرفي، الذي بدأ مسبقًا يستبدل النشاط الإنساني في أكثر من اختصاص. وليست الأنماط الاجتمعية لمنتجي محتوى لغة التدريب المتغير الوحيد في المعادلة؛ إذ تعكس النمذج اليوم، علااوةً على البنى الاجتمعية للدول المُطِوِّرة، المصالح السياسية الخارجية والداخلية لهذه الدول، وفي مقدمتها الصين والولايات المتحدة. فضالًا عن انحياز النمذج هذه الذائع في قضايا تحُرُّرية كقضية فلسطين، وتميّز الأجوبة من تلك في قضايا مشابهة، كالحق في الدفاع عن النفس في حالة أوكرانيا.
ثانيًا: سباق الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين
تتأثر مخرجات النمذج اللغوية الضخمة، ومن ثمّ معارف المستقبل، بأساليب الحكامة التي تعتمدها هذه النمذج، وهي بدورها تتأثر بطبيعة الأنظمة الصناعية والسياسية والثقافية التي تنتجها. ومن ثمّ، تمتلكُ قلّة من النخبة النفوذ على معارف المستقبل، عبر تحديدها منظومة قيم حكامة النمذج بما يخدمُ مصالحها، وتقوم
بذلك في ظل رقابة هشة وحكامة غير فعالة مع غياب التشريعات الضرورية، ومع استغناء أغلبها مؤخرًا عن فرق أخلااقيات البحوث في مؤسساتها البحثية34.
نسبر فيم يلي سياق التسابق الجيوسياسي حول الذكاء الاصطناعي، مم قد يفيدُ في تجلية سُبلِ المجتمعات الأضعف تمثيالًا من نواحي توافر البيانات والحضور اللغوي والثقافي، إلى التأثير في الإنتاج، واستبانة مقدرتها على الاستهلااك الواعي والسليم لهذه المنتجات. تسيطر الولايات المتحدة والصين على المشهد العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي اليوم، ويُعتبر الحقل محورًا رئيسًا في التنافس الجيوسياسي الدائر بين الدولتين35. وتشير أداةُ "حيوية الذكاء الاصطناعي العالمية Global(" Tool Vibrancy AI)، التي تقيس 42 مؤشرًا مختلفًا36، إلى تفوّق الولايات المتحدة على الصين بهامشٍ عريض وفق بيانات سنة 2023، مع احتلاال الأخيرة للمرتبة الثانية عالميًا. فالولايات المتحدة تتصدّر في عدد النمذج (61 في سنة 2023)، على سبيل المثال، في حين تستحوذ الصين على النسبة الأكبر من براءات الاختراع (61.1 في المئة من مجمل عددها عالميًا)37. وتنتج الصين والولايات المتحدة معًا نحو 43 في المئة من المنشورات العلمية في الذكاء الاصطناعي، وتمتلكان قرابة مئتي ألف عالم متخصّص، متوزعين بنسب متقاربة بين البلدين38. وقد تطبّعت حكامة الذكاء الاصطناعي ونماذج تطويره بالمسار التاريخيّ الذي اتبعته كل دولة على حدة، وبخصائص النظامين السياسيين بطبيعة الحال. وهكذا نجد القطاع الخاص يقود تطوير الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة؛ وقد بلغت الاستثمرات في سنة 2023 وحدها 8.7 أضعاف ما اجتذبته الشركات الصينية39، في حين بلغ الإنفاق الفدرالي 3.3 مليارات دولار على العقود والمنح الخاصة بالذكاء الاصطناعي40، وفق بيانات سنة
202341. وتمتلك الولايات المتحدة من جهة أخرى ميزةً نسبية في صناعة أشباه الموّصلّاات42، وتسيطر على نحو نصفِ السوق العالمية لهذه المنتجات، وتستحوذ إلى جانب بعض الدول القليلة في جنوب شرق آسيا على صناعة الرقائق وإنتاج الآلات التي تُصنّع هذه الرقائق، وهو ما يمنحُها القدرة على تعطيل خطوط الإمداد، من ثمّ عرقلة منافسيها، بحكم حاجة منتجات الذكاء الاصطناعي إلى قوة حوسبة عالية43. وقد استفادت الولايات المتحدة من البنية التحتية والموارد البشرية التي لديها، وراكمت عبر العقود الماضية سلسلةً من الاختراقات العلمية في مجال الذكاء الاصطناعي.
ومع تزايد الاهتممات الأمنية في القطاع، أخذت الإدارة في الولايات المتحدة مسارًا تدخليًا مع إعلاان رؤيتها الاستراتيجية لتطوير الذكاء الاصطناعي، وإصدار البيت الأبيض مذكّرةً شاملة بهذا الشأن في تشرين الأول/ أكتوبر 2024. وأشارت المذكّرة إلى أن معظم التطورات الأخيرة الحاصلة في الحقل أُنجزت بعيدًا عن إشراف الحكومة، وأن الموارد حاليًا متركّزة في القطاع الخاص. لكنّ الأهم في هذا السياق هو أنها أشارت في موضعٍ آخر إلى ضرورة عدم الركون إلى آليات السوق فحسب، وضرورة دعم القطاع الخاص وتقويته للحفاظ على ريادة الولايات المتحدة. كم نصّت على المجتمع الأكاديمي والمجتمع المدني باعتبارهم شريكين في تحقيق التفوق الأميركي، وطلبت في بنودها عدّة إجراءات لدعم السوق، منها تقييم تنافسية القطاع الخاص الأميركي في غضون ستة أشهر، وجمع بيانات موثوقة عن وضع المواهب في مجال الذكاء الاصطناعي في السوق الأميركية وفي الخارج، وتسهيل إجراءات استقدامهم، إضافةً إلى عددٍ من الإجراءات الأخرى المطلوب تبنّيها على مستوى الإدارات الحكومية44. وقد وصف تقرير لجنة الأمن القومي الصادر عن الكونغرس هذه المقاربة بالهجينة، وأكّد أنّ الولايات المتحدة لا ينبغي لها أن تتخّلى عن ثقافتها في الابتكار، وأنّ على الجامعات والقطاع الخاص أن يظّلا رأس الحربة في قيادة تطوير الذكاء الصناعي. بيد أنه يجب على الحكومة في الآن ذاته أن تقدّم الدعم، على اعتبار أنّ الشركات الخاصة لن يكون في مقدورها، مهم كان حجمها، ضخّ الاستثمرات بقدرة الصين نفسها45. اتخذت الولايات المتحدة العديد من الإجراءات، مدفوعةً بمخاوفها من هيمنة الصين على السباق؛ ما جعلها تسعى جاهدةً لتقييد قدرة الصين على الوصول إلى الرقائق الإلكترونية. ففي أواخر سنة 2022، فرضت الولايات المتحدة مجموعةً من القيود المشدّدة على تصدير الرقائق الإلكترونية المتطورة والمعدات
المستخدمة في تصنيعها إلى الصين46. وفي بداية سنة 2025، أي قبل نهاية الولاية الرئاسية بفترة قصيرة جدًا، شدّدت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن مرة أخرى القيود على تصدير الرقائق، وأصدرت نظامًا يُصنّف الدول إلى مجموعات وفق حقوق الاستيراد47. وسمحت هذه الإجراءات والسياسات الجديدة للشركات بالتخفّف من القيود الأخلااقية والبيئية للتسريع من إنتاجها ومن أجل استعادة المصانع إلى داخل الولايات المتحدة. كم لم تقتصر القيود على منع بيع التقنيات المتطورة للصين ودول الجوار، بل طلبت الحكومة الأميركية قضائيّا من منصّة "تيكتوك" (TikTok) الصينية الرائدة في مجال وسائط التواصل الاجتمعي والذكاء الاصطناعي، بيع نفسها لمستثمر أميركي، وإلا فسيكون مصيرها الإقفال. وعلى الرغم من هذه القيود، نجد شركة مثل "انفيديا" (Nvidia) تطلق مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي لتشجع الدول على شراء منتجاتها، وبناء محركاتها الخاصة للذكاء الاصطناعي، فيم يشبه "الفخّ السيادي"48، حيث تتعارض مصالح الشركات الكبرى لبيع منتجاتها مع سياسات الدولة التي تتطلع إلى التفوق في المجال وحظر تقدّم الآخرين. وهو ما يعزّز المقترح باعتبار شركات التكنولوجيا الكبرى سيادية فقط بالاسم فيم يخص الذكاء الاصطناعي (Sovereign.Quasi)49لم تنفع هذه القيود كثيرًا، فقد تسبّب إطلااق نموذج (R1 Deepseek) الصيني، في كانون الثاني/ يناير 2025، والذي تمكّن من منافسة أفضل النمذج اللغوية الغربية في الأداء، وبتكلفة أقلّ كثيرًا، وعلى الرغم من الحظر التقني، بصدمة كبيرة في سوق الأسهم الرقمية. وتسبّب هذا الإعلاان في تراجع مباشر لأسهم الشركات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي عمومًا، وانخفاض أسهم شركة انفيديا خاصة، وهي الشركة المُصنّعة للرقائق الإلكترونية، بنسبة.14.4 في المئة50وبذلك تكون الصين قد نجحت في مواكبة الولايات المتحدة في حقل الذكاء التوليدي، على الرغم من تخلّفها عنها في البداية. ولم تكن هذه المرة الأولى التي تنجح الصين فيها في سدّ الفجوة التنافسية بعد تأخرها؛ فحتى دخولها إلى حقل الذكاء الاصطناعي ككلّ كان تاريخيّا بطيئًا في ريعانه. ففي حين شهدت الخمسينيات من القرن الماضي انطلااقة الذكاء الاصطناعي حقالًا علمًّيًا في الولايات المتحدة، كان يُنظر إليه في الصين آنذاك بوصفه علمًا زائفًا، وشكالًا من أشكال "التحريف" (Revisionism). واستمر الأمر كذلك حتى أواخر
السبعينيات، والتي يكمن اعتبارها مرحلة التأسيس. ثمّ تسارع التطور لاحقًا بوتيرة عالية بالاستفادة من تدفق الرساميل والدعم الحكوميّ، وتمكّنت البلااد من تحقيق قفزات مهمة في مجالات الحوسبة البصرية، والتعرف إلى الكلاام، ومعالجة اللغات الطبيعية51. وبذلك تقدمت الصين سريعًا إلى المركز الثاني عالميّا. ويشير في هذا الصدد كاي فو لي، وهو رجل أعمل تايواني مقيم في بيجين، ومن أهم شخصيات الذكاء الاصطناعي في "جونغوانسون"، النظير الصيني لوادي السيليكون، إلى أنّ إطلااق برنامج "ألفا غو" منتصف تسعينيات القرن العشرين شكّل لحظةً فارقةً، ألهبت اهتمم الصينيين بالذكاء الاصطناعي، واصفًا إياها ب "لحظة سبوتنيك"، في إشارة إلى إطلااق السوفيات لقمر سبوتنيك 1- سنة 1957؛ ما ألهب حفيظة الأميركيين، وتسبّب في إطلااق سباق الفضاء بين القوتين52. ويؤكد كاي فو لي أهمية الدور الحكومي الصيني في تطوير الذكاء الاصطناعي، على اعتبار الثقافة الصينية تتّسم بالمطاوعة واحترام السلطة، سواء كانت سلطة الدولة، أو المدير، أو الأب. وتنعكس هذه الثقافة في دينامية العمل الإبداعي سلبيّا وإيجابيّا؛ فأُيُّ جديدٍ يقبع موضع الشك حتى يحظى بمباركة السلطات. وهو ما يثبّط النشاط الإبداعيّ. ولكن في المقابل، في مقدور هذه السلطات إذا ما أشارت بيدها نحو أيّ جديد، أن تستنفرَ المجتمع بكلّ ملكاته ليعمل فيه53. وهكذا نجد أنّ الحكومة الصينية ألقت بثقلها خلف الذكاء الاصطناعي منذ سنة 2017، وهي مُذّاك، تامرس دعمها بأشكال عدّة تشمل الاستثمر الحكوميّ في بحوث الذكاء الاصطناعي، والعقود الحكومية، والشراكات بين القطاَعيَن العام والخاص، إضافةً إلى تشجيع الحكومات المحلية على التنافس فيم بينها لجذب المواهب؛ وكل ذلك في إطار خطتها المعلنة لتنمية القطاع54. ويظهر تباين النموذج الصيني مع النموذج الأميركي بجلااء لدى مقارنة أحجام الدعم الحكومي بين البلدين؛ إذ خصصت حكومة شنغهاي وحدها، على سبيل المثال، 14.6 مليار دولار لمشاريع في هذا القطاع في سنة 2018، في حين تظهر الإحصاءات أنّ البلااد جمعت حتى سنة 2022، ما يساوي 940 مليار دولار موزّعة على 2107 صناديق توجيه حكومي55، تراوح حصة القطاع العام في كلٍ من هذه الصناديق بين 20 و 30 في المئة56، وتعدّ إحدى أهم وسائل ضخّ الأموال لدعم قطاع الذكاء الاصطناعي.
يصدر من تشريعات حكامة للذكاء الاصطناعي في الصين:
منمّقة تُعبّ عن وجهة نظر مضادة.
مثارَ اهتمم تلتقي فيه الصين مع نظرائها في الغرب.
السباق لصالح المنافسين57. وتجدر الإشارة إلى أنّ بنية النمذج اللغوية الصينية تتأثّر بأجندة الحزب الشيوعي الحاكم، نظرًا إلى النفوذ الحكومي الواسع النطاق. ويشير مات شيهان في هذا الصدد إلى ثلااثة دوافع تحدد طبيعة ما
التحكم في تدفق المعلومات، لضمن استقرار النظاميَن السياسي والاقتصادي. فعلى سبيل المثال، ذكر تقريرٌ أواخر سنة 2024 أنّ السلطات الصينية باشرت مراجعة النمذج اللغوية الكبيرة لضمن اتساقها مع "القيم الاشتراكية الأساسية"؛ وذلك عبر طرح أسئلة عليها ذات طابع سياسيّ حساس58. ويظهر الشكل (3) على سبيل المثال كيف يتهرب نموذج ديب سيك في 3 من الإجابة عن التعليمة، التي تشير إلى احتجاجات تيانانمين الشهيرة في الصين، من دون أن يُقدّم حتى إجابة
الشكل (3) مثال لتهرّب نموذج "ديب سيك في "3 من الإجابة عن تعليمة
التعامل مع التبعات الاجتمعية والاقتصادية والأخلااقية للذكاء الاصطناعي. وتعتبر هذه النقاط
تستهدف الصين ريادة العالم في الذكاء الاصطناعي بغضون سنة 2030؛ ما يُثير نقاشات بشأن كيفية تحقيق التوازن مع الدافع الأول المتعلّق بالسيطرة على تدفّق المعلومات، من دون خسارة
وفي المقابل، لا تتدخّل حكومة الولايات المتحدة في بنية النمذج اللغوية مباشرةً، وإنما وفق دينامية مختلفة. فوادي السيليكون في الولايات المتحدة له علااقات وثيقة بالبنتاغون، يعود الفضل فيها إلى عقود من الاستثمر الحكوميّ في البحث والتطوير، وخاصةً خلاال الحرب الباردة. وعلى الرغم من مرور هذه العلااقة بتقلّباتٍ وتراجع اهتمم وادي السيليكون بالعقود الحكومية بعد تسعينيات القرن العشرين، فإنّ الروابط بين القطاع العسكري
ووادي السيليكون ما تزال قائمة. وعلااوةً على ذلك، تنخرط الشركات بنفسها في السياسة59، وتجد نفسها مُطالبة باتخاذ مواقف علنية بشأن القضايا السياسية والاجتمعية، كالهجرة، وما يتعلق بالحقوق الفردية والتقدمية. وتشير الأرقام إلى أن 64 في المئة من المستهلكين عالميًا يختارون الشراء من العلاامات التجارية التي تنسجم مع مواقفهم60. وتظهر النمذج الأميركية والغربية تنوع الطيف الأيديولوجي61، بفعل أسلوب حكامتها كم سلف، في حين تتنوّع تمظهرات التأثير، فتكون في صورة "الامتناع عن الإجابة" (Non-response)، خاصة في القضايا العرقية، أو من خلاال الانحيازات التي يرثها النموذج من حزم البيانات التي تدرّب عليها62. وعلااوةً على الانحيازات في التدريب، تظهر الانحيازات أيضًا نتيجةً للتصميم، بغضّ النظر عن بيانات التدريب63. في المحصّلة، أفضى هذا التنافس إلى حالة من الردع المُتبادل، على غرار عقيدة الردع النووية، تمنع من خلاالها كل دولةٍ منهم الأخرى من احتكار تطوير "الذكاء الاصطناعي الفائق" (Superintelligence Artificial)، نظرًا إلى امتلااك الطرفين القدرة على استهداف الآخر عبر التجسس، أو الاختراق، أو التخريب، أو الهجمت السيبرانية. ويوصي باحثون بتثبيت استقرار هذه المعادلة عبر إيجاد درجات محددة من التصعيد يكمن أن تسلكها الدول بهدف الردع، إضافةً إلى بناء مراكز البيانات في مناطق بعيدة عن التجمعات البشرية، واتباع الشفافية في التواصل، وتطوير القدرات السيبرانية، والتفتيش، وغيره64. وفي المقابل، ليس لدى الدول ضعيفة التمثيل بياناتيّا الإمكانيات للمشاركة في بناء قدرات على هذا النطاق. فاحتكار هذه القدرات، مع تنامي دور النمذج اللغوية الضخمة في المهمت والأعمل اليومية، يشكل خطرًا على تحوّل المجتمعات الأضعف تمثيالًا إلى مجرد مستهلك معرفي. ويُحتّم ذلك ضرورة المشاركة الفعالة في صياغة معارف النمذج، التي تتأثر بنيتها بأجندات المطورين، وبالرؤى المُهيمنة، والمتأصلة في بيانات الإنترنت. وعلى الصعيد الاقتصاديّ، من شأن التطبيقات المتنوّعة لهذه النمذج في سوق العمل أن تخلق فجوة تنافسية في وجه من لا ينتمي إلى الثقافة الإنكليزية أو الصينية أو اللغات والثقافات الأخرى الممثّلة تمثيالًا أقوى. ولعلّ مم يزيد الأزمة تعقيدًا، هي مشكلة تنوّع التحديات للغات المختلفة؛ ما يجعل من الصعب الاستفادة من تأثير "الراكب المجاني" (Rider Free)، ويحتّم اتخاذ قرارات بهذا الشأن الذي لا يحتمل الإهمل. ويكمن الخطر هنا في استمرار المجتمعات المتمرّسة في إنتاج المعرفة على إنتاجيتها، وابتعاد المجتمعات الأقل تمرّسًا في الإنتاج والأكثر حداثةً في الاستهلااك عن الإنتاج، كم تؤشر مقارنة نتائج استخدام النمذج التوليدية بين جاليات تستخدم منصات "رديت" (Reddit)، و"صبستاك" (.Substack)65
ثالثًا: تمثيل اللغات المختلفة يف النمذج اللغوية
يفّسر "قانون قابلية التوسّع" (Law Scalability)، كم تبُرزه بحوث شركة "أوبن إي آي"، لاحتساب أداء النمذج اللغوية العلااقة الدالية التناسبية التي تربط تحسن أداء النموذج من جهة، بازدياد عوامل حجم النموذج وكمية البيانات التي تدرّب عليها، والقوة الحاسوبية من جهة أخرى66. ولاحقًا في السنة نفسها، قدّمت الشركة نموذج "جي بي تي"3- (GPT-3) الذي كان مصداقًا لتطوّر الأداء، مع زيادة حجم النموذج، وسعة البيانات، والقوة الحاسوبية المستخدمة67. وتوالت النمذج الأكبر والأكثر كفاءةً كم يُبين الشكل (4)68، وطفت بصورة واضحة إشكالية تفاوت البصمة الرقمية لمُختلف اللغات. وبحكم حاجة النمذج المُتنامية إلى المزيد من البيانات لأغراض التدريب، توقّع مطورو "جي بي تي 3-" أن يكون الانحياز في بيانات التدريب محلّ جهدٍ بحثيّ مُستمر في المستقبل69. وبناءً عليه، من البداهة أن يكون للغات ذات الموارد اللغوية الرقمية حضور لغوي وثقافي أقل في النمذج المتلااحقة.
الشكل (4) تطور برامج محادثة الذكاء الاصطناعي (2025-2020)
تركز تقنيات معالجة اللغات الطبيعية على مجموعة محدودة من اللغات، تبرز من بينها على نحو خاص اللغة الإنكليزية70. وعلى الرغم من الأداء المُبهر للنمذج اللغوية الكبيرة في فهم اللغة وإنتاجها عمومًا، فإنّها تعتمد على نقل المعارف التي تتعلمها من اللغات الغنية بالمصادر إلى تلك الفقيرة بالمصادر (Learning Transfer). وإذ تتعلم هذه النمذج بيانات كل لغة بصفة مستقلّة، فإنها تتعلم أيضًا الترجمة بينها، وتنتقل بذلك ثقافات اللغات الأقوى تمثيالًا إلى اللغات الأخرى، بوصفها معارف جيدة الصياغة.
ثمّ إنّ من التحديات التي تواجهها النمذج المتعددة اللغات أيضًا، مشكلة تشرذم ملكية البيانات الفكرية بين جهات مختلفة؛ ما يفاقم من صعوبة جمعها للااستفادة منها في نموذج واحد. فعلى سبيل المثال، قد تمتلك شركة مُعيّنة قاعدة بيانات ذات جودة عالية في اللغة العربية، في حين تملك شركةٌ أخرى قاعدة بيانات ذات جودة عالية في لغةٍ مختلفة، ما يحول دون إنتاج نموذج شامل، ويزيد تكاليف التطوير على الشركتين معًا، نظرًا إلى حاجتهم إلى تحديث النمذج وتدريبها على نحوٍ مستمرّ لسدّ هذه الفجوة؛ ما يجعلها علااوةً على التكاليف العالية والضائعة، مُعرّضةً لمغبّة نسيان النموذج للمعارف العامة التي تعلّمها سابقًا، مع تكرار عملية التحديث71.
وتتسم حزم بيانات التدريب المتعددة اللغات بصغر الحجم، مُقارنةً بحزم البيانات في اللغة الإنكليزية. ويُبين الشكل (5) كيف أنّ أربع حُزمٍ فقط ترزح في فئة "التيرابايتات" (Terabytes) (كل "تيرابايت" تساوي 1024 غيغابايت Gigabyte). وعلااوةً على ذلك، تستقي اللغات ذات المصادر القليلة أو المتوسطة من دائرة محدودة في العدد، كويكيبيديا، والكتاب المقدس، و"كامن كراول" (Crawl.Common)72
الشكل (5) حزم البيانات المتعددة اللغات الأشهر (بالغيغابايت)
وبالنظر إلى حزمة بيانات كامن كراول، التي تُعدّ أكبر حزمة بيانات "مُجرّفة من الإنترنت" (Web Scraped)، وتُعدّ من المصادر الأساسية التي تعتمد عليها النمذج اللغوية الكبيرة في التدريب73، وكانت المصدر الرئيس الذي استخدمته "أوبن أي آي"74 في تدريب نموذج "جي بي تي 3-، سنجد أنه إذا "75حاولنا تمثيل توزع اللغات في هذه الحزمة منذ سنة 2018 وإلى اليوم، كم في الشكل76 (6)، سيظهر لدينا منحنى لوغاريتمي مُلتوٍ، يمثّل محور السينات فيه تعداد اللغات من 1 إلى 101 (10)، من ثم إلى 102 (100)، في حين يعرض محور الصادات التراكم المئوي لتمثيل اللغات. وكم هو متوقع، تتجمّعُ معظم اللغات في الجهة اليمنى، حيث تكون نسب المساهمة ضئيلة، في حين تظهر بضع لغات فقط ناحية اليسار وتساهم في معظم البيانات قبل أن تتضاءل هذه المساهمة، ويُصبح مسار المُنحنى مُسطّحًا. وفي الإصدار الأخير من كامن كراول (CC-MAIN-2025-08)، كانت اللغة الإنكليزية وحدها الأرجح77ل 43.3 في المئة من محتوى صفحات الإنترنت المُجرّفة، وتليها الروسية بواقع.6 في المئة فقط78
الشكل (6) التوزيع التراكمي للغات (بالنسبة المئوية)
ولا يتوقف الأمر على تعدد اللغات، بل يتجاوزه إلى تعدد اللهجات؛ إذ خلصت دراسة إلى أن أداء عدد من النمذج اللغوية (Claude-3.5-Sonnet GPT-4o, GPT-o1,) انخفض بمتوسط 10 في المئة عند تلقينها باستخدام لهجة "الإيبونكس" (English Vernacular African-American)، وهي لهجة الأميركيين من أصلٍ أفريقي، مُقارنةً بأدائها عند تلقينها "الإنكليزية القياسية " (English Standard. ويذكر الباحثون)79في الدراسة عدّة أسباب متفاوتة التأثير لانخفاض الأداء، يمكن أن تنسحب على اللغات الأخرى؛ إذ أدّت صعوبة فهم اللهجة ومعالجتها دورًا في تراجع الأداء بحسب نتائج الدراسة. كم وجدوا أن التطعيم التدريجي للإنكليزية القياسية بالقواعد التركيبية الصرفية للهجة الإيبونكس يؤثر في أداء النمذج بصفة ملحوظة. إضافةً إلى ذلك، تبّين أنّ بعض الكلمت، التي لا تنفرد بها لهجة الإيبونكس، ارتبطت بتراجع أداء النموذج، بسبب أسلوب توظيفها في الجمل؛ وهو ما لا تحكمه قواعد معينة يسهل تلقينها للنموذج80. ومن الجوانب التي لا يُلتفت إليها عادةً أيضًا، التكلفة الكبيرة المرتبطة بمعالجة المدخلاات بالنسبة إلى اللغات ضعيفة التمثيل81، خاصة ذات الأحرف غير اللااتينية، مثل العربية والفارسية. وهو ما قد يدفع النموذج إلى ارتكاب الأخطاء القواعدية، أو توليد كلمتٍ عشوائية، وتضمين كلمت أجنبية في الإجابات، كم يظهر في الشكل (7) على سبيل المثال؛ إذ نجد النموذج قد فشل في توليد الإجابة كاملة باللغة العربية، فأورد خطأ كلمة صينية محل كلمة أخرى عربية.
الشكل (7) مثال عن ارتكاب نموذج الذكاء الاصطناعي أخطاءً قواعدية أو توليده كلمتٍ عشوائية
يمتلك هذا النوع من اللغات تصريفات متنوعة للكلمة الواحدة. ونظرًا إلى أن النموذج لا يمتلك مقابلاات في قائمة مفرداته لكل هذه التنويعات، يقوم بتجزيء الكلمت إلى وحدات أصغر (Tokenization) في محاولةٍ
لفهمها عبر فهم أجزائها. ويستعرض الجدول (1 قائمة ببعض اللغات ومتوسط عدد الترميزات أو الأقسام)82Tokens() التي تقابل الكلمة الواحدة لكل منها مُقارنةً بالإنكليزية83. وينعكس ارتفاع التقسيمت على معدل استخدام الذاكرة المطلوب، وحجم النصوص التي يكمن تمريرُها إلى النموذج. فإذا كانت الكلمت في اللغة الأوكرانية تقسّم إلى ثلااثة أقسام، فإنها تحتاج 3*3؛ أي 9 أضعاف الطاقة الحاسوبية اللاازمة للمعالجة84. الجدول (1) متوسط عدد الترميزات في بعض اللغات التي تقابل الكلمة الواحدة لكٍّلٍ منها مُقارنةً بالإنكليزية
| اللغة | عدد التقسيمت |
|---|---|
| الأمهرية | 7.68 |
| الفرنسية | 1.6 |
| الألمانية | 1.58 |
| الهندية | 4.79 |
| العربية النجدية | 3.04 |
| الروسية | 2.49 |
| الأوكرانية | 3 |
وقد اتجهت الكثير من الدول، على الرغم من الصعوبات اللوجستية والتقنية الآنفة الذكر، إلى بناء "نماذج لغوية ضخمة سيادية" (LLMs Sovereign) خاصة بها، باستخدام بنيتها التحتية والبيانات التي تمتلكها. ولا تقتصر جدوى بناء النمذج السيادية على حمية اللغة والثقافة، وإنما تجد الدول اليوم أنها تحتاجها لضمن الاستفادة من تطورات الذكاء الاصطناعي في احتياجاتها الأمنية، أو في المجالات التي تتطلب الوصول إلى بيانات ذات طابع حساس. فالشركات الكبرى، التي تزوّد المستخدم بالنمذج الضخمة، تحصل على بيانات المستخدم عندما يتفاعل مع خوادمها وواجهاتها البرمجية. كم أن امتلااك السيادة على النمذج اللغوية يقي الدول من مغبّات الاعتمد على الخارج85 في حالات التوترات الجيوسياسية أو العقوبات الاقتصادية أو المشكلاات التقنية وغيرها، مم قد يُعطّل الخدمات.
ويُعدّ نموذج "فالكون 40 بي" (40B Falcon) الذي جرى إطلااقه في آذار/ مارس 2023 في الإمارات العربية المتحدة من التجارب العربية الرائدة في هذا السياق، ومن المساهمت المهمة عالميّا نظرًا إلى إتاحة النسخة مفتوحة المصدر منه بعد إطلااقه بفترة قصيرة86. كذلك عربيّا، يتميّز نموذج "عّلما" السعودي بقدرته على توليد المحتوى باللغة العربية. ويتميّز نموذج "فنار" الذي أطلقته دولة قطر مؤخرًا، بقدرته على الفهم العميق للغة العربية بلهجاتها المختلفة ومصطلحاتها الثقافية.
أما عالميًا، فتوجد الكثير من الأمثلة البارزة، نذكر منها نموذج "جيغاشات" (GigaChat) الذي أطلقته روسيا سنة 2023، وجرى التسويق له بصفته "تشات جي بي تي" الروسي، والذي يختص بحسب الشركة المالكة بالقدرة على فهم اللغة الروسية وتوليدها أفضل من أيّ نموذج آخر آنذاك87. كذلك يكمن الإشارة إلى نموذج "بروجيكت إندست" (Indust Project)، المخصص للغة الهندية (يشمل 37 لهجة من لهجاتها)، والذي نجح مطوروه في تصميمه بتكلفة 400 ألف دولار فقط، في حين تنفق ملاايين الدولارات عادةً على تطوير نماذج ممثلة88.
رابعًا: السيناريوهات المستقبلية المحتملة لوضعية اللغات وإنتاج المعرفة العالمية
يكمن أن تسلك النمذج اللغوية مسارات متعددة في نطاق السنوات المقبلة. وتحكم الكثير من "المجاهيل" (Unknowns) القدرة على التنبّؤ بشكل هذه المسارات. فمن جهة، تعتمد النمذج على التطور المستمر في طاقة المعالجة الحاسوبية. وقد صرّح في هذا الصدد جين -سون هوانغ، المدير التنفيذي لشركة "إنفيديا" أواخر السنة الماضية، أنّ الأداء الحاسوبي قد يتضاعف مرتين أو ثلااث مرات في السنوات العشر المقبلة89. وفي المقابل، كثيرًا ما تُثار تساؤلات بشأن قرب وصول تطوير المعالجات إلى حدودها أو تباطئها90. ومن جهةٍ أُخرى، يشكك بعضهم في استمرارية تطور أداء النمذج اللغوية الكبيرة باستخدام المقاربات المتبعة حاليّا في التطوير. ويشير أحد أبرز الخبراء في هذا المجال، غاري ماركوس، إلى أنّ عوائد زيادة حجم النمذج والبيانات على أدائها بدأت تنخفض بالفعل، وأن النمذج اللغوية لن تصل إلى مستوى الذكاء الاصطناعي العام بمجرد ضخّ المزيد من الطاقة الحاسوبية والبيانات، محذرًا من أن هذه الصناعة لم تصل بعد إلى مستوى الربحية،
وقد لا تصل إليه قريبًا، بسبب التكاليف العالية جدًا في الطرائق المتبعة حاليًا لمواكبة السباق؛ ولذلك يتوقع أن ينسحب المستثمرون عند انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي، وإدراك الناس "لهذه الحقيقة"91. وتعدّ إشكالية محدودية بيانات التدريب، على ضخامتها، عامالًا آخر يحدّد مستقبل هذه النمذج. وقد خلصت دراسة لمؤسسة "إيبوك إي آي" (AI Epoch) إلى أن حجم ما يتوافر حاليًا من بيانات يساوي 300 مليار تقسيم (أي كلمة أو جزء من كلمة) مم ولّده البشر ويعتبر مُتاحًا للعامة. وبناءً عليه، يُقدّر الباحثون أن تستنزف النمذج هذه الكميات بين سنتي 2026 و 2032، مع احتمل للتكرار المعرفي في البيانات المتبقية92. وتُطرح "البيانات المُصطنعة " (Data Synthetic)، بوصفها مصدرًا مُحتمالًا للتدريب، وهي البيانات التي تولّدها النمذج اللغوية بنفسها وفق آلية مُنظّمة لتكون جاهزةً لتدريب النمذج. وبحسب دراسة أجراها هاو شين وآخرون، يوجد ترابطٌ إيجابي ذو دلالة إحصائية بين تنوع البيانات المُصطنعة وانخفاض أداء النمذج93.
الشكل (8) سيناريوهات مُحتملة لمصير اللغات الضعيفة التمثيل في السنوات المقبلة
ومن المهم أيضًا التنبؤ بملاامح الأطر التشريعية لحكامة النمذج اللغوية. وترتبط هذه الأخيرة في علااقة تأثير متبادلة بتطور أداء النمذج؛ إذ يحكم ذلك عدة عوامل، يشوبها اللاايقين، كالتسابق بين الدول في مجال الذكاء الاصطناعي، الذي يستلزم مرونةً تشريعية من جانب، وتنامي دور النمذج في الحياة اليومية وماله من تبعات على الخصوصية وحقوق الملكية الفكرية وغير ذلك من جانب آخر.
يستعرض الشكل (8) أربع سيناريوهات مُحتملة لمصير اللغات الضعيفة التمثيل في السنوات المقبلة. وتعرف هذه بمصفوفة 2x2، وتُعتبر التقنية الأكثر شيوعًا في رسم السيناريوهات المستقبلية94. وتعتمد التقنية على اختيار عاملين يشترط فيهم أن يكون تأثيرهم عاليًا، وتشوبهم درجة عالية من اللاايقين95. ويفترض النموذج ثبات مجموعة من العوامل، هي استمرارية الجدوى الاقتصادية للنمذج اللغوية، وعدم حدوث مفاجآت نوعية على صعيد الأداء، كتطور هيكلية الشبكات العصبية، وغيره مم لا يكمن التنبؤ به. وفي ضوء ذلك، فإننا نتحدث عن بضع سنوات مقبلة فقط.
1. السيناريو الأول: وفرة بيانات وتقنيات
أول، ا يتنامى في هذه الحالة ما هو مُتاح من اللغات القليلة الموارد عبر زيادة بصمتها الرقمية. ويكون ذلك بطرائق مُختلفة، ك "تعبئة الجهود" (Crowdsourcing)، في حال لم يتوافر التمويل اللاازم. ويُعد "مشروع كوربادان" (Project Crúbadán The) من الأمثلة الأشهر على هذا النوع من المبادرات؛ إذ تقوم فكرته على تجريف الإنترنت والتعاون مع المتكلّمين الأصليين، لتقديم المعونة الاستشارية، وتزويد الباحثين بالنصوص اللاازمة للتدريب لاستخدامها حين يتطلّب الأمر96. ثانيًا، يفترض هذا السيناريو تطوير التقنيات اللاازمة ليكون تدريب النمذج على هذه البيانات ذا جدوى اقتصادية، كتصميم "مُرمّزاتٍ" (Tokenizers) تلاائم خصائص اللغات الضعيفة المصادر؛ بحيث تُقسّم الكلمت بما يُناسب حالة كل لغة، ويُسهّل على النمذج تعلّم الأنماط فيها. ويفترض تطوير أدوات تنضيد وتوسيم تميّز نوعية البيانات في هذه اللغات، لتنقية ما نلقّنه للنمذج منها. ويستتبع تحقق هذا السيناريو عدة مخرجات إيجابية على منتجي النمذج ومستهلكيها؛ إذ سيكون في متناول الشركات المُطوّرة للنمذج اللغوية الوصول إلى أسواق جديدة، ولن تقتصر حينها الخدمات المُقدّمة للمُجتمعات الضعيفة التمثيل على النمذج اللغوية فحسب، وإنما ستمتدّ لتشمل تطبيقات معالجة اللغات الطبيعية الأخرى، كالترجمة وغيرها. إضافةً إلى ذلك، ستعكس النمذج حينها الخصوصية الثقافية لهذه اللغات، وتُسهّل على المجتمعات غير الناطقة بها الوصول إليها.
2. السيناريو الثاني: وفرة في البيانات مع ندرة في التقنيات
يفترض هذا السيناريو تنمية بيانات اللغات الضعيفة التمثيل، مع بقاء التقنيات اللاازمة لتدريب النمذج على وضعها. ولن يختلف الوضع في هذه الحالة بالنسبة إلى تمثيل اللغات في النمذج اللغوية
المعروفة؛ والبديل سيكون هو تدريب نماذج متخصصة تتكيّف ومتطلبات كل لغة97. وُيكمن الإشارة في هذا السياق مثالًا إلى نموذج "فنار" الذي أطلقته دولة قطر أواخر العام الفائت، كمثال على النمذج المتخصصة والضخمة98. ولأن القيام بهذا النوع من المشاريع يفرض تكاليف باهظة، فإنه من المتوقع في هذا السيناريو أن يقتصر وجود هذه النمذج على بعض الاقتصادات القوية. ويمكن أن تنتقل هذه التجارب إلى المربع الأول بسرعة عبر العمل على توفير المزيد من البيانات، وتطوير التقنيات المكتسبة في التجارب الأولى. ويمكن أيضًا لتضافر جهود فرق تعمل على اللغة والثقافة كفرق "جيس"، و"علاام"، و"فنار"، وغيرها، أن تسرّع في عملية الانتقال إلى المربع الأول.
3. السيناريو الثالث: وفرة في التقنيات مع ندرة في البيانات
في حال توافرت التقنيات اللاازمة لتدريب النمذج بتكاليف معقولة، لكن من دون وجود البيانات بوفرة، فسيكون هنالك تباين في أداء النمذج في اللغات المختلفة؛ ذلك أنّ الأداء سيبقى سيئًا بالنسبة إلى اللغات الضعيفة المصادر إجمل، ا لكنه سيتفاوت حينها بالنسبة إلى النمذج المعروفة، خاصة في اللغات التي تتحصل عليها حصرًّيًا لأسباب مختلفة. وقد ينجح مطورو نموذج معين في الحصول على بيانات ثرية للغة معينة، بحكم موقع جغرافي، أو من خلاال الاستثمر في مبادرة خاصة بهذا الشأن، أو ربما من خلاال اتفاقيات مع مؤسسات أكاديمية وبحثية تمتلك قواعد بيانات يكمن الاستفادة منها. ومن جهةٍ أخرى، سيسهل توافر هذه التقنيات تدريب نماذج صغيرة لا تتطلب قدرات معالجة كبيرة للقيام بمهمت بسيطة؛ ما يعني توسيع قاعدة المستخدمين ودمقرطة النمذج.
4. السيناريو الرابع: بقاء الوضع على ما هو عليه اليوم
في حال بقيت الحالة على ما هي عليه اليوم؛ أي ظلّت اللغات الضعيفة المصادر على فقرها، ولم تنجح التقنيات في تخفيض تكلفة تدريب النمذج بصفة مؤثرة، فإن الهوة الرقمية، مع ما يرتبط بها من غياب فرص تعليمية واقتصادية، ستتسع لمصلحة أصحاب اللغات المهيمنة، وستكون اللغات الضعيفة المصادر التي يعيشُ متكلّموها في دول ضعيفة اقتصاديّا أو صغيرة، أكثر عرضة للتبعات السلبية، مُقارنةً بغيرها، مع ذهاب استثمرات الشركات المطورة للنمذج اللغوية تجاه تنمية حصتها في الأسواق الكبيرة، كالهند مثال.ا وإضافةً إلى ذلك، سيؤسس عدم التوازن هذا لانحياز ثقافي لمصلحة اللغات المهيمنة، التي سيضطر المستخدمون إلى استخدامها للااستفادة على نحو كامل من خدمات النمذج اللغوية. وُيكمن أن
يكون هذا الانحياز بين اللغات وبين لهجات اللغة الواحدة نفسها99، كم سلف في نموذج لهجة "الإيبونكس" الإنكليزية.
خامسًا: خلاصات وتوصيات
في ضوء رسمنا لخريطة الذكاء الاصطناعي العالمي، الموسومة بالسباق التنافسي المحموم بين عملقة الذكاء الاصطناعي، لا سيم الولايات المتحدة والصين، وإبرازنا تطور النمذج اللغوية الضخمة السريع، ودخولها المتسارع في أتمتة عمليات إنتاج المعرفة وتداولها، ورسمنا عددًا من السيناريوهات المُستقبلية لمصائر الثقافات المحلية واللغات ومعارفها، نخلص إلى الخلااصات التالية، التي تضمّ عددًا من التوصيات بشأن سبل تجاوز فجوة البيانات بين اللغات، وتمثيل اللغات المختلفة في النمذج اللغوية، لا سيم منها الضعيفة التمثيل: تفتقر بعض اللغات إلى مجتمع ناطقين قادرٍ على تخديمها كم ينبغي للحفاظ عليها من الانقراض. وتشير منظمة اليونسكو، على سبيل المثال، إلى أنّ العالم يشهد انقراض لغة كل أسبوعين100. وإن كانت توجد بالفعل مبادرات لرقمنة مخزون اللغات الضعيفة المصادر، فإنّ غياب وجود رؤية حكومية تناسب خصوصية كل مجتمع، وتضع جدولً زمنيًا للتنفيذ، يعرقل تنظيم تعبئة الموارد وتخصيصها على النحو الأمثل. تستفيد بعض المبادرات من تعبئة الجهود الجمعية لبناء حزم بيانات لغوية. ويُعتبر مشروع "موزيلاا كومن فويس" (Voice Common Mozilla) من الأمثلة البارزة لهذا النوع من الجهود. وتقوم فكرة المشروع على توفير منصتين إلكترونيتين، تطلب الأولى من المستخدمين قراءة جمل مكتوبة، أو رفع جمل جديدة، أو مراجعة تسجيلاات مُستخدمين آخرين. وتطلب المنصة الثانية من المستخدمين الإجابة عن أسئلة معينة، في حين يدوّن مستخدمون آخرون تسجيلاات هذه الأجوبة. وتوفر المنصّة بياناتها مجانيّا، وتغطّي نحو 130 لغة. بيد أنّ مشكلة هذه المبادرة وغيرها من المبادرات الشبيهة تكمنُ، بحسب موقع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تشرذمها وافتقارها إلى التنظيم101. ويؤكد هذا أنّ تضافر الجهود التنفيذية مع الرؤى الحكومية ضروري حتى يتحقق لهذه المبادرات الشمول الجغرافي، ولكي تستفيد من القدرة الاستثنائية للحكومات على رفع مستوى المشاركة الشعبية اللاازمة.
يرتبط تطوير اللغات الفقيرة المصادر بمستوى التنمية الاقتصادية والاجتمعية للناطقين بها، إضافةً إلى البنية التحتية اللاازمة للااتصالات. فمن جهة، يحتاج المتكلمون الأصليون إلى امتلااك المقوّمات التي تجعلهم قادرين على المشاركة والتطوع في المشاريع من دون الانقطاع عن وظائفهم وأشغالهم؛ ومن جهة أخرى، يحتاج الباحثون إلى العمل مع من يمتلك الخبرة بالتنوعات اللغوية لإيجاد الترجمة الأمثل المقابلة لكل جملة102. يُكن تنمية بيانات اللغات ضعيفة المصادر بطريقة آلية لزيادة حجمها وتنويعها، وذلك باستخدام الترجمة العكسية (ترجمة النص إلى الإنكليزية مثالً، أو أي لغة غنية في المصادر، ثم إعادة ترجمته إلى اللغة الأصلية لزيادة التنوع)، أو توليد البيانات المصطنعة، وغير ذلك. ويتعين على الباحثين الاستفادة من قدرة النمذج على تعلم الأنماط المشتركة بين اللغات، واكتشاف الطرائق التي يُكنهم عبرها زيادة حصة اللغات الضعيفة الموارد في التدريب في المراحل اللااحقة على نحو تدريجيّ. وتستطيع تقنيات "التعلم مع صفر أمثلة" (Learning Zero-Shot)، وتقنيات "التعلم عبر أمثلة قليلة" (Learning Few-Shot)، أن تطور من أداء النمذج في اللغات الضعيفة المصادر. وأخيرًا، فإنه من المفيد تضمين تمثيل رياضي للّهجات المختلفة ضمن النموذج، تساعده على تحسين أدائه، أو تزويد النموذج بحزم بيانات شاملة ومتنوعة للهجات المختلفة103. تحظى أدوات التقييم والمقايسة باهتمم متزايد104؛ لكن ما تزال اللغات الضعيفة المصادر تفتقر إلى كفايتها منها. وتساعد هذه الأدوات على تطوير أداء النمذج، وفهمه، وتحديد العيوب، لتشجيع المطورين على معالجتها. ويضع مطورو هذه الأدوات مهمت أو اختبارات للنمذج105، كاختبار قدرة النموذج على فهم الأمثال الشعبية بالنظر إلى حمولتها الثقافية106. أظهر باحثون من شركة "أنثروبيك"، في دراسة أجروها سنة 2024، أن النمذج اللغوية يُكنها أن تنتهج سلوكيات ضارّة، وحتى ولو بدَت آمنةً في مرحلة التدريب؛ وذلك عبر تعليم النمذج الاستجابة إلى مُدختٍ معُينة، أو التقاط إشارات خاصّة، كاختلااف السياق. وُيكمن تعليم النموذج، على سبيل المثال، أن يكتب برنامجًا آمنًا في سنة 2023، ومن ثم يعدّل ويكتب برنامجًا قابالًا للااختراق لدى طلب الأمر نفسه منه في سنة 2024. وقد وجد الباحثون أن هذا السلوك
يستمرّ حتى بعد تطبيق "تقنيات السلاامة"107. وتُبّين هذه النتائج أهمية أن تستثمر المجتمعات اللغوية الضعيفة التمثيل في أبحاث سلاامة الذكاء الاصطناعي لحمية نفسها من السلوكيات الضارة، إضافةً إلى تعزيزها لضرورة بناء نماذج سياسية لحمية نفسها من التطبيقات الحساسة، ذات الطابع الأمني، وغيرها من الجوانب الثقافية المؤمننة، كتلك المُرتبطة بالأحقية التاريخية في السيادة على أراضٍ مُعيّنة على سبيل المثال. من المهم عدمُ تشتيت الجهود والموارد بين الدول التي تجمعها تحديات مشتركة، وخاصةً الدول التي تجمعها اللغة نفسها. وفي هذا الصدد، تُعتبرُ دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، على سبيل المثال، بيئةً خصبةً بمشاريع الذكاء الاصطناعي. فبحسب استطلااع حديث لمجموعة بوسطن الاستشارية، فإن واحدة من بين كلّ أربع شركات استطلعت المجموعة آراء إدارييها في الخليج العربي، تُخطط لاستثمر نحو 25 مليون دولار في الذكاء الاصطناعي. ويُتوقّع أن تراوح مُساهمة الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي الإجمليّ لدول مجلس التعاون بين 8.2 و 12.4 في المئة بحسب الدولة. وتبدي دول الخليج العربي اهتممًا واضحًا بالذكاء الاصطناعي، كم تظهر استثمراتها الكبيرة، وخططها الاستراتيجية المُعلنة. بيد أنها، على الرغم من جهودها لبناء نماذج منفردة، ما تزال تفتقر إلى برنامج عملٍ مُشترك يُكن أن يسمح بالاستفادة من البيانات الضخمة والبنية التحتية والرساميل البشرية الماهرة التي تمتلكها مجتمعة. وهو ما أخّر، إلى جوانب عوامل أخرى، تقديم نموذج لغويّ ضخم، قادرٍ على فهم العربية وتوليدها بكفاءة ووعي ثقافي بما يواكب قدرات النمذج المتفوّقة، حتى تاريخ كتابة الدراسة.
خاتمة
ينفرد الذكاء الاصطناعي التوليدي عن غيره من الاختراعات، بوظيفته المميزة بصفته حامالًا للمعرفة، وربما لا يقترب من قدرته الراديكالية على تغيير واقع التعلم وانتشاره على طول التاريخ الإنساني سوى اختراعات الكتابة، فالطابعة، فالإنترنت. ويعني ذلك أن هذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها البشر تغيرًا جذريّا في دينامية انتشار المعرفة، يفرض نفسه على الجميع من دون استئذان. لعل الفرق هو أن البشرية كانت تتبنّى هذه الاختراعات كلّ مرة في فترات مختلفة وبدرجات متفاوتة؛ فمنهم المتوجّس، ومنهم المتحمّس، ومنهم من يأخذ زمام الأمور، ومنهم المتلقّي السلبي. والأمر المختلف هنا هو أنّ سرعة تقدّم التكنولوجيا، فالكتابة، والطابعة، والإنترنت، لم تتغير على هذا النحو المتسارع الذي نشهده اليوم مع الذكاء الاصطناعي، ولم يكن تعقيدُها يزداد بالوتيرة نفسها.
ولذا، فإن الإطار الزمني للفعل صغير مُقارنة بأي تغيرٍ فيم مضى. وقد ظهر ذلك جلًّيًا في التمهيد لمصفوفة السيناريوهات التي وضعناها؛ إذ يصعب التنبؤ بمسار الأمور حتى فترة طويلة، لأن ذلك رهنٌ بالكثير من المجاهيل التي يصعب الفصل فيها، خاصةً مع اكتساب النمذج اللغوية الكبيرة للطابع المؤمنن والسباقي، واجتذابها لرؤوس الأموال الكبيرة، والتشكيك في قدرتها على تحقيق أشواط طويلة في التطور، وإحداثها للصدمة نفسها التي جاءت بها النمذج الأولى. وبتعبير آخر، تراوح السيناريوهات في طيفٍ، حدّه الأول أبعدُ مّما نحن عنده الآن بقليل، والآخر بعيدٌ جدًا؛ إذ يذهب بعضهم إلى أنّه سيتجاوز قدرات الإنسان، ويُنهي عصر الندرة، ويغّير أسلوب عيشنا إلى الأبد. تبقى النمذج اللغوية الضخمة، على الرغم من الإرباك الذي يكتنف مُستقبلها، ملزمة بالكثير من العمل بحكم ما تمتلكه في حاضرها فقط. فالهوة اليوم واسعة بما يكفي بين مجموعات المستخدمين، والنمذج اللغوية بقدراتها الحالية أصبحت جزءًا أساسًّيًا من عمل الأفراد والمؤسسات المختلفة والفعاليات الاقتصادية، وتتجه إلى مزيد من الاستخدام. ولن يحول بذلك فشل توقعات المبشرين بالذكاء العام الاصطناعي دون أن تتبوّأ النمذج اللغوية دورًا رئيسًا بوصفها مصدرًا للمعرفة في أفضل الأحوال، وربما الدور المُهيمن، ومن ثمّ ستتحمل مجتمعات الدول غير الفاعلة تبعات السيناريوهات المختلفة على المستوى الاجتمعي المرتبط بارتدادات التحيّز ضد ثقافاتها، وعلى المستوى التنموي المُتعلّق بتفاوت فرص الوصول إلى الخدمات، والعجز عن التكيف كم ينبغي مع متطلبات السوق. ويطرح مجموع هذه التحديات التي وردت في الورقة أسئلةً بشأن جدوى التفكير في التعاون الإقليمي العابر للحدود بين الأقاليم الثقافية، وعملية النشاط القانوني والاجتمعي، الذي يكمن أن يحمل الشركات المطوّرة على مشاركة أعباء التحوّل، وحول السياسات العامة الموصى بها في حال تعثرت أو فشلت الجهود في تلبية الاحتياجات الحقيقية، لتخصيص الموارد حيث يكون مردودها أكبر.
المراجع
العربية
سعيد، إدوارد. الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. ترجمة محمد العناني. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006.]1978[
هوميروس. الأوديسة لشاعر الخلود هوميروس. ترجمة دريني خشبة. القاهرة/ لندن: مؤسسة هنداوي، الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي. التحيز في أنظمة الذكاء الاصطناعي: تحديات وحلول. الرياض: الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، 2025:. في https://acr.ps/1L9zQU7
الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي. معجم البيانات والذكاء الاصطناعي. الرياض: الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، 2022:. في https://acr.ps/1L9zQCd
الأجنبية
Abebe Azime, Israel et al. "ProverbEval: Exploring LLM Evaluation
Challenges for Low-resource Language Understanding." arXiv (2025).
at: https://acr.ps/1L9zQmm
Alduhishy, Muath. "Sovereign AI: What it is, and 6 Strategic Pillars for Achieving
it." World Economic Forum. 25/4/2024. at: https://acr.ps/1L9zRdv
AlShebli, Bedoor et al. "China and the U.S. Produce more Impactful AI Research
when Collaborating Together." Scientific Reports. vol. 14, no. 28576 (2024).
Apaalabono Atanga, Barbara, Xunyue Xue & Anna S. Mattila. "The Impact of
Corporate Sociopolitical Activism (CSA) on Brand Attitude." International
Journal of Hospitality Management. vol. 107 (2022).
Bromham, Lindell et al. "Global Predictors of Language Endangerment and the
Future of Linguistic Diversity." Nature Ecology & Evolution. vol. 6, no. 2
(February 2022).
Burtch, Gordon et al. "The Consequences of Generative AI for Online Knowledge
Communities." Nature (May 2024).
Buyl, Maarten et al. "Large Language Models Reflect the Ideology of their Creators."
arXiv (2025). at: https://acr.ps/1L9zR9S
Campbell, Thomas A. "Moore's Law 2.0?" Atlantic Council. 5/9/2014.
at: https://acr.ps/1L9zQV7
Chen, Hao et al. "On the Diversity of Synthetic Data and its Impact on Training
Large Language Models." arXiv (2024). at: https://acr.ps/1L9zR9E
Crawford, Kate. Atlas of AI: Power, Politics, and the Planetary Costs of Artificial
Intelligence. New Haven: Yale University Press, 2021.
Darwiche, Adnan. "Human-level Intelligence or Animal-Like Abilities?"
Communications of the ACM. vol. 61, no. 10 (September 2018).
Faraone, Christopher A. "Circe's Instructions to Odysseus. OD. 10.507–40. As an
Early Sibylline Oracle." The Journal of Hellenic Studies. vol. 139 (November
Haenlein, Michael & Andreas Kaplan, "A Brief History of Artificial Intelligence: On
the Past, Present, and Future of Artificial Intelligence." California Management
Review. vol. 61, no. 4 (2019).
Heaven, Will Douglas. "OpenAI's New Language Generator GPT-3 is Shockingly
Good—and Completely Mindless." MIT Technology Review. 20/7/2020.
at: https://acr.ps/1L9zQSJ
Heaven, Will Douglas. "Why Meta's Latest Large Language Model Survived
Only Three Days Online." MIT Technology Review. 18/11/2022.
at: https://acr.ps/1L9zRkh
Hendrycks, Dan, Eric Schmidt & Alexandr Wang. "Superintelligence Strategy."
arXiv (2025).
Huang, Kaiyu et al. "A Survey on Large Language Models with Multilingualism:
Recent Advances and New Frontiers." arXiv (2025). at: https://acr.ps/1L9zQFw
Hubinger, Evan et al. "Sleeper Agents: Training Deceptive LLMs that Persist
Through Safety Training." arXiv (2024). at: https://acr.ps/1L9zQSz
Imbrie, Andrew, Elsa B. Kania & Lorand Laskai. The Question of Comparative
Advantage in Artificial Intelligence: Enduring Strengths and Emerging
Challenges for the United States. Washington, DC: Center for Security and
Emerging Technology, 2020.
Jackson, Kevin. "Breaking Down Global Government Spending on AI." HPCwire.
26/8/2024. at: https://acr.ps/1L9zQC8
Kaplan, Jared et al. "Scaling Laws for Neural Language Models." arXiv (2020). at:
https://acr.ps/1L9zRev
Kiulian, Artur et al. "From English-Centric to Effective Bilingual: LLMs
with Custom Tokenizers for Underrepresented Languages." arXiv (2024).
at: https://acr.ps/1L9zQRC
Komaitis, Konstantinos et al. "The sovereignty trap." Geotech Cues/Atlantic council
(July 2024). at: https://acr.ps/1L9zQQM
Kreps, Sarah. "The Global AI Race: Will US Innovation Lead or Lag?" Brookings.
6/12/2024. at: https://acr.ps/1L9zQII
Lee, Kai-Fu. AI Superpowers: China, Silicon Valley, and the New World Order.
Boston: Houghton Mifflin Harcourt, 2018.
LifeArchitect. "Timeline of AI and Language Models." at: https://acr.ps/1L9zQki
Lin, Fangru et al. "One Language, Many Gaps: Evaluating Dialect Fairness and
Robustness of Large Language Models in Reasoning Tasks." arXiv (2025). at:
https://acr.ps/1L9zR3t
Lopo, Joanito Agili & Radius Tanone. "Constructing and Expanding Low-Resource
and Underrepresented Parallel Datasets for Indonesian Local Languages." arXiv
(2024). at: https://acr.ps/1L9zRfp
Luong, Ngor, Zachary Arnold & Ben Murphy. Understanding Chinese Government
Guidance Funds. Washington, DC: Center for Security and Emerging
Technology, 2021.
Mark Ryan et al. "An AI ethics 'David and Goliath': Value Conflicts between Large
Tech Companies and their Employees." AI & Society. vol. 39 (March 2022).
Maslej, Nestor et al. The AI Index 2024 Annual Report. Stanford: AI Index Steering
Committee, Institute for Human-Centered AI, Stanford University, April 2024.
McCorduck, Pamela. Machines Who Think. 2 nd ed. Natick, MA: AK Peters, Ltd.,
Mika Hämaläinen et al. (ed.). Proceedings of the 4 th International Conference on
Natural Language Processing for Digital Humanities. Miami: Association for
Computational Linguistics, 2024.
National Security Commission on Artificial Intelligence. Final Report. Washington,
DC: 2021.
Newell, Allen & Herbert A. Simon, "The Logic Theory Machine: A Complex
Information Processing System." IRE Transactions on Information Theory. vol.
2, no. 3 (September 1956).
NIPS '20: Proceedings of the 34 th International Conference on Neural Information
Processing Systems. Red Hook, NY: Curran Associates Inc., 2020.
Petrov, Aleksandar et al. "Language Model Tokenizers Introduce Unfairness
between Languages." arXiv (2023). at: https://acr.ps/1L9zQnW
Proceedings of the 2024 ACM Conference on Fairness, Accountability, and
Transparency. New York: Association for Computing Machinery, 2024.
Proceedings of the 60 th Annual Meeting of the Association for Computational
Linguistics. Volume 1: Long Papers. Dublin, Ireland: Association for
Computational Linguistics, 2022.
Rhydderch, Alun. "Scenario Building: The 2x2 Matrix Technique." Futuribles
International (June 2017).
Roberts, Huw. "Digital Sovereignty and Artificial Intelligence: A Normative
Approach." Ethics and Information Technology. vol. 26 (October 2024).
Rumelhart, David E. Geoffrey E. Hinton & Ronald J. Williams. "Learning
Representations by Back-Propagating Errors." Nature. vol. 323 (1986).
Scanlon, Ruby. "Beyond DeepSeek: How China's AI Ecosystem Fuels Breakthroughs."
Lawfare. 14/2/2025. at: https://acr.ps/1L9zQXC
Scannell, Kevin P. "The Crúbadán Project: Corpus Building for Under-Resourced
Languages." Cahiers du Cental. vol. 5 (2007).
Sharavar, Oleksii. "Making AI Work for all: Bridging the Language Gap in AI
by Focusing on Languages that are Underrepresented in the Digital World."
GSMA. 17/1/2025. at: https://acr.ps/1L9zRgo
Sheehan, Matt. "Biden's Unprecedented Semiconductor Bet." Carnegie. 27/10/2022.
at: https://acr.ps/1L9zQvT
Sheehan, Matt. China's AI Regulations and How They Get Made. Washington, DC:
Carnegie Endowment for International Peace, 2023.
Stanford HAI staff. "Global AI Power Rankings: Stanford HAI Tool Ranks 36
Countries in AI." Stanford HAI. 21/11/2024. at: https://acr.ps/1L9zQKl
Stryker, Cole & Eda Kavlakoglu, "What is Artificial Intelligence. AI?" IBM.
9/8/2024. at: https://acr.ps/1L9zQDu
Ta, Regina & Nicol Turner Lee. "How Language Gaps Constrain Generative AI
Development." Brookings. 24/10/2023. at: https://acr.ps/1L9zQVb
The White House. "Memorandum on Advancing the United States' Leadership in Artificial Intelligence; Harnessing Artificial Intelligence to Fulfill National Security Objectives; and Fostering the Safety, Security, and Trustworthiness of Artificial Intelligence." 24/10/2024. at: https://acr.ps/1L9zRas
Toosi, Amirhosein et al. "A Brief History of AI: How to Prevent Another Winter. A Critical Review." PET Clinics. vol. 16. no. 4 (October 2021).
Tsamados, Andreas et al. "The Ethics of Algorithms: Key Problems and Solutions." AI & Society. vol. 37 (2022).
Vaswani, Ashish et al. "Attention Is All You Need." arXiv (2023). at: https://acr.ps/1L9zRav Winter-Levy, Sam. "With Its Latest Rule, the U.S. Tries to Govern AI's Global Spread." Carnegie. 13/1/2025. at: https://acr.ps/1L9zQF8
Zhong, Tianyang et al. "Opportunities and Challenges of Large Language Models for Low-Resource Languages in Humanities Research." arXiv (2024). at: https://acr.ps/1L9zRbZ
Zhou, Longjun. "A Historical Overview of Artificial Intelligence in China." Science Insights. vol. 42, no. 6 (2023).