Return to Article Details Future Studies: Problematics and Approaches for Use

دراسات المستقبلات: رؤية في إشكاليات المفهوم ومقاربات التوظيف

Future Studies: Problematics and Approaches for Use

مازن الرمضاني

الملخّص

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تطوّر بالتدريج نمط من التفكير اتّخذ في العموم من المنهجية العلمية سبيلًا لاستشراف المستقبلات. وجرّاء انتشاره في عالمي الشمال والجنوب، وإن بمستويات متباينة، صار هذا التفكير ظاهرة عالمية على مدى واسع وعلى مستويات شتّى للحياة جزئية وكلّية. ومع ذلك، فقد أفضى تعدّد الخلفيات التي ينطلق منها المستقبليون إلى أن تقترن تطبيقات هذا التفكير بإشكاليات أساسية أدّت إلى تباينات مهمّة فيما بينهم. وإذ تتناول هذه الورقة دراسات المستقبلات من منظور إشكاليات المفهوم ومقاربات التوظيف، فهي تسعى على وجه الخصوص إلى المساهمة في تأجيج ثقافة الانحياز إلى المستقبل داخل وطننا العربي، تفكيرًا وتطبيقًا، وخدمة لمستقبل أفضل، ومن ثمّ، الحدّ من الموقف السلبي الذي تتبنّاه شرائح عربية واسعة حيال فكرة الاستعداد المسبق للمستقبل ابتداءً من الحاضر.

Abstract

ملخص:  في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تطوّر بالتدريج نمط من التفكير اتّخذ في العموم من المنهجية العلمية سبيلً لاستشراف المستقبلات. وجرّاء انتشاره في عالمي الشمل والجنوب، وإن بمستويات متباينة، صار هذا التفكير ظاهرة عالمية على مدى واسع وعلى مستويات شتّى للحياة جزئية وكلّية. ومع ذلك، فقد أفضى تعدّد الخلفيات التي ينطلق منها المستقبليون إلى أن تقترن تطبيقات هذا التفكير بإشكاليات أساسية أدّت إلى تباينات مهمّة فيم بينهم. وإذ تتناول هذه الورقة دراسات المستقبلات من منظور إشكاليات المفهوم ومقاربات التوظيف، فهي تسعى على وجه الخصوص إلى المساهمة في تأجيج ثقافة الانحياز إلى المستقبل داخل وطننا العربي، تفكيرًا وتطبيقًا، وخدمة لمستقبل أفضل، ومن ثمّ، الحدّ من الموقف السلبي الذي تتبنّاه شرائح عربية واسعة حيال فكرة الاستعداد المسبق للمستقبل ابتداءً من الحاضر. كلمت مفتاحية:  الدراسات المستقبلية، المناهج، الممرسة Abstract:  After the Second World War, scientific thinking gradually developed a method that was able to forecast possible futures. As a result of the spread of this methodology within the global north and south (albeit to varying extents), it became a widespread and global phenomenon. As a methodology adopted – in whole or in part—worldwide, it came to be developed by thinkers from a variety of backgrounds. Equally, this diversity of backgrounds for the practitioners of forecasting studies led to significant differences in their conceptualization of these approaches. Against this backdrop, this paper examines the field of future studies from the perspective of the problematics of the concept as it developed after WW II, as well as the approaches to its use. The paper aims also to challenge a widespread opposition to futurology and forecasting throughout the Arab world.

الكلمات المفتاحية:
  • دراسات مستقبلية
  • مناهج
  • ممارسة
Keywords:
  • Future Studies
  • Methodologies
  • Practice

رؤية يف إشكاليات المفهوم ومقاربات التوظيف Future Studies: Problematics and Approaches for Use

**Former Professor and Dean of the Faculty of Political Science, University of Mesopotamia (Baghdad), Iraq.

مقدّمة

قد لا نختلف في أنّ التغيير وحركة التاريخ يرتبطان بعلاقة طردية موجبة. فكم أنّ التغيير كان على مرّ الزمان مدخلً أساسيًا وراء ديمومة تدفّق هذه الحركة إلى الأمام، كان تدفّق هذه الحركة مدخلً أساسيًا وراء تسارع معدّل التغيير. وعلى الرغم من أنّ هذا المعدّل قد تباين من موجة حضارية إلى أخرى، فإنّ مخرجاته قد أفضت – مع ذلك – إلى أن تكون أحوال الإنسان والمكان بعد التغيير مختلفة – في العموم – عمّ كانت عليه قبله. إنّ حلول الموجة الحضارية الثالثة، أي المعلوماتية، منذ منتصف القرن الماضي تقريبًا، لم يؤدّ إلى أن يكون معدل سرعة التغيير غير مسبوق فحسب، وإنّا أيضًا إلى أن تتعايش الإنسانية مع عملية تاريخية فريدة في نوعيتها جرّاء الانتشار العالمي لتأثيرها، وشمولية تحدياتها، وانفتاح نهاياتها. وقد سبق أن أطلق أنور عبد الملك عليها في وقته تسمية عملية "تغيير العالم"؛ وكان في تشخيصه دقيقًا، وفي تسميته لها صائبًا. وحيال مخرجات هذه العملية، أدّى تباين التطور الحضاري للمجتمعات الإنسانية إلى أن تتباين أنماط استجابتها للتحديات التي تفرزها هذه المخرجات. ويؤكّد واقع مجتمعات عالم الشمل وجلّ عالم الجنوب هذا التباين. فأمّا عن عالم الشمل، فقد أفضى انتشار إدراك جدوى الارتقاء بالاستجابة الحضارية إلى مستوى تحديات هذه العملية تأمينًا لمستقبل أفضل، إلى أن يأخذ – ومنذ منتصف القرن الماضي تقريبًا – بنمط من التفكير العلمي لإعادة تشكيل العقل، وترشيد القرار والفعل استباقًا واستعدادًا لمفاجآت المستقبل، واستشراف مشاهده البديلة. ويسمّى هذا النمط – عادةً – التفكير العلمي في المستقبل. أما تطبيقاته فهي تندرج تحت مسمّيات متعدّدة، ولا سيم دراسات المستقبلات التي سيصار إلى الإشارة إليها أدناه في هذا البحث. ويشير واقع هذا التفكير في عالم الشمل أنّه صار ظاهرة شاملة تأخذ به جلّ المؤسّسات العامّة والخاصّة، وترعاه جمعيات ومراكز علمية متخصّصة ورصينة، وتحرص جامعات ذات شهرة على تضمينه برامجها التدريسية، ومنح شهادات عليا (ماجستير ودكتوراه) في تخصّص التفكير العلمي في المستقبل.

في اللّغة، يشير الزمن أو الزمان إلى "اسم لقليل الوقت وكثيره وجمعه أزْمَان وأزْمِنَة وأزْمُن". انظر: محمد بن أبي بكر الرازي، مختار الصحاح (بيروت: مكتبة لبنان، 1993)، ص.116 أنور عبد الملك، تغيير العالم، سلسلة عالم المعرفة 95 (الكويت: المجلس الأعلى للثقافة والآداب والفنون، 1985). وتتباين الرّؤى بشأن نوعية العالم التي ستفضي إليه هذه العملية، فثمّة من يقول إنها ستؤدّي إلى عالم أفضل، أو إلى عالم آخر أكثر سوء، أو ما بينهما. انظر: إدوارد كورنيش، المستقبلية: مقدّمة في فن وعلم وفهم وبناء عالم الغد، محمود فلاحة (مترجم) (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1994)، ص.9 يؤكّد زكي الميلاد أنّ هذه المجتمعات "تنبّهت مبكّرةً لما يمكن أن تتركه هذه التغيّات السريعة من مضاعفات شاملة (...) في الوقت الذي كانت فيه هي مسرح تلك التغيرات والطرف المؤثّر فيها (...) بالحركة والتسارع": زكي الميلاد، المسألة الحضارية، كيف نبتكر مستقبلنا في عالم متغير (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1999)، ص.107

وأمّا عن جلّ دول عالم الجنوب، ولا سيم المتأخّرة والمتخلّفة منها، فموقفها من التفكير العلمي في المستقبل لا يتمهى مع الاتجاه العالمي. والشيء ذاته ينسحب علينا، نحن العرب. فقد أفضت مخرجات متغيّات عربية متعدّدة (ثقافية - دينية، واجتمعية -  اقتصادية، وسياسية)، كم يؤكّد وبدقّة خير الدين حسيب وآخرون، إلى "غياب المستقبل عن تصوّراتنا وغياب التنظير (في شأنه) عن إبداعنا". وأدّى هذا الواقع إلى أن يكون انحياز شرائح اجتمعية عربية واسعة إلى الماضي، و/ أو في أحسن الأحوال إلى الحاضر، أعمق تجذّرًا من انحيازها إلى المستقبل. كم أنّ الدراسات المستقبلية العربية، والتي بدأت متأخّرةً وأخذت بالتراجع مبكّرة، اقترنت – في العموم – بحصيلة علمية وعملية كانت متواضعة. ويكفي أن نتذكّر، مثلً، أنّ الحالة التي اقترن بها الوطن العربي في بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي عطّلت الأخذ بمخرجات الدراسة الرّائدة التي أنتجها مركز دراسات الوحدة العربية والموسومة: "مستقبل الأمّة العربية: التحدّيات والخيارات". وفي ضوء ما تقدّم، تنطلق هذه الدراسة من إشكالية محدّدة قوامها أنّ نوعية عموم موقفنا السلبي الراهن من المستقبل، نحن العرب، تفكيرًا وتطبيقًا علميًا، يستدعي التسويق الواعي والمبدع والهادف لثقافة الانحياز إلى المستقبل، وتشجيع التفكير العلمي فيه، فضلً عن دراسته. هذا ليس لأنّ المستقبل هو الزمان الذي سيأتي حتمً، والذي سنعيش فيه نحن وأولادنا وأحفادنا، فحسب، وإنّا لأنه، خصوصًا، الزمان الذي يستطيع الإنسان، وهو يعيش في الحاضر، التدخّل الواعي في عملية تشكيله. ولنتذكّر هنا أنّ المستقبل كان، وسيبقى، صناعة بشرية. وانطلاقًا من هذه الإشكالية تتحدّد غاية هذا البحث التي هي بالأساس معرفية ومركّبة. فهي تسعى من ناحية إلى بلورة رؤية حول إشكاليتين مهمّتين استمرّ الرأي بين المستقبليين يختلف في شأنهم. فبينم تتناول الأولى مفهوم المستقبل في حدّ ذاته، تتعلّق الثانية بالتسميات التي يطلقها المستقبليون على دراساتهم له. ومن الناحية الثانية، يرنو هذا البحث أيضًا إلى تطوير رؤية تربط بين الأنماط الأساسية للتفكير العلمي في المستقبل والمقاربات المنهجية الناجمة عنه والمستخدمة في دراسات المستقبلات. وعليه، سنعمد إلى الإجابة عن التساؤلات التالية: هل يعدّ المستقبل امتدادًا آليًا لدورة الزمان أم صناعة بشرية؟ وما هو المفهوم الأقدر على التعبير عن جوهر الدراسة المستقبلية عمومًا، وعلى الصعيد العربي خصوصًا؟ وما هي الأنماط الأساسية التي يقترن بها التفكير العلمي في المستقبل والمقاربات المنهجية التي نجمت عنه؟

خير الدين حسيب وآخرون، مستقبل الأمّة العربية: التحديات والخيارات (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988)، ص.46

أولّا. إشكاليات التفكير العلمي يف المستقبل

بعد أكثر من خمسة عقود من التطوّر شبه المستمر، أضحى التفكير العلمي في المستقبل حقلً معرفيًا واسع الانتشار، خصوصًا بعد أن امتدّت اهتممات حقول المعرفة الإنسانية والاجتمعية والصرف إلى استشراف مستقبل مواضيع ذات علاقة بها. وتبعًا لذلك، أضحى المجتمع، والذي يحتضن أهل الاهتمم في المستقبل، شاملً للمؤرّخين، وعلمء الأنثروبولوجيا، والسياسة، والاجتمع، والاقتصاد، وإدارة الاعمل، والأحياء، والرياضيات... إلخ. وقد أفضى هذا الانتشار الواسع للمستقبليين، ذوي الخلفيات الثقافية والأكاديمية المتعدّدة، إلى أن يقترن هذا الحقل المعرفي بإشكاليات متعدّدة. وسيتناول بحثنا هذا بعضها، ولا سيم تلك التي اقترن بها تطوّره المعرفي عبر الزمان. وقد عبّت هذه الإشكاليات عن ذاتها في تبنّي رؤى مختلفة لمفهوم المستقبل في حدّ ذاته، وكذلك للتسمية التي تستخدم للدلالة على مضمون الانشغال العلمي به.

إشكالية مفهوم المستقبل

قد لا نختلف في أنّ الزمان، بأبعاده الثلاثة، الماضي والحاضر والمستقبل، يعبّ عن دورة متواصلة ومتجدّدة. ولنتذكّر أنّ الماضي يُفضي إلى الحاضر، والحاضر يتحوّل إلى مستقبل، والمستقبل يعود ليصبح حاضرًا ثمّ ماضيًا، وهكذا تستمرّ هذه الدورة في سيرورتها. فالزمان، في حقيقته، يمضي في رحلة لا تنكفئ، ولا تراوح، ولا تتوقّف. وقد لخّص المستقبلي الأميركي ويندل بيل، خصائص الزمان بقوله: "إنه مستمر، واتجاهي، ومشروط، ولا يقبل التراجع". ويعدّ المستقبل أهمّ أبعاد دورة الزمان، ليس لأنّه سيصبح – عند حلوله – حاضرًا، ومن ثمّ يضحي الزمان الذي سنعيش فيه فحسب، وإنّا لأنّ المستقبل هو وحده الزمان الذي يستطيع الإنسان، وهو في الحاضر، التدخّل الواعي في عملية تشكيله. ومن هنا فإنّه يختلف عن الماضي، والذي يعجز الإنسان عن تغيير حقائقه، لأنه ببساطة لا يعود. ويُعبّ المستقبلي الفرنسي غاستون بيرجي عن اختلاف المستقبل عن

5 ويؤكّد ذلك العديد من المستقبليين. انظر مثل: James A. Dator, "Introduction: The Future Lies Behind. Thirty Years of Teaching Future Studies", in James A. Dator (Ed.), Futures Studies in Higher Education: Advancing Futures (Westport: Praeger, 2002), p. 5. عن اهتمامات العلوم الاجتماعية، وعلم السياسة من بينها، بدراسات المستقبلات، نظر مثلً: Nicholas Rescher, Predicting the Future: An Introduction to the Theory of Forecasting (New York: State University of New York Press, 1998), pp. 199 - 202. Wendell Bell, Foundations of Futures Studies. Human Science for a new Area , vol. 1 (London: Transaction publishers, 1997), pp. 125 - 140.

الماضي بقوله إنّ: "الماضي منغلق ولكن المستقبل منفتح، الماضي هو ردّة إلى الوراء، ولكن المستقبل هو ثورة إلى الأمام". ولأهميته، نتساءل: ماذا يفيد المستقبل من حيث هو مفهوم؟ ابتداءً، تجدر الاشارة إلى أنّ المستقبل كلمة تتداولها الشعوب بكثافة عالية، وعلى شتّى الصّعد والمناسبات، سواء كان هذا التداول واعيًا أو غير ذلك. ويفيد هذا التداول للكلمة والعابر للشعوب معنى لغويًا محدّدًا، يقترن بالغد؛ والغد، وفق تعريف قاموس أوكسفورد الحديث، هو "الزمان القادم بعد الحاضر". ويستخدم العديد من المستقبليين كلمة المستقبل بهذه الدلالة اللغوية. فمثلً، يرى المستقبلي الأميركي جيمس داتوور أنّ "المستقبل هو الحاضر في زمان لاحق". أمّا عند المستقبلية الإيطالية إليونورا ماسيني، فالمستقبل هو "الزمان القادم". ويدركه المستقبلي الأميركي نيكولاوس ريشر، بدالّة "الأشياء الآتية". ويشير المستقبلي الأميركي إدوارد كورنيش إلى أنه "فترة من الزمن لم تحن بعد". ويتمهى مع هذا الإدراك لكلمة المستقبل مستقبليون عرب أيضًا. فمثلً يرى محمود زايد أنّ "المستقبل يشير إلى فترة من الزمن لم تحلّ بعد، وعندما تحلّ تصبح مستقبلً". أمّا محمد خلاف، فالمستقبل عنده هو "الزمن القادم في عملية التغيير". ويذهب وليد عبد الحي إلى القول إنّه: "الآتي بعد الحال، أي أنّه يمثّل الحلقة الأخيرة في السّلسلة الزمنية التي تبدأ بالماضي ويتوسّطها الحاضر". وينتقد زكي الميلاد استخدامات إسلامية، ومن ضمنها عربية بالضرورة، لدالّة كلمة المستقبل، بقوله إنّ: "الذي تمّ التطرّق إليه (...) ليس المستقبل بالمفهوم العلمي، وإنّا بالمفهوم العام (...) [كم أنّ] التعامل مع لفظة المستقبل

8 نقلً عن كورنيش، ص.121 تشير اللّغات اللاتينية والإنكليزية والفرنسية والإسبانية إلى المستقبل بالكلمات التالية، وعلى التوالي: Futurus, Future, Futur and Futuro. 10 Oxford World Power (Oxford: Oxford University Press, 1999), p. 312. 11 James A. Dator, "Futures studies as applied knowledge", in: Richard A. Slaughter (Ed.), New thinking for a new millennium (London: Routledge, 1996), pp. 105 - 115. 12 Cf. Eleonora B. Masini, Why Futures Studies? (London: Grey Seal, 1993), p. 24. 13 Rescher, p. 2. 41 كورنيش، ص.191 51 محمود زايد، "علم المستقبل في وقتنا الحاضر"، الفكر العربي، العدد العاشر، السنة الأولى (نيسان / أبريل 1979)، ص.38 61 هاني محمد خلاف، "المستقبلية بين المنهج العلمي والفكر الشرقي"، مجلة السياسة الدولية، القاهرة، العدد 50 (تشرين الأول / أكتوبر 1977)، ص،.15 71 وليد عبد الحي، الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية (الجزائر: شركة الشهاب، 1991)، ص 8. ويتكرّر هذا الفهم أيضًا في كتابه اللاحق: مدخل إلى الدراسات المستقبلية في العلوم السياسية (عمان: المركز العلمي للدراسات السياسية، 2002)، ص.13

(...) [يجري] بصفتها مجرّد كلمة كغيرها من الكلمت المتداولة بكثافة عالية، وفي الوقت نفسه مفرغة من أيّ مضامين علمية". واتّساقًا مع هذا النقد الموضوعي، والذي يؤكّد أنّ التوظيف العربي الراهن لكلمة المستقبل لا يزال – في العموم – نافذًا، نرى أنّ المستقبل، وإن يُعدّ – موضوعيًا – بمنزلة الحلقة الأخيرة لتعاقب دورة الزمان، إلّ أنّ إدراكه بمعناه اللغوي و/ أو الآلي يبقى ناقصًا وكذلك عاجزًا. فهو ناقص، لأنّ المستقبل يعبّ عن مستلزم وجودي. ويشرح حسن صعب مضمون هذا المستلزم قائلً إنّ: "المستقبل مسؤولية إنسانية خلّقة. فالإنسان هو المستقبل بزمانه ووجوده وتصوّره وإبداعه وسلوكه". ولذا تنطوي رؤية المستقبل من حيث هو مجرّد امتداد آلي لدورة الزمان على إلغاء لقدرة الإنسان على التحكّم في مسار مستقبله عبر صناعته وعلى وفق رؤيته وإرادته الواعية الحرة. فمثل هذا الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتوافر – كم يؤكّد حسن صعب – على قدرة "تجاوز الزمان الذي مضى، والزمان الذي يمضي، والاستعداد للزمان الذي سيأتي (...) [ومن ثمّ يضحي هو] الإنسان الذي يخترع المستقبل، وليس المستقبل هو الذي يخترع الإنسان". وكذلك يتّسم إدراك المستقبل بدالّته اللغوية بقدر عال من العجز. هذا لأنه – مثلً – لا يساعد على معرفة: هل سيستوي المستقبل وتلك المادّة السائلة التي تتقدّم في انسياق متناسق وعلى امتدادها تنتظم الحوادث، ومن ثمّ، يضحي مجرّد امتداد خيطي لمعطيات الحاضر، سواء أكان هذا مشُرقًا أم بائسًا؟ أم أنه سيقترن بمشاهد بديلة يختار الإنسان منها ما يريد؟ وللمآخذ العديدة على إدراك المستقبل بدالّته اللغوية، نرى أنّ الإدراك الحضاري له هو البديل الأجدى والأنفع. وعليه نتساءل: ماذا يعني المفهوم الحضاري للمستقبل؟ لقد أكّد قسطنطين زريق أنّ خاصيتين أساسيتين تزامنتا مع الإنسان عبر مراحل تطوّره الحضاري، ومن ثمّ تمتّعتا بتأثير مهمّ في تحديد موقفه من المستقبل. فأمّا عن الأولى، فهي خاصية التذكّر، بمعنى التلفّت إلى ما كان، أي إلى الماضي. وأمّا عن الثانية، فهي تقترن بخاصية التشوّف، بمعنى التطلّع إلى ما سيكون، أي إلى المستقبل. ورأى زريق "أنّ الأولى تجعل الإنسان محكومًا بالماضي، وأنّ الثانية تفضي إلى أن يكون متحكَّمً به".

81 الميلاد، ص 117. وإلى الشيء ذاته يذهب مثلً: سمير غريب، "أين نحن من دراسات المستقبل؟"، العربي، الكويت، العدد 499 (حزيران / يونيو 2000)، ص.116 91 حسن صعب، المقاربة المستقبلية للإنماء العربي (بيروت، دار العلم للملايين، 1979)، ص.105 0 2 المرجع نفسه، ص.104 12 قسطنطين زريق، نحن والمستقبل (بيروت: دار العلم للملايين، 1977)، ص.18

وتكتسب رؤية قسطنطين زريق صدقية ممتدّة من واقع تباين المواقف التي تتبنّاها جلّ المجتمعات المعاصرة حيال الماضي والمستقبل وما بينهم. فالمجتمعات المتقدمة، وكذلك السائرة في طريق النمو، تتميّز – في العموم – بتوجّه مستقبلي واضح يتجسّد في كثافة انغمسها في التفكير العلمي في مستقبلها وتوظيف مخرجاته لمصلحة ديمومة ارتقائها الحضاري. أمّا سواها من المجتمعات المتخلفة والمتأخّرة، فهي إمّا تلك التي تنتشر فيها رؤى ماضوية تدعو إلى سحب تجربة ما كان (الماضي) على ما سيكون (المستقبل)، أو هي تلك التي تجمع بين التغنّي بالماضي والانكفاء على الحاضر، ومن ثمّ الانشغال بيومها تأمينًا لمتطلّباته الحياتية. على أنّ انتشار مثل هذه الرّؤى لا يعني أنّ هذه المجتمعات تخلو من نخب تدرك، وهي تعيش في الحاضر، جدوى الاستعداد للمستقبل، وتعمد من ثمّ إلى نشر ثقافة الانحياز إليه. إنّ التغني بالماضي و/ أو الانكفاء على الحاضر لا يفيد تجذّر إشكالية المستقبل في الوعي المجتمعي لبعض المجتمعات فحسب، وإنّا كذلك اقتران أنماط سلوكها بخاصية الانتظار السلبي لحلول المستقبل. وقد أكّدت التجربة الإنسانية أنّ هذه الخاصية كانت وراء ديمومة واقع التراجع والتخلّف الحضاري، ومن ثمّ البقاء خارج دائرة صناعة التاريخ، وهو الأمر الذي ينسحب على واقعنا، نحن العرب، حاليًا. على أنّ تبنّي أحد المجتمعات، في وقت محدّد، لهذا الموقف أو ذاك من المستقبل، سلبيًا أو إيجابيًا، لا يعني عدم إمكانية تراجعه عنه في وقت لاحق. فتجربة التاريخ تؤكّد اقترانها بظاهرة التقهقر بعد الارتقاء الحضاري، وكذلك بظاهرة الارتقاء بعد التقهقر الحضاري. وتفيد بذلك – مثلً – التجربة العربية بالمقارنة مع سواها الأوروبية. وعنها يقول حازم الببلاوي: "عندما احتفل العالم بدخول الألفية (الأولى)، كان العرب المسلمون منغمسين في بناء الحضارة والعلوم ومشاركين فاعلين في أسبابها، بمختلف مظاهرها (...) [وفي المقابل] كانت أوروبا ترفل في سبات العصور الوسطى (...) إنّ أوضاعنا (وأوضاعهم) الآن تكاد تكون على نقيض ما كنّا (وكانوا) عليه عند دخولنا الألفية الثانية". ويفيد هذا المثال الصارخ حقيقة موضوعية هي أنّ أبعاد الزمان، وإن تتعاقب آليًا، إلّ أنّ تعاقب الواقع الحضاري لهذا المجتمع أو ذاك، تدهورًا أو ارتقاء، ليس بالضرورة هو الآخر آليًا. فعلى وفق ما يبذله المجتمع، أو لا يبذله، من جهد خلّق في الحاضر، يتحدّد واقعه الحضاري في الزمان اللاحق. ونرى أنّ التقهقر الحضاري بعد الارتقاء يفضي، في العموم، إلى تأجيج الحنين المجتمعي إلى الماضي، خصوصًا عندما تتمّ المقارنة بين الماضي المجيد والحاضر السيّئ. أمّا الارتقاء الحضاري بعد التقهقر فإنّه يحفّز في العموم،

22 حول المدخلات التي أدّت إلى خروجنا من التاريخ، انظر الدراسة الرائدة: فوزي منصور، خروج العرب من التاريخ، ظريف عبد الله وكمال السيد (مترجمان) (القاهرة: مكتبة مدبولي،.)1993 32 حازم الببلاوي، نحن والغرب: عصر المواجهة أم التلاقي (القاهرة: دار الشروق، 1999)، ص.290

ليس فحسب على ديمومة الإبداع والابتكار في الحاضر، وإنّا يدفع أيضًا إلى توظيف مخرجاتهم الإيجابية سبيلً لاستمرار بناء المستقبل الأفضل من الحاضر. وانطلاقًا من حقيقة تعاقب أبعاد الزمان، تفيد التجربة الإنسانية أنّ الارتقاء نوعيًّا بالحاضر، وعلى وفق رؤية واعية وإرادة حرة وهادفة، يعدّ شرطًا لازمًا وأساسيًا لكلّ حركة تاريخية تؤسّس التغيير الحضاري، ومن ثمّ المستقبل الواعد. وعليه، نرى أنّ انتفاء هذا الشرط يفضي إلى انتفاء الدور الحضاري للزمان، وبما يؤدّي إلى بقاء المجتمع أسيرًا لمعطيات تخلّفه، ومن ثمّ خارج صناعة التاريخ، وبما يؤدّي إلى تسهيل استعمر مستقبله من لدُن قوى تسعى لتوظيف مخرجات هذه المعطيات خدمةً لمصالحها بالضرورة. وفي هذا الصّدد، يؤكّد مثلً إبراهيم العيسوي: "إنّ الأمّة التي لا تملك خريطةً للمعالم والتضاريس لهذا العالم سريع التغيير وشديد التعقيد، والتي ليس لديها بوصلة دقيقة تعينها على تجديد مسارها الصحيح على هذه الخريطة، هي أمّة تُعرّض مستقبلها لأخطار عظيمة". ولذا نرى أنّ مهمة الارتقاء نوعيًّا بالحاضر من أجل المستقبل هي مهمّة ذلك الإنسان الذي يستطيع –ثقافيًا – حسم إشكالية التلفّت / التشوّف، أي إشكالية الماضي / الحاضر، لمصلحة الانحياز، تفكيرًا وسلوكًا، إلى المستقبل. وعليه، نتّفق مع تلك الرّؤى المتفائلة التي تؤكّد دور مثل هذا الإنسان. فمثلً يقول أحمد صدقي الدجاني: "إن لم يكن (الإنسان) بإمكانه الوقوف في وجه حركة التاريخ، إلّ أنّه بإمكانه التأثير في تيّار الحوادث المتدفق وتحويله لصالحه". وكذلك يؤكّد، حسن صعب أنّ الإنسان، ولا سيم "الذي يعي وجوده (...) وجودًا زمانيًا [هو] إنسان الوعي الزماني [وأنه من ثمّ هو] الكائن التاريخي الوحيد (...) الذي يخترع المستقبل". وفي ضوء ما تقدّم، وإذا اتفقنا على أنّ كلّ لحظة من لحظات الزمان هي لحظة جديدة، وأنّ صورتها في نفس الإنسان، ولا سيم الإنسان الواعي، لابدّ أن تكون جديدة، عندها يضحي واضحًا أنّ المستقبل لا بدّ أن يعبّ عن صور لا تستنسخ صور الماضي أو الحاضر، وإنّا تجدّدها وترتقي بها حضاريًا. فالمستقبل الذي يعدّ امتدادًا لصور الزمان السابق عليه لا يُعدّ مستقبلً "إلّ من حيث التعاقب الآلي والساكن لأبعاد الزمان ولا غير. وهذا إن حدث، فإنّه يلغي عن الزمان خاصيته الحضارية".

42 أحمد صدقي الدجاني، رؤى مستقبلية للثمانينات (عمان: دار الجليل، 1983)، ص.12 52 صعب، ص 104. ويؤكّد ذلك آخرون. انظر مثلً: محمد بريش، "حاجتنا إلى علوم المستقبل"، المسلم المعاصر، مؤسسة المسلم المعاصر والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، السنة 16، العدد 61 (خريف 1991)، ص 27؛ علي الدين هلال، "التعريف بدراسات المستقبل"، مجلة السياسية الدولية، العدد 75 (كانون الثاني / يناير 1984)، ص.69 62 لذا يدعو مستقبليون إلى رؤية المستقبل على أنّه محصّلة لدور الإنسان في صناعته. انظر مثلً: Wendell Bell, "What do we mean by future studies?" in: Richard A. Slaughter (Ed.), New Thinking , p. 3.

وتبعًا لذلك، يضحي إدراك المستقبل إدراك ا حضاريًا ومجدّدًا لقدرة الإنسان على تحدّي الزمان القادم بكلّ مفاجآته، وهو الإدراك العلمي والعملي في آن. ومن هنا نفهمه – حضاريًا – بدلالة الزمان القادم مجدّدًا للمضي والحاضر على وفق رؤية واعية ومتجدّدة، وإرادة حرّة وهادفة. وإذا ما تمّ إسقاط هذا الإدراك على مستقبل وطننا العربي، أقطارًا وأمّة، يضحي السؤال الآتي مبرّرًا: ما المستقبل الذي نريده نحن العرب؟ في نهاية القرن الماضي، وتحديدًا في عام 1999، دعا زكي الميلاد إلى رؤية، لا نرى أنّ حتى استمرار واقع خروجنا من عملية صناعة التاريخ يلغي جدواها في أن يكون مستقبلنا: "ليس بالضرورة هو المستقبل الذي يريده الآخرون لنا (...) نحن من يجب أن يختار طريقنا إلى المستقبل (...) من الماضي والحاضر (نتعلّم) كيف نبني مستقبلنا، المستقبل الذي يجب أن نذهب إليه، لا أن ننتظره أن يأتي إلينا، لأنّه حينئذ لن يأتي، ولن يأتي. وحينم نقرّر الذهاب إليه، فلن نصل إليه إلّ بالإعداد والتحضير". بيد أنّ مفهوم المستقبل، سواء تمّ إدراكه بمعناه اللّغوي (الآلي)، أو الحضاري، يبقى مع ذلك مفهومًا إشكاليًا. ومم يؤدّي إلى ذلك الآتي؛ فهو – أوّلً – يعبّ، عند لحظة التفكير فيه، عن زمان لم يحن بعد، ومن ثمّ لا وجود له موضوعيًا. وهو – ثانيًا – غير معروف، وهذا جرّاء نقص المعرفة، المؤكّدة أو حتى شبه المؤكّدة، المتوافرة عنه في الحاضر. وهو – ثالثًا – لا يتمثل وتلك الظواهر الطبيعية وسواها التي تتحرّك على هدى أنماط ثابتة ومتكرّرة. ومع أهمية هذه الحقائق، إلّ أنّ تأثير هذه الإشكالية لم يعد حادًّا كم كان. فمجموعة أخرى من الحقائق أدّت إلى تأكّل هذا التأثير، ولكن من دون أن تلغيه، على النّحو التالي: أوّلً، لا يختلف المرء في أنّ المستقبل، في لحظة التفكير فيه، هو زمان لم يحن بعد، بيد أنه قادم حتمً، وهذا جرّاء تعاقب دورة الزمان. وإضافة إلى أنّ عدم حلول شيء لا يلغي جدوى التبصّ به، يعدّ المستقبل – على خلاف الماضي والحاضر – الفضاء الزماني البكر الذي يمكن صوغه ابتداءً من الحاضر، إن توافرت مستلزمات هذا الصوغ، ومن ثمّ تحويل صورة المستقبل المنشود إلى حقيقة موضوعية. ولنتذكّر أنّ المستقبل يعبّ عن مجموعة بدائل يستطيع الإنسان أن يختار منها ما يريد. إنّ الماضي بحقائقه، والحاضر بمعطياته لا يكتسبان أهميّة خاصة، كم يؤك د المستقبلي الأميركي ريشر، إلّ بقدر علاقتهم ببناء المستقبل واستشراف مشاهده. ولأنّ معرفة حقائق الماضي ومعطيات الحاضر صارت متوافرة، ولا سيم في مجتمعات المعرفة، جرّاء توظيف مقاربات

72 الميلاد، ص.135 82 Rescher, p. 2.

منهجية متعدّدة لتوليدها، فقد أضحى توافرها وسهولة الوصول إليها في مثل هذه المجتمعات مدخلً أساسيًّا وداعمً لإجراء دراسة مستقبلية قد تكون ذات صدقية. لم تعد جلّ الدراسات المعاصرة في المستقبل – كم سنرى ذلك أدناه – تجعل من التنبّؤ، القاطع والحازم، محطّ اهتممها، وإنّا صارت تأخذ بفكرة انفتاح المستقبل على عدد من المشاهد البديلة، وهو الأمر الذي دعم استشراف المستقبلات بمدخل مهمّ مضاف. إنّ العديد من المستقبليين يرفضون تبنّي ذلك الخطأ الشائع، والناجم عن إدراك المستقبل بمنزلة الامتداد اللّنهائي للزمان الآتي، لمصلحة رؤية أخرى تدركه بوصفه أزمنة متعدّدة يتباين بعضها عن البعض الآخر من حيث مُددها. ومن هنا يجري الأخذ بتصنيف خمسي لأزمنة المستقبل، يسمّى "تصنيف مينيسوتا"، وبموجبه يضحي المستقبل إمّا مباشرًا ويمتدّ لمدّة عام واحد من الآن، وإمّا قريبًا ويقترن بفترة أمدها خمسة أعوام، وإمّا متوسّطًا ويتراوح مداه من خمسة أعوام إلى عشرين عامًا، وإمّا بعيدًا ويمتدّ على فترة من عشرين إلى خمسين عامًا، وأخيرًا يكون المستقبل غير المنظور عندما يتجاوز مداه نصف قرن أو أكثر. ويفيد اتّجاه أعداد متزايدة من دراسات المستقبلات أنّ زمان المستقبل المتوسّط (من خمسة إلى عشرين عامًا) يكاد يكون لصيقًا بها. ولا يردّ ذلك إلى أنّ معطيات الواقع السائد، هنا وهناك، لا تقبل التغيير الجذري خلال مداها المستقبل المباشر والقريب (من عام إلى خمسة أعوام) فحسب، وإنّا أيضًا إلى أنّ تسارع عملية تغيير العالم تستدعي الأخذ بنمط من التفكير بعيد المدى يمتدّ من زمان المستقبل المتوسّط صعودًا. وبجانب هذا الاتجاه، تكاد تقتصر الدراسات التي تجعل من استشراف المستقبل المباشر أو القريب غايتها الأساسية، على تلك المجالات التي لها علاقة مباشرة إمّا بالمؤسسات التي تضطلع بإشباع الحاجات

92 لقد سبقت الإشارة أعلاه إلى أنّ المستقبل يُدرَك لغويًّا بدلالة الزمن الآتي ولا غير. ومثل هذا الإدراك، والذي يجعل الزمان مفتوحًا ومن دون نهاية، يتماهى مع تلك الرّؤى التي كانت منتشرةً في العصور القديمة. فآنذاك، أدرك المرء استحالة وجود تغيير حقيقي لأبعاد الزمان. انظر: بريش. 0 3 وجاءت هذه التسمية "تصنيف مينيسوتا Minnesota classification(") نسبةً إلى اسم المؤسّسة الأميركية التي ابتكرته. انظر: كورنيش؛ عبد الحي، ص 26. وتُعبّ الكلمات الإنكليزية الآتية عن هذه الأزمنة كما هي على التوالي: Near, Short, Medium, Long and Far Future. 13 لا يقتصر الأخذ بهذا المدى الزماني على دراسات مستقبلية فردية و/ أو مشتركة فحسب، وإنّا يشمل مجالات رسمية حكومية في عالمَيْ

الشمال والجنوب على السواء. ومنها مثلً دراسات عربية عن مستقبل مصر، وسورية، والأردن، والسعودية (مستقبلها الاقتصادي) لعام 2020. ومنها أيضًا دراسات غير عربية من قبيل دراسات مستقبل ماليزيا، والهند، وتركيا، لعام 2020، وتنزانيا لعام 2025، وفنلندا لعام 2015. في تفاصيل هذه الدراسات، انظر: علي صلاح محمود وآخرون، تجارب سابقة في الدراسات المستقبلية (القاهرة: مجلس الوزراء/ مركز الدراسات المستقبلية، 2004)، ص 27 -.90

الآنية والمتغيّة للإنسان، وكذلك بالخطط التنموية الخمسية للدول. أمّا دراسات المستقبل البعيد و/ أو غير المنظور (خمسون عامًا فأكثر) فتعدّ، في العموم، محدودةً مقارنة بسواها.

إشكالية التسمية

حتى نهاية عقد الستينيات من القرن العشرين تقريبًا، أفضى تباين رؤى أعداد من المستقبليين في شأن التسمية التي ينبغي لهم استخدامها للدلالة على تطبيقات التفكير العلمي في المستقبل، إلى انتفاء الأخذ بتسمية موحّدة لهذه التطبيقات. فالتسميات كانت متعدّدة، ولم تحل دون ذلك دعوات المستقبليين الأوائل. فمثلً قال المستقبلي الأميركي كولم غيلفيلان في عام 1907، بتسمية "أحداث المستقبل" (Mellontology). وفي عام 1943، اقترح المؤرّخ والمستقبلي الألماني الأصل أوسيب فليختهايم تسمية "علم المستقبل" (Futurology). وفي عام 1967، دعا المستقبلي الفرنسي برتران دو جوفنيل إلى تبنّي تسمية "المستقبلات الممكنة".)Futuribles(ويرى، إدوارد كورنيش أنّ السبب وراء عدم الأخذ – آنذاك – بتسمية محدّدة كان يكمن في تباين الرّؤى في شأن المضمون المعرفي للانشغال العلمي في المستقبل. فهذه الرّؤى توزّعت بين إدراكه إمّا بوصفه علمً، أو فنًا، أو فلسفة، أو غير ذلك. وتذهب المستقبلية الإيطالية إليونورا ماسيني إلى تفسير هذا التباين على نحو آخر مؤكّدة أنّ السبب يردّ إلى حداثة الانشغال العلمي بالمستقبل، وأنّ الاتفاق على مسمّى محدّد كان يحتاج إلى فسحة من الزمان. إنّ إدراك جمعية مستقبل العالم الأميركية في ستينيات القرن الماضي لجدوى الأخذ بتسمية محدّدة ومتّفق عليها للموضوع المختلف عليه دفعها في عام 1967 إلى استطلاع رأي أعضائها وقرّاء مجلتها "المستقبلي" (Futurist The). وقد أجمعت الأكثرية على الأخذ بتسمية "دراسات المستقبلات" (Studies Futures،) من بين تسع تسميات أميركية وثلاث فرنسية، كانت منتشرةً بين المستقبليين في وقته.

23 ومثالها الدراسة الرائدة عن حدود النمو، وقد تمّت ترجمتها إلى العربية في وقته. انظر: دونيلا ميدوز وآخرون، حدود النمو. تقرير لمشروع نادي روما عن مأزق البشرية، محمد مصطفى غنيم (مترجم) (القاهرة: دار المعارف،.)1976 33 انظر بشيء من التفصيل: كورنيش، ص.481 43 Masini, Why Futures Studies? , p. 55. 53 انظر مثلً: كورنيش، ص.486 63 هذه التسميات هي كالتالي: دراسات المستقبلات، بحث المستقبل، تحليل المستقبل، التنبّؤ، الريادات المستقبلية، علم المستقبل، التكهّنات، المستقبلات المنظورة، والمستقبليات. وترجمتها إلى اللّغة الإنكليزية على التوالي: Futures Studies, Future Research, Future Analysis, Prediction, Futuristics, Futurology, Prognostics, Futuribles, Futurism. ويؤكد محمد بريش (ص 34 - 35) أنّ التسميات الفرنسية كانت: المستقبل المنظور، الرؤية المسبقة، والتخطيط. وهي بالفرنسية على التوالي: Prospective, Prévision, Planification.

ومنذ ذاك الحين وهذه التسمية ("دراسات المستقبلات") تجد انتشارًا مطّردًا بين المستقبليين في العالم. فإضافة إلى مؤسّسات رسمية مستقبلية، جعلتها مؤلّفات ودراسات، وجمعيات، ودوريات علمية، ومراكز أبحاث خاصّة لصيقة بعناوينها الرسمية. وفضلً عن ذلك، أدخلتها العديد من الجامعات في العالم مادّة دراسية علمية ضمن برامجها التدريسية سواء على صعيد الدراسات الأساسية و/ أو العليا، إضافة إلى إتاحة الفرصة للتخصّص الدقيق فيها والحصول على شهادة الماجستير و/ أو الدكتوراه. إنّ انتشار مسمّى دراسات المستقبلات لا يعني أنّ غيرها، سواء كان قديمًا أو حديث النشأة، لا يجد قبولً، ومن ثمّ استخدامًا. فبعد أكثر من خمسة عقود من التطوّر، لم يعد التفكير العلمي في المستقبل احتكارًا ثقافيًا غربيًا. ولنتذكّر أنّ المستقبليين صاروا ينتشرون في العالم، ويعبّون عن رؤى ثقافية رائدة، ويستخدمون مقاربات علمية عديدة، ولهم مساهمت متميّزة، ويطلقون على انشغالهم العلمي بالمستقبل تسميات تتمهى معه. وجرّاء ذلك، لم يستطع العديد من المستقبليين الأميركيين والأوروبيين التغافل عن مساهمت سواهم – من الثقافات الأخرى – في تطوير دراسات المستقبلات. ولذا يقول مثلً ويندل بيل وسواه ما يفيد أنّ على أيّ باحث في تاريخ هذه الدراسات أن يولي مساهمت هؤلاء المستقبليين أولويةً خاصّة. وكم كان الحال قبل تبنّي تسمية دراسات المستقبلات، فكذلك هو الحال الآن، ونحن في بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. فعلى الرغم من الأخذ بهذه التسمية عالميًا، فإنّ ذلك لم يحل دون تبنّي سواها أيضًا، ومثالها الاستشراف (Forecasting)، و/ أو التنبّؤ (Prediction)، و/ أو المستقبل المنظور (Prospective)، و/ أو التخمين (Projection)، و/ أو التكهّن (Prognostic)، و/ أو الاستباق (Anticipation)، و/ أو المستقبلات الممكنة (Futuribles)، و/ أو التبص (Foresight)، و/ أو تحليل المستقبل (Research Future)... إلخ. وتفيد هذه التسميات والمفاهيم التي تعبّ عنها بتباينات مهمّة فيم بينها، مثالها كالآتي: إنّ العديد منها يعبّ عن مضامين مختلف بعضها عن بعض. فمثلً يتباين عندنا مفهوم التنبّؤ بالمستقبل جذريًّا عن مفهوم استشرافه، ولا سيم في نوعية المعطيات التي ينطلقان منها، وكذلك في نوعية أسئلتهم وإجاباتهم عنها. إنّ هذا التباين هو الذي جعل التنبّؤ يُعبّ عن مقاربة كمّية جازمة، والاستشراف عن مقاربة كيفية وكمّية احتملية، ومن ثمّ يخطئ من يدرك أحدهم بدالّة الآخر. ويتمهى الخلط بين المفاهيم مع اتجاه خاطئ آخر يربط غياب شيء أو توافره بغياب

37 Bell, Foundations , p. 70. 83 يؤكّد ذلك كثيرون. انظر مثل: Bell, Foundations , p. 6; Masini, Why Futures Studies? , p. 45.

شيء آخر غيره أو توافره. إنّ العكس هو الصحيح. إذ لا يُشترط – مثلً – اقتران إجراء دراسات مستقبلية في أحد المجتمعات بتوافره على رؤية مستقبلية واضحة، مثلم لا يعني غياب الرؤية المستقبلية الواضحة غيابًا ممثلً للدراسات المستقبلية. وينسحب ما تقدّم – بشقّيه – على واقعنا العربي على سبيل المثال. لا تحظى هذه التسميات – جغرافيًا – بانتشار متمثل على صعيد العالم. فبعضها يحظى إمّا بانتشار أوسع هنا أو أقلّ هناك. فبينم كانت – مثلً – تسمية التكهّن هي الأكثر انتشارًا في الاتحاد السوفياتي السّابق ودول أوروبا الشرقية، استمرت تسمية المستقبل المنظور و/ أو المستقبلات الممكنة بما أنّها الأكثر استخدامًا في الدول الناطقة باللّغة الفرنسية. لم تعد بعض التسميات، ولا سيم تلك التي تميزّت في وقته بكثافة التبنّي، كعلم المستقبل، أو المستقبلية (أو الحركة المستقبلية)، تحظى بالاهتمم الواسع السابق ذاته، إلّ على صعيدين: أوّلهم، استمرار إدراك أعداد من المستقبليين أنّ استشراف المستقبل يستوي والعلم. وثانيهم، أنّ مجموعة من المعاجم استمرّت في تفضيل استخدام تسمية المستقبلية على سواها. وتنسحب أيضًا إشكالية التسمية على التفكير العربي في المستقبل. فجلّ المؤلّفات والدراسات العربية، ولا سيم تلك التي تجعل من كلمة المستقبل لصيقة بعناوينها، تتبنّى – منذ السبعينيات من القرن الماضي – جلّ تلك التسميات التي انتشرت بين المستقبليين في عالم الشمل، ومنها مثلً تسميات علم المستقبل، أو علم الدراسات المستقبلية، أو الدراسات المستقبلية، أو علم حساب المستقبل، أو ريادة المستقبل، أو التحليل المستقبلي، وغير ذلك كثير. وتفيد جلّ هذه التسميات العربية أنها تضفي على الجهد الإنساني الرّامي إلى استشراف مشاهد المستقبل خاصية، لا يتّفق الرأي بين المستقبليين عليها، ألا وهي خاصية العلم. صحيح أنّ دراسات المستقبلات

93 فإضافة إلى أنّ مفهوم علم المستقبل لا يزال يُؤخذ به في عالم الشمال، يأخذ كثير من الباحثين العرب بهذه التسمية أيضًا؛ علمً أنّ كثيرًا من المستقبليين هنا وهناك لا يتّفقون معها. 0 4 قارن ب: Cambridge Learner's Dictionary (Cambridge: Cambridge University Press, 1955), p. 43. 14 انظر مثلً: هادي نعمان الهيتي، إشكالية المستقبل في الوعي العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2003)، ص 30؛ علمً أن كلمة علم المستقبل تتكرّر كثيرًا في هذا الكتاب. 24 انظر مثلً: رحيم الساعدي، المستقبل: مقدمة في علم الدراسات المستقبلية، ج 2 (بغداد: دار الفراهيدي للنشر والتوزيع،.)2011 34 انظر مثلً عنوان كتاب وليد عبد الحي السّالف الذكر: مدخل إلى الدراسات المستقبلية في العلوم السياسية. 44 ينقل أحمد صدقي الدجاني عن زكي نجيب محفوظ استخدامه لهذا التسمية: تجديد الفكر استجابة لتحديات العصر (القاهرة: دار المستقبل العربي، 1996)، ص.48 54 انظر: زريق، ص.85 64 انظر: حسيب، ص 23؛ استخدم حسيب هذا المفهوم بالتزامن مع مفهوم استشراف المستقبل.

تعمد إلى توظيف مقاربات منهجية علمية سبيلً لدعم تميّزها عن أنماط التفكير الإنساني الأخرى في المستقبل: كالتفكير الديني، والفلسفي، والخيال العلمي. بيد أنّ هذا التوظيف لم يؤدّ بهذه الدراسات إلى الارتقاء إلى مستوى العلم، بالمعنى المتعارف عليه. ويفيد قاموس أوكسفورد في هذا الصّدد "أنّ العلم هو كلّ نشاط فكري وعملي يتضمّن الدراسة النظامية لحقيقة عبر استخدام الملاحظة والافتراض والتجريب والبرهنة استنادًا إلى معطيات يمكن التحقّق منها وإثباتها". ولا نرى أنّ العديد من عناصر هذا التعريف تنسحب حاليًا على دراسات المستقبلات. ومع ذلك، يصعب القول إنّ مفهوم الفنّ ينطبق عليها فحسب. وكم نرى أنها تجمع بتوازن بين العلم والفنّ في آن. فهي تُعدّ فنًّا لأنها تسعى إلى التأثير في الإنسان، وهي تُعدّ علمً لأنها تتطلّع إلى إحداث التغيير المنشود، ومن ثمّ المستقبل المرغوب فيه. إنّ اتجاه مستقبليين عرب نحو تبنّي تسميات منقولة عن مستقبليين أميركيين و/ أو فرنسيين خصوصًا، يتناسى أنّ اللغة العربية تتوافر على كلمت تفيد صراحة معنى المستقبل. ويشير أحمد صدقي الدجاني إلى بعضها، ومثالها: الرّؤى، والابتسار، والاستشراف. ويذكر أنّ الرّؤى من رؤية، وهي "إدراك بحساسية وتخيّل وتفكّر وعقل"؛ أمّا الابتسار من البسر، فهو "القيام بالشيء قبل أوانه"؛ وأمّا عن الاستشراف من استشرف، فهو "تحديد النظر إلى الشيء بشكل يجعل الناظر أقوى على إدراكه واستيبانه". وعلى العكس من زمان مضى، يلاحظ أنّ عبارة استشراف المستقبل أخذت بالانتشار عربيًا، ولا سيم على صعيد المؤلّفات والدراسات ذات المضمون المستقبلي، وسواها أيضًا. وقد حاول عدد من المستقبليين العرب تأصيل مفهوم الاستشراف عربيًا. فمثلً، انطلق محمد بريش من المعنى اللغوي لكلمة استشراف لتحديد دالتها المفاهيمية، ومن ثمّ أكّد أنه "النظر إلى القادم ببصر حديد ونظر ثاقب بغية تصوّر الواقع المقبل انطلاقًا من الواقع الحاضر، واستيعابًا لعِبَ الماضي الراحل". وإلى رؤية أخرى، ذهب محمود عبد الفضيل قائلً: "يمكن تشبيه النظرة الاستشرافية بالوقوف على ربوة عالية لاستطلاع آفاق المنظور، كلّ بحسب ما يسمح به ملء بصره وبصيرته. فالجهد الاستشرافي هو نوع من الحدس التاريخي المستند إلى قاعدة علمية". ونحن نميل إلى الأخذ برؤية محمد بريش، لا سيم أنّ مضمونها يتمهى مع ما نراه بشأن دالة مفهوم الاستشراف.

74 معجم أكسفورد للعلم، نسخة إلكترونية، في: http://goo.gl/5Hrpqj وغنيّ عن القول أنّ حقول المعرفة الاجتماعية والإنسانية، ومنها حقل دراسات المستقبلات، لا تكون بالمستوى ذاته الذي تتميّز به العلوم

الصّف والتطبيقية؛ فالثانية لا يشكّل الإنسان مادّتها الأساس، على عكس الأولى. 84 في مناقشة وإجابة مستفيضة عن السؤال "هل دراسات المستقبلات فنّ أو علم؟"، انظر خصوصًا: Bell, Foundations , pp. 165 - 189. 94 الدجاني، ص 56 - 57. ولعلّ الدجاني كان من بين الروّاد الأوائل الذين دعوا إلى الأخذ بهذه الكلمات قدر تعلّق الأمر بالمستقبل. 0 5 بريش، ص.27 15 محمود عبد الفضيل، "الجهود العربية في مجال استشراف المستقبل"، عالم الفكر، المجلد 18، العدد 4 (يناير- مارس 1988)، ص.51

ومن ثمّ، نحن مع استخدام كلمة – ومن ثمّ مفهوم – الاستشراف على صعيد الدراسات العربية المستقبلية، وذلك لعدد من الأسباب، أهمها: أنّ كلمة استشراف هي كلمة عربية أصيلة وذات دالّة مستقبلية واضحة؛ كم أنها تفيد بدالّة تستوي ودالّة مفهوم المستقبل المنظور، والذي ينطوي على معنى أنّ المستقبل مشاهد متعدّدة، والذي يأخذ به أيضًا، لهذا السبب، كثير من المستقبليين في عالم الجنوب؛ أضف إلى ذلك أنّ الاستشراف، وكم يؤكّد المستقبلي الفرنسي ميشيل غوديه وآخرون، "يُحرّر الإنسان من القدرية ويحثّ على الفعل (...) (فهو) يمثّل حقًّا استباقًا يستعدّ للفعل ويستحدث الفعل، يُنير العمل الحاضر في ضوء المستقبلات الممكنة والمأمولة، (والتهيّؤ) للتغيّات المتوقّعة لا يمنع من أن نعمل على إحداث التغيّات المأمولة. كم أنّ الاستعداد للتغيّات المتوقعة لا يمنع من الفعل لإحداث التغيير المرغوب"؛ فضلً عن أنها تتمهى أيضًا مع المضمون الذي يفيده مفهوم دراسات المستقبلات. ويظلّ السؤال: ماذا يقصد بمفهوم دراسات المستقبلات؟ فقد أفضى تعدّد الرؤى التي يحملها المستقبليون في شأن موضوع اهتممهم المشترك، دراسات المستقبلات، إلى أن تتعدّد – بالضرورة – الاجتهادات ذات العلاقة بمفهوم هذه الدراسات. وسنستعرض أدناه بعضها، على سبيل المثال، قبل أن نحدّد ما نراه في شأنها. لقد سبق القول إنّ هذا المفهوم يجد انتشارًا واسعًا منذ أن تمّ تبنّته رسميًّا عام 1967 جمعية مستقبل العالم الأميركية. ويرى مثلًالمستقبلي الأميركي جون ماكهوول أنّ الخصائص التي يتميّز بها هذا المفهوم، ولا سيم انفتاح نهايات معناه، هي التي تقف وراء انتشاره عالميًا. وتبعًا لذلك، يؤكّد أنّ دراسات المستقبلات تعبّ عن ذلك "الحقل الذي يتضمّن كافّة أشكال رؤى المستقبل ابتداءً من مقاربات الخيال العلمي إلى استكشاف الاتجاه". ويدعم المستقبلي الباكستاني الأصل ضياء الدين ساردار مثل هذه الرؤية بقوله بما يفيد أنّ دراسات المستقبلات تنصرف إلى استكشاف كافّة بدائل المستقبل، ومؤكّدًا أنّ مخرجات هذه الدراسات تنطوي على دعم لصنّاع القرار، ولا سيم على صعيد الاستشراف والتخطيط بعيد المدى. وإلى جانب هذه المدركات العامة، يقدّم المستقبلي الأميركي، روي أماره، رؤية ثلاثية قوامها أنّ دراسات المستقبلات تُعبّ، وتبعًا لمخرجاتها، عن ثلاثة مستويات أساسية. فهي ترمي أوّلً إلى استكشاف المستقبلات الممكنة التي تعبّ عن واقع الدراسة المستقبلية بوصفها فنًّا. وثانيًا، المستقبلات المحتملة التي تعبّ عن واقع هذه الدراسة بوصفها علمً. وثالثًا، المستقبلات المرغوبة التي تؤشّ تلك

25 ميشيل غوديه؛ فيليب دوران؛ قيس الهمامي، الاستشراف الاستراتيجي للمؤسّسات والأقاليم، محمد سليم قلالة وقيس الهمامي (مترجمان) (باريس: الكونسرفاتوار الوطني للفنون والحرف، 2009)، ص 24،.27 35 John McHall (Ed.), "The Emergence of Future Research", in: Jib Fowles, Handbook of Future Research (London: Greenwood Press, 1978), p. 8. 54 Quoted in: Masini, Why Futures Studies? , p. 16.

القرارات والسياسات التي ينبغي اتخاذها سبيلً لتحقيقها. وتتمهى هذه الرؤية، وأمثالها، مع تلك التي قال بها أصلً ويندل بيل، والتي تؤكّد أنّ دراسات المستقبلات تنصرف أساسًا إلى استشراف تلك المستقبلات الممكنة، والمحتملة، والمرغوب فيها التي سيقترن بها الزمان في إحدى محطّات سيرورته المتدفّقة إلى الأمام. ولا تختلف – في العموم – رؤى مستقبليين عرب عن سواهم. فم عدا الذين يأخذون بمفهوم استشراف المستقبل، يحمل البعض الآخر رؤى متنوعة لمفهوم دراسات المستقبلات، بعضها محدد، وبعضها الآخر عام. وتكفي الإشارة إلى بعضها وبنوعيها. فمثلً، يرى وليد عبد الحي أنها تستوي "(و) العلم الذي يرصد التغيير في ظاهرة معيّنة ويسعى لتحديد الاحتملات المختلفة لتطوّرها في المستقبل وتوظيف ما يساعد على ترجيح احتمل على غيره". ويفهم فاروق عبده وأحمد عبد الفتاح هذه الدراسات على أنّها "جهد علمي منظّم يرمي إلى صوغ مجموعة من التنبّؤات المشروطة التي تشمل المعالم الرئيسة لأوضاع مجتمع ما، أو مجموعة من المجتمعات، عبر فترة زمنية مقبلة، تمتدّ قليلً لأبعد من عشرين عامًا، وتنطلق من بعض الافتراضات الخاصّة في شأن الماضي والحاضر لاستكشاف أثر دخول عناصر مستقبلية في المجتمع". وكذلك يرى عبد الباسط عبد المعطي في دراسات المستقبلات أنها "ممرسة فكرية معرفية بحثية إبداعية، تقوم على الملاحظة والوعي، لتقويم ترابط وتفاعل الممكنات الحاضرة للنمو – حاضنة المستقبل – في سياقها البنائي الأوسع (...) لاشتقاق المرغوب فيه ممّ هو ممكن، ومن عدّة بدائل يمتزج في بنائها وصوغها العلم بالخيال بالإبداع، ويمدّ البصر والبصيرة للأمام". ومن ثمّ نرى أنّ كثيرًا من الرّؤى صارت تتّخذ من فكرة ثلاثية المشاهد، والتي قال بها ويندل بيل، أساسًا لها، وإن بصيغ لغوية مختلفة، وهو الأمر الذي نرى أنه يفيد احتمل اتجاه مدركات المستقبليين في شأن الدلالة المعرفية لدراسات المستقبلات إلى التمحور حولها. وفي ضوء ما تقدّم من رؤى، ومن ضمنها رؤى عربية، عن دالّة مفهوم دراسات المستقبلات، من الضروري، قبل أن نحدّد ما نراه في شأنها، الإشارة إلى أنّ تحديد دالّة هذه الدراسات لا يستطيع أن يكون بمعزل

55 Cf. Roy Amara, "The Futures Field: Functions, Forms and Critical Issues", Futures , vol. 6, no. 4, pp. 289 - 290. 56 Cf. Wendell Bell, "Making People Responsible: The Possible, The Probable and The Preferable", in: Dator, Futures Studies , pp. 33 - 53. 75 حسيب وآخرون، ص 40-38؛ إبراهيم العيسوي، "استشراف المستقبل العربي، التجربة المصرية: مصر عام 2020"، في: أحمد يوسف أحمد وآخرون، النظام العربي وآفاق المستقبل (عمان: مؤسسة عبد الحميد شومان، 2002)، ص.101 85 عبد الحي، ص.33 95 فاروق عبده فليه وأحمد عبد الفتاح زكي، الدراسات المستقبلية: منظور تربوي (عمان: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، 2003)، ص.17 0 6 عبد الباسط عبد المعطي، "الدراسات المستقبلية المتطلبات والجدوى العلمية والمجتمعية"، مجلة مركز الوثائق والدراسات الإنسانية، العدد 4 (1992)، ص.58

عن نوعية الإطار الفلسفي الذي يتبنّاه الباحث حول احتملات المستقبل. وفي هذا الصّدد ترى ماسيني أنّ ثلاث رؤى فلسفية تتحكّم في كيفية إدراك المستقبل: تتأسّس الأولى على فكرة أنّه "ثمّة شيء يتغيّ" (changing is Something)، ولذلك تنطلق من حقائق الماضي ومعطيات الحاضر لاستشراف ما يعدّ ممكنًا وكذلك محتملً ضمن إطار ممكنات الحاضر. أمّا الثانية فتتأسّس على فكرة أنّه "ثم ة شيء يجب أن يتغيّ" (changed be must Something)، وهي بذلك تسعى انطلاقًا من رؤية محدّدة للمستقبل إلى تحقيق ما يعدّ مرغوبًا فيه. وأمّا الرؤية الثالثة فتنطلق من فكرة أنّه "ثمّة شيء يقبل التغيّ" (changed be can Something). وبذلك تجمع ماسيني بين الرّؤى الممكنة والمحتملة والمرغوب فيها للمستقبل في آن معًا. ومن ثمّ نفهم، دراسات المستقبلات بدالّة تلك الرؤية التي تنطلق من حقائق الماضي ومعطيات الحاضر وترمي، مستخدمةً مقاربات كيفية وكمّية، إلى استشراف مشاهد المستقبل الممكنة و/ أو المحتملة الكامنة في عالم الاحتملات سبيلً لدفع الإنسان، وهو في الحاضر، إلى القيام بتلك الافعال التي تُفضي حصيلة مخرجاتها إلى بناء المستقبل المرغوب فيه. وفي بحثنا هذا، سنعمد إلى استخدام مفهومَيْ استشراف المستقبل ودراسات المستقبلات على نحو متداخل، ذلك أنهم يفيدان، عندنا، المعنى ذاته.

ثانيًا. العلاقة بين أنماط التفكير يف المستقبل ومقاربات التوظيف المنهجية

لقد أفضى التطور الذي مرّ به استشراف المستقبل خلال أكثر من خمسة عقود إلى أن يقترن التفكير في المستقبل بتحوّل مهمّ في مضامينه الفلسفية، انعكس على نوعية المقاربات المنهجية التي استخدمت في دراسته. وفي أدناه سنتناول هذه المضامين، ومن ثمّ، انعكاساتها المنهجية. فخلال سنوات ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أخذ العديد من المستقبليين، وخصوصًا منهم الأميركيين، برؤية فكرية غربية قديمة تستوي ومفهوم الحتمية التاريخية. ويقول إدوارد كورنيش أنها نبعت من فكرة أنّ المستقبل ينشأ في الماضي ويكون – في الوقت ذاته – محكومًا به. وتبعًا لها، قيل إنّ التطور التاريخي لموضوع يفضي إلى اقترانه باتجاه (بمعنى مسار) محدّد، وأنّ هذا الاتجاه، في حالة ديمومته، هو الذي سيجعل من صورة مستقبل هذا الموضوع امتدادًا لصورته في الماضي ولا غير. ولأنّ هذه الرؤية، وكم يؤكّد خير الدين حسيب وآخرون، تدرك "المستقبل (وكأنه) قدر محتوم قد تحدّد سلفًا

61 Eleonora B. Masini, "Reconceptulising Futures: A Need and a Hope", at: http://goo.gl/h10THt 26 انظر: كورنيش.

(...) (فإنّ) كلّ المطلوب هو الكشف عنه فيم يشبه النّبوءة التي يستسلم لها البشر". لذا كان التنبّؤ هو المقاربة المنهجية التي استُخدمت للكشف عن صورة هذا المستقبل الواحد والحتمي. ولأنّ هذه المقاربة كانت – في وقته – الأكثر استخدامًا بين المستقبليين، لا سيم الأميركيين منهم، جاءت جلّ دراساتهم انعكاسًا لها، وبعناوين تحمل بين طيّاتها كلمة المستقبل بصيغة المفرد (Future The). ولا يزال عدد من المستقبليين يتبنّى هذا الاستخدام. فمثلً، يؤكّد المؤرّخ والمستقبلي الأميركي فارن فاكر "إنّ المستقبل كالماضي؛ فكلاهم واحد"، بمعنى أنهم يُعبّان عن صورة واحدة. على أنّ هذه الرؤية الحتمية والأحادية للمستقبل تراجعت بالتدريج لمصلحة تبنّي الرؤية الفرنسية له. فقد أقرّت هذه الرؤية، متأثّرةً بالفلسفة الوجودية، بأنّ المستقبل لا يقبل الانغلاق على صورة حتمية واحدة، وإنّا يتميّز بالانفتاح على صور (بدائل) متعدّدة قابلة للاستشراف. وفي هذا الصدّد، يقول ميشيل غوديه "إنّ كلّ شكل من أشكال التنبّؤ هو بهتان. فالمستقبل متعدّد وغير محدّد وهو مفتوح على تنوّع كبير من المستقبلات الممكنة". ويعدّ مفهوم المستقبل المنظور الذي ابتكره المستقبلي الفرنسي غاستون بيرجي، أحد مرتكزات الرؤية الفرنسية. ولأصالتها، يؤكّد إدوارد كورنيش أنها عُدّت "تحوّلً مهمًّ في وجهة النظر الغربية المعتادة عن المستقبل". وقد دعمت فكرتان أساسيتان، مترابطتان ومتفاعلتان، الأخذ بهذه الرؤية: فكرة رفض استعمر المستقبل، وفكرة استرجاع المستقبل. أمّا عن الفكرة الأولى، تقول إليونورا ماسيني عن مضمونها الآتي: "إننا إذا فكّرنا في المستقبل بصيغة المفرد، وتصرّفنا على وفق ذلك، فإننا نحدّد صورة هذا المستقبل ليس لنا فحسب، وإنّا بصورة غير مباشرة لغيرنا أيضًا". ويؤكّد داتوور الأمر ذاته، وإن بصورة عامّة، وذلك في معرض تناوله الفرق بين مفهوم دراسات المستقبلات ومفهوم المستقبلية، أو الحركة المستقبلية.

36 حسيب وآخرون، ص.74 46 Warren W. Wager, "Past and Future", in: Dator, Futures Studies , p. 85. 56 غوديه وآخرون، ص.40 66 كورنيش. 76 حول فكرة استعمار المستقبل، انظر خصوصًا وبشيء من التفصيل: Ziauddin Sardar, "Colonising the Future. The Other Dimension of Future Studies", Futures , vol. 25, no. 3 (April 1993); Ziauddin Sardar, "The Problem of Future Studies", in: Ziauddin Sardar (Ed.), Rescuing all Our Futures. The Future of Futures Studies (Westport: Praeger Studies on the 21 st Century, 1999). 86 حول فكرة استرجاع المستقبل، انظر خصوصًا وبشيء من التفصيل: James A. Dator, "Decolonizing the Future", in: Andrew Spekka, The Next 25 years: Crisis and Opportunities (Washington D.C.: World Future Society, 1975). 69 Masini, Why Futures Studies? , p. 8.

فهو يرى أنّ الأخيرة معنيّة أصلً بتحقيق مستقبل من نوع واحد، وبمضمون تحدّده أهداف الذين يعمدون إلى تسويقه. وانطلاقًا من رؤية أقلّ عمومية، أدرك مستقبليون عرب أنّ تسويق مفهوم المستقبل الواحد ينطوي على نزوع يرمي إلى فرض أنموذج ثقافي - سياسي محدّد على العالم، ومن ضمنه الوطن العربي. ففي سياق تناوله لدراسات مستقبلية غربية تناولت مستقبل العرب، يقول سعد الدين إبراهيم: "إنّ النتائج التي توصّلت إليها (هذه الدراسات) لا يمكن أن تمثّل استشرافًا لأبعاد مستقبل الوطن العربي وبدائله بالمعنى الذي يسمح بإذكاء وعي الإنسان العربي (...) واشتقاق سياسات تكون بمنزلة قوة الدفع لتنمية شعوب هذه المنطقة (...) فقد كانت القضايا المعالجة والبدائل المحسوبة محكومة دائمًا بإطار المصالح المهمة لمن (...) (قام بهذه الدراسات)". وأمّا عن الفكرة الثانية: استرجاع المستقبل، فقد قال بها، ولأول مرّة في وقته، المستقبلي العربي المغربي المرحوم المهدي المنجرة، والتي من خلالها دعا دول الجنوب إلى استنهاض قدرتها الكامنة من أجل صناعة مستقبلها على وفق إرادتها، والمشاركة في بناء عالم لا يقترن مستقبله بصورة واحدة (تعبّ عن مصالح الدولة الأكثر تطوّرًا)، وإنّا بصور متعدّدة. وجرّاء كون نوعية الرؤية الفرنسية للمستقبل متفاعلة مع الرفض لفكرة استعمر المستقبل، والاستجابة لفكرة استرجاع المستقبل، أضحت رؤية المستقبل، والتي تقترن بمشاهد متعدّدة، هي الرؤية شبه السائدة بين المستقبليين حاليًا. وفي هذا الصدد تقول، مثلً، ماسيني: "إنّ من بين المبادئ التي يتفق عليها عموم المستقبليين، مبدأ عدم إدراك المستقبل بدالّة المفرد، وإنّا بصيغة الجمع". ويدعم ويندل بيل تأكيد ماسيني بقوله: "إنّ المستقبل مشاهد (...) متنوعة؛ فهي إمّا ممكنة، أو محتملة، أو مرغوب في صيغها". ولا يختلف مستقبليون عرب عن سواهم بشأن إدراك المستقبل بوصفه مشاهد متعدّدة. فمثلً، يقول خير الدين حسيب وآخرون، إنّ الرؤية الأحادية للمستقبل تجافي أصلً "الحركة الدينامية للمجتمعات وتلغي عنها (...) صفتها الأساسية (وقدرتها) على التغيير والتكيف والرفض"، ومن هنا يؤكّد أنّ المستقبل: "ليس قدرًا تحدّده مسبقًا قوى غيبية غير معلومة وغير قابلة للتطويع وإنّا (...) هو بدائل متنوعة (...)

70 Dator, Futures Studies , p. 7. 17 إبراهيم سعد الدين وآخرون، صور المستقبل العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1982)، ص.28 27 Quoted in: Masini, Why Futures Studies? , p. 12. وكذلك انظر: بريش، ص.48 37 Masini, Why Futures Studies? , p. 8. 74 Bell, "Making People Responsible", pp. 33 - 52.

يمكن تحليلها والتعامل معها بالتعديل والتغيير". وإلى التصوّر ذاته يذهب أيضًا محمود عبد الفضيل، قائلً: "ليس هناك مستقبل واحد (...) وإنّا هناك عدة مستقبلات بديلة". ونحن نتّفق معهم. إنّ تحوّل رؤية المستقبل من صيغة المفرد إلى صيغة الجمع، وإن يردّ إلى تأثير متغيرات أساسية، ومثالها تأثير تنامي عدم اليقين الهيكلي جراء تسارع معدل التغيير في العالم، فضلً عن الاتجاه نحو إيلاء دور المتغيرات النفسية في خيارات الإنسان، وهو في الحاضر أولوية عالية، بيد أنّ هذا التحوّل أدّى أيضًا إلى تحوّل بالتدريج في الرؤية لطبيعة المدخلات التي تفضي إلى تشكيل المستقبل، فضلً عن تطور المقاربات المنهجية لدراسات المستقبلات. فأمّا عن الرؤية المتعلقة بمدخلات تشكيل المستقبل، فهذه أضحت – بمرور الزمان – تجمع بين أربعة مدخلات أساسية ومتفاعلة وهي على التوالي:

الإنسان التعرّف إليها عبر توظيف مقاربات كمّية. الحوادث الكبرى في الحاضر التي من المحتمل أن تنطوي على تأثير في المستقبل.

المستقبل انعكاسًا لها. الأفعال التي يقوم بها الإنسان، أو لا يقوم بها، وهو في الحاضر. وعليه، في الوقت الذي لا تنكر رؤية المستقبل، كمشاهد متعدّدة، تأثير المعطيات الموضوعية كالاتجاهات والحوادث الكبرى في تشكيل المستقبل، وبعضها يقع خارج السيطرة الإنسانية، إلّ أنها تؤكّد أيضًا، وفي المقابل، أنّ للصور الذهنية، وما ينجم عنها من أفعال، تأثيرًا لا يقلّ أهمية عن تأثير المعطيات الموضوعية. ونحن نتّفق مع هذا الرأي. ولنتذكر أنّ تصنيف المجتمعات، إلى ماضوية أو مستقبلية أو ما بينهم، مردّه تأثير نوعية هذه الصور الذهنية في دفع المجتمعات التي تأخذ بها إمّا إلى التغنّي بالماضي، أو الاهتمم بالحاضر، أو العمل الإبداعي من أجل المستقبل. وإدراكًا لتأثيرها، يؤكّد مستقبليون أنّ دراسات المستقبلات صارت تولي هذه الصور الذهنية اهتممًا متزايدًا. فمثلً، يقول داتوور: "نحن معنيون بالتعرّف إلى الصور الذهنية التي يحملها الأفراد، وتفسير لماذا يتوافر بعضهم على صور محدّدة

57 حسيب وآخرون، ص.49 67 عبد الفضيل، ص.51

87 وقد قال بهذا التقسيم عبد الحي، ص.13 - 12

الاتجاهات الممتدة من الماضي إلى الحاضر، والتي من المرجّح أن يقترن بها المستقبل، ويستطيع

الصور الذهنية التي يحملها الإنسان و/ أو المجتمع والتي تفضي إلى أن تكون أنماط سلوكه حيال

77 Dator, Future Studies , pp. 8 - 12.

(للمستقبل) من دون غيرها؟ وكذلك كيف تدفع (أنماط سلوكهم، سلبيًا أو إيجابيًا) بالمجتمع إلى تبنّي هذه الصورة أو تلك". وإلى جانب ما تقدّم، تبلور اهتمم آخر يكمّل أعلاه، هو الخيار الإنساني. وعنه يقول ويندل بيل ما معناه أنّ هذا الخيار هو الذي يفضي إلى جعل الإنسان مسؤولً عن أفعاله وواعيًا بمخرجاتها، ولا سيّم أنها قد تؤدّي إلى تحويل صور المستقبل من محتملة إلى ممكنة، ومن ثمّ إلى مرغوب فيها. ويؤكّد المستقبلي الأميركي بيتر بيشوب هو الآخر أهمية دور الخيار الإنساني في صناعة المستقبل، بيد أنه يتناوله من منظور آخر؛ إذ يقول عنه إنه: "أحد الأسباب التي تجعلنا ندرك أنّ المستقبل لا يقبل التنبّؤ". ولتوضيح منظوره هذا، ذهب إلى ما يفيد أنّ الإنسان، إذا كان يتمتع بحرية الخيار، فإنّ هذه الحرية لا تُسهّل عملية التنبّؤ بما قد يقدم عليه من أفعال. أمّا إذا كان لا ينعم بهذه الحرية، فهو أصلً لا يختار، وبمحصّلة تفضي إلى الشيء ذاته. بيد أنه أضاف وبما يفيد أنّ الانجازات الكبرى التي تحققت هنا وهناك، لم يكن السحر مردّها، وإنّا الإصرار الإنساني عليها عبر جهد امتدّ على زمان طويل. ومن هنا جاء تأكيده لجدوى اقتران الخيار الإنساني بأهداف كبرى بعيدة المدى وعزيمة على تحقيقها. وأمّا عن تطوّر المقاربات المنهجية لدراسات المستقبلات، فغنيّ عن القول أنّ إدراك المستقبل، بدلالة المفرد، قد نجم عن منطق محدّد، واستخدم مقاربات تتمهى معه. فأمّا عن المنطق، فمفاده، وكم تمّت الإشارة إليه أعلاه، أنّ المستقبل يعدّ في الحصيلة امتدادًا للاتجاهات الأساسية التي تفرزها حقائق الماضي ومعطيات الحاضر، سلبيًا أو إيجابيًا. ومن هنا كان هذا المنطق استطلاعيًا / اتجاهيًا، وبغاية نهائية مفادها التنبؤ بصورة المستقبل. وتعمد المقاربات المنهجية التى نبعت من هذا المنطق، إلى الأخذ بآلية تلتقي، على الرغم من التفاصيل، عند الآتي: أوّلً، تتبّع ماضي موضوع الاهتمم لتحديد الاتجاه الأكثر وضوحًا وأهمية، الذي اقترن به في ماضي الزمان؛ ثمّ ثانيًا، إسقاط هذا الاتجاه على المستقبل، ولا غير. ومن أجل ذلك تستخدم هذه المقاربات عادةً أدوات كمّية، كالبيانات الرقمية، والحسابات الرياضية، والقياس، والمعادلات، والنمذج، إلى غير ذلك. ومن بين أبرز هذه المقاربات، مقاربة تحليل الاتجاه (Analysis Trend) التي أفضى تطوّرها عبر الزمان إلى اقترانها بعدد من التفرّعات المهمة. وتعدّ مقاربة استقراء الاتجاه (Extrapolation Trend،) بمستوياتها المتعدّدة، الأكثر انتشارًا، خصوصًا على صعيد الدراسات المستقبلية ذات المضامين الديموغرافية،

79 Dator, Future Studies , pp. 8 - 11. 80 Bell, Foundations , p. 175. 81 Peter Bishop, "What Are Futures Studies?", at: https://goo.gl/n9GCvz 82 Ibid. 38 ويستعرض وليد عبد الحي مضامين هذه المقاربة التي يسميها بالتنبؤ الاستقرائي. انظر كتابه، ص.105 - 103

والاقتصادية، والتكنولوجية وسواها. ولعلّ أحدث هذه التفرّعات، هي المقاربة المسمة "التنبّؤ القائم على القواعد).Rule-based Forecasting(" وعلى الرغم من استمرار توظيف هذه المقاربات، على المستويين الجزئي والكلي، إلّ أنها منتقدة. فمثلً، قيل إنّ توظيف هذه المقاربات، بكفاءة، يشترط توافر معلومات شاملة ودقيقة ليس فحسب عن تلك المتغيّات، التي أفضت مخرجاتها إلى اقتران ثمّة موضوع باتّجاه محدّد، وإنّا أيضًا عن مدى توافر ثمّة مؤشّات، في الحاضر، تفيد باحتملية امتداد تأثير هذه المتغيرات إلى المستقبل، فضلً عن استمرار نوعيته أيضًا. ولذا أكّد المستقبلي الأميركي تيودور كاردن أنّ ضآلة توافر مثل هذه المعلومات والمؤشّات، في الحاضر، لابدّ أن تفضي إلى أن تكون المخرجات الناجمة عن هذه المقتربات إمّا خاطئة، أو مضلّلة، أو غير ذات صلة. مع ذلك نرى أنّ المقاربات الكمية تبقى مجدية، ولا سيم على تلك الصّعد التي تقبل القياس، كالسكان، والدخل القومي، واستهلاك الطاقة، وما شابه ذلك. بيد أنها، ولوحدها، لا تصلح لدراسة مستقبل ظواهر اجتمعية و/ أو إنسانية، وهو الأمر الذي أدّى إلى دعم فكرة فرنسية الأصل قالت بانفتاح المستقبل على مشاهد متعدّدة، وعلى نحو جعل حاليًا مقاربة التنبّؤ بالمستقبل خارج جلّ اهتممات دراسات المستقبلات، كم تمّ ذكره في أعلاه. ويؤكّد ذلك مثلا داتوور بقوله أنّ هذه الدراسات لم تعد: "تنصرف إلى التنبّؤ بالمستقبل". وإلى الشيء ذاته يذهب مستقبليون عرب. فمثلا، يؤكّد ابراهيم العيسوي: "ليس الهدف [من دراسات المستقبلات هو] الإنباء بالمستقبل بمعنى تقديم تنبّؤات غير شرطية وغير احتملية بالحوادث المستقبلية [وإنّا يكمن الهدف في تقديم] (...) مقولات شرطية واحتملية". إنّ تحوّل التفكير في المستقبل من أحادي المشهد إلى تعدّدية المشاهد أفضى إلى الأخذ بمقاربات منهجية تتمهى وهذه التعدّدية. وهذه تكمن في المقاربات الاستهدافية/ المعيارية (Normative Approaches). وتختلف هذه المقاربات عن سواها، ولا سيم الكمية، على صعيدين أساسيين هم: منطقها الذي تمّت الإشارة إليه أعلاه، وآلياتها. فالمقاربات المعيارية تتمحور – في العموم – حول الآتي: أولً، تصميم صورة المستقبل المرغوب فيه. ومن أجل ذلك تذهب إلى الأخذ بآليات متعدّدة كالحدس، و/ أو الافتراض، و/ أو التقييم الشخصي، وما شابه ذلك من أدوات كيفية؛ وثانيًا، الأخذ بآلية "الرجوع

84 Rescher, pp. 98 - 99. 85 Theodor J. Gordon & Jerom C. Glenn, "Integration, comparison, and Frontier of Futures Research Methods", AC/UNU MillenniumProject, at: http://goo.gl/eR89qm وكذلك كورنيش، ص.216 68 Dator, Futures Studies , p. 7. 78 العيسوي، ص.106

إلى الحاضر" (Backcasting) التي تفيد بتخيّل صورة المستقبل المرغوب فيه، ثم الرجوع إلى الحاضر للبحث عمّ يؤدّي إلى تحقيق هذه الصورة المنشودة، ومن ضمنه الدعوة إلى الأخذ بسياسات محدّدة. وتفيد مضامين المقاربات المعيارية أنها من نوعين: بالغ التبسيط، وشديد التعقيد. فأمّا الأول، فهو يكمن في استطلاع رأي أحد الخبراء، أو مجموعة منهم، في شأن مستقبل موضوع، أو أحد جوانبه. ولا تجد هذه الآلية قبولً لدى المستقبليين المحترفين. ويفسر إدوارد كورنيش السبب بقوله "إنّ الرأي الواحد قد يكون مضلالً أو منحازًا". وتأثّرًا بآلية الاستشراف عبر الخبير (أو الخبراء)، تمّ تطوير آلية أخرى عمدت إلى استبدال الخبراء بالرأي العام المحلي لاستطلاع أفضلياته في شأن المستقبل، وذلك عبر طرح أسئلة محدّدة، وتكرار طرح الإجابات عليه حتى يتمّ الوصول إلى نوع من الإجمع على أفضلية محدّدة في شأن المستقبل. وتنطوي هذه الآلية على إيجابيات قوامها دمقرطة عملية الاستشراف، بيد أنّ سلبياتها تتمهى والمأخذ على مقاربة الاستشراف عبر الخبراء، والتي تتميّز بسطحيتها وافتقارها للموضوعية والدقّة العلمية. أما النوع الثاني من المقاربات المعيارية، فهو الذي يقترن بإجراءات منهجية تتميّز بقدر عال من التعقيد. ومثالها مقاربة تقنية دلفي. فهذه التقنية تعمد إلى استخلاص آراء عدد من الخبراء في شأن مستقبل موضوع عبر عملية أساسها تكرار التفاعل الهيكلي غير المباشر بين الخبراء وعلى وفق جولات متعاقبة زمانًا ومتجدّدة مضمونًا، هذا سبيلً لتأمين إجمع كافّة الخبراء أو أغلبهم، على رأي محدّد في شأن الصور البديلة لمستقبل موضوع الاهتمم. ويعدّ الاستشراف الكيفي – هو الآخر – مجديًا، وخصوصًا عندما يتمّ تطبيقه على مواضيع لا تقبل الاستشراف الكمّي، كالصّاعات والحروب الأهلية والدولية. بيد أنّ الأخذ بآراء أهل الثقة (أي الخبراء)، دونما تمحيص و/ أو الانطلاق من رؤى ذاتية وأحكام شخصية انطباعية، يقلل كثيرًا من موضوعيتها ودقّتها العلمية مثلً. وعلى الرغم من تباينهم النسبي، فإنّ المقاربتين المنهجية الاتجاهية والمعيارية، وأدواتهم الكمية والكيفية، يجمعهم قاسم مشترك مفاده أنّ اهتمماتهم تكاد تنحصر خصوصًا في استشراف مشاهد المستقبل المتوسّط (إلى عشرين عامًا من بداية زمان محدّد). وفضلً عن ذلك، لم يعد التباين بين هاتين المقاربتين حادًّا مثلم كان هو الحال خلال بدايات انطلاقة دراسات المستقبلات. وممّ ساعد على ذلك

88 كورنيش. 98 لمزيد من تفاصيل هذه الآلية، انظر: علي صلاح محمود وآخرون، نحو إنشاء مركز الدراسات المستقبلية (القاهرة: مجلس الوزراء، مركز الدراسات المستقبلية، 2004)، ص 60 -.61 0 9 انظر أيضًا: فيله وزكي، ص.65 19 لمزيد الاطلاع على تفاصيل هذه التقنية، انظر مثلً: طارق عمر، أساليب الدراسات المستقبلية (عمان: دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، 2008)، ص 150 -.199

أمران: أولهم، أنّ تباينهم يكمن في اختلافهم في الخطوات المنهجية. فبينم تبدأ الدراسة الاستطلاعية من الحاضر وتنطلق منه لصوغ المستقبل الممكن و/ أو المحتمل، تبدأ – في المقابل – الدراسة الاستهدافية برسم صورة المستقبل المرغوب فيه، ومن ثم تنتقل إلى الحاضر للبحث عن متطلّبات تحقيقها. وثانيهم، أنّ إشكالية المفاضلة بين هاتين المقاربتين دفعت إلى الأخذ بمقاربة ثالثة تجمع بينهم، وتحقّق تكاملهم المنهجي سبيلً للاستفادة من إيجابيات كلّ منهم، علمً أنّ تكاملهم لم يؤدِّ إلى إلغاء استمرار الانطلاق من كلّ منهم على حدة. وممّ ساعد على ذلك رؤية مركّبة. فمن ناحية، ينتشر بين المستقبليين إدراك مفاده أنّ الاعتمد على الإجراءات المنهجية لمقاربة محدّدة لا يعدّ ضمنةً كافية لتأمين استشراف دقيق لمشاهد المستقبل. فالمقاربة التي تتأسّس، مثلً، على ما يفيد أنّ الحقائق التي تحكّمت في إنتاج صورة الماضي ستستمر، لاحقًا، في إنتاج صورة المستقبل، تتناسى أنّ الماضي لا يكرّر ذاته، وأنّ مسيرة الحاضر نحو المستقبل لابدّ أن تقترن بمفاجآت تجعل مخرجاتها من صور المستقبل مختلفة عن صور الماضي والحاضر. ومن الناحية الثانية، تنطوي طبيعة الموضوع المراد استشراف مستقبله على تأثير في اختيار المقاربة الملائمة. فبينم يتطلّب – مثلً – موضوع الصراع الاجتمعي في إحدى الدول الأخذ بالمقاربة الكيفية، يستدعي تحديد عدد سكّان إحدى الدول في زمان لاحق الاستعانة بالمقاربة الكمّية. ومع ذلك، دفعت سمت اللّيقين والتعقيد التي يتميّز بها مثلً عالم اليوم إلى تبلور رؤية دعت إلى توظيف عدد من المقاربات المنهجية لتوليد تلك المعرفة التي تسهل عملية الاستشراف بكفاءة. وبصددها قال ويندل بيل: "إنّ المعرفة بالمستقبل هي المعرفة الأكثر فائدة (...) [هذا] لأنها تساعدنا على الإبحار عبر الزمان باطمئنان". وإلى ذلك، تجدر الإشارة إلى مقاربة المستقبلات المكتملة (Futures Integral) التي تتمتّع – لشموليتها – بانتشار على صعيد دراسات المستقبلات. باختصار، تتأسّس هذه المقاربة التي تستند أساسًا إلى النظرية المكتملة (Theory Integral) التي عمد الفيلسوف الأميركي كين ويلبر إلى تسويقها وترويجها، والتي تبنّى المستقبلي ريتشارد سلويتر – قبل أكثر من عشر سنوات – توظيفها في دراسات المستقبلات، تتأسّس

29 المرجع نفسه، ص.77 39 Gordon, "Integration". 94 Brita Schwarz & Uno Svedin & Bjorn Wittrock, Methods in Futures Studies: Problems and Applications (Boulder, Colorado: Westview Press, 1982), p. ix. 95 Bell, Foundation of Futures Studies. 96 Cf. Richard Slaughter, "Integral futures: A new era for futures practitioners", in: Cynthia Wagner (Ed.), Innovation and strategy: Toward a wiser future (Bethesda, MD: World Future Society, 2005), pp. 275-289.

على منظور مرّكب قوامه التفاعل بين تأثير الذاتية الفردية والجمعية (العلاقات النفسية بين أفراد الجمعة)، والموضوعية الفردية والجمعية (الأفعال الهادفة للجمعة) واتخاذه سبيلً لبناء "نموذج المربّعات الأربعة" (Model Quadrants Four)، واستخدامه خارطةً تؤشّ الطريق إلى المستقبل. وكم تفيد تسميته، يقوم هذا النموذج على أربعة مربّعات متفاعلة وغير قابلة للتجزئة تتوزّع أفقيًّا إلى يسار ويمين، وعموديًّا إلى أعلى وأسفل. وتفيد كلّ من هذه المربّعات دلالة محددّة: فالمربع الأعلى الأيسر، يشير على الجانب الذاتي للعالم الداخلي للفرد، والأنماط السلوكية التي يُعبّ عنها كالتغيير في القِيَم، والمدركات، والأهداف، والمعنى المعطى للحياة. وأمّا المربّع الأعلى الأيمن، فهو يُدل على الجانب الموضوعي للعالم الخارجي للفرد والأنماط السلوكية التي تنجم عنه كالتغيير في أنماط التصويت والسلوك الاستهلاكي. وأمّا المربّع الأسفل الأيسر، فيشير إلى الجانب الثقافي المشترك للعالم الداخلي للجمعة، والذي تفيد به الهياكل الجمعية المشتركة، كالتغييرات على اللّغة والثقافة والمؤسّسات. وأخيرًا، يُعنى المربّع الأسفل الأيمن بالجانب الموضوعي للعالم الخارجي (أي العالم المادي) للفرد، والذي يُعبّ عن التغييرات القابلة للقياس في البيئة الخارجية ونوعية تأثيرها في الفرد. وجرّاء تفاعل هذه المربّعات، يقترن هذا النموذج بأربع عمليات تفيد مخرجات كلّ منها مستوى من التطوّر يتميّز بتصاعده من البساطة إلى التعقيد. فبينم تفيد العمليتان الأولى والثانية التطوّر على الصعيد الفردي والخارجي، تشير الثالثة والرابعة إلى نوعية التطوّر على الصعيد الداخلي (الثقافي)، والخارجي (الاجتمعي) للكيان المشترك. وفي ضوئه، تقدّم مقاربة المستقبلات المتكاملة استشرافًا للمستقبل يتأسّس على تفاعل مؤثّرات داخلية وخارجية عموديًا، وأخرى فردية ومجتمعية أفقيًا. وفي حصيلة تفاعل مخرجاتها يكمن إبداعها. ولهذا تتكرّر الإشادة بها، فقد قيل إنها تساعد على رفد عملية التكامل المنهجي لدراسات المستقبلات بمقاربة شاملة وعالية الكفاءة، وأنها تعدّ أيضًا مدخلً مهمًّ للإبداع في إنتاج دراسات مستقبلية غير تقليدية. إضافةً الى ذلك، يرى ريتشارد سلوتر أنّ حصيلة هذه المقاربة قد أفضت إلى احتواء نقص أساس في

79 ويقصد بالذاتية الجماعية.)Intersubjectively(89 ويقصد بالموضوعية الجماعية).Interobjectively(99 Cf.  "The Application of Integral Theory to Futures Studies", Paper presented at the Yeditep Research Conference on Foresight and Futures , Istanbul, August 24-26, 2011, at: http://goo.gl/BG38No 100 Terry Collins & Andy Hines, "The Evolution of Integral Futures. A Status Update", World Future Review (June- July 2010), at: https://goo.gl/W23IR6

دراسات المستقبلات النقدية، يكمن في عدم تناولها لطبيعة الفرد وديناميته. وباحتواء هذا النقص فإنّها تكون قد أنهت عملية طويلة من التطوّر المنهجي وأسّست لأخرى من الإبداع والتغيير. وتجدر الإشارة إلى أنّ مقاربة المستقبلات المتكاملة قد مرّت بثلاث مراحل متتابعة: مرحلة البناء النظري والتوظيف الابتدائي، ومرحلة تطبيق النظرية المتكاملة على دراسات المستقبلات المتكاملة، وأخيرًا مرحلة النقاش في شأن سؤال "هل هي تفيد وجهة نظر أم مقاربة منهجية؟". وعادةً يراد بالمقاربات المنهجية في دراسات المستقبلات إنجاز أغراض مهمة، ومثالها: جمع البيانات، وتوليد الأفكار، وربط جزئيات موضوع الاهتمم في كلّ متكامل، فضلً عن ضمن الاتساق الداخلي لمجمل عملية الاستشراف. وهذا من أجل إنتاج استشراف دقيق ويتوافر على صدقية عالية. ومع ذلك، يتكرّر القول إنّ مخرجات هذه العملية قد تفضي – أحيانًا – إلى استشراف يفتقر للدقّة، بل ويكون فاشلً. ونرى أنّ حتى احتملية الفشل لا تلغي جدواه. وهنا لنتذكّر قول المستقبلي الأميركي ألفين توفلر: "في معالجة أمور المستقبل (...) لا تحتاج الرّؤى (المستخدمة) إلى أن تكون صحيحةً مئة في المئة لتكون مفيدة (...) (فحتى) الأخطاء لها فوائدها. إنّ الخرائط التي رسمها للعالم جغرافيو العصور الوسطى كانت أبعد ما تكون عن الدقة، وكانت مليئة بالأخطاء (...) ولكن من دونها لم يكن من الممكن لعظمء المكتشفين أن يكتشفوا الدنيا الجديدة، بل لم يكن من الممكن أن ترسم الخرائط الحديثة والأكثر دقّة". وفي ضوء التطوّر الذي مرّت به دراسات المستقبلات عبر الزمان معرفيًّا ومنهجيًا، أضحت هذه الدراسات تختلف جوهريًا عن دراسات الماضي والحاضر. فبينم تتساءل دراسات الماضي عن: ماذا حدث؟ ولماذا؟ و/ أو ماذا كان يحتمل أن يحدث لو أنّ الماضي قد اقترن بمعطيات غير تلك التي كانت مؤثّرةً في وقته؟، تتساءل دراسات الحاضر عن: ماذا يحدث (الآن) ولماذا؟ وتتساءل – في المقابل – دراسات المستقبلات عن: ما الذي يمكن، أو يُحتمل، أو ينبغي أن يحدث في زمان مستقبلي محدد؟ ولاختلاف أسئلة دراسات المستقبلات عن سواها، لا يصحّ – علميًّا – القول: "إنّنا نستطيع دراسة المستقبل مثلم ندرس الماضي"، كم يؤكّد المستقبلي الأميركي بيتر بيشوب. فكم أنّ أسئلة المستقبل هي غير أسئلة الماضي والحاضر، كذلك تكون أجوبتها – بالضرورة – مختلفة.

101 Slaughter, "Integral futures". 102 Cf. "The Application of Integral Theory to Future Studies". 03 1 ألفن توفلر، صدمة المستقبل: المتغيرات في عالم الغد، محمد علي ناصف (مترجم) (القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 1974)، ص 6. وكذلك يؤك د بيتر بيشوب أنّ الاستشراف يمكن أن يكون قليل الدقّة أو خاطئًا، إلّ أنه يبقى مفيدًا لأنه يساعد على معرفة كيف يمكن أن تتطوّر أمور في ضوء ظروف محدّدة: Bishop, "What are Futures Studies?" 104 Ibid.

خاتمة

لقد أفضى تباين الخلفيات الثقافية، والفكرية، والأكاديمية للمستقبليين، إلى أن تقترن التطبيقات العملية للتفكير العلمي في المستقبل، أي دراساته، بإشكاليات أساسية. ولذا انصرف هذا البحث إلى تناول بعضها، ولا سيم تلك التي تتعلّق بمفهوم المستقبل في حدّ ذاته، والتسميات التي تطلق على أنماط دراساته. هذا فضلً عن البحث في العلاقة بين الأنماط الأساسية للتفكير العلمي في المستقبل والمقاربات المنهجية الناجمة عنها. إنّ كلّ هذا كان من أجل غاية لم تقتصر على مجرّد وصف هذه الإشكاليات وتحليلها، وإنّا أيضًا من أجل تأجيج ثقافة الانحياز إلى المستقبل، تفكيرًا وتطبيقًا، داخل وطننا العربي سبيلً للحدّ من الموقف السلبي الذي تتبنّاه شرائح اجتمعية عربية واسعة حياله، ومن ثمّ الارتقاء بالاستجابة الحضارية إلى مستوى تحدّيات عالم يتغيّ على نحو مسبوق. فأمّا عن إشكالية المفهوم، فعلى خلاف إدراك شائع له، انطلق من حقيقة التعاقب الآلي لأبعاد دورة الزمان، وقيل إنه الزمان الآتي بعد الحاضر، أو ما شابه ذلك، نرى أنّ المستقبل، وعلى وفق مفهوم حضاري، ليس امتدادًا آليا لهذا التعاقب، سلبيًا أو إيجابيًا، وإنّا تجسّدًا لذلك الزمان القادم مجدّدًا للمضي والحاضر وعلى وفق رؤية واعية متجدّدة وإرادة حرّة هادفة. إنّ الذي يفضي إلى مثل هذا الزمان هو الإنسان، ولا سيم الإنسان الواعي والمنحاز تفكيرًا وسلوكًا إلى المستقبل. فعلى وفق ما يفعله الإنسان، أو لا يفعله، وهو في الحاضر، تتحدّد صور المستقبل، خصوصًا وأنّ المستقبل، وعلى خلاف الماضي والحاضر، هو الفضاء الزماني البكر الذي يمكن صوغه ابتداءً من الحاضر، ومن ثمّ تحويله، بصفته مستقبلً منشودًا، إلى حقيقة موضوعية. وأمّا عن إشكالية التسمية، فلقد استمرّ استخدامها يتميّز بتعدّدها، وتنوّعها، وتباين مضامينها، بل وإنّ البعض يستخدمها بمعان لا تتمهى مع مضامينها، كاستخدام مفهوم التنبّؤ بدالة مفهوم الاستشراف، وبالعكس. وتنسحب أيضًا إشكالية التسمية أيضًا على الدراسات المستقبلية العربية؛ وهذا فضلً عن أنّ كثيرًا منها يضفي على هذه الدراسات خاصية لا يتفق عموم المستقبليين حولها في الرأي، هي خاصية العلم. وبعد أن استعرضنا رؤى مجموعة من المستقبليين، ومن ضمنهم العرب، في شأن هذه التسمية، فقد رأينا أنها ترمي إلى استشراف مشاهد المستقبل، الممكنة، والمحتملة، والمرغوب فيها، والكامنة في عالم الاحتملات من أجل دفع الإنسان، وهو في الحاضر، إلى بناء المستقبل الأفضل. وأمّا عن العلاقة بين الأنماط الأساسية للتفكير في المستقبل ومقاربات التوظيف، فلقد أدّى تطوّر دراسات المستقبلات خلال أكثر من خمسة عقود، إلى تحوّل مهمّ في مضامينه الفلسفية وبمخرجات انعكست على المقاربات المنهجية المستخدمة. ففي البدء، انتشرت رؤى أفادت أنّ المستقبل ينشأ في الماضي ويكون محكومًا به، ومن ثمّ تكون صورة مستقبل موضوع، امتدادًا لصورته التي كانت في الماضي؛ وهو الأمر

الذي أدّى إلى أن تأتي، في وقته، عناوين جلّ الدراسات المستقبلية وهي تحمل كلمة المستقبل بصيغة المفرد (Future The). وتزامن هذا النمط من التفكير مع آخر قال برؤية المستقبل منفتحًا على بدائل متعددة. وقد وجد هذا النمط من التفكير دعمً واسعًا تجسّد – مثلً – في الدعوة إلى الأخذ بأفكار دعت إلى رفض استعمر المستقبل، أو إلى استرجاع المستقبل؛ وجميعها ترفض أن يكون المستقبل قد تحدّد سلفًا. إنّ الانتشار العالمي لفكرة أنّ المستقبل من حيث هو مشاهد متعدّدة أفضى إلى أن تأتي جلّ دراسات المستقبلات الراهنة وهي تحمل في عناوينها كلمة "المستقبلات" (Futures The)، أي المستقبل بدالّة الجمع. ولم يكن عدد من المستقبليين العرب بمعزل عن هذا الاتجاه. وقد أدّى هذا التحول أيضًا إلى أن تتنوّع المقاربات المنهجية لدراسات المستقبلات. فرؤية المستقبل امتدادًا لاتجاهات الماضي، سلبيًا أو إيجابيًا، جعلت من مضامين هذه المقاربات استطلاعية / اتجاهية وجعلت من التنبّؤ غايتها النهائية، وعبر أدوات كمّية متعدّدة المضامين. ويفيد تطوّر عموم دراسات المستقبلات أنّ منهجية التنبّؤ صارت خارج اهتممات جلّ هذه الدراسات. وكذلك أفضت رؤية المستقبل منفتحًا على العديد من المشاهد إلى الأخذ بمقاربات منهجية تتمهى معها، وهي المقاربات الاستهدافية / المعيارية. وهذه يجمعها، أوّلً، تصميم صورة المستقبل المرغوب فيه عبر أدوات جلّها كيفية؛ وثانيًا الأخذ بآلية "الرجوع إلى الحاضر" للبحث عمّ يؤدّي إلى تحويل هذه الصورة إلى واقع ملموس. وعلى الرغم من التباين النسبي بين المقاربات الاتجاهية/ الكمية، والاستهدافية/ الكيفية، فإنّ إشكالية المفاضلة بينهم أدّت إلى تبنّي مقاربات ثالثة تحقّق تكاملهم المنهجي. ولعلّ من أبرزها مقاربة المستقبلات المتكاملة، علمً أنّ هذا التطلّع نحو التكامل لم يؤدّ إلى إلغاء استمرار الانطلاق من هذه المقاربات المتباينة، بنوعيها. وفي ضوء التطوّر الذي مرّت به دراسات المستقبلات عبر الزمان، معرفيًا ومنهجيًا، يبقى السؤال الذي تطرحه عن الصور التي يمكن، و/ أو يحتمل، و/ أو يجب أن يقترن بها المستقبل، هو الذي يميّزها عن دراسات الماضي والحاضر؛ ومن هنا لا يصح القول إنّ المستقبلات يمكن دراستها على نحو تتمهى فيه مع ما سواها.

المراجع

المراجع العربية

والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، العدد الأول.)1999(الببلاوي، حازم. نحن والغرب. عصر المواجهة أم التلاقي، القاهرة: دار الشروق،.1999

للفكر الإسلامي، السنة 16، العدد 61 (خريف.)1991

مصر للطباعة والنشر والتوزيع،.1974

الوحدة العربية،.1988

العدد 50 (تشرين الأول/ أكتوبر.)1977

__________. رؤى مستقبلية للثمنينات، عمن: دار الجليل للنشر،.1983 الرازي، محمد بن أبي بكر. مختار الصحاح، بيروت: مكتبة لبنان،.1993

العددان 3 و 4.)2000(زريق، قسطنطين. نحن والمستقبل، بيروت: دار العلم للملايين،.1977

والتوزيع،.2011

صعب، حسن. المقاربة المستقبلية للإنماء العربي، بيروت: دار العلم لملايين،.1979

References

أحمد، أحمد يوسف وآخرون. النظام العربي وافاق المستقبل، عمن: دار الشروق للنشر والتوزيع،.2002 أحمد، حازم أحمد حسين. "الانباء بالمستقبل، مقدمة لنظرية الاستشراف"، النهضة، كلية الاقتصاد

بريش، محمد. "حاجتنا إلى علوم المستقبل"، المسلم المعاصر، مؤسّسة المسلم المعاصر والمعهد العالمي

توفلر، ألفن. صدمة المستقبل: المتغيرات في عالم الغد، محمد علي ناصف (مترجم)، القاهرة: نهضة

حسيب، خير الدين وآخرون. مستقبل الآمة العربية: التحديات... والخيارات، بيروت: مركز دراسات

خلاف، هاني محمد. "المستقبلية بين المنهج العلمي والفكر الشرقي"، السياسة الدولية، القاهرة،

الدجاني، أحمد صدقي. تجديد الفكر، استجابة لتحدّيات العصر، القاهرة: دار المستقبل العربي،.1996

الرمضاني، مازن إس امعيل. "الدراسات المستقبلية والوطن العربي"، قضايا سياسية، بغداد،

الساعدي، رحيم. المستقبل، مقدمة في علم الدراسات المستقبلية، ج 2، بغداد: دار الفراهيدي للنشر

سعد الدين، إبراهيم وآخرون. صور المستقبل العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1982 شرابي، هشام. العقد العربي القادم: المستقبلات البديلة، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1986

عبد الحي، وليد. الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية، الجزائر: شركة الشهاب،.1999

__________. مدخل إلى الدراسات المستقبلية في العلوم السياسية، عمن: المركز العلمي للدراسات السياسية،.2002 عبد الرؤوف عامر، طارق. أساليب الدراسات المستقبلية، عمن: دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع،.2008 عبد الفضيل، محمود. " الجهود العربية في استشراف المستقبل: نظر تقويمية" عالم الفكر، المجلد 18، العدد 4 (يناير/ مارس.)1988 عبد المعطي، عبد الباسط. "الدراسات المستقبلية المتطلبات والجدوى العلمية والمجتمعية"، مجلة مركز الوثائق والدراسات الإنسانية، العدد 4 (1992)، ص 49 -.88 عبد الملك، أنور. تغيير العالم، سلسلة عالم المعرفة 95، الكويت: المجلس الأعلى للثقافة والآداب والفنون (تشرين الثاني / نوفمبر.)1985 عطية، حسن أفندي. "استقراء المستقبل: دراسة أولية في علم وليد"، منبر الحوار، السنة السادسة، العددان 21 و 22 (صيف وخريف.)1991 غريب، سمير. "أين نحن من دراسات المستقبل؟"، العربي، الكويت، العدد 499، يونيو.2000 غوديه، ميشال ودوران فيليب والهممي قيس، الاستشراف الاستراتيجي للمؤسسات والأقاليم، محمد سليم قلاله وقيس الهممي (مترجمن). باريس: الكونسارفاتوار الوطني للفنون والحرف،.2009 فليه، فاروق عبده والزكي، أحمد عبد الفتاح. الدراسات المستقبلية: منظور تربوي، عمن: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة،.2003 كورنيش، إدوارد. المستقبلية، مقدّمة في فن وعلم وفهم وبناء عالم الغد، محمود فلاحة (مترجم)، دمشق: منشورات وزارة الثقافة،.1994 كيندي، بول. نشوء وسقوط القوى العظمى، مالك البديري (مترجم)، عمن: الأهلية للنشر والتوزيع،

محمود، علي صلاح وآخرون. تجارب سابقة في الدراسات المستقبلية، القاهرة: مجلس الوزراء، مركز الدراسات المستقبلية،.2004 __________. نحو إنشاء مركز الدراسات المستقبلية، القاهرة: مجلس الوزراء، مركز الدراسات المستقبلية،.2004 المنجرة، مهدي. "من أجل استعمل ملائم للدراسات المستقبلية"، عالم الفكر، المجلد 18، العدد 4 (يناير/مارس.)1988

منصور، فوزي. خروج العرب من التاريخ، ظريف عبد الله وكمل السيد (مترجمن)، القاهرة: مكتبة مدبولي،.1993 ميدوز، دونيلا وآخرون. حدود النمو، تقرير لمشروع نادي روما عن مأزق البشرية، محمد مصطفى غنيم (مترجم)، القاهرة: دار المعارف،.1976 الميلاد، زكي. المسألة الحضارية: كيف نبتكر مستقبلنا في عالم متغير، بيروت: المركز الثقافي العربي،.1999 هلال، علي الدين. "التعريف بدراسة المستقبل"، السياسة الدولية، العدد 75 (كانون الثاني/ يناير.)1984 الهيتي، هادي نعمن. إشكالية المستقبل في الوعي العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2003

المراجع الأجنبية

Amara, Roy. "The Futures Field: Function, Forms and Critical Issues", Futures , vol. 6, no. 4 (August 1974), pp. 289 - 301. Dator, A. James (Ed.). Advancing Futures: Futures Studies in Higher Education , Westport: Praeger Publishers, 2002. Fowles, Jib (Ed.). Handbook of Future Research, London: Greenwood Press, 1978. Masini, Eleonora B. Why Futures Studies?, London: Grey Seal, 1993. Oxford World Power, Oxford: Oxford University Press, 1999. Rescher, Nicholas. Predicting the Future: An Introduction to the theory of Forecasting, New York: State University of New York Press, 1998. Sardar, Ziauddin. Rescuing all our Futures. The Future of Futures Studies , London: Praeger Studies on the 21th Century, 1999. __________. "Colonizing the Future: The Other Dimension of Futures Studies", Futures , vol. 25. no. 3 (April 1993), pp. 235 - 253. Schwarz, Brita & Svedin, Uno & Wittrock, Bjorn. Methods in Futures Studies: Problems and Applications , Boulder, Colorado: Westview Press, 1982. Slaughter, Richard A. New Thinking for a new Millennium, London: Routledge, 1996. __________. Futures beyond Dystopia. Creating Social Foresight , London/New York: RoutledeFalmer, 2004. __________. "Integral futures: A new era for futures practitioners", in: Cynthia Wagner (Ed.), Innovation and strategy: Toward a wiser future, Bethesda, MD: World Future Society, 2005, pp. 275 - 289. Spekka, Andrew A. (Ed.). The next 25 Years: Crisis and opportunity, Washington D.C.: World Future Society, 1975.

Wagner, Cynthia G. (Ed.). Foresight, Innovation and strategy: Toward a wiser Wendell, Bell. Foundations of Futures Studies. Human Science for a new Area ,

future, Bethesda, MD: World Future Society, 2005. vol. 1, London: Transaction Publishers, 1997.