هل تنتج سيرورة الرقمنة نمطًا جديدًا من حقوق الإنسان؟
Does the Digitization Process Produce a New Type of Human Rights?
الملخّص
لم تغير التكنولوجيا حياة الأشخاص فحسب، بل أسهمت في نشأة نمطٍ جديد من المواطنة، ومنظومةٍ جديدة لحقوق الإنسان الرقمي. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف مستقبلات هذا النموذج الجديد للمواطن الذي يعيش ما بين المجال الواقعي والمجال الرقمي على حد سواء؛ ذلك أن هذه المواطنة الرقمية تشترط حقوقًا رقمية خاصة بها، تتوافق مع الطبيعة الأنطولوجية للواقع الرقمي، وتمثّل استجابةً لعدم قدرة النمط الواقعي لحقوق الإنسان على أن يضمن هذه الحقوق في البيئة الرقمية. وقد بينت الدراسة أن حقوق الإنسان الرقمية مرهونة بعائق التفاوتات الرقمية التي تجعل من فكرة أن حقوق الإنسان الرقمية كونية غير قادرة على التحقق واقعيًا ورقميًا في الآن ذاته؛ ما يجعل الظفر بها مستقبلًا مرهونًا بالتقليص من هذه الفوارق الرقمية، قصد بلوغ مجتمع قادر على استيعاب حقوق الإنسان الرقمية.
Abstract
ملخص: لم تغير التكنولوجيا حياة الأشخاص فحسب، بل أسهمت في نشأة نمطٍ جديد من المواطنة، ومنظومةٍ جديدة لحقوق الإنسان الرقمية. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف مستقبلات هذا النموذج الجديد للمواطن الذي يعيش ما بين المجال الواقعي والمجال الرقمي على حد سواء؛ ذلك أن هذه المواطنة الرقمية تشترط حقوقًا رقمية خاصة بها، تتوافق مع الطبيعة الأنطولوجية للواقع الرقمي، وتمثّل استجابةً لعدم قدرة النمط الواقعي لحقوق الإنسان على أن يضمن هذه الحقوق في البيئة الرقمية. وقد بينت الدراسة أن حقوق الإنسان الرقمية مرهونة بعائق التفاوتات الرقمية التي تجعل من فكرة أن حقوق الإنسان الرقمية كونية غير قادرة على التحقق واقعيًا ورقميًا في الآن ذاته؛ ما يجعل الظفر بها مستقبلًا مرهونًا بالتقليص من هذه الفوارق الرقمية، قصد بلوغ مجتمع قادر على استيعاب حقوق الإنسان الرقمية. كلمت مفتاحية: حقوق الإنسان الرقمية، الثورة الرقمية، التفاوتات الرقمية، المواطنة الرقمية، الإنسان الرقمي. Abstract: Technology has not only changed people's lives, but it has also contributed to the emergence of a new type of citizenship and a new system of digital human rights. This study aims to explore the futures of this new model of citizen who lives between the physical and the digital spheres. This digital citizenship requires its own digital rights, which are compatible with the ontological nature of digital reality and represent a response to the inability of the real-life model of human rights to guarantee these rights in the digital environment. The study demonstrates that digital human rights are subject to the obstacle of digital disparities. This means that the universality of human rights is unachievable in the physical and digital worlds at the same time, thus rendering the future achievability of universality dependent on reducing these digital disparities, in order to establish a society capable of protecting and accepting digital human rights.
- حقوق الإنسان الرقمية
- الثورة الرقمية
- التفاوتات الرقمية
- المواطنة الرقمية
- الإنسان الرقمي
- Human Rights
- Revolution
- Digital Activists
- Citizenship
- Inequality
هل تنتج سيرورة الرقمنة نمطًا جديدًا من حقوق الإنسان؟ Does the Digitization Process Produce a New Type of Human Rights?
مقدمة
اقترنت الثورة الصناعية الرابعة، التي تعتمد على التكنولوجيا الفائقة من مثل إنترنت الأشياء والذكاء الصناعي، بتفاؤلٍ إنساني بأنّ هذه التطورات من شأنها أن تقلّص حجم الفوارق الاجتمعية التي تسود المجتمع العالمي، ومن شأنها أيضًا أن تُوسّع نطاق الحرية الإنسانية وتخفّف من حدّة السلطوية. وقبل ذلك، شهدت سيرورة الرقمنة1 تطورًا لافتًا وسريعًا، نشأت عنه نزعة تشبه السياق الذي نشأت فيه النزعة العلموية (Scientisme)، التي تؤكد أن العلم قادر على حلّ كلّ المشاكل التي توجد في العالم، وهي "نزعة إيجاد الحلول التقنية" (Solutionism، التي ترى أنّ التكنولوجيا والحوسبة الدقيقة)2في إمكانهم أن تحّلا الكثير من المشاكل التي يصادفها الإنسان في حياته اليومية، من خلاال الاعتمد على التفكير الحوسبي والخوارزميات. بالتوازي مع هذه التحولات التي شهدها القرن العشرون، والتي بلغت أوجها مع بداية القرن الحادي والعشرين، جرى اجتراح العديد من المفاهيم الجديدة، مثل "المجال الرقمي"3، و"الأنطولوجيا الرقمية"، و"الفاعل الرقمي"، و"الجيل الرقمي"، و"الإنسان الرقمي"، و"المجتمع الشبكي". تتشابك هذه المفاهيم فيم بينها ومع مفاهيم أخرى مصاحبة لتشكّل مصفوفةً متكاملة تسلّط إضاءات مهمة لفهم طبيعة المجتمع المعاصر. تقوم مقاربتنا على فرض أنّ التكنولوجيا الرقمية تؤثر تأثيرًا مباشرًا أو غير مباشر في جميع جوانب الحياة الخاصة والعامة لمستعمليها، عطفًا على تقويضها لقوة الزمان والمكان4. ونحاجّ بقوة هذا الافتراض بالإشارة إلى أن التكنولوجيا قد أصبحت ذات تأثير مباشر في بناء غالبية عناصر هويتنا وتشكيلها، ضمن ما يسمّى "الرأسملية الرقمية"، القائمة على التطور التكنولوجي باعتباره بنية أساسية لها؛ وهي الصيغة المتحوّرة للرأسملية، والتي تخلق الأزمات كي تستمر على أنقاضها. وتعتمد هذه النسخة من
الرأسملية على التطورات التي تعرفها تكنولوجيا المعلومات والاتصال ذات العلااقة بكل من الإنتاج والتجارة والاستثمر5. تقوم هذه النسخة المتحوّرة للرأسملية على "تحويل البيانات" (Datafication؛ وتحيل إلى الطريقة)6التي يتم عبرها تسجيل أفعالنا اليومية وتحليلها وأرشفتها باعتبارها بيانات رقمية؛ الأمر الذي يجعل من التكنولوجيا غير محايدة أساسًا7. وهو أمر يؤثر في وضعية حقوق الإنسان الرقمية، التي سنفصّل فيها القول؛ إذ يجري جمع بيانات حول الحياة الخاصة بالمشاركين، ولا تتمّ حميتها. وتصير حرية الرأي الخاصة بمستعملي وسائل تكنولوجيا المعلومات والاتصال مرهونة بسلطة الخوارزميات التي تقرر الاحتفاظ فقط بالرأي الذي يتوافق معها. وقد ألزمت هذه الوضعية ضرورة أن تكون هناك إعادة نظر شاملة في البردايم التقليدي لحقوق الإنسان، والانتقال ضرورةً لا اختيارًا إلى بردايم جديد ومعاصر8. تندرج إذًا هذه الدراسة ضمن دراسات هذا النموذج الجديد لحقوق الإنسان الرقمية9، ونطمح فيها إلى البرهنة على أنّ هذا النمط من الحقوق مرتبط بدرجة التفاوتات الرقمية في أي مجتمع. ويمكن أن نعتبر أنّ هذه التفاوتات الرقمية تتكون من ثلااثة أبعاد رئيسة10: يحيل البعد الأول إلى الوصول إلى وسائل الاتصال والمعلومات التي تتصل بشبكة الإنترنت، لكنّ هذا الوصول يفرض على الأفراد أن يُدخلوا معطياتهم، التي تكون في الغالب متوافقةً مع خصائصهم الاجتمعية والديموغرافية؛ أما البعد الثاني الخاص باستخدام هذه الوسائل فيتمّ الاهتمم فيه بنوعية الاستخدام ومجالاته، ثم المهارات التي يتطلبها الاستخدام؛ فيم يخصّ البعد الثالث الاستفادة، وهو الذي نشتغل فيه على الإجابة عن سؤال: ماذا يستفيد الأشخاص من استخدام وسائل التكنولوجيا؟ وتتضمّن هذه الأبعاد الثلااثة كلها مؤشرات لقياس حقوق الإنسان الرقمية، وترتبط درجة هذه الأخيرة بدرجة التفاوتات، وذلك عبر علااقة تفاعلية بينهم إلى درجة يصعب فيها ضمن هذا النوع من الحقوق من دون المتغير الآخر الذي هو التفاوتات الرقمية.
تأخذ الدراسة ببردايم "المتخيلاات الاجتمعية والتكنولوجية" (Imaginaries Sociotechnical، بمرام)11الظفر بفهمٍ موسّع للعلااقة بين التكنولوجيا والنظام الاجتمعي12، عبر الاشتغال على أحد العناصر التي تقع في صلب حياة الأفراد. من أجل ذلك، اخترنا عنصر حقوق الإنسان الرقمية درسًا وتحليال.ا وهذا الاختيار نابع من طبيعة الهدف العام للدراسة، وهو تحديد معالم تأثير الثورة الرقمية بمختلف عناصرها في منظومة حقوق الإنسان، عبر تحديد ماهية الإنسان الرقمي، ومن ثمّ بعض نماذج حقوق الإنسان الرقمية، والعلااقة بين هذا النوع من الحقوق والتفاوتات الرقمية التي نجدها في أغلب بلدان العالم، قبل أن نخلص إلى استشراف مستقبلاات هذا النمط الجديد من الحقوق الخاصة بالإنسان الرقمي، وسبل حدّ التفاوتات الرقمية من هذه الحقوق الرقمية وتقليصها.
أولًا: نشأة الإنسان الرقمي ومنظومة حقوق الإنسان الرقمية
تُعدّ الفترة بين ستينيات القرن العشرين وتسعينياته مرحلةً مهمة جدًا في الدراسات التي تهتم بالعلااقة بين التكنولوجيا والمجتمع13. وفي هذا الصدد، يقسم علمء الاجتمع الأجيال التي عاشت في هذه الفترة ثلااثة أقسام: "الجيل إكس" (X Generation)، وفيه مختلف الأفراد الذين وُلدوا بين فترة الستينيات والثمنينيات من القرن العشرين؛ و"الجيل واي" (Y Generation)، وهم من ولدوا في الفترة 1995-1980؛ و"الجيل زيد" (Z Generation) أو "جيل الألفية" (Millennials)، ويندرج فيه كل من وُلدوا في سنة 1995 وما بعدها14. وتتميز هذه الأجيال فيم بينها عبر العديد من الخصائص، مثل نوعية الحاجيات الأساسية التي تتباين من جيل إلى آخر، ثم طبيعة القيم الموجهة لمعايير السلوك الخاص بكل جيل، عطفًا على شكل العمل الذي يزيد تعقيدًا من جيل إلى آخر، ثم في الأخير طبيعة التنشئة الاجتمعية التي يتلقاها أفراد كلّ جيل ونمطها15. وسيشهد الاهتمم بالجيل الأخير تطورًا ملحوظًا؛ إذ سيتمّ بناء تصنيفات من داخله وتسميات جديدة.
1. من الإنسان الرقمي إلى المواطن الرقمي
دفعت المكانة التي تبوّأتها اليوم وسائل التكنولوجيا في الحياة اليومية للأفراد إلى ضرورة التفكير من جديد في طبيعة الإنسان الذي يعيش في العصر الرقمي. ونشأت بعض الدراسات التي اهتمت بهذه
القضية، والتي تتقاطع حول فكرة رئيسة مفادها أن نوع الإنسان الذي يعيش اليوم في ظل الثورة الصناعية الرابعة16 وما بعدها مختلفٌ على نحوٍ ملحوظ عن الأنواع السابقة17. ووُظّفت العديد من التسميات للإحالة إلى هذا النوع18، سنركّز على الإشارة إلى ثلااثة أمثلةٍ منها مع تحليلها. فقد وصف دانييل كوهن الكائن البشري الذي هو وريث المجتمع ما بعد الصناعي ب "الإنسان الرقمي"19، والذي تتحكم فيه الخوارزميات التي تمثّل روح التكنولوجيا الحديثة، ثم الشركات الكبرى التي تستثمر في هذا المجال. ويمكن تشبيه التحليل الذي أجراه كوهن للإنسان الرقمي بلعبة الشطرنج؛ إذ إنّ فهم هذا الكائن يستلزم النظر إليه من الأعلى عوض النظر إليه عن قرب، فهو إنسان في علااقاته الاجتمعية "الفردانية السيبرانية"20، التي أضافت طبقةً جديدة من التعقيد إلى الصيغة القديمة للعلااقات الاجتمعية. وفي سياقٍ آخر، وضع مارك برينسكي تصنيفًا آخر لأولئك الذين يقضون وقتًا طويالًا في استخدام وسائل المعلومات والاتصال21، وعلى شبكة الإنترنت، مميّزًا بين "السكان الرقميين الأصليين" و"المهاجرين الرقميين"؛ وذلك من خلاال اعتبار أنّ الفئة الأولى تضمّ مختلف الأفراد الذين نشؤوا بفعل استعملهم للإنترنت، ويعتبرونها ضروريةً بالنسبة إليهم، إلى درجة أنهم لا يستطيعون الانفصال عنها. وعلى عكس ذلك، يضع ضمن الفئة الثانية مختلف الأفراد الذين جاؤوا في وقت لاحق من حياتهم قصد استعمل الإنترنت، ويتصفون بأن سنهم أكبر مقارنة بالفئة الأولى. وإذا كان الاختلااف الأول بين الفئتين مبنًّيًا تحديدًا على السن، فإن الاختلااف الثاني هو اللغة؛ إذ إن المهاجرين الرقميين لهم لغات ولهجات متباينة تراوح بين تلك المتداولة في عالمهم الواقعي، وتلك التي تتداول في المجالات الرقمية. أما السكان الرقميون الأصليون فإنهم يستخدمون حصرًا اللغة التي تُتداول في المجال الرقمي الذي يعيشون فيه22. وفي سياق التصنيف بين الأفراد من حيث التزامهم الرقمي، وتجاوزًا للفجوة الحاصلة في تصنيف برينسكي، سيقترح ديفيد وايت وأليسون لو كورنو التمييز بين نوعين من الأفراد، "الفرد المقيم" ثم "الفرد
الزائر"23. فبالنسبة إلى المقيمين، يميّزهم الباحثان من سواهم بالعديد من الخصائص، لعلّ أبرزها أنهم يقضون نسبةً كبيرة من حياتهم على شبكة الإنترنت، ومن ثمّ فهذه الأخيرة ليست بالنسبة إليهم مجرد وسيلة، بل هي جزء من وجودهم. وبالاعتمد على شبكة الإنترنت والتكنولوجيا بصورة عامة، فإنهم أشدّ حرصًا على أن يشكّلوا هويتهم الرقمية، وفي سعيٍ دائم للحفاظ عليها واقعيًا. عطفًا على هذا، يجد الفرد المقيم، بحسب الباحثين، صعوبةً ملحّة في تقديم نفسه أثناء عدم وجود شبكة الإنترنت، أو تكوين شبكة العلااقات الاجتمعية من دونها24. أما بالنسبة إلى "الفرد الزائر"، فهو يحيل إلى كل شخص يستعمل شبكة الإنترنت مجرد وسيلة، وفي الوقت الذي تكون فيه مفيدة وضرورية. والاختلااف الحاصل في هذه النقطة بين المقيم والزائر أن الثاني لا يستخدم تلك الوسيلة بالدرجة نفسها التي يستخدمها بها النمط الأول. ولهذا السبب، فإن الفرد الزائر ليس في حاجة إلى تشكيل هوية رقمية له، والمشاركة في الثقافة الرقمية؛ إذ يمكنه أن ينقل فقط تلك الهوية التي يمتلكها واقعيًا إلى هذا المجال الرقمي.
وعلى عكس هذه التصنيفات كلها، نجد من يتفادى كثرة المعايير للتمييز في الجيل الرقمي، ويستخدم مفهوم المواطن أو المواطنة الرقمية25. وقد برز مفهوم المواطن الرقمي داخل المجتمعات التي تميّزت على الأقل بتوافر ميزتين و/ أو شرطين؛ يتعلق الأول بالوصول الممكن لجميع أفراده إلى شبكة الإنترنت، بينم يخصّ الثاني المجتمع الذي يستخدم أفراده بدرجة كبيرة منصات التواصل الاجتمعي، التي تحقق لهم مشاركة رقمية سهلة مقارنة بالنمط التقليدي للمشاركة26. وقد انبثقت ملاامح هذا النوع من المواطن بوضوح مع الأحداث المواكبة لما يسمى "فضيحة فيسبوك- كامبريدج أناليتيكا"27، وتعمقت صورته أكثر مع فترة الحجر الصحي الذي سبّبته جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-). وبالموازاة مع هذين الحدثين يجب أّلا يغيب عن أذهاننا سرعة التطور التكنولوجي الذي له بالغ الأثر في فكرة المواطنة سواء من حيث الشكل أو من حيث طريقة ممرستها28.
وقد عملت سيرورة الرقمنة على تغيير الوجه العادي والتقليدي للمشاركة السياسية؛ إذ إنها خلقت نمطًا جديدًا للمواطنة يختلف عن الشكل التقليدي الذي يشترط في البدء الانتمء إلى دولة قومية29. وتسطر هذه الأخيرة لمواطنيها العديد من التوقعات هي بمنزلة واجبات ومسؤوليات ينتظر أن يتقوّموا بها، وتحدد في الآن ذاته لائحةً من الحقوق30. ومن ثمّ، يشترط هذا النوع التقليدي للمواطنة ضرورة العضوية القانونية، لأنها هي البوابة التي من خلاالها يتمكن الأفراد من المطالبة بحقوقهم31. ويمكن حصر الأدبيات التي اشتغلت على مفهمة "المواطنة الرقمية" أو "المواطن الرقمي" في ثلااثة أقطاب. يحصر القطب الأول هذه المواطنة في كونها مجموع معايير السلوك المناسب والمسؤول فيم له صلة باستعمل التكنولوجيا32. وينظر هذا القطب إلى المواطنة الرقمية من خلفية معيارية؛ إذ إنه يقرّ أن هناك معايير محددة لا بد من الامتثال لها قصد تحقيق هذا الشكل من المواطنة، ولهذا يسمى كلّ من يعتمد على هذه المفهمة ب "القطب المعياري"33. أما التصور الثاني، فيسمى "القطب الشرطي" الذي يعتبر المواطنة الرقمية مشروطةً بتحقيق الوصول إلى شبكة الإنترنت للجميع، إلى درجة أنّ مؤسسي هذا الاتجاه يعتبرون الوصول إلى الإنترنت حقًا من حقوق المواطن الرقمي، ولهذا من الصعوبة بمكان الحديث عن المواطنة الرقمية داخل الديمقراطيات المعاصرة من دون وجود عدالة رقمية34. من هذا المنظور، يوفر الوصول إلى شبكة الإنترنت للأفراد القدرة على المشاركة بآرائهم حول مختلف القضايا، سواء الوطنية أو العالمية، وذلك عبر الاستخدام المنتظم والفعال لهذه الشبكة. وفي المقابل، نجد أنّ القطب الثالث يركّز في مفهمته للمواطنة أو المواطن الرقمي على أهمية السياق، ويشير إلى أنه في بعض السياقات من غير الممكن أن نتحدث عن المواطنة الرقمية. ولهذا الاعتبار، يتشابك هذا النمط من المواطنة مع نظيره غير المتصل بشبكة الإنترنت، وهو المواطن العادي. وتنبّهنا هذه المقاربة إلى أهمية السياق والعلااقات الاجتمعية والثقافية والسياسية، إضافة إلى العلااقات الاقتصادية، في تشكيل المواطنة الرقمية35. وبصيغة أخرى، يصعب الحديث، في السياقات التي تتميز بقوة المراقبة الرقمية ودرجة عالية من السلطوية، عن المواطن الرقمي أو المواطنة الرقمية.
يفرض فهم المواطن الرقمي، في نظرنا، الأخذ، في الآن ذاته، بهذه الأقطاب و/ أو المقاربات الثلااث؛ إذ نقصد بهذا المواطن كلّ من يقوم ب "فعلٍ رقمي" (action Digital) يتوافق مع المعايير الخاصة بالمجال العام الرقمي، الأمر الذي يعني أنه تتوافر فيها خصائص معينة ذات صلةٍ بالقدرة على الوصول إلى صبيب الإنترنت الذي يخوّل تحقيق المشاركة الرقمية، عبر التعبير عن المحتوى الرقمي الذي يعنيهم أو التفاعل مع المحتوى المتداول ضمن ذلك المجال. وعطفًا على هذا، لكي تكتمل هذه المواطنة، لا بد لها من أن تستفيد من العديد من الحقوق الرقمية.
2. حقوق الإنسان الرقمية
إن اقتراح منظور حقوق الإنسان لأجل تحديد النتائج المعقدة للتكنولوجيا وللتطور الحاصل في مجال الذكاء الاصطناعي وتحليلها، نابع من القيمة التي يحظى بها مبحث الأخلااقيات في هذا المجال. غير أننا سنعمل على توسيع دائرة النظر إلى أبعد حٍّدٍ ونتساءل: هل سيكون مستقبالًا للمواطن الرقمي و/ أو الإنسان الرقمي الصيغة نفسها من حقوق الإنسان التي يتمتع بها الإنسان في المجال الواقعي؟ نظرًا إلى أن التكنولوجيا قد أحدثت تغييرات جذرية في الحياة اليومية للأفراد المستخدمين لها، ومن بين هذه العناصر ما يسمى بالمواطن الرقمي36، فإن هذا المواطن يحتاج إلى قوانين تحمي حقوقه داخل المجال الرقمي الذي خلقته هذه التكنولوجيا. وإذا كانت سيرورة الرقمنة قد شكّلت خصائص وأنماطًا جديدة من المواطنين، فهل ستشكّل نمطًا جديدًا لحقوق الإنسان؟ يمكن أن نجد نموذَجيَن من الإجابات المحتملة. فالإجابة الأولى تقرّ بأنه لا وجود لأي صيغة جديدة لحقوق الإنسان داخل شبكة الإنترنت، وتحاجّ بأن الحقوق الرقمية هي نفسها الحقوق التقليدية. أما الإجابة الثانية، وهي التي نحاجّ بشأنها في هذه الدراسة، فهي تؤكد أن سيرورة الرقمنة بصورة عامة قد دفعت إلى ضرورة أن تكون هناك حقوق جديدة لهذا المواطن الرقمي37. والمبرر في ذلك أنّ حقوق الإنسان الواقعية ترتبط بمحددٍ أنطولوجي مختلف تمامًا عن المحدد الأنطولوجي الذي يؤطر المجال الرقمي الذي يوجد فيه المواطن الرقمي. قبل التفصيل ووضع مصفوفة هذه الحقوق، من الضروري التركيز على عنصر مهم يصعب من دونه الحديث عن هذه الحقوق، وهو الهوية الرقمية. وفي هذا الصدد، تميّز فاني جورج بين ثلااثة مكونات للهوية الرقمية: "الهوية التصريحية"، وتحيل إلى مختلف المؤشرات والخصائص التي يدرجها مستخدم وسائل التكنولوجيا أثناء عملية إنشاء حساب شخصي فيها؛ و"هوية التمثيل"، وتحيل إلى مختلف
الأنشطة التي يقوم بها المواطن الرقمي داخل المجال الرقمي عامة؛ و"الهوية المحسوبة"، وهي عبارة عن مؤشرات رقمية محسوبة، من قبيل عدد الأصدقاء وعدد الصفحات التي تجري متابعتها، وغيرها38. تقدّم لنا هذه المكونات التي أشارت إليها جورج فكرتين بالغتَي الأهمية، تتمثل الفكرة الأولى في أن منصات التواصل الاجتمعي، وباقي المنصات الأخرى، تمنح لمستخدميها الحق في إمكانية أن يُنشئوا هويتهم الرقمية وفق المحددات التي يقتنعون بها39. وهذه الإمكانية نجدها مثالًا لدى الفئات الاجتمعية التي تعاني الوصم، مثل الأفراد الذين لهم هوية جندرية لا نمطية، أو الأفراد الذين لهم هوية دينية مغايرة لتلك الرسمية في مجال معّين، بفعل سلطة الضبط الاجتمعي الذي يتم عبر القانون والمعايير الاجتمعية. وبهذا، فالهوية الرقمية هي مجموع "الآثار [...] التي نتركها وراءنا، بوعي أو بغير وعي، أثناء تصفحنا للشبكة وتبادلاتنا التجارية أو العلاائقية في إطار مواقع مخصصة"40. ونجد في هذا النوع من الهوية احتملين؛ الأول أن تكون مطابقةً للهوية الواقعية لصاحبها، والثاني أّلا تكون مطابقةً في العديد من محدداتها للهوية الواقعية. أما الفكرة الثانية، فهي أن هذه الهوية الرقمية تخضع لسلطة الخوارزميات وتصير محكومة ومراقبة من طرفها، ومن ثمّ، فإن صاحبها يحتاج إلى الحق في حميتها لأنها تحتوي على خصوصيته. تقع الفكرة الأخيرة التي تمت الإشارة إليها (الحق في حمية الهوية الرقمية بالنظر إلى أنها تحتوي على الخصوصية) ضمن النقاش الحاصل حول حقوق الإنسان الرقمية بوصفها امتدادًا لحقوق الإنسان التي يتضمنها الإعلاان العالمي لحقوق الإنسان الذي أعلنت عنه الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948. وإلى جانب ذلك، فهي أيضًا حقوقٌ قانونية تسمح للأفراد بالوصول إلى المحتوى الرقمي الذي يوجد في منصات التواصل الاجتمعي، وتضمن لهم إمكانية إنشاء المحتوى الرقمي الخاص بهم ونشره عبر الأجهزة التي يتوفرون عليها (الهاتف الذكي، الحاسوب المتنقل، اللوحة الإلكترونية) في الجمعات الأهلية الافتراضية التي يشاركون فيها41.
ولكي يتحقق هذا الشكل المجتمعي ويعمّ العالم كله، من الضروري أن يكون الوصول إلى شبكة الإنترنت متوافرًا للجميع؛ وبذلك يقع هذا الشرط في صلب الحقوق الرقمية التي ينبغي أن يتمتع بها الإنسان الرقمي. بيد أن هناك رأيًا آخر ينظر نظرةً نسبية إلى الرأي السالف، ويعتبر أنّ الوصول الشكلي للشخص إلى شبكة الإنترنت لا يمنحه أي قيمة حقيقية، لأنّ الوصول إلى العضوية في هذا المجال الرقمي ليس ضروريًا42. وعلى عكس هذه الحجة، نقول إن الوصول هو بالفعل الحق الذي يضمن الحقوق الأخرى. فإذا تتبعنا برويّة كيفية انخراطنا في استخدام منصات التواصل الاجتمعي، سنجد أنّ هذا الانخراط المختلف من حيث الدرجة يشترط في البداية أن نحقق وصولًا إلى هذه المنصات. وبذلك، فإنّ حق الوصول إلى الإنترنت هو مثل الحق في الحياة أو الوجود، أي إنه هو الذي يرخّص بالتمتع بحقوقٍ رقمية أخرى. بعد تحقيق الوصول إلى المجال الرقمي الذي يحتضن "المجتمع الشبكي"، يأتي نوع آخر من الحقوق الرقمية وهو الحق في حمية معطيات الهوية الرقمية، والذي يوازيه في الحقوق التقليدية الواقعية الحق في الخصوصية. ويمثل هذا الحق إحدى المشاكل المطروحة اليوم أكثر من أي وقت مضى على المستوَييَن الدولي43والمحلي. ويمكن أن نوضح أهمية هذا الحق وضرورة حميته، مقارنةً بالخصوصية في المجال الواقعي الذي في مقدور الفرد أن يتحكم فيها عكس الخصوصية في المجال الرقمي، بوضعيَتيَن؛ تمثل الوضعية الأولى، وهي التي نعيشها اليوم في ما تسميه شوشانا زوبوڤ مرحلة "رأسملية المراقبة"، مرحلةً تاريخيةً ونظامًا اقتصاديًا جديدًا يعتمد على الشركات الكبرى (غوغل، فيسبوك، تويتر سابقًا) التي تهدف إلى جمع أكبر قدر من المعطيات عن مستعملي المنصات الرقمية، ليس فقط لغاية التنبؤ بالسلوك الخاص بهم، بل من أجل التأثير فيه وتعديله على حدٍ سواء44. وتصير بذلك للبيانات الرقمية الخاصة بالمستخدمين قيمة كبيرة في هذا النظام الاقتصادي، خاصةً إذا وضعنا مؤشر نسبة المعلومات المخزّنة رقميًا في قالبه الفكري، وهو ما يسمى "سلوكية البيانات"45. وتوضح أنطوانيت روفروي هذا المعتقد بالقول إنّ العالم اليوم، وعلى نحوٍ خاص الشركات الكبرى، يطمح إلى فهم: كيف يتصرف البشر في العالم الرقمي؟ وكيف يفهمون العالم؟ وكيف يتفاعلون فيم بينهم؟46 أما الوضعية الثانية، فهي أننا في المجال الرقمي خاضعون على نحو شبه كامل للخوارزميات، وبهذا فدرجة الخصوصية ترتبط بدرجة تمكّن الفرد من بعض الأساسيات المتعلقة بكيفية اشتغال هذه المنصات الرقمية.
لكلّ هذه الأسباب، إذا كان حق الخصوصية في المجال الطبيعي مخوّلًا للأفراد ومضمونًا من طرف القانون، بما يمنحهم القدرة على أن "يحددوا بأنفسهم متى يتم توصيل المعلومات المتعلقة بهم إلى الآخرين؟ وكيف؟ وإلى أي مدى؟"47، فإن الخصوصية الرقمية في المجال الرقمي أشد تعقيدًا، خاصة إذا علمنا أن المنصات الرقمية تسعى اليوم إلى تقديم أكبر قدر ممكن من الخدمات التي ستنال إعجاب المستعملين، وهذا لا يكون إلا عبر جمع أكبر قدر من المعطيات عن المستخدمين، سواء تعلق ذلك بأذواقهم، أو بهواياتهم، أو بآرائهم. ومن ثمّ، فحمية حق الخصوصية الرقمية هي في علااقة تلاازمية بالتحكم في حجم المعلومات التي يجري إدخالها في الاستعمل الأول أو اليومي لهذه المنصات48. ويقرّ جيمس برايدل في هذا السياق بأنّ البيانات اليوم لها المكانة ذاتها التي كانت ولا تزال للنفط، وهذه المكانة تتطلب نفس العملية التي تُجرى على النفط؛ أي تحويله إلى مواد أخرى. والأمر نفسه ينطبق على البيانات؛ إذ إنها تتطلب عملية التحليل لكي تكون ذات قيمة49. ومن المهم أن نذكّر في هذا الصدد بالإعلاان العالمي لحقوق الإنسان الذي يؤكّد في مادته ال 19 أنّ "لكلّ شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقته، وفي التمس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأية وسيلة، ودونما اعتبار للحدود"50. فإذا كان هذا الحق ممكن التحقق في المجال الواقعي، فإنه صعب الوصول أو التحقيق في المجال الرقمي. وبصيغةٍ أخرى، ألنا كامل الحرية في المجال الرقمي على أن نعّبر عن رأينا وقناعاتنا؟ للإجابة عن هذا السؤال الذي نروم التأكيد فيه أنّ الحرية الرقمية مختلفة تمامًا عن الحرية في المجال الواقعي، سنسوق مثالين تحليلَييَن. يرتبط المثال الأول بالحركات الاجتمعية التي وجدت في المجال الرقمي الداعم لمطالبها، والقناة التي عبرها تنال الانتشار الكبير لمطالبها، والتي قد لا تكون لها القدرة في القول أو المطالبة بها واقعيًا، ثم لممرسة نشاطها الاحتجاجي. ولعلّ المثال على ذلك الأحداث التي شهدتها العديد من البلدان العربية عام 2011 وما بعده، والتي انطلقت شرارتها الأولى من منصات التواصل الاجتمعي51. فعبر هذا المثال، يمكن أن نقول إنّ المنصات الرقمية تتيح حرية للجمعات الاجتمعية الفاعلة لكي تستفيد من حقها في "المشاركة الرقمية"، بوصفها المشاركة الفعالة في المجتمع الرقمي عبر استخدام تكنولوجيا المعلومات
والاتصال المعاصرة52. وفي المقابل، نجد فئاتٍ أخرى يشكّل لها المجال الرقمي عائقًا لبلوغ حرية المشاركة الرقمية بوصفها التجسيد الفعلي لحرية الرأي الرقمية. ولعل الأحداث الأخيرة التي وقعت في غزّة أكبر دليل على هذا التمييز الذي تقوم به الخوارزميات المتميزة بالتعلم الآلي، إذ تخضع للرقابة و/ أو يجري حذف أي محتوى و/ أو أي تدوينة تحيل إلى كلمة "إسرائيل" أو "فلسطين" أو "غزة" أو "الإبادة" أو غيرها، حتى إن كان الغرض منها هو مجرد الاكتفاء بصورة أو بشريط فيديو يعّبر عن وضعية حقوق الإنسان في خضم تلك الأحداث. ويتمّ تبرير عملية حذف التدوينات بأنها تتضمن مفردات تحثّ على الكراهية أو العنصرية، أما تلك المرتبطة بالمحتويات الأخرى فتبرر بأنها تتضمن مقاطع عنيفة أو تحيل إلى العنف. وقد يبدو للبعض أن هذه العملية بسيطة وعادية، لكنها تحتوي في جوهرها على فكرة رئيسة مفادها أنّ أغلب المنصات الرقمية التي تشتغل اليوم وفق خوارزميات مركزة جدًا تحُّدُ من الحق في التعبير والمشاركة الرقمية53. الحق الأخير الذي نشأ في سيرورة الرقمنة والتطور الحاصل فيها اليوم، هو الذي يتم الإحالة إليه ب "الحق في النسيان"54. فمن بين المفارقات التي يصطدم بها الإنسان المعاصر، الذي هو إنسان رقمي بامتياز، أنه يكون حامالًا لذاكرة تحتوي العديد من الأحداث والمعطيات والمعارف، التي تلتقطها محركات البحث كم المنصات الإلكترونية، وتحتفظ بها على صيغة بيانات المستخدمين. غير أنّ هذا الإنسان الرقمي في سعيٍ دائم إلى التعديل من هويته، أو تكييف هذه المعطيات المشكّلة عنه، وفي أحيان أخرى المسح الكّلي لهذه المعطيات التي تحيل إليه في فترة من الفترات. وهنا بالذات تُطرح معضلة أن شبكة الإنترنت قد أُنشئت لغاية الحفاظ والتخزين وليس النسيان. ولهذا السبب نشأ ما يسمى ب "الحق في النسيان"، الذي يُقصَد به منح الأفراد المستخدمين لشبكة الإنترنت وللمنصات الرقمية، القدرة على أن يجعلوا البيانات الرقمية
المخزنة حولها متمثلة مع هويتهم الشخصية، وذلك عبر القدرة على محو "الآثار الرقمية" (Digital Traces)، أو على الأقل "إلغاء الإحالة" إليهم (De-referencing) التي توجد في الإنترنت55. لكلّ هذا، لم يعد ممكنًا إخفاء درجة التجاوز التي تامرَس على حقوق الإنسان الرقمية، بسبب التطور الذي شهدته التكنولوجيا، خاصة منها المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. فالتحيز أو التمييز الرقمي يكاد يكون واضحًا، ولا يحتاج إلى تعداد أمثلة بشأنه. ويكفي أن نستحضر مثال البيانات الضخمة (Data Big) لإبراز ذلك بجلااء. فالكثير من المنصات الرقمية أصبحت اليوم تعمل على جمع أكبر عدد ممكن من المعطيات الخاصة بمستعمليها. يضاف إلى ذلك أنّ فلسفة المجال الرقمي تعتمد بالأساس على عمومية المعلومات ونزع القيود عنها لتكون في كل مكان، وهو ما يأتي على طرَفي نقيض الحق في الخصوصية. وبذلك تتراجع الحقوق الرقمية مفسِحةً المجال لتشُّكُل أنواع جديدة من "التفاوتات الرقمية"56.
ثانيًا: يف العلاقة بين حقوق الإنسان الرقمية والتفاوتات الرقمية بعد أن احتلت شبكة الإنترنت مكانةً تضاهي مكانة الواقع في حياة الأفراد، أصبح من الصعب تخيّل حياتنا من دون الوصول إليها، وأصبح هذا الوصول يمكّننا من تلبية مختلف حاجيات الأفراد والجمعات ورغباتهم. بيد أنه على الرغم من هذه المكانة التي تكتسيها شبكة الإنترنت، فإن الوصول عمومًا، ودرجته بصورة خاصة، لهم تأثيرات في الكثير من الأبعاد المشِّكِلة للعالم الاجتمعي للأفراد57. ومن بين التأثيرات التي يتسبّب فيها الوصول غير المتكافئ نجد نشوء ما يسمى بالتفاوتات الرقمية من الدرجة الأولى. ففي العقد الأخير من القرن العشرين، بدأ التوافق على اعتبار الوصول من عدمه إلى الإنترنت سببًا في نشوء فئتين من الناس: أولئك الذين لديهم وصول جيد إلى تكنولوجيا الاتصال والمعلومات والشبكات، وفئة ثانية تشمل من لديهم وصول ضعيف أو منعدم إلى هذه الوسائل58. وفي المنحى ذاته، جرى اعتبار الوصول إلى الإنترنت حقًا من حقوق الإنسان التي ينبغي أن يتمتّع بها أينم كان؛ وهو ما يتوافق مع إحدى خصائص حقوق الإنسان وهي الكونية.
وإذا حسمنا أنّ حقوق الإنسان المعاصر هي حقوق رقمية بامتياز، فإن التفاوتات الرقمية من الدرجة الأولى، التي تتعلق بالوصول إلى شبكة الإنترنت وإلى تكنولوجيا المعلومات والاتصال، من شأنها أن تحدّ من العديد من هذه الحقوق الخاصة بالإنسان الرقمي. وهذا الحق هو شبيه في الصيغة التقليدية لحقوق الإنسان بالحق في الحياة؛ ذلك أنّ التمتع بهذا الحق يحقق ما يُسمّى ب "الوجود الرقمي"59الذي أمسى يومًا بعد آخر تتحكم فيه منصات التواصل الاجتمعي. ونقصد في هذا السياق بالوجود الرقمي نمط الحياة والتفاعلاات التي يحققها الإنسان الذي يصل إلى التكنولوجيا الحديثة والشبكات ويستخدمها؛ وهو نمطٌ من الوجود يكون فقط في المجال الرقمي. عبر هذا التحديد، يمكن أن نقيس درجة هذا الوجود بعدد الساعات التي يقضيها الأفراد وهم متصلون بشبكة الإنترنت، عطفًا على نوعية المنصات التي يجري استخدامها. وبالنظر إلى التطورات التكنولوجية الأخيرة، مثل طفرة الذكاء الاصطناعي الفائق، أو التكنولوجيا الحيوية، ومع تنامي عدد الأفراد المتصلين بشبكة الإنترنت خلاال العقدين الماضيين (ينظر الشكل)، أصبح الوصول وحده غير قادر على تفسير التفاوتات الرقمية. لهذا يجري الاعتمد على متغير آخر إلى جانب الوصول، وهو الاستخدام60. وبذلك، تكتسي التفاوتات الرقمية معنى أوسع يشمل أيضًا الفجوة الحاصلة بين أولئك الذين يملكون المهارات الضرورية لاستخدام وسائل المعلومات والاتصال، وأولئك الذين ليست لديهم معرفة بها. يتبّين من خلاال الشكل أن نسبة سكان العالم التي تعيش في كنف الدرجة الأولى من التفاوتات الرقمية ما فتئت تتقلّص على نحو ملموس خلاال العشرين عامًا الماضية. ففي عام 2024، تبّين إحصائيات الاتحاد الدولي للااتصالات أنّ عدد مستخدمي الإنترنت في العالم قد بلغ 5.5 مليارات شخص، وهو ما يمثّل نسبة 68 في المئة من سكان العالم، مقارنةً بنحو 65 في المئة قبل ذلك بعام واحد (.2023)61ويظل استخدام الإنترنت مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمستوى التنمية. ففي البلدان ذات الدخل المرتفع، يستخدم 93 في المئة من السكان شبكة الإنترنت، وهو ما يقترب من معدل الانتشار العالمي الحالي. ويتناقض هذا على نحو صارخ مع الوضع في البلدان ذات الدخل المنخفض، حيث لا يستخدم الإنترنت سوى 27 في المئة من السكان. وفي حين يبلغ متوسط معدل النمو السنوي في هذه الاقتصادات 8.5 في
المئة في عام 2024، وهو أعلى من المعدل في أي من المجموعات أو المناطق الأخرى، فإن هذا لا يكفي لسدّ الفجوة قريبًا62.
شكل يوضح عدد مستخدمي الإنترنت في العالم (2024-2005)
وإن كانت نسبة سكان العالم التي تعيش في كنف الدرجة الأولى من التفاوتات الرقمية قد تقلّصت على نحوٍ ملحوظ خلاال العقدين الماضيين، فإنّ النسبة التي تعيش في كنف الدرجة الثانية من التفاوتات الرقمية لا تزال عالية، ويجري التركيز في هذا البعد من التفاوتات على مفهوم المهارات المرخّصة بالاستخدام. فمن شأن امتلااك هذه المهارات أن يمنح الفرد إمكانية التمتع ببعضٍ من حقوقه الرقمية، لا سيم تلك التي لها علااقة بدرجة التمكن من هذه المهارات. ومن بين الحقوق التي يمكن أن تتأثر بالدرجة الثانية من التفاوتات الرقمية نجد الحق في الخصوصية الرقمية. فهذا الحق يتطلّب من الفرد الرقمي أن يلمّ ببعض المهارات التي تجعله يحمي معطياته
الرقمية الخاصة، من قبيل أن يتحكم في من يزور صفحته الخاصة في منصات التواصل الاجتمعي، وأن يعرف المعطيات التي تكون قابلةً لكي يصلها أي مستخدمٍ لهذه المنصات وتلك التي سيحتفظ بها لنفسه. عطفًا على ما سبق، يحدّ عدم استخدام الإنترنت والمنصات الرقمية أيضًا من حقٍ آخر من الحقوق الرقمية يتمثّل في "المشاركة الرقمية" (E-Participation)، التي تحيل إلى المشاركة النشطة للفرد داخل "المجتمع الرقمي" (Society Digital)، وذلك عبر الاستخدام الفعال لتكنولوجيا المعلومات والاتصال والإنترنت. تبعًا لكلّ هذا، لا تقتصر المشاركة الرقمية على محدودية الوصول، بل تتجاوزه لتركّز على شرطية الوصول أيضًا إلى الخدمات والمحتوى الرقمَييَن63. وهنا تنبغي الإشارة إلى عنصرٍ يكتسي بالغ الأهمية في المشاركة الرقمية، وهو الذي يكون واضحًا في حالة عدم تحقيقها، ويسمى ب "الإقصاء الرقمي" (Digital Exclusion)، وهي الحالة التي لا يحقّق فيها الفرد الوصول إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصال وإلى المحتوى الرقمي. وقد يكون هذا النوع من الاستبعاد نتيجة لإرادة الفرد بنفسه؛ بمعنى أنه لا يرغب في استخدام شبكة الإنترنت؛ وهو ما نجد له صدى لدى مانويل كاستلز الذي أكد أنّ الفرد لم يعد قادرًا على الانفكاك من الشبكات، بمعنى أنه حتى حين لا يكون مهتمًا بالشبكات، فإنّها تكون مهتمةً به: "طالما أنك تريد أن تعيش في المجتمع، في هذا الزمن وفي هذا المكان، سيكون عليك إذًا التعامل مع مجتمع الشبكة. لأننا نعيش في مجرّة الإنترنت"64. لذلك، فإنّ الظفر بالحقوق الرقمية المتأثرة بالتفاوتات الرقمية من الدرجة الثانية يستوجب أن يكون الفرد على معرفة ببعض من المهارات الرقمية الضرورية لاستخدام وسائل المعلومات والاتصال والشبكات، بغض النظر عن رغبته في استخدامها أو لا، وبغض النظر عن استخدامها الفعلي. ويحدّد يان فان دايك وألكسندر ديرسون هذه المهارات في ستة نماذج مترابطة فيم بينها على نحوٍ دائري وملاازم: المهارات الرقمية الإجرائية، والمهارات الرقمية الشكلية، والمهارات الرقمية المعلوماتية، والمهارات الرقمية التواصلية، والمهارات الرقمية المحتواتية، والمهارات الرقمية الاستراتيجية65. وقد تجلّت القيمة الفعلية للتكنولوجيا والشبكات في فترة الحجر الصحي التي تلت الإعلاان عن جائحة كوفيد 19–، في آذار/ مارس 2020؛ إذ أصبح من الضروري الاستعاضة عن الصيغة التقليدية للخدمات "وجهًا لوجه" بصيغة رقمية "عن بعد". وأمام هذا التوجه، نشأ مستوى جديد في الدراسات المتعلقة بالتفاوتات الرقمية، يسمى بالتفاوتات الرقمية من الدرجة الثالثة، يركز على النتائج التي ترتبط بالعالم
الواقعي والناتجة من الوصول المختلف ثم الاستخدام المتعدد لوسائل تكنولوجيا المعلومات والاتصال المتصلة بشبكة الإنترنت66. ومن الممكن تسويغ أهمية هذا المستوى بالإشارة إلى أنّ المستويين الأول والثاني لا يفّسر ان النتائج التي يمكن أن يحققها الأفراد مستخدمو المصادر الرقمية، والتي يمكن أن تكون اجتمعية أو اقتصادية أو ثقافية أو سياسية. ومن الحقوق التي لها صلة بهذا المستوى من التفاوتات الرقمية نجد "الحقّ في النسيان". ويؤدّي هذا الحق دورًا إيجابيًا، خاصة إذا استفاد منه الفرد المستخدم للمصادر الرقمية واستطاع بذلك أن يمحو بعضًا من البيانات التي يمكن أن تؤثر في هويته. ويمكن أن يكون هذا الحق سلبيًا إذا لم يرتبط بالمهارات الضرورية للقيام به في البيئة الرقمية. وهنا تزيد الفجوة بين الأفراد في الاستفادة من هذا الحق. ويتجلى البعد الثقافي للااستفادة، مثال، ا في الحق في التعليم الرقمي؛ إذ إنّ الأنظمة التعليمية اليوم بدأت تأخذ الصيغة الرقمية. ويمثل هذا الحق وهذا النوع من التعليم، "أداةً جديدة نسبيًا تتمتع بإمكانية تحسين معدلات المشاركة والتحصيل في التعليم بشكل جذري. وتشمل الفوائد القدرة على تكييف التعلم وفقًا لاحتياجات الفرد، والمرونة للسمح للفرد بالتعلم وفق الوتيرة والوقت المناسَبيَن له، ومن مكان مادي يناسبه بالشكل الأمثل. ومن خلاال التعلم الإلكتروني تصبح لدينا الفرصة التي تتيح للجميع الحصول على التدريب والتعليم المناسب والرفيع المستوى"67. إن هذه الوعود والامتيازات التي يوفرها التعليم الرقمي هي في مصلحة من يحققون وصولًا واستعملًا يتوافقان مع خصوصية هذه البيئة، أما أولئك الذين لا يحققون وصولًا واستعملًا كافَييَن أو نسبَييَن، فهم لا يحققون هذا النوع من الاستفادة، الأمر الذي يفيد أن الأشخاص الذين لديهم ضعف في الوصول يفضلون التعليم العادي وليس الرقمي68.
ثالثًا: خلاصات وتوصيات بخصوص مستقبلات المواطنة الرقمية يف ظلّ سيرورة الرقمنة
أبرزنا نشأة منظومة حقوق الإنسان الرقمية في ظلّ بروز الواقع الرقمي والإنسان الرقمي والجمعات الأهلية الرقمية والمجتمع الرقمي، وسلّطنا الضوء على أبرز تحدياتها من حيث الفجوة الرقمية، والاستبعاد الرقمي، والتفاوتات الرقمية، من الدرجات الأولى والثانية والثالثة. وفي ظل تسارع وتيرة التطورات
التكنولوجية وتوسّع نطاقها، لتشمل جميع مناحي الحياة الخاصة بالإنسان المعاصر، من المرجّح أن تتقلص درجة الفاعلية البشرية، لمصلحة تزايد استقلاالية الخوارزميات و"الذكاء الاصطناعي التوليدي" (AI Generative)، مع تضاعف قدرات "التعلم العميق" (Learning Deep)، ما يهدّد، على نحوٍ أكبر في المستقبل، منظومة حقوق الإنسان الرقمية الناشئة، ويرفع تحديات جمّة أمام ضمنها وتعزيزها. ومن بين أهم هذه الآثار المتعدّدة الأوجه التي ستؤثر على نحو أكبر في منظومة حقوق الإنسان، بفعل تزايد تأثيرات الثورة التكنولوجية والرقمية في المستقبل: الخصوصية والمراقبة: يمكن أن تؤدي تقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل التعرف على الوجه والقدرة على معالجة كميات هائلة من البيانات الشخصية، إلى تعزيز المراقبة، ما قد ينتهك حقوق الخصوصية للأفراد. فعلى سبيل المثال، يمكن الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي استخراج المعلومات من بيانات تبدو غير ضارة، وتحويلها إلى معلومات شخصية حساسة69. وستتعرض البيانات الشخصية بذلك لخطر المزيد من التسليع والتوظيف لأغراض متعددة في المستقبل، إذا لم يتم اتخاذ تدابير جدية، ما قد يؤدي إلى مستويات غير مسبوقة من المراقبة وتآكل الخصوصية70. التحيز والتمييز: غالبًا ما يعكس اعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على قواعد البيانات وبيانات التدريب الخاصة بها، والتي تنطوي على تحيّزات موجودة في العالم الحقيقي، إعادة إنتاج هذه التحيّزات في العالم الرقمي. وهذا يمكن أن يؤدي إلى ممرسات تمييزية في مجالات مثل التوظيف، وإنفاذ القانون، والإقراض. ويشير ماتياس ريس في هذا الصدد إلى أنّ التحيّزات في استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن تنطبق على جميع الحقوق المنصوص عليها في الإعلاان العالمي لحقوق الإنسان تقريبًا؛ ما يثير مخاوف فورية بشأن الإنصاف والمساواة في عمليات اتخاذ الخوارزميات القرار على نحوٍ مستقل أو شبه مستقل71. ففي مجال الصحة، على سبيل المثال، الذي يشكّل حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، توجد مخاطر حقيقية ناتجة من استخدام الخوارزميات في مجال الرعاية الصحية في المستقبل، مع تكرار التحيزات الاجتمعية في العالم الحقيقي، ومن ثمّ حرمان السكان المستبعدين اجتمعيًا72.
حرية التعبير والرقابة: جرى في الآونة الأخيرة تسليط الضوء كثيرًا على مسألة تزايد الحدّ من حرية التعبير والرقابة بتزايد الإشراف الآلي على المحتوى المعتمد القائم على الذكاء الاصطناعي على منصات التواصل الاجتمعي. وهو ما يهدّد بمزيدٍ من تقويض حرية التعبير في المستقبل73. الوصول إلى المعلومات والفجوة الرقمية: على الرغم من تحسّن البنية التحتية الرقمية، وخصوصًا بفضل التكنولوجيا المحمولة، لا تزال الفجوات الرقمية المختلفة التي شهدناها على مدى العقود الثلااثة الماضية معرّضة لخطر التزايد أضعافًا مضاعفة في المستقبل، ما يهدّد بتهميش أولئك الذين لا يستطيعون الوصول إلى التكنولوجيات الرقمية على نحو متزايد، من فئاتٍ اجتمعية أو جمعاتٍ أهلية أو مناطق أو بلدان74. اتخاذ القرار المستقل للخوارزميات: يخاطر الاتجاه نحو منح أنظمة الذكاء الاصطناعي استقلااليةً أكبر في اتخاذ القرارات بالتأثير في حياة الأفراد على نحو ملموس، خاصة في عمليات صنع القرار في أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تتعلق بجوانب حيوية من حياتهم، بدءًا بالتوظيف، وتقييم الائتمن ومنحه، ووصولً إلى الإدانات الجنائية75. الحق في التعويض والشفافية: إن غموض خوارزميات الذكاء الاصطناعي، والتي يشار إليها غالبًا باسم "مشكلة الصندوق الأسود"76، يؤدي إلى تعقيد الحق في التعويض، بوصفه حقًا أصيالً من حقوق الإنسان. فقد يواجه الأشخاص المتأثرون بقرارات الذكاء الاصطناعي التعسّفية أو غير المنصفة صعوبةً في فهم هذه القرارات أو تحديها، الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات بشأن الحاجة إلى الشفافية وقابلية الشرح في أنظمة الذكاء الاصطناعي لإنفاذ حقوق الإنسان الرقمية77. التلااعب بالسلوك: تثير قدرة الذكاء الاصطناعي على التنبؤ بالسلوك البشري والتأثير فيه مخاوف بشأن الاستقلاالية الفردية. وتشير بعض البحوث الحديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكنه رسم
خريطة للرغبات البشرية والتلااعب بها، بحيث تصبح الدوافع البشرية سلعة؛ ما يشكل مخاطر تتعلق بالتلااعب بالحياة الخاصة والإضرار بها78. الأطر الأخلااقية والقانونية: غالبًا ما تفوق الوتيرة السريعة للتقدم التكنولوجي تطور الأطر الأخلااقية والقانونية التي تؤطّرها. وغالبًا ما يؤدي هذا التأخّر إلى تزايد الفراغ التنظيمي والقانوني في المستقبل، بحيث لا تتم حمية حقوق الإنسان الرقمية بما يكفي79. تتطلّب معالجة كل هذه التحديات في المستقبل مقاربة جديدة وشاملة ومتعدّدة الاختصاصات والجهات الفاعلة، لضمن حمية حقوق الإنسان الرقمية في مشهد رقمي دائم التغير، بالاعتمد أساسًا على المحاور التالية: بلورة إرشادات أخلااقية وأنظمة قانونية تأطيرية للذكاء الاصطناعي. ويتضمن ذلك تحديث القوانين الحالية وإنشاء لوائح جديدة تعالج التحديات المستجدّة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية. ومن الأمثلة على ذلك، نجد "الإعلاان الأوروبي بشأن الحقوق الرقمية ومبادئ العقد الرقمي" (Principles and Rights Digital on Declaration European)، الذي يدافع عن أولوية الكرامة البشرية في التفاعلاات مع الذكاء الاصطناعي80. من المهم أيضًا تعزيز التفاعلاات المنهجية بين مطوري الذكاء الاصطناعي والمدافعين عن حقوق الإنسان، ما يمكن أن يخفف من المخاطر المرتبطة بنشر الذكاء الاصطناعي81. ويشمل ذلك تنفيذ تدريب في مجال حقوق الإنسان للمطورين، وإنشاء فرق متعددة الاختصاصات، لضمن دمج اعتبارات حقوق الإنسان في أنظمة الذكاء الاصطناعي منذ بداية تطويرها، وليس بعد استخدامها وبروز عيوبٍ وتحيّزات في عملها. وتعتبر مثل هذه التدابير الاستباقية ضروريةً لمنع الانتهاكات المحتملة ولمواءمة تطوير الذكاء الاصطناعي مع معايير حقوق الإنسان. يُعدّ التعاون المتعدد التخصصات أيضًا أمرًا ضروريًا لفهم التأثيرات المختلفة للذكاء الاصطناعي في حقوق الإنسان والخصوصية والسرية؛ ذلك أنّ إشراك العديد من الجهات الفاعلة في صنع السياسات، بما فيها الخبراء المستقلون ومنظمت المجتمع المدني، يمكن أن يضمن أن الابتكار التكنولوجي يخدم المجتمع على نحو مستدام وأخلااقي.
تُعدّ شفافية أنظمة الذكاء الاصطناعي وقابلية شرحها أمرًا ضروريًا لضمن المساءلة والثقة. ويتضمّن ذلك جعل خوارزميات الذكاء الاصطناعي وعمليات صنع القرار مفهومةً للمستخدمين والفئات المعنية بقراراتها82. من المهم أيضًا رفع مستوى الوعي حول حقوق الإنسان الرقمية وآثار الذكاء الاصطناعي. ويمكن في هذا الصدد أن تسهم البرامج التعليمية في تمكين الأفراد من فهم حقوقهم والدفاع عنها في العالم الرقمي83. يُعدّ تعزيز محو الأمية الرقمية والتثقيف في مجال حقوق الإنسان أمرًا ضروريًا لتمكين الأفراد من فهم حقوقهم وممرستها في الفضاء الرقمي. ويبرز هنا خاصةً دور النشاط الرقمي للشباب في زيادة الوعي والمشاركة في قضايا حقوق الإنسان من خلاال وسائل التواصل الاجتمعي. ومن خلاال تثقيف الأفراد حول حقوقهم والمخاطر المحتملة المرتبطة بالتقنيات الرقمية، يمكن المجتمعات تنمية مواطنين أكثر استنارة وقادرين على الدفاع عن حقوقهم ومحاسبة الكيانات المسؤولة عن المسّ بها. ينبغي دمج المبادئ التوجيهية والمبادئ الأخلااقية في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي ونشرها. ويشمل ذلك ضمن العدالة وتجنب التحيز واحترام كرامة الإنسان84. وتبرز في هذا الصدد أهمية الاعتبارات الأخلااقية في البيئات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، ما يستلزم دمج الكرامة الإنسانية والعدالة بوصفها مبادئ أساسية في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي ونشرها85. تتمشى هذه المقتضيات مع الحاجة إلى لوائح تنظيمية شاملة لا تحكم تقنيات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تضمن أيضًا منح الأولوية لحقوق الإنسان في تطبيقها. وتعتبر "اللاائحة العامة لحمية البيانات" (Regulation Protection Data General) في أوروبا مث لً جيدًا على ذلك؛ إذ إنها تفرض متطلبات صارمة لمعالجة البيانات والخصوصية، ومن ثمّ توفر أساسًا قانونيًا لحمية الحقوق الفردية في المجال الرقمي. من الضروري أيضًا اتخاذ تدابير صارمة لحمية البيانات للحفاظ على الخصوصية في العصر الرقمي. ويتضمّن ذلك تنفيذ آليات تقليل البيانات والتشفير وموافقة المستخدم. ويتضمّن إنشاء معايير للشفافية والمساءلة في عمليات صنع القرار في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يسمح للأفراد بطلب
التعويض عند انتهاك حقوقهم. ومن الممكن أن تساعد مثل هذه الآليات في تخفيف المخاطر المرتبطة بالتحيز والتمييز الخوارزمي، السائدين في العديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ينبغي أيضًا بذل الجهود لسد الفجوة الرقمية وضمن الوصول إلى التكنولوجيات الرقمية والإنترنت للجميع؛ وهو ما يقتضي تطوير البنى التحتية، وتوفير برامج الوصول، ومحو الأمية الرقمية، بأسعار معقولة وبسياسات استباقية. وأخيرًا، يُعدّ التعاون بين الحكومات والصناعة والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني أمرًا ضروريًا لمواجهة التحديات المعقدة المتعلقة بحقوق الإنسان الرقمية. ومن شأن مبادرات الجهات الفاعلة المتعدّدة أن تقود إلى حلولٍ أكثر شمولً وإنصافًا.
خاتمة
عالجت الدراسة العلااقة بين الثورة الرقمية وحقوق الإنسان ومستقبلااتها. وقد فرضت هذه العلااقة ضرورة ضمن نوع جديد من الحقوق، وهي حقوق الإنسان الرقمية، والتي تقودنا إلى القول إنّ سيرورة الرقمنة قد أنتجت نموذجًا جديدًا ليس فقط للحقوق، بل أيضًا نموذجًا جديدًا للإنسان، والذي يسمى بالإنسان الرقمي، وتمخض عنها أيضًا نمط آخر من المواطنة ذات الصيغة الرقمية. وقد خلصنا من خلاال درس حقوق الإنسان الرقمية هذه إلى أنه يمكن تقسيمها إلى نموذجين. النموذج الأول الحقوق الرقمية التي تتموقع في المجال الرقمي فقط مثل الحق في خصوصية البيانات الرقمية، أو الحق في إنشاء هوية رقمية. أما النموذج الثاني فنجد فيه الحقوق الرقمية التي تراوح بين المجال الرقمي والمجال الواقعي ونجد فيه مثال الحق في التعليم الرقمي. تظل حقوق الإنسان الرقمية باعتبارها النمط الموازي لنموذج الديمقراطية الرقمية، مرهونة بدرجة الإنترنت التي توجد في أي مجال جغرافي. بصيغة أخرى، تتأثر عملية استفادة المواطنين الرقميين من هذه الحقوق بدرجة التفاوتات الرقمية، والتي تمثل إحدى الوقائع التي يعانيها الكثير من البلدان. لهذا، تؤكد النتائج المتوصل إليها على الارتباط السببي بين التفاوتات الرقمية وحقوق الإنسان الرقمية؛ فكلم كانت درجة التفاوتات الرقمية بمختلف أبعادها مرتفعة تقلصت معها الحقوق الرقمية التي يمكن أن يستفيد منها الفرد، في حين أنه كلم تقلصت درجة التفاوتات الرقمية زادت أنماط الحقوق الرقمية التي يمكن المستعملين أن يستفيدوا منها. في ضوء ما تقدم، أكدت الدراسة صعوبة الحديث اليوم عن المواطنة الرقمية أو حقوق الإنسان الرقمية من دون تحقيق الشمول الرقمي للأفراد، سواء في الوصول أو الاستعمل أو الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة. وهناك حاجة إلى المزيد من الدراسات التي تهتم بالجوانب الخفية للذكاء الاصطناعي في حياة الأفراد، لا سيم أن قوته ومكانته في الحياة الاجتمعية تتزايدان يومًا بعد آخر، إلى درجة أن هناك من
يعتبر الذكاء الاصطناعي فاعالًا اجتمعيًا، سيقلص من نطاق الفاعلية الإنسانية، وسيحلّ محلّ الإنسان في العديد من المجالات86. وأبرزنا أنّ حمية حقوق الإنسان الرقمية في مواجهة التحديات التي تفرضها الثورة التكنولوجية والرقمية تتطلب اتباع مقاربة شاملة وتعاونية ومتعددة الاختصاصات مع الجهات الفاعلة. وفي هذا الصدد، أكدنا أنّ تعزيز الأطر القانونية، وضمن الشفافية، وتعزيز التطوير الأخلااقي للذكاء الاصطناعي، وتحسين حمية البيانات، وتعزيز الشمول الرقمي، وتشجيع التعاون بين مختلف الجهات الفاعلة، وتنفيذ تقييمت الأثر في حقوق الإنسان، وتعزيز الوعي العام، وإنشاء هيئات مراقبة مستقلة، هي كلها تدابير أساسية. ومن خلاال اعتمد هذه الاستراتيجيات، يمكننا حمية حقوق الإنسان الرقمية بصورة أفضل في العالم الرقمي.
المراجع
العربية
احجيج، حسن. "تحديات الشبكات الاجتمعية الرقمية لنظرية الثقافة السياسية الكلااسيكية". سياسات عربية. مج 11، العدد 63 (تموز/ يوليو.)2023
استشراف للدراسات المستقبلية. الكتاب السنوي السادس. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021
الأمم المتحدة. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. الطبعة الخاصة للذكرى الستين. نيويورك: الأمم المتحدة، برايدل، جيمس. عصر مظلم جديد: التقنية ونهاية المستقبل. ترجمة مجدي عبد المجيد خاطر. سلسلة عالم المعرفة 497. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2022
الجموسي، جوهر. الافتراضي والثورة: مكانة الإنترنت في نشأة مجتمع مدني عربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016
جيئزاوي، رجاء. "الحركات الاحتجاجية الشبكية في المغرب: الفضاء الرقمي مج لًا لتشكل الخطاب المطلبي للهامش". عمران. مج 12، العدد 47 (شتاء.)2024
علم الاجتمع الرقمي: منظورات نقدية. جونسون -أورتون كيت ونيك بريور (محرران). ترجمة هاني خميس أحمد عبده. سلسلة عالم المعرفة 484. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،
الأجنبية
Arhal, Mohamed. "Digital Inequalities and their Impact on Distance Education: The
Case of Ibn Zohr University Students–Morocco." Higher Education Governance
and Policy. vol. 5, no. 1 (2024).
Ashraf, Cameran. "Artificial Intelligence and the Rights to Assembly and
Association." Journal of Cyber Policy. vol. 5, no. 2 (2020).
Bakiner, Onur. "The Promises and Challenges of Addressing Artificial Intelligence
with Human Rights." Big Data & Society. vol. 10, no. 2 (2023).
Banks, James A. "Diversity, Group Identity, and Citizenship Education in a Global
Age." Educational Researcher. vol. 37, no. 3 (April 2008).
Beduschi, Ana. "Rethinking Digital Identity for Post-COVID-19 Societies: Data
Privacy and Human Rights Considerations." Data & Policy. vol. 3 (January
Boëton, Marie. "La génération Y, une classe d'âge façonnée par le Net." Études.
vol. 419, no. 7‑8 (2013).
Bro ż ek, Bartosz et al. "The Black Box Problem Revisited: Real and Imaginary
Challenges for Automated Legal Decision Making." Artificial Intelligence and
Law. vol. 32 (2024).
Castells, Manuel. The Internet Galaxy: Reflections on the Internet, Business, and
Society. Oxford: Oxford University Press, 2002.
Cave, Stephen, Kanta Dihal & Sarah Dillon. AI Narratives: A History of Imaginative
Thinking about Intelligent Machines. Oxford: Oxford University Press, 2020.
Chan, Kai Tai. "Emergence of the 'Digitalized Self' in the Age of Digitalization."
Computers in Human Behavior Reports. vol. 6 (May 2022).
Chen, Gewei, Jianning Dang & Li Liu. "After Opening the Black Box: Meta-
Dehumanization Matters in Algorithm Recommendation Aversion." Computers
in Human Behavior. vol. 161 (2024).
Cheng-Tek Tai, Michael. "The Impact of Artificial Intelligence on Human Society
and Bioethics." Tzu Chi Medical Journal. vol. 32, no. 4 (2020).
Cohen, Daniel. Homo numericus: La "civilisation" qui vient. Paris: Albin Michel,
Comunello, Francesca, Fabrizio Martire & Lorenzo Sabetta (eds.). What People
Leave Behind: Marks, Traces, Footprints and Their Relevance to Knowledge
Society. vol. 7, Frontiers in Sociology and Social Research. Cham: Springer
International Publishing, 2022.
Couldry, Nick et al. "Digital Citizenship? Narrative Exchange and the Changing
Terms of Civic Culture." Citizenship Studies. vol. 18, no. 6‑7 (August 2014).
Dijck, Jose van. "Datafication, Dataism and Dataveillance: Big Data between
Scientific Paradigm and Ideology." Surveillance & Society. vol. 12, no. 2 (May
Encyclopedia of Gerontology and Population Aging. Cham: Springer, 2021.
Ertzscheid, Olivier. "L'homme, un document comme les autres." Hermès. vol. 53,
no. 1 (2009).
Eubanks, Virginia. Automating Inequality: How High-Tech Tools Profile, Police, and
Punish the Poor. New York: Picador, St Martin's Press, 2018.
Ferreira, Daniela et al. "The Three Levels of the Urban Digital Divide: Bridging
Issues of Coverage, Usage and its Outcomes in VGI Platforms." Geoforum.
vol. 124 (August 2021).
Floridi, Luciano et al. "AI4People: An Ethical Framework for a Good AI Society."
Minds and Machines. vol. 28, no. 4 (2018).
Georges, Fanny. "L'identité numérique sous emprise culturelle: De l'expression de
soi à sa standardisation." Les Cahiers du numérique. vol. 7, no. 1 (2011).
Habermas, Jürgen. "The Public Sphere: An Encyclopedia Article (1964)." Sara
Lennox & Frank Lennox (trans.). New German Critique. no. 3 (Autumn 1974).
Han, Byung-Chul. Infocratie: Numérique et crise de la démocratie. Paris: PUF, 2023.
Heimann, Marc & Anne-Friederike Hübener. "AI as Social Actor: A Lacanian
Investigation into Social Technology." Journal of Digital Social Research. vol. 5,
no. 1 (March 2023).
Hildebrandt, Mireille & Katja de Vries (eds.). Privacy, Due Process and the
Computational Turn the Philosophy of Law Meets the Philosophy of Technology.
London: Routledge, 2013.
International Telecommunication Union, ITU. Measuring Digital Development:
Facts and Figures 2024. Geneva: 2024.
Jasanoff, Sheila & Sang-Hyun Kim (eds.). Dreamscapes of Modernity: Sociotechnical
Imaginaries and the Fabrication of Power. Chicago: University of Chicago Press,
Jørgensen, Rikke Frank (ed.). Human Rights in the Age of Platforms. Information
Policy Series. Cambridge, MA: MIT Press, 2019.
Jørring, Louise, António Valentim & Pablo Porten-Cheé. "Mapping a Changing
Field: A Literature Review on Digital Citizenship." Digital Culture & Society.
vol. 4, no. 2 (December 2018).
Khullar, Vikas et al. Artificial Intelligence and Society 5.0: Issues, Opportunities, and
Challenges. Boca Raton: Chapman and Hall/CRC, 2023.
Lavallard, Jean-Louis. "Génération Y: Les Millenials." Raison présente. vol. 211,
no. 3 (2019).
Lutz, Christoph. "Digital Inequalities in the Age of Artificial Intelligence and Big
Data." Human Behavior and Emerging Technologies. vol. 1, no. 2 (2019).
Lythreatis, Sophie, Sanjay Kumar Singh & Abdul-Nasser El-Kassar. "The Digital
Divide: A Review and Future Research Agenda." Technological Forecasting and
Social Change. vol. 175 (February 2022).
Mai, Jens-Erik. "Big Data Privacy: The Datafication of Personal Information." The
Information Society. vol. 32, no. 3 (May 2016).
Marc, Prensky. "Digital Natives, Digital Immigrants." On the Horizon. vol. 9, no. 5
Meltwater & We Are Social. Digital 2024: Global Overview Report. San Francisco:
Mossberger, Karen, Caroline J. Tolbert & Ramona S. McNeal. Digital Citizenship:
The Internet, Society, and Participation. Cambridge, MA: MIT Press, 2008.
Obermeyer, Ziad et al. "Dissecting Racial Bias in an Algorithm used to Manage the
Health of Populations." Science. vol. 366, no. 6464 (2019).
Oyekunle, David, David Boohene & David Preston. "Ethical Considerations in
AI-Powered Work Environments." International Journal of Scientific Research
and Management. vol. 12, no. 3 (2024).
Pangrazio, Luci & Julian Sefton-Green. "Digital Rights, Digital Citizenship
and Digital Literacy: What's the Difference?" Journal of New Approaches in
Educational Research. vol. 10, no. 1 (January 2021).
Parayil, Govindan (ed.). Political Economy and Information Capitalism in India.
London: Palgrave Macmillan, 2005.
Razmetaeva, Yulia, Yurii Barabash & Dmytro Lukianov. "The Concept of Human
Rights in the Digital Era: Changes and Consequences for Judicial Practice."
Access to Justice in Eastern Europe. vol. 3, no. 15 (2022).
Ribble, Mike. Digital Citizenship in Schools: Nine Elements all Students Should
Know. Washington, DC: International Society for technology in Education,
Risse, Mathias. "Human Rights and Artificial Intelligence: an Urgently Needed
Agenda." Human Rights Quarterly. vol. 41, no. 1 (2019).
________. "The Fourth Generation of Human Rights: Epistemic Rights in Digital
Lifeworlds." Carr Center for Human Rights Policy/Harvard Kennedy School.
Harvard University. Faculty Research Working Paper Series RWP21-027
(November 2021).
Roberts, Sarah T. Behind the Screen: Content Moderation in the Shadows of Social
Media. New Haven: Yale University Press, 2019.
Sanders, Cynthia K. & Edward Scanlon. "The Digital Divide Is a Human Rights
Issue: Advancing Social Inclusion Through Social Work Advocacy." Journal of
Human Rights and Social Work. vol. 6, no. 2 (June 2021).
Scheerder, Anique, Alexander van Deursen & Jan van Dijk. "Determinants of
Internet Skills, Uses and Outcomes. A Systematic Review of The Second-
and Third-Level Digital Divide." Telematics and Informatics. vol. 34, no. 8
(December 2017).
Selwyn, Neil. "What is Digital Education?" Learning, Media and Technology. vol. 44,
no. 1 (2019).
Shaelou, Stéphanie Laulhé & Yulia Razmetaeva. "Challenges to Fundamental
Human Rights in the Age of Artificial Intelligence Systems." Era Forum.
vol. 24, no. 4 (2023).
Shen, Yue, Na Ta & Yanwei Chai. "The Internet and The Space–Time Flexibility
of Daily Activities: A Case Study of Beijing, China." Cities. vol. 97 (February
Skepys, Brian. "Is There a Human Right to the Internet?" Journal of Politics and
Law. vol. 5, no. 4 (2012).
Sullivan, Clare. "Digital Citizenship and the Right to Digital Identity under
International Law." Computer Law & Security Review. vol. 32, no. 3 (June 2016).
Toko, Fatie. Et si la tech pouvait sauver le monde? IA, ChatGPT, métavers, au service
du progrès humain. La Tour-d'Aigues: Éditions de l'Aube, 2024.
Van Dijk, Jan A. G. M. & Alexander J. A. M. Van Deursen. Digital Skills. New York:
Palgrave Macmillan, 2014.
Van Dijk, Jan. The Digital Divide. Cambridge, UK: Polity Press, 2020.
Villaronga, Eduard Fosch, Peter Kieseberg & Tiffany Li. "Humans Forget, Machines
Remember: Artificial Intelligence and the Right to Be Forgotten." Computer
Law & Security Review. vol. 34, no. 2 (April 2018).
Wachter, Sandra, Brent Mittelstadt & Luciano Floridi. "Why a Right to Explanation
of Automated Decision-Making Does Not Exist in the General Data Protection
Regulation." International Data Privacy Law. vol. 7, no. 2 (2017).
Werro, Franz. The Right to be Forgotten: A Comparative Study of the Emergent
Right's Evolution and Application in Europe, the Americas, and Asia. London:
Springer Nature, 2020.
Westin, Alan F. Privacy and Freedom. New York: IG Publishing, 1967.
White, Ben, Andy Clark & Mark Miller. "Digital Being: Social Media and the
Predictive Mind." Neuroscience of Consciousness. no. 1 (February 2024).
Zobl, Elke & Ricarda Drüeke (eds.). Feminist Media: Participatory Spaces, Networks,
and Cultural Citizenship. Bielefeld: Transcript, 2012.
Zuboff, Shoshana. The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future
at the New Frontier of Power. New York: PublicAffairs, 2019.