Return to Article Details Fusion of Science and Culture: Key to the Twenty-First Century

انصهار العلم والثقافة: مفتاح القرن الحادي والعشرين

Fusion of Science and Culture: Key to the Twenty-First Century

المهدي المنجرة

الملخّص

الفكرة الأساسية لهذا المقال هي ضرورة الكفّ عن ربط التحديث بالتغريب، وعن الفصل بين العلم والثقافة، وعن الاعتقاد أنه لا يوجد سوى نموذجٍ أحادي للتنمية يكمن مفتاحه في نشر تكنولوجيا يُزعم أنها "محايدة" و"كونية". فعلى العكس من ذلك، يدعو مهدي المنجرة البلدان العربية وبلدان الجنوب إلى مقاربة القرن الحادي والعشرين بفلسفةٍ تستند إلى الرّؤى ما-بعد الحداثية بشأن فلسفة العلوم، وإلى التجربة الفريدة من نوعها لليابان. وهذا التحذير مصحوبٌ بتحليلٍ صريح ومن دون محاباة لتأخّر تأقلم المؤسّسات والإجراءات التنظيمية المعاصرة، ولأزمة النّظُم القِيَمية والتعلّمية، ليأخذ المقال في نهاية المطاف شكل مرافعةٍ لا هوادة فيها لمصلحة إعادة انبعاث الثقافة وانصهارها مع العلم، معتبرًا ذلك مفتاح البقاء على قيد الحياة في القرن الحادي والعشرين.

Abstract

*  Mahdi Elmandjra, "Fusion de la science et de la culture: La clé du 21e siècle", Futuribles , no. 138 (Décembre 1989), pp. 3-18.

الكلمات المفتاحية:
  • حداثة
  • تغريب
  • العلم والثقافة
Keywords:
  • Modernization
  • Westernization
  • Science and Culture

العربية وبلدان الجنوب إلى مقاربة القرن الحادي والعشرين بفلسفةٍ تستند إلى الرّؤى ما -بعد الحداثية بشأن فلسفة العلوم، وإلى التجربة الفريدة من نوعها لليابان. وهذا التحذير مصحوبٌ بتحليلٍ صريح ومن دون محاباة لتأخّر تأقلم المؤسّسات والإجراءات التنظيمية المعاصرة، ولأزمة

النّظُم القِيَمية والتعلّمية، ليأخذ المقال في نهاية المطاف شكل مرافعةٍ لا هوادة فيها لمصلحة إعادة انبعاث الثقافة وانصهارها مع العلم، معتبرًا ذلك مفتاح البقاء على قيد الحياة في القرن الحادي والعشرين. كلمت مفتاحية:  الحداثة، التغريب، العلم والثقافة Abstract:  This paper contends that the linking of modernization with westernization should cease. Not only would this put an end to the problematic divide between science and culture, but it would also halt the damaging belief that there is only one model for development whose key lies in a spread of technology that claims to be "neutral" and "universal." On the contrary, this paper calls upon Arab countries and the countries of the Global South to approach the twenty-first century with a philosophy based on a post- modern vision of the philosophy of science, taking as a model the singular experience of Japan. The paper also presents a frank and unbiased analysis of the delayed adaptation of institutions and contemporary organizational procedures to contemporary realities, as well as the crisis in value and educational systems. The paper ultimately takes the form of an unrelenting argument for the renaissance of culture and its fusion with science, on the view that this is key to survival in the twenty-first century.

تمهيد

تمّ تقديم هذا المقال الذي بين أيدينا، والذي نشُر في مجلّة "فوتوريبل" في كانون الأوّل/ ديسمبر 1989، في ندوة "العلم والثقافة في القرن الحادي والعشرين: برنامج البقاء على قيد الحياة"، والتي عقدتها اللّجنة الكندية لليونسكو (منظّمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) بفانكوفر/ كندا، في الفترة 10 - 15 أيلول/ سبتمبر 1989؛ وهي الندوة التي كان مهدي المنجرة مقرّرًا لها، وفي الآن ذاته كان رئيسًا ل "الجمعية الدولية للمستقبليات فوتوريبل" (International.)Futuribles ومن خلال هذا النصّ وغيره من الأعمل القيّمة، تتجلّ لنا البصيرة الحصيفة وبُعد النظر النافذ اللّذان برهن عليهم مهدي المنجرة طوال مشواره الفكري المديد؛ وهو ما يعرض يحيى اليحياوي لبعض جوانبه ذات الصّلة ضمن هذا الكتاب (راجع مقالة "المستقبل في فكر مهدي المنجرة"). ومن بين هذه الظواهر الأساسية التي استشرفها مهدي المنجرة ورسم خطوطها العريضة سلفًا، التغيير البنيوي العميق الذي وسم التطوّر البشري ابتداءً من الفترة ذاتها التي صدر فيها هذا المقال؛ أي منذ أواخر ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي، سواءٌ على مستوياتٍ اقتصادية أو اجتمعية أو تكنولوجية. وقد بدأت تلوح بوادر هذا التحوّل نحو ما أصبح يطلق عليه "مجتمع المعرفة" أو "اقتصاد المعرفة"، مع الثورة المعلوماتية الهائلة التي أحدثتها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الفترة ذاتها، ولا سيّم شبكة الإنترنت، ومع التحولّات العميقة في بنية المعرفة وإبستيمولوجيتها، وفي المنظور الحداثي الضيّق للفصل بين العلم والثقافة، ثمّ في أعقاب ذلك مع بروز "الصناعات الإبداعية" في مستهلّ القرن الحادي والعشرين؛ وهي التي تخطّت الحواجز المصطنعة بين العلم والثقافة والفن والمعرفة العامة. وهي جميعها قضايا جوهرية عرض لها مهدي المنجرة في هذا المقال من منظور ما-بعد حداثي قلّ نظيره وندُرت تبيئته في السّياق العربي. كم تؤكّد مآلات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، من تعميقٍ للشرخ الحضاري بين الشرق والغرب واستفحالٍ للأصوليات وضروب أشكال التطرّف والأحادية، تحذيرات مهدي المنجرة في هذا المقال إزاء فوات أوان استغلال فرصة تواصلٍ حضاري قائم على الاحترام المتبادل وعلاقة النظير - بالنظير، والرّبط بشكلٍ وثيق بين ما دأبت الرؤية الحداثية القاصرة على معارضته في سجلّت "ما هو كائن" و"ما ينبغي أن يكون". هيئة التحرير

مقدّمة

يقتضي البقاء على قيد الحياة تضامنًا مجاليًا (المشاركة)، وتضامنًا زمانيًا (الاستباق). وتعدّ العقبات الرئيسة أمام تحقيق هذين الشرطين هي: التفاوتات الاقتصادية الكبيرة داخل البلدان وفي ما بينها، والجور الاجتمعي النّاجم عنها. هيمنة نظام القِيَم الاجتمعية والثقافية الغربية أو اليهودية-المسيحية منذ قرنين من الزمان. بنياتٌ ذهنية وأساليب تعلّم غير ملائمةٍ لمسايرة تسارع التاريخ غير المسبوق والوتيرة السريعة جدًّا للتطوّر، واللّذان يوجبان نفاذ بصيرةٍ أكبر وتواصلً ثقافيًا أكثر توازنًا. إنّ الافتراض الأساسي لهذا المقال هو أنّنا لن نتمكّن من ضمن البقاء على قيد الحياة من دون "ائتلافٍ جديد" يصل إلى حدّ انصهار العلم والثقافة. فقد تغذّت الثورة الصناعية على صورة مجتمعٍ يمتلك "ثقافتين": واحدةٌ علمية والأخرى غير-علمية. أمّا المجتمع ما-بعد الصناعي، فبانتقاله من حضارة المواد الأوّلية، والإنتاج، ورأس المال، إلى حضارة المعرفة، والمعلومات، واللّمادية، فإنه سيُلغي لا محالة هذا التقسيم. وسيثير مثل هذا الانصهار العديد من القضايا، لا سيّم قضيّة إعادة النظر في القاعدة القديمة بشأن "كونية" و"حيادية" العلم. وأتذكّر ردود الفعل الحادّة التي أثرتُها منذ ربع قرنٍ في كلّ مرّةٍ وضعتُ فيها هذه "العقيدة" موضع سؤال. وقد كان ضروريًّا الطّعن في هذه العقيدة للوصول إلى تصفية معادلةٍ لم أقبل بها أبدًا، وهي معادلة "التحديث" بوصفه مرادفًا ل "التغريب". إنّ رفض هذا الادعاء هو ما دفعني إلى تركيز أبحاثي على الاستشراف، والتكنولوجيات المتطوّرة، والتغيّ الثقافي، ومثال اليابان.

معادلة التحديث/ التغريب

لم أفهم أبدًا التأويلات التبسيطية والمتغطرسة ثقافيًّا التي كانت تختزل التقدّم الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والثقافي لليابان في مجرّد "تقليدٍ" للغرب؛ وقد شجبت دائمًا هذا الشكل المأفون للاختزالية. ويسرنّي أنّ الأمور قد تغيّت اليوم وأصبح تطوّر اليابان يُفهم على نحوٍ متزايد بوصفه سيرورةً داخلية مرتبطة بشكلٍ مباشر بقيمٍ ثقافية محدّدة. ولا توضّح أيّ ظاهرةٍ معاصرة أخرى بشكلٍ أفضل الرّابط العميق بين العلم والثقافة كم يوضّحه النموذج التنموي الياباني، والذي من الواضح أنه، مثل أيّ نموذجٍ تنموي أصيل، غير قابلٍ للتقليد.

" التّغريب " (Occidentalisation) بمفهوم الانصهار في الحضارة الغربية. (المترجم)

ومن أجل فهم العلاقة بين العلم والثقافة على نحوٍ أفضل، من المفيد قراءة الدراسة التي نشرها "المعهد الياباني القومي للنهوض بالبحوث" في عام 1988 تحت عنوان "البرنامج الياباني لعقد التسعينيات"، والتي تؤكّد مقدّمتها على تنوّع الحضارات باعتبارها أساسًا جديدًا للمجتمع ما -بعد الصناعي: "يجب من الآن فصاعدًا أن ننظر للعالم بشكلٍ مختلف، وأن نضع جانبًا الحكم المُسبق القديم عن نظامٍ عالمي طِباقي تحت [هيمنة] الإمبراطورية الأميركية. إنّ النظام العالمي الجديد، والذي يمكن أن ننعته بعصر تنوّع الحضارات، يرتكز على أساس التعايش بين حضاراتٍ متعدّدة... وإذا كان التغريب قد أحدث تقدّمًا في العالم على المستوى المادي، فإنّ تحديث اليابان يشهد على التمييز بين التحديث والتغريب... ومن أجل تقدير العالم حقّ قدره، من الضروري إذًا دراسة البنية الداخلية للعالم متعدّد الأقطاب... فلعلّ العالم يبحث عن سبلٍ لتطوير حضاراتٍ تعدّدية في عالمٍ متعدّد الأقطاب... ولكي تكون اليابان عند هذا المستوى المطلوب، ينبغي عليها توسيع الأبعاد المكانية والزمانية لمفهوم المصلحة أو الفائدة الشخصية". يُلخّص الاقتباس أعلاه العناصر الأساسية لإشكالية القرن الحادي والعشرين، ويسلّط الضوء على القطيعة الجيوسياسية مع الماضي، مؤكّدًا على دور التنوّع الثقافي في عالمٍ تعدّدي حيث يقتضي البقاء تصفية جميع أشكال الهيمنة. والنقطة الوحيدة التي يغفل عنها هذا الاقتباس هي المسألة الدقيقة ل "إعادة التوزيع". وفي حالة بلدٍ كانت أصوله تتجاوز أصول الولايات المتحدة في عام 1988، فإنّ هذا الإغفال مسألة خطيرة. وتمثّل الإحالة على المصادر اليابانية سندًا فكريًا مهمًّ لمن هو آتٍ من العالم الثالث ودافع عن الأطروحات نفسها، في الوقت الذي كان فيه عددٌ قليل جدًا من اليابانيين يجرؤ على التعبير عن هذه الأطروحات بالقدر نفسه من الوضوح والثقة. وتساهم هذه الإحالة في خلق إطارٍ يمكن داخله فحص العلاقة بين العلم والثقافة في مطلع القرن الحادي والعشرين.

"الائتلاف الجديد" بين الثقافة والعلم

أضحى العلم والثقافة المحدّدين الرئيسين للنظام الدولي. فمن دون الإحالة إلى السياق الثقافي - والذي هو أوّلً وقبل كلّ شيءٍ نتيجة ثانوية للقِيَم الثقافية - لم يعد بإمكاننا فهم العلم والتكنولوجيا. وقد ولّ

National Institute for Research Advancement (NIRA), "Agenda for Japan in the 1990's", NIRA Research Output , vol. 1, no. 1 (1988), pp. 1 - 13.

بلا رجعةٍ عهد "العلم من أجل العلم" و"الفنّ من أجل الفن". فالقرن الحادي والعشرين يقتضي بارادايمًا محدّدًا بشكلٍ أفضل على المستوى الاجتمعي-الثقافي؛ وهو بارادايمٌ لم يعد ممكنًا أن يحيا تحت وهم "كونية" العلم والتكنولوجيا و"حياديتهم". ولذلك، تحتاج هذه المفاهيم إلى إعادة تعريف وفقًا لدلالةٍ "كونية" أوسع، وكونيّة حقًّا. وقد أوضح إيليا بريغوجين في كتابه التحالف الجديد إحدى أطروحاته المركزية، وهي أنّ "مشاكل ثقافةٍ معيّنة يمكن أن تؤثّر في تطوّر النظريات العلمية". بل ذهب إلى أبعد من ذلك ليقول إنّ "من العاجل أن يعترف العلم بأنه جزءٌ لا يتجزّأ من الثقافة التي يتطوّر ضمنها". ولدى بريغوجين التواضع والأمانة الفكرية للتأكيد على حقيقة أنّ "العلم سوف ينفتح على الكوني عندما يتوقّف عن الإنكار، وعن اعتبار نفسه خارج انشغالات المجتمعات، ويصبح في نهاية المطاف قادرًا على الحوار مع أناسٍ من جميع الثقافات، وعلى احترام أسئلتهم". ولن نجد توضيحًا أفضل لتفاهة "كونيةٍ" تكون مركزيةً إثنية. ولحاجة العلم إلى اكتشاف كونيةٍ شاملة جديدة، لا يمكن الوصول إليها من دون المرور مُسبقًا عبر الثقافة والقِيَم الثقافية؛ وهذا هو الثمن الحقيقي للبقاء على قيد الحياة. وليس بريغوجين وحده من يدافع عن هذه الأطروحة في الغرب. فقد كتب ميشيل سيريس كثيرًا عمّ يسميه "المتعدّد". ففي كتابه  التكوين، وجّه سيريس النداء التالي: "ينبغي أنّ تتجرّد المعرفة العلمية من غطرستها، ومن ثنايا ردائها البارع، والكَنسَي، وأن تهجر عدوانيتها الحربية، والادعاء الكريه بأن تكون دائمًا على حقّ، وأن تنطق بالحقّ، وأن تنزل، آمنةً مطمئنّة، نحو المعرفة العامّة". تأويلي الشخصي لما ذهب إليه ميشيل سيريس هو أنّ العلم يجب أن يتصالح مع الثقافة والقِيَم الإنسانية. بيد أنّ المشكلة هي أنّ الغطرسة لا تكمن في العلم، وإنما في السياق الثقافي الذي يتعهّد هذا العلم فحسب. وفي الواقع، ترتبط مشكلة الغطرسة بإدراكات الزمان والمكان. فالنظرة إلى العالم وإلى مستقبله تختلف وفقًا للعصر الثقافي الذي نأخذ مكانًا فيه. فإذا كنّا نعتقد أنّ الحضارة الإنسانية يمكن

Ilya Prigogine & Isabelle Stengers, La Nouvelle alliance. Métamorphose de la science (Paris: Gallimard, 1979). تُفيد "المركزية الإثنية" (Ethnocentrisme) الاستعلاء العرقي؛ بمعنى الاعتقاد بأنّ جماعة الفرد الأهلية هي الأفضل من بين جميع الجماعات الأهلية الأخرى، ومن ثمّ رؤية العالم وتنوّعه من خلال الموشور الذاتي الحصري، والترفّع على الآخر. وعلى الرّغم من أنّ هذا

التمركز العرقي قد مثّل عبر التاريخ عاملً مهمً في نشأة الصّاعات والحروب، فإنه ارتبط في العصور الحديثة بصورة أكبر ب "الغرب" و"الحضارة الغربية". (المترجم) 5 Michel Serres, Genèse (Paris: Grasset, 1982).

اختزالها إلى قرنَيْ من الزمان بالنسبة إلى الفترة الحديثة، وإلى ما بين ألفين إلى خمسة آلاف سنة على الأكثر بالنسبة إلى تاريخها الإجملي، فيجب حينئذٍ العيش مع أسطورةٍ تُولّد الغطرسة من الاختزالية الثقافية. فمشكلة الثقافة "الغربية" هي أنّ مدّتها محدودةٌ نسبيًا، وأنها تحاول بصورةٍ واعية أو غير واعية تعويض هذا المدى المحدود عن طريق التبخيس من قدر زمان الثقافات الأخرى ومكانها. وهي مغترّةٌ بذاتها وبنجاحاتها المادية إلى درجة أنها لم تجد الوسيلة للتفكير أو الشعور بكيفية تفكير الآخرين وشعورهم. وتوضّح محاورةٌ بين طاغور وآينشتاين جرت خلال محادثةٍ في برلين في 14 تموز/ يوليو 1930 هذه القطيعة في التواصل الثقافي: طاغور: "من الصعب تحليل التأثير الروحي للموسيقى الشرقية والغربية عندنا. وإنّني متأثّر بعمقٍ بالموسيقى الغربية. وأعتقد أنها مذهلة، وأنّ بنيتها واسعة ومقطوعاتها عظيمة. والنداء الغنائي الجوهري لموسيقانا يمسّني بعمقٍ أكثر. وللموسيقى الأوروبية طابعٌ ملحمي، وهي تعتمد على ثقافةٍ واسعة ولديها بنيةٌ قوطية من العصور الوسطى". آينشتاين: "إنه سؤالٌ لا يمكننا، نحن الأوروبيين، الإجابة عنه بشكلٍ مناسب. فنحن جدّ معتادين على موسيقانا. ونحن متطلّعون لمعرفة إن كانت موسيقانا عرفًا أم شعورًا إنسانيًا جوهريًا، وإن كان من الطبيعي الشعور بتناغم الأصوات وتنافرها، أم أنّ ذلك ناجمٌ عن عرفٍ نقبل به". لا يمكننا أن نتوقّع هذا الضّب من المحاورة في القرن الحادي والعشرين. فصراحة آينشتاين تبرهن بوضوحٍ على أنّ المفكّر "الشرقي" يمكنه أن يبذل الجهد لفهم أشكال التعبير الثقافية لدى "الغرب" بطريقةٍ مقارنة ومع مرجعيةٍ منفتحة، في حين أنّ "الأوروبي" هو غير قادرٍ على سلك نفس النهج لأنه منطوٍ على نفسه ثقافيًا، وعاجزٌ عن التفاهم الثقافي المتبادل. ومن ثمّ، فمشكلة التواصل الثقافي لا تزال تهيمن على عالم المعرفة والعلم والحسّ الجملي المعاصر.

احترام التنوّع الثقايف

لم تعد الأجيال القادمة من العالم الثالث مهتمّةً بتواصلٍ ثقافي في اتّجاهٍ واحد. فليست لديهم عُقد الأجيال السابقة التي كانت تعتبر أنها لا تستطيع نيل قصب السّبق فكريًّا من دون الإتقان المُسبق لثقافة "الآخر". وقد تولّد من هذا الجهد مختلف أشكال الاستلاب الثقافي التي تعدّ من بين أسباب التخلّف الاقتصادي والعلمي للعالم الثالث. ولم يعد يمكن للغرب الاعتمد على "شيكٍ على بياض" في ما

روبندرونات طاغور، شاعرٌ ومسرحي وروائي بنغالي، نال جائزة نوبل في الآداب عام 1913؛ وألبرت آينشتاين، العالم الفيزيائي الشهير. (المترجم)

يخصّ التواصل الثقافي من دون حدٍّ أدنى من المقابل الذي يستلزم طفرة تحوّلية حقيقية مهم صغُر. وربّا سنكون حينئذ قادرين على الحدّ ممّ أسمه ناكامورا "السلبية الثقافية". وهذا هو السبب في أنّ وصل العلم والثقافة وانصهارهم هو شرطٌ للتواصل والبقاء على قيد الحياة. وهذه ضرورةٌ نظامية، لا سيّم أنّ أكثر من 50 في المئة من القوى العاملة ذات التعليم العالي بمستوى الدكتوراه ستكون مع نهاية القرن [العشرين] من أصلٍ غير.-غربي يتعلّق الأمر باتّجاهٍ لا رجعة فيه يُعزى إلى الديموغرافية وإلى عوامل أخرى أساسية. ففي الولايات المتحدة، أصبح بالفعل منذ عام 1988 أكثر من نصف الوافدين إلى سوق العمل في مستوى الدكتوراه فم فوق ذوي أصولٍ غير-أميركية. والسّمة الأساسية للقرن الحادي والعشرين ستكون نزع السمة الأوروبية عن العلم والثقافة، بدءًا من الولايات المتّحدة الأميركية. ومنذ أكثر من ستّةٍ وعشرين سنة، وبمناسبة افتتاح "مؤتمر الأمم المتحدة بشأن تطبيق العلم والتكنولوجيا لأغراض التنمية" (UNCAST)، ألقى رونيه ماهو، الرئيس التنفيذي حينها لمنظّمة اليونسكو، بيانًا أصبح اليوم صالحًا أكثر ممّ كان عليه حينئذ: "ليست المعرفة علميةً سوى بالروح التي هي نتاجها، والتي تمنح وحدها معنى للإنسان ومغزى حين تطبّق في عالم الأشياء. فليس العلم مجموعةً من الصيغ أو الوصفات التي من شأنها، في حدّ ذاتها، أن تمنح الإنسان سلطاتٍ لا مبرّر لها على الكائنات... ولا يمكن أن تحلّ جذريًّا مشكلة التقدّم التكنولوجي للمناطق التي لا تزال غير متقدّمة بما فيه الكفاية عبر استيراد التكنولوجيا الأجنبية أو الإنشاء المتسرّع للعلوم التطبيقية الجاهزة للاستخدام نوعًا ما. فلا يمكن حلّ هذه المشكلة بشكلٍ جذري سوى من خلال إنشاء الواقع المزدوج الفكري والاجتمعي للعلم وتعزيزه، وفقًا لسيرورةٍ ذاتية، في صُلب الواقع الإنساني ذاته للمجتمعات المعنية". ثمّ يُضيف رونيه ماهو قائلً: "العلم هو في حدّ ذاته مجتمع؛ مجتمعٌ ميزته الخاصّة أنه يملك ميلً طبيعيًّا كونيًّا، ومن ثمّ يُعدّ إنسانية الغد ويصوّرها مسبقًا. بيد أنّ هذا المجتمع ليس من شأنه أن يتحقّق ويزدهر في أيّ سياقٍ كان".

René Maheu, La Civilisation de l'Universel (Paris: Laffont, 1966) [Genève: février 4, 1963]. 8 Ibid.

واسمحوا لي أن أقتبس من ماهو مرّةً أخرى. ففي مقدّمته ل  تاريخ التطوّر العلمي والثقافي للبشرية، والذي نشرته منظّمة اليونسكو تحت إشراف باولو بيريدو كارنيرو (البرازيل)، كتب ماهو في آب/ أغسطس:1962 "كل فعل ثقافةٍ وعلم، مهم كانت مادّته أو وسائله، أو سببه، أو ذريعته، أو ظروفه، هو في جوهره فكرٌ للإنسان عن الإنسان". وبصفته مديرًا عامًّا لليونسكو، لم تفهم القيادة البيروقراطية لمنظومة الأمم المتحدة رونيه ماهو، سواءٌ لدى الأمانة العامة أو لدى ممثلّي الدول الأعضاء. ولو كان قد فُهم، لكنّا قد اقتصدنا سنواتٍ عدّة ومئات الملايين من الدولارات عن طريق التخلّ ببساطةٍ عن وهم ما يسمّى "نقل التكنولوجيا". وقد كان ماهو على حدّ علمي أوّل من استخدم مفهوم التنمية "الذاتية" في سياقٍ اجتمعي-ثقافي، خصوصًا عندما نتحدّث عن العلم. ومن دون التقليل من شأن مبدأ المفعول الرجعي بين العلم والثقافة، لا يمكن نقل العلم لأنه نتيجة ثانوية لسيرورةٍ ثقافية. فالقِيَم الثقافية هي التي تحدّد التفكير العلمي، والإبداع، والابتكار. ولا يمكن للمرء شراء مثل هذه "المخرجات" أو نقلها إذا لم يكن لديه "المدخلات" الثقافية التي ترخّص له بفهم التحويلات، واستيعابها، وإضافة قِيَمٍ ذاتية لها. وإلا فلا يشتري المرء سوى أدواتٍ طريفة بحداثتها لكنها قليلة الفائدة. ولهذا السبب أعتقد أنّ أفضل تعريفٍ للتنمية هو ذاك الذي قدّمه رونيه ماهو عندما كتب: "التنمية هي العلم الذي أصبح ثقافة". وهذا هو ما أعنيه عبر انصهار العلم والثقافة. فالعلوم والتكنولوجيا ليست هي المحرّك الأوّل للتغيير الاجتمعي؛ إنها "الأنزيمات" أو المسرّعات فحسب لمثل هذه التغييرات من خلال "الجينات الوراثية" للتغيير: القِيَم الثقافية. فالقِيَم الثقافية تجعل التغيير أيسر من خلال تمكين الأفراد من استيعاب العلوم والتكنولوجيا ودرء أن تُفاقم هذه العلوم والتكنولوجيا عدم المساواة في تقسيم العمل. فبإمكان العلوم والتكنولوجيا أيضًا أن تنتج نظامًا طبقيًا فيه طبقةٌ للتكنوقراط تعرف "ماذا" ولكنها تجهل "كيف" و"لماذا"، وطبقةٌ جديدة للجمهير الأمية علميًّا والعاجزة عن المشاركة ديمقراطيًا في عمليات صنع القرار التي تحكم تنمية العلوم والتكنولوجيا وتمويلها؛ وهذا هو الحال بالفعل.

René Maheu, "Introduction", in: Unesco, Histoire du développement scientifique et culturel de l'humanité (Paris: Unesco, 1962).

ولعلّ تطوير مثل هذا النظام الطبقي يشجّع على "قطيعةٍ بين وجهات النظر المادية والإنسانية التي لا تزال تعصف بثقافتنا"، وذلك لأنّ وجهة النظر "الإنسانية" تصبح عاجزةً بشكلٍ متزايد عن فهم العالم المادي. وهذا ليس خطأ العلوم والتكنولوجيا، وإنّا حصيلة تقصيرٍ لنُظم التعلّم لدينا وهو ناتجٌ عن أوجه القصور في مؤسّساتنا التعليمية.

عدم اتّساق مؤسّسات التعلّم ونظُمه

لم يعد لدينا الوقت ولا مناهج التدريس اللّزمة لاستيعاب التقدّم في العلوم والتكنولوجيا ودمجه. ومن ثمّ، تبقى الفجوة المتنامية بين تقدّم العلم والتكنولوجيا وتطبيق نتائج هذا التقدّم بطريقةٍ سديدة اجتمعيًا وثقافيًا. ويتكشّف جزءٌ كبير من هذه الفجوة في وتيرة التغيير العلمي والتكنولوجي نسبةً إلى جمود المؤسّسات السياسية والاقتصادية والاجتمعية والثقافية في مقابل مثل هذا التطوّر. فكيف يمكننا أن نقارب القرن الحادي والعشرين بفلسفةٍ سياسية تعود إلى القرن الثامن عشر، وبمؤسّساتٍ سياسية تعود إلى القرن التاسع عشر، من بينها "الدولة القومية" ووهم "السيادة"، وبعمليةٍ لاتخاذ القرار قد تبدو ديمقراطية ولكنها قد تمّ تصميمها من أجل عالمٍ لم يعد موجودًا سوى في كرّاسات القانون الدستوري والقانون الدولي، من دون الحديث عن "ميثاق الأمم المتحدة"؟ هذه هي بعض أسباب تخلّف بنياتنا وعملياتنا الذهنية، وعجزنا عن مواجهة التحديات التي تواجهنا منذ أكثر من عقدٍ أو عقدين من الزّمان، والمتفاقمة أكثر فأكثر. وما هو بالأحرى حرِجٌ وجدّ مقلق هو أننا نميّز بين نوعين من الاستثناءات عن التحليل أعلاه: القطاع العسكري للقوى العظمى، والشركات العابرة للحدود. فالقطاع العسكري يصمّم التقدّم العلمي والتكنولوجي ويشجّعه بأشكال ملموسة، وعمليًّا مدمّرة. إنّ هذا القطاع يعبّئ النسبة الأكبر من الموارد المالية والبشرية المخصّصة للعلوم والتكنولوجيا ويديرها (أكثر من 60 في المئة). وبفضل مفاهيم "الأمن القومي"، والطبيعة المتطوّرة للغاية لشركاتها والأمّية العلمية لمعظم صنّاع القرار المنتخبين، تجد المؤسّسات العسكرية للقوى "العظمى" نفسها في الواقع معفاةً من الرقابة الديمقراطية الحقيقية ومن مراقبةٍ وتقييمتٍ موثوق بها. ولعلّ هذا ما يفسّ جزئيًّا الإبداع والابتكار اللّذين يستطيع البحث العلمي والتكنولوجي في القطاع العسكري الارتقاء بهم، وتوظيف هذا العدد الوافر من الباحثين والعلمء الذين لا يجدون الحرية نفسها، ولا التجهيزات نفسها، ولا الموارد المالية في المؤسّسات الجامعية نفسها. وأمّا الشركات العابرة للحدود، والتي تعمل بترابطٍ جدّ وثيق مع القطاع العسكري في بعض الحالات، والواعية تمامًا لأهمية البحث والتطوير من أجل إنتاج منتجاتها وتسويقها واختراق الأسواق، فضلً عن إلمامها

بقيمة الموارد البشرية الخبيرة والمدرّبة تدريبًا جيدًا، فقد استطاعت تطوير أساليب إدارة وعمليات تعلّم متّسقةٍ للغاية مع الحدّ الأدنى لتدخّل "الدولة القومية". إنّ ذكر هذين الاستثنائين مجرّد ملاحظة، وليس حكم قيمة. فهو يبيّ أنّ التغيير والتعلّم المتّسقين ممكنان، ولكن ليس في القطاعات التي هي في أمسّ الحاجة إليهم. كم يسمح أيضًا بالتنويه برفض صنّاع القرار الوطنيين والدوليين "المرخّصين" بالتصدّي ل "الإشكالية" الجديدة للبشرية بشكلٍ عام، عبر التفكير في رفاهية البشرية جمعاء.

أزمة الأنظمة التنظيمية

تُطرح مشكلة القِيَم الثقافية عندما نعتقد أنه في الوقت بالضبط الذي يجتاز فيه العالم أزمة "حكامةٍ" ناجمة عن نقصان "المعايير والقواعد" الدولية المناسبة، بالمفهوم المادي والمعنوي، وعن نقصان الوظائف "التنظيمية" النظامية ذات "الهدف" الواضح المعالم، فإنّ القوى الاقتصادية الكُبرى تشجّع عملية "نزع النّظم" من النوع النيوليبرالي والمؤسّسات المالية الدولية تفرضها من جانبٍ واحد. والاهتمم الذي أوليه لمشكلة المعايير والمهمت التنظيمية مجرّدٌ من أيّ تحيّزٍ أيديولوجي؛ إنه ببساطةٍ مشروطٌ بهمّ توضيح الغائيات باعتبارها "سبب وجود" أيّ نظام، وبهمٍّ فلسفي وعَملَاتي لمعرفة من ينبغي أن يشارك في تحديد هذه الغائيات والإشراف على النظام المجتمعي. ولا يمكن لأيّ شخصٍ مهووس بالقِيَم التي تفترضها ضمنيًّا "الحرية" أن يبقى غير مبالٍ إزاء عملية نزع النّظم التي تعرّض هذه الحرية للخطر من خلال تشويه مفهومها الأساسي جدًّا. إنها قضايا قِيَمٍ ثقافية أكثر منها قيمًاقتصادية. فكيف يمكن الوصول إلى "التنمية المستدامة" من​ دون توافقٍ بشأن حدٍّ أدنى من المعايير والقواعد؟ إنّنا نواجه هنا إشكالية أزمةٍ أخلاقية. ولنأخذ على سبيل المثال قضية "مديونية" بلدان العالم الثالث. فكيف يمكننا قبول حقيقة أنّ الولايات المتحدة لديها دينٌ خارجي أكثر من نصف تريليون دولار، وفضلً عن ذلك التفسير "بعقلانية" بأنّ هذا القدر الهائل من الديون الخارجية، والعجز الجسيم في الميزانية الوطنية، هم اللّذان يجذبان رؤوس الأموال الأجنبية إلى الولايات المتحدة، ويحافظان على ثبات مستوى الدولار، ثمّ نأتي لتقييم المشاكل الاقتصادية والمالية لبلدان أخرى على أساس معايير مختلفةٍ تمامًا؟

0 1 تضاعف الدّين الخارجي للولايات المتحدة أضعافًا مضاعفة منذ كتابة مهدي المنجرة لهذه السّطور، ليتجاوز 15 ألف مليار دولار في عام 2012 (وبالضبط 15.768.621.000.000 دولار)!! (المترجم) راجع في ذلك: United States Central Intelligence Agency (CIA), "The World Factbook, Field Listing: Debt – External", (December 31, 2012), at: https://goo.gl/xGwpZl

إنّ الذرائع المتعلّقة بالأصول الاقتصادية، والمالية، والزراعية، والصناعية للولايات المتحدة الأميركية، والتي كانت مقبولةً منذ عقدٍ مضى، لم تعد كذلك اليوم. ففي عام 1988، كانت لدى اليابان أصولٌ أعلى من أصول الولايات المتحدة، مع ساكنةٍ أقلّ من النصف. وتعد أكبر عشرة بنوك تجارية في العالم يابانية، في بلدٍ فيه 58 بنكًا تجاريًا فقط، مقارنةً ب 14000 بنكٍ تجاري في الولايات المتحدة. ولدى البنوك الثلاثة عشر الأولى في اليابان رسملةٌ إجملية أكثر من 500 مليار دولار (نفس مبلغ الدين الخارجي للولايات المتحدة)، في حين بلغ مجموع أكبر 50 بنكًا في الولايات المتحدة مجتمعةً أقلّ من.100 مليار دولار تسعى هذه الإحصاءات ببساطةٍ للبرهنة على أنه لا توجد معايير "عقلانية" لتقييم الوضع الاقتصادي والمالي العالمي. ولا زلت أؤكّد أنّ المشكلة ذات طابعٍ أخلاقي ومعياري، أي أنها بشأن قِيَمٍ ثقافية أكثر منها قِيَمًاقتصادية.

غياب التوافق بشأن القِيَم

يمكننا أن نجد مثالً بليغًا عن الأزمة الثقافية التي نعيشها باتصالٍ وثيق بتقدّم العلم في مجال الطاقة النووية في محضر "المؤتمر من أجل تعزيز التعاون الدولي في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية"، والذي عُقد في جنيف (خلال آذار/ مارس ونيسان/ أبريل 1987). وهو ما يُثبته المقتطف التالي من المحضر: "بذل المؤتمر جهدًا جبّارًا للتوصّل إلى توافقٍ بشأن مبادئ مقبولة كونيًّا للتعاون الدولي في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية... لكن، على الرغم من جهده، لم يتمكّن المؤتمر من التوصّل إلى توافقٍ بشأن المبادئ المقبولة كونيًّا للتعاون الدولي في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية". إنّ هذه المسألة تشخّص جيّدًا اختلاف الرأي بشأن "الغائيات" في عالمٍ قد تحوّل جذريًّا عبر العلم والتكنولوجيا، ولكنه يبدو عاجزًا عن إجراء التعديلات التنظيمية والمعيارية التي يقتضيها هذا التحوّل. وربّا هذه هي إحدى الأزمات الكبرى للعلم، والتكنولوجيا، والثقافة: أزمة غائيات، وقِيَم، ومعايير، وقواعد. وليس العلم ولا التكنولوجيا مسؤولين عن هذه الأزمة، ولكنها أزمةٌ تُفاقم عدم المساواة داخل البلدان وفي ما بينها، مؤدّية إلى تهميش الأغلبية العظمى من الناس في البلدان الصناعية والنامية. وهي أزمةٌ وسّعت الفجوة بين الشمل والجنوب؛ ذاك الجنوب الذي لا يمثّل سوى أقلّ من 10 في المئة من

11 The Wall Street Journal (September 11, 1989), p. 1.

الأنشطة العلمية والتكنولوجية في العالم، ونحو 5 في المئة فقط من الإنفاق على البحث والتطوير. ووفقًا لمجلّة "العلوم والتكنولوجيا والصناعة"، فإنّ ثلاثة أرباع التبادلات التكنولوجية العالمية هي بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وتهيمن عليها الشركات العابرة للحدود. ولذا أصبحت مسألة إعادة تحديد هدف العلم والتكنولوجيا على النطاق الكوني إحدى المتطلّبات الأساسية للديمقراطية الجديدة التي ينبغي إرساؤها لمواجهة تحدّيات القرن الحادي والعشرين. فعدم وجود توافقٍ عالمي بشأن القيم الثقافية والمعايير والقواعد يشجّع على استخدام العلم والتكنولوجيا لأغراض الإنتاجية والربح، من دون اكتراثٍ يُذكر باستخدام هذه الأدوات الفعّالة للتغيير لمصلحة إجراءاتٍ أكثر وضوحًا وأكثر إلهامًا. ويبدو أنّ هذا الاهتمم لا يرد ضمن أولويات صنّاع القرار سواءٌ في الشمل أو في الجنوب. فبسبب قصورٍ واضح في البصيرة، فإنّ نماذج التنمية التي يتمّ تشجيعها في العالم، بشكلٍ مباشر وعبر "المساعدة" الدولية في حالة بلدان العالم الثالث، تركّز على النمو والإنتاجية. وتنزع الوسائل المستخدمة لتحقيق هذه الأهداف الأهلية عن المواطنين من خلال إقصائهم من المعادلة. ولا يجري اعتبارهم سوى بوصفهم عناصر سلسلة إنتاج. والإشكالية الجديدة التي تواجه العلم والتكنولوجيا، والثقافة، هي النظر في كيفية استخدام المعرفة المكتسبة لتمكين بني البشر من محاربة الفقر والبؤس والظلم الاجتمعي والتهميش والاحتقار لكرامة الإنسان وحقوقه، وإساءة استخدام الطبيعة ومواردها المحدودة. وتعدّ إحدى العواقب الثقافية للتنمية العلمية أنها قد جعلت "التخصّصات" [العلمية] يتجاوزها الزمن إلى حدٍّ ما، خاصّةً إذا نظرنا إلى أحدث النظريات التي تمسّ "النظام" و"الفوضى" في العالم المادّي، والتي تقودنا إلى "ما-بعد تخصّصٍ" جديد يسمّى "[النظرية] الفوضوية"، لا يدع مجالً لإقطاع التخصّصات الجامعية وإمبرياليتها، وهي التي تجزّئ المعرفة وفقًا لحدودٍ مصطنعة تمامًا. إنّ هذا هو أساس الأزمة الإبستيمولوجية التي يجب علينا أن نجد لها حلولً قابلةً للحياة قبل مطلع القرن [الحادي والعشرين]. ويجب علينا إلغاء الحدود الشوفينية المتعصّبة بين العلوم "الخالصة والأساسية" من ​جهة، و"العلوم الاجتمعية والإنسانية" من ​جهةٍ أخرى. ويجب علينا التصالح مع الفلسفة، والتي لم تعد تدّعي أنها "الأولى بين النظراء" (pares inter Primus) بين حقول المعرفة. ويتعيّ علينا أن نحاول صوغ اتفاقيةٍ جديدة متعدّدة التخصّصات تقوم على التكامل بين مختلف مجالات الفهم والحدس بحيث يجري التجاوز – بوعيٍ وبمعنى واسع جدًا – لحدود "العقلانية" التي سجنت العقل البشري داخل نظامٍ مغلق ومتجانس من كتلةٍ واحدة، واختزلت الدور الإيجابي للتنوّع الثقافي إلى حدٍّ حرج.

12 Organization for Economic Co-Operation and Development-OECD/Directorate for Science, Technology and Industry, Science Technology Industry Review , no. 1 (Autumn 1986).

فليست مشكلة التنوّع التي تبرزها اليوم للعيان النمذج البيولوجية والإيكولوجية أقلّ أهميةً على المستوى الثقافي؛ إنها الشرط المسبق لكونيةٍ حقيقية؛ وإنها مشكلةٌ اقتصادية -أخلاقية تؤثّر في البشر والطبيعة وفي "تحالفهم الجديد"، وهو الشرط الأساسي للبقاء على قيد الحياة.

شروط البقاء

إنّ انصهار العلم والثقافة هو السبيل الوحيد الذي يمنح ضمنة البقاء على قيد الحياة بكرامة، وليس بأيّ ثمنٍ يحدّده الآخرون. وإنه السبيل لإعادة اكتشاف الاتّساق في النظام وفي الفوضى، في المجال المادي كم في المجال الروحي. وليس هو مفتاح القرن الحادي والعشرين فحسب، ولكنه أيضًا مفتاح تصالح الإنسان مع نفسه ومع محيطه. وإنه الطريق الواسعة نحو ازدهار العقل والقلب: ازدهار المعرفة والمحبّة، وطمأنينة النفس، والتواضع، والدعابة التي لعلّها تمنعنا من أخذ الأمور بجدّية إلى درجة نسيان معنى وجودنا وهدفنا على هذه الأرض. وبما أننا ما زلنا في مرحلةٍ من "السلبية الثقافية" التي تُلزمني بأن أعبّ عن نفسي في إحالةٍ باستمرار على المفكّرين "الغربيين" من أجل أن أكون "مفهومًا" – على الرغم من أنني أدرك تمامًا حدود فهمي للنظم القِيَمية للثقافات الأخرى غير ثقافتي الخاصّة – فأرجو أن تسمحوا لي بأن أختم هذا المقال باقتباس آخر لرجلٍ بذل جهدًا لتجاوز الحدود الثقافية الضيقة. ففي مقال بعنوان "في مديح عدم الاستقرار"، يعرض إيليا بريغوجين الخطوط العريضة لمقاربةٍ ممكنة ومتفائلة نحو الوحدة الثقافية الكونية بالعبارات التالية: "من ثمّ الاستنتاج الرئيس الذي أودّ أن أستخلصه من هذا العرض، وهو أنّ القرن العشرين يحمل الأمل في وحدةٍ ثقافية، وفي رؤيةٍ غير اختزالية، وأكثر عالمية. فلا تعكس العلوم شكلً ساكنًا لعقلٍ قد ينبغي الخضوع له أو مقاومته؛ إنها تتشارك في خلق معنى بنفس قدر جميع الممرسات الإنسانية؛ وإنها لا تستطيع أن تطلعنا لوحدها عمّ هو الإنسان، أو الطبيعة، أو المجتمع؛ وإنها تستكشف واقعًا معقّدًا يربط بشكلٍ وثيقٍ جدًّا بين ما نعارضه في سجلّت ما هو كائن وما ينبغي أن يكون".

13 Cf. Libération (25 Janvier 1989), p. 6. يشير المؤلّف هنا إلى التمييز المعتاد في الفلسفة بين وضعين من الوجود: مجال الطبيعة من جهة، حيث يسود مبدأ السببية (ما هو كائن être)؛ ومن جهةٍ ثانية، المعيار المحدّد عبر فعل إرادة، والذي يحكم المجتمع (ما ينبغي أن يكون devoir-être). (المترجم)

سوف تأخذ كلمتي الأخيرة شكل تحذيرٍ ودّي وصرخة محبّةٍ إلى أولئك الذين ينتمون للثقافة الغربية، والتي ساهمت كثيرًا في التقدّم المعاصر – الإيجابي منه والسلبي – في مجال العلوم والتكنولوجيا، والتي تشكّل إنجازًا رائعًا في تاريخ البشرية.  وبكلّ تواضعٍ وعلى نحوٍ لا يخصّني شخصيًا، أودّ التأكيد أنني أنتمي إلى فصيلةٍ عالم- ثالثية مهدّدة بالانقراض؛ فصيلةٌ سعت دائمًا جاهدةً إلى درجة التعرّض لخطر فقدان هويتها ورمزها الجيني الثقافي من أجل فهم "الآخر" والتواصل معه، ولكنها لا تتلقّى صدى مسموعًا أو تفاعلً ملحوظًا إلّ نادرًا. وليست ثمّة فرص سوى ضئيلة لتُواصِل الأجيال الصاعدة في العالم الثالث بذل جهد مُحبطٍ إلى هذه الدرجة، ومُهينٍ فكريًا وروحيًا في الغالب، لأنّ هناك حدودًا لإنكار الذات وللمسوشية الثقافية، والتي يمكن أن تؤدّي إلى الاستلاب. فليست لدى هذه الأجيال أسباب وجيهة للقيام بذلك لأنّ لديها بالتأكيد ثقة بنفسها أكثر من الأجيال التي سبقتها، ولأنها قد زادت بالفعل من قبضتها على معرفة العالم وسوف تزيدها أضعافًا مضاعفة. ومهم كان الموقع الجغرافي حيث تعيش أو سوف تعيش، فسوف تنقل هذه الأجيال بوعيٍ أو بغير وعي منظومة قِيَمٍ ثقافية سيكون لها حتمً تأثيرٌ حاسم في تطوّر العلم والتكنولوجيا في القرن الحادي والعشرين. ولم يتبقّ سوى وقتٍ يسير جدًّا للتوصّل إلى سلامٍ ثقافي بفضل

العلم والتكنولوجيا، وليس بفضل "سياسويين" أمّيين علميًا. فكلّ لحظةٍ من التأخير في إبرام مثل هذا السلام ستزيد بشكلٍ منهجي من التكلفة الاجتمعية للتغيير الاجتمعي والاقتصادي والسياسي على الصعيد الكوني. وتلك أيضًا نقطةٌ رئيسة من "برنامج البقاء على قيد الحياة".

المراجع

References Maheu, René. La Civilisation de l'Universel , Paris: Laffont, 1966. Maheu, René. "Introduction", in: Unesco, Histoire du développement scientifique et culturel de l'humanité , Paris: Unesco, 1962. National Institute for Research Advancement (NIRA). "Agenda for Japan in the 1990's", NIRA Research Output , vol. 1, no. 1 (1988), pp. 1 - 13. Organization for Economic Co-Operation and Development-OECD/ Directorate for Science, Technology and Industry. Science Technology Industry Review , no. 1 (Autumn 1986). Prigogine, Ilya & Isabelle Stengers. La Nouvelle alliance. Métamorphose de la science, Paris: Gallimard, 1979. Serres, Michel. Genèse , Paris: Grasset, 1982.