Return to Article Details The Origins of Foresight from an Islamic Perspective

التأصيل لاستشراف المستقبل من منظور إسلامي

The Origins of Foresight from an Islamic Perspective

إلياس بلكا

الملخّص

موضوع هذا البحث هو التأصيل لاستشراف المستقبل من القرآن والسنّة، بصفتهما المصدرين الأساسيين للعقل المسلم. وتتناول هذه الورقة بدايةً مفهوم الغيب في التراث الإسلامي وعلاقته باستشراف المستقبل، متكشّفةً عن نسبية هذا المفهوم القرآني الكبير وعن كونه مفهومًا مرنًا يخضع للاحتمال والبحث الظنّي. ثمّ تعرض لقضية الزمن، وكيف أنّ الدين يفضّل مبدأ "المستقبل المفتوح" على فكرة "التقدّم" التي ازدهرت خاصة في القرن التاسع عشر الأوروبي، وكيف انعكس الاهتمام الإسلامي بالاستشراف في بروز مبدأ كبير يسمّى "اعتبار المآلات"، وهو أحد المصادر الكبرى في علم أصول الفقه. ليتطرّق البحث أخيرًا إلى بعض العقائد الإسلامية التي من شأنها –إذا فُهمت خطأ– أن تشكّل عائقًا أمام التطوّر الطبيعي لعلم "استشراف المستقبل" في العالم الإسلامي، وأهمّها "القدر والتوكّل"، عارضًا لبعض الحلول النظرية والعملية للإشكالين، وهي حلول شديدة الصلة بقضية عَقَدية وفلسفية أخرى هي "العلاقة السببية".

Abstract

ملخص:  موضوع هذا البحث هو التأصيل لاستشراف المستقبل من القرآن والسنّة، بصفتهم المصدرين الأساسيين للعقل المسلم. وتتناول هذه الورقة بدايةً مفهوم الغيب في التراث الإسلامي وعلاقته باستشراف المستقبل، متكشّفةً عن نسبية هذا المفهوم القرآني الكبير وعن كونه مفهومًا مرنًا يخضع للاحتمل والبحث الظنّي. ثمّ تعرض لقضية الزمن، وكيف أنّ الدين يفضّل مبدأ "المستقبل المفتوح" على فكرة "التقدّم" التي ازدهرت خاصة في القرن التاسع عشر الأوروبي، وكيف انعكس الاهتمم الإسلامي بالاستشراف في بروز مبدأ كبير يسمّى "اعتبار المآلات"، وهو أحد المصادر الكبرى في علم أصول الفقه. ليتطرّق البحث أخيرًا إلى بعض العقائد الإسلامية التي من شأنها – إذا فُهمت خطأ – أن تشكّل عائقًا أمام التطوّر الطبيعي لعلم "استشراف المستقبل" في العالم الإسلامي، وأهمّها "القدر والتوكّل"، عارضًا لبعض الحلول النظرية والعملية للإشكالين، وهي حلول شديدة الصلة بقضية عقَدية وفلسفية أخرى هي "العلاقة السببية". كلمت مفتاحية:  الاستشراف، المنظور الإسلامي، المستقبل المفتوح Abstract:  This paper examines the origins of foresight within Islamic thought, relying on the Qura'n and the Sunnah as the basic sources of Muslim thought. In its overview of the history of foresight, the paper deals first with the concept of the metaphysical realmal ghayb) in Islamic tradition and its relationship with forecasting the future. The paper demonstrates the malleability of this major Quranic concept. Next, it considers the issue of time and the supremacy within of the principle of the "open future" as compared to the idea of "progress" that was widespread in Europe in the 19th century. It goes on to reflect on the Islamic interest in forecasting following an increased preference among Islamic jurisprudents for the study of "possible future outcomes". Possible obstacles to foresight are also considered in this paper, in particular those Islamic beliefs that, in some interpretations, may stymie the natural evolution of futurology in the Muslim World. Most significant of these is that of qadar wa al tawakul ("Resignation to fate" or "to put one's faith in fate"). Finally, the paper suggests some theoretical and practical solutions based on fundamental understandings of causality.

الكلمات المفتاحية:
  • استشراف
  • منظور إسلامي
  • مستقبل مفتوح
Keywords:
  • Foresight
  • Islamic Perspective
  • Open future

ملخص:  موضوع هذا البحث هو التأصيل لاستشراف المستقبل من القرآن والسنّة، بصفتهم المصدرين الأساسيين للعقل المسلم. وتتناول هذه الورقة بدايةً مفهوم الغيب في التراث الإسلامي وعلاقته باستشراف المستقبل، متكشّفةً عن نسبية هذا المفهوم القرآني الكبير وعن كونه مفهومًا مرنًا يخضع للاحتمل والبحث الظنّي. ثمّ تعرض لقضية الزمن، وكيف أنّ الدين يفضّل مبدأ "المستقبل المفتوح" على فكرة "التقدّم" التي ازدهرت خاصة في القرن التاسع عشر الأوروبي، وكيف انعكس الاهتمم الإسلامي بالاستشراف في بروز مبدأ كبير يسمّى "اعتبار المآلات"، وهو أحد المصادر الكبرى في علم أصول الفقه. ليتطرّق البحث أخيرًا إلى بعض العقائد الإسلامية التي من شأنها – إذا فُهمت خطأ – أن تشكّل عائقًا أمام التطوّر الطبيعي لعلم "استشراف المستقبل" في العالم الإسلامي، وأهمّها "القدر والتوكّل"، عارضًا لبعض الحلول النظرية والعملية للإشكالين، وهي حلول شديدة الصلة بقضية عقَدية وفلسفية أخرى هي "العلاقة السببية". كلمت مفتاحية:  الاستشراف، المنظور الإسلامي، المستقبل المفتوح Abstract:  This paper examines the origins of foresight within Islamic thought, relying on the Qura'n and the Sunnah as the basic sources of Muslim thought. In its overview of the history of foresight, the paper deals first with the concept of the metaphysical realmal ghayb) in Islamic tradition and its relationship with forecasting the future. The paper demonstrates the malleability of this major Quranic concept. Next, it considers the issue of time and the supremacy within of the principle of the "open future" as compared to the idea of "progress" that was widespread in Europe in the 19th century. It goes on to reflect on the Islamic interest in forecasting following an increased preference among Islamic jurisprudents for the study of "possible future outcomes". Possible obstacles to foresight are also considered in this paper, in particular those Islamic beliefs that, in some interpretations, may stymie the natural evolution of futurology in the Muslim World. Most significant of these is that of qadar wa al tawakul ("Resignation to fate" or "to put one's faith in fate"). Finally, the paper suggests some theoretical and practical solutions based on fundamental understandings of causality.

**Associate Professor at the Institute for Islamic World Studies, Zayed University Dubai, United Arab Emirates.

مقدمة

طالما اشتكى مفكرو النهضة من الانشغال الكبير للعقل العربي - الإسلامي بشؤون الماضي على حساب مشكلات المستقبل، وذلك، وفقًا لقول وليد عبد الحي، إنّ "إحدى ثغرات ثقافتنا العربية تتجسّد في أحد أبعادها في موقفها من الزمن، إذ طغى عليها الماضي والحاضر، بينم لم يحظ المستقبل "حيث سنعيش" إلّ بأقلّ القليل، على الرغم من أنّ معرفة أو محاولة معرفة المستقبل تمثّل أحد عناصر القوة". وإذ غدا الزمان المستقبل ساحة صراع وتنافس بين الأمم، فقد وضع مهدي المنجرة مفهوم "استعمر المستقبل"، مُنذرًا: "إنّ العالم الإسلامي إذا لم يخطّط لمستقبله، فإنه يوشك أن يُستعمر بدوره، كم استُعمر ماضيه وحاضره". في حين تظلّ العقلية الماضوية السّائدة قبل كلّ شيء عقلية تبحث عن هويتها، ويظلّ كثير من المسلمين – بسبب الفهم الخطأ لعقيدة الغيب – يتوهّمون أنّ كلّ ما يتعلّق بالمستقبل مجال محظور، لا يجوز اقتحامه ولا ينبغي لهم الانشغال به. ومن ثمّ، يأتي هذا البحث محاولً تأصيل استشراف المستقبل من منظور الكتاب والسنّة، أي من خلال أهمّ مصدرين للعقل المسلم. سوف نسعى إذًا في هذه الورقة لطرح أسئلة: كيف للعقل الإسلامي المعاصر أن يتصالح مع المستقبل وينفتح عليه؟ وما السبيل لنجعل هذا العقل يتعامل مع المستقبل – استشرافًا وتخطيطًا وعملً– تعاملً عاديًا من دون تحفّظات أو موانع فكرية أو عقدية تُعيقه؟ وكيف ننقذ العقل المسلم من الغلوّ في الاهتمم بأمور الماضي والحاضر، لنوجّهه إلى صرف جزء من طاقته نحو قضايا المستقبل؟ وهذه الأسئلة وغيرها تلخّص الإشكالية الأساسية لهذا البحث. نبدأ أوّلً بتوضيح أنّ لمفهوم "المستقبلية" أو "الاستشراف" استعملين: فهو يعني الاهتمم العام بالمستقبل وقضاياه، سواء على المستوى الفكري أو العملي؛ كم يعني مجموعة من الأبحاث حول التطور المستقبلي للإنسانية تُكّن من استخلاص عناصر التوقّع. وينطلق هذا الاستشراف من حقيقة أنّ الحقل الذي يمكن للإنسان أن يؤثّر فيه هو المستقبل؛ ولذلك فالمستقبل الذي يعنينا هنا هو المستقبل العملي الذي بإمكان الإنسان أن يدرسه ويتوقعه، لا المستقبل من حيث هو موضوع فلسفي خالص.

وليد عبد الحي، الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية (مراكش: دار تينمل، 1993)، ص.5 2 Mahdi Elmandjra, Première guerre civilisationnelle (Casablanca: Editions Toubkal, 1992), p. 176. Pierre Burgelin, L'Homme et le Temps (Paris: Editions Montaigne, 1945), p. 30. سنُؤثر في هذا البحث استخدام مفهوم مصطلح "الاستشراف" بدلً من مفردة "المستقبلية" التي لم تعد تُستخدم على نطاقٍ واسع بين المستقبليين، ولعوامل أخرى بسطتها بعض الدراسات السابقة. راجع في ذلك مثلً: محمد بريش، "حاجتنا إلى علوم المستقبل"، المسلم المعاصر، العدد 61 (تشرين الأول / أكتوبر 1991)، ص 51 -.53 5 Michel Godet & Hugues de Jouvenel, "Avant-propos", Futuribles , no. 71 (November 1983), pp. 3 - 4. Eleonora Masini, Why Futures Studies? (London: Grey Seal Books, 1993), p. 7.

لا مناصّ إذًا من أن يتصالح العقل العربي - الإسلامي مع المستقبل، حتى يكون الاستشراف والتخطيط عادة ذهنية له. ولهذا نحتاج أوّلً إلى استقراء مذهبية الإسلام في الموضوع: هل يقبل هذا الدين مبدأ استشراف المستقبل؟ وعلى أيّ أساس؟ وما علاقة عقائد الغيب والقدر ونحوها بموضوعنا؟ هذا وغيره ما سنحاول الإجابة عنه في ثلاثة مباحث، يخصّ أولها مفاهيم الغيب، ويعني ثانيها اعتبار المآل والمستقبل المفتوح، وعلاقتها بالاستشراف، ويتناول المبحث الثالث إشكالية القدر والتوكّل درسًا وتحليلً.

أوّلً. الغيب واستشراف المستقبل

الدراسة المستقبلية بين الاستشراف والنبوءة

يوجد فرقٌ كبير بين استشراف المستقبل والنبوءة. إذ لا تدّعي الدراسة المستقبلية نهائيًّا معرفة ما سيحدث، ولكنها تحاول تحديد المسارات المختلفة – المحتملة والممكنة والمرغوب فيها – لظاهرة معيّنة. والمستقبل ليس مجالً للاستكشاف فحسب، بل هو أيضًا مجال للعمل والتأثير. ومن ثمّ، لا تُسعفنا الدراسات المستقبلية بمناهج كشف الآتي ومعرفة بعض ملامح المستقبل فحسب، بل إنها تعيننا لمّا نطرح على أنفسنا هذا السؤال: كيف نستطيع أن نُنشئ مستقبلنا وأن نُخضعه لآمالنا وتطلّعاتنا وأفكارنا وعقائدنا؟ ولهذا تعرف أهمّ الأمم المتقدّمة انشغالً مستمرًّا بالمستقبل: كيف سيكون، ومن الذي سيتحكّم فيه؟ وما السبيل إلى أن يكون لنا موقع بين دُوله المؤثّرة؟ وغيرها من أسئلة عديدة تهمّ الدراسات المستقبلية. لذلك لا تدّعي الدراسات المستقبلية معرفة الغيب، لكنها تفيد في تقليل الاحتملات الواردة في المستقبل بحيث يغلب على ظنّنا أنّ مجموعةً "أ" من صور المستقبل (السيناريوهات) مستبعدة الوقوع، ومجموعةً "ب" راجحة الوقوع. وفي المجموعة "ب" يمكن للبحث المستقبلي أن يُرجّح بعض الاحتملات على بعض. وهذا كلّه يساهم في جعل صورة المستقبل أقلّ غموضًا واضطرابًا؛ ولهذا فائدة محقّقة، كم يوضّح ذلك ألفن توفلر: "كلّ مجتمع يجد نفسه أمام سلسلة من المستقبلات المحتملة، وكذا أمام مجموعة من المستقبلات الممكنة، وكذلك أمام مجموعة من المستقبلات المفضّلة... كل هذه المستقبلات

7 في ماهية الدراسات المستقبلية، انظر: Mahdi Elmandjra, "Futurs du monde islamique. Etude du futur: nécessités, réalités et horizon", in Mahdi Elmandjra, Première guerre civilisationnelle , pp. 165 - 190. 8 في احتمالية الدراسات المستقبلية، انظر: Masini, p. 32. Cf. Richard B. Heydinger & Rene D. Zentner, "Multiple scenario analysis: Introducing uncertainty into the planning process", New Directions for Institutional Research , vol. 1983, no. 39 (September 1983), pp. 51–68.

تتنافس باستمرار. لمّا نقنّن التغيير وننظمه فنحن في الحقيقة نسعى إلى أن نحوّل بعض هذه المستقبلات الممكنة إلى مستقبلات أكثر احتملً، وذلك لنحقّق أمانينا التي تشكّل مطلبًا يتمتّع بإجمع عام". وفي الإسلام، أهمّ مفهوم يتقاطع مع الدراسة المستقبلية هو "الغيب"، وما يصدق على الغيب يصدق على استشراف المستقبل، لأنّ موضوع الغيب أصعب وأدقّ؛ فإذا اكتشفنا مثلً أنّ مفهوم الغيب مفهوم مرن ومتحرّك، فهذا معناه من باب أولْى أنّ ل "المستقبلية" مشروعيةً أكثر واعترافًا دينيًا أكبر. فدراسة موضوع الغيب دراسة ما هو أعلى ليكون ما هو أدنى أولْى.

مفهوم الغيب

في اللغة

الغيب مصدر غاب يغيب، وكلّ ما غاب عنك وما اطمأنّ من الأرض والشحم؛ وغاب عنك الأمر إذا بطن؛ وكلّ مكان لا يُدرى ما فيه فهو غيب، وكذلك الموضع الذي لا يُدرى ما وراءه؛ ويجمع على غيوب. والشهادة خبرٌ قاطع، وشاهده مشاهدة عاينه وحضره، فهو شاهد. والشهيد الحاضر، وكذا الذي لا يغيب عن علمه شيء.

في العرف الإسلامي

وللفظة "الغيب" في الاعتقاد الإسلامي معنيان، وهو تقسيم تقريبي لأنواع الغيب: من حيث الدلالة على "الزمان"، يعني الغيب كلّ ما خفي على علم الإنسان من أمور الماضي والحاضر والمستقبل، كم بالآية القرآنية: ﴿تِلْكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ (هودَ،.)49 من حيث الدلالة على "المكان"، يعني الغيب عالمًا ووجودًا خاصًا لا تصل إليه حواس الإنسان وطاقة عقله، وذلك كوجود الله سبحانه، وعالم ما بعد الموت، والآخرة وعجائبها، وبعض المخلوقات التي لا نشاهدها كالملائكة، وغير ذلك مم طلبت الشريعة منا أن نُصدّق به، وأطلقت على هذا التصديق اسم "الإيمان". فالعالم يستعمل فيم يَعلم به الخالق، وهو ما سوى الله تعالى من الموجودات، وجمعه على عوالم؛ ولذلك ينقسم العالم إلى عالمي الغيب والشهادة.

10 Alvin Toffler, Le choc du futur (Paris: Gallimard, 1987), p. 513. 11 محمد مجد الدين الفيروز أبادي، القاموس المحيط (القاهرة: مطبعة السعادة، 1326 ه)، مادة "غيب." 21 محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس (بنغازي: دار ليبيا، 1306 ه)، مادة "غيب". 31 المرجع نفسه، مادة "شهد". 41 محمد علي التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون، ج 3 (بيروت: دار صادر، د. ت.)، ص.1053

في القرآن

أما في الاستعمل القرآني، فالغيب يرد مقرونًا بكلمة الشهادة في حالات كثيرة جدًّا؛ ويتحصّل من أقوال أهل التفسير وشروحهم لبعض الآيات التي ورد فيها ذكر الغيب والشهادة الآتي: ö ö الغيب هو الآخرة، والشهادة هي الدنيا.

قال بعضهم: الغيب هو السرّ، والشهادة العلانية. الغيب ما لا يعرفه الخلْق، والشهادة ما يعرفونه.

الغيب "استعمل في كلّ غائب عن الحاسّة وعمّ يغيب عن علم الإنسان، بمعنى الغائب". فأما القولان الثاني والثالث فمتقاربان، فم تسرّه النفوس لا يعرفه الخلق، وما يظهر على الجوارح معروف للخلق. لكن هذا أحد أفراد ما لا يعرفه الخلق، فهم – كم لا يعرفون أسرار النفوس – لا يعرفون أيضًا أمور الآخرة وحقائقها، إلّ قليلً مم حكاه الوحي، ولولاه ما عرفوا عنها شيئًا. ولذلك فإنّ القول الرابع هو أيضًا شديد الصلة بالقول الثالث. ما الذي يجمع بين الأقوال الثلاثة؟ يجمع بينها أنّ ما يعلمه الخَلق – أو يمكن لهم علمه – يعدّ من عالم الشهادة، أمّا ما لا يعرفونه، ولا سبيل لهم إلى أن يعرفوه، فهو من عالم الغيب. وهذا معنى القول الرابع، ولذلك اختاره كثير من المفسرين، وكثير منهم اقتصر عليه؛ فهو القول الراجح، وهو حدّ ما بين مفهومي الغيب والشهادة.

51 المرجع نفسه ج 4، ص 87؛ محمد فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب، ج 29 (بيروت: دار الفكر، 1993)، ص 293؛ أبو محمد عبد الحق ابن عطية، المحرر الوجيز، ج 15 (الرباط: وزارة الأوقاف، 1989-1975.479)، ص 61 التهانوي، ج 4، ص 87؛ سورة الحشر، الآية 22؛ الرازي، ج 16، ص 194؛ ج 22، ص 293؛ أبو السعود محمد العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، ج 5 (القاهرة: المطبعة المصرية، 1928)، ص.155 71 الرازي، ج 19، ص 22؛ وانظر: أبو عبد الله محمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 18 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1988)، ص.30 81 أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جامعالبيان عن تأويل آي القرآن، ج 7 ط، 3 (بيروت: دار المعرفة، 1978)، ص 145؛ ابن عطية، ج 14، ص 91؛ ج 15، ص 479؛ التهانوي، ج 4، ص 87؛ الرازي، ج 19، ص 22؛ القرطبي، ج 14، ص 60؛ ج 18، ص 97؛ عبد الله أبو البركات النسفي، مدارك التنزيل، ج 2 (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، د. ت)، ص 144 ج؛ العمادي 3، ص 99؛ ج 5، ص 155-154؛ محمد، الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير من التفسير، ج 24 (المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، د. ت)، ص.31 91 الراغب الأصفهاني، مفردات غريب القرآن، ج 3 (القاهرة: المطبعة الخيرية، 1322 ه)، ص 192، كلمة غيب. وقارن في الكتاب نفسه مع كلمة شهد: ج 2، ص 238 -.239

الغيب هو ما تسرّه النفوس، وتنطوي عليه الصدور، والشهادة ما يظهره الناس ويبرزونه. ولذلك

الغيب ما غاب عن حواسّ الإنسان ومداركه، والشهادة ما حضره الحسّ. قال الأصفهاني:

في نسبية المفهوم وأبعاده البشرية والمعرفية

الإنسان معيار تمييز الغيب عن الشهادة

من المرئيات وغيرها.

يدخل تحت الإحساس الذي هو أصل كلّ العلوم".

العقول".

0 2 الأصفهاني، ج 3، ص.192 12 العمادي، ج 5، ص 154 -.155 22 ابن عاشور، ج 14، ص.229 32 ابن عطية، ج 15، ص 479؛ النسفي، ج 2، ص.144 42 ابن عاشور، ج 13، ص.98 52 المرجع نفسه، ج 24، ص.31 62 البيضاوي، ج 1، ص.55 72 القاسمي، ج 2، ص.35

ومن ثمّ، فإنّ ضابط التفرقة بين الغيب والشهادة هو الإنسان نفسه، ولذلك قال الراغب: "يُقال للشيء غيب وغائب، باعتباره بالناس، لا بالله تعالى، فإنه لا يغيب عنه شيء". وعالما الغيب والشهادة هم عالما "ما غاب عن الحواسّ من الجواهر القدسية وأحوالها، وما حضر من الأجرام وأعراضها". فالغيب هو مجموع الأشياء الغائبة مم لا تصل إليه أعين الناس، وكذا العوالم التي لا تبلغها حواسّ المخلوقات الأرضية. أمّا الشهادة فم يشاهده الناس؛ أو هي الأشياء المشهودة، أي الظاهرة المحسوسة

وليس معنى هذا أنّ الإبصار هو آلة التمييز الوحيدة بين الغيب والشهادة؛ وما يقع من ذلك في كلام بعض المفسرين هو تجوّز، ليس إلاّ، بحكم أنّ الإبصار أقوى حواسّ الإنسان في الإحاطة بالموجودات. ولذلك يقول العلمء: الغيب ما غاب عن الحسّ، ومرادهم الحواسّ التي بها يُدرك الإنسان أشياء هذا الوجود، من الإبصار وغير الإبصار. وقد قال ابن عاشور في هذا الشأن: "الشهادة ما يعلمه الناس ممّ

كذلك الحواسّ ليست هي الطرق الوحيدة التي يُكتسب بها العلم، إذ توجد مجموعة كبيرة من الحقائق الوجودية توصّل إليها الإنسان بالعقل فحسب؛ فهي ليست من الغيب. ولهذا جمع بعض المفسّين بين هذين الطريقين في تعريف الغيب، فقال البيضاوي: "الغيب الأمر الخفي الذي لا يدركه الحسّ ولا تقتضيه بديهة العقل". وقال القاسمي: "المراد بالغيب ما لا يقع تحت الحواسّ، ولا تقتضيه بدائه

ولو فرضنا للإنسان مقدرةً على استشعار بعض الغيوب، فإنّ ما يصل إلى معرفته منها لا يدخل تحت مسمّى الغيب. إذًا، فالغيب ليس ما غاب عن حواس الإنسان فحسب، ولا ما غاب عن عقل الإنسان

فحسب، بل هو ذلك وغيره؛ ممّ عبّ عنه ابن عطية في أحكم كلمة وأدقّها، فقال: "الغيب ما غاب عن مدارك الإنسان". وهذه القاعدة تعمّ عالم الغيب وزمانه؛ فقد قال ابن عاشور أيضًا: "الغيب ما غاب على علم الناس بحيث لا سبيل لهم إلى علمه، وذلك يشمل الأعيان المغيّبة كالملائكة والجن، والأعراض الخفية، ومواقيت الأشياء". وهذا التعريف يحيلنا على المعيار الذي نميّز به بين الغيب والشهادة، وهو الدليل.

الضابط المعرفي في التفرقة بين الغيب والشهادة

يقول الكفوي في هذا الشأن: "الغيب هو ما لم يقم عليه دليل، ولم ينصب له أمارة، ولم يتعلّق به علمٌ مخلوق". وهذا هو السبب الذي من أجله كانت الغيوب الخمسة من العلم الذي استأثر الله تعالى به، والتي يقول عنها ابن العربي أنه لا أمارة عليها، ولا علامة، ولذلك يكفر من ادعى علم شيء من هذه الخمسة. وهو يعني من دون دليل، إذ يُردف ذلك بقوله إنه إن وجدت أمارة، كالتجربة مثلً، فلا يكون ذلك من الغيب، كتوقّع الطبيب: "فإذا ادّعى ذلك عادةً لا واجبًا في الخِلقة لم نكفره ولم نفسقه". وقال أيضًا في موضع آخر: "[إن قال الأطباء] إنها تجربة وجدناها، تركوا وما هم عليه ولم يقدح ذلك في التمدّح"؛ أي تمدّح الله تعالى بعلمه الغيب. وكذلك في موضوع توقّع كسوف الشمس والقمر؛ فهو ممكن، لأنه أمر يُدرَك بالحساب. وكم أنّ ما يُدرك بالتجربة لا يكون غيبًا، فكذلك ما يُدرك بصحيح النظر لا يكون غيبًا حقيقة، فالعبرة بالدليل عقليًا أكان أم تجريبيا أم خبرًا عن الوحي. وهو ما يوضّحه التفتازاني بقوله: "العلم بالغيب أمر تفرّد به الله تعالى، لا سبيل إليه للعباد، إلّ بإعلام منه تعالى، وإلهام بطريق المعجزة أو الكرامة، أو إرشاد إلى استدلال بالأمارات، فيم يمكن ذلك فيه". وقال في ذلك ابن حزم أيضًا: "كلّ ما قام عليه دليل

82 ابن عطية، ج 3، ص 85؛ وانظر ج 10، ص.17 92 ابن عاشور، ج 7، ص.270 0 3 أيوب أبو البقاء الكفوي، الكليات (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1992)، ص 667؛ وانظر: النسفي، ج 3، ص.219 13 أبو بكر بن العربي، أحكام القرآن، ج 2 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1988)، ص 259. وهي الخمسة الواردة في الآية القرآنية: ﴿إِنَّ اللَّه

عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ويَعْلَمُ مَا فِ الْ رْحَامِ ومَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ومَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أَرْضٍ تَُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبيِرٌ﴾ (لقمان،.)34 23 المرجع نفسه، ج 2، ص.259 33 المرجع نفسه، ج 3، ص.79 43 المرجع نفسه، ج 2، ص 259. وقد نقل القرطبي كلام ابن العربي وأقره في: الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص.4 53 المرجع نفسه، ج 1، ص.16 63 سعد الدين التفتازاني، شرح العقائد النسفية (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 1987)، ص.108

(...) فليس غيبًا (...) وإنما الغيب وعلمه هو أن يخبر المرء بكائنة من الكائنات دون صناعة أصلً". ويقول الطاهر بن عاشور: "الأمور التي لها أمارات مثل أمارات الأنواء وعلامات الأمراض عن الطبيب، فتلك ليست من الغيب، بل من أمور الشهادة الغامضة. وغموضها متفاوت، والناس في التوصل إليها متفاوتون، ومعرفتهم بها من قبيل الظن لا من قبيل اليقين، فلا تسمّى علمً". ولما كان الاعتبار – في التمييز بين الغيب والشهادة – للدليل، فقد قسّم العلمء الغيب إلى قسمين: القسم الأول: الغيب الذي لا دليل عليه، لا عقلي ولا سمعي، وهذا هو المعنيّ بالآية القرآنية: ﴿وَعِندَهُ مفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إلِاَّ هُو﴾ (الأنعام،.)59 القسم الثاني: قسمٌ نُصب عليه دليل، عقلي أو سمعي، وهو المقصود في الآيتين: ﴿ذَلِكَ الْكِتَاب لَ رَيْبَ فِيهِ هُدى لِلْمُتَّقيِن ۞ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة، 2 -.)3 وهذا ما يوضّحه الرازي: "الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل، وإلى ما ليس عليه دليل… أمّا الذي لا دليل عليه فهو سبحانه وتعالى العالم به لا غيره، وأمّا الذي عليه دليل فلا يمتنع أن نقول: نعلم من الغيب ما لنا عليه دليل... وعلى هذا الوجه قال العلمء: الاستدلال بالشاهد على الغائب أحد أقسام الأدلة". فالأول الذي عليه دليل يمكن معرفته، بخلاف الثاني. وهنا سؤال: هل العبرة في هذا التمييز هي تحصيل الدليل، بمعنى هل هذا من شرطه؟ أم المعتبر هو الإمكان، مجرّد إمكان الدليل لا تحصيل وقوعه، فيكون المقصود مطلق الدليل، حتى ذلك الذي لا نعرفه ولا نتوافر عليه؟

الغيب قسمن: مطلق ومقيّد

الجواب هو أنّ توافر الدليل ليس شرطًا في أن نعدّ بعض الغيب من القسم الثاني القابل للإدراك البشري. فيكفي أنّ هذا الدليل ممكن، واحتمله قائم. وفائدة هذا الأمر أنّ الغيب الذي عليه دليل هو الغيب المُدرَك أو القابل للإدراك. وبعد هذا لا يهمّ إن كنّا نعرف هذا الدليل، أو لا نعرفه؛ فجهلنا به لا يخرجه عن القسم الثاني من الغيب.

73 علي بن أحمد بن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 5 (بيروت: دار الجيل، 1985)، ص.150 83 ابن عاشور، ج 7، ص.271 93 ناصر الدين بن عمر البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ج 1 (القاهرة: المكتبة التجارية، د. ت.)، ص 55؛ العمادي، ج 1، ص 24؛ التهانوي، ج 3، ص 1090؛ الكفوي، ص 668؛ أبو الفضل شهاب الدين محمود الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، ج 1 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د. ت)، ص.114 0 4 الرازي، ج 2، ص.32 14 الكفوي، ص.668

ولذلك كان هذا النوع من الغيب نسبيًّا أو إضافيًا أو مقيّدًا، بخلاف النوع الأول الذي هو غيبٌ مطلق أو حقيقي. ولذا نجد ابن تيمية يقول بصدد حديثه عن الآية القرآنية: ﴿قُل لَ يَعْلَمُ مَن فِ السَّموَاتِ وَال، 65ْ رْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهُ﴾ (النمل): "هذا هو الغيب المطلق عن جميع المخلوقين الذي قال فيه: ﴿ فلَا يُظْهِرُ علَ غَيْبهِ أحَدًا﴾ (الجنَ، 26). والغيب المقيّد ما علّمه بعض المخلوقات من الملائكة أو الجن أو الإنس وشهدوه. فإنّا هو غيبٌ عمّن غاب عنه، ليس هو غيبًا عمّن شهده. والناس كلّهم قد يغيب عن هذا ما يشهده هذا، فيكون غيبًا مقيّدًا، أي غيبًا عمّن غاب عنه من المخلوقين، لا عمّن شهده، ليس غيبًا مطلقًا غاب عن المخلوقين قاطبة". هذا أصل تقسيم العلمء الغيب إلى قسمين: مطلق ومقيّد. فم عرفه الإنسان أو أمكن له معرفته هو الغيب المقيّد، وما لا سبيل للإنسان إلى علمه فهو الغيب المطلق. والقرآن يسمّي قصص الأنبياء القدامى – مثلً – غيبًا، وهي لمن حضرها ليست غيبًا. فهذا الغيب النسبي أي نسبةً إلى قوم دون قوم، أو الإضافي أي هو غيبٌ بالإضافة إلى ناسٍ دون ناس، أو المقيّد. ومن ثمّ: الغيب المطلق، هو الذي لا يعرفه إلّ الله، وغاب عن جميع خلقه. الغيب المقيّد، ويسمى أيضًا الغيب الإضافي، هو ما علمه بعض خلق الله وخفي عن البعض الآخر. وهذه المعرفة بالغيب المقيّد تتمّ بإذن الله، فيرجع الأمر – أمر الغيب – إلى الله لأنه إمّا يختصّ بالغيب لنفسه، وإمّا يأذن بكشفه لبعض عباده؛ فمعرفة الغيب لا تخرج عن إرادته. ولذلك حين ذَكر بعض الصحابة وقت الكسوف وتوقّعه، وأُنْكر عليه، أجاب: "إنما الغيب خمس. وتلا آية: ﴿وَعِندَهُ مفَاتِحُ الْغَيْب...﴾؛ وماعدا ذلك غيب يعلمه قوم ويجهله قوم". وأشهر الغيوب المطلقة هي مفاتيح الغيب الخمسة. لكن إذا أطْلع الله تعالى بعض خلقه على بعضها، ولو كان مخلوقًا واحدًا، خرج ذلك الغيب عن الإطلاق إلى التقييد. فقد قال ابن كثير في آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ويَعْلَمُ مَا فِ الْ رْحَامِ...﴾ (لقمن، 34): "إنزال الغيث لا يعلمه إلّ الله، لكن إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه. وكذلك لا يعلم ما في الأرحام ممّ

24 أحمد تقي الدين بن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 16 (الرباط: مكتبة المعارف/ المكتب التعليمي السعودي بالمغرب، د.ت.)، ص 110؛ وانظر أيضًا: ج 14، ص 51 -.52 34 انظر هذا التقسيم في: أبو محمد الأندلسي بن أبي جمرة، بهجة النفوس، ج 4، ط 2 (بيروت: دار الجيل، 1972)، ص 272؛ أحمد بن علي العسقلاني بن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج 15 (بيروت: دار الفكر، 1993)، ص 315؛ كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا؛ الكفوي، ص 668؛ محمد متولي الشعراوي، الغيب (القاهرة: مطابع دار أخبار اليوم، 1998)، ص 9، 11، 15؛ محمد رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم، ج 7، ط 2 (بيروت: دار المعرفة، د.ت.)، ص.422 44 الكفوي، ص.668 54 أورده ابن حجر فيفتح الباري، ج 1، ص 169، في حديث جبريل من كتاب الإيمان، وقال أخرجه حميد بن زنجويه عن بعض الصحابة؛ وانظر: رشيد رضا، ج 7، ص.422

يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى، أو شقيًّا أو سعيدًا، علم الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه"؛ فيصير غيبًا مقيّدًا.

فاصل ما بين الغيبين متغيّ أبدا

معيار التفرقة بين النوعين من الغيب هو الإنسان نفسه، وطبيعة معارفه ومدى علومه. لذلك لا توجد معايير دقيقة للفصل بين الغيب المطلق والغيب المقيّد، إذ الحدود بينهم دائمًا متحرّكة متغيّة؛ فتنتقل بعض الغيوب من دائرة المطلق إلى المقيّد إذا تقدّمت المعرفة البشرية، كم في حالة معرفة جنس الجنين مثلً. والذي يحرّك هذه الحدود بين الغيبين هو الإنسان نفسه، بقدر علمه ومعرفته؛ فتضيق دائرة الغيب المقيّد أو تتّسع بحسب جهده هو في تحقيق هذا التضييق، وبحسب سعيه لفهم العالم وحركته من حوله. وهنا يمكن أن نذكر قاعدةً في الموضوع: لا سبيل إلى معرفة الغيوب الخمسة معرفة تفصيلية، كزمان الموت وتاريخ القيامة بالضبط. أمّا ما عدا هذه الخمسة فقابل للعلم، وذلك لأنّ جوهر المعرفة في الإسلام يحكمه مبدآن: المبدأ الأول: الاستحالة عقليةٌفحسب، فالمستحيل هو المستحيل الرياضي، كالجمع بين المتناقضين. المبدأ الثاني: اتساع الإمكان في الوجود، حيث عالمنا هذا هو أحد العوالم الممكنة اللانهائية. ولا يضع الدين على هذا الإمكان قيودًا، ومن هنا فتح المجال واسعًا أمام ملكَة بشرية مهمة هي "الخيال". ولذلك فالعقل الإسلامي عقل جدّ متحرّر لا يعرف المستحيل إلّ في أضيق نطاق، وهو الرياضي. والمستقبل بالنسبة إليه عبارة عن مستقبلات متعدّدة، لا مستقبل واحد.

فرق مهمّ بين علم الغيب وظنّ الغيب

والمقصود بالغيب هنا: الغيب المقيّد. وقد رأى علمؤنا أنّ الكلام في الغيب المقيّد والبحث فيه أمر ممكن، وقالوا إنّ الفرق بين العلم الإلهي به والعلم البشري، هو أنّ الأول علمُ يقين لا يخطئ أبدًا، والثاني ظنّ يصيب ويخطئ، ويقوى ويضعف. ولذلك لا يتعلّق الأمر في الدراسة المستقبلية بعلم المستقبل، وهو العلم الخاص بالذات الإلهية، بل باستشراف المستقبل، وهو معرفة بشرية نسبية تنبني على الاحتمل

64 تفسير ابن كثير، ج 3، ص 559 -.560 74 راجع: أبو يعرب المرزوقي، مفهوم السببية عند الغزالي (تونس: دار بوسلامة للطباعة والنشر، 1978)، ص 103 وما بعدها. 84 تساعد النظرية الأشعرية في الخلق المتجدّد على هذا الفهم، وهي تتصوّر أنّ الخلق – خلق الأشياء والحركات والعالم – عملية مستمرة لا تتوقّف. ولا مجال هنا للاستفاضة في هذا الموضوع الذي يحتاج بحثًا خاصًا ليس هذا موضعه.

وغلبة الظن. قال النسفي: "وأمّا المنجّم (يعني الفلكي) الذي يخبر بوقت الغيث والموت فإنه يقول بالقياس والنظر في الطالع، وما يدرك بالدليل لا يكون غيبًا. على أنه مجرد الظن، والظن غير العلم". ولذلك عدّ ابن العربي توقعات الطبيب في أمور الحمل – على سبيل المثال – توقّعات صحيحة، أي سائغة في العلم والشرع، لأنّ مبناها على العادة والتجارب، "والعادة يجوز انكسارها، والعلم لا يجوز تبدّله"؛ أي علم الباري. ونقرأ في القرآن الكريم: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ومَا تَخْرجُ مِن ثَ رَاتٍ مِّنْ أكَْمَمِهَا ومَا تَحْمِلُ مِنْ أنثَىٰ ولَ تضَعُ إِلَّ بعِلْمهِ﴾ (فصلت، 47). قال الرازي مفسًّا هذه الآية: "العلم بحدوث الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلّ عند الله سبحانه (...) فإن قيل: أليس أنّ المنجمين قد يتعرّفون من طالع سنة العالم أحوالً كثيرة من أحوال العالم، وكذلك قد يتعرّفون من طوالع الناس أشياء من أحوالهم، وههنا شيء آخر يسمى علم الرمل، وهو كثير الإصابة، وأيضًا علم التعبير بالاتفاق قد يدلّ على أحوال المغيبات، فكيف الجمع بين هذه العلوم المشاهدة وهذه الآية؟ قلنا إنّ أصحاب هذه العلوم لا يمكنهم القطع والجزم في شيء من المطالب البتّة، وإنما الغاية القصوى ادعاء ظنٍّ ضعيف، والمذكور في هذه الآية أنّ علمها ليس إلّ عند الله، والعلم هو الجزم واليقين، وبهذا الطريق زالت المنافاة والمعاندة؛ والله أعلم". وهذا الفرق الكبير من المواضع التي زلّ فيها ناس، حين خلطوا بين الأمرين. قال أحمد القرطبي في مفاتح الغيب الخمسة: "من ادّعى علم شيء من هذه الأمور كان في دعواه كاذبًا، إلّ أن يُسند ذلك إلى رسول بطريقٍ تفيد العلم القطعي، ووجود ذلك متعذّر، بل ممتنع. وأمّا ظنّ الغيب فلم يتعرّض شيء من الشرع لنفيه ولا لإثباته، فقد يجوز أن يظنّ المنجم أو صاحب خط الرمل أو نحو هذا شيئًا مم يقع في المستقبل، فيقع على ما ظنه، فيكون ذلك ظنًّا صادقًا إذا كان عن موجب عادي يقتضي ذلك الظن، وليس بعلم". وقد نقل هذا الكلام جمعة من العلمء وأقرّوه، منهم: ابن حجر، ومحمد ميارة، والألوسي، وأحمد القباب، والونشريسي.

94 النسفي، ج 3، ص.286 0 5 ابن العربي، ج 3، ص.79 15 الرازي، ج 27، ص.137 25 أحمد أبو العباس القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ج 1، ط 1 (دمشق: دار ابن كثير/ دار الكلم الطيب، 1996)، ص.156 35 ابن حجر، ج 1، ص 169؛ محمد بن أحمد ميارة، الدر الثمين شرح المرشد المعين (بيروت: دار الفكر، د.ت)، ص 66؛ أحمد بن يحيى الونشريسي، المعيار المعرب، ج 12 (الرباط: وزارة الأوقاف المغربية، 1981)، ص 56؛ الألوسي، 112/22؛ ولبرهان البقاعي رأي يشبه ما قاله القرطبي، انظر تفسيره: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (حيدر أباد: دائرة المعارف العثمانية، 1984)، ج 15، ص

الاحتمل في نظرية المعرفة في الإسلام

يتّضح هذا الفرق بين علم الغيب وظنّه أكثر، إذا اطّلعنا على موقف الدين من منهج بناء العلم وقارنّاه بغيره. ففي تاريخ الفلسفة الأوروبية إلى حدود العصر الحديث، كانت الغلبة دائمًا في موضوع نظرية المعرفة للمدرسة الأرسطية التي رأت – كم يقول الفيلسوف الفرنسي المعاصر ليون روبان – أنّ موضوع المعرفة وغايتها هو اكتشاف الحقيقة المطلقة لا الوصول إلى درجةٍ معينة من المعرفة الاحتملية. ولذلك تأسّست المعرفة الأرسطية على البرهنة المنطقية. وهذه الرؤية الأرسطية تختلف جوهريًّا عن نظرية المعرفة الإسلامية التي تعترف بإمكان بناء العلم على الاحتمل. وقد أوضح أحمد الريسوني جيّدًا هذه الطبيعة العميقة للمعرفة في الإسلام، وذلك في كتابه عن "نظرية التقريب والتغليب وتطبيقاتها في العلوم الإسلامية"، إذ يقول في شرح فكرتها الأولية: "يتولّ هذا البحث الكشف عن إحدى النظريات الكبرى التي تتشكّل منها المنظومة المنهجية الأصولية في الإسلام، وهي نظرية ينضوي تحتها وينبع منها عددٌ كبير من المبادئ والقواعد التي وجّهت التفكير الإسلامي، وتحكمت في الإنتاج العلمي الإسلامي. وهي نظرية تعطي جهازًا منهجيًّا واسعًا ومنسجمً لمعالجة عددٍ لا يحصى من القضايا والمسائل العلمية والعملية التي يحتوي عليها الإسلام، أو تواجه المسلمين، وتواجه العقل المسلم، بصفتها نوازل ومشكلات جديدة". وخلاصة هذه النظرية أننا فيم نسعى إليه من أمور علمية أو عملية قد نحقّق مبتغانا على أكمل الوجوه وأتمّها. لكن حين يتعذّر علينا الوصول إلى اليقين والكمل، فإننا نتمسّك بما تشير به الأدلة والقواعد مم هو قريب من درجة اليقين تلك. فإذا فقدنا درجة التقريب هذه، صرنا إلى التغليب، أي الأخذ بما غلب احتمل صدقه وصحته، وبما غلب من المقادير والأحوال والصفات... ولم نلتفت إلى الاحتمل الآخر. ولذلك يضيف الكاتب: "إنّ قصر مصطلح العلم على ما كان يقينيًّا مطابقًا – ولا بدّ – لحقيقة الأمر، إنما هو اصطلاح خاص، فمن الغلط اعتباره المعنى الوحيد للعلم، كم فعل المتكلّمون والمتفلسفون".

ثانيًا. الزمن يف الإسلام: اعتبار المآل، والمستقبل المفتوح

إنّ هذه المستقبلية القرآنية – التي تكشَّف لنا جزءٌ منها من خلال دراسة مفهوم الغيب – لم تبق أسيرة الاعتقاد والنظر الفكري، فقد امتدّت إلى الفلسفة الإسلامية العامة المتعلقة بمفاهيم الدنيا والزمان

54 Léon Robin, La pensée grecque et les origines de l'esprit scientifique (Paris: La Renaissance du Livre, 1923), p. 297. 55 أحمد الريسوني، نظرية التقريب والتغليب وتطبيقاتها في العلوم الإسلامية (مكناس: دار مصعب،.)1994 65 المرجع نفسه، ص.4 75 المرجع نفسه، ص.17

والتاريخ؛ بل إنها انعكست حتى على الفقه ومقاصده، فأنتجت فيهم ما يسميه أهل الاجتهاد ب "اعتبار المآل"، وهو من أعظم الأصول الشرعية التي تدلّ على لزوم النظر في المستقبل ومراعاته.

الإسلام ومبدأ المستقبل المفتوح

ظهر لنا أن نشرح هذا المبدأ من خلال مقارنته بما "يشبهه" في الثقافة الأوروبية الحديثة، إذ بضدها تتميز الأشياء كم يقال؛ وذلك ما يسمّى ب "مفهوم أو أيديولوجيا التقدم". وإن كان هذا المفهوم يتراجع لمصلحة مفهوم آخر هو "النهاية"، إذ يطفح الفكر الغربي اليوم بأفكار النهايات والانحطاط. وكلا الموضوعين يحتاج دراسة خاصة ومعمقة، ولذا سنكتفي هنا بالإشارة إليهم.

فكرة التقدّم

يُعرّف المفكر والأديب الفرنسي إيميل ليتري التقدّم بالحركة إلى الأمام، بالتطور عبر الزمن، وبالازدياد من الأشياء أو نموّها. وإذا أطلقت الكلمة فهي تعني التحرك المتدرّج للحضارة والمؤسّسات العامة. أما لاروس فقد كتب في موسوعته الشهيرة أنّ التقدّم هو "فكرة أنّ الإنسانية تنتقل كلّ يوم من حال إلى ما هو أحسن منه، وأنها كلّ يوم أكثر سعادة. وهذه الفكرة بالخصوص عزيزة جدًّا على أهل عصرنا". وقد تحوّل مفهوم التقدّم إلى أيديولوجيا كاسحة، بلغت أوجها بأوروبا القرن التاسع عشر، بل أصبح – كم قال أنطوان أوغستان كورنو – مفهومًا دينيًا خالصًا، ولذلك كتب بيير لاروس: "الإيمان في قانون التقدّم هو الإيمان الحقيقي في عصرنا هذا"، ولهذا انتشرت فكرة تقسيم التاريخ إلى مراحل معيّنة، يفترض أنّ تؤدي كلّ واحدة منها لولوج المرحلة اللاحقة. إنّ الوهم الكبير للقرن التاسع عشر – فيم يرى كارل بوبر في كتابه الكلاسيكي "بؤس التاريخانية" – هو الاعتقاد بوجود قدَرٍ محدّد للإنسانية يدفعها لبلوغ غاية معيّنة عبر المرور بمراحل ضرورية. وقد أعجب مفكّرو التقدّم بالراهب الإيطالي جواشيم دوفلور الذي قسّم التاريخ – في شرحه لكتاب "القيامة" ليوحنا – إلى عصر الأب، ثم عصر الابن، ثم عصر الروح القدس، على منوال التثليث المسيحي؛ وأخيرًا، بشّ بقدوم هذا العصر الثالث. ثم جاء الإيطالي فيكو – صاحب كتاب "العلم الجديد" (1730) – فأوضح أنّ المجتمعات تمرّ بثلاثة أطوار: الطور السموي - الإلهي، فالطور البطولي، فالطور

58 Emile Littré, Dictionnaire de La Langue Française (Monte-Carlo: Edition Madec, 1970), Article: Progrès. 59 Pierre Larousse, Dictionnaire Universel du XIXe siècle (Paris: Larousse, 1867-1890), Article: Progrès. 60 Ibid. 61 Antoine Faivre, L'Esotérisme (Paris: Presses Universitaires de France, 1993), p. 38.

الإنساني. وكذلك فعل أوغست كونت في "دروس الفلسفة الوضعية" حين قسّم المراحل إلى ثلاث: اللاهوتية، ثمّ الميتافيزيقية، ثمّ الوضعية.

الإسلام والزمن

أما الإسلام فلا يضع بداية للتقدم ولا نهاية له، مرورًا بفترة الذروة. لذلك لا توجد صيرورة معيّنة منذ ظهر هذا الدين إلى يوم القيامة: لا خَطّية ولا دائرية. إنّ أحوال البشرية – في الماضي والمستقبل – متنوّعةٌ جدًّا، ولها صيرورات متعدّدة، إذ نقرأ في القرآن الكريم: ﴿وَتِلْكَ الْ يَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيَْ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 140)؛ فهذه سنّة التداول. وللإنسانية أيضًا قابليات للتغيير نحو الأفضل أو نحو الأسوأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيُِّ مَا بِقَوْمٍ حتَّى يُغَيُِّوا مَا بِأنْفُسهِمْ﴾ (الرعدَ، 11)؛ وهذا إعلاء من شأن الإرادة البشرية. ولكن الأمّة مدعوة إلى التجدّد والنهوض دائمًا، ففي الحديث: "إنّ الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كلّ مئة سنة من يجدّد لها أمر دينها". ولذلك يحرّم عليها الاستكانة للضعف والسقوط: "المؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلّ خير". ولهذا لا يعلّق الإسلام مصير البشرية على تواريخ محدّدة، ولا مراحل معينة. فالفعل الإنساني حرّ طليق، وهو مدعوّ لصناعة المستقبل والمساهمة في ترشيد حركة التاريخ. وحين يخبر القرآن الكريم بمجيء يوم القيامة، فهو يسارع إلى التنبيه إلى أنّ زمن ذلك من مفاتح الغيب التي اختصّ الله سبحانه بمعرفتها، ولا شأن للإنسان بها، إلّ بالعمل والاستعداد، لكلٍّ من الدنيا والآخرة: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألّ يقوم حتى يغرسها، فليغرسها". ولذا كانت عقيدة المهدوية التي تجمّد حركة الأمّة، وتضع "تقدّم" الأمّة وخيريتها وانتصارها في مستقبل بعيدٍ على الجميع انتظاره، كانت هذه العقيدة بهذه الصورة شديدة الانحراف عن روح الدين، كاملة التناقض مع رسالته التي نزل من أجلها؛ بل غاية ما في الإخباريات بظهور المهدي هو البشارة التي تدخل في أشراط الساعة، ولا علاقة لذلك بالعمل، ولا بالحاضر. كم أنّ الإسلام لا يرى أنّ الخير في الإنسانية ينحصر في فترة معينة، لا حتى في زمن النّبي العظيم، ولا في القرون الأولى المشهود لها بالخيرية. فالسلف نموذج خيّ، لكنه لا يحتكر الخير، إذ في البشرية إمكانات دائمة للنهوض والتفوق والارتفاع إلى المثال. وفي هذا الصّدد، جاء في الحديث: "مَثل أمّتي مثل المطر، لا

26 رواه أبو داود في أبواب الملاحم من سننه. 36 رواه مسلم عن أبي هريرة. 46 رواه أحمد في مسند أنس بن مالك؛ أبو عبد الله البخاري، صحيح الأدب المفرد، محمد ناصر الدين الألباني (محقق ومعلق)، ط 4 (السعودية: دار الصديق للنشر والتوزيع،.)1997

يُدرى أوله خير أم آخره". بل إنّ النبي الكريم يحرص دائمًا على فتح باب الأمل في مستقبلٍ أفضل: "إذا قال الرجل هلك الناس، فهو أهلكُهم".

مبدأ "اعتبار المآل" الأصولي استشرافًا للمستقبل

إنّ اعتبار المآل يعني الربط بين الغاية والوسيلة، فلا يكفي أن ننظر إلى واقع الظاهرة أو المشكلة الآن، فنعالجها فقهيًا بحسب هذا الواقع، بل إلى ذلك يجب أن نضع في حسباننا نهاية هذه الظاهرة وإلى أيّ شيء ستؤول. لذلك تجمع فكرة اعتبار المآلات بين المسار والغاية، بين الصيرورة والهدف، بين الحاضر والمستقبل. و"اعتبار المآل" نوع من الموازنة بين ظاهر الدليل الشرعي ونتائجه من مصالح أو مفاسد، فهو الأثر المترتّب عن الفعل؛ وذلك لا يكون إلّ بالمستقبل. لذلك يعرّف فريد الأنصاري اعتبار المآل بأنه "أصلٌ كلّ يقتضي اعتباره تنزيل الحكم على الفعل بما يناسب عاقبته المتوقعة استقبالً". وهذا أصل شرعي عظيم، حتى إنّ الشاطبي فرّع عليه أربعة قواعد شرعية كبيرة: الذرائع، والحيل، ومراعاة الخلاف، والاستحسان. ونقرأ عند الشاطبي: "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة. وذلك أنّ المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلّ بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل. فقد يكون مشروعًا لمصلحةٍ فيه تُستجلب أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآلٌ على خلاف ما قصد فيه. وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك". وإنما وجب اعتبار المآل لأنه لا يتمّ النظر في الأسباب إلّ مع استحضار المسبّبات. ويمكن التمثيل له بخطاب الرسول الأكرم لعائشة كم جاء في الحديث: "لولا حداثة قومك بكفر – وفي لفظ: لولا أنّ قومك حديثٌ عهدُهم بكفر أو بجاهلية – لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين". وقد بوّب البخاري على هذا الحديث في كتاب العلم: باب "من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقْصُ فهم بعض

56 رواه الترمذي في آخر كتاب الأمثال من سننه، رقم 2869؛ وأحمد في مسند أنس، 12267؛ قال الحافظ ابن حجر: حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة؛ ابن حجر،.3650 66 رواه مسلم في كتاب البرّ والصلة من الجامع، 2623؛ وأبو داود في الأدب، 4983؛ وأحمد في مسند أبي هريرة،.7671 76 فريد الأنصاري، المصطلح الأصولي عند الشاطبي (القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، 2010)، ص.457 86 راجع التفاصيل في: أبو إسحاق إبراهيم الشاطبي، الموافقات، ج 5 (الخبُر: دار ابن عفان، 1997)، المسألة العاشرة من مسائل الاجتهاد، ص 182 وما بعدها. 96 المرجع نفسه، ج 5، ص.177 0 7 المرجع نفسه، ج 5، ص.178 17 انظر تمام الحديث في: أبو عبد الله البخاري، الجامع الصحيح (بيروت: دار الفكر، 1981)، كتاب العلم، باب من ترك بعض الاختيار، 126. وقد تكرر كثيرًا: 1583 إلى 1586، 3368...؛ مسلم، كتاب الحج، باب في نقض الكعبة وبنائها.

الناس عنه فيقعوا في أشدّ منه"؛ إذ في الحديث ترك بعض الأمور التي يُستصوب عملها إذا خيف تولّد ما هو أضرّ من تركه؛ وفيه استئلاف الناس على الإيمان، وتسهيل الأمور عليهم حتى لا ينفروا، شريطة عدم تعطيل ركن من أركان الشرع. والحديث الآخر أنه لما صدر من بعض المنافقين انتقاص من النبي الكريم، وقالوا: ﴿لَئِ رَّجَعْنَا إِلَ الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجنَّ الْ عَزُّ مِنْهَا الْ ذلَّ﴾ (المنافقون، 8). طلب عمر أن يقتل من ظهر نفاقه، لكن الرسول أجابه كم جاء في الحديث: "دعه، لا يتحدّث الناس أنّ محمدًا يقتل أصحابه. وفي لفظ: أخاف أن يتحدّث الناس...". وذكر الشيخ دراز في وجه تعارض اعتبار الحال والمآل هنا: "موجب القتل حاصل، وهو الكفر بعد النطق بالشهادتين، والسعي في إفساد حال المسلمين كافّة بما كان يصنعه المنافقون، بل كانوا أضرّ على الإسلام من المشركين، فقتلهم درءٌ لمفسدة حياتهم. ولكن المآل الآخر – وهو هذه التهمة التي تبعد الطمأنينة عن مريدي الإسلام – أشدّ ضررًا على الإسلام من بقائهم". وقد أحسن القاضي عياض بيان هذا النظر النبوي إلى المستقبل، فقال في الحديث: "فيه ترك بعض الأمور التي يجب تغييرها، مخافة أن يؤدّي تغييرها إلى أكثر منها... وكان النبي عليه الصلاة والسلام يستألف على الإسلام النافرين عنه، فكان يعفو عن أشياء كثيرة أوّل الإسلام لذلك، لئلا يزدادوا نفورًا... ولهذا لم يقتل المنافقين، ووكّل أمرهم إلى ظواهرهم، مع علمه ببواطن كثير منهم، وإطلاع الله تعالى إياه على ذلك. ولما كانوا معدودين في الظاهر في جملة أنصاره وأصحابه ومن تبعه، وقاتلوا معه غيرهم حمية أو طلب دنيا أو عصبية لمن معهم من عشائرهم، وعلمت بذلك العرب، فلو قتلهم لارتاب بذلك من يريد الدخول في الإسلام ونفّره ذلك". وهكذا يُستشفّ من هذه الأحاديث أن نحسب للمستقبل حسابه في كلّ أمورنا الدينية والدنيوية. ويستحيل تمامًا أن ننزع عن الإسلام هذا الاعتبار المستقبلي العميق. يقول مهدي المنجرة في هذا الصّدد: "الإسلام – باعتباره دينًا واجتمعًا – هو قبل كلّ شيءٍ نظر إلى الأفق البعيد، في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة... وكيفم كان الفعل الإنساني عليه – على المستوى الديني والاجتمعي – أن يستهدي بنتائجه الدنيوية والأخروية. وبهذا كان اعتبار المستقبل جزءًا من العمل اليومي للمسلم".

27 القاضي عياض، إكمال المعلم بفوائد مسلم، يحيى إسماعيل (محقق) ج 4 (مصر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، 1998)، ص.428 37 البخاري، الجامع، في مواضع منها: كتاب المناقب، باب ما ينهى من دعوى الجاهلية، 3518؛ وكتاب التفسير، باب قوله تعالى: سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم المنافقون، 4905؛ مسلم، كتاب البر والصلة، باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما،.2584 47 تعليقات عبد الله دراز على الموافقات، ج 5، ص 180 -.181 57 إكمال المعلم، ج 8، ص 55-54؛ ولهذا نظائر كامتناع النبي عن قتل من سحره، انظر القصة في البخاري، الجامع، 3175-5766؛ أو في مسلم، كتاب الرقى والطب، باب العين حق والسحر حق...؛ وراجع تعليق القرطبي في: المفهم، ج 5، ص 574، وقارنه ب: فتح الباري لابن حجر، 5763، ج 10، ص.261 67 Elmandjra, Première guerre , pp. 168 - 169.

ولمحمد إقبال كلامٌ جيّد في هذا السياق، أعني في جدلية الحاضر والمستقبل وكيف يتبادلان التأثير، إذ يقول: "فكرة الغاية لا يمكن أن تفهم إلّ بالقياس على المستقبل. إنّ الماضي يبقى من غير شكٍّ في الحاضر ويؤثّر فيه. ولكن هذه العملية، عملية الماضي في الحاضر، ليست الشعور كلّه، فعنصر الغاية يكشف عن نوع من النظرة المستقبلية في الشعور. ولا تقتصر الغايات على تلوين حالاتنا الشعورية الحاضرة وحدها، بل تكشف عن اتجاهها في المستقبل أيضًا. والواقع أنّ الغايات تؤلّف دفعة الحياة إلى الأمام، ومن ثم تتوقّع بوجهٍ ما الأحوال التي لم توجد بعد وتؤثّر فيها. إن تقيّد أمرٌ بغاية ما، معناه تقيّده بما ينبغي أن يكون. وعلى هذا فإنّ الماضي والمستقبل يؤثّر كلاهم في حالة الشعور الحاضرة، وليس المستقبل غير محدّدٍ بالمرّة".

ثالثًا. القدر والتوكّل واستشراف المستقبل

نخلص إلى أنّ هذه العقيدة ثابتة بالكتاب والسنّة، واتفق عليها المسلمون. ولها إشكالاتها النظرية المعروفة، كم لها آثارها الكبيرة والواسعة في السلوك البشري المتعلق بالمستقبل: المشكلات النظرية أو العلمية: وقد أشار كثير من العلمء إلى صعوبة قضية القضاء والقدر، بل عدّها ابن رشد من أعوص المسائل الشرعية. المشكلات العملية: إذ أخطر ما في هذه العقيدة – إذا فُهمت خطأ – أنها توحي بالعجز والكسل والاستسلام؛ لذلك لاحظ جمل الدين الأفغاني على مسلمي زمانه كيف "انتشرت قواعد الجبر وضربت في الأذهان حتى اخترقتها، وامتزجت بالنفوس حتى أمسكت بعنانها عن الأعمل".

الأبعاد النظرية للمشكلة

عموم الإشكال في تاريخ الفكر الإنساني

والحقيقة أنّ مشكلة القدر ليست خاصّة بالفكر الإسلامي، فجميع الأديان والفلسفات تعرف الإشكال. ويعدّها دايفيد هيوم – أبو الشكّية الحديثة – أصعب مسألة في أصعب علم، يعني الميتافيزيقيا. وأحيانًا تناول الفكر الأوروبي – الديني والفلسفي – الموضوع تحت مسمّياتٍ أخرى أهمها: الحرية،

77 محمد إقبال، تجديد الفكر الديني في الإسلام، عباس محمود (مترجم)، ط 2 (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1968)، ص 64 -.65 87 أبو الوليد محمد بن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، ط 2 (القاهرة: المطبعة الجمالية بمصر، 1910)، ص 104 -.105 97 محمد البهي، الفكر الإسلامي وصلته بالاستعمار الغربي، ط 7 (بيروت: دار الفكر، 1991)، ص.99 80 Cf. Emile Bréhier, Histoire de la philosophie (Tunis: Cérès Editions, 1994), vol. 3, p. 9, 27; vol. 4, p. 356, 130. 81 David Hume, Enquête sur l'entendement humain, André Leroy (Trans.) (Paris: Editions Montaigne, 1947), p. 144.

وأصل الشرّ. بل يعتقد كلّ من هيوم وفولتير – وغيرهم كثير – أنّ بحث مشكلة الشر أمر يتجاوز العقل الإنساني ويفوق قدراته، لذلك لا يمكن حلّ الإشكال، ولا حتى فهمه. بالنسبة إلى المنظور الإسلامي، إنّ صعوبة بحث القدر وعسر فهم حقيقته – وربما استحالة ذلك في الدنيا – هي مظهر من مظاهر إخفاء الله سبحانه له؛ وهذا ما يُعرف بسرّ القدر. يقول أبو المظفر بن السمعاني عن ذلك: "القدر سرّ من أسرار الله تعالى اختصّ العليم الخبير به وضرب دونه الأستار وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة، فلم يعلمه نبيٌّ مرسل ولا ملكٌ مقرّب. وقيل إنّ سرّ القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف لهم قبل دخولها".

الحلول النظرية

نخلص إذًا إلى أنه لا سبيل إلى الاطلاع على سرّ القدر، لكن العلمء اضطروا – لمّا ثارت شُبَه الاعتزال والجبر – إلى الكلام في القدر بصفة عامّة، من دون الخوض في دقائقه، وذلك لردّ الناس إلى الاعتقاد السليم. وكانت غايتهم إنقاذ الاعتقاد بالتوحيد بإثبات أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وإنقاذ العمل بإثبات أنّ الإنسان مسؤول عن أفعاله وهو من يختارها.

القول بالقدرة المؤثّرة للإنسان

لهذا يجوز لنا أن نأخذ بالنظريات الكلامية التي تحاول إقرار القدر مع إنقاذ حرية الإنسان، فهي نظريات نستأنس بها وإن لم تكن أجوبةً نهائية عن الإشكال، وذلك مثل أفكار أبي الحسن الأشعري وابن رشد وابن تيمية. إنّ الإشكال في القدر يكمن في التوفيق بين فعل الله تعالى في الوجود من جهة، وأفعال الإنسان من جهة أخرى. فالجبرية مثلً قالوا: ليس للإنسان اختيار، وأعمله من خلق الله؛ والمعتزلة ذكروا أنّ الإنسان هو الذي يخلق أفعاله؛ أما الأشاعرة فقد راموا التوسّط بين المذهبين، فقالوا: إنّ الله خلق أفعال العباد جميعًا، فخالفوا الاعتزال، ثمّ أثبتوا للعبد قدرةً سمّوها الكسب، فانفصلوا عن الجبر؛ غير أنّهم لم يعدّوها قدرةً مؤثّرة. وهذا مذهبٌ حسن، فإنّ أهل السنّة – كم يقول الطحاوي – وسطٌ "بين الغلوّ والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس". لكنّ في هذا المذهب ضعفًا، لأنه بتقرير قدرةٍ لا تؤثّر كأنه جعل منها صورةً لا حقيقة لها. ولذلك يقول رشيد رضا: "مذهب أهل الأثر، وهم أئمة السنّة، وبعض محقّقي الأشاعرة كإمام الحرمين، أنّ قدرة العبد

82 André Verdan, Le scepticisme philosophique (Paris: Bordas, 1971), pp. 129 - 134. 38 نقله ابن حجر في: فتح الباري، كتاب القدر، ج 11، ص.540 48 راجع في وجه كلام العلماء في القدر: عبد الرحمن المحمود، القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنّة (الرياض: دار الوطن، 1997)، ص 25 -.26 58 علي بن محمد بن أبي العز، شرح العقيدة الطحاوية (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1987)، ص.32

مؤثّرة في عمله كتأثير سائر الأسباب في المسبّبات بمشيئة الله الذي ربط بعضها ببعضٍ، كم هو ثابت بالحس والوجدان والقرآن". ولا يسلم هذا القول للجويني من الاعتراضات، لكن يبدو أنه أفضل الحلول.

القدر ونظام السببية في الوجود

يجب النظر إلى القدر من خلال الأسباب، أي يشهد العبد المقادير مقدرة بأسبابها؛ هذا هو الكمل. يقول الشيخ مرعي في هذا الشأن: "إنّ الله تعالى أجرى عادته الإلهية في هذا العالم على أسباب ومسبّبات تُناط بتلك الأسباب، ويُنسب أيضًا وقوعها إليها نظرًا للصورة الوجودية، وإن كان الكلّ في الحقيقة بقضائه وقدره باعتبار الحقيقة الإيجادية. وقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن إسقاط الأسباب نظرًا إلى القضاء والقدر السابق فردّ عليه السلام: لا اعملوا، فكلٌّ ميسٌّ لما خُلق له". وهو يُشير للحديث: "ما منكم من أحد إلّ كتب مقعده من النار أو من الجنة. قالوا: ألا نتّكل؟ قال: لا، اعملوا فكلٌّ ميسٌّ لما خُلق له". وهذه قاعدة أهل السنّة في الموضوع: الأقدار حقّ، والأسباب حقٌّ أيضًا. هذا عن الشقّ النظري، أمّا من الناحية العملية فتوجد حلول أرشدنا إليها الدين لكي يكون لعقيدة القدر، كم لعقيدة الغيب، وظيفة إيجابية في حياتنا لا تمنع العمل والتخطيط، ولا التوقّع والاستشراف؛ وهذا تفصيلها.

الحلول العملية لقضايا القدر والتوكل

خلُصنا إلى أنّ الإسلام يُعلّمنا أن نعمل ونخطّط، وأنّ ذلك قدر أيضًا، ويوصينا أيضًا ألاّ نشغل عقولنا بمشكلات القدر النظرية، ولا نتحجّج بها في أيّ سلوك سلبي أو خطأ.

التخطيط والعمل من القدر

حرص الإسلام على عدم إهدار الطاقات العقلية للأمّة في قضايا كحقيقة القدر، فجاء الحديث: "إذا ذُكر القدر فأمسكوا". قال ابن رجب: هذا النهي على وجوه منها: ضرب كتاب الله بعضه ببعض، فينزع المُثبّت للقدر بآية، والنافي له بأخرى.

68 رشيد رضا، ج 8، ص.181 78 مرعي بن يوسف الكرمي، دفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر (الرياض: دار المسير، 1998)، ص.71 88 مختصر من حديث علي وآخر لعمران بن حصين. راجع: البخاري، الجامع، كتاب القدر، باب جف القلم على علم الله، 6596؛ كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ولقد يسرنا القرآن، 7551، 7552؛ مسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدميين،.2647 98 قال العراقي: رواه الطبراني وابن حبان في الضعفاء؛ المغني عن حمل الأسفار، ج 4، ص 265؛ وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد أنه جاء عن ثوبان عند الطبراني في المعجم الكبير، وطريق آخر عن ابن مسعود، وكلا الإسنادين ضعيف؛ قلت: لكن الحديث حسّنه ابن حجر في الفتح، ج 11، ص 540، والسيوطي في الجامع الصغير، وذلك – فيما يبدو – لتعدد طرقه وشواهده.

الخوض في القدر إثباتًا ونفيًا بالأقيسة العقلية. ö ö الخوض في سرّ القدر. بينم وجّه الدين إلى العمل. لذلك على الإنسان أن يدفع القدر القادم الذي يتوقّعه ولا يناسبه، بقدرٍ أفضل له. والأسباب، من تخطيط واستشراف وتفكير ودراسة وعمل وتقييم، كلّها من القدر، ليست خارجة عنه؛ فالقدر يحيط بالإنسان، لا مفرّ منه. ولذلك رأى بعض العلمء أنّ القدر ليس شيئًا آخر غير نظام الأسباب والمسبّبات الذي عليه أقام الله تعالى الوجود. وقد بيّ الرسول الكريم هذا المعنى في مغالبة القدر بالقدر أحسن بيان وأبلغه، إذ جاء في الحديث أنّ أبا خزامة سأله: "يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها، ودواءً نتداوى به، وتقاة نتّقيها: هل تردّ من قدر الله شيئًا؟ فقال له: هي من قدر الله". ومن ناحية أخرى، نهى الإسلام عن الاحتجاج بالقدر، فقد جاء في الحديث أنّ الرسول طرق بيت ابنته فاطمة وزوجها ليصليّا الفجر. فقال علي: "يا رسول الله، أنفسنا بيد الله... فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا.

فانصرف النبي وولىّ وهو يضرب فخذه ويقرأ: ﴿وكَانَ الِْنسَانُ أكَْثَ شَْءٍ جدَلً﴾ (الكهف،.54)" ومم يدلّ على أنّ هذه العقيدة الإسلامية – حين تُؤخذ كم يجب – لا تكون عائقًا للتخطيط والنظر المستقبلي، ولا للعمل والكدّ والاجتهاد، أنّ الصحابة لم يكونوا جبريين متواكلين، فحياتهم كلها علم وعمل وفتح وإدارة؛ وهذا معروفٌ لا يحتاج إلى بيان. وإنّ عدم وجود آثار سلبية لهذه العقيدة في حياة جيل الصحابة ليس بسبب أنهم يجهلون الإشكال العام لموضوع القدر. بل على العكس من ذلك تمامًا، إنّ السنّة تدلّ على إدراك الصحابة لطبيعة القضية ووعورتها، فجاء في الحديث عن أبي هريرة: "خرج علينا رسول الله ونحن نتنازع في القدر، فغضب واحمرّ وجهه... فقال: أبهذا أمرتم أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنّا هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر. عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه". فهذا لم يمنعهم من الفعل الإيجابي في التاريخ. ولذلك نستنتج أنّ عقيدة القضاء والقدر لا تضاد المستقبلية في شيء: لا في الاستشراف والتوقع، ولا في التخطيط والعمل. بل إنّ القدر يُشير إلى أنّ لله تعالى نظامًا صارمًا يسير عليه الكون، وأنّ فعل الإنسان من جملة هذا النظام وأداةٌ من أدواته.

0 9 الحنبلي بن رجب، فضلعلم السلف على الخلف، ط 2 (القاهرة: إدارة الطباعة المنيرية، 1347 ه)، ص 16 -.17 19 مدارج السالكين، ج 1، ص.233 29 رواه الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء لا ترد الرقى ولا الدواء من قدر الله شيئا 2148؛ وقبله في الطب، باب ما جاء في الرقى والأدوية، 2065، وقال حسن صحيح؛ وابن ماجه، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، 3437؛ وأحمد في، 15411؛ وحسن المسند حمزة الزين إسناده في تعليقاته على مسند أحمد، ج 12، ص.194 39 رواه البخاري، الجامع، كتاب التهجد، باب تحريض النبي على قيام الليل، 1127؛ كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة، 7465؛ مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب ما روي فيمن نام الليل،.775 49 رواه الترمذي في السنن: كتاب القدر، باب ما جاء من التشديد في الخوض في القدر، 2133، وقال غريب لا نعرفه إلّ من هذا الوجه؛ وابن ماجه في مقدمة السنن، باب في القدر، ص 33؛ وقال البوصيري – في الزوائد بحسب نقل المرحوم عبد الباقي –: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.

التوكّل والمستقبل

وقد يرى بعض الناس أنّ الإعداد للمستقبل يُنافي مقامًا إيمانيًا رفيعًا هو التوكّل، وأنه لا يجدر بالمؤمن الموقن أن يهتمّ بشأن الزمان الآتي أو أن يغتمّ لاحتملاته. وهذا ما أدّى بالأمّة إلى أن سيطر عليها العجز والتواكل والاستسلام لغيرها. يقول يوسف القرضاوي في هذا الصّدد: "خطر هذه الأفكار أنها شاعت في دنيا المسلمين وأنشأت جوًّا من السلبية وإغفال سنن الله وإهمل أمر الحياة بين جمهير المسلمين، وباتت هذه الأدبيات "المخدّرة" هي القوت اليومي لعقول العوام في ديار الإسلام، وكانت من أسباب التخلّف الذي جعل المسلمين في مؤخّرة الأمم".

نظام الأسباب

يغلط الناس في الطرفين: إمّا يهملون الأسباب ويرون ذلك توكّلً؛ وإما يركنون إليها وحدها وينسون خالقها. لذلك يقول رشيد رضا: "لمّا كان من المعلوم من الشرع والطبع والعقل بالضرورة أنّ للإنسان كسبًا اختياريًّا كلّفه الله العمل به، وأن يؤمن بأنه يجازى على عمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشرّ – وجب على الإنسان أن يسعى في تدبير أمور نفسه بحسب ما علمه من سنن الله تعالى في نظام الأسباب وارتباطها بالمسببات، معتقدًا أنّ الأسباب ما يعقل منها وما لا يعقل لم تكن أسبابًا إلّ بتسخير الله تعالى، وأنّ ما يناله باستعملها فهو من فضل ربه الذي سخّرها وجعلها أسبابًا وعلّمه ذلك. وأمّا ما لا يعرف له سببٌ يُطلب به، فالمؤمن يتوكّل فيه على الله وحده وإليه يتوجّه وإيّاه يدعو فيم يطلبه منه. وأمّا ترك الأسباب وتنكّب سنن الله تعالى في الخلق وتسمية ذلك توكّلً، فهو جهل بالله وجهل بدينه وجهل بسننه التي أخبرنا بأنها لا تتبدّل ولا تتحوّل"؛ ولذلك يسمّيه العلمء تواكلً لا توكّلا.

التوكّل عبادة قلبية مقارِنة للعمل

ربّا كان أشدّ الأحاديث صراحة يوضّح هذا الأدب ما جاء عن أنس بن مالك أنّ رجلً جاء على ناقة له، فقال: "يا رسول الله: أدعها وأتوكّل؟ أو أرسلها وأتوكّل؟ فقال عليه السلام: اعقلها وتوكّل". فقد أرشده النبي الكريم إلى أنّ التدبير يسبق التوكّل، وأنّ الاعتمد على الله تعالى لا يتعارض مع اتخاذ الأسباب والاحتياطات اللازمة. فإنّ التوكّل يكون بعد استيفاء الأسباب الظاهرة لا قبلها، ولنا في الرسول الأكرم قدوة حسنة، إذ أعدّ للهجرة إلى المدينة إعدادًا محكمً، وأخذ بكلّ سبب ممكن، واحتاط أشدّ الاحتياط، بل حسب لكلّ احتمل حسابه. وعلى الرغم من ذلك، فقد استطاع بعض فرسان قريش أن يصلوا إلى الغار ويقفوا على بابه يتداولون أمرهم،

59 يوسف القرضاوي، التوكّل (القاهرة: مكتبة وهبة، 1995)، ص 61 -.62 69 رشيد رضا، ج 9، ص.593 79 رواه الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب 60، 2517، وقال حديث غريب؛ ورواه الحاكم في المستدرك، كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر عمرو بن أمية، ج 3، ص.623

أمْوَالكَمُ الَّتِي جعلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ أي قوامًا لأبدانكم".

خاتمة

هذه التوقعات تستند إلى أدلّة وقرائن، أي تستند إلى علم وخبرة. وهذا عددٌ من القواعد التي تتعلّق بغيب المستقبل تُلخّص البحث: ö ö الغيب ما خفي عن مدارك الإنسان. الغيب المطلق ما لا دليل عليه، ولا يعلمه إلّ الله سبحانه. ليس من الغيب ما يُدرك بالدليل. والدليل: وحي، أو عقل، أو تجربة. مبدئيًا يُعدّ الغيب المقيّد قابلً للإدراك البشري.

الخامسة من سورة النساء؛ وانظر: للقرضاوي، ص.65

حتى دخل أبا بكر من ذلك جزعٌ عظيم، لكن الرسول الذي اتّخذ من الأسباب أقصى ما يمكن كان قد توك ل على ربّه وفوّض الأمر إليه، فهو يقول لصاحبه كم جاء في الآية الكريمة: ﴿لَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ معنَا﴾ (التوبة،.)40 فحقيقة التوكّل إذًا، عدم الركون التام إلى الأسباب الدنيوية والغفلة عن خالقها ومدبّرها. ولذلك كان التوكّل –بالدرجة الأولى– عبادةً قلبية، يقول عنها ابن الجوزي: "التوكّل اعتمد القلب على الوكيل وحده، وذلك لا يناقض حركة الأبدان في التعلّق بالأسباب ولا ادخار المال، فقد قال تعالى: ﴿ولَ تُؤْتُوا السُّفهَاءَ

من أهم نتائج هذا البحث أنّ مفهوم الغيب مفهومٌ جدّ مرن، دائم التحوّل والتغيّ، ومن مظاهر هذه المرونة في المفهوم: قبوله عنصر الاحتمل المعرفي. وهذا بعكس النظرة السائدة بين الناس التي تجعل منه معنى جامدًا مقفلً أمام العقل الإنساني تمامًا. بل إنّ هذا الطابع البشري لمفهوم الغيب يسري حتى على الأنبياء. والنتيجة الأخرى هي أنه لا حرج مطلقًا في وضع توقّعاتٍ لأيّ قضية مستقبلية طالما كانت

كم أنّ عقيدة القضاء والقدر في أصلها لا تضاد المستقبلية. إنّ القدر – النظام – من جهة، والإرادة – الحرية – من جهةٍ أخرى، حقيقتان كونيتان؛ وهم أيضًا حقيقتان شرعيتان. فكلِا المبدأين صحيح، لكن يبقى السؤال الفلسفي قائمًا: كيف نفسّ وجودهم معًا؟ يمكننا أن نكتفي في هذا الموضوع بما ثبت من أنّ للإنسان قدرة واختيارًا هم مناط التكليف، وأنه لا شيء يحدث في الوجود إلّ بخلق الله تعالى وإذنه. فالحقيقة الأولى تدفع للاستشراف والعمل، والحقيقة الثانية تُعلّم الإنسان التوكّل على خالقه. وفي العمل يكفي هذا، إذ غاية البحث تطبيقية. ولعلّه تكون في قادم الأيام مشاركات علمية أخرى في الكشف عن وجوه جديدة للاستشراف من منظور إسلامي، فالموضوع واسع جدًّا ويستلزم تضافر الجهود والمقاربات لإثرائه وإنضاجه.

89 أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن بن الجوزي، تلبيس إبليس، ط 1(بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر، 2001، ص) 343؛ والآية

المراجع

المراجع العربية

ابن أبي العز، علي بن محمد. شرح العقيدة الطحاوية، بيروت: مؤسسة الرسالة،.1987 ابن أبي جمرة، أبو محمد الأندلسي. بهجة النفوس، ط 2 بيروت: دار الجيل،،.1972 ابن العربي، أبو بكر. أحكام القرآن، بيروت: دار الكتب العلمية،.1988 ابن تيمية، أحمد تقي الدين. مجموع الفتاوى، الرباط: مكتبة المعارف/ المكتب التعليمي السعودي بالمغرب، د.ت. ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن. تلبيس إبليس، ط 1 بيروت: دار الفكر للطباعة، والنشر،.2001 ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ط 1 بيروت: دار الفكر،،.1993 ابن حزم، علي بن أحمد. الفصل في الملل والأهواء والنحل، بيروت: دار الجيل،.1985 ابن حنبل، أحمد. المسند، القاهرة: المطبعة الميمنية بمصر،.1313 ه ابن رجب، الحنبلي. فضل علم السلف على الخلف، ط 2، القاهرة: إدارة الطباعة المنيرية،.1347 ه ابن رشد، أبو الوليد محمد. الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، ط 2، القاهرة: المطبعة الجملية بمصر،.1910 ابن عاشور، محمد الطاهر. التحرير والتنوير من التفسير، المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، د.ت. ابن عطية، أبو محمد عبد الحق. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، الرباط: وزارة الأوقاف،.1975 ابن كثير، عمد الدين أبو الفداء إسمعيل. تفسير القرآن العظيم، دمشق: دار ابن كثير،.1994 أبو السعود، محمد بن مصطفى العمدي. إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، القاهرة: المكتبة الحسينية المصرية بالأزهر،.1928 أبو داود، السجستاني. السنن، ط 3، بيروت: دار الفكر،.1979 إقبال، محمد. تجديد الفكر الديني في الإسلام، عباس محمود (مترجم)، ط 2، القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر،.1968 الألوسي، أبو الفضل شهاب الدين محمود. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت.

References

الأنصاري، فريد. المصطلح الأصولي عند الشاطبي، القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة،.2010 البخاري، أبو عبد الله. الجامع الصحيح، بيروت: دار الفكر،.1981 __________. صحيح الأدب المفرد، محمد ناصر الدين الألباني (محقق ومعلق)، ط 4، السعودية: دار الصديق للنشر والتوزيع،.1997 بريش، محمد. "حاجتنا إلى علوم المستقبل"، المسلم المعاصر، ع 61 (تشرين الأول/ أكتوبر.)1991 البقاعي، برهان الدين. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، حيدر أباد: دائرة المعارف العثمنية،.1984 البهي، محمد. الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمر الغربي، ط 7، بيروت: دار الفكر،.1991 البيضاوي، ناصر الدين بن عمر. أنوار التنزيل وأسرار التأويل، القاهرة: المكتبة التجارية، د.ت. الترمذي، أبو عيسى بن سورة. السنن، بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت. التفتازاني، سعد الدين. شرح العقائد النسفية، القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية،.1987 التهانوي، محمد علي. كشاف اصطلاحات الفنون، بيروت: دار صادر، د.ت. الحاكم، أبو عبد الله محمد. المستدرك على الصحيحين، ط 2 بيروت: دار الكتب العلمية،،.2002 الرازي، محمد فخر الدين. مفاتيح الغيب، ط 2 بيروت: دار الفكر،،.1993 الراغب، الأصفهاني. مفردات غريب القرآن، القاهرة: المطبعة الخيرية،.1322 ه رشيد رضا، محمد. تفسير القرآن الحكيم، ط 2، بيروت: دار المعرفة، د.ت. الريسوني، أحمد. نظرية التقريب والتغليب، وتطبيقاتها في العلوم الإسلامية، مكناس: دار مصعب،.1994 الزبيدي، محمد مرتضى. تاج العروس من جواهر القاموس، بنغازي: دار ليبيا،.1306 ه السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن. الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، بيروت: دار الفكر،.1981 الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم. الموافقات، الخبُر: دار ابن عفان،.1997 الشعراوي، محمد متولي. الغيب، القاهرة: مطابع دار أخبار اليوم،.1998 الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ط 3، بيروت: دار المعرفة،.1978 عبد الحي، وليد. الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية، ط 2 مراكش: عيون المقالات، دار، تينمل،.1993 العراقي، زين الدين عبد الرحيم. المغني عن حمل الأسفار، ط 2 بيروت: دار الكتب العلمية،،.1992 العمدي، أبو السعود محمد. إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، القاهرة: المطبعة المصرية،.1928

الفيروز أبادي، محمد مجد الدين. القاموس المحيط، القاهرة: مطبعة السعادة، 1326 ه. القاسمي، محمد جمل الدين. محاسن التأويل، ط 1 القاهرة: دار إحياء الكتب العربية،،.1957 القرضاوي، يوسف. التوكّل، القاهرة: مكتبة وهبة،.1995 القرطبي، أبو عبد الله محمد. الجامع لأحكام القرآن، بيروت: دار الكتب العلمية،.1988 القرطبي، أحمد أبو العباس. المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ط 1 دمشق: دار ابن كثير/، دار الكلم الطيب،.1996 الكرمي، مرعي بن يوسف. دفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر، الرياض: دار المسير،.1998 الكفوي، أيوب أبو البقاء. الكليات، بيروت: مؤسسة الرسالة،.1992 المحمود، عبد الرحمن. القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة، الرياض: دار الوطن،.1997 المرزوقي، أبو يعرب. مفهوم السببية عند الغزالي، تونس: دار بوسلامة للطباعة والنشر،.1978 مسلم، بن الحجاج. الجامع الصحيح، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية،.1955 ميارة، محمد بن أحمد. الدر الثمين شرح المرشد المعين، بيروت: دار الفكر، د.ت. النسفي، عبد الله أبو البركات. مدارك التنزيل، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، د.ت. الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، بيروت: دار الكتب العلمية،.1988 الونشريسي، أحمد بن يحيى. المعيار المعرب، الرباط: وزارة الأوقاف المغربية،.1981

المراجع الأجنبية

Bréhier, Emile. Histoire de la philosophie , Tunis: Cérès Editions, 1994 [1 st  Ed. 1930 - 1938, Presses de France]. Burgelin, Pierre. L'homme et le temps , Paris: Editions Montaigne, 1945. Elmandjra, Mahdi. Première guerre civilisationnelle, 2 nde ed., Casablanca: Editions Toubkal, 1993. Faivre, Antoine. L'Esotérisme , Paris: Presses Universitaires de France, 1993. Godet, Michel & de Jouvenel, Hugues, "Avant-propos", Futuribles , no. 71 (November 1983), pp. 3 - 4. Heydinger, Richard B. & Zentner, Rene D. "Multiple Scenario Analysis: Introducing Uncertainty into the Planning Process", New Directions for Institutional Research (Applying Methods and Techniques of Futures Research) vol. 1983, no. 39 (September 1983), pp. 51 - 68.

Hume, David. Enquête sur l'entendement humain , André Leroy (Traduction), Paris: Editions Montaigne, 1947. Masini, Eleonora. Why futures studies? , London: Grey Seal, 1993. Robin, Léon. La pensée grecque, et les origines de l'esprit scientifique, Paris: La Renaissance du Livre, 1923. Toffler, Alvin. Le choc du futur , Paris: Gallimard, 1987. Verdan, André. Le scepticisme philosophique , Paris: Bordas, 1971.