Return to Article Details The Complementarity of Quantitative and Qualitative Methods in Future Studies

تكامل التقنيات المنهجية الكمية والكيفية في الدراسات المستقبلية

The Complementarity of Quantitative and Qualitative Methods in Future Studies

وليد عبد الحي

الملخّص

إذا كان المنهج الكمّي يفترض القدرة على تحويل الظواهر إلى مؤشّراتٍ قابلة للقياس أو تطويعها لتكون كذلك، وإذا كانت المناهج الكيفية تقوم على أساس الفهم البنائي للظاهرة انطلاقًا من أنّ الواقع مبنيٌّ اجتماعيًا، فإنّ الجمع بينهما في الدراسات المستقبلية هو محور هذه الورقة. وتفترض الدراسة إدراك البعدين الإبستمولوجي والمنهجي لكلٍّ من التقنيات الكمية والكيفية، وهي أبعاد بشأنها قدرٌ من التباين بين مدارس الدراسات المستقبلية، ساعيةً بذلك لبحث طرق الجمع بين المنهجين أملًا في رصد احتمالات تطّور الظاهرة وبناء سيناريوهاتها بصورة أكثر دقّة. كما تتناول الورقة العلاقة بين هدف الدراسة والتقنية الأنسب لتحقيق الهدف، وتحدّد عددًا من الشروط والمحاذير لضمان توظيف هذه التقنيات الكمية والكيفية لإنجاز بحثٍ مستقبلي دقيق.

Abstract

اتٍ قابلة للقياس ملخص:  إذا كان المنهج الكمّي يفترض القدرة على تحويل الظواهر إلى مؤش أو تطويعها لتكون كذلك، وإذا كانت المناهج الكيفية تقوم على أساس الفهم البنائي للظاهرة انطلاقًا من أنّ الواقع مبنيٌّ اجتمعيًا، فإنّ الجمع بينهم في الدراسات المستقبلية هو محور هذه الورقة. وتفترض الدراسة إدراك البعدين الإبستمولوجي والمنهجي لكلٍّ من التقنيات الكمية والكيفية، وهي أبعاد بشأنها قدرٌ من التباين بين مدارس الدراسات المستقبلية، ساعيةً بذلك لبحث طرق الجمع بين المنهجين أملً في رصد احتملات تطّور الظاهرة وبناء سيناريوهاتها بصورة أكثر دقّة. كم تتناول الورقة العلاقة بين هدف الدراسة والتقنية الأنسب لتحقيق الهدف، وتحدّد عددًا من الشروط والمحاذير لضمن توظيف هذه التقنيات الكمية والكيفية لإنجاز بحثٍ مستقبلي دقيق. كلمت مفتاحية:  الدراسات المستقبلية، المناهج الكمية، المناهج الكيفية Abstract:  Quantitative approaches presume the ability to transform or adapt phenomena into measurable indicators, while qualitative methods are based on the understanding that reality is a social construct. The field of Future Studies (or "Futurology") combines these two. This combination and its deployment forms the core of this paper, which examines the epistemological and methodological dimensions of quantitative and qualitative methods, particularly in light of the diversity of approaches to these methods across the various schools of thought within Futurology. In doing so, the paper seeks to explore the ways in which the synergies between the two main approaches of Futurology can be enhanced. It also explores how the specific subject of study in Futurology impacts the choice of methodology. It identifies a number of conditions and caveats that, if observed, will ensure the use of these quantitative and qualitative techniques in a manner that will produce accurate forecasts.

الكلمات المفتاحية:
  • دراسات مستقبلية
  • مناهج كمية
  • مناهج كيفية
Keywords:
  • Future Studies
  • Quantitative Methods
  • Qualitative Methods

اتٍ قابلة للقياس

عددًا من الشروط والمحاذير لضمن توظيف هذه التقنيات الكمية والكيفية لإنجاز بحثٍ مستقبلي دقيق. كلمت مفتاحية:  الدراسات المستقبلية، المناهج الكمية، المناهج الكيفية Abstract:  Quantitative approaches presume the ability to transform or adapt phenomena into measurable indicators, while qualitative methods are based on the understanding that reality is a social construct. The field of Future Studies (or "Futurology") combines these two. This combination and its deployment forms the core of this paper, which examines the epistemological and methodological dimensions of quantitative and qualitative methods, particularly in light of the diversity of approaches to these methods across the various schools of thought within Futurology. In doing so, the paper seeks to explore the ways in which the synergies between the two main approaches of Futurology can be enhanced. It also explores how the specific subject of study in Futurology impacts the choice of methodology. It identifies a number of conditions and caveats that, if observed, will ensure the use of these quantitative and qualitative techniques in a manner that will produce accurate forecasts.

**Professor at the Faculty of Arts, Department of Political Science, Yarmouk University, Jordan.

"ما نراقبه ليس الطبيعة نفسها، بل الطبيعة وقد انكشفت لطريقة تساؤلاتنا." فيرنير هيزنبرغ

مقدمة

في كتابه حول الطاوية والفيزياء، يقول فريتجوف كابرا: "إنّ نظريّتَي الكمّ والنسبية في فيزياء القرن العشرين، تدفعاننا لرؤيةٍ قريبة جدًا من رؤية البوذية والهندوسية أو الطاوية للعالم، ويزداد التشابه بين الجانبين كلّم ذهبنا نحو وصف العالم ما دون الميكروسكوبي (...). إنّ التمثل بين الفيزياء الحديثة والصوفية الشرقية كبيرٌ للغاية، ويصل أحيانًا حدّ صعوبة الفصل فيم إذا كان من صنع الفيزياء أو من صنع الصوفيين الشرقيين". تفرض الفقرة السابقة سؤالً محدّدًا: كيف يتوصّل الإنسان غير المزوّد إلّ بحدسه قبل 2500 سنة إلى المبادئ ذاتها التي تتوصّل إليها الفيزياء المعاصرة وقد تسلّحت بكلّ تكنولوجيا العصر؟ وهل يحسن توظيف ذلك في استشرافنا المستقبل؟ تلك هي إشكاليتنا. وهنا، لا بدّ من التوقّف عند مسألتين طرحهم كابرا في الفصل الثاني من دراسته في الإشارة إلى أنّنا لا بدّ أن نتّفق أوّلً حول طبيعة المعرفة التي نناقشها، واللغة التي عبّت عنها هذه المعرفة؛ فهناك الوعي العقلي، وهناك الوعي الحدسي. وتنبع الأولى من علاقتنا بالأشياء، ومن خلال تمييزها وتقسيمها وتصنيفها ومقارنتها وقياسها، فكلّ الأشياء أعدادٌ كم اعتقد فيثاغوروس. وحتى نقوم بذلك فإنّنا نختار من كلّ هذا الجهد ما يبدو لنا الأهم، ومن هنا يبدأ قصور هذا النمط من المعرفة النسبية. أمّا المعرفة المطلقة، فهي تعبيرٌ عن حالة وعي غير عادية تؤسّسها الخبرة الحياتية وتظهر على شكل "تأمّل" أو "حدس"، وأداتها أو تقنيتها هي الاستبصار (Clairvoyance) أو الاستبطان (Introspection)؛ والواقع في هذه المعرفة المطلقة متداخلٌ ومتشابك وغير متميز في جوهره. وعند نقل هذا الحدس إلى عالم اللغة فإنّنا نتخلّ عن الكثير، لأنّ الأمر يصبح كمن يعتقد أنّ الخريطة والأرض هم الشيء نفسه. إنّ المعرفة المطلقة تنبت من رؤيةٍ ميتافيزيقية تفوق الواقع وتصبح تجربةً غير حسّية له، وتصبح تنويرًا تجريبيًا. ذلك يعني أنّ وراء تباين تقنيات المعرفة إرثًا فلسفيًا عميقًا، ومن غير المجدي غضّ الطرف عن بعضها، لأنّ في ذلك استهانة بإرثها الفلسفي، وهو ما يشكّل بداية الخطأ المعرفي الذي تعمل الدراسات المستقبلية على تجنّب أوزاره.

Werner Heisenberg, Physics and Philosophy: The Revolution in Modern Science (London: Penguin Books, 1958), p. 58; Quoted in Fritjof Capra, The Tao of Physics: An Exploration of the Parallels Between Modern Physics and Eastern Mysticism (Berkeley: Shambhala, 1975), p. 140. 2 Capra, pp. 18 - 19.

أوّلً. بين الكمّي والكيفي

هل المناهج الكمية والكيفية تختلف عن بعضها من ناحية تقنية فحسب، أم أنّ الأمر يُخفي في ثناياه تباينًا في الفلسفة التي تقف وراء كلٍّ منهم؟ لعلّ هذا التباين بين المنهجين غير منبتّ الصلة عن الجدل الفلسفي بين المنظور المثالي والمنظور الوضعي الذي احتدم مع أواخر القرن التاسع عشر، وهو يستوجب منّا التمييز بين مستوياتٍ ثلاثة تتباين من خلالها هذه التقنيات ومناهجها: المستوى الأنطولوجي: بناء فرضيات حول الواقع. ö ö المستوى الإبستمولوجي: معرفة الواقع. المستوى المنهجي: تحديد الأدوات الخاصّة لمعرفة ذلك الواقع. ويفترض المنهج الكمي بتقنياته المتعدّدة القدرة على تحويل الظاهرة إلى عددٍ من المؤشّات القابلة للقياس، أو العمل على تطويع المؤشّات الكيفية إلى مؤشّاتٍ قابلة للقياس الكمّي (مثل تحليل المضمون، وتحويل النصّ إلى عدٍّ للكلمت أو قياسٍ للمساحة أو الزمن الذي يستغرقه نصٌّ ما... إلخ). وفي المستوى الأنطولوجي للمنهج الكمي، يتمّ تناول الظواهر على أساس فرضية مؤدّاها أنّ هناك حقيقةً واحدة (استنادًا لما أرساه المنظور الوضعي)، وأنّ الظاهرة لها وجودها المستقلّ عن نمط الإدراك الإنساني لها. أمّا إبستمولوجيًّا، فإنّ كلًّ من الباحث والظاهرة كيانان مستقلان عن بعضهم، وهو ما يُيسّ بحث الظاهرة دون تأثيرٍ منها في الباحث أو تأثيرٍ من الباحث فيها، ما يجعل القياس للمتغيرات المكوّنة للظاهرة وتحديد التأثير المتبادل بين هذه المتغيّات يتمّ في إطارٍ من عدم التدخّل القِيَمي (framework.)Value-free أمّا أدوات التحليل الكمّي على المستوى المنهجي، فهي المقيّدة بمعادلاتٍ ونماذج رياضية أو طرق قياس وتحليل محدّدة (كالإحصاء وبناء النمذج الرياضية، مثلً، والتي تظهر في الدراسات المستقبلية في عددٍ من التقنيات التي سنأتي عليها لاحقًا). ويمكن عدّ "نظرية تشيزيفسكي" الخاصة بالتنبّؤ طبقًا للنظام الشمسي من بين الدراسات التي تعتمد قياسًا كمّيًا صرفًا في الدراسات المستقبلية، وتربط بين السلوك الإنساني والنظام الشمسي. وتقوم هذه النظرية، والتي هي تطويرٌ لأطروحة الدكتوراه التي تقدّم بها تشيزيفيسكي، على أساس الربط بين الأحداث الإنسانية الكبرى في التاريخ ونشاط النظام الشمسي، وهو استمرارٌ لفكرة الدورة في التاريخ

Egon G. Guba (Ed.), The Paradigm Dialog (Newbury Park, CA: Sage, 1990), pp. 17 - 30. Boris N. Kuzyk & Yuri V. Yakovets, Civilizations: Theory, History, Dialogue, and the Future (Moscow: Institute for Economic Strategies, 2006), Chapter 17, pp. 214 - 245.

الشمسي، والتي أطلق عليها "كليوميتريك"، على أساس: ² أخذ فترةٍ زمنية مدّتها 2500 سنة. ² تقسيم الفترة إلى قرون (25 قرنًا.) تقسيم القرن إلى دورات، مدّة كلٍّ منها 11 سنة (أي أنّ القرن الواحد فيه 9 دورات.) تقسيم كلّ دورةٍ إلى أربع مراحل على أساس النشاط الشمسي على النحو التالي:

الكبرى (الثورات الكبرى، وظهور دينٍ معيّ... إلخ).

ثلاث سنوات يبدأ فيها الهبوط، وتقع فيها 15 في المئة من الأحداث.

مدّة كلّ واحد من هذه المستويات هي 3 و 2 و 3 و 3 على التوالي، ليكون المجموع.11 سنة

الثلاث المقبلة إذا كنّا في بداية المرحلة... وهكذا دواليك.

" كليوميتريك " (Cliometric)، وتعني ملهمة التاريخ طبقًا للأسطورة الدينية الإغريقية.

(التي طرحها بأشكال مختلفة كلٌّ من ابن خلدون، وتوينبي، وكوندراتييف... إلخ). تقوم نظرية النظام

ثلاث سنوات يكون النشاط الشمسي فيها متدنّيًا، وتقع فيه 5 في المئة من الأحداث الإنسانية سنتان يبدأ فيهم النشاط في التزايد التدريجي، وتقع فيهم 20 في المئة من الأحداث الكبرى. ثلاث سنوات يصل فيها النشاط الشمسي ذروته، وتقع فيها 60 في المئة من الأحداث الكبرى.

وهكذا يكون مجموع السنوات 11 سنة، ومجموع الأحداث 100 في المئة، ومجموع المراحل أربع مراحل. وعند تطبيق ذلك بأثرٍ رجعي، تبيّ أنّ الأحداث الكبرى في القرن الماضي (2000-1900) تطابق توزيع أحداثها الكبرى (مثل الكساد الكبير، والحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية... إلخ) مع التقسيم الذي حدّده تشيزيفسكي. وعند مراقبة النشاط الشمسي (الانفجارات، وانطلاق الغازات منها) طبقًا لمستويات النشاط الأربعة (انفجارات ضعيفة، وانفجارات قوية، وانفجارات قوية جدًّا، ثم تراجعٌ في حدّة الانفجارات)، تبيّ أنّ

ولو عدنا بالترتيب وبالتتابع نحو الماضي (2500 سنة التي غطّتها الدراسة)، يمكننا تحديد كلّ مرحلةٍ من المراحل الأربع، ثم نأخذ الأحداث التاريخية في كلّ فترةٍ ونرى هل حدثت في فترة النشاط الضعيف أو القوي أو القويّ جدًّا... إلخ، ونحسب نسبة ما جرى في كلّ مرحلةٍ من المراحل الأربع. فإذا كنّا مثلً في مرحلة ضعف النشاط، فهذا يعني أنّ عدد الأحداث الكبرى سيكون قليلً بنسبة 5 في المئة مثلا. وإذا كنّا في مرحلة النشاط القوي جدًا (في بدايتها)، يمكننا توقّع أنّ أحداثًا كبرى وعديدة ستحدث خلال السنوات

أمّا المناهج الكيفية، فتقوم على الفهم البنائي (Constructivism) للظاهرة؛ أي كيفية تفسير الباحث الظاهرة أو تأويلها (Interpretivism)، والذي يأخذ مسارًا محدّدا. وعليه، فإنّ هذه المناهج تقوم على المستوى الأنطولوجي على افتراض مستوياتٍ متعدّدة للواقع تتحدّد طبقًا لإدراك الباحث ذلك الواقع، وهو ما عبّ عنه البنائيون بالقول إنّ الواقع مبنيٌّ اجتمعيًا (constructed Socially)، ولذلك هو في حالة تغيٍّ دائم.

أمّا إبستمولوجيًّا، فإنّ هذه المناهج لا ترى انفصالً بين الباحث والظاهرة، فكلٌّ منهم يترك آثاره في الآخر، ولا تنفصل نتائج البحث عن خلاصة ذلك التأثير المتبادل بين الباحث وظاهرته. وأمّا على المستوى المنهجي، فعند تحديد أدوات البحث فإنّ المناهج الكيفية تكون معنيّةً بالمعنى، ولذا فهي توظّف ما يساعدها على ذلك من أدوات، وحتى عند أخذ عيّنةٍ من الظاهرة في المناهج الكيفية، فإنّ الأمر لا يعدو إلّ توظيفًا لتوليد الأسئلة لا للاستناد لأجوبة العيّنة. وسنتناول لاحقًا نماذج من تقنيات هذه المناهج في الدراسات المستقبلية. وعلى الرغم من التشابه في بعض مفردات المنهجين (الكمّي، والكيفي)، فإنّ مضمون كلّ مفهومٍ أم مفردة لا يتطابق مع نظيره في المنهج الثاني بالضرورة؛ فعندما نقول المصداقية (Validity) في البحث، فإنّها تعني لدى المنهج الكمّي التطابق بين ما خلص له البحث والظاهرة في الواقع، بينم تعني لدى المنهج الكيفي تطابق الواقع مع "ما يعتقده" الباحث. ويرى بعض الباحثين أنّ المناهج الكمية هي مناهج استنتاجية (Deductive)، وتبدأ استنادًا لفرضية يضعها الباحث قبل الشروع في دراسته، بينم المناهج الكيفية هي بطبيعتها استقرائية (Inductive)، لا تفترض وجود فرضية مسبقة. كم أنّ التوجّه بين الباحثين يتنامى نحو ما يسمى "التثليث" أو محصلة التناظر (Triangulation) في المناهج الكيفية، أي توسيع دائرة مصادر البيانات التي يتمّ جمعها ونوعيتها، لتأكيد صحة الانتقال من الخاص إلى العام في تفسير الظاهرة موضوع البحث أو تأويلها. وينبّه نورمان دينزن إلى خمسة أنماط من "التثليث": تثليث المعلومات والبيانات: وتعني تعدّد مصادر المعلومات والبيانات والمقابلة بينها. تثليث الباحثين: أخذ النتائج من باحثين مختلفين لتوسيع دائرة الرؤية. تثليث النظريات: استخدام أكثر من نظرية لتفسير الظاهرة الواحدة.

البحث أعلى.

يصيب الظاهرة بتغيّ بيئتها. ويميّز دينزين بين "التثليث ضمن التقنية الواحدة" (Within-method) من خلال استخدام التقنية بأكثر من طريقة، مثل دراسة تحليل المضمون الهيكلي مرّةً ودراسة النصّ نفسه بتحليل المضمون المادي

Joanna E. M. Sale, Lynne H. Lohfeld & Kevin Brazil, "Revisiting the Quantitative-Qualitative Debate: Implications Kristen Chorba, "A Review of Qualitative Research: Studying How Things Work", The Qualitative Report , vol. 16, Norman K. Denzin, Sociological Methods: A Sourcebook (New Brunswick, NJ: Transaction Publishers, 2006).

تثليث التقنيات: تطبيق التقنيات الكمية والكيفية على الظاهرة نفسها، ثم مقارنة النتائج في الحالتين لتحديد مدى التقارب أو التباعد بينهم، وكلّم كانت النتائج أكثر اتّساقًا كانت مصداقية

تثليث البيئة: ويعني محاولة دراسة الظاهرة نفسها في مواضع متباينة لرصد مدى التغيّ الذي

for Mixed-Methods Research", Quality & Quantity , vol. 36, no. 1 (2002), pp. 43 - 53. no. 4 (July 2011), pp. 1136 - 1140.

تعكس الواقع بدقّة، واليقينية (Certainty)، أي أنّ النتائج مدعمة بالأدلة.

عددٍ من المعايير للتقييم، كم يلي:

ö ö مجالات استخدام التقنية.)1-10(ö ö المدخلات التي تحتاج إليها التقنية.)1-10(العمليات (رياضية، فلسفية... إلخ).)1-10(المخرجات (الوضوح، الجدوى... إلخ) (1-10). وانتهت الدراسة إلى النتائج التالية التي لا تدلّ على فارقٍ ذي دلالة بين النمطين من التقنيات:

التصنيفالأدنىالأعلىالمتوسط
تقنيات كيفية18.132.726.7
تقنيات كمية1834.425.8

ثانيًا. خلفيات التكامل المنهجي ومقوّماته

لمعرفة مدى اتّساق النتائج، و"التثليث بين التقنيات" (Between-methods) حيث يتمّ استخدام أكثر من تقنية لمعرفة درجة اتساق النتائج، وهو ما يجري في الجمع بين التقنيات الكمية والتقنيات الكيفية. وفي المناهج الكيفية تُقاس مصداقية الدراسة ببعدين هم: الصحّة (Trueness)، أي أنّ نتائج البحث

وتشير الدراسات المستقبلية إلى قدرٍ ليس كبيرًا من عدم التوافق على تقييم كلٍّ من التقنيات الكمية والتقنيات الكيفية؛ فقد كشفت دراسةٌ متخصّصة نتائج التقييم الذي قامت به عيّنة كافية من باحثي الدراسات المستقبلية لتقنيات الدراسات المستقبلية (33 تقنية)، واستند الباحثون في هذه الدراسة إلى

تقييم كيفية عرض المتغيّ سرديًا أو رقميًا (تُعطى علامة 1 للسردي التام، وعلامة 10 للرقمي التام.) عدد الخبراء الذين يجب توافرهم لتطبيق تقنية معيّنة (الأقلّ يُعطى 1، والأعلى يُعطى.)10

الجدول:1 تقييم الخبراء التقنيات الكمية والكيفية في الدراسات المستقبلية

فكرة "الكمّ" و"الكيف" واستخدامهم في فهم الظواهر أعقد كثيرًا من أن يُؤصّل لهم تاريخيًا. فإذا رُبطَ البُعدان بموضوع التغيّ الذي يمثّل وحدة التحليل المركزية في الدراسات المستقبلية، ازداد الأمر تعقيدًا.

Maria Giaoutzi & Bartolomeo Sapio (Ed.), Recent Development in Foresight Methodologies (New York: Springers, 2013), pp. 41 - 46.

ويبدو أنّ رؤية نيوتن للكون "كآلة الساعة" وتأكيد آينشتاين في بداياته أنّ "الله لا يلعب النرد"، كرّسا فكرة الانتظام في حركية الظواهر، وهو ما يعني أنّ فهم قوانين الانتظام القائمة حاليًا يمهّد الدرب أمامنا لفهم إلى أين نحن ذاهبون، أي أنّ فهم الحاضر يكفي لرسم صورة المستقبل، وما علينا سوى تطوير تقنيات فهمنا للحاضر ليصبح المستقبل طوع إدراكنا. لكن هايزنبرغ أفسد على العلم تفاؤله بطرح مبدأ اللّيقين (Uncertainty) في 1927، عندما قال "إنّ عدم استطاعتنا معرفة المستقبل لا ينبع من عدم معرفتنا بالحاضر، وإنّا بسبب عدم استطاعتنا معرفة الحاضر". كم ساعد تطوّر فكرة قياس المتغيّات، والاعتقاد بالقدرة على تحويل كلّ متغيّ إلى "كمّ"، على المساهمة في دعم فكرة المنهج الكمّي الذي يمكن أن يبني نماذج رياضية للظواهر المختلفة طالما أنّ قِيَم المتغيرات وقيَم تغيّاتها قابلة للقياس (الطول، والعرض، والارتفاع، والزمن، والقوة، والسرعة، والتسارع، والمعدل، والمتوسط، والانحدار... إلخ). ومع أنّ المنهج الكمّي عانى نظرية هايزنبرغ، إلا أنّ الأمر أخذ منحى معيّنًا، وهو طالما أنّ المنهج الكمّي يمكّننا من إدراك قدرٍ كبير من الظواهر، فلا ضير والحالة هذه من التشبّث به في هذا النطاق بداية، والعمل على تطويره أكثر، واستمرار الاتكاء على المناهج الكيفية في الظواهر الأخرى وتطويرها أيضًا. وقد تكون التنبؤات الجوية مثالً نموذجيًا للتداخل بين المؤشّات الطبيعية التي "يمكن" الرّهان على "نمذجتها" مثل الحرارة والضغط وسرعة الرياح... إلخ، والمؤشّات الاقتصادية مثل كميات استهلاك الطاقة في الدول الصناعية ومستويات التطوّر التكنولوجي ومعدلّات النمو والنمو الصناعي... إلخ، والمؤشّات الاجتمعية مثل نزعة الاستهلاك ومنظومات القيم (موقف الدين من التعامل مع الطبيعة... إلخ). وفي المثال السابق نجد تباينًا من ناحيتين: تباين في القدرة على التكمية وخضوع المؤشّ للقياس. تباين في انضباط الخطوات المنهجية في بناء التنبّؤ لحركية المؤشرات المختلفة. وتتولّد عمّ سبق مشكلتان تعززان شكًّا بنيويًا في التنبّؤ، وهم: مشكلة اختيار المتغيّات ذات الصّلة بالظاهرة. مشكلة تحديد التأثير المتبادل بين المتغيّات. لكن طغيان التكنولوجيا رجّح الكفّة لفائدة البُعد الكمّي الرياضي، لا سيم مع تسارع إيقاع التغيّ الذي تفرزه التكنولوجيا في مجال النمو الصناعي، وتغيير البنية التحتية للمجتمع، وتغيير أدوات الصراع

10 Marjolein B. A. Van Asselt & Jan Rotmans, "Uncertainty in Integrated Assessment Modelling: From Positivism to Pluralism", Climatic Change , vol. 54, no. 1-2 (2002), pp. 75 - 105.

العسكري، وهو ما عزّز التغيّ في حجم المدن ونشوء الأقاليم الصناعية. وهي كلّها ظواهر يجري التعبير عنها وقياسها على أساسٍ كمّي. كم أنّ التكنولوجيا كرّست فكرة البحث عن حلولٍ مستقبلية من خلال التكنولوجيا ذاتها. وهو ما دفع نحو قدرٍ من "النمذجة الكمية" للواقع القائم من ناحية وإسقاطاته المستقبلية، بخاصّةٍ أنّ تطوّر الدراسات المستقبلية حدث في رحم المؤسّسات العسكرية ثم الاقتصادية، وكلاهم أسير منظورٍ كمّي. كم أنّ التباين بين الدول والأقاليم وتوافر مجال الاطّلاع على أوضاع الآخرين دفعا للمقارنة بين الدول والأقاليم بل داخل الدول ذاتها، لا سيّم مع تطور علم الإحصاء. وهو ما أتاح أنماط قياس كمي، ودفع لتطوير أدوات القياس وكيفية توظيفها في تحليل الظواهر الاجتمعية والسياسية والاقتصادية وغيرها. فتكرّست بذلك مرّةً أخرى المناهج الكمية من خلال المقارنة بالقياس. ومثّلت ردّة الفعل على "أتمتة المجتمعات" – لا سيّم من المجال الفلسفي – محاولةً للتخلّص من "قسوة" التحليل الكمي نحو أنسنة المنظور التحليلي، وهو ما ساهم في تطور تقنيات الحدس والمناهج الكيفية في الدراسات المستقبلية. لكن هذا المنهج "الكيفي" لم يعد للمنظور التقليدي في رسم ملامح المستقبل على غرار اليوتوبيات المختلفة (من جمهورية أفلاطون والمدينة الفاضلة إلى كتابات هربرت سبنسر وتوماس مور وماركس وتوماسو كانبنيلا ومدينة الشمس... إلخ). ويبدو أنّ نقطة التلاقي بين المنظور الفلسفي التأملّي الحدسي بظلاله السيكولوجية والاجتمعية والمنهج الكمي بصرامته وتسلسله المنطقي، كانت في الفلسفة البراغمتية الأميركية. وهو ما يفسر نشوء الدراسات المستقبلية المعاصرة وتطورها في الولايات المتحدة؛ فالفلسفة البراغمتية تحاكم الظواهر والتقنيات على أساس أنّ مقياس صحة النظرية هو "مقدار النفع المترتّب عليها" وليس أيّ معيارٍ آخر. وهو ما منح فضاءً

جديدًا للتحلّل من المنظور الأحادي لتحليل الظواهر على قاعدة "إمّا... وإمّا...". فانطلق قطار التكامل المنهجي من هذه النقطة؛ إذ تغذّت البراغمتية من بيئةٍ تقنية متنامية في المجتمع الأميركي، ومن نزوع لتجسيد "حلم" أميركي تبنّاه المستوطنون القادمون من مجتمعات أورثتهم نكهة "يوتوبية". كم أنّ الآثار السلبية للتطور التكنولوجي (التلوث، والمخاطر النووية، والجرائم الإلكترونية... إلخ) دفعت مرّةً أخرى لمحاولة "أنسنة" العلم من خلال منظور معنوي تُهّد له الفلسفة المعاصرة وتُعزّزه، مدعومةً بحركاتٍ اجتمعية تناهض تلك المخاطر، وبدراساتٍ تركت مسحة تشاؤمٍ عميقة في الأوساط الأكاديمية وصناع القرار على حدٍّ سواء. وهو ما يمكن عدّ تقرير نادي روما 1972 (حدود النموّ) مثالً صارخًا عليه. جرى كلّ ذلك في دورق عولمةٍ متنامية، مزجت الثقافات النظرية والتطبيقية، ومزجت القديم والجديد، واللّغات والقيم، وخلخلت بُنى ومصالح وكيانات، فكان لا بدّ من التعبير عن ذلك كلّه بمناهج "كلّنية"، فتلاقحت المناهج الكمية بالكيفية في أغلب المنظومات المعرفية ومنها الدراسات المستقبلية، وأخذت كلّ الدراسات المستقبلية فيم بعد تسير على هذا النهج الذي ترسّخ تمامًا.

كم دفع التحوّل من التنافس بالأدوات الخشنة في ظلّ الحرب الباردة إلى تنامي الاعتناء بتوظيف القوة الناعمة والذكية (بتعبيرات جوزيف ناي) لتطوير البُعد القِيَمي في إدارة التنافس، وهو ما عزّز نزعة "الأنسنة" التي تحتاج إلى منظورٍ فلسفي "كيفي" أكثر من حاجتها إلى منظورٍ تقني كمّي. ومكّن تزايد نزعة "عدم اليقين" حتى من خلال النمذج الكمية من توسيع الباب الموارب لولوج المنظور الكيفي، وهو ما أدّى إلى تزاوج التنبؤ التكنولوجي مع التقييم التكنولوجي (Assessment Technology Forecast Technology and) في مناهج الدراسات المستقبلية، وهو ما تجسّد في منهجية "تحليل.التكنولوجيا ذات التوجّه المستقبلي)Future-oriented technology analysis(" واستنادًا لما ورد أعلاه، تنامت نزعة التكامل بين المناهج، وبخاصّةٍ توظيف تقنيات كلٍّ منهم لدى الآخر، وهو الأمر الذي عزّزته عوامل عدّة انعكست في الدراسات المستقبلية (وهو ما سنتناوله لاحقًا): أنّ الهدف لكلٍّ من المنهجين هو ذاته، وهو فهم الظواهر والواقع المحيط بنا والعمل على تطويع هذا الواقع لما فيه خير الإنسان. أنّ العديد من الدراسات التي تناولت ظاهرةً معينة ولكنّها استخدمت منهجًا مختلفًا وصلت إلى النتائج ذاتها في الكثير من الأحيان. أنّ توظيف كلٍّ من المنهجين لفهم جوانب مختلفة من الظاهرة (طبقًا لقوة كلّ تقنية مع ما يلائمها من جوانب الظاهرة) يساعد في إحكام النتائج ودقتها. كثيرًا ما ساهمت تقنية معيّنة في منهجٍ معيّ في تدعيم تقنيةٍ أخرى من منهجٍ مختلف.

ثالثًا. الجانب المنهجي والدراسة المستقبلية

كلّ المناهج المعروفة في العلوم الاجتمعية هي إمّا لفهم ما كان، أو ما هو كائن، لكن الدراسات المستقبلية معنيةٌ بما سيكون. وهو أمرٌ يجعلها بحكم منطق الأشياء تستخدم مناهج "جديدة" بحكم الوظيفة الجديدة للبحث؛ ووصف "مناهج" هنا يُخرج من دائرة النظر في المستقبل كلّ ما له علاقة بالكهانة والتنجيم... إلخ.

11 Cristiano Cagnin, Michael Keenan, Ron Johnston, Fabiana Scapolo & Rémi Barré (Eds.), Future-Oriented Technology Analysis: Strategic Intelligence for an Innovative Economy (Berlin, Heidelberg: Springer, 2008). 12 Kenneth R. Howe, "Getting over the quantitative-qualitative debate", American Journal of Education , vol. 100, no. 2 (1992), pp. 236 - 257.

فمن أين ينطلق البحث المستقبلي؟ إنّه من فهم ما كان، وما هو كائن، ليكون البحث المستقبلي ثمرة البذرة التي في الأرض (ما كان)، والشجرة القائمة أمامنا امتدادًا للبذرة (ما هو كائن)؛ ومن هنا تتزاوج المناهج بين ما كان وما هو كائن وما سيكون. يحدّد رولف كرايبيش وآخرون الخطوات الإجرائية التي توكل للدراسات المستقبلية كم يلي: منهج التحليل الإمبريقي الاستكشافي:)Explorative empirical-analytical approach("" وهو الذي يقوم على توظيف المعلومات المتراكمة، والوقائع الجديدة، والبيانات والاتجاهات، ثمّ نمذجة التطوّرات الممكنة والمحتملة (probable and Possible) طبقًا لفرضياتٍ محدّدة بصورة دقيقة، وتحليلها استنادًا إلى قواعد منهجية محدّدة أيضًا. ومثل هذه الدراسات قد تكون كمية أو كيفية على حدٍّ سواء. "المنهج الاستشرافي المعياري" (Normative-prospective): ويستند إلى نوعٍ من "التخيّل والتصوّر الإبداعي"، ولا يتمّ التخيّل من الفراغ بل تعمل فيه الخبرة الحياتية والتجارب الكامنة في المنظومة المعرفية للباحث. وقد يساهم "الحدس" في الوصول إلى النتائج دون أن يكون هناك مقدّمات منطقية، ويتمّ بناء صورة المستقبل المفضّل أو المرغوب فيه من خلال ذلك كلّه. منهج التواصل الإسقاطي (approach Communicative-projective) أو ما أسمه كريبيش بمقترب التخطيط (approach Planning): أي نقل الخبرات والمعارف من مستواها النظري إلى مستوى تطبيقي ارتباطًا مع الأهداف والإستراتيجيات بهدف دعم عمليات صنع القرار المستقبلي. ويصبح هدف الباحث هنا هو بناء صورة المستقبل التي تتحقّق من خلالها الصورة المرغوب فيها. المنهج الإبداعي التشاركي (approach Participative-creative): ويعني إشراك باحثين من ميادين اجتمعية مختلفة بهدف تعزيز المعرفة المستقبلية، وهو ما يساعد أيضًا على انضباط البحث العلمي المستقبلي نتيجة الإلمام بالجوانب المختلفة للظاهرة. ويشير الاتجاه السّائد في الدراسات المستقبلية إلى أنّ المزج بين هذه المناهج هو السّائد.

13 Rolf Kreibich, Britta Oertel & Michaela Wolk, "Futures Studies and Future-oriented Technology: Analysis: Principles, Methodology and Research Questions", Paper for the 1st Berlin Symposium on Internet and Society (October 25-27, 2011), p. 17.

رابعًا. تقنيات الدراسات المستقبلية

يحدّد تيودور غوردون وجيروم غلين تقنيات الدراسات المستقبلية في 24 تقنية. وقد سعى الباحثان من خلال بحثٍ استطلاعي لتحديد السمة العامة للبحوث في مجال الدراسات المستقبلية – معيارية أو استكشافية – من ناحية، وتحديد السمة العامة لكلّ تقنيةٍ إذا ما كانت ذات طبيعة كمية أو كيفية، وهو ما أنتج الجدول (.2) يمكن ملاحظة النتائج التالية من المقارنة الواردة في الجدول:)2(ö ö عدد التقنيات ذات السمة الكمّية هو.9 عدد التقنيات ذات السمة الكيفية هو 18 (أي ضعف الكمية.) عدد التقنيات الثنائية السمت (أي أنّها تعدّ كميةً وكيفية) هو.3

هو 15، والمشتركة.3

10 تقنيات.

خامسًا. تكامل التقنيات الكمية والكيفية ومحاذيره ي ف الدراسات المستقبلية

من نافلة القول تأكيد تعقيد الظواهر الاجتمعية والسياسية والاقتصادية من ناحية، وصعوبة إدراك تقلّبات هذه الظواهر التي تتّسم بقدرٍ كبير من المراوغة للعقل البشري من ناحية ثانية. كم أنّ "المنهج التجزيئي" (Reductionism) الذي يسعى لفهم هذه الظواهر استنادًا إلى بعض المتغيّات أو حتى إحداها، يشكّل فيم يبدو منهجًا قاصرا لتناول الظواهر المعقّدة وفهم تطوّرها المستقبلي، وهو ما عزّز الانحياز إلى "المنهج الكلنّي" (Holism) القائم على أساس أنّ الظاهرة ليست المجموع الرياضي لمكوّناتها

14 Theodore J. Gordon & Jerome C. Glenn, "Integration, Comparisons and Frontier of Future Research Methods", Paper to EU-US Seminar: New Technology Foresight, Forecasting & Assessment Methods, Seville (May 13-14, 2004). 51 يمكن العودة إلى تعريف طرق استخدام هذه التقنيات وتحديدها مفصّلة في بحثين سابقين للباحث، هما: وليد عبد الحي، مناهج الدراسات المستقبلية وتطبيقاتها في العالم العربي (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2007)؛ وليد عبد الحي، الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية (مراكش: عيون،.)1992

بناءً على ذلك، يكون عدد التقنيات الكمية الخالصة هو 6، وعدد التقنيات الكيفية الخالصة عند تصنيف هذه التقنيات طبقًا لتوظيفها المنهجي في الدراسات المستقبلية، يتبيّ أن 12 منها تساهم في بناء الدراسات المستقبلية "المعيارية"، بينم يساهم في الدراسات المستقبلية "الاستكشافية" 21، أما التقنيات التي تُستخدم في كلا البعدين (المعياري، والاستكشافي)، فهي

الجدول:2 تصنيف تقنيات الدراسات المستقبلية طبقا للسمة العامة لاستخدامها المنهجي

استكشافيةمعياريةكيفيةكميةالتقنيةالرقم
XXنمذجة الأداة Modelling Agent1
XXالقياس الببليوغرافي Bibliometrics2
XXتحليل التدرّج السببيCausal Layered Analysis3
XXتحليل التأثير المتبادل Analysis Cross-Impact4
XXنمذجة القرار Modelling Decision5
XXXتقنيات دلفي Techniques Delphi6
XXالنمذجة الإحصائية والاقتصاد القياسي and Econometrics
Statistical Modelling
7
XXالمسح البيئيEnvironmental Scanning8
XXعزل المؤشّField Anomaly Relaxation ات غير المتّسقة9
XXXدولاب المستقبل Wheel Futures10
XXXالتنبّؤ الذكي، الرؤية، الحدس Vision, Forecasting, Genius
and Intuition
11
XXXتفاعل السيناريوهات/ المشاهد Scenarios Interactive12
XXXالمنظور المتعدّدMultiple Perspective13
XXطرائق المشاركةParticipatory Methods14
XXشجرة العلائق والتحليل المورفولوجي and Trees Relevance
Morphological Analysis
15
XXXرسم الطريق Mapping Road16
XXXXالسيناريوهات/ المشاهد Scenarios17
XXالمحاكاة- المباراةSimulation-Gaming18
XXXXحالة مؤشّ المستقبلState of the Future Index19
XXXالتحليل البنيويStructural Analysis20
XXنمذجة النظم Modelling Systems21
XXتحليل التسلسل التقنيTechnological Sequence Analysis22
XXXتنقيب النصوص Mining Text23
XXتحليل تأثير الاتجاهTrend Impact Analysis24
2112189المجموع

بل هي أكثر من ذلك (ومثالها الماء المكوّن من هيدروجين وأوكسجين، ولكن في الماء مواصفات ليست في أيٍ من مكوناته). وذلك يعني أنّ المزج بين التقنيات الكمية والكيفية لفهم آلية تحوّل الظواهر لرصد مسارها المستقبلي، أمرٌ مبرّر من الناحية العلمية. لكن هذا المزج أو التكامل لا يجوز له أن يوقعنا في وهم الكمل، ولا بدّ من التنبّه لمراوغة الظاهرة، والتي تبدو في الملامح التالية حتى عند استخدام التقنيات الكمية أو الكيفية: التمييز بين الدقّة (Precision) والإحكام (Accuracy): فاتّباع الخطوات المنهجية الصارمة عند استخدام تقنيةٍ معيّنة لا يستلزم بالضرورة الوصول إلى نتائج دقيقة، كم أنّ بعض الثغرات في تقنيةٍ معيّنة لا يعني أنّها لا توصل بالضرورة إلى نتائج صحيحة. الاستقراء (Extrapolation): إنّ افتراض أنّ مسار تغيرات الظاهرة التي جرت في الماضي ستعرف ثباتًا في إيقاع حركتها المستقبلية واتجاهه، سيُنتج إسقاط (Projection) غير دقيق، لأنّه يفترض ا ثبات متغيّات الظاهرة وهو أمرٌ لا يمكن الاطمئنان له. عوامل التغير المفاجئة، وهو ما تطلق عليه الدراسات المستقبلية المتغيّ "قليل الاحتمل كبير التأثير" (Impact Probability-High Low)، مثل الاكتشافات العلمية أو الكوارث الطبيعية أو اغتيال حاكمٍ معيّ... إلخ. تشترط الدراسة المستقبلية المتابعة، بمعنى ضرورة أن يكون المشروع البحثي مفتوحًا، وأن يتم إدخال المتغيرات الجديدة في بنية النموذج التحليلي وتعديل النتائج المتوقعة بما يتوافق مع ما يطرأ من تغيّات. لا يجوز في الدراسة المستقبلية استبعاد أيٍّ من المؤشّات الخاصة بالظاهرة موضوع البحث دون دراسة، فهناك علاقات وتداعيات لا يمكن إدراكها للوهلة الأولى، بل تبدو غير منطقية في بداياتها، ولكنّها تظهر بقيمةٍ أكبر في مراحل لاحقة (مثل العلاقة بين ظاهرة المدّ والجزر وجاذبية القمر). وهو أمرٌ يدرك الباحثون في الظواهر الاجتمعية ترابطه، ويكفي أن نشير إلى مثالٍ توضيحي: فلو طرحنا مثلًالعلاقة بين دخل ميكانيكي السيارات وزيادة "التعليم عن بُعد"، لا يبدو للوهلة الأولى وجود أيّ علاقة، ولكن التعليم عن بُعد يعني توقّف آلاف الحافلات والسيارات التي تنقل الطلاب والمدرسين وموظفي المعاهد والمدارس والجامعات إلى مقارّ عملهم، لأنّ التعليم سيتمّ في البيوت من خلال شبكة الإنترنت، وهذا سيقلّل من حوادث السير ومن نسبة الخلل في السيارات (نتيجة نقص الاستخدام)، وهو ما يقلّل من عمل الميكانيكي؛ ويمكن تطبيق الشيء نفسه على العلاقة مع التلوث أو مع الأخلاق والنظم التربوية... إلخ. إنّ التنبّؤ يؤثّر في ذاته سلبيًا أو إيجابيًا (defeating or Self-fulfilling)؛ فلو أنّ خبيرًا مرموقًا في الاقتصاد توقّع أنّ مدينةً معيّنة ستكون خلال العشر سنوات المقبلة مركزًا مهمً للاستثمرات الكبرى، فإنّ ذلك سيدفع المستثمرين للتسابق نحو هذه المدينة، وهو ما يؤهّلها لتحقيق

الرقمالتقنيةتصنيف
التقنية
التقنيات التي توظفهاجوانب التوظيف
1المسح البيئيكميفيةدلفي، المسح النصي،
المشاركة، تنقيب النصوص
تساعد على تحديد الاتجاهات
2مصفوفة التأثير
المتبادل
كميةبناء السيناريوتحديد المؤشّ ات الأكثر تأثيرًا والأكثر
تأثّرًا في بناء السيناريو
3تنقيب النصكيفيتاحليل التدرج السببيتصنيف الخطاب الخاص بالظاهرة طبقًا
لا يكشفه تنقيب النص وتحليل المضمون
4السيناريوكممي-كيفيالتدرج السببي، المحاكاة
والمباراة، ورسم الطريق
اختبار الفرضيات في السيناريو من
خلال التقنيات المشار لها
5تحليل تأثير الاتجاهكميدلفيلتحديد احتمالات تحقق السيناريو الممكن
6مصفوفة التأثيركمينمذجة النظمتحليل تأثير الوقائع الخارجية
7السيناريوكمي-كيفيالسلاسل الزمنيةتحديد وضع المؤشرات بكيفية تساعد
على صوغ السيناريو
8حالة مؤشر المستقبلكمي-كيفيدلفي وتحليل تأثير الاتجاهلتحديد التغيرات وأوزانها، وقياس
تذبذبها خلال فترة زمنية معينة
الرقمهدف التحليلالتقنية الأنسب
1تجميع الآراء السديدةدلفي، دولاب المستقبل
2القياس الكمي، وبخاصّة تنبؤات
السلاسل الزمنية
القياس الاقتصادي، تحليل تأثير الاتجاه، الانحدار، التحليل البنيوي
3إدراك الترابط بين الاتجاه والأحداث
م والسلوك
ديناميات النظام، نمذجة العامل، تحليل تأثير الاتجاه، تحليل التأثير
المتبادل، أشجار القرار، دولاب المستقبل، نمذجة المحاكاة، المنظور
المتعدّد، تحليل التدرج السببي، عزل المؤشرات غير المتسقة
4تحديد المسار في ظل عدم اليقينتحليل القرار، رسم الطريق، تحليل التسلسل التقني
5عرض مستقبل بديل معقولالسيناريو، دولاب المستقبل، المباراة والمحاكاة، نمذجة الأداة
6فهم أسباب التغير الإيجابي مستقبلاحالة مؤشّ المستقبل
7تتبّع التغيّات والفرضياتالمسح البيئي، تنقيب النص
8تحديد مدى استقرار النظامكلّ التقنيات غير الخطية

تحديد مدى استقرار النظام

الجدول:3 تصنيف تقنيات الدراسات المستقبلية وتوظيفها)*(

تذبذبها خلال فترة زمنية معينة الجدول:4 خطوات الدراسة المستقبلية والتقنية المستخدمة (**)

كلّ التقنيات غير الخطية

خلال القلق الذي أحدثه. وعند الانتقال لتحديد شروط التكاتف بين المناهج الكمية والكيفية، لا بدّ من التنبّه إلى أنّ الدراسات المستقبلية توظّف التقنيات بصورةٍ متساندة، كم يوضّح الجدول (3)، أمّا الربط بين هدف الدراسة وتحديد التقنية الأنسب، فإنّ أغلب الدراسات المستقبلية تميل إلى الرّبط بين الأهداف والتقنيات كم يوضحه الجدول.)4(

سادسًا. بناء النموذج يف الدراسة المستقبلية: بين الكمّي والكيفي

تُيّز الدراسة المستقبلية في تناول الظاهرة بين بنية الظاهرة من ناحية، وحركيّتها من ناحيةٍ ثانية على النحو التالي: بنية الظاهرة: تُقسّم الدراسة المستقبلية الظاهرة إلى أربعة مستوياتٍ متداخلة ومترابطة، وكلٌّ منها يحدّد بقدرٍ ما المستويات الأخرى:

مستوياتها الأخرى.

من النسل في مجتمعٍ زراعي قَبلَي معيّ نكون أمام اتجاهٍ فرعي.

الفرعية يشكّل اتجاهًا.

نبوءته. بل إنّ نموذج نادي روما الذي أشرنا له سابقًا قام بدور في السعي لإفشال ما تنبّأ به من

الحدث (Event): وهي الوقائع منفردة أيًّا كانت طبيعتها، سياسية أو اقتصادية أو اجتمعية أو طبيعية أو غير ذلك، وتشكّل الواقعة أو الحدث اللّبنة التي تبنى منها الظاهرة في

الاتجاه الفرعي (Sub-trend): تكرار حدثٍ أو واقعة ما، وفيها خروجٌ عن السّياق العام لحركة الظاهرة (تزايد الميل للحدّ من النسل بين الأزواج الجدد في المجتمع العربي)؛ فالنمط السائد في المجتمعات الزراعية هو عدم الميل للحدّ من زيادة النسل؛ فإذا برزت ظاهرة الميل نحو الحدّ

الاتجاه (Trend): وهو مجموع الاتجاهات الفرعية في قطاعٍ ما من قطاعات الظاهرة، ولكنّها مترابطةٌ في موضوعها. فلو وجدنا "مثلً" الاتجاهات الفرعية التالية: (أ) تنامي إطلاق أسمء ذات إيحاءٍ ديني على المواليد الجدد في المجتمع العربي (هذا اتجاهٌ فرعي)؛ (ب) تنامي نسب إيداع الأموال في البنوك الإسلامية في المجتمع العربي (اتجاهٌ فرعي آخر)؛ (ج) تنامي المساحة المخصصة للمقالات الدينية في الصحف العربية (اتجاهٌ فرعي ثالث)... إلخ؛ فإنّ مجموع هذه الاتجاهات

16 Gordon & Glenn, pp. 107 - 108.

حركية الظاهرة: ويتمّ رصد حركة الظاهرة من خلال بُعدين هم: ö ö رصد "التغيّ": وقد يأخذ التغير أشكالً عدّة:

القياس الاسمي (Nominal): منفصلٌ ولا يتضمّن علاقاتٍ تراتبية. القياس التراتبي (Ordinal): أكبر من، أقل من. القياس الزمني (Interval): التباين من فترةٍ إلى أخرى. القياس النسبي (Ratio): العمليات الرياضية كافّة. لكلّ المقاييس الأخرى.

الحرية، وتطوّر اللّغة والأدب والفنّ (أو عكس ذلك كلّه).

الثورات أو الكوارث الطبيعية... إلخ.

الاجتمعي... إلخ.

التعامل معه ومعالجته (كالسرطان مثلً في مراحله المتأخّرة).

الاتجاه الأعظم (Mega-trend) وهو مجموع الاتجاهات التي تأخذ مسارًا يدفع نحو تحوّلٍ أو تكريس لوضعٍ ما بعد أن كان قابلً للتغيّ. فلو أخذنا "الربيع العربي" على سبيل المثال، ودرسنا عوامل التفجّر الداخلية والخارجية خلال الفترة 2010 - 2000، فسنجد أنّ كلّ الأحداث (Events) والاتجاهات الفرعية، والاتجاهات، والاتجاه الأعظم، تتكاتف نحو الاضطراب السياسي والاجتمعي.

التغيّ الكمّي: مثل الزيادة (أو النقص) في عدد السكان، وارتفاع (أو انخفاض) معدل النمو الاقتصادي، وزيادة (أو انخفاض) نسبة الإنفاق الدفاعي، وارتفاع (أو انخفاض معدل عدالة توزيع الدخل،... إلخ). وهنا من الضروري استخدام أدوات القياس الكمي وأشكاله:

وتحتاج نماذج النظم النظرية إلى القياس النسبي، بينم تعدّ التقييمت الإحصائية ممكنةً

التغيّ الكيفي: تغيّ الروح المعنوية للمجتمع، وتزايد التضامن الاجتمعي، وارتفاع مستوى التغيّ المستمر: مثل عدد سكان الدولة، وزيادة المعارف العلمية، واستمرار التطور التكنولوجي... إلخ. التغيّ غير المستمر: أي الذي يحدث ثم يتوقّف لفتراتٍ طويلة ليعود ثانية، مثل الحروب أو التغيّ المدرك: أي الذي يمكن تلمّسه بالحواس أو العقل، مثل التغيرات البيئية، أو الاضطراب التغير غير المدرك: وهو الذي يفعل فعله في بنية الظاهرة لكنّنا لا ندرك ذلك؛ فقد تنبّهت المجتمعات لظاهرة التلوّث بعد أن فعلت فعلتها، وتنبّهنا لتغيّ المناخ بعد أن أصبح ذلك مدركًا، أي أنّنا ندرك التغيّ بعد أن يصبح ظاهرةً وليس من البداية؛ وهنا تبرز الإشكاليات المنهجية في البُعد الثاني وهو إيقاع التغيّ، فقد يكون التغيّ بطيئًا، أو سريعًا، أو متسارعًا. وقد يثير وصف التغيّ بأنّه أحد المستويات الثلاثة المشار لها، جدلً كبيرًا في أدبيات الدراسات المستقبلية؛ فعلى سبيل المثال، ما هو المعيار الذي يجب توظيفه للحكم على ظاهرةٍ ما بأنّ التغيّ فيها بطيءٌ

أو سريع أو متسارع؟ وتمثّل ظاهرة التسارع البُعد الأكثر تعقيدًا، لأنّها تحوّل القدرة على وضع مقياسٍ ثابت للتغيّ. فمثلً، تدلّنا دراسة بول راسكين ومجموعته أنّه بتقسيم المراحل الانتقالية للتاريخ إلى أربع حقب (المرحلة الحجرية، والحضارة المبكّرة، والعصر الحديث، والمرحلة الكوكبية)، يتبيّ أنّ الفترة الفاصلة بين حقبةٍ وأخرى تتناقص بصورةٍ لوغاريتمية. فالمرحلة الأولى استغرقت مئة ألف سنة، والثانية 10 آلاف سنة، والثالثة ألف سنة، والرابعة يبدو (طبقًا للعامل العشري) أنّها ستستغرق 100 سنة. وهو ما يعزّز مشكلة التغيّ المتسارع، والذي يتطلّب تكيّفًا موازيًا من الأنساق الاجتمعية والسياسية والاقتصادية معه.

سابعًا. المتغيّات والمعلومات يف الدراسة المستقبلية

تبدأ الدراسة المستقبلية في المناهج الكمية بتحديد المتغيرات بغضّ النظر عن التقنية الكمية المستخدمة (Variable-oriented)؛ وهو ما يعني أنّ المتغيّات تأتي من خارج التقنية، سواء أكانت هذه التقنية الأكثر تعقيدًا (النمذج الديناميكية المعقّدة) أو الأكثر يسرًا (تحديد معامل الارتباط مثلً.) وللمتغير الكمّي بُعدان؛ فهو يوظّف من لدُن الباحث من خلال عملية القياس له التي تساعد على تحديد ملامحه الذاتية وعلى إمكانية مقارنته بغيره من ناحية، ولكنّه من ناحيةٍ ثانية يقاس بمعزلٍ عن البيئة أو السياق ليأخذ معنى مجرّدًا؛ غير أنّ استخدام المتغيّات الكمية في عمليات المقارنة بين النظم المعقدة يصبح ممكنًا، وهو مطلبٌ أساسي لمناهج الدراسات الاستكشافية الإمبريقية التي أشرنا لها. أمّا المعالجة الإحصائية للمتغيرات الكمية في النمذج الدينامية، سواءٌ من أجل الاستنباط (Extrapolation) أو لتحديد علاقة التأثير المتبادل بين المتغيّات، فإنّه يتمّ التغاضي عن الحالات التي لا تتكشف فيها علاقة بين المتغيّات في بعض الأحيان. لكن مراقبة النظام أو الظاهرة عبر فترةٍ زمنية قد تكشف لنا عن علاقة بين متغيراتٍ بدت للوهلة الأولى أن لا علاقة بينها، وهو ما يتّضح مثلً في استخدام دولاب المستقبل (wheel Futures). وسنوضّح ما سبق بالمثال التالي: لو أردنا أن ندرس تداعيات اتّساع قاعدة "التعليم عن بُعد" (وهي تتّسع فعلًالآن في العديد من الدول)، فإنّنا نبدأ (دون الإغراق في التفاصيل) بتحديد متغيّات العملية التعليمية (طلّب، ومدرّسون، وكتب، ومناهج، ومبانٍ، ونظم إدارية، وموازنات... إلخ)، ونبدأ بقياس تأثير التعليم عن بعد في كلّ بعد منها. فمثلً، هل هناك علاقةٌ بين التعليم عن بُعد والبيئة الطبيعية؟ أو شركات التأمين، أو دخل ورش تصليح السيارات... إلخ؟

17 Paul Raskin, Tariq Banuri, Gilberto Gallopin, Pablo Gutman, Al Hammond, Robert Kates & Rob Swart, Great Transition: The Promise and Lure of the Times Ahead , A Report of the Global Scenario Group (Boston: Stockholm Environment Institute, 2002), p. 5.

فالتعليم عن بُعد يؤدّي على سبيل المثال إلى توقّف آلاف الحافلات والسيارات الخاصّة عن التوجّه في الصباح إلى المدارس، وهو ما يؤثّر في نسبة التلوّث تأثيرًا إيجابيًا (ويمكن قياسه)، وهذا قد يؤدّي إلى انخفاض نسبة أمراض الرئة، أو زيادة عمر المباني؛ ومن الممكن أن تقلّ بنسبةٍ مهمة حوادث السير، وهذا سيؤدّي إلى فوائد بالنسبة إلى شركات التأمين... إلخ. وهكذا يتّضح أنّ "الدولاب" يتتبّع التداعيات (ويكشف عن نتائج لا ترد للذهن للوهلة الأولى، من مثل العلاقة بين التعليم عن بُعد ومعدّل دخل ميكانيكي السيارات مثلً، كم أشرنا سابقًا)، ويمكنه قياسها وتحديد الفترات الزمنية لإنجاز مستوى معيّ. غير أنّ غياب القياس الكمّي يجعل إنجاز مثل ذلك أمرًا متعذّرا، ويزداد ظهور النتائج والروابط بين المتغيّات المكوّنة للظاهرة وبيئة الظاهرة مع متابعتها زمنيًا (والذي تظهره سلسلة الدواليب). أمّا البيانات والتقنيات الكيفية في الدراسات المستقبلية، فتختلف تمامًا عمّ سبق، وهو ما جعل بعض الباحثين يرى أنّ البيانات في الدراسات الكيفية أكثر ثراء، إلى حدٍّ يمكن معه عدّ "كلّ معلومةٍ ليست متغيّا" هي معلومةٌ كيفية (ومثال ذلك النصوص، والصور، والأفلام... إلخ)، والتي لا يمكن نزعها من بيئتها، لأنّ لها مدلولها من خلال سياقها والبنية التي تمنحها المعنى. وتتمثّل تقنيات المعالجة للبيانات الكيفية في تقنيات دلفي والمقابلات والملاحظة، والتي تؤسّس ل "المنهج التواصلي التشاركي" (Communicative-) الذي أشرنا له سابقًا.participative approach أمّا تحليل البيانات فيأخذ "طابعًا تفسيريا تأويليا" (Hermeneutics)، ويتمّ ذلك بتحديد المعاني الدقيقة للمفاهيم (ومقارنتها في نصوص عدّة أو سياقات متعدّدة) لبناء نظرية استنادًا لذلك. وتعطى "الحالة الواحدة" أهميّةً خاصّة في الدراسات الكيفية، بل كثيرًا ما تمّ إيلاء العناية للحالات الخارجة عن السّياق خلافًا لما عليه الحال في المناهج الكمية.

ثامنًا. خطوات التكامل بين الكمّي والكيفي يف الدراسات المستقبلية

كثيرًا ما قيل إنّ طبيعة الهدف تحدّد التقنية المستخدمة في الدراسة، ومن ثمّ إتاحة المجال أو تعذّره للدمج بين التقنيات الكمية والكيفية. ولكن النتائج أيضًا قد تُعْوِزُنا لتفسيرها أن نستخدم تقنياتٍ كمية أو كيفية. وعند الشروع في تحليل المسار المستقبلي لظاهرةٍ معينة، فنحن نضع مجموعةً من التساؤلات التي تفسح المجال لكلٍّ من القياس (كمّي) والتأويل (كيفي)، مثل: ö ما هي العناصر المترابطة بصورة مباشرة والعناصر غير المترابطة؟

ö ما هي اتجاهات التأثير بين العناصر -(أ- يؤثّر في -ب- أو العكس، -ب- يؤثّر في -ج-... إلخ)؟ ö هل التأثير لعنصرٍ ما -(أ- مثلً) في غيره يتزايد أم يتناقص؟ هل التأثير يغيّ من طبيعة العنصر المتأثّر أم من سرعة تأثّره؟... إلخ. ويلاحظ أنّ في البندين (ت، ث)، يمكن وصف العنصرين (أ، ب) من خلال القياس التراتبي (أقوى، أضعف... إلخ)، كم يمكن من البند (ث) تحديد نتائج مستقبلية من خلال الربط بين التغيّ في التأثير أو الطبيعة من ناحية، والزمن من ناحيةٍ أخرى. فعلى سبيل المثال، تعني "خريطة الطريق التكنولوجي" Technology Roadmapping() دراسة العلاقة بين السوق والمنتج والتكنولوجيا عبر الزمن. وهنا تصبح فكرة التكامل المنهجي أكثر جدوى من البحث في التطوّر التكنولوجي بغضّ النظر عن أيّ عوامل سياسية أو ثقافية أو اقتصادية أو غيرها. ونتيجةً لهذا الدمج بين التقنيات الكمية والكيفية، أصابت مناهج التحليل تحولّات عدّة في قواعدها الرئيسة، وهي القواعد التي لخّصها كابرا في خاتمة دراسته التي أشرنا لها في عددٍ من التحولّات في القواعد المنهجية:

لفهم الظاهرة، لأنّ خصائص الأجزاء ليست منفصلةً عن "النسيج" الذي يضمّها.

الذرة ليست شيئًا ماديا، بل هي طاقة والتي هي تعبير عن عملية أو نشاط. نهاية فكرة الموضوعية وانفصال الباحث عن ظاهرته.

في دلالات المتغيّ الرئيس ضرورية.

19 Toni Ahlqvist, Asta Back, Sirkka Heinonen & Minna Halonen, "Road-mapping the Societal Transformation

العلاقة بين الجزء والكلّ: كان الاعتقاد السائد أنّ فهم النظم المعقّدة لا يمكن أن يتمّ في فهم ديناميكية الكلّ إلّ من خلال فهم خصائص الجزء، فم دمت تعرف خصائص الأجزاء وآلية عملها فبإمكانك أن تستخلص ديناميكية الكلّ، وعند تجزئة المادة بصورة متوالية نصل في نهاية المطاف إلى لبنات البناء الأساسية وهي العناصر والجواهر والجسيمت. ومن هذه اللّبنات وقواعد تفاعلها، نصل إلى فهم ديناميكية الكلّ. والتطور المنهجي الجديد هو بقلب المسار، أي أن نبدأ فهم ديناميكية الكلّ، ومن ثمّ أصبح التفاعل وشبكة العلاقات بين الأجزاء هي نقطة الانطلاق مهّدت النقطة السابقة للانتقال الثاني من البحث على أساس البنية إلى البحث على أساس العملية؛ فالبنية ليست إلا تجلّيًا لعملية. وقد كشفت الفيزياء الحديثة أنّ الجسيمت ما دون

مفهوم الوحدة الأساسية أو المتغيّ الرئيس ليس منفصلً عن المتغيرات الأخرى، لأنّ خصائص المتغيّ الرئيس ما كان لها أن تكون بمعزلٍ عن المتغيرات الأخرى، وهو ما يعني أنّ إعادة النظر

18 Giaoutzi & Sapio, pp. 53 - 67. Potential of Social Media", Foresight , vol. 12, no. 5 (2010), pp. 3 - 26.

فإنّ ذلك يعني أنّ ما نحصل عليه هو "معرفة تقريبية".

الخلاصة

مقبولً من ناحيتين: الفصل في دراسة الظواهر المعقّدة والكبرى بين هذه التقنيات. الاعتقاد بجدوى تقنيات أكثر من تقنياتٍ أخرى.

الرئيس للدراسات المستقبلية.

ولن نفهم التطور المستقبلي دون وعي هذه الحقيقة "التقريبية".

الانتقال من "الحقيقة" العلمية التي سادت المنهج الوضعي إلى المعرفة التقريبية؛ فإذا كان التطابق بين وصف الظواهر والظواهر الموصوفة أمرًا غير ممكن بحكم قصور اللغة والمفاهيم،

يكشف تطوّر تقنيات البحث أنّ الانفصال بين المناهج الكمية والكيفية وتقنيات كلٍّ منها لم يعد

ولمّا كان التغيّ وتسارعه في أغلب الأنساق، كم يتكشّف من "المنحنى السوقي" (curve Logistic)، أصبح سمةً مركزية في التطور الإنساني، فإنّ الفعل الاستباقي لكبح آثار هذا التغيّ أو استغلاله هو الدافع

ولمّا كانت الدراسات المستقبلية في حاجةٍ إلى تقنياتٍ لبناء نماذجها الخاصّة، فإنّها اكتشفت أنّ المناهج الكيفية والمناهج الكمية متعاضدة في فهم الظاهرة موضوع البحث، على أنّ هذا الفهم لا يعني المعرفة المطلقة بل "الاقتراب من المعرفة"، ولعلّ ذلك نتيجة لتلاقح التطوّر التكنولوجي والثقة الزائدة في العقل الإنساني، والذي عبّ عن نفسه بمناهج وتقنيات كمّية، مع حدس وتأمّل لأبعاد إنسانية تُعبّ عن ذاتها بمناهج وتقنيات كيفية؛ ولعلّ الدمج بين الجانبين هو التطوّر الأكبر في مسيرة "الوعي"، والذي عبّ عنه بريجوجين بقوله: "إنّ دخول الآلة في الإنسان، ودخول الإنسان في الآلة هم أهمّ تطورات عصرنا الحالي".

20 Capra, pp. 286 - 293.

المراجع

References

المراجع العربية

عبد الحي، وليد. الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية، مراكش: عيون،.1992 __________. مناهج الدراسات المستقبلية وتطبيقاتها في العالم العربي، أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.2007

المراجع الأجنبية

Ahlqvist, Toni; Asta Back; Sirkka Heinonen & Minna Halonen, "Road- mapping the Societal Transformation Potential of Social Media", Foresight , vol. 12, no. 5, (2010). Cagnin, Cristiano; Michael Keenan; Ron Johnston; Fabiana Scapolo & Rémi Barré (Eds.). Future-Oriented Technology Analysis: Strategic Intelligence for an Innovative Economy , Berlin, Heidelberg: Springer, 2008. Capra, Fritjof. The Tao of Physics: An Exploration of the Parallels Between Modern Physics and Eastern Mysticism , Berkeley: Shambhala, 1975. Chorba, Kristen. "A Review of Qualitative Research: Studying How Things Work", The Qualitative Report , vol. 16, no. 4, (July 2011). Denzin, Norman K. Sociological Methods: A Sourcebook , New Brunswick, NJ: Transaction Publishers, 2006. Giaoutzi, Maria & Bartolomeo Sapio (Ed.). Recent Development in Foresight Methodologies , New York: Springers, 2013. Gordon, Theodore J. & Jerome C. Glenn. "Integration, Comparisons and Frontier of Future Research Methods", Paper to EU-US Seminar: New Technology Foresight, Forecasting & Assessment Methods , Seville, (May 13-14, Guba, Egon G. (Ed.). The Paradigm Dialog , Newbury Park, CA: Sage, 1990. Howe, Kenneth R. "Getting over the quantitative-qualitative debate", American Journal of Education , vol. 100, no. 2, (1992). Kreibich, Rolf. Britta Oertel & Michaela Wolk. "Futures Studies and Future- oriented Technology: Analysis Principles, Methodology and Research Questions", Paper for the 1st Berlin Symposium on Internet and Society , (October 25-27, 2011).

Kuzyk, Boris N. & Yuri V. Yakovets. Civilizations: Theory, History, Dialogue, and the Future , Moscow: Institute for Economic Strategies, 2006. Marjolein, B. A. Van Asselt & Jan Rotmans, "Uncertainty in Integrated Assessment Modelling: From Positivism to Pluralism", Climatic Change , vol. 54, no. 1-2 (2002). Raskin, Paul; Tariq Banuri; Gilberto Gallopin; Pablo Gutman; Al Hammond; Robert Kates & Rob Swart. Great Transition: The Promise and Lure of the Times Ahead , A Report of the Global Scenario Group, Boston: Stockholm Environment Institute, 2002. Van Asselt, Marjolein B. A. & Jan Rotmans. "Uncertainty in Integrated Assessment Modelling: From Positivism to Pluralism", Climatic Change , vol. 54, no. 1-2 (2002).