Return to Article Details Arab Futures Studies: The Effect of Methodologies on Scientific and Societal Results

تأثير الأبعاد المنهجية للدراسات المستقبلية العربية في الحصيلة العلمية والمجتمعية

Arab Futures Studies: The Effect of Methodologies on Scientific and Societal Results

ناصر الطويل

الملخّص

تتناول هذه الورقة أهمّ الدراسات المستقبلية العربية، وتقوم بتحليل أبعادها النظرية والمنهجية والتنظيمية، متوقّفةً عند المخرجات والحصيلة النهائية لكلّ منها، سواء في ما يتعلّق بالتوعية بأهمية استشراف المستقبل وتوجيه الجهد العلمي نحوه، أو بالقدرة على اشتقاق بدائل مستقبلية قريبة من الواقع، أو القيام بدورٍ ملموس في ترشيد التطورات المجتمعية وتبصير النُخب السياسية وصنّاع القرار. كما تتناول الورقة، درسًا وتحليلًا، العوامل التي تقف خلف الحصيلة الكلّية المتواضعة لتلك الدراسات في البُعدين العلمي والمجتمعي، وبخاصة في ما يتّصل بإخفاق معظمها في اشتقاق سيناريوهات قريبة من الواقع، لتنتهي إلى أنّ ذلك يعود بدرجة رئيسة إلى انطلاق الدراسات المستقبلية العربية والتزامها مسلّمات الاتجاه المادي الوضعي، وهو ما أحدث تداعياتٍ سلبيةً في عمليات التحليل، ومجالات التركيز والاهتمام، ومن ثمّ في اشتقاق البدائل، وفي مُجمل العائد المتحصّل منها.

Abstract

ملخص:  تتناول هذه الورقة أهمّ الدراسات المستقبلية العربية، وتقوم بتحليل أبعادها النظرية والمنهجية والتنظيمية، متوقّفةً عند المخرجات والحصيلة النهائية لكلّ منها، سواء في ما يتعلّق بالتوعية بأهمية استشراف المستقبل وتوجيه الجهد العلمي نحوه، أو بالقدرة على اشتقاق بدائل مستقبلية قريبة من الواقع، أو القيام بدورٍ ملموس في ترشيد التطورات المجتمعية وتبصير النُخب السياسية وصنّاع القرار. كم تتناول الورقة، درسًا وتحليلً، العوامل التي تقف خلف الحصيلة الكلّية المتواضعة لتلك الدراسات في البُعدين العلمي والمجتمعي، وبخاصة في ما يتّصل بإخفاق معظمها في اشتقاق سيناريوهات قريبة من الواقع، لتنتهي إلى أنّ ذلك يعود بدرجة رئيسة إلى انطلاق الدراسات المستقبلية العربية والتزامها مسلّمت الاتجاه المادي الوضعي، وهو ما أحدث تداعياتٍ سلبيةً في عمليات التحليل، ومجالات التركيز والاهتمم، ومن ثمّ في اشتقاق البدائل، وفي مُجمل العائد المتحصّل منها. كلمت مفتاحية:  الدراسات المستقبلية، المناهج، العالم العربي Abstract:  The author addresses the theoretical, methodological, and organizational dimensions of the most significant futurology studies carried out in the Arab World, examining the results and final conclusions of these. Special attention is given to the ability of these efforts to raise awareness of the importance of forecasting; the scientific attempt to recognize the importance of forecasting; the ability to derive realistic alternative futures and whether these were able to play a tangible role in guiding societal development and informing political decision-makers. Data on future studies in the Arab World is also analyzed in order to understand the reasons behind the broadly limited success of studies produced in the region, both in terms of scientific and societal factors, particularly since most of the studies under consideration failed to formulate scenarios approximating reality. The paper concludes that to a large degree this failure is due to the fact that Arab future studies, were founded on materialist and positivist assumptions. It suggests that this approach has had negative implications for analysis, and in the choice of areas of focus and interest, as well as in terms of deriving alternatives.

الكلمات المفتاحية:
  • دراسات مستقبلية
  • مناهج
  • العالم العربي
Keywords:
  • Futures Studies
  • Methodologies
  • Arab World

**Professor of Political Science at the Faculty of Business and Economics, University of Sanaa, Yemen.

مقدمة

لا يوجد رصيدٌ كبير من الدراسات المستقبلية العربية، بل إنها تظلّ محدودةً، وكثيرًا ما يجرى إنتاجها في فتراتٍ متقطّعة. وقد ظهرت البدايات الأولى منها في سبعينيات القرن العشرين، في شكل دراسات ذات طبيعة إستراتيجية تركّز في تطوير العمل العربي المشترك، وجرى إعداد معظمها تحت رعاية المنظمت التابعة لجامعة الدول العربية. ومنذ أوائل الثمنينيات، جرى تنفيذ عدد من تلك الدراسات، بعضها من خلال خبرات فردية، وبعضها الآخر من خلال فريقٍ واسع من الباحثين تحت إشراف مؤسساتٍ أهلية أو حكومية. وعلى الرغم من محدودية الدراسات المستقبلية العربية وافتقارها إلى التراكم، فقد أنتجت جملةً من المخرجات العلمية والمجتمعية والثقافية. ثمّ على الرغم من أنّ تلك المخرجات هي نتاج عددٍ واسع من العوامل والمتغيرات، فإنّ الأبعاد المعرفية والمنهجية تُعَدُّ ضمن العوامل الأكثر تأثيرا فيها، وهو ما يستدعي قراءة تأثير تلك الأبعاد، وتداعياتها على المخرجات النهائية والكلّية للدراسات المستقبلية العربية، وهذا الأمر هو الذي تحاول هذه الدراسة أن تتصدّى له بالنظر والتحليل. لهذا سيجري في البداية عرض الدراسات المستقبلية العربية، وتحليل السّياق العامّ الذي وُلدت فيه، والغايات والأهداف التي سعت لتحقيقها، والخطوات الإجرائية التي اتُّبعت أثناء تنفيذها، والأبعاد التنظيمية والمؤسسية لإدارة فرق البحث الخاص بها. وستكون الخطوة التالية عرضًا لمخرجات تلك الدراسات وتوصيفها، سواء من جهة قدرتها على الاستشراف وتوقّع التطوّرات المستقبلية للظواهر والقضايا التي تناولتها، أو من جهة توعيتها بأهمية استشراف المستقبل والاستعداد له، أو من جهة مساهمتها في ترشيد التحولات المجتمعية. أمّا الخطوة الثالثة، فستكون تحديدًا وتحليلً لتأثير الأبعاد والفجوات المعرفية والمنهجية في المخرجات النهائية والكلّية للدراسات المستقبلية العربية، وبخاصة قدرتها على بلورة خيارات مستقبلية قريبة من الواقع.

أوّلً. عرض أهمّ الدراسات المستقبلية العربية

شهدت المرحلة السابقة تنفيذ عددٍ من الدراسات العربية الموجهة نحو المستقبل، بعضها جرى تنفيذه بجهد فردي، وبعضها الآخر جرى بجهد جمعي، ومنها ما اعتمد على الخبرة والحدس، ومنها ما التزم المناهج الكمّية، وبعضها راعى جوانب الشمول والعمق والتزام الجوانب المنهجية والإجرائية المتّبعة في مثل هذه الدراسات، وبعضها الآخر لم يراعِ ذلك.

لقد ألّف حامد ربيع، في هذا الشأن، كتابًا "رائدًا"، وصدرت دراسة "الوطن العربي سنة 2000، وجرى" نشر أبحاث ندوة "العقد العربي القادم: المستقبلات البديلة" التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع مركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورجتاون الأميركية، في نيسان/ أبريل 1985، وفي منتصف الثمنينيات، صدرت دراسة "المستقبلات العربية البديلة"، وتلاها كتاب مستقبل الأمة العربية. وفي بداية عقد الثمنينيات، كتب المهدي المنجرة دراسةً موجزةً هي "المغرب العربي الكبير عام 2000، وجرى تنفيذ المشروع الاستشرافي "مصر " 2020"، ونفّذ المركز القومي للبحوث الاجتمعية والجنائية بالقاهرة دراسةً متعلّقةً بمستقبل القرية المصرية، وجرى تنفيذ دراسة "رؤية الأردن. 2020 " وفي منتصف عام 2005، جرى الانتهاء من تنفيذ مشروع "رؤية استشرافية لمسارات التنمية: سوريا 2025 ". وتُعدّ دراسة الرؤية المستقبلية لمصر  2030، آخر الدراسات المستقبلية العربية تنفيذًا. وتتفاوت هذه الدراسات على نحوٍ كبير. فبعضها من لدُن أفراد، وبعضها الآخر جرى إعداده من لدُن فريق بحثٍ جمعي، وهو ما يجعل تناولها بالدراسة والتحليل أمرًا صعبًا. فلكلٍّ منها طريقةٌ وأسلوبُ تناولٍ مختلفان. ولهذا سيجري عرضها في مجموعتين، تشمل الأولى منها عيّنةً منتقاةً من الدراسات المستقبلية التي أعدّها أفراد، اعتمدًا على خبرتهم وحدسهم العلمي. أمّا المجموعة الثانية، فهي تتضمن الدراسات المستقبلية التي قام بتنفيذها فريق بحثٍ جمعي، مع الإشارة إلى أنّ تركيزنا في التحليل سينصبّ على نحوٍ رئيس على الدراسات التي تتضمنها المجموعة الثانية.

حامد ربيع، نحو ثورة القرن الواحد والعشرين: الإسلام والقوى الدولية (القاهرة: دار الموقف العربي،.)1981 إبراهيم سعد الدين وآخرون، "الوطن العربي سنة 2000 "، المستقبل العربي، العدد 19 (أيلول/ سبتمبر.)1980 هشام شرابي (محرّر)، العقد العربي القادم: المستقبلات البديلة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية/ مركز الدراسات العربية المعاصرة جامعة جورجتاون،.)1986 4 Ismail Sabri Abdalla et al. , Arab Alternative Futures: Final Draft Report (New York: UNU and Third World Forum, 1986). خير الدين حسيب وآخرون، مستقبل الأمة العربية: التحديات والخيارات (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1988 6 المستقبل العربي، العدد 53 (تموز/ يوليو.)1983 عبد الباسط عبد المعطي وآخرون، مستقبل القرية المصرية: الأبعاد والتوجهات النظرية والمنهجية، ج 1 (القاهرة: المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية،.)1994 " بدء حلقة حوارية لرؤساء لجان مشروع سيناريوهات الأردن 2020 "، الغد الأردني، في (/15 6 /:2014) http://goo.gl/alSp5N آصف دياب ومروان الزبيبي (محرّران)، التقرير الوطني الاستشرافي الأساسي الأول لمشروع سوريا 025 2 (دمشق: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهيئة تخطيط الدولة،.)2007 0 1 محمد إبراهيم منصور (محرّر)، الرؤية المستقبلية لمصر 030:2 دراسة استشرافية (القاهرة: مركز الدراسات المستقبلية،.)2011

الدراسات المستقبلية التي جرت بجهد فرديّ

تندرج الكثير من الدراسات العربية التي تتّجه نحو المستقبل، والتي قام بها أفراد، في إطار الدراسات التي يغلب عليها الجانب الانطباعي أو الاهتمم ببناء رؤيةٍ مستقبلية معيّنة. والقليل منها هو الذي استهدف استشراف المستقبل، انطلاقًا من تحليل الواقع للوصول إلى بناء مسارات وبدائل محتملة ومتوقّعة، ومنها دراستان اتّسمتا بالقدرة الفائقة على التوقّع. تمثّلت أولى الدراستين بدراسة حامد ربيع التي سعت لاستشراف مستقبل الإسلام بين القوى الدولية خلال القرن الحادي والعشرين، انطلاقًا من تساؤل رئيس، هو: هل يستطيع الإسلام أن يرتفع إلى مصافّ القوى الدولية؟ وهل تستطيع القوة الإسلامية بما تمثّله من خصائص وما تعانيه من نقائص أن تصير إحدى مصادر القوة التي تتحكّم في صنع القرار السياسي الدولي في العالم المعاصر؟ وفي عُقب تحليل ربيع للوضع الدولي الراهن لكلّ من النظام الدولي والقوة الإسلامية، انتهى إلى أنّ الرُّبع الأخير من القرن العشرين يمثّل أرضًا خصبةً لجعل الإطار الحضاري الإسلامي قوَّةً قادرةً على أن تتحكّم في التوازن الدولي، وأنّ الإسلام هو الطرف المُعدّ للتصدّي لظاهرة الاستعمر الجديد، غير أنّ هذا الدور مرتبطٌ بعددٍ من المتطلّبات، هي: إعادة البناء الأيديولوجي، والفصل بين الإسلام بوصفه ظاهرةً قوميةً والإسلام بوصفه دعوةً عالميةً، وتخطّي عدم التجانس الداخلي، وفرض تنظيم إقليمي. اتّسم التحليل الذي قدّمه ربيع بالقدرة على توقّع بعض الحوادث، ومن ذلك توقّعه قيام ثورات في الدول العربية. فقد قال إنّ "ثورة الخميني ليست إلا البداية في حركات الرفض الإسلامية (...) والثورات القادمة (...) والقلاقل قائمة على قدمٍ وساق ليس في مصر، بل وفي السعودية". ويقول بوضوحٍ شديد كأنه يشير إلى ثورات الربيع العربي وما بُنيَ عليه من أخلاقيات: "إنّ موجات العنف ليست وحدها هي المعبّة عن حقيقة ثورة الرفض، هناك فكرٌ خلّق يتفاعل، وهناك إراداتٌ قوية تتمسك، وعلى كلّ محلّلٍ أن يعترف بأنّ حركة التغيير تمتدّ إلى جميع أجزاء العالم الإسلامي، بما في ذلك أجزاء الجمهورية الروسية". وبالفعل فقد تحقّق توقّع ربيع، واستحال عنوان كتابه ثورة القرن الواحد والعشرين، من خلال ثورات الربيع العربي، واقعًا في العقد الأول من هذا القرن. وتتمثّل الدراسة الثانية بدراسة لمايكل هدسون عن "الدولة والمجتمع والشرعية"، وقد انتهت إلى اقتراح ثلاثة سيناريوهات مختلفة للعقد المقبل (التسعينيات)، هي: "الوضع الراهن" (الاستمرار)، و"حقبة الاضطراب"، و"حقبة الشرعية". وكلّ سيناريو من هذه السيناريوهات يقوم على تقديمٍ مخالف لعوامل داخلية وخارجية، غير أنها تدور حول مفهوم الشرعية. ويهمّنا استعراض الفرضيات

11 ربيع، ص.44 21 مايكل هدسون، "الدولة والمجتمع والشرعية: دراسة عن المأمولات السياسية العربية في التسعينات"، في: شرابي.

التي يقوم عليها سيناريو الاضطراب، لأنّ ما جرى في المنطقة العربية منذ أوائل عام 2011 قريبٌ مم تضمنه هذا السيناريو. يرتكز سيناريو "حقبة الاضطراب" على إخفاق الدولة في كسْب الشرعية في نظر المجتمع؛ إذ إنّ نموّ الدولة نفسُها في بُعدها البيروقراطي يكون مسؤولً عن تنامي النفور منها. فالبيروقراطية "المتبرجزة" تولّد الإحباط، والعجز عن بلوغ الغاية يولّد الاستياء، والقهر الشامل يولّد الخراب، والسياسة العقيمة تُفاقم القلق وتضُرّ بالمصالح وتولّد الاحتجاج، والعناصر المسيّسة في المجتمع التي يستمر استبعادها من السُلطة تتحدّى حقّ النظام في أن يحكم، إضافةً إلى أنّ المدى الذي تُعَدّ فيه الأنظمة الحاكمة "عميلةً" لقوى خارجية تمارس سياسات "إمبرياليةً جديدةً" سوف يضعف شرعيتها. وهكذا، فإنّ الدولة الشمولية الطاغية والبدائية تُحدث نهوضًا للمعارضة، غير أنّ المعارضة لا تكون عامّةً أو متمسكةً بما فيه الكفاية للوصول إلى عقد اجتمعي جديد، أو خلق أوضاع جديدة. وفي هذا السيناريو بإمكاننا أن نتصور أنماطًا متنوّعةً تراوح بين الحكومة شبة الشمولية والفوضى. ففي الدول الأصغر والأكثر تقليديةً، قد تسود "ملكية الاستخبارات"؛ إذ يتزايد اعتمد العائلات الحاكمة على خدمات الأمن لضمن الاستقرار. أمّا بشأن الدول الكبرى، فقد نكون أمام أحد ثلاثة نماذج، هي نموذج: البيروقراطية السلطوية التي تولّد نوعًا من المؤيّدين من أصحاب المصالح الذين يتنازعون مع من يرغب في الاستيلاء على السُلطة، ونموذج السلطوية - الشعبية، بوجود حاكمٍ يسعى لخلق شرعية جمهيرية من خلال أيديولوجية تعبئة يغلب عليها طابع الإسلام السياسي أو العروبة، ونموذج سمّه هنتنغتون "الحرس الإمبراطوري"؛ أي الحكم الذي تتوالى عليه زمرة عسكرية يستولي كلّ منها على السُلطة بقوَّة السلاح. فمن الممكن أن يعيد الحرس الإمبراطوري نفسه في دولةٍ مثل سورية، إنْ تمّ قلب النظام السلطوي - البيروقراطي، وحينئذٍ تقتتل الطوائف من داخل السُلطة وخارجها، وقد تكون المنطقة أو بعض دولها أمام "الخيار اللبناني أو الفوضى الشاملة". ومن الطبيعي أنه يصعب التنبّؤ، بأيّ درجة من درجات الثقة، بما يمكن أن يحدث تحديدًا للأقطار العربية المختلفة في التسعينيات في إطار سيناريو "حقبة الاضطراب"، غير أنه لا يندر أن تشيع بين المراقبين الأنواع التالية من التكهنات: تفتّت السعودية إلى مكوناتها الجغرافية التاريخية، وبروز "قوس الأزمات الشيعي" الذي يضمّ إيران، والعراق، وشرق العربية السعودية، وشمل سورية ولبنان، وكذلك إقامة جمهورية إسلامية في مصر، وانقسام السودان إلى دولتين منفصلتين، وتقطيع أوصال ليبيا، وإنشاء دولة فلسطينية في الأردن، وانهيار الأنظمة التقليدية في المغرب وتونس... إلخ.

الدراسات المستقبلية التي جرت بجهد جمعيّ

تنفيذ الدراسة من خلال فريق بحث جمعي يشمل عددًا كبيرًا من الباحثين.

استهدافها استشراف مستقبل قضية واحدة أو قطاع بعينه.

السياسية والاجتمعية.

عينةً ممثّلة لها؛ وهذه الدراسات هي:

والسكان في مصر.

بالقاهرة)، بدعمٍ من جامعة الأمم المتحدة، خلال الفترة 1980 -.1985

الفترة 1982 -.1989 "مصر 2020": جرى تنفيذها برعاية منتدى العالم الثالث.

الفترة 1984 -.1993

ويتضمن الجدول التالي، بيانات عامّة متعلّقة بتلك الدراسات:

31 سنعتمد مختصرًا لهذه الدراسة، هو "إيدكاس."

لتحديد الدراسات التي تندرج في هذا الإطار، وتتوافر فيها كلّ المعايير المتعارف عليها في الدراسات المستقبلية أو جلّها، سوف نعرض مُجمل الدراسات التي تنتمي إلى هذه المجموعة، وفقًا للمعايير التالية:

اتسام الدراسة بالشمول وعدم اقتصارها في التعامل مع موضوعها على بُعدٍ واحد، حتى في حال

عدم اقتصار الدراسة على الجوانب الفنية والتكنولوجية، واشتملها على الأبعاد

وقد تمّ الانتهاء إلى سبع دراسات تُثّل الدراسات المستقبلية العربية التي تستوفي المعايير السابقة، وهي في جميع الأحوال تمثّل أغلب الدراسات الاستشرافية العربية التي جرى تنفيذها في الفترة السابقة، وتُعدّ

"استشراف النتائج السكانية والتنموية لإستراتيجيات بديلة للتنمية في مصر حتى سنة "2000 (2000 EDCAS: جرى تنفيذها خلال الفترة) 1979 - 1982، من خلال جهاز تنظيم الأسرة

"المستقبلات العربية البديلة": قام بتنفيذها منتدى العالم الثالث (مكتب الشرق الأوسط

"مستقبل الأمة العربية: التحديات والخيارات": نفّذها مركز دراسات الوحدة العربية خلال

"مستقبل القرية المصرية": نفّذها المركز القومي للبحوث الاجتمعية والجنائية في مصر، خلال

"رؤية استشرافية لمسارات التنمية في سوريا 2025": جرى تنفيذها خلال الفترة 1998 -.2005 "مصر 2030": نفّذها مركز الدراسات المستقبلية التابع لمجلس الوزراء المصري في الفترة

الجدول:1 خصائص الدراسات المستقبلية العربية المعنيّة بالدراسة

سماتها
الدراسة
قطاعية/
كلّية
عربية/
ق ُ طرية
استكشافية/
استهدافية
الجهة المنفّذةجهات التمويل
المستقبلات
العربية البديلة
كلّيةالدول
العربية
اأستكشافية²
²
منتدى العالم الثالث
(مكتب الشرق
الأوسط بالقاهرة)
²
² جامعة الأمم المتحدة
مستقبل الأمة
العربية
كلّيةالدول
العربية
استكشافية²
²
مركز دراسات
االوحدة العربية
²
²
الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي
والاجتماعي
²
² صندوق النقد العربي
²
²
منظمة الأقطار العربية المصدرة
للبترول
²
²
الصندوق العراقي للتنمية
الخارجية
إيدكاس 2000قطاعيةمصراستكشافية²
²
جهاز تنظيم الأسرة
والسكان
²
²
صندوق الأمم المتحدة للأنشطة
السكانية
مصر 2020كلّيةمصراأستكشافية²
²
منتدى العالم الثالث
(مكتب الشرق
اراألأوسط بالقاهرة)
²
²
البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة.
²
²
الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي
والاجتماعي
²
² الأمير طلال بن عبد العزيز
²
² دعم رمزي من الحكومة المصرية
مستقبل
القرية المصرية
قضية
محدّدة
مصرامستكشافية²
²
المركز القومي
للبحوث الاجتماعية
والجنائية
²
² الحكومة المصرية
سوريا 2025كلّيةسوريااستكشافية²
²
هيئة تخطيط
ارلدولة
²
² البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة
مصر 2030كلّيةمصرامستهدافية²
²
مركز الدراسات
المستقبلية
²
² الحكومة المصرية

انطلاقًا من هذا الجدول، يمكن إبداء الملاحظات التالية: من جهة الشمولية: تشتمل هذه الدراسات على خمس دراساتٍ ذات طبيعة شاملة وكلّية؛ بمعنى أنها تدرس مآلات التحول في ظاهرةٍ ما، سواء تمثّلت هذه الظاهرة بدولة معيّنة (مصر 2020، وسورية 2025، ومصر 2030)، أو بمجتمع إقليمي (المستقبلات العربية البديلة، ومستقبل الوطن العربي). في حين نجد دراسةً واحدةً تنتمي إلى ما يُعرف بالدراسات القطاعية، وهي التي تركّز في قطاعٍ بعينه (إيدكاس 2000). أمّا الدراسة الخامسة، فهي تنتمي إلى الدراسات المستقبلية التي تتناول قضيةً محدّدةً (مستقبل القرية المصرية). من جهة النطاق الجغرافي: نجد أنّ هذه الدراسات تتّسم بغلبة الطابع المصري، فمن إجملي الدراسات السبع السابقة، تختص أربعٌ منها باستشراف الأوضاع في مصر، في حين تغطّي الدراستان الأخريان مجموع الدول العربية، ومن ناحية أخرى نجد دراسةً واحدةً تستشرف آفاق التنمية في سورية. من جهة التمويل: يغلب عليها سمة التمويل من المنظمت الإقليمية والدولية. فقد تولّت ثلاث منظمت تابعة للأمم المتحدة تمويل دراسات ثلاثٍ من هذه الدراسات تمويلً كليًا؛ إذ تكفّلت جامعة الأمم المتحدة بتمويل مشروع "المستقبلات العربية البديلة"، وموّل صندوق الأمم المتحدة للأنشطة السكانية دراسة "إيدكاس"، وموّل البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة دراسة "سوريا 2025". وشارك البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في تمويل دراسة "مصر 2020". وشاركت منظمتٌ إقليمية عربية في تمويل عدد من تلك الدراسات. فقد ساهمت منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول في تمويل دراسة "مستقبل الوطن العربي"، وشارك الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتمعي في تمويل كلّ من مشروعَيْ "مستقبل الوطن العربي"، و"مصر 2020". واقتصر الدعم الرسمي على تمويل دراستين فحسب، هم "مستقبل القرية المصرية"، ومشروع "مصر 2030". واقتصرت مساهمة الرأسمل العربي على مشاركة الأمير طلال بن عبد العزيز في تمويل مشروع "مصر 2020". ويلُاحظ غياب مشاركة رجال الأعمل، والشركات، والبنوك الوطنية، في تمويل الدراسات المستقبلية العربية، وخصوصًا في مصر التي جرى فيها تنفيذ جلّ تلك الدراسات. ويلُاحظ أيضًا ارتفاع مستوى مشاركة المنظمت الدولية والإقليمية في عملية التمويل. الجهات التنفيذية: انقسمت هذه الجهات إلى مؤسساتٍ أهلية، وأخرى حكومية. فقد جرى تنفيذ ثلاث دراسات (وهي الدراسات الكبيرة والشاملة) بمبادرةٍ من مؤسسات أهلية. وجاء تنفيذ دراستي "المستقبلات العربية البديلة"، و"مصر 2020"، بمبادرةٍ من منتدى العالم الثالث (مكتب

41 لم يتمكّن الباحث من الحصول على التقرير الرئيسي لدراسة "سوريا 2025". لهذا لن يتمّ إدراج هذه الدراسة في عملية التحليل، مع وجود قناعةٍ بأنها لا تختلف كثيرًا في منطلقاتها النظرية والمنهجية، ومسارها، ومخرجاتها عن بقية الدراسات المتعلّقة بموضع البحث.

الشرق الأوسط بالقاهرة) مكتب الشرق الأوسط، وهو يضمّ عددًا من الخبراء والأكاديميين العرب المهتمين بهذه الدراسات. في حين تولّ مركز دراسات الوحدة العربية تنفيذ مشروع "مستقبل الوطن العربي". أمّا الدراسات الثلاث الأخيرة، فقد تولّت تنفيذها مؤسساتٌ تابعة للحكومة المصرية، منها مؤسسة غير بحثية، هي جهاز تنظيم الأسرة والسكان، ومؤسستان ذواتَا طبيعةٍ بحثية، هم المركز القومي للبحوث الاجتمعية والجنائية، ومركز الدراسات المستقبلية. وهذا المركز هو المركز الوحيد المتخصّص بهذا النوع من الدراسات في الوطن العربي.

ثانيًا. الأبعاد النظرية والمنهجية والتنظيمية يف الدراسات المستقبلية العربية

تقتضي الطبيعة الكلّية والبينية للدراسات المستقبلية جهدًا كبيرًا لبناء إطار نظري وتنظيمي ومنهجي وإجرائي للقيام بها؛ إذ يتطلّب الأمر بناء تصوّرٍ أولّي لطبيعة الدراسة وأهدافها، والمجالات والأبعاد التي تتناولها، وتشكيل فريق عمل متنوع الخبرات والتخصصات، يضمّ مستشارين، وباحثين، وباحثين مساعدين وفنّيين، إضافةً إلى بناء إطارٍ إجرائي لتحديد مراحل التنفيذ وخطواته، وتعيين المناهج والأدوات والنمذج التي سيجري توظيفها والاستعانة بها وبناؤها؛ لجمع البيانات ومعالجتها، وبناء شبكة للتفاعل بين الأنساق والقطاعات في المراحل المختلفة للدراسة، وبخاصّة عند بناء السيناريوهات. وتضطلع الجوانب النظرية والمنهجية والتنظيمية بدور حاسم في نجاح الدراسات المستقبلية أو إخفاقها. لهذا سنستعرض خبرة الدراسات المستقبلية العربية في التعامل مع تلك الجوانب، وتأثير هذه الجوانب في مسار تلك الدراسات ونتائجها.

الدواعي والغايات

يتطلّب تنفيذ الدراسات المستقبلية جهدًا بشريًّا وإمكاناتٍ ماديةً وماليةً كبيرةً ليس من اليسير توافرها بسهولة، بخاصّة في الدول التي تمتلك موارد محدودةً، كم هي الحال في أغلب الدول العربية. وفي ظلّ وضع على هذا النحو، وجب على تلك الدراسات أن تتصدّى للمواضيع ذات الأولوية المجتمعية، وألّ تضيع الجهد والموارد في قضايا ثانوية أو قليلة الأهمية، وهو ما يدفعنا إلى مناقشة المسوغات التي جرى في ضوئها اختيار المواضيع الرئيسة للدراسات المستقبلية العربية، وطبيعة الأهداف والغايات التي سعت لتحقيقها. هدفَ مشروع "إيدكاس 2000 " إلى تزويد المخطّطين وصانعي السياسات بأداة تحليلية تساعدهم على إجراء تقييمت شاملة للمضامين الاقتصادية والديموغرافية للإستراتيجيات البديلة للتنمية التي يُنظر في

تطبيقها في مصر حتى نهاية القرن العشرين. وقد وُلدت فكرة مشروع "المستقبلات العربية البديلة " أثناء جهد بحثيّ سابق جرى في إطار المعهد العربي للتخطيط بالكويت، وكانت تستهدف وضع تصوّرٍ لمستقبل العرب عام 2000. وجاء هذا المشروع كردّة فعل على طبيعة الصور التي تضمّنتها النمذج العالمية بشأن الوطن العربي، والتي كانت تُشتّت الدول العربية في التقسيمت المختلفة لدول العالم، وقد اقتصرت في أغلب نظرتها إلى الوطن العربي على أنّه أحد أهمّ مصادر النفط في العالم، إضافةً إلى أشكال القصور الكبيرة التي اعترت الجهد العربي السابق لهذه الدراسة في استشراف مستقبل الوطن العربي، بخاصّة في ظلّ توافر القدرات العربية الفكرية والمادية. ولم تختلف المسوّغات التي اعتمدت عليها دراسة مستقبل الأمة العربية كثيرًا عمّ اعتمدت عليه دراسة المستقبلات العربية البديلة، مع تأكيد أنها "جاءت استجابةً لنداء الكثيرين من مثقفي الوطن العربي، وبعض مؤسساته، ضرورة إجراء دراسة شاملة حول مستقبل الوطن العربي، تقدّم بدائل لمسيرته بشكل يُعينه على مجابهة ما يقابله من تحديات سياسية واجتمعية واقتصادية". وانطلقت دراسة "مستقبل مصر 2020" من أنّ أيّ دولةٍ نامية، خصوصًا إنْ كانت ذات وزنٍ كم هي حال مصر، أحوج ما تكون إلى استشراف المستقبل وهي بصدد اتخاذ القرارات المتعلقة باختيار إستراتيجية التنمية وسياساتها. وقد جرى تأكيد أمرٍ مفاده أنه ليس من أهداف هذه الدراسة رسم مستقبلٍ في حدّ ذاته، ولا وضع إستراتيجية أو خطة بعينها للمجتمع المصري، بل إنّها تهدف إلى تقديم قاعدة معرفية تساعد الناس ومتخذي القرارات على اختيار المستقبل الأفضل لمصر؛ وذلك في ضوء موازنتهم بين المنافع والتكاليف للصور المستقبلية المتعدّدة التي يمكن أن تكون عليها مصر خلال العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين. وهدف مشروع "مستقبل القرية المصرية" إلى "الاستشراف العلمي لآفاق مستقبل القرية المصرية في أُفق زمنٍ محدّد (عشر سنوات)، من خلال محاولة رصد التغيير الشامل وآفاقه، وما يمكن أن تثيره هذه الآفاق من تفكير في المسارات المحتملة والممكنة للنمو الاجتمعي والاقتصادي". وانطلق مشروع "مصر 2030" من حاجة مصر إلى بناء رؤية مستقبلية، تستوعب "التغيرات المحلية والإقليمية والعالمية المتدافعة بمعدلاتٍ سريعة، وما تحمله من فرصٍ وتحديات، في صدارتها تفاقم مشكلات

51 إبراهيم العيسوي، "مشروع إيدكاس"، في: نفين مسعد (محرّر)، ندوة الدراسات المستقبلية العربية نحو استراتيجية مشتركة (القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية/ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1998)، ص.243 61 إبراهيم سعد الدين وآخرون، صور المستقبل العربي: جامعة الأمم المتحدة، مشروع المستقبلات العربية البديلة، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1989 71 حسيب، ص.17 81 إبراهيم العيسوي، الدراسات المستقبلية ومشروع مصر 020 2 (القاهرة: معهد التخطيط القومي، 2000)، ص.34 91 محمود عودة، "تقرير أولّي حول التطورات المنهجية لمشروع بحث "مستقبل القرية المصرية " 1994-1984"، في: محمود عودة، وإلهام عفيفي، القرية المصرية الواقع والمستقبل (القاهرة: المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، 1996)، ص.3

الفقر والبطالة والأمية، وتسارع التغيرات السياسية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا والعالم. كم أنّ القيام بهذه الدراسة يأتي سيرًا في الطريق التي سارت عليها عدد من الدول في صَوْغ رؤيتها لمستقبل شعوبها، وهو ما يتطلّب بناء رؤية لمصر حدّدها هذا المشروع في "أن تكون مصر بحلول عام 2030، دولةً متقدمة اقتصاديًّا واجتمعيًّا، وفاعلةً إقليميًّا ودوليًا".

الإطار النظري والرؤية

تستند الدراسات المستقبلية، مثل غيرها من الدراسات العلمية، إلى مسلّمتٍ وفرضيات معلنة، أو غير معلنة، تتّصل بطبيعة الوجود والرؤية تجاه الإنسان والكون والحياة. ومن خلال القراءة الفاحصة للدراسات المستقبلية العربية، نجد أنها استبطنت أُسس الاتجاه الوضعي ومسلّمته، وهو الاتجاه الذي يقوم على المادية والتجريب، والميل إلى "التكميم"، والإعلاء من شأن المناهج والأساليب الكمية، والنظر في الآن نفسه إلى القضايا والمناهج الكيفية على أنها أقلّ أهميةً وأقلّ علميةً. وقد مثّلت تلك الأسس منطلقًا لتلك الدراسات وموجهًا لها، عند اختيار المناهج والأدوات، وعند تحديد القضايا البحثية الأكثر جدارةً بالدراسة، وعند اشتقاق السيناريوهات والخيارات المستقبلية وبنائها، وهو ما جعلها واحدةً من العوامل الحاكمة لمسار تلك الدراسات وحصيلتها على النحو الذي سنشير إليه لاحقًا. وكثيرًا ما تنشأ عن تلك الأسس والافتراضات رؤيةٌ تُحرّك الدراسات المستقبلية، وتصوّرٌ يضبط مسارها، ويحدد قضاياها وأبعادها الرئيسة، وكيفية اشتقاق بدائلها المستقبلية. وعندما تنطلق الدراسة من تصوّرٍ واضح، فإنّ ذلك يساعد على السلاسة في تنفيذها، ويحدث العكس إن كان ذلك التصور يعاني اضطرابًا وعدم وضوح. ففي هذه الحال، يؤدّي ذلك في كثير من الأحيان إلى إرباك مسار الدراسات المستقبلية، ومضاعفة متطلبات إنجازها، على النحو الذي حدث بالنسبة إلى مشروعَيْ "مستقبل الوطن العربي" و"مستقبل القرية المصرية". عانت دراسة "مستقبل الأمة العربية" في مراحلها الأولى اختناقات كادت تجهضها، بسبب عدم الاستقرار على تصوّرٍ معيَّ لطبيعتها ومهمّتها، وتسبب ذلك بتأخير المدة المحدّدة لتنفيذها (من بداية عام 1981 حتى أواخر عام 1988). فقد أدرج مركز دراسات الوحدة العربية موضوع القيام بدراسة شاملة بشأن مستقبل الوطن العربي في برنامجه خلال الفترة 1980 - 1981، وكلّف أحد المتخصّصين العرب (نادر فرجاني) بإعداد ورقة عمل متعلّقة بمقترح أولّي للدراسة، ودعا إلى لجنة استشارية بشأن الموضوع نفسه. واختار المركز فريقًا من الباحثين لإعداد مقترح تفصيليّ للدراسة، جرى عرضه على اللجنة

0 2 منصور.

الاستشارية للمشروع والجهات المانحة، وتعاقد مع فريق مركزي ليتولّ مسؤولية الإشراف على الدراسة، وباشر الفريق عمله في 15 تموز/ يوليو 1983، على أن ينتهي من تنفيذ الدراسة في أواخر عام.1985 وبعد عقد عددٍ من الندوات المصغرة مع مفكرين وممرسين عرب لبحث المخطط المُعدّ للدراسة، تمكّن الفريق المركزي من وضع "وثيقة الإطار العامّ للمشروع". غير أنّ صعوبات ومشاكل تتعلّق بغياب التصور الواضح لطبيعة المشروع حالت دون استمرار فريق العمل الأول على الصيغة المؤسسية التي كانت قائمةً في تنفيذ المشروع. وبعد محاولةٍ قام بها نادر فرجاني لتشكيل فريق لتنفيذ المشروع تحت إشرافه المباشر، وبعد فترة قصيرة من العمل، تعذّرت مواصلة المشروع. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1985، قرّر مركز دراسات الوحدة العربية استكمل تنفيذ المشروع تحت إشرافه المباشر على أساس التصوّر والوثيقة اللذين أعدّهم الفريق المركزي الأول، مع الاستعانة بصيغةٍ مؤسسية مختلفة. أمّا مشروع "مستقبل القرية المصرية" فقد بدأ العمل فيه منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 1984. ونتيجةً للاختلالات الجوهرية في الجوانب النظرية والمنهجية، تعرّض لاختناقاتٍ متكرّرة أبقته يراوح مكانه، مشلولً بتصحيح الأسس النظرية والمنهجية المنحازة وغير الملائمة التي بُنيَ عليها منذ البداية. واستغرق منه ذلك وقتًا طويلًاستمر حتى أواخر عام 1993. ويمكن القول إنّ هذا المشروع مرّ، من الناحية المعرفية والمنهجية، بثلاث محطات. فقد نتجت من المحطة الأولى خطّةٌ عُرفت بالخطة الأولى، وتضمنت أهدافه وتوجهاته النظرية والمنهجية العامّة. غير أنّ هذه التوجهات اتسمت بالغموض والإغراق في التأمّل النظري والبعد عن "الإجرائية"؛ لأنها بُنيت على أُسسٍ أيديولوجية خالصة. وقد استغرقت المناقشات بشأن إعادة النظر في الجوانب النظرية والمنهجية والإجرائية للدراسة وتطويرها عامين كاملين، ونتجت من ذلك خطّة ثانية. وعلى الرغم من التغيرات الواسعة والجذرية التي تضمنتها الخطة الثانية، سواء كان ذلك من حيث المنهج أو أدوات البحث أو خطة العمل، فإنّ التصور الإجرائي الذي تضمنته بقيَ غامضًا وانتقائيًا إلى حدّ كبير. كم أنه تضمّن عددًا كبيرًا من الأدوات البحثية التي سيجري استخدامها لجمع المعلومات الميدانية، والتي تعاني التكرار والتداخل والتطويل، وهو ما استلزم جهدًا إضافيًا لتطوير التصورات المنهجية والأدوات الإمبريقية، على نحوٍ يؤدِّي إلى تجاوز ما تعانيه الخطة الثانية من أوجه القصور والتعقيدات. وتمثّلت مهمّت المحطة الثالثة في إنجاز مراجعة شاملة لأدوات العمل الميداني التي تضمنتها الخطة الثانية، واستهدفت على نحوٍ خاص تجاوز التحيّز الفكري الواضح الذي بُنيَ عليه المشروع منذ البداية وما اتسم به من نبرةٍ أيديولوجية عالية، ومراجعة بعض المقولات الموجهة إلى البحث؛ من بينها مقولة أسلوب الإنتاج والتكوين الاجتمعي والتنمية البديلة، إضافةً إلى مقولة الطبقة والصراع الطبقي، وإعادة

12 عودة، ص.34 - 3

بناء أدوات البحث الميداني. وفي ظلّ هذا الوضع، كان من الطبيعي أن يواجه المشروع كلّ تلك الصعوبات المنهجية والعملية، وأن يظلّ مكانه نحو عشر سنوات، وأن يستنزف كثيرًا من الطاقات والجهد والوقت والموارد؛ من أجل معالجة تلك المنطلقات النظرية الخاطئة.

الجوانب التنظيمية والإجرائية

تحظى الإجراءات التنظيمية والمؤسسية بأهميةٍ بالغة من جهة تأثيرها في مسار تنفيذ الدراسات المستقبلية. فالنجاح في تلك الدراسات، أو الإخفاق فيها، يعتمد على حُسن اختيار فريق البحث العلمي المكلّف بإجراء الدراسة وإدارته. وبفحص خبرة الدراسات المستقبلية العربية في هذا الجانب، سنتبيّ الدور الكبير الذي ساهم فيه البعد التنظيمي في تيسير تنفيذ تلك الدراسات أو تعويقه. فبالنسبة إلى مشروع "إيدكاس"، تولّ إبراهيم العيسوي مسؤولية الباحث الرئيس للمشروع، وتعاون معه 14 باحثًا في مجالات الاقتصاد والاجتمع والسياسة والنمذجة. وبالنسبة إلى مشروع "المستقبلات العربية البديلة"، قام منتدى العالم الثالث (مكتب الشرق الأوسط بالقاهرة)، بدور وحدة التنسيق، وجرى تشكيل هيكلٍ إداري مبسّط لإدارته، وتولىّ كلّ من المنسّق العامّ (إسمعيل صبري عبد الله) والمنسّق المشارك (إبراهيم سعد الدين) مسؤولية تنفيذ المشروع بحسب القواعد المعمول بها في جامعة الأمم المتحدة. كم جرى تشكيل لجنة توجيهية تضمّ سبع شخصيات، تحمّلت مسؤولية الإشراف على المشروع في إطاره الشامل، وأدّت مهمّة طرح الأفكار بالنسبة إلى كلّ مجالٍ من مجالات الدراسة. لقد توافر للفريق القائم على هذه الدراسة التجانس والوحدة، وهو ما ساعده على تجاوز عددٍ من الصعوبات أثناء مسيرة الدراسة، إلّ أنه عانى نقطة ضعف جوهرية تمثّلت بانتمء أعضاءه إلى مدرسة فكرية واحدة، هي مدرسة اليسار؛ فحرمه ذلك من ميزة التنوّع والثراء، ودفعه إلى تغليب القناعات الفكرية والأيديولوجية عند اختيار المنطلقات النظرية والأطر المنهجية والقضايا البحثية الخاصة بتلك الدراسات. وقد أشرنا إلى الإطار التنظيمي الذي تولّ الإشراف على مشروع "مستقبل الوطن العربي"، وإلى أنّ غياب الرؤية أدَّى إلى إحداث تغييرٍ متتابع في الفريق المشرف على المشروع، وإلى أنّ مركز دراسات الوحدة العربية تولّ الإشراف على تنفيذ المشروع بنفسه. وانطلقت المبادرة إلى دراسة "مصر 2020" من منتدى العالم الثالث (مكتب الشرق الأوسط بالقاهرة)، وبدأ العمل فيه من خلال صَوْغ وثيقة للمشروع قامت بها لجنة ثلاثية، كانت تعرض ما تتوصل إليه من أفكار ومقترحات وتناقشها على نحوٍ تتابعيّ، في إطار لجنة سداسية. وقد تولّ إبراهيم العيسوي

22 المرجع نفسه، ص.34 - 11 32 نفين مسعد، "تقرير تجميعي عن نشاطات مشروع المستقبلات العربية البديلة"، في: مسعد، ندوة الدراسات المستقبلية، ص.229

مهمّة الباحث الرئيس في المشروع، في حين تشك لت هيئات الإشراف والبحث من الفريق المركزي، واللجنة التوجيهية، وهيئة كبار الاستشاريين العلميين للمشروع. أمّا مشروع "مستقبل القرية المصرية"، فلم تقتصر الإشكالات التي واجهته على الإطارين النظري والمنهجي، بل امتدت إلى البناء التنظيمي أيضًا. وقد تشكّل البناء المؤسسي للمشروع من مستويين: تمثّل الأول بالفريق المركزي وهيئة الإشراف، وتمثّل الثاني بعددٍ من الباحثين العاملين في بعض الوحدات البحثية التي يتكوّن منها الهيكل التنظيمي للمركز القومي للبحوث الاجتمعية والجنائية. وقد تعرّضت هيئة الإشراف لسلسةٍ من التغييرات المتتالية، وشهد الفريق المركزي سلسلةً متواصلةً من التغييرات، بخروج أشخاص وقدوم آخرين. ومرّت مشاركة الوحدات البحثية التابعة للمركز في المشروع بمرحلتين جرت في أولاهم مساهمة كلّ وحدةٍ من خلال القضية الفرعية التي تدخل في اختصاصها البحثي. ونظرًا إلى انغمس هذه الوحدات في موضوعاتها الجزئية، فقد شدّت البحث إلى موضوعات هذه الوحدات، وهو ما أثّر في الرؤية الكلّية للمشروع، وفي حيوية العلاقات بين مستوياته البحثية؛ فضاعت بعض الموضوعات والأبعاد النظرية والمنهجية الحيوية للدراسات الاستشرافية. وبعد أن أعاد المركز النظر في التنظيم العلمي والإداري لوحداته وأقسامه، انحسر تأثير الشكل التنظيمي السابق، وظهرت أمام فريق البحث ضرورة إعادة النظر في مستوياته، فاستُبعدت مستويات منه وقضايا فرعية، وأضيفت أخرى. وبرز تحدٍّ آخر يتّصل بالجوانب المالية. فعلى خلاف المشاريع المستقبلية الأخرى التي تتّسم بتوافر موارد ماليّة من الجهات المموّلة أو المشرفة، ووضع لائحة مالية يجرى الصرف من خلالها، جرى تمويل هذا المشروع عبر المركز القومي للبحوث الاجتمعية والجنائية، وهو مركز حكومي يعمل وفق نُظمٍ محدّدة ومحدودة لصرف المكافأة البحثية، فأدَّى ذلك إلى إحجام عددٍ من الباحثين المشهود لهم بالكفاءة عن مواصلة العمل في المشروع، بسبب ضغوط الأوضاع المعيشية.

المناهج والأساليب والأدوات

اختارت كلّ دراسةٍ من مناهج البحث ما يلائم طبيعتها، ويحقّق أهدافها، ويتّفق مع قناعات القائمين عليها. فقد استبعد القائمون على مشروع "المستقبلات العربية البديلة" منذ البداية الاعتمد على البحوث والنمذج الكميّة، وأوضحوا أنّ ذلك يعود إلى طبيعة الموارد المالية المتاحة للمشروع، وإلى عدد البيانات المتوافرة بشأن الإطار العربي، وإمكان الاعتمد عليها. وبدلً من ذلك، اتجه المشروع لاستخدام "المنهج

42 العيسوي، الدراسات المستقبلية، ص 27،.30 52 المرجع نفسه، ص.215 62 عبد المعطي وآخرون، ص.275

الاستشرافي" الذي يقوم على المعالجات الكيفية والحدسية، وخصوصًا أنّ القائمين عليه انتقوا قضايا بعينها، رأوا أنها تُثّل محدّدات للتوجه المستقبلي للمنطقة العربية. واتجه مشروع "استشراف مستقبل الوطن العربي" إلى استبعاد المناهج المألوفة (مثل "الإسقاط" و"التنبؤ")، بسبب تركيزها في المتغيرات وأدوات التحليل الإحصائي والقياسي؛ وذلك لأنّ دراسات المستقبل تهتمّ باكتشاف ما ليس بطبيعته امتدادًا رقميًّا بسيطًا لنسق الماضي. وانتهى فريق العمل إلى اعتمد منهج "التحليل المستقبلي"، وهو منهجٌ مركّب سمّوه "الاستشراف". ويقوم هذا المنهج على فكرة اللجوء إلى التنبّؤات المشروطة أو "المشاهد المستقبلية" (السيناريوهات) التي تفترض التحولات الأكثر توقّعًا تارةً، والمأمولة تارةً أخرى. وفي كلّ هذه المشاهد يجرى فتح الستار عن فترةٍ زمنية قصيرة من عمر المجتمع (القُطري، أو الإقليمي، أو العربي)، بطريقة تشريحية لكلّ جزئياته في دراسة شاملة. فالمجتمع الذي يجرى توصيفه في هذا السياق إمّا حاليّ، وإمّا مأمولٌ. أمّا هدف الخطوة التالية، فهو التعبير عن النسق الشامل (النموذج) الحاليّ، أو البديل، في صورة أنساق فرعية (نماذج) اقتصادية واجتمعية وسياسية. ويشمل النسق الشامل في هذا السياق "تكمية" كلّ ما يمكن من الظواهر الحاليّة والمستقبلات والتفاعلات بين الأنساق الفرعية، واستكمل تغطية ما لم يمكن تكميته من ظواهر، من خلال التفاعل بين النسق الكمّي وحصيلة الدراسات والخبرات والحدس المنضبط القائم على الخبرة. وتتمثّل الخطوة الثالثة بتشغيل هذا النسق للوصول إلى التداعيات المستقبلية لكلّ مشهد. وهذا يعني أنّ هذا المنهج لا يمكن أن يعتمد على أساليب النمذج القياسية، بل يتطلب أساليب المحاكاة الأكثر تحرّرًا والأوسع نطاقًا من الأساليب القياسية، والأكثر مقدرةً على ربط الأنساق الفرعية، سواء عند اللحظة الأولى من المشهد في السيناريو أو في حالة متابعة تطور كلّ نسقٍ أو مشهد مستقل. وبما أنّ المشروع يقوم على بناء النمذج التي ترصد التفاعلات القائمة، والمتوقّعة بين المتغيرات، والوحدات، والأطر المختلفة، فقد جرى بناء نماذج منطقية لكلّ دولة، وإقليم، على أنّ هذه النمذج لم تكن كلّها كميةً. وقد سارت مراحل العمل في بناء النموذج وتشغيله، كم يلي: محاولة بناء نسق شامل (نموذج) من عدّة نميذجيات تعاملت مع الظواهر غير الاقتصادية، والموارد الطبيعية، والموارد البشرية، إضافةً إلى الظواهر الاقتصادية.

72 حسيب، ص.19 82 المرجع نفسه، ص.23 - 22 92 المرجع نفسه، ص.93 - 92

التفاعل ما بين نسق النمذجيات من ناحية، والخبرة المتراكمة بالمحاور المختلفة من ناحية أخرى، وفي هذا السياق كان الحدس المنضبط (لدى ما أمكن تجميعه من خبراء في ضوء إمكانات المشروع) يؤدّي دورًا أساسيًّا. وعبر المراحل المختلفة لتقدم العمل في نشاط بناء نسق النميذجيات، كانت تجري لقاءات متنوعةً مع عدد من خبراء بناء النمذج، وكان الهدف من ذلك محاولة تعرّف ما يمكن توظيفه من أساليب كمّية تلائم الأوضاع وقاعدة المعلومات العربية، وتتّفق في الوقت نفسه مع الهدف المتمثّل بمحاولة استشراف مشاهد متباينة تمامًا للمستقبل العربي. وبخصوص مشروع "إيدكاس 2000"، جرى التخطيط لبناء نموذج محاكاة كلّ يجمع ما بين متغيرات اقتصادية ومتغيرات ديموغرافية، ويسمح بأكبر قدرٍ من التفاعل في ما بينها، مع الحرص على ألّ يقتصر المشروع على الجانب المنهجي الكمّي، وأن يكون إلى جواره مكوّنٌ تحليلي وكيفي، بناءً على دراساتٍ بعضها له بعدٌ تاريخي وآخر له بعد جزئي وقطاعي". ورُوعيَ في تصميم منهجية المشروع أن تتضمن: مكوّنًا كميًّا في نموذج المحاكاة المشار إليه آنفًا. مكوّنات كمّيةً وكيفيةً يجرى التوصل إليها من خلال دراسة القضايا والقطاعات. ويُقصد بالمكوّنات الكمية تقديرات لقيم بعض معلومات النموذج أو بعض متغيراته التي يمكن إدماجها في النموذج. أمّا التقديرات الكيفية، فيقصد بها الأحكام القيمية المتعلقة بجودة بعض نتائج النموذج، أو ردّات الفعل التي يمكن توقّعها لمحتوى البديل أو لبعض نتائجه، من جهة الأطراف المحلية أو الخارجية التي يمكن توظيفها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في التحديد النهائي لتفاصيل البدائل ونتائجها. وقد اختلف المسار الفعلي للمشروع عمّ هو مُخطّط له. فالنموذج الذي تمّ إعداده لم يستعمل بسبب عدم استعداد جهة التمويل لتمديد فترة الدراسة. وبناءً على ذلك، جرت بلورة الصورة المستقبلية التي نشرت في المشروع على نحوٍ يمكن تسميته "حدسيًّا" أو "تأمليًّا" أو "تحليليًّا" من خلال ما يعرف ب "حاسة الأنساق" أكثر من الركون إلى آلية رسمية أو نظامية للأنساق. أمّا مشروع "مصر 2020"، فقد اعتمد على "منهجية السيناريو" أساسًا لصَوْغ الرؤى المستقبلية والمزاوجة بين مناهج وأساليب كيفيّة وكمّية، من خلال بناء نماذج لمحاكاة الواقع. ويُعدّ بناء هذه النمذج ضروريًّا بسبب قصور النظريات عن الإحاطة بتعقيدات الواقع وما يحفل به من تنوع ودينامية. ثمّ إنّ السعي

0 3 العيسوي، "مشروع إيدكاس"، ص.56 13 المرجع نفسه، ص.245 23 المرجع نفسه، ص.60

لمحاكاة الواقع باستعمل النمذج وبرمجيات الكمبيوتر لا يساعد في رسم صورة أكثر دقّة لسلوك الفواعل والمتغيرات المختلفة فحسب، بل إنه قد يكون مصدرًا مهمًّ لتطوير التنظير بشأن سلوك الظواهر المدروسة. كم جرى التركيز في ضرورة الممزجة والمزاوجة بين الأساليب الكمّية والكيفيّة وهي الطريقة التي يُطلق عليها "الطريقة التفاعلية". واعتمد مشروع "القرية المصرية" على نمطين من التحليلات: أوّلهم التحليل البنائي الموسّع على المستوى البنائي الكلّ الذي يعتمد على التحليلات التاريخية، واستقراء البيانات الإحصائية، والدراسات والبحوث السابقة المتعلقة ببنية القرية المصرية كلّها، وعلاقتها ببنية المجتمع المصري، ومستوياتها وعلاقاتها، وثانيهم تحليلٌ ملموس عيانيّ مصغّر لحالاتٍ بعينها أو مجموعة ظواهر أو ظاهرة بعينها، على مستوى عددٍ معروف من القرى، والتعامل مع الواقع الحاضر بالاعتمد على ما سمّوه تحليلً موسّعًا، وهو يشمل أربعة مكوّنات: الصيغ الإجرائية للمقولات والجدليات النظرية، سواء في ما يتّصل بفهم الحالة الراهنة للقرية؛ كأسلوب الإنتاج، والبنية الطبقية، والسُلطة، والأجهزة البيروقراطية، والفائض الاجتمعي، والحاجات الأساسية، والإبداع الجمعي، أو بجدليات حركة القرية؛ كالقرية، والمدينة، والدولة، والبعد العربي... إلخ. مصادر جمع المعلومات التي تمثّلت في بعض الدراسات الإحصائية والتاريخية من جهة، ودراسة التاريخ الشفاهي لقرى البحث من جهة أخرى. أدوات دراسة حالة المؤسسات الإنتاجية والخدمية في قرى البحث، وهي تشمل عددًا كبيرًا من الاستمرات والأدلة. أدوات جمع بيانات الأسرة الريفية كوحدة اجتمعية (استمرة الأسرة المعيشية "الدار"، واستمرة ربّ الأسرة، وصحيفة "استمرة" الزوجة، وأدوات جمع بيانات عن الشباب في الأسرة). ويتّسم هذا الكمّ الكبير من الأدوات بما ينطوي عليه من أسئلةٍ مطلوب الإجابة عنها، وبيانات مطلوب استيفاؤها، بالتكرار والإطالة، والاصطناع في جانب منه، وهو ما يجعل كثيرًا من تلك الأدوات غير قابل للتطبيق إطلاقًا، أو على أقلّ تقديرٍ يمكن أن يثير صعوبات تكاد تكون معوّقةً للعمل العلمي والتحليلي في ما بعد.

33 عودة، ص.19 - 18

القضايا ومج لات التركيز

ركّزت الدراسات المستقبلية العربية ضمن كلّ موضوعٍ من موضوعاتها في أبعاد ومجالات محدّدة. فقد حاول مشروع "المستقبلات العربية البديلة" تحديد الاتجاهات الأساسية التي تحكم مسار التنمية العربية في الحاضر لدراسة سلوكها المحتمل في المستقبل، آخذًا في الحسبان التغيرات التي تطرأ على النظام العالمي. وقد كان من المقرّر أن يغطّيَ المشروع اثنتي عشرة قضيةً بحثيةً، هي: العلاقة بين البنى الاجتمعية والسياسية والتنمية، وعملية صنع القرار، والديمقراطية والاتصال الجمهيري والمشاركة الشعبية، والاتجاهات الاجتمعية والسياسية والثقافية، وآليات التبعية، والوطن العربي والنظام العالمي المتغير، والآثار غير المدروسة للثروة النفطية، والموارد البشرية، وموارد التكنولوجيا واستخدامها، والفنون والآداب، والإطار المؤسسي للتكامل العربي، والتوحيد العربي وقضايا الأقليات. غير أنّ المشروع لم يتمكن من تغطية مجالي الموارد البشرية وموارد العلم والتكنولوجيا واستخداماتهم؛ بسبب تعذّر الحصول على الموارد المالية اللازمة للقيام بالأبحاث اللازمة. وعلى خلاف ذلك، فإنّ مشروع "إيدكاس 2000"، على الرغم من أنّ نقطة انطلاقه كانت العلاقات المتبادلة بين السكان والتنمية، وسّع دائرة البحث توسيعًا كبيرًا ليشمل – إلى جانب القضايا الاقتصادية والديمغرافية – عددًا من القضايا؛ كالتعليم، والتطور التكنولوجي، وتطور النظام الاجتمعي، والقيم الاجتمعية، وعلاقات مصر الإقليمية والدولية، وهو أمرٌ يُحسب لهذا المشروع. واتجه مشروع "استشراف مستقبل الوطن العربي" إلى تقسيم الدراسة إلى أربعة محاور مترابطة، هي: العرب والعالم، وهو يتناول الواقع والمستقبل للنظامين الإقليمي والدولي اللذين يعيش الوطن العربي في إطارهم ويتحرك ويتفاعل معهم، ويؤثّر فيهم ويتأثر بهم سلبيًّا أو إيجابيًّا. التنمية العربية، وهو يتناول واقع القاعدة المادية والبشرية للوطن العربي ومستقبلها، وما شهدته من مظاهر النمو الاقتصادي في العقود الثلاثة الماضية، واحتملات تطوّر هذا النمو في العقود الثلاثة التالية. المجتمع والدولة، وهو يتناول العلاقة الجدلية المستمرة والمعقَّدة بين تطور التكوينات والهياكل الاجتمعية العربية من ناحية، ونشأة الدولة القطرية العربية ونموّها من ناحية أخرى.

43 سعد الدين وآخرون، صور المستقبل العربي، ص.185 - 183 53 مسعد، "تقرير تجميعي.."، ص.230 63 العيسوي، "مشروع إيدكاس"، ص.244

والإقليمية والدولية. وتبدأ دراسة المستقبلات المصرية البديلة في مشروع "مصر 2020" بقراءةٍ، أو بإعادة قراءة، للتطورات في مختلف المجالات في مصر، عبر ربع قرن مضى؛ قصد تعرّف الاتجاهات العامّة السائدة، والاتجاهات العامّة الجديدة والمضادة أيضًا، ويلي ذلك استطلاع للتطورات المرتقبة على مدى العقدين الأول والثاني في إطار عددٍ من السيناريوهات البديلة. وقد غطّى هذا المشروع اثني عشر مجالً من المجالات البحثيّة، هي: البيئة والسكان، والغذاء والزراعة، والتصنيع والمصنوعات، والإسكان والمستوطنات البشرية، والنقل والاتصال، والتعليم والبحث العلمي والتكنولوجي، والقطاع المالي، والمعاملات الخارجية، والحكم وإدارة شؤون المجتمع والدولة، والثقافة والإعلام، والمجتمع، والتكامل الإقليمي والأوضاع العالمية. وتدور الدراسات اللازمة لإعداد رؤية ل "مصر 2030 " على المحاور التالية:

والمرافق، والخدمات المعيشية، واجتمع السكان، والعاصمة.

الموارد وتوظيفها، والتفاعل مع الأرض والموارد.

وجودة الحياة، والتفاعلات التبادلية، وصيانة الموارد الطبيعية النادرة وترشيد استخدامها.

والمطالب والحقوق الأساسية، والضمن الاجتمعي.

والمشاركة والحوكمة، والحريات، والحقوق والواجبات، والعقد الاجتمعي الجديد.

ومصر القائدة، وتبادل المنافع، والتكامل والاندماج القوميين... إلخ).

والمشكلات المحورية في الإقليم، والتفاعل في الإقليم مع العالم، ومصر والأمم المتحدة... إلخ).

73 عليّ الدين هلال وآخرون، العرب والعالم (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988)، ص.10 83 العيسوي، الدراسات المستقبلية، ص.40 93 منصور.

النموذج النسقي العامّ لمجمل التفاعلات الاقتصادية والسياسية والاجتمعية الوطنية والقومية

السكان والعمران: وهو يشمل استخدامات الأراضي، والتوزيع المكاني للسكان، والإسكان،

التوظيف والاقتصاد: وهو يشمل قوَّة العمل، والأنشطة الاقتصادية، والتوزيع الجغرافي، وتنمية

الإنسان والبيئة: وهو يشمل القيم الاجتمعية، والثقافة البيئية، والانهيار والهدْر، وأوضاع البيئة،

البشر والحياة (التنمية البشرية وجودة الحياة): وهو يشمل التعليم، والصحة، والثقافة، والقيم،

المواطن والدولة: وهو يشمل حقوق المواطنة، والإصلاح الاجتمعي، والإصلاح السياسي،

مصر والعرب: وهو يشمل المجال الحيوي (مصر العربية، والتعاون والوحدة، والقضايا القومية،

مصر والعالم: وهو يشمل المجال الدولي والمحاور الأساسية (الآسيوي والأفريقي والإسلامي)، والمحاور العالمية (المحور الأميركي، والمحور الأوروبي، ومحور الشرق: الصين وروسيا، والقضايا

وتركّزت مجالات الاهتمم في مشروع "مستقبل القرية المصرية" في: البيئة، والسكان، والاقتصاد، والطبقات، والأسرة، والثقافة، والإعلام، والسياسية، والتعليم، والقانون، والوعي. وقد جرى تجميعها في مستويات ثلاثة، هي: الموارد البشرية والمادية، والطبقات بأبعادها وعلاقاتها، والوعي بمفهومه الشامل.

ثالثًا. المخرجات والحصيلة

حقّقت الدراسات المستقبلية العربية نجاحًا نسبيًّا في ما يتعلّق بدورها في التوعية بأهمية استشراف المستقبل، وتوجيه الجهد العلميّ نحوه، سواء كان ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فقد تمكّن "مشروع المستقبلات العربية البديلة" من تحقيق بعض أهدافه في "بناء شبكة اتصالات"، وفي "إجراء الحوارات بين النُخب العلمية والخبراء والمهتمين بشأن الخيارات المستقبلية للمنطقة العربية. وتمكّن من إصدار ملفّ المستقبلات العربية البديلة أداةً للحوار والتواصل، كم تمكّن من إصدار 18 عددًا بشأن القضايا الرئيسة المتعلقة بالمشروع، ونجح في إشراك عشر مؤسساتٍ أكاديمية وبحثية عربية في أنشطة البحث والدراسة، وأكثر من 200 باحثٍ عربي عملوا باحثين، أو مراجعين، أو مشاركين في الندوات وحلقات البحث. وحقّق مشروع "مستقبل الوطن العربي" نجاحًا ملحوظًا في مدّ جسور التواصل مع عددٍ كبير من أفراد النُخبة العلمية والسياسية العربية، معتمدًا على الصلّات القائمة بينهم وبين مركز دراسات الوحدة العربية. وحرص الفريق المركزي المشرف على الدراسة على التفاعل والحوار مع عددٍ كبير من القيادات الفكرية والسياسية العربية في المراحل المختلفة من تنفيذ المشروع، ابتداءً من مشاركة نحو 50 باحثًا ومثقّفًا عربيًّا في المراحل الأولى للاتفاق على المنهجية ووثيقة الإطار العامّ للمشروع، ومشاركة 35 قيادةً فكريةً عربيةً في استبيانٍ وزّعه الفريق بشأن مستقبل الوطن العربي في ضوء مشاهد المستقبل المختلفة، إلى حوارٍ ولقاءات مع 16 مفكّرًا وسياسيًّا عربيًّا للحصول على مدخلات عامّة للمشروع، إضافةً إلى كلّ المشتركين في المحاور المختلفة للدراسة. ونجح المشروع أيضًا في نشر الدراسات الخلفية الخاصة بمحاوره، ومضمون الندوات التي عقدت للهدف نفسه، من خلال عدّة كتب ومجلة المستقبل العربي، وقد أوجد هذا الأمر قدرًا من التفاعل بين المشروع وقطاع من النُخب السياسية والعلمية العربية. فقد أصدر المركز كتابًا خاصًّا بكلّ محورٍ من المحاور الثلاثة

0 4 عبد المعطي وآخرون، ص.262 14 مسعد، "تقرير تجميعي.."، ص.242 - 227 24 حسيب، مستقبل الأمة العربية، ص.27 - 25

الرئيسة، وبعض الدراسات الخلفية في إطار كلّ محور. ولذلك يمكن القول إنّ هذا المشروع قد حقّق مستوى من التواصل والتفاعل مع الجمهور العربي أكبر كثيرًا ممّ حقّقه أيّ مشروعٍ مستقبلي آخر. وتمخّض عن مشروع "مصر 2020 " عددٌ من الدراسات المتعلّقة بالأسس النظرية والمنهجية للدراسات المستقبلية، وعددٌ آخر من الدراسات الخلفية، بلغ عددها ما يزيد على 60 دراسةً. كم أنّ عدد المشتغلين بدراسات المشروع وأنشطته بلغ نحو 300 باحثٍ ومساعد باحث من أجيالٍ وتخصّصات مختلفة، منهم نحو 280 يعملون في عدّة فرق بحثية. وأمّا سائر المشتغلين، فهم في الإدارة العلمية للمشروع والفريق المركزي ووحدة الحساب العلمي والنمذجة. كم شارك في اللقاءات العلمية للمشروع (ندوات وورش عملٍ) نحو 320  من الباحثين والمفكرين والممرسين والإعلاميين، وهو ما أحدث قدرًا من التفاعل بشأن القضايا التي تهمّ مصر في المستقبل على المستويين العلمي والإعلامي. وكانت أهمّ مخرجات "مشروع إيدكاس" صدور 17 ورقةً بحثيةً وتقرير ختامي. وقد تناولت هذه الأوراق – بحسب مجال كلّ ورقة منها – التطورات الماضية، والاتجاهات العامّة البارزة، ورسم صورة مستقبلية للتطورات المحتملة في إطار كلّ بديل من البدائل التنموية التي تمّ اشتقاقها. ولم يكن لمشروع "مستقبل القرية المصرية" مخرجات ذات شأن؛ إذ بقيَ مُعطّلً بسبب الإطار النظري الذي بُنيَ عليه وما ترتب عليه من إجراءاتٍ منهجية وعملية، وظلّ يعاني التغيير المستمر في المكوّن التنظيمي الذي تولّ مهمّة الإشراف عليه. وقد صدر عنه كتاب بعنوان مستقبل القرية المصرية، تضمَّن التوجهات النظرية والمنهجية للدراسة، وتعريفًا بطبيعة الدراسات المستقبلية، وكتابٌ ثانٍ تناول في معظمه الأدوات البحثية التي سيجري من خلالها جمع البيانات اللازمة للدراسة. وعلى الرغم من أنّ المشروع يقوم على البحث من خلال فريق جمعي، فإنّ ما تضّمنه الكتابان بمنزلة دراساتٍ فردية انطباعية، فكأنها لم تخضع للنقاش الجمعي. وعلى خلاف النجاح النسبي في نشر الثقافة المتصلة بالمستقبل، وضرورة الاهتمم به، فإنّ حصيلة الدراسات المستقبلية الكلّية كانت متواضعةً، وبخاصّة ما يتعلّق بالقدرة على اشتقاق بدائل مستقبلية قريبة من الواقع، أو القيام بدورٍ ملموس في تنوير النُخب السياسية وصنّاع القرار، وترشيد التطورات المجتمعية؛ إذ انتهى مشروع "المستقبلات العربية البديلة" إلى تحديد ثلاثة بدائل مستقبلية. فالبديل الأول هو البديل المرجعي (الامتداد الخطّي للاتجاهات القائمة)، والبديل الثاني هو "البديل المرفوض"

34 هلال وآخرون. وانظر سعد الدين إبراهيم وآخرون، المجتمع والدولة في الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988)؛ عبد المنعم سعيد، العرب ومستقبل النظام العالمي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987)؛ عبد المنعم سعيد، العرب ودول الجوار الجغرافي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987)؛ أسامة الغزالي حرب، مستقبل الصراع العربي -   الإسرائيلي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987)؛ ناصيف يوسف حتي، القوى الخمس الكبرى والوطن العربي، دراسة مستقبلية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1987 44 العيسوي، الدراسات المستقبلية، ص.47

(مستند إلى رؤى راديكالية إسلامية أو تقدّمية قومية). أمّا البديل الثالث: فهو بديل ذو مضمونٌ اشتراكي، وهو "بديل التنمية الوطنية المستقلة". ومن الواضح أنّ القناعات الفكرية كانت حاضرةً بقوة في اشتقاق تلك البدائل وبنائها، فقد وضعت المنطقة العربية أمام خيارين: إمّا استمرار الأوضاع القائمة، وإمّا البديل الاشتراكي. ووصفت البديل الثاني بأنه "بديل مرفوض"، وجعلت البديل الثالث مفضّلً ومرغوبًا فيه، على الرغم من أنّه بديل غير موضوعي وبعيد من الواقع. فالاتجاهات الرئيسة التي كانت سائدةً في المنطقة العربية في ذلك الوقت، لم تكن تشير إلى أنّ البديل الاشتراكي هو البديل الممكن، فضلً عن أن يكون البديل المفضّل. وعلى المنوال نفسه، لم يحالف النجاح مشروع "مستقبل الوطن العربي" في ما يتعلّق باشتقاق البدائل المستقبلية؛ فقد بلور ثلاثة مشاهد (سيناريوهات) رئيسة محتملة للمستقبل العربي، هي: استمرار واقع التجزئة ومنطقها، وهو امتدادٌ للأوضاع القائمة من دون تغييرٍ كيفي يُذكر. احتمل التعاون الإقليمي أو التنسيق العامّ، من خلال تكتلّاتٍ إقليمية جغرافية أو تعاون وتنسيق عربي عامّ في قطاعٍ حيويّ أو أكثر. احتمل الوحدة العربية، سواء بين تجمعات إقليمية أو بين الدول القطرية في شكل وحدة اتحادية (فدرالية). إنّ هذه السيناريوهات، كم هو واضحٌ، "بديهية"، وليس فيها أيّ جهدٍ إبداعي، وحتى المواطن العربي البسيط يستطيع أن يتوصل إلى أنه ليس أمام الوطن العربي غير الخيارات الثلاثة: التجزئة، أو التعاون، أو الوحدة. كم أنّ القول إنّ هدف الدراسة هو تحديد تكلفة كلّ بديل وعائده لا يحتاج كذلك إلى كلّ هذا الجهد. فالمواطن العربي يدرك أيضًا أنّ التكلفة في خيار التجزئة ستكون أكبر كثيرًا من التكلفة في خيار التعاون، وأنّ العائد سيكون إيجابيًّا على الشعوب والدول العربية في خيار الوحدة، وليس في غيره من الخيارات. وفي الحقيقة، من المؤسف أن ينتهيَ الحال بدراسة توافرت لها معظم مقوّمات النجاح إلى بناء تلك السيناريوهات. وفي تقديرنا، يرجع هذا الإخفاق إلى أمرين، هم: التحول الذي طرأ على الرؤية الحاكمة للدراسة؛ إذ كان يقوم التصوّر الأولي لها على دراسة القوى الحاملة للتغيير وبناء البدائل المحتملة أمام المنطقة العربية في ضوء نجاح تلك القوى أو إخفاقها، وهو ما كان سيوجد للدراسة قدرًا كبيرًا من الثراء والإبداع. وعلى الأرجح ثمَّة صعوبات اعترضت فريق العمل، واضطرته إلى تجاوز ذلك التصوّر، وهو ما أدّى إلى تغيير العوامل والمحدّدات التي يجرى في ضوئها اشتقاق البدائل المستقبلية، وربّا أصابها ذلك في مقتل.

54 هلال وآخرون، ص.11 - 10

القناعات الفكرية للجهة المنفّذة للدراسة والفريق المشرف عليها؛ إذ يبدو أنّ إخلاص مركز دراسات الوحدة العربية لقضية الوحدة العربية دفع بالدراسة إلى السير في هذا الاتجاه، كنوع من الجهد التبشيري الذي يحاول أن يُقنع النُّظم والشعوب العربية باعتمد فكرة الوحدة العربية، والاقتناع بالعوائد السياسية والاقتصادية والاجتمعية المترتبة على تحقيقها. وقد اشتقّ مشروع "إيدكاس" ثلاثة بدائل مستقبلية، هي: بديل التنمية الانفتاحية غير المقيّدة (أو الانفتاح الطليق)، ويُفترض في هذا البديل استمرار الاتجاهات العامّة السائدة في الفترة الأساسية التي تعبّ عمّ سُمّيَ "نظام رأسملية الدولة التابعة". بديل التنمية الانفتاحية المرشدة (أو الانفتاح المرشد)، وهو ينطوي على منهجٍ إصلاحي يجرى من خلاله إقامة نوعٍ من رأسملية الدولة القائدة، وهو قريبٌ من النظام الاقتصادي - الاجتمعي الذي شهدته مصر في النصف الأول من الستينيات. بديل التنمية القومية المستقلة، ويفترض في هذا البديل الإقلاع عن الاتجاهات العامّة السائدة في الفترة الأساسية، وإقامة نظام جديد ذي توجّه اشتراكي، قوامه الاعتمد على النفس قُطريًّا وجمعيًّا، والسعي لإشباع الحاجات الأساسية للسكان في إطارٍ من الاستقلال الاقتصادي والعدل الاجتمعي. كم اعتمدت دراسة "مستقبل القرية المصرية" ثلاثة سيناريوهات مستقبلية، هي: سيناريو الاستمرارية، وهو سيناريو اتجاهي، وسيناريو البديل الإصلاحي، وسيناريو التنمية البديلة أو الحلّ الاشتراكي، وهو سيناريو استهدافيّ معياريّ. وكان الاستثناء من ذلك مشروع "مصر 2020 "، وهو المشروع الذي تمكّن من اشتقاق سيناريوهات قريبة من الواقع، بفضل التطوّر الذي جرى إدخاله على التصور الأولّي للدراسة. فقد اتجه المشروع إلى اشتقاق سيناريوهات تقليدية، قبل العدول عن تلك السيناريوهات في مرحلةٍ لاحقة، وإلى اعتمد أساسٍ جديد لاشتقاقها، وهو يتمثّل بالتغيير الذي يمكن أن يحدث في النُخب السياسية والاجتمعية التي تحكم مصر في المستقبل؛ ما مكّن من التمييز بين خمسة سيناريوهات تعبِّ عن خيارات مطروحة في الساحة المصرية، هي: السيناريو المرجعي، وسيناريو الدولة الإسلامية، وسيناريو الرأسملية الجديدة، وسيناريو الاشتراكية الجديدة، وسيناريو التآزر الشعبي. وقد منحت هذه الطريقة في اشتقاق السيناريوهات الدراسة نقطة قوَّة وأبعدتها عن الرتابة والعمومية، وأضفَت عليها قدرًا من الواقعية، أكّدته التطورات التي جرت في مصر بعد ثورة  25 كانون الثاني/ يناير 2011؛

64 " مشروع استشراف النتائج السكانية والتنموية لاستراتيجيات بديلة للتنمية في مصر حتى سنة 2000"، في مسعد، ص 243،.251 74 عند صوغ وثيقة المشروع، جرى تحديد أربعة سيناريوهات، هي: السيناريو المرجعي، والسيناريو الشعبي، والسيناريو الوسيط، والسيناريو الابتكاري.

إذ حدث تغيٌّ في القوى السياسية الممسكة بالحكم، من خلال الوصول "الجزئي" و"الموقّت" للإسلاميين إلى السُلطة، وهو ما دفع المهتمين والمتابعين للتطورات الحاصلة في مصر إلى العودة إلى هذه الدراسة، وقراءة ما تضمنه سيناريو "الدولة الإسلامية"، بغضّ النظر عن مدى دقة المعلومات الواردة فيه وحياديتها. نتيجةً لكلّ ذلك، لم يكن للدراسات المستقبلية العربية والنُخب السياسية دورٌ كبير في ترشيد المجتمع وتنويره تجاه الخيارات المستقبلية، ولم يلمس المجتمع العربي فوائد مباشرةً لتلك الدراسات، أو يشعر بأنّ لها مساهمةً ملحوظةً في استشراف القضايا التي تهمّه. صحيحٌ أنّ للحصيلة الكلّية المتواضعة لتلك الدراسات في البُعدين العلمي والمجتمعي عوامل كثيرةً، منها ما له علاقة بطبيعة الدراسات المستقبلية نفسها وما تفتقد إليه من أرضيةٍ صلبة في الجوانب النظرية والمنهجية، ومنها ما يعود إلى أنّ تلك الدراسات تمثّل بدايات أوليةً، وظلّت تفتقد إلى "التراكم والاستمرار، ومن ثمّ بدت وكأنها جزرٌ منعزلة ليس لها جسورٌ تربطها"، علاوةً على أنها تفتقر إلى مقوّمات مادية وبحثية ومعلوماتية كافية، إضافةً إلى أنّها تعمل في بيئةٍ غير مواتية ومشبعة بالكثير من عوائق البحث العلمي الحرّ. وصحيح أيضًا أنّ العائد العلمي والمجتمعي لم يكن كبيرًا حتى في إطار القضايا التي تصدّت لها تلك الدراسات. فبالإمكان التساؤل عن طبيعة الدور الإرشادي الذي قامت به دراستَا "المستقبلات العربية البديلة" و"مستقبل الوطن العربي"، وليس ذلك بشأن التحديات والمخاطر المستقبلية التي تواجهها الأمة العربية، بل بشأن طريقة إدارة العلاقات العربية - العربية التي هي موضع اهتممهم ومجال تركيزهم. ويُكن أن نتساءل أيضًا: هل أنّ ما قامت به دراسة "مستقبل القرية المصرية" يندرج في إطار التنوير والإرشاد للنهوض بواقع القرية المصرية؟ أم هل أنّ مسارها ومضمونها انطوى على كثير من التشويش والتضليل بسبب المنطلقات النظرية والمعرفية الخاطئة وما ترتّب عليها من انحرافٍ في التناول والتحليل والمعالجة؟

رابعًا. عوامل إخفاق جلّ الدراسات المستقبلية العربية يف اشتقاق سيناريوهات قريبة من الواقع

يرتبط إخفاق الدراسات الاستشرافية العربية في اشتقاق الخيارات والبدائل المستقبلية بعامل جوهري هو- في نظرنا - طبيعة الأسس المعرفية التي استندت إليها وانطلقت منها. وهي الأسس التي تمثّل

84 محمد إبراهيم منصور، "الدراسات المستقبلية: ماهيتها وأهمية توطينها عربيًا"، المستقبل العربي، العدد 416 (تشرين الأول/ أكتوبر 2013)، ص.44 94 للاستزادة، انظر: ناصر محمد علي الطويل، الدراسات المستقبلية في المدرسة العربية للعلوم السياسية: دراسة في المنهجية والقضايا، أطروحة دكتوراه (غير منشورة)، جامعة أسيوط، مصر.)2013(

مسلّمت الاتجاه المادي الوضعي. فقد امتدّ أثر هذا العامل وتأثيره إلى الأبعاد المنهجية، وعملية التحليل، ومجالات التركيز والاهتمم، وبطبيعة الحال إلى اشتقاق البدائل، وحتى إلى العائد المحصّل منها. وفي شيءٍ من التفصيل، بإمكاننا أن نشير إلى أبرز الاختلالات المعرفية والمنهجية التي جعلت قدرة الدراسات المستقبلية العربية على الاستشراف محدودةً وأضعفت حصيلتها الكلّية؛ إذ يتمثّل أهمها في العوامل التالية:

الإسراف في لاعتمد على المناهج والأساليب الكمّية وبناء عملية التحليل و لاستشراف عليها

لقد بلورت كلّ دراسةٍ من الدراسات المستقبلية العربية منهجيةً خاصةً بها سمّتها اسمً معيّنًا، مثل "الاستشراف"، و"تحليل النظم"، و"منهجية السيناريو"، و"التحليل الكلّ". غير أنّ هذه الدراسات تشترك كلّها في الاعتمد على الأساليب الاستقرائية، والارتكاز على بناء "النمذج الكمّية" في أجهزة الحاسوب، من خلال تحديد المتغيرات والأبعاد المختلفة للقضايا التي تدرسها، والعمل على تكميتها، وبناء شبكة تفاعلات في ما بينها. لا شكّ في أنّ الانهمك في بناء تلك النمذج وتطبيقها في الحاسبات الإلكترونية أبعد الدراسات المستقبلية عن الواقع وعزلها عنه، وأضعف قدرتها على التوقّع، وجعل عائدها العلمي محدودًا. فنتائج النمذج الكمّية والأساليب القياسية في التحليل والاستشراف كانت محدودةً جدًّا، بل يمكن القول إنّ دورها كان سلبيًّا وإنّه كان، في بعض الأحيان، تضليليًّا. وليس هذا حكمً خاصًّا بنا، بل إنّ ذلك هو ما توصّل إليه علي نصّار، أحد المشاركين الرئيسين في الدراسات المستقبلية العربية، والمسؤول عن وحدة البرمجة في مشروعَيْ "مستقبل الوطن العربي" و"مصر 2020". ففي تقييمه لدراسة "مستقبل الوطن العربي"، ذكر أنها "لم تتمكّن من التنبّؤ بغزو العراق للكويت، أو بالتطوّرات في دول شرق أوروبا، والاتحاد السوفياتي، وأنّ تنبّؤها قد كان عكسيًّا في هذه النقطة، على الرغم من أنّ المعطيات كانت متاحةً. أرجع نصّار ذلك، إلى حدّ ما، إلى زيادة الاهتمم بالتحليل الكمّي على حساب التحليل الكيفي". فالانشغال ببناء "النمذج" و"النميذجات" و"شبكة التفاعلات"، و"أساليب المحاكاة"، والانغمس في عملية التكميم، كان أبعد وأعجز ما يكون عن التعامل مع الظواهر البحثية في المنطقة العربية. واستنادًا إلى خبرته، طالب "بضرورة تعزيز الاهتمم بالكيف [المناهج الكيفية] وبالمنطق الكيفي للأمور"، وعلّل ذلك بالقول "إنه بعد عشر سنوات من الانتهاء من مشروع "مستقبل الوطن العربي (...) تبيّ أنّ ما اعتبرناه نموذجًا منطقيًّا أو نسقًا منطقيًّا لربط المتغيرات ببعضها، كان في الواقع يفتقر إلى الكثير من المنطق"،

0 5 علي نصار، "مشروع مستقبل الأمة العربية"، في: مسعد، ندوة الدراسات المستقبلية العربية، ص.55

وينتهي إلى القول "ربما لو كنّا قد عُنينا أكثر بالكيف لكانت النتائج قد اختلفت"، ويطالب ب "ضرورة الاهتمم بمنطق الحياة، وبمنطق كلّ قوَّة من القوى الاجتمعية والسياسية المؤثّرة". علاوةً على ذلك، تحوّلت عملية التكميم و"شبكة التفاعلات" و"بناء النمذج" وتشغيلها، وتعديلها مرّاتٍ ومراتٍ، إلى أن تكون هدفًا في حدّ ذاتها، واستحالت مستنقعًا يلتهم الجهد والطاقات والموارد من دون أن يكون من ورائها طائلٌ أو عائد ذو جدوى، وهو ما أرهق فِرق البحث واستنزف طاقاتها. وفي بعض الحالات ربما لا تَفِي المدة المحدّدة للدراسة أو الموارد المالية المخصّصة لها باستكمل بناء النسق أو النموذج الكمّي وتطبيقه، على غرار ما حدث في مشروع "إيدكاس 2000"، وهو ما ينسف كلّ جهد بُذل طوال فترة الدراسة، ويحرم فريق العمل من الاستفادة منه، بغضّ النظر عن جدواه.

التركيز في الأبعاد المادية وإغفال ما سواها

اتجهت المنطلقات النظرية الوضعية بالدراسات المستقبلية العربية – على النحو الذي رأينا في عرضنا للقضايا ومجالات الاهتمم – نحو التركيز في القطاعات والأبعاد المادية، وإغفال العوامل والمتغيرات غير المادية وتجاهلها. وهذا يعني أنه قد جرى، منذ البداية، استبعاد الكثير من العوامل والمتغيرات الجوهرية والحاكمة لمسار تلك الظواهر ومستقبلها، وإخراجها تمامًا من دائرة البحث والتحليل، وهو ما أوقع تلك الدراسات في خطأ منهجي كبير، وجعل قدرتها على التحليل والتنبؤ محدودةً، وأضعف قيمتها العلمية وحصيلتها المجتمعية. إنّ ما يحرّك الحوادث في المنطقة العربية لا يتمثّل بالأوضاع الاقتصادية والتكنولوجية فحسب، فالدين، والمذهب، والطائفة، والولاءات القبلية والجهوية واللغوية، من أهم العوامل في هذه المنطقة أيضًا. ومثل هذه العوامل لم تحُز اعتراف الدراسات المستقبلية العربية، ولم تقع ضمن اهتممها؛ إذ جرى تجاهلها وإخراجها مبكّرًا من عمليات التوصيف والتفسير والاستشراف. وهذا الوضع يتعارض مع طبيعة الظواهر والمتغيرات السياسية والاجتمعية في هذه المنطقة، وهي تتّسم بالتعقيد والتركيب، والثقل الكبير الذي تحظى به الأبعاد الدينية والثقافية والتاريخية في عملية التأثير. معلومٌ أنّ مثل هذه الأوضاع والظواهر لا يُجدي معها استخدام الأساليب الكمّية والنمذج القياسية؛ إذ يصعب تحويلها إلى مؤشرات رقمية، أو بيانات إحصائية، وربما يستحيل ذلك. وربما كان الأمر الذي يلائمها هو استخدام الفهم والخبرة والدراية والإلمام بمنطقها ومسارها، وهو ما كان سيساعد على فهم القوى والعوامل المحركة للتغيير وتحديدها من جهة، والعوامل التي تحول دون ذلك من جهة أخرى، ومن ثمّ يمكّن من الاستشراف الدقيق للمستقبل.

15 المرجع نفسه.

لانحراف في التحليل

نتيجةً لما تقدّم ذكره، حصل انحراف في عملية الوصف والتشخيص. فقد قدّمت الدراسات المستقبلية العربية وصفًا مبتورًا ومجتزَأ لمسار التطورات التاريخية ومراحلها، والواقع القائم في القضايا البحثية التي تناولتها؛ ذلك أنّ التوصيف اقتصر على تتبّع دور المتغيرات المادية، وفي المقابل جرى تهميش توصيف سائر المتغيرات أو التغاضي عنها، وهي في أغلبها متغيّاتٌ ذات شأنٍ كبير في التأثير في حاضر الظواهر المدروسة ومستقبلها، بل إنها ذات شأن من جهة التحكّم فيها أيضًا. فالعقيدة والدين والتاريخ والثقافة والقيم والأخلاق لم تأخذ حقّها ومكانتها في توصيف الواقع. ولئن جرى التطرّق الجزئي إلى بعضها، فإنّ ذلك لم يكن من منظور وزنها في الواقع، وتأثيرها فيه، بل من منظور الفلسفة الوضعية التي لا تعترف بتلك المتغيّات، ولا تملك القدرة على قراءتها وبيان أثرها وتأثيرها في حاضر تلك الظواهر ومستقبلها. لقد طال الانحراف مرحلة التفسير أيضًا؛ إذ أُقحمت القناعات الفكرية للقائمين على تلك الدراسات في تفسير التطور التاريخي للقضايا التي جرت دراستها، والمنعطفات الرئيسة في مسيرتها، وفي الربط بين الواقع القائم والتطورات التاريخية والواقع في حدّ ذاته والبدائل المستقبلية التي جرى اشتقاقها، وتقديمها بوصفها خيارات متوقّعةً للتطورات المستقبلية. ولم يكن الانحراف في بناء البدائل المستقبلية لمسار التطورات في تلك الظواهر استثناءً، بل نتيجةً طبيعةً لما سبقه من مراحل. فقد اشتقّت معظم تلك الدراسات بدائل وخيارات مستقبليةً لا تتّسق البتّة مع المسار التاريخي وحقائق الواقع واتجاهاته الرئيسة (السائدة والبارزة والمعوّقة). وساهم الحضور الكثيف والمكشوف للأيديولوجيا في تجذير ذلك الانحراف وتعميقه؛ إذ فَرضت الأفكار اليسارية ظلالها على معظم الدراسات المستقبلية العربية، لهذا انتظمت بدائلها المستقبلية (قلّ عدد تلك البدائل أو كثُ) في الخيار الاشتراكي. أمّا بعض الدراسات الأخرى، فقد عدّت هذا الخيار هو الخيار المفضّل أو المرغوب فيه. وهكذا، قدّمت الدراسات المستقبلية العربية نتائج شديدة التواضع، في ما يتعلّق بقدرتها على الاستشراف ورسم الاتجاهات العامّة التي يمكن أن تسير إليها تطورات الأوضاع. وقد رأينا أنّ مشروع "مستقبل الوطن العربي"، وهو مشروعٌ توافرت له كثير من الإمكانات والمقدرات المادية والبشرية والبحثية، لم يتمكّن من أن يقترب من الاتجاهات العامّة لتطورات الأوضاع في المنطقة العربية، بل إنّه  - على العكس من ذلك -  ساهم في التشويش من خلال تقديمه توقّعاتٍ تخالف ما كان يتوافر لديه من مؤشّات. وفي المقابل، تمكّنت دراساتٌ مستقبلية قام بها أفراد، واعتمدت على الخبرة والحدس والمناهج الكيفية، من رسم بدائل محتملة قريبة من مسار التطورات التي حدثت في المنطقة العربية. ويوضّح الرسم البياني التالي تأثير الأسس المعرفية والمنهجية في مسار الدراسات المستقبلية العربية وقدرتها على الاستشراف.

الرسم البياني:1 تأثير الأسس الوضعية في القدرة الاستشرافية للدراسات المستقبلية العربية

خاتمة

بناءً على التحليل السابق، نرى أنّ الإخفاق الذي نال الدراسات المستقبلية العربية الجمعية يعود - في جزء كبير منه إلى التزامها المسلّمت المعرفية والفلسفية والمنهجية للاتجاه الوضعي المادي. ومن ثمّ، فإنّ الخطوة الأولى لترشيد الدراسات المستقبلية العربية هي إعادة النظر في الأسس المعرفية والفلسفية لمنهجية البحث المستخدمة فيها، من خلال تجاوز مقولات الاتجاه الوضعي المادي، والانفتاح على الاتجاهات المعرفية التي لديها القدرة على التعامل مع الأبعاد الدينية والثقافية والقيمية للظواهر السياسية في المنطقة، والكفّ عن النظر إلى المناهج الكيفية على أنها أقلّ كفاءةً وأقلّ علميةً، وتكثيف حضورها في هذا النوع من الدراسات، مع توظيفٍ للمناهج الكمّية في الأبعاد والمتغيرات التي يمكن تكميمها والتعبير عنها إحصائيًا. فهذا هو الوضع الذي نرى أنه سيجعل هذه الدراسات أكثر أهليةً لاستشراف مستقبل الظواهر السياسية والمجتمعية في المنطقة العربية.

المراجع

References

المراجع العربية

إبراهيم، سعد الدين وآخرون. المجتمع والدولة في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1988 حتي، ناصيف يوسف. القوى الخمس الكبرى والوطن العربي، دراسة مستقبلية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1987 حرب، أسامة الغزالي. مستقبل الصراع العربي -   الإسرائيلي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

حسيب، خير الدين وآخرون. مستقبل الأمة العربية: التحديات والخيارات، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، أكتوبر.1988 دياب، آصف ومروان الزبيبي (محرّران). التقرير الوطني الاستشرافي الأساسي الأول لمشروع سوريا 025 2، دمشق: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهيئة تخطيط الدولة،.2007 ربيع، حامد. نحو ثورة القرن الواحد والعشرين: الإسلام والقوى الدولية، القاهرة: دار الموقف العربي،.1981 سعد الدين، إبراهيم وآخرون. "الوطن العربي سنة 2000 "، المستقبل العربي، العدد 19 (أيلول/ سبتمبر.)1980 __________. صور المستقبل العربي: جامعة الأمم المتحدة، مشروع المستقبلات العربية البديلة، ط 3، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1989 سعيد، عبد المنعم. العرب ومستقبل النظام العالمي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1987 __________. العرب ومستقبل النظام العالمي. العرب ودول الجوار الجغرافي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1987 شرابي، هشام (محرّر)، العقد العربي القادم: المستقبلات البديلة، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية/ مركز الدراسات العربية المعاصرة جامعة جورجتاون،.1986 الطويل، محمد علي ناصر، الدراسات المستقبلية في المدرسة العربية للعلوم السياسية: دراسة في المنهجية والقضايا، أطروحة دكتوراه (غير منشورة)، جامعة أسيوط، مصر،.2013 عبد المعطي، عبد الباسط وآخرون. مستقبل القرية المصرية: الأبعاد والتوجهات النظرية والمنهجية، ج 1، القاهرة: المركز القومي للبحوث الاجتمعية والجنائية،.1994

عودة، محمود وإلهام عفيفي. القرية المصرية الواقع والمستقبل، القاهرة: المركز القومي للبحوث الاجتمعية والجنائية،.1996 العيسوي، إبراهيم. الدراسات المستقبلية ومشروع مصر 020 2، القاهرة: معهد التخطيط القومي،.2000 مسعد، نفين (محرّر). ندوة الدراسات المستقبلية العربية نحو استراتيجية مشتركة، القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية/ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم،.1998 المنجرة، المهدي. "المغرب العربي الكبير عام 2000 "، المستقبل العربي، العدد 53 (تموز/ يوليو.)1983 منصور، محمد إبراهيم. "الدراسات المستقبلية: ماهيتها وأهمية توطينها عربيًا"، المستقبل العربي، العدد 416 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2013 __________. (محرّر)، الرؤية المستقبلية لمصر 030:2 دراسة استشرافية، القاهرة: مركز الدراسات المستقبلية،.2011 هلال، عليّ الدين وآخرون. العرب والعالم، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1988

المراجع الأجنبية

Abdalla, Ismail Sabri et al. , Arab Alternative Futures: Final Draft Report , New York: UNU and Third World Forum, 1986.