Return to Article Details The Age of Major Transformations:A Reading of the Report: Global Trends: Paradox of Progress

عصر التحولات الكبرى:قراءة في تقرير اتجاهات عالمية: مفارقات التقدم الإنسانية

The Age of Major Transformations:A Reading of the Report: Global Trends: Paradox of Progress

مروان قبلان

الملخّص

منذ عام 1997 ، ينشر "مجلس الاستخبارات الوطني" الأميركي NIC كلّ أربع سنوات تقييمً إستراتيجيًا "غير مصنف" للاتجاهات الرئيسة التي من شأنها أن تشكّل العالم على مدى السنوات ال 20 المقبلة، لمساعدة كبار القادة الأميركيين على التفكير والتخطيط على المدى الطويل. وقد صدر التقرير الذي يتصف بخصوصية تزامنه مع تنصيب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 9 كانون الثاني/ يناير 2017 ، في نسخته الأخيرة الموسومة باتجاهات التقدم، وهو يبحث الكيفية التي ستتقارب من خلالها الاتجاهات العالمية بوتيرة لم يسبق لها مثيل، وتجعل الحكم والتعاون أكثر صعوبةً في المستقبل، وتغيّ طبيعة السلطة تغييرًا جذريًا في المشهد العالمي. ترصد هذه الورقة أهمّ الاتجاهات الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية والتكنولوجية التي تنبثق من هذا التقرير، وهي اتجاهات يرى الأميركيون أنّ من شأنها أن تَسِمَ مستقبل العالم على المدى المتوسط .

Abstract

Since 1997, the US National Intelligence Council (NIC) has every four years published an “unclassified” assessment of the main trends that are likely to shape the world over the coming twenty years, thus aiding the senior American leadership to think and plan for the long term. The latest report was published on January 9, 2017 coinciding with the arrival of the administration of President Donald Trump. It examines how global trends will converge at an unprecedented rate, making government and cooperation more difficult in the future and radically changing the nature of power on the global scene. This paper looks at the most important geopolitical, security, economic, and technological trends discussed in this report and which the Americans see as formative of the world's future in the medium term.

الكلمات المفتاحية:
  • التحولات العالمية
  • استشراف مستقبل العالم
  • الاستخبارات الأميركية.
Keywords:
  • Global Transformations
  • Forecasting
  • US intelligence.

قراءة يف تقرير "اتجاهات عالمية: مفارقات التقدم الإنساني" The Age of Major Transformations

A Reading of the Report: Global Trends: Paradox of Progress

التي تنبثق من هذا التقرير، وهي اتجاهات يرى الأميركيون أنّ من شأنها أن تَسِمَ مستقبل العالم على المدى المتوسط. كلمت مفتاحية:  التحولات العالمية، استشراف مستقبل العالم، الاستخبارات الأميركية. Abstract:  Since 1997, the US National Intelligence Council (NIC) has every four years published an “unclassified” assessment of the main trends that are likely to shape the world over the coming twenty years, thus aiding the senior American leadership to think and plan for the long term. The latest report was published on January 9, 2017 coinciding with the arrival of the administration of President Donald Trump. It examines how global trends will converge at an unprecedented rate, making government and cooperation more difficult in the future and radically changing the nature of power on the global scene. This paper looks at the most important geopolitical, security, economic, and technological trends discussed in this report and which the Americans see as formative of the world's future in the medium term.

Director of the Policy Analysis Unit at the ACRPS, Doha.

مقدمة

درج مجلس الاستخبارات الوطنية الأميركية (Council Intelligence National)، وهو وحدة بحثية تتبع مكتب مدير الاستخبارات الوطنية (Director Intelligence National) الذي يشرف على عمل 17 وكالةً وهيئةً استخباراتيةً أميركيةً، على إصدار تقرير دوري كلّ أربع سنوات يستشرف الوضع الدولي من مختلف نواحيه السياسية، والاقتصادية، والاجتمعية، والبيئية، والعسكرية. ويجري نشر التقرير الذي يتضمن تصورات المجلس وتوقعاته للسنوات المقبلة مع بدء عمل كلّ إدارة جديدة. وقد صدر التقرير الأخير الذي يحاول فيه مجموعة من محللّي الاستخبارات الأميركية التنبؤ بالمستقبل قبل أسبوعين فقط من تولّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرئاسة؛ وذلك في 20 كانون الثاني/ يناير 2017، وهو بعنوان اتجاهات عالمية: مفارقات التقدم الإنساني2. وتوقّع تقرير مجلس الاستخبارات الوطنية الأميركية حدوث تحولاتٍ كبيرة في المشهد الدولي تُؤذن بنهاية عصر الهيمنة الأميركية، وتغير النظام الدولي القائم منذ الحرب العالمية الثانية، كم توقّع التقرير صعود النزعات القومية الشعبوية، وانتهاج سياسات حمئية، مع زيادة الضغوط الاقتصادية، وتصاعد موجات الهجرة واللجوء، وسيادة شعور بانعدام الأمن، مع ارتفاع منسوب التهديدات على المستوى العالمي. وتوقّع التقرير، أيضًا، أن تكون للزيادة السكانية، والتغيرات المناخية، والتهديدات البيئية، والثورة التكنولوجية، تداعيات اجتمعية وسياسية واقتصادية كبيرة على الدول والمجتمعات. تتناول هذه الورقة عرضًا ودرسًا وتحليلً لأهمّ نتائج التقرير واستشرافاته المستقبلية للتحولّات الكبرى المقبلة، وهي تهمّ جميع مجالات المشهد العالمي ومناطقه؛ بما فيها منطقتنا العربية.

أوّلً. اتجاهات عامة يف المشهد العالمي

في عقب انتهاء الحرب الباردة، دخل العالم في سياق إستراتيجي وتنموي مختلف؛ إذ غدا يواجه قضايا غير مألوفة أخذت تؤثّر بشدة في ديموغرافيته، وبات الشمل الغني أطول عمرًا وأقلّ شبابًا، في حين بات الجنوب الفقير أكثر شبابًا وأقصر عمرًا. وتوجه جزء كبير من السكان على امتداد العالم إلى السكن في المدن، وغدا التنافس في فرص العمل الأعلى دخلً والأكثر مهارةً يجري على مستوى عالمي، بعد

National Intelligence Council, Paradox of Progress: Letter From The Nic Chairman, Global Trends (January: 2017), accessed on 15/3/2017, at: http://bit.ly/2noI02X وقد جاء التقرير في 226 صفحة مع الملاحق، واعتمد على زيارات ميدانية إلى 36 بلدًا وإقليمً حول العالم، وأجرى مشاورات مع مئات الخبراء من داخل الحكومة الأميركية وخارجها؛ وتناول مجموعةً واسعةً من التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات البشرية وتوقعاته لاتجاهاتها خلال السنوات الخمس المقبلة. وستجري الإشارة إليه في هذه الورقة ب "التقرير".

أن كان يجري على مستويات قومية ومحلّية. وفي وقت ساهمت فيه التكنولوجيا في تمكين الأفراد وربط الناس ببعضهم أكثر فأكثر، أدّى ذلك، في الآن نفسه، إلى زيادة تأكيد الهويات الدينية والقومية والمواقف المتصلة بالقيم. أمّا على المستويات الوطنية، فقد راحت الفجوة تتسع بين التوقعات الشعبية وأداء الحكومات، وأخذ يتضح فشل الديموقراطية وعجزها المتزايد عن ردم الفجوة بين التوقعات والموارد والإمكانات، وازدادت صعوبة تنظيم العلاقة بين المجتمعات والحكومات التي تدّعي تمثيلها. أمّا دوليًا، فقد انعكس تزايد تمكين الأفراد والمجموعات الصغيرة سلبيًا على تنظيم العمل الجمعي في مواجهة المشكلات العالمية. وفي الوقت نفسه، أخذت مخاطر الصراع تنمو، وأخذ الانقسام العالمي يتسع في مواجهة القضايا الكبرى التي تواجه البشرية، مثل التغير المناخي، وتلوث المياه، ومواجهة التهديدات الإرهابية. وفي الإطار العامّ، ستغدو شعوب العالم وفقًا للتقرير أطول عمرًا وأكثر رفاهيةً، مع انخفاض معدلات النمو السكاني. لكنّ تأثير ذلك سوف يختلف من دولة إلى أخرى. فالدول المتقدمة مثلً، سوف تكون فيها شيخوخة أكثر، في حين سيكون في الدول النامية تنوعٌ مجتمعي أكبر، وسوف يصل عدد سكان العالم إلى 8.8 مليار نسمة في عام 2035، وسوف تأتي الزيادة الأكبر من الدول النامية؛ إذ يُتوقّع أن تنمو الطبقة العاملة في أفريقيا وآسيا بنسب كبيرة، ما قد يتسبب بثورة اقتصادية أو كارثة اجتمعية؛ بحسب نوع السياسات التي ستتبعها الحكومات في التعليم، والبنية التحتية، والاستثمر في القطاعات المهمة، للاستفادة من الهبّة الديموغرافية التي تؤمّنها الزيادة السكانية، بخاصة في الفئات العمرية الشابة. أمّا أنماط العمل ووسائل الرفاهية، فسوف تتغير على نحوٍ كبير في البلدان التي ترتفع فيها معدلات الشيخوخة، وفي الدول التي توجد فيها نسب عالية من الفئات الشابة على حدّ سواء، وسوف يصبح السكان الذين تزيد أعمرهم على 60 عامًا الشريحة الأكثر في التركيبة السكانية لمجتمعات الشمل الغني التي ينبغي لها تبنّي سياسات عملٍ وإدماج ناجحة؛ حتى تتمكن من تقليص آثار تناقص شريحة السكان ممّن يكونون في سنّ العمل. أمّا في الدول النامية، فسوف تشكّل المجتمعات الشابة التي تبلغ أعمرها 25، أو أقلّ تحديًا لأجزاء من أفريقيا وآسيا خصوصًا في الصومال وأفغانستان وباكستان والعراق سنةً واليمن. وجميعها دول عانت انتشارَ العنف وعدم الاستقرار في السنوات الأخيرة. لكن حتى هذه الدول التي تغلب عليها الفئات الشابة سوف تتزايد لديها نسبة الشرائح الأكبر عمرًا، ما يتطلب مزيدًا من الاستثمر في شبكات الأمان الاجتمعية والصحية والاقتصادية. وبناءً على ذلك، يخلص التقرير إلى أنّ عدد السكان الواصلين إلى سنّ العمل على مستوى العالم سوف ينخفض خلال العقدين المقبلين انخفاضًا حادًّا، مقارنةً بالسنوات السابقة، باستثناء منطقة جنوب شرق آسيا وأفريقيا؛ إذ تتوقع تقديرات الأمم المتحدة أن ينمو عدد السكان ممّن هم في سنّ العمل. ونظرًا إلى

أنّ مستويات التعليم في هذه المناطق تُعَدّ من بين المستويات الأدنى في العالم، فإنّ أغلب هؤلاء سيكونون في وضع غير مُوَاتٍ للتأقلم مع اقتصاد عالمي متطور، وستقتصر المنفعة على العمل الأكثر مهارةً. وسوف تكون أكبر الانخفاضات في سنّ العمل في الصين وأوروبا؛ إذ ستتوافر فرص العمل للعمل المهرة والعمل في قطاع الخدمات على نحوٍ أكبر. وسوف يكون المَيل العالمي العامّ في القطاع الصناعي ذو القيمة المضافة أقلّ نحو توظيف العمل غير المهرة من أيّ وقت مضى، في حين يزداد الاعتمد على التشغيل الآلي، والذكاء الاصطناعي، وغير ذلك من أدوات التقدم الصناعي. وسوف يمثّل دمج المزيد من النساء في القوى العاملة تحديًا كبيرًا لبعض المجتمعات؛ وذلك لأسباب اقتصادية وثقافية واجتمعية، علمً أنّ سياسة دمج النساء في سوق العمل تعزز الإنتاج والإنتاجية، وتزيد الناتج الإجملي العالمي، على الرغم من أنّها تتطلب في المقابل مواجهةَ تحدِّي خلقٍ لفرص عملٍ إضافية. وستبقى تدفقات الهجرة مرتفعةً خلال العقدين المقبلين؛ بالنظر إلى أنّ الناس يسعون نحو فُرص اقتصادية أفضل، وبسبب الفرار من الصراعات، وبسبب تدهور الظروف البيئية أيضًا. وقد أشار التقرير إلى أنّ عدد المهاجرين أو الأشخاص الذين يقيمون خارج بلدانهم الأصلية والأشخاص المنفيين قسرًا قد سجّل أعلى مستوياته في عام 2015؛ إذ بلغ نحو 244 مليون مهاجر، ونحو 65 مليون مشرّد ونازح ولاجئ. وتشير الزيادة الأخيرة في عدد الرجال، مقارنةً بالنساء في العديد من البلدان في شرق آسيا، وجنوب شرقها، إلى التحيز الجنسي في هذه المجتمعات وتأثير الثقافة. ويأتي في مقدّمة مسبباته الإجهاض الانتقائي للجنس (قتل المولودات الإناث)، والإهمل الانتقائي للإناث. وتشهد الصين والهند أعدادًا كبيرةً من الرجال، من دون آفاق الزواج. ويستغرق عدم المساواة بين الجنسين عقودًا للتصحيح، ما يؤدي، في الأثناء، إلى رفع معدلات الجريمة والعنف.

ثانيًا. أهمّ عناصر التحولّات الكبرى المقبلة

1. تحولات الاقتصاد العالمي

وفقًا لتقرير مجلس الاستخبارات الوطنية الأميركية، سوف تطرأ تحولات كبيرة على الاقتصادات العالمية خلال العقدين المقبلين، وسوف تحاول الاقتصادات الغنية تحفيز النمو البطيء والحفاظ على مستويات معيشة مرتفعة في ظل تضاؤل المكاسب الإنتاجية المرتفعة. وسيسعى العالم النامي للحفاظ على التقدم الذي أحرزه، في الفترة الأخيرة، في مجال الحدّ من الفقر المدقع ودمج السكان في سنّ العمل. لكنْ سوف يتعرض كلّ بلد من البلدان المتقدمة والنامية لضغوط كبيرة بشأن إيجاد فرص عملٍ جديدة في قطاعات مختلفة، بدلً من الوظائف التي ستقضي عليها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

من جهةٍ أخرى، لاحظ التقرير أنّ الفقر المدقع آخذٌ في الانخفاض. فالإصلاحات الاقتصادية في الصين وغيرها من البلدان أدّت إلى ارتفاع تاريخي في معايير المعيشة ومستوياتها بنحو مليار شخص منذ عام 1990. وقد نجم عن سياسات التنمية الاقتصادية خفضٌ لنسبة الذين يعيشون تحت خط "الفقر المدقع" (أقل من 2 دولار أميركي يوميًا) من 35 إلى نحو 10 في المئة من سكان العالم. وعلى الرغم من أنّ الازدهار العالمي في الصناعات المنخفض التكلفة قد ترك آثارًا سلبيةً في أجور الطبقة الوسطى والتوظيف في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا خلال العقود الماضية، فإنه ساهم في الوقت نفسه في جلب فرص جديدة للعالم النامي وخفض تكاليف السلع بالنسبة إلى المستهلكين، على نحوٍ كبير، في جميع أنحاء العالم. سيستمر عمل الاقتصاد العالمي، خلال السنوات الخمس المقبلة، من أجل استئناف النمو، في وقتٍ تتعافى فيه الاقتصادات الرئيسة في العالم ببطء من الأزمة المالية لعام 2008، ومن الزيادات الحادة في ديون القطاع العامّ. لكنّ الاقتصاد العالمي سيواجه ضغوطًا سياسيةً تهدد التجارة الحرة في ضوء صعود اليمين وميْل دول عديدة إلى تبنّي سياسات حمئية، في حين يتعين على الصين بذل جهد كبير لإعادة توجيه اقتصادها نحو النمو القائم على الاستهلاك، بدلً من الاستمرار على اعتمد التصدير، في ظل شيوع ثقافة ادخارية قوية وتكرّسها. ونتيجةً لذلك، من المرجح أن تشهد معظم الاقتصادات العالمية الكبرى، على الأقلّ في المدى القريب، أداءً أقلّ ممّ كان سائدًا خلال العقود الماضية. بناءً على ما تقدّم، يخلص التقرير إلى أمرٍ مفاده أنّه سيتعين على الصين والاتحاد الأوروبي، بوصفهم اثنين من أكبر ثلاثة اقتصادات في العالم، اتخاذ إجراءات جذرية في إطار عملية تحوّل كبرى ومؤلمة لتعزيز النمو على المدى الطويل. فالصين ستحاول الاستمرار على محاولة رفع مستويات المعيشة، مع التحول بعيدًا عن اقتصاد قائم على الاستثمر وموجّه من الدولة إلى اقتصاد متركز في الاستهلاك والخدمات. وفي الوقت نفسه، سيسعى الاتحاد الأوروبي لتعزيز النمو الاقتصادي، في حين أنّه سيكافح في إدارة مستويات ديون مرتفعة وانقسامات سياسية عميقة. فقد أدّت الأزمات المالية المتلاحقة التي ضربت دول الاتحاد الأوروبي إلى تأكّل الطبقة المتوسطة، وزيادة ردّات فعل بعدم وجود مساواة في الدخول. وقد أدّى ذلك إلى تزايد الشعور في الغرب بأنّ تكاليف تحرير التجارة تفوق المكاسب. ونتيجةً لذلك، فإنّ70 عامًا من سياسات تحرير التجارة العالمية ستواجه ردّات فعل عنيفة، ما يقوّض الآفاق المستقبلية المتعلّقة بمزيدٍ من إجراءات تحرير التجارة. وسوف تتركز أنظار العالم في سياسات الولايات المتحدة وغيرها من المؤيدين التقليديين للتجارة الحرة؛ لملاحظة أيّ تغير في سلوكها في هذا المجال، والبناء عليه.

2. معضلة التكنولوجيا

مع تقلّص الطلب على السكان في سنّ العمل، يسجّل التقرير أنّ معظم الاقتصادات العالمية ستشهد حالات من الصراع والتنافس الشديد، وستواجه جميع البلدان، من دون استثناء، تحدي الحفاظ على فرص العمل وتطوير عملة مرنة، ومدربة؛ إذ يهدد الذكاء الاصطناعي والابتكارات التكنولوجية المختلفة بالقضاء على فرص عمل على نطاق واسع، وعلى كلّ درجات السلم الاجتمعي الاقتصادي. فقد غدا العثور على طرق جديدة لزيادة الإنتاجية والكفاءة في الدول الغنية أمرًا أكثر صعوبةً من أيّ وقت مضى. فالعوامل الديموغرافية، وعوامل الاستثمر وتحسين الكفاءة التي كانت وراء فترة النمو المستمر في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية أخذت تتلاشى. وسيشكل ذلك أحد أبرز التحديات التي ينبغي التعامل معها في أكبر اقتصادات العالم، مع تقدم سنّ السكان. لا شك في أنّ التطور في التكنولوجيا سيساعد على زيادة الإنتاجية في البلدان المتقدمة والبلدان النامية على حدّ سواء، لكنّ تحسين التعليم، والبنية التحتية، والأنظمة والممرسات الإدارية، ستكون عوامل حاسمةً لتحقيق الاستفادة الكاملة منها، ومواجهة التحديات الناجمة عنها. وفي وقتٍ تشكّل التكنولوجيا فيه - على نحو متزايد - بديلً من العملة البشرية، واضعةً ضغطًا سلبيًا على الأجور، فإنّ إيرادات الضريبة على الدخل الشخصي سوف تنمو ببطء في أكثر الاقتصادات، أو حتى تتقلص من حيث القيمة الحقيقية؛ وهذا أمر سيحتاج إلى بناء إستراتيجيات لمواجهته على نطاق واسع؛ إذ يتوقّع أن يكون لتضاؤل إيرادات الضرائب نتائج مباشرة وكبيرة على مستوى الخدمات التي تقدمها الحكومات على صعيد الصحة والتعليم والاستثمر في البنية التحتية وغيرها. لقد أدّت التكنولوجيا إلى إحداث تغيير كبير في مسار التاريخ، لكنّ التنبؤ التفصيلي بديناميات تأثيراتها الاقتصادية، والاجتمعية، والسياسية، والأمنية، لن يكون سهلً. فبعض التوقعات الكبرى التي جرى وضعها سابقًا لم تكن دقيقةً، لكنّ القفزات التي حصلت في الفترة الأخيرة في حقول المعرفة، بخاصة ما يتصل منها بعلوم الهندسة، فتَح إمكانات جديدةً واسعةً في مجال التكنولوجيا الحيوية، وهو أمرٌ ستكون له تأثيرات اقتصادية واجتمعية وأمنية كبيرة في المجتمعات البشرية. سوف تستمر التكنولوجيا على خدمة الأفراد، وتمكين المجموعات الصغيرة، والشركات، والدول، على حدّ سواء، كم أنّها ستساهم في تسريع وتيرة التغيير وتوليد تحديات معقدة، والتسبب بانقطاعات وتوترات جديدة. وعلى وجه الخصوص، سيتسبب تطوير تكنولوجيا الاتصالات المتقدمة (ICT) ونشرها، وقدرات التصنيع الجديدة من الروبوتات إلى التشغيل الآلي، والتقدم في مجال التكنولوجيا الحيوية، ومصادر الطاقة غير التقليدية، باضطرابات كبيرة في أسواق العمل، وسوف يكون لذلك تداعيات كبيرة في قطاعات الصحة والطاقة ونظم النقل؛ وسوف يؤدّي إلى تحولات كبيرة على صعيد التنمية الاقتصادية.

3. الأفكار والهويات: تداخل وتنابذ

في وقت يزداد العالم فيه ترابطًا، ويتنامى تبادل الأفكار، وتتداخل الثقافات والهويات، سوف تزداد النزعات والميل الشعبوي، ويجري إقصاء هويات قومية ودينية، ويجري التمييز على أساس اللون والعرق والدين والثقافة. كم سيؤدي التفاعل بين التكنولوجيا والثقافة إلى تعميق الشعور بحاجة الناس إلى الأمن؛ لمواجهة التغير السريع في المجالات الاقتصادية والاجتمعية والتكنولوجية. وسوف يميل القادة والسياسيون إلى التركيز أكثر فأكثر على خطاب أكثر قوميةً، وإلى مخاطبة هويات فرعية للحشد والتجييش وتعزيز السيطرة السياسية. وفي المقابل، سيسمح هذا الأمر بدور أكبر لجمعات الهويات (Identity groups). أمّا الأثر المحتمل على المدى القريب من صعود سياسات الهوية، فسيبرز في تأكّل تقاليد التسامح والتنوع في جميع أنحاء العالم، بما فيها الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. وسوف يؤدي ذلك، أيضًا، إلى تعزيز السيطرة الاستبدادية في عدّة دول، كالصين وروسيا، وتأجيج صراعات الهوية والتوترات الطائفية في عدة مناطق، كمنطقة الشرق الأوسط مثلً. سوف تتصاعد إذن الشعبوية في الغرب وأجزاء من آسيا وتتّسم بالشك والعداء تجاه المهاجرين والأجانب، وترفض سياسات العولمة الاقتصادية والثقافية، وتتصف بالإحباط من ردّات فعل النخب السياسية واستجاباتها للتحديات التي تفرضها التحولات العالمية الكبرى، وتؤدي إلى صعود اليمين واليسار المتطرف، على حدّ سواء، في جميع أنحاء أوروبا. وسيزداد العداء للمهاجرين والأجانب، وهو أمرٌ يهدد بتقويض مصادر القوة التقليدية في المجتمعات الغربية القائمة على التنوع والاستفادة من المواهب العالمية في مختلف المجالات. وسوف يسعى القادة والحركات الشعبوية، سواء كان ذلك من اليمين أو اليسار، للاستفادة من الممرسات الديمقراطية لتعزيز مواقعهم وكسب تأييد أوسع الفئات الاجتمعية لبناء سلطة تنفيذية مركزية قوية وتكريسها؛ ما يؤدي إلى تأكّل مستمر في بنية المجتمع المدني وتلاشي المبادئ القائمة على سيادة القانون وقواعد التسامح. وهذا الأمر متعلّق بدول الغرب الديموقراطية. أمّا في مناطق العالم الأخرى، فسوف نشهد صعود تعبيرات وطنية حادة ذات مَيل شعبوي، خصوصًا في الصين وروسيا وتركيا. وفي السياق ذاته، تتحول الهوية الدينية إلى إحدى التعبيرات المهمة عن الانتمء لدى مختلف الشعوب والقوميات، بالنظر إلى أنّ نحو 80 في المئة من سكان العالم يرون أنّ لهم انتمءً دينيًّا. وفي أثناء هذا الوضع، سوف تواجه الحكومات صعوبات بالغةً في بناء نظام سياسي متمسك في ظل التغيير المتسارع على مختلف الصعد، وسوف تناضل من أجل تلبية مطالب شعوبها في الأمن والرخاء. وسيؤدي اتساع الفجوة بين أداء الحكومة والتوقعات الشعبية، وانتشار الفساد بين النخب، بالنسبة إلى عدّة قطاعات من المجتمع، إلى انعدام الثقة العامة بالحكومات وتنامي حالات عدم الرضا، والإحباط والتمرد. ويساهم الوصول السهل والواسع للمعلومات، بشأن دور القادة وفعالية المؤسسات، في إلقاء مزيد من الضوء على فشل النخبة في مواجهة التحديات، وتوقّع الأزمات، وفي التعامل معها؛ كم حصل في

الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008. كم يساهم انتشار تكنولوجيا المعلومات، أيضًا، ووصولها إلى عدد أكبر من الأفراد، وانعدام الثقة العامة، وضعف نفوذ الأحزاب السياسية والنقابات والجمعات الدينية، في وصول أزمة التمثيل الديمقراطي إلى ذروتها؛ على نحوٍ يغدو فيه مستقبل الديمقراطية نفسها محلّ شكّ وتساؤل، في ضوء انكشاف حقيقة مفادها أنّ الشرائح الشابة في أميركا الشملية وأوروبا الغربية تصبح باطّراد أقلّ استعدادًا لدعم الحرية من الجيل السابق. وفي هذا الصّدد، لاحظت مؤسسة فريدام هاوس (Freedom Houseأنّ مقياس الحرية عام)  2016 انخفض بحدّة في الأعوام العشرة الماضية3. وفي السياق ذاته، تجد المؤسسات الدولية؛ مثل الأمم المتحدة وغيرها صعوبةً في التكييف مع البيئة المعقدة الجديدة، على الرغم من أنّها ستحاول الحفاظ على بعض أدوارها الرئيسة. غير أنّ جهدها لن يكون على الأرجح فعّالً إلّ إذا اجتمعت مصالح القوى الكبرى على دعمها في عدّة مهمت؛ من قبيل حفظ السلام، والمساعدات الإنسانية، وقامت بإنشاء شراكات مع مؤسسات اقتصادية ومنظمت المجتمع المدني، إضافةً إلى إقامة أشكال جديدة من التفاعل؛ بما في ذلك التفاعل مع القطاع الخاص.

4. التغير المناخي

تعكس التغييرات الكبيرة التي يتعرض لها مناخ الأرض، وزيادة الضغط على الموارد الطبيعية والبيئية، وتعمّق العلاقة بين الصحة البشرية والحيوانية، مخاطر معقدة من شأنها أن تتجاوز الأنماط السائدة المعروفة اليوم، وتزايدَ رغبة الجمعات والأفراد في احترام الالتزامات البيئية خوفًا من التداعيات الخطرة التي قد تنشأ عن تجاهلها. ويضع تغيُّ المناخ مزيدًا من الضغوط على البشر والنُظم الحيوية، وهي ضغوط تنعكس آثارها على الجوانب الاجتمعية الاقتصادية والسياسية والأمنية. ونتيجةً للتغير في المناخ، يرى التقرير أنّ العالم سوف يواجه العديد من التغيرات البيئية والطبيعية التي تؤثّر في الإنسان، وفي جوانب الحياة المختلفة، وفي زيادة الضغط الشعبي على المستوى العالمي لمعالجة هذه الشواغل، بخاصة أنّ الأضرار تجاه الإنسان ستكون كبيرةً جدًّا إلى حدّ أنه من المتوقع - بحلول عام 2035 - أن يكون السبب الرئيس للوفيات مرتبط بالبيئة والتغير المناخي. وفي وقت يزداد فيه الترابط بين صحة الإنسان والحيوان، تختلف مسببات الأمراض وظهور العديد منها وانتشارها ونقْلها، وخصوصًا المُعدية منها. وسيتمّ كشف أوجه القصور والضعف والخلل الشديد في النُظم الصحية الوطنية والعالمية لمكافحة الأمراض، بخاصة منها الأمراض السارية.

2  Freedom House, Freedom in the World 2016 (Freedom House's annual report on political rights and civil liberties), (Washington: 2016), accessed on 30/3/2017, at: http://bit.ly/1KFiHy9

  1. Freedom House, Freedom in the World 2016 (Freedom House's annual report on political rights and civil liberties), (Washington: 2016), accessed on 30/3/2017, at: http://bit.ly/1KFiHy9

5. تغير طبيعة القوة والسياسة

تتزايد مهمّت الحكومات صعوبةً في مواجهة التغيرات التي تحصل على مستوى فوقَ وطنيٍّ (Supranational. فالتغيير المناخي، وعدم الاهتمم على نحوٍ كافٍ بنتائجه وتداعياته، يؤديان إلى) نتائج خطرة على المدى البعيد؛ بعضها قد يكون غير قابلٍ للتغيير. وفي الآن نفسه، تؤدي تكنولوجيا المعلومات إلى نشوء أشكال جديدة من التفاعلات والصراعات التي يصعب التنبؤ ببعضها، في حين تبقى أشكال أخرى عصيةً على الفهم. وفقًا للتقرير، ستؤدي هذه التطورات إلى تنامي عدد الدول التي تحاول تعزيز نفوذها من خلال الاستثمر في الاتجاهات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية الجديدة، وتغيير النظام العالمي الأحادي القطبية الذي ظهر بعد انتهاء الحرب الباردة. وتسمح التكنولوجيا والثروة الناتجة من ظهور مصادر دخلٍ جديدة (في قطاع التكنولوجيا والمعلومات خاصةً) بتمكين المجموعات الصغيرة من تحقيق تغيير كبير في أنماط الحكم وأشكال الصراع، وحتى التأثير في موازين القوى العالمية. ويُرجَّح أن يغدو للمنظمت غير الربحية والشركات المتعددة الجنسيات والجمعات الدينية دورٌ أكبر في تحقيق الرفاه والأمن، وستصبح أكثر فعاليةً في أداء بعض هذه الأدوار من الحكومات الوطنية والمنظمت الدولية. ومن جهةٍ أخرى، سيؤدي حصول بعض الجمعات من غير الدول (actors state Noneعلى تقنيات عسكرية متقدمة، وأنظمة) اتصالات فعّالة، إلى التأثير في موازين القوى الإقليمية. وبدلً من التقريب وتشجيع التفاهم، تساهم البيئة التي تنتقل فيها المعلومات في تشتيت الجمهور، وفي تقويض الفهم المشترك للأحداث العالمية التي كانت يومًا أحدَ أهمّ ركائز التعاون الدولي. ويؤدي ذلك، أيضًا، إلى التشكيك في جدوى قضايا ومفاهيم كانت تُعدّ مسلمت في بعض المجتمعات؛ مثل الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير وتبادل الأفكار. وفي هذا الصّدد، بيّنت بعض الدراسات أنّ المعلومات المخالفة لرأي الفرد لا تغير من وجهة نظره، بل تؤدي إلى زيادة حدّة الاستقطاب، كم بيّنت أنّ الجمهور يثق بآراء القادة الذين يعبّون عن وجهات نظرٍ تتوافق مع آرائه. بوجهٍ عامّ، يمكن القول إنّ الحكومات الديموقراطية باتت، اليوم، تواجه صعوبات أكبر في رسم السياسات وتنفيذها، وفي تمثيل مصالح دولها، في حين يُتوقَّع أن يساعد التطور الكبير في وسائل الاتصال ومعالجة المعلومات الأنظمة الاستبدادية على ممرسة مزيد من القمع الفكري والأمني. وتتضافر مجموعة من النزعات والتوجهات ذات السياق العالمي في جعْل الحوكمة والتعاون الدولي أكثر صعوبةً. وسوف يشجع هذا الأمر العديد من الدول والأطراف على محاولة تغيير السياقات الإستراتيجية العالمية القائمة؛ بطريقة سوف تجعل الفهم التقليدي لهذه السياقات غير مُجْدٍ في صقْل المخرجات المرغوب فيها وتأمينها.

بناءً على كلّ هذه التطورات، سوف يتغير مفهوم القوة المادية التي تُعرّف بأنها تركيبة من عدّة مؤشرات؛ مثل صافي الناتج المحلي، والإنفاق العسكري، وتعداد السكان... إلخ. وسيزداد دور الفاعلين من غير الدول، فضلً عن ظهور مجموعات وقوى جديدة، وأفراد سوف يكون لهم من القوة الاقتصادية وغيرها، ما يجعل تأثيرهم كبيرًا في تطورات الوضع على المستوى العالمي.

6. تغير طبيعة الصراع وتنامي عوامل التوتّر

يؤكد التقرير أنّ خطر الصراع سوف يزداد بما في ذلك الصراع بين الدول (Interstate Conflicts)، خلال العقدين المقبلين، نظرًا إلى ازدياد التنافس وتضارب المصالح بين القوى الكبرى، وتنامي التهديدات الإرهابية وحالات عدم الاستقرار الداخلي في الدول الضعيفة أو الهشة. وسوف تؤدي الصراعات المتزايدة إلى تعطل البنية الحيوية التحتية، وتفكيك التمسك الاجتمعي، وفشل الحكومات في تأدية وظائفها الأساسية، وفي تأمين الاحتياجات المختلفة لمجتمعاتها، إضافةً إلى عدم الكفاءة في استخدام وسائل غير عسكرية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها. وعلى الرغم من أنّ هذه العوامل جميعها قد تكون نتيجةً لنشوء الصراعات، فإنها يمكن أن تكون بالمقدار نفسه سببًا فيها. وفي وقت يزداد فيه انتشار الصراعات ودرجة العنف المستخدمة فيها بين الجمعات العرقية والدينية والسياسية، تزداد تكلفة هذه الصراعات، كم يزداد عدم القدرة على حسمها. وفي وقتٍ تسعى فيه الجمعات "الإرهابية" لتكديس مزيد من القدرات العسكرية لديها، سوف يزداد إصرار الدول وعزيمتها على هزيمتها. ومن الممكن أن تدخل الصراعات والحروب بين الدول في أطوار جديدة وميادين مختلفة؛ مثل انتقال الصراع إلى الفضاء حيث يجري تدمير الأقمر الصناعية أو تعطيل عملها في ما بين الدول المتنافسة. وتزداد المخاوف من انتشار أسلحة الدمار الشامل التي يمكن أن تتطور بسرعة مع التطور التكنولوجي الكبير الحاصل في المجال العسكري. لكن في المقابل، قد يؤدي اتساع المنطقة الرمادية الفاصلة بين حالات الحرب والسّلم إلى زيادة الصعوبة في اعتمد الخصوم على وسائل القوة التقليدية لحسمها، ما يؤدي إلى تطور وتطوير لوسائل أخرى تؤدي معها الديبلوماسية دورًا فعالً. وتشكّل النزعات العالمية السالفة الذِكر تحديًا كبيرًا للأنظمة والحكومات الوطنية؛ ذلك أنّها قد تؤدي إلى تغيير في طبيعة السلطة والقوة، وزيادة التوتر في ما بينها وداخل المجتمعات، وسوف يزداد الضغط على الحكومات لتوفير الاستقرار والازدهار، مع تنامي الفجوة بين توقعات الأفراد وقدرة الحكومات على تلبيتها في عالم غير مستقر. وفي الوقت نفسه، سوف يزداد التوتر بين الدول نتيجة التنافس وضعف الآليات القائمة لمنع نشوب نزاعات، مع بروز قوى صاعدة تبحث عن دور أكبر لها في النظام الدولي، مثل الصين وروسيا، فضلً عن المنافسة الإقليمية بين الدول، وتهديد بعض الدول للأمن الإقليمي؛ مثل إيران.

وفي وقت يُتوقَّع فيه أن يؤدي تنامي الترابط الاقتصادي وتزايد التبادل التجاري دورًا في تخفيف التوتر في النظام الدولي، سوف تبحث الدول عن وسائل أخرى لحمية مصالحها وزيادة منافعها، بما في ذلك التهديد باستخدام القوة. وفي غضون ذلك، من المرجح أن يتوسع تهديد الإرهاب في ظل التنوع والتنامي لقدرة الدول والجمعات والأفراد على إلحاق الضرر بالخصوم والمنافسين. وسيمثل ذلك الأثر الصافي لارتفاع التوتر داخل البلدان وفي ما بينها. وسوف يكون لزيادة حدّة التوترات انعكاسات كبيرة على مختلف دول العالم ومناطقه. ففي أوروبا، تتزايد حدّة الشكوك في قدرة المؤسسات المالية والأمنية الأوروبية على التمسك في وجه التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها دول الاتحاد الأوروبي. ومن أبرز هذه التحدّيات الهجرة، والنمو البطيء، وتزايد البطالة، وتنامي العداء للمهاجرين، والميل نحو تفضيل الحلول الوطنية للمشكلات القارّية. وفي هذا الصّدد، سوف تشجع "البريكسيت" (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) الميول والنزعات الوطنية والمناطقية والانفصالية في بلدان أوروبية عديدة (مثل أسكتلندا، والباسك، وغيرهم)، وستؤدي شيخوخة السكان في أوروبا إلى تقويض النمو الاقتصادي والناتج المحلي. ونتيجةً لذلك، سوف يتحول أكثر الإنفاق والاستثمر نحو الرعاية الاجتمعية والخدمات الصحية بعيدًا عن الإنتاج والتنمية، وسوف تتناقص قدرة الاتحاد الأوروبي على إصلاح مؤسساته، وخلق فرص عملٍ، ورفع معدلات النمو، واستعادة الثقة بالنخب ومعالجة الشواغل العامة، وسوف تغير الهجرةُ الثقافاتِ الوطنيةَ على نحوٍ ملحوظ. وسوف تهدد الانقسامات الداخلية في الاتحاد الأوروبي فضلً عن مشكلته الديموغرافية وأدائه الاقتصادي الضعيف مكانته عالميًّا. وبعد انسحاب بريطانيا منه، قد يضعف التعاون عبر الأطلسي (بين أوروبا والولايات المتحدة). وبالمثل، سوف تواجه الولايات المتحدة تحديات كبرى في ظلّ الظروف الاقتصادية الصعبة والانقسامات الاجتمعية والطبقية. وفي ظل ركود الأجور وتنامي الفجوة وعدم المساواة في الدخل، وتزايد الشكوك حول التكامل الاقتصادي العالمي، وتحقيق "الحلم الأميركي"، وانعدام الثقة العامة بالنخب والقيادات، ستدور بعض التساؤلات حول دور الولايات المتحدة في العالم، وحول قدرتها على التغلب على الانقسامات الخاصة بها، والاستمرار على الالتزام بمبادئ التجارة الحرة العالمية، والإصلاح الضريبي، واستيعاب التكنولوجيا المتقدمة وإنتاجها، وإدارة العلاقات العرقية في المجتمع والانفتاح على الجميع. وفي وقت يُنتظر فيه أن تتواصل معاناة أميركا الوسطى في ظل أوضاع اقتصادية واجتمعية متردية، ما قد يؤدي إلى انتشار العنف على نطاق واسع نتيجة فقدان القدرة على تأمين السلع والخدمات العامة الأساسية، يُتوقّع أن تصبح أميركا الجنوبية أكثر استقرارًا في أثناء استمرار السعي نحو تحقيق السلّم الاقتصادي والاجتمعي والمساواة بين الطبقات، على الرغم من أنّ احتمل حدوث توترات اجتمعية بسبب زيادة التعليم والوعي، وبسبب عدم كفاءة النخب وضعف البنية التحتية، يبقى أمرًا قائمًا. ونتيجةً لسوء الإدارة وانتشار الفساد، يُتوقّع أن يستمر عدم استقرار الحكومات في دول أميركا الوسطى

والجنوبية؛ إذ فقدت الحكومات اليسارية السلطة في عدّة دول، مثل الأرجنتين، في حين أنّ القيادات الجديدة لا تحصل على الوقت الكافي ولا على فرصة لإظهار قدرتها على تحسين الأمور، في ظل استعجال النتائج من قبل الناخبين. ومن جهتها، تواجه الصين اختبارًا صعبًا، على الرغم من الاستقرار السياسي الذي حققته، بالنظر إلى تباطؤ النمو، وأزمة الديون الكبيرة تعانيها، وجهد الانتقال من اقتصاد قائم على الاستثمر والتصدير إلى اقتصاد من شأنه أن يغذي الاستهلاك المحلي المتنامي، في ظل ارتفاع مستوى الدخل الفردي الذي يؤدي إلى زيادة الضغوط لتلبية مطالب الطبقات الوسطى الجديدة. ولا شك في أنّ الصين لديها موارد كافية لدعم النمو، بيد أنّ نمو القطاع الخاص الذي بات محرك الاقتصاد الصيني سوف يستند إلى قدرته على ترسيخ الاستهلاك المحلي، وقدرة الحكومة على المضيّ قُدمًا في تحقيق الاستقرار السياسي. أمّا روسيا، فهي تسعى لاستعادة مكانتها العظمى من خلال بعْث الروح القومية والقوة العسكرية والتدخلات الخارجية، في حين أنّ اقتصادها يسير نحو الركود. ولئن كان بوتين يحظى بشعبية كبيرة داخل بلاده، فإنّ هناك مؤشرات على نفاذ صبر الشعب مع تدهور الظروف المعيشية وسوء استخدام السلطة. وهناك من المؤشرات ما يكفي لاستنتاج أنّ روسيا سوف تصبح عرضةً لعدم الاستقرار الداخلي، مع تحسن الصورة الديموغرافية إلى حدّ ما. ومع تزايد التقارب بين روسيا والصين، فإنّ الدولتان تسعيان لجني المزيد من المكاسب الناجمة عن تباطؤ التقدم المادي في الغرب، كم أنّهم تسعيان لتعزيز هيمنتهم في جوارهم الإقليمي وفي صياغة السياسات الأمنية والاقتصادية الإقليمية على نحوٍ ملائم لمصالحهم. لكنّ التعاون بين الدولتين يبقى في إطار تكتيكي؛ فمن المرجح أن تعود العلاقة بينهم إلى المنافسة، في ضوء توجه بكين إلى تعزيز نشاطها في آسيا الوسطى التي تُعَدّ منطقة نفوذ روسية لتوفير الطاقة الرخيصة. وستسعى روسيا لعقْد تعاون دولي مع دول أخرى لاحتواء الأزمات التي تواجهها. وسوف تتمسك بسلاحها النووي كرادع، وكردٍّ على القدرات العسكرية التقليدية لخصومها، وسوف يصبح لها وجود أكبر في الشرق الأوسط. وبالنّظر إلى أهداف أمنية وسياسية وقانونية واقتصادية، ومن أجل فرْض هيبتها في إقليمها ومنطقتها، سوف تستمر محاولات كوريا الشملية الحصول على اعتراف دولي بها كقوة نووية. لكنّ هذا السلوك سوف يسبب كثيرًا من المشكلات للصين، بوصفها الحليف الرئيس لكوريا الشملية. وفي المقابل، يستمر تراجع مؤشرات التنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا في ظل غياب الإصلاح السياسي والاقتصادي، واستمرار الصراعات داخل الدول، وفي ما بينها، ما يؤدي إلى زيادة الفقر.

وإذا استثنينا منطقة جنوب الصحراء التي تمكنت من التوسع في مجال الممرسات الديمقراطية، حيث أدّت منظمت المجتمع المدني دورًا مهمً في وصول حكومات أكثر كفاءةً وأكثر تمثيلً للحكم، ما زالت كثير من الدول الأفريقية تعاني المحسوبيات والمحاباة والتمييز، بناءً على العِرق أو العامل القبلَي، بغضّ النظر عن الكفاءة. سوف يكون الاقتصاد الهندي الأسرع نموًّا في الخمسة أعوام المقبلة، لكنّ التوترات الداخلية الناجمة عن اتساع الفجوة الطبقية، والتوترات الدينية، سوف تنعكس سلبيًا على وضع الهند السياسي والاقتصادي. أمّا باكستان، فسوف تجد - في ظلّ تزايد التوتر مع الهند - أنّها مضطرة إلى مواجهة القدرات العسكرية والاقتصادية التقليدية الهندية، من خلال زيادة الاعتمد على أدوات الصراع والردع غير المتناظر. وعلى الرغم من أنّ عدد الذين يقضون بسبب الهجمت الإرهابية أقلّ كثيرًا من عدد الذين يقضون بسبب الأمراض والحوادث، فإنّ احتمل وصول الجمعات الإرهابية إلى وسائل ذات قدرات تدميرية أكبر لتنفيذ سيناريوهات كارثية تُعَدّ حقيقيةً. كم تُعَدّ التكنولوجيا، في هذا السياق، سلاحًا ذا حدَّين. فمن ناحية، تساهم في تسهيل الاتصالات بين عناصر العنف وجمعاته، إضافةً إلى أنّها ذات فائدة في عمليات التجنيد والتسهيلات اللوجستية، وفي جعل الهجمت الإرهابية أكثر فتكًا، لكنها في المقابل تمكّن الحكومات من امتلاك وسائل أفضل لتحديد الأعمل الإرهابية وتشخيصها وإجهاضها.

ثالثًا. سيناريوهات المستقبل

يتطلب الحديث عن المستقبل إلى فترة أبعد من خمس سنوات مقبلة أخْذ العديد من المتغيرات والعوامل التي تفيد في فهم الكيفية التي يمكن من خلالها أن يؤدي تفاعل مجموعة من الميول والنزعات والخيارات والقرارات المحكومة بعدم اليقين في سلوك دروب معيّنة، أو رسم سيناريوهات محددة. وفي هذا السياق، يعرض التقرير ثلاثة تفاعلات رئيسة يمكن أن تساهم في تشكيل المستقبل خلال السنوات العشرين المقبلة، هي: تفاعلات داخلية: تتعلق بالكيفية التي سيحدد فيها المجتمع والحكومة توقعات كلّ طرف منهم تجاه الآخر، بما في ذلك الاتفاق على نظام سياسي جديد قادر على التعامل مع تغييرات متسارعة، يزداد فيه تمكين الأفراد، ويتغير فيه الاقتصاد ووسائل تحقيق الثروة. تفاعلات بين الدول: تتصل بكيفية قيام الدول الرئيسة في النظام الدولي، وجمعات وأفراد مؤثرين آخرين، بتحديد طرق التنافس والتعاون والتوافق في ما بينهم. تفاعلات متصلة بمدى استعداد الدول وغيرها من الفاعلين المؤثرين للتعامل مع القضايا الدولية المعقدة؛ مثل التغيرات المناخية، والتداعيات العميقة للتطور التكنولوجي.

أمّا السيناريوهات الثلاثة الرئيسة التي تحاول استشراف الكيفية التي يمكن أن تتفاعل فيها الخيارات والميول والقرارات لخطّ طرق المستقبل، وردّات الأفعال على حالات عدم الاستقرار الناشئة عنها، فهي "سيناريو الجزُر" (Islands Scenario)، وهو ينظر في الآثار على المستوى الوطني، و"سيناريو المدارات" (Scenario Orbits وهو ينظر في الآثار على المستوى الإقليمي، و"سيناريو الجمعات")، (Communities Scenario)، وهو ينظر في الآثار على المستوى العابر للدول والمجتمعات.

1. سيناريو الجزر

يتناول هذا السيناريو القضايا التي تقود إلى إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي، ما يؤدي إلى فترات طويلة من بطء النمو أو توقفه، وهو أمرٌ يشكّل تحديًا لفرضية أنّ النمذج التقليدية للازدهار الاقتصادي وتوسّع العولمة سوف تستمر في المستقبل. ويؤكد هذا السيناريو الصعوبات التي تواجهها الحكومات في تلبية المطالب المجتمعية المستقبلية في مجالات الأمن والاستقرار الاقتصادي والاجتمعي، في وقت يزداد فيه الرفض الشعبي لعمليات العولمة والتكنولوجيات الناشئة التي تؤدي إلى تغيرات عميقة في مفهوم العمل والتجارة، ونموّ عدم الاستقرار السياسي. ويشدد هذا السيناريو على الخيارات التي ستواجهها الحكومات في محاولتها التكيف مع الأوضاع الاقتصادية والتكنولوجية المتغيرة التي قد تؤدي ببعضهم إلى الانغلاق على الذات، وتقليص الدعم للتعاون الدولي المتعدد الأطراف، واعتمد سياسات حمئية، وغيرها، لإيجاد سُبل للاستفادة من مصادر جديدة للنمو الاقتصادي وزيادة الإنتاجية. ويشتمل السيناريو على أهمّ العوامل التي تؤدي إلى الإبطاء من وتيرة النمو الاقتصادي العالمي، والتخلي عن نزعات العولمة ودوافعها التي سادت خلال العقود الماضية، وأهمها: زيادة الفجوة الطبقية وعدم المساواة، وانتشار الذكاء الاصطناعي، والاستغناء عن اليد العاملة البشرية، وتغير الميول التجارية، والتوجه نحو التعاون الإقليمي بديلً من التجارة العالمية، وانخفاض النمو الاقتصادي العالمي، وبقاء الهند والصين غارقتين في معضلة "الدخل المتوسط"، مع ركود الأجور ومستوى المعيشة، واندفاع أوروبا والولايات المتحدة نتيجة التحديات الاقتصادية والاجتمعية التي تواجهها إلى الانغلاق على الذات، وزيادة انتهاك حقوق الملكية الفكرية والهجمت السايبرية، والتغيرات المناخية، وانخفاض معدلات السفر حول العالم بسبب انتشار الأمراض. فكلّ هذه العوامل ترجح أن تقوم الدول برفع مزيد من الحواجز؛ لحمية نفسها من المخاطر والتهديدات التي تواجهها والتحول إلى "جزُرٍ" في بحر من الاضطرابات.

2. سيناريو المدارات

يتناول هذا السيناريو مستقبل التوترات التي تنشأ من تنافس القوى الكبرى التي تسعى لبناء مناطق نفوذ خاصة بها، في وقت تحاول فيه تأمين حالة من الاستقرار في الداخل. ويحاول هذا السيناريو رسْم

تصور حول الكيفية التي يمكن من خلالها أن يؤدي تضافر صعود النزعات القومية، وتغير أنماط الصراع والتكنولوجيات المدمرة الناشئة، وتناقص التعاون العالمي إلى زيادة مخاطر الصراع بين الدول. ويشدّد السيناريو على الخيارات السياسية التي من شأنها أن تعزز الاستقرار والسلام، أو تؤدي إلى تفاقم التوترات. كم يفترض هذا السيناريو أنّ جملةً من العوامل، من أبرزها صراع منظومات القيم بين دول متنافسة، وزيادة الإنفاق العسكري وسباق التسلح، وصعود القومية، والشعور المتزايد بعدم الأمن داخل الدول والمجتمعات، سوف تؤدي إلى بدْء حقبة من الصراعات الجيوسياسية بين الدول الكبرى. ويؤدي الانقسام السياسي في الولايات المتحدة، والصعوبات المالية، إلى تقلّص الانخراط الأميركي في الساحة الدولية. وسوف تستفيد من هذا الأمر الدول المنافسة، وفي مقدّمتها الصين وروسيا، لمحاولة فرض هيمنتها على مجالها الحيوي ومناطق الجوار الإقليمي؛ والأمر ذاته قد قامت به إيران في الهلال الخصيب، وهو ما سوف يؤدّي مع حلول نهايات عشرينيات القرن الحالي، إلى تحول النظام العالمي إلى مناطق نفوذ إقليمية متنافسة، تتمحور حول قوة مركزية تمارس هيمنتها السياسية والاقتصادية والأمنية ضمن حدود منطقة نفوذها.

3. سيناريو الجمعات

يتناول هذا السيناريو القضايا التي تنشأ من فداحة التحديات الاقتصادية وممرسة الحكم لاختبار قدرة الحكومات الوطنية على التواؤم معها؛ ما يفسح المجال واسعًا لنمو سلطة الحكومات المحلية والجهات الخاصة في ممرسة بعض المهمّت والوظائف التي كانت سابقًا حكرًا على الحكومات القومية. ويؤكد هذا السيناريو الاتجاهات المرتبطة بالطبيعة المتغيرة للقوة، والتقدم الكبير في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي تمكّن مجموعةً أوسع من الجهات الفاعلة المؤثرة، من فهْم الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها مثل هذه التوجهات إلى نشوء خيارات تخلق، في الوقت نفسه، فرصًا وعقبات أمام الحكم في المستقبل. وعلى الرغم من أنّ ممرسة بعض الوظائف السياسية للدولة (مثل السياسة الخارجية والأمنية والدفاعية)، ستبقى حكرًا على الحكومات القومية، فإنّ المجتمعات المحلية سوف يزداد اعتمدها على السلطات المحلية، والمؤسسات المدنية والدينية، لتوفير حزمة واسعة من الاحتياجات، والخدمات التعليمية، والمالية، والتجارية، والقانونية، والأمنية. وفي الوقت نفسه، سوف يعمد الناس باطّراد إلى تعريف أنفسهم، وتحديد انتمءاتهم وهوياتهم؛ من خلال شبكة من الجمعات المتصلة خارج الإطار الوطني. وتساعد التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة في إعادة تعريف العلاقات والهويات القائمة على الأفكار المشتركة، والأيديولوجيا، والتاريخ، والدين، والطائفة، بدلً من الانتمءات أو الهويات الوطنية.

وفي وقت تغدو فيه القدرة على التحكم واستغلال المعلومات أحد أهمّ مصادر النفوذ والقوة، تصبح الشركات وجمعات المصالح والجمعيات الخيرية والحكومات المحلية أكثر قدرةً على استخدام قوة الأفكار والمشاعر للتأثير في الناس من الحكومات القومية. وهذا ما يدفع الحكومات الوطنية، أحيانًا، إلى التخلي عن جزء كبير من سلطاتها ومهمّتها لشبكة من "الجمعات" الاجتمعية والاقتصادية في محاولةٍ للتغلب على حالات الإحباط العامّ وانعدام ثقة الناس بالحكومات القومية، وتأمين الخدمات الأساسية. ومن المهمّ، في هذا السياق، الإشارة إلى العالم العربي. فقد يتحدّى جيلٌ شابٌّ تشكّلت تجربة حياته في سياقٍ من انعدام الأمن وضآلة الفرص الاقتصادية والتعليمية - من خلال شبكات الاتصال والمعلومات - البنى التسلطية التقليدية الحاكمة. أمّا في مناطق أخرى، كروسيا مثلً، فتجد الحكومة صعوبةً متزايدةً في مواجهة تحالف واسعٍ من فئات وشرائح اجتمعية مختلفة نشأ احتجاجًا على انتشار الفساد وحُكم الأوليغارشية، وهو يسعى للضغط من أجل تحقيق إصلاحات اقتصادية وسياسية. وفي حين أذعنت بعض الحكومات للنزعات الجديدة المتمثلة في الميل نحو حُكم أكثر محليةً بصلاحيات كبيرة، رفضت بعض الحكومات المشاركةَ في السلطة، وقاومت إمكانية التخلي عن بعض صلاحياتها لمصلحة قوى وجمعات محلية، فواجهت حركات مقاومة شعبية سلبتها في نهاية المطاف السلطة التي كانت تستميت في الدفاع عنها. وبمرو الوقت، تنشئ المنظمت والمؤسسات الدينية والتجارية، فضلً عن الجمعات الدينية والخيرية والحكومات المحلية، تحالفات قد تتضمن أحيانًا الحكومات الوطنية، لمواجهة التحديات العالمية؛ ما يؤدي تدريجيًا إلى التمحور حول قيم عامة، بما فيها حقوق الإنسان. وقد أخذ ممثِّلو دول ورؤساء مُدنٍ وقادة مجتمعٍ مدني ومنظمت مالية وتجارية يشاركون في لقاءت إقليمية وشبكات عملٍ تتمحور حول قضايا معينة؛ لإيجاد بدائل لقيادة تحولات عالمية بطريقة إيجابية. وبعيدًا عن سياق الحرب الباردة، يتكون العالم الحر اليوم من مجموعة من الدول والجمعات اللادولتية (state None، وتحت دولتية) (state Sub، تعمل على نحوٍ متسق لنشر ثقافة احترام الحريات الفردية وحقوق الإنسان، والإصلاح) الاقتصادي، وسياسات الحفاظ على البيئة، والتجارة الحرة، والشفافية المعلوماتية.

رابعًا. توقعات السنوات الخمس المقبلة لأهم مناطق العالم

في ضوء جملة التحديات الاقتصادية والاجتمعية والبيئية والأمنية التي يُتوقّع أن يواجها العالم خلال السنوات المقبلة، والتي سبقت الإشارة إليها، وانطلاقًا من السيناريوهات الثلاثة آنفة الذكر، يمكن وضع بعض التوقعات لأهم مناطق العالم خلال السنوات القليلة المقبلة.

1. شرق آسيا وجنوب شرقها

تضم منطقة شرق آسيا وجنوب شرقها أكبر تنوّع عرقي وثقافي في العالم، وهي منطقة تتزايد أهميتها الاقتصادية على نحوٍ مستمر، وتتصدر مناطق العالم، سواء كان ذلك في مجال النمو الاقتصادي أو في مجال المنافسة الجيوسياسية؛ إذ تتضافر مجموعة من العوامل ترفع درجة عدم اليقين المحيطة بها. ويلقي الغموض في هذه المنطقة بظلاله على السلام والازدهار فيها. ومنذ أن اندفعت الصين نحو الاندماج في الاقتصاد العالمي، والمنطقة تحقِّق قفزات كبيرةً في مجال النمو والتنمية الاقتصادية، لكنها من جهة ثانية ترفع منسوب التوتر. فالصين تحاول إعادة رسم المعايير والقواعد الدولية في المنطقة وتحديدها لتعزيز مصالحها؛ من ذلك سعيها لتأكيد سيادتها على بحر الصين الجنوبي، وهو أمرٌ يثير ردّات فعلٍ سلبية قوية لدى جيرانها، كم أنّه يتسبب باستثارة المشاعر القومية في الداخل؛ ذلك أنّ الصين تسعى لخلق رأي عامّ داخلي داعمٍ لموافقها الإقليمية والدولية، وهو ما يُكن أن يحدّ من قدرتها على المناورة في المستقبل. ويؤدي هذا الوضع إلى تداخل شديد بين قضايا الأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي، تاركًا آثارًا عميقةً في التفاعلات الإقليمية. فالدول الصغيرة والمتوسطة تسعى لتقوية قدراتها الدفاعية والتحالف في مواجهة التهديدات الصينية، لكنها تحاول، في الوقت نفسه، الاستفادة من الفرص الاقتصادية الكبيرة التي يوفرها التعاون مع الصين. من غير المرجح أن تجد النزاعات الإقليمية والبحرية الطويلة في المنطقة طريقها إلى الحل في السنوات الخمس المقبلة، بل على العكس من ذلك؛ إذ يُتوقَّع أن يزداد منسوب التوتر في المنطقة، ويُتوقَّع أن تسعى دول مطلّة على بحر الصين الجنوبي لطلب مساعدة الولايات المتحدة في مواجهة التحديات الأمنية التي تفرضها الصين، كم يُتوقَّع أن يزداد دور المنظمت الإقليمية وفعاليها، مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، في مواجهة التوترات المتصاعدة في المنطقة، وفي ما يتعلّق بآليات التعامل معها. ومن شأن تصاعد التوتر بخصوص أيّ قضيّة من القضايا الخلافية في المنطقة أن يؤدّيَ إلى تقويض الثقة الاقتصادية والاستثمر وتباطؤ التعاون الاقتصادي الإقليمي. تسعى الصين للاستفادة من "الفرصة الإستراتيجية" التي تتوافر لها حاليًا؛ لضمن قدر أكبر من النفوذ في المنطقة، قبل أن تبدأ حظوظها في التراجع نتيجةً لزيادة الاهتمم الإستراتيجي الأميركي في المنطقة، وتطور القدرات الدفاعية لليابان، وتزايد التحديات السياسية والأمنية التي تواجه الصين مثل تزايد نزعات الانفصال لدى تايوان، وتصاعد التوتر على خلفية البرنامج النووي لكوريا الشملية، وتزايد التحديات الاقتصادية التي تواجهها بكين. لكن من المحتمل أن تختلف السياسات الخارجية للصين، إذا أبدت استعدادًا للالتزام بالقواعد الدولية والأعراف الدولية.

أمّا اليابان، فالأرجح أنها ستزيد اعتمدها على الذات عسكريًا مع تنامي مشاركتها في الشؤون الأمنية الإقليمية والعالمية، وتُتوقَّع زيادة توثيق لعلاقاتها بالولايات المتحدة، استنادًا إلى العلاقات الاقتصادية القوية التي تربطها بها، ويُتوقَّع أن يترافق ذلك مع زيادة استعدادها للانخراط، أكثر فأكثر، في شؤون منطقة جنوب شرق آسيا وتحمّل أعباء هذه المشاركة. سوف تميل الهند إلى زيادة إقحام نفسها في قضايا جنوب شرق آسيا الاقتصادية والأمنية، وسوف تتعزز علاقاتها باليابان. وسوف تدفع طموحات الصين الإقليمية وتجاهلها لمصالح الهند إلى تقارب أكثر بين الهند والولايات المتحدة لتحقيق التوازن. وفي ضوء تنامي الشكوك بشأن التجارة الحرة ومستقبل اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ (Partnership Trans-Pacificالتي تضمّ الهند، يُحتمل أن تسعى الهند) للاستعاضة من ذلك بتطوير علاقاتها الاقتصادية بالولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات الكبرى، ما يساعد على دفع الإصلاح الداخلي والنمو الاقتصادي، وتعزيز قدرة الهند على القيام بدور اقتصادي إقليمي أكثر قوةً وتأثيرًا. ومن جهتها، تُعَدّ إندونيسيا أكبر بلدٍ مسلم في العالم، كم أنّها تُثّل أكبر تنوع بيولوجي أيضًا، لكن ثمّة مخاطر تحيط بدورها؛ وذلك بسبب إمكانية تنامي دور شبكات الإرهاب الدولية فيها. ويؤدي حَرْق الغابات الإندونيسية إلى زيادة الانبعاثات الكربونية العالمية فضلً عن تلوث الهواء وارتفاع معدلات الوفاة الناجمة عن أمراض الشعب الهوائية في أنحاء جنوب شرق آسيا. في كلّ الأحوال يُتوقَّع أن تصبح لكلّ من الهند، وإندونيسيا، وفيتنام، أدوار أكثر أهميةً في آسيا ممّ كانت عليه في العقود الماضية؛ ويرجع ذلك جزئيًا إلى إنجازات هذه الدول الكبيرة في مجال العلاقات التجارية، والأوضاع الديموغرافية المواتية، مقارنةً بدول المنطقة الأخرى. في ماليزيا، يمكن أن تترك السياسات العرقية والدينية التي يجري اتباعها في بلد ديمقراطي، أغلبية سكانه من المسلمين، آثارًا إيجابيةً في نشر الديمقراطية والاستقرار الاجتمعي والاتجاهات في المنطقة، ويمكن أن تساعد في زيادة جهد مكافحة التطرف العالمية. وتساهم ماليزيا وإندونيسيا، مثل غيرهم من الدول الإسلامية، في مواجهة التعصب من خلال الممرسات الصوفية الإسلامية التقليدية السائدة في مثل هذه البلدان، وسيؤدي خلاف ذلك إلى تأجيج التوتر في مجتمعات متعددة الأعراق والأديان. أمّا تايلاند والفلبين اللتان تعانيان مشكلات في الحكم والإدارة، فقد ذهبتَا إلى تفضيل حُكم الرجل القوي على الممرسات الديموقراطية. ومن المرجح، أيضًا، أن تؤدي التحولات الاقتصادية الكبرى، والتغيرات الديموغرافية، والهجرة المستمرة إلى زيادة الضغوط التي تتعرض لها مجتمعات شرق آسيا وجنوب شرقها في السنوات الخمس المقبلة، وسوف تتطلب استجابات سياسية سريعة لمواجهتها. ويُتوقَّع أن تؤدي الشيخوخة المتزايدة للسكان إلى تنامي

الطلب على أنظمة الرعاية الصحية لمواجهة الأمراض المزمنة، ما يمثل ضغوط ا كبيرةً على مصادر التمويل الحكومي. وتؤدي عدم المساواة الاقتصادية إلى تعزيز الاستياء العامّ في الصين وأماكن أخرى في المنطقة، ولا سيم أنّ الشركات والمؤسسات الإنتاجية ستواجه مزيدًا من ضغوط المنافسين لخفض التكلفة في المنطقة وخارجها. ويُرجَّح أن تؤدي التغييرات المناخية إلى زيادة الظروف المناخية القاسية، والعواصف، وارتفاع مستوى سطح البحر، إلى تأثيرات سلبية كبيرة في دول شرق آسيا وجنوب شرقها، حيث يعيش كثير من سكانها في مناطق ساحلية، سيكونون أكثر تعرضًا من غيرهم لهذه التغييرات، في وقت يقلّل فيه التوتر المستمر من القدرة على مقاومة حتى الظواهر الجوية المتواضعة. وتُعَدّ التهديدات المرتبطة بالأمن المائي والغذائي من بين الاهتممات الكبرى التي تؤرق دول المنطقة، مع تزايد ظروف الجفاف في كمبوديا، ولاوس، وتايلاند. وسيكون التعاون في قضايا المياه حاسمً في منطقة مكتظة بالسكان، مع تنامي النزاعات حول تدفقات المياه بين بورما وكمبوديا والصين ولاوس، إضافةً إلى النزاعات الإقليمية شتّى. وجميع دول المنطقة لديها آفاق اقتصادية وتعقيدات سياسية كثيرة مع الصين التي سيترتب عليها، خلال السنوات القليلة المقبلة، اختبار مدى قدرتها على استمرار رفع مستويات المعيشة وتوسيع عدد المستفيدين من سياساتها التنموية، عبر إجراء تغييرات هيكلية في اقتصادها، وتحويل الثقافة المحلية من السّمة الادخارية إلى السّمة الاستهلاكية. وسوف يلحق فشل الصين في الوفاء بوعودها الاقتصادية؛ على النحو المنصوص عليه في اتفاقية إنشاء البنك الآسيوي للاستثمر في البنية التحتية (Asian Infrastructure Bank Investment، ومبادرة الحزام والطريق، ضررًا بالغًا بسمعتها، وبجهدها الهادف إلى تنمية) المناطق الداخلية والغربية والنفاذ إلى أسواق جديدة للتصدير. كم يختبر التوتر الديني والعرقي قدرة بكين على تحمّل ما تعدُّه تاريخيًّا تهديدًا لسلطتها. ومن المتوقَّع أن ينمو في العقدين المقبلين عدد السكان المسلمين والمسيحيين في الصين. وتراقب الحكومة، عن كثب، تأثير هذه التطورات؛ إذ يجري تقييد الحريات الدينية، بخاصة في إقليم شينجيانغ، ما يؤدي إلى تفاقم استياء السكان المسلمين، في حين يمارس عشرات الآلاف من المسيحيين عباداتهم بسرّية في كنائس داخل البيوت، خوفًا من اضطهاد الحكومة لهم. وفي وقت يزيد فيه معدل الأعمر وترتفع فيه مستويات الدخل، تتحول أنماط المعيشة تجاه المعايير الاستهلاكية الغربية، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة؛ مثل أمراض البدانة، والقلب، والسرطان، مع انخراط ملايين الناس في عادات غير صحية، ويؤدّي ذلك إلى إرهاق قدرة النظام الصحي الوطني، فضلً عن قدرة الحكومة على الاستثمر في البنية التحتية الصحية. وسوف تتفاقم المشكلات البيئية في كثير من المناطق؛ إذ تواجه بكين تحديات كبرى في توفير المياه من حيث الكمية والنوعية على نحوٍ تكفي مواطنيها. في حين تتدهور الموارد الزراعية نتيجة التلوث، كم

تسوء جودة الهواء في العديد من المدن الكبرى. وسيكون للنجاح في مواجهة هذه التحديات انعكاسات كبيرة على علاقات الصين بجيرانها في شرق آسيا، ومن شأن التحول الاقتصادي على نحو سلس، ومن شأن قيادة أكثر كفاءةً، تعزيز ثقة بكين بتعاملها مع اليابان، والفلبين، وفيتنام. وسوف تكسب بكين أيضًا كثيرًا من النفوذ والتأثير في الساحة الدولية، إذا نجحت المبادرات الاستثمرية الجديدة المتعددة الأطراف في تعزيز فرص العمل وسُبل العيش في الداخل والخارج. وسوف يساهم ذلك، أيضًا، في تعزيز علاقات بكين بإسلام آباد وبيونغ يانغ؛ ومن ثمّ يزيد ذلك قدرة الصين على مواجهة التهديدات المقبلة من أفغانستان والتحديات المترتبة على البرنامج النووي لكوريا الشملية، كم أنّه سيجعل للصين تأثيرًا كبيرًا في السلام والاستقرار في جنوب آسيا وشرقها.

2. جنوب آسيا

ستؤدي التغيرات الداخلية والخارجية دورًا كبيرًا في تقرير مستقبل الاستقرار الأمني والسياسي في جنوب آسيا في السنوات الخمس المقبلة، مثل سحب القوات الدولية من أفغانستان، وتطور العلاقة بين الولايات المتحدة والهند، وقدرة باكستان على الحفاظ على استقرارها الداخلي. كم تؤدي عوامل مثل التطرف العنيف، والانقسامات الطائفية، والإرهاب، والتغييرات البيئية، وضعف النُظم الصحية، وعدم المساواة بين الجنسين، والضغوط الديموغرافية، إلى تعثّ التكامل الاقتصادي والإصلاحات السياسية التي تحتاج إليها المنطقة للاستفادة من المكاسب الإنمائية التي تحققت خلال العقود الماضية. سوف تجد حكومات مختلف دول المنطقة صعوبةً في تلبية التوقعات المتنامية لمواطنيها، بالنظر إلى الضغوط البيئية والحضرية الكبيرة. ويتمثل الأمل الأكبر للمنطقة في قدرة الهند على استخدام الإمكانات الاقتصادية والبشرية الكبيرة المتاحة لها لدفع التجارة والتنمية الإقليمية. وفي الوقت نفسه، يمثّل عدم الاستقرار في أفغانستان والعنف المتصاعد في باكستان، وخطر اندلاع حرب بين الهند وباكستان التحديات الكبرى التي تواجهها المنطقة. وعلى الرغم من العديد من المشكلات التي تواجهها المنطقة، فإنّ أهميتها آخذة في الازدياد نتيجةً لانفتاح اقتصاد إيران بعد تخفيف العقوبات، وتحويل الصين تركيزها نحو الغرب. وستزداد أهمية الهند في المنطقة، إذ إنّ علاقاتها بالولايات المتحدة ستكون أكبر وأعمق من أيّ وقت مضى. وستعمل نيودلهي على تعزيز التعاون في التجارة والبنية التحتية مع بنغلاديش وبورما وإيران ونيبال وسريلانكا. ويمكن لهذا التعاون أن يشجع على الاستقرار والازدهار في معظم أنحاء المنطقة. وستسعى باكستان، نتيجةً لعجزها عن مجاراة التقدم الاقتصادي للهند، لأساليب أخرى من أجل الحفاظ على ما يشبه التوازن؛ وذلك من خلال بناء شبكة متنوعة من الشركاء الأجانب وتطوير رادع نووي قوي. وسيمثل انعدام الأمن على الحدود الأفغانية الباكستانية، الناجم على نحوٍ أساسي عن الاضطرابات السياسية وحركات التمرد، إضافةً إلى الصراع القائم في أفغانستان ووجود الجمعات

المتطرفة العنيفة؛ مثل عسكر طيبة، وطالبان في باكستان، والقاعدة وفروعها، أسبابًا رئيسة لعدم الاستقرار في المنطقة. وستبقى المخدرات مصدر الدخل الرئيس للفاعلين من غير الدول؛ مثل الجمعات الجهادية في أفغانستان. وستشهد المنطقة زيادةً كبيرةً في عدد السكان الشباب، وتصاعد الطلب على التعليم والعمل. وفي ما يتعلق بالبيئة والصحة، فإنّ دول جنوب آسيا غير مستعدة لمواجهة التحديات المستمرة الناتجة من استمرار التمدن. فمع استمرار التمدن، يزداد التلوث والظروف الجوية التي تضر بصحة الإنسان وبالمحاصيل، إضافةً إلى ارتفاع التكاليف الاقتصادية للعيش في المدينة. وعلى الرغم من أنّ نشوء المدن، في أغلب الأحيان، يساهم في نمو الاقتصاد الوطني، فإنّ المدن تزيد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتؤدي إلى اضطرابات اجتمعية. فمدن جنوب آسيا هي موطن لأكبر الأحياء الفقيرة في العالم، والسكان المتحضرون يميلون إلى أن يكونوا متدينين أيضًا. ومن المتوقَّع أن تتجاوز الهند إندونيسيا بوجود أكبر عدد من المسلمين في العالم في عام.2050 وسيؤثر تغير المناخ شبه المؤكد في جنوب آسيا في شكل ارتفاع في درجات الحرارة التي تضر بصحة الإنسان، والأمن المائي والغذائي، وزيادة الاحتباس الحراري، وتلوّث الهواء الجوي المحلي على حدّ سواء. وقد يؤدي تغير المناخ أيضًا إلى ذوبان الأنهار الجليدية بأسرع ممّ هو متوقّع في منطقة "بامير" التي تغذي الأنهار الشملية في باكستان والهند. ويمكن أن تؤدي العواصف الاستوائية العاتية، إضافةً إلى ارتفاع مستوى سطح البحر، إلى تقليل مساحة اليابسة في بنغلاديش، وإفساد موارد المياه العذبة فيها، ودفع الناس إلى الهجرة إلى الهند وبورما، ما قد يؤدي إلى تفاقم الصراعات العرقية والإقليمية. كم أنّ الهند وباكستان، أيضًا، عرضة لمجموعة متنوعة من الظواهر الجوية المتطرفة. ويشمل ذلك الفيضانات الكبيرة، والرياح الموسمية التي لا يمكن التنبؤ بها وتأثر الأمن الغذائي، وموجات الحر. وقد يؤدي تغير أنماط هطول الأمطار إلى تغيير النظم الإيكولوجية للمياه مسببًا الأمراض المرتبطة بالفيضانات؛ مثل الملاريا، والكوليرا، وشلل الأطفال. ويمكن أن تعرض العواصف والفيضانات في هذه المنطقة ملايين من الناس لمياه الصرف الصحي، ولتلويث مياه الشرب وانتشار الأوبئة والأمراض.

3. الشرق الأوسط وشمل أفريقيا

ستتميز المنطقة في الخمس سنوات المقبلة باضطرابات سياسية؛ مثل الحروب الأهلية. أمّا التحدي الرئيس فيها، فهو يتمثّل في خلق الظروف السياسية والفرص الاقتصادية وتعزيزها، لانخراط الشباب البالغين في العمل، وتحقيق العدالة والمساواة والاحترام؛ لأنّ غياب ذلك قد يؤدي إلى انتشار التطرف الديني، والتطرف السياسي أيضًا.

وعلى الرغم من أنّ المنطقة حققت في العقود الأخيرة تقدمًا مهمً في الحدّ من الفقر المدقع الذي انخفض في المنطقة تدريجيا منذ عام 1987، فإنها لم تحقق نموًا كافيًا في السنوات الخمس الأخيرة بسبب الثورة والثورة المضادة في مصر، والحروب الأهلية في العراق، وليبيا، وسورية، واليمن، واستمرار الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. فهذه العوامل أثّرت جميعها سلبيًا في فرص التنمية السياسية والاقتصادية. وتواجه الأدوات المعتادة في إدارة المجتمعات وضبطها (الإعانات الحكومية، ودعم السلع والخدمات، والمساعدات الأجنبية) صعوبات بسبب انخفاض أسعار النفط منذ عام 2014. ومن غير المرجح أن تشهد زيادة كبيرة خلال الفترة المقبلة. وفي الخمس سنوات المقبلة، ومع استمرار الفشل في تحقيق الأمن والاستقرار وزيادة فرص العمل والتعليم، فإنّ ذلك سيهيِّئ جوًّا مناسبًا لانتشار التطرف والصراعات الأهلية، وسيؤدي انخفاض الإيرادات النفطية إلى تغيير في هياكل الحكم في المنطقة. ونتيجةً لتفاقم عيوب الحكم المركزي، يُتوقّع أن تؤدي القبائل والمجتمعات المحلية دورًا أكبر في إدارة شؤونها، بخاصة في الدول التي مزقتها الحرب مثل سورية. وستكون السمة العامة للمنطقة خلال السنوات الخمس المقبلة هي الفوضى وانتشار العنف في بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية، ما قد يؤدّي إلى تفتيت المنطقة والتأثير في الأمن والاستقرار بالنسبة إلى المنطقة الممتدة بين أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأوروبا، وصولً إلى وسط آسيا وشرقها وجنوبها؛ نتيجةً لانتشار التطرف. وسوف تتعرض المنطقة للضغط المحلي والعالمي من أجل الوصول إلى موارد المياه. ومن جهة التأثير الإقليمي، ستبقى إسرائيل، وتركيا، وإيران، والمملكة العربية السعودية، دولً قويةً ومؤثرةً في المنطقة، لكنها ستكون على خلاف شديد مع بعضها بشأن مجموعة متنوعة من القضايا. فمثلً، ستستمر إيران بقوتها المتزايدة وقدراتها النووية وسلوكها العدواني في تمثيل مصدر قلق كبير للسعودية وبعض دول الخليج العربي، وستزداد مخاطر عدم الاستقرار في دول عربية أخرى مثل مصر والجزائر والمملكة العربية السعودية، وخصوصًا إذا استمرت أسعار النفط منخفضةً. وسيضمن استمرار الطلب العالمي على موارد الطاقة في المنطقة استمرار الاهتمم والمشاركة الدولية فيها. لكنّ القوى الخارجية المهتمة بالمنطقة سوف تفتقر إلى القدرة على إصلاح العديد من المشكلات التي تعانيها المنطقة. وسيكون لعودة التنافس بين القوى العظمى في المنطقة، مع سعي الروسي فلاديمير الرئيس بوتين لتعزيز مواقعه فيها، أثرٌ كبير في تقرير المستقبل. من جهة أخرى، سوف يتفاقم الضغط الديموغرافي والاقتصادي، كم تجلّ في انتفاضات "الربيع العربي". وستؤدي هجرة العقول والبطالة وغياب التنويع الاقتصادي إلى عرقلة النمو الاقتصادي وتقليل مستويات المعيشة، وتعسير الاندماج مع الاقتصاد العالمي. يُضاف إلى ذلك تناقص موارد الأرض والمياه التي من المرجح أن تزداد سوءًا مع التوسع العمراني والنمو السكاني وتغير المناخ. وسيكون هناك جيل ضائع من

الأطفال نتيجةً لحرمانهم من التعليم أو الرعاية الكافية، ما يجعلهم عرضةً للتطرف، كم أنّ ظروف النساء ستزداد سوءًا. ولمواجهة هذه التحديات، ينبغي أن تتوقف كلّ من إيران والمملكة العربية السعودية عن ممرسة لعبة محصلتها صفرية، وبدْء العمل على تحسين العلاقات الثنائية التي من شأنها إنهاء الحروب الأهلية والمساعدة على تحقيق الاستقرار للمنطقة، والتنمية الاقتصادية التي تنسجم مع المعايير الثقافية والدينية. ويمكن أن يؤدي إحياء العملية السلمية وحلّ القضية الفلسطينية دورًا إيجابيًا في مواجهة بعض التحديات التي تواجهها المنطقة. ففي استطلاع للرأي أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2011، لوحظ أنّ أكثر من 80 في المئة من أكثر من 16 ألف من المستجيبين عبر العالم العربي يرون أنّ القضية الفلسطينية تمثّل قضية العرب جميعًا، وليس الفلسطينيين فحسب4. ويواجه اليمن وضعًا كارثيًا بسبب تضرر البنى التحتية من الحرب والصراع وتفاقم مشكلات المياه؛ إذ يواجه 80 في المئة من السكان صعوبة في الوصول إلى مصادر المياه العذبة. ومن دون بنية تحتية ذات كفاءة، يمكن أن تصبح المياه المخزنة للاستخدام المنزلي ملوثةً، ما يزيد من احتمل انتشار البعوض، والملاريا، وحمى الضنك، والكوليرا. وفي الأردن، أدّى تدفق اللاجئين من سورية إلى وضع ضغط كبير على المياه الجوفية القليلة أصلً. وتواجه مصر تحديات المياه الناشئة من تطوير المشاريع على نهر النيل، خصوصًا أنّ إثيوبيا بدأت في ملء خزان سدّ النهضة الكبير. وفي مصر يتوطن فيروس إنفلونزا الطيور الذي يشكل خطرًا على البشر. وفي المملكة العربية السعودية، تتمّ معالجة مرض متلازمة الجهاز التنفسي، مع وجود قلق من أن يصبح هذا المرض معديًا. وفي ما يتعلق بمخاطر الأزمات البيئية، مثل الجفاف والحرارة القصوى والتلوث، فإنّ درجاتها سوف تبقى عاليةً. أمّا تلوث الهواء في المدن، فيبقى من أسوأ المشكلات في العالم، بخاصة في المملكة العربية السعودية وإيران.

4. أفريقيا جنوب الصحراء

في السنوات الخمس المقبلة، سوف تصبح أفريقيا جنوب الصحراء أكثر سكانًا، وأكثر شبابًا، وأكثر تقدمًا وتعليمً. لكنّ معدلات النمو السكاني المرتفعة في المنطقة التي تُعدّ من بين أعلى المعدلات في العالم، سترهق الموارد الغذائية والمائية، وتزيد الضغط على أنظمة الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية، وهو أمرٌ سيشجع على الهجرة. وسوف يزداد عدد السكان من الشباب المتعلم والمتمدن، ما من شأنه تعزيز الانتمء الديني، وهو أمر يؤدي إلى تصاعد التوتر العرقي والتطرف الديني؛ الإسلامي والمسيحي

3  المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، المؤشر العربي 011:2 مشروع قياس الرأي العام العربي (آذار/ مارس: 2012)، شوهد في:2017/3/30، في http://bit.ly/2nrlfKT

  1. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، المؤشر العربي 011:2 مشروع قياس الرأي العام العربي (آذار/ مارس: 2012)، شوهد في:2017/3/30، في http://bit.ly/2nrlfKT

على حدّ سواء. ومن المرجح أن تعاني المنطقة بطالة مرتفعةً ونموًّا اقتصاديًّا ضعيفًا، مع انخفاض الطلب الصيني على السلع بسبب تباطؤ الاقتصاد الصيني، وتقلص تدفقات المعونة الخارجية، في ظلّ استمرار معاناة اقتصادات الدول المتقدمة من الركود. ولا تزال معظم الديمقراطيات الفتية في هذه المنطقة ضعيفةً. وستعتمد عملية تعميق الديمقراطية، في المدييَن المتوسط والبعيد، على نجاح عدد متزايد من منظمت المجتمع المدني في قيادة التغيير الاجتمعي وتحقيق نتائج مهمة في الانتخابات. وسوف يؤدي التوسع الحضري السريع، مع إهمل البنية التحتية وارتفاع منسوب الفساد، إلى تأجيج الغضب الشعبي، مع فشل الحكومات في إيجاد الخدمات الأساسية، ومواجهة التهديدات الأمنية المعقدة. وعلى الرغم من الجهد الكبير المبذول لمواجهة جمعات؛ من قبيل حركة الشباب، وبوكو حرام، وأنصار الشريعة، والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، فسوف تستمر الحكومات الإفريقية في التعامل مع تهديدات المتمردين والجمعات المتطرفة. لكنّ هزيمة الأيديولوجيات العنيفة والمتطرفة سوف يعتمد على تحسين قدرة الدولة في جمع المعلومات وتحليلها وتكريس حُكم القانون، وتعزيز اللامركزية السياسية، ودور الشرطة المجتمعية، واعتمد التنمية المتوازنة، ومشاركة الشباب، ومبادرات العمل التي من شأنها أن تقلّل كثيرًا تجنيد الجمعات المتطرفة. لكنّ تحقيق ذلك لن يكون سهلً في ضوء استمرار اقتصادات أفريقيا في البقاء عرضةً للتقلبات في أسعار السلع العالمية والطلب الصيني والغربي على المواد الأولية. أمّا فسيفساء أفريقيا من السافانا والغابات والمراعي والصحاري، وموارد المياه العذبة والنظم الإيكولوجية، فإنّها لا تُعدّ ولا تُحصى، ولكنّها تواجه تهديدات خطرةً من التغير البيئي الطبيعي، وتهديدات من فعل الإنسان أيضًا. وتتجاوز هذه التحديات الحدود الوطنية وقدرات أيّ دولة منفردة، وهي تحديات تتطلب اتخاذ إجراءات على المستويين الإقليمي والدولي. ويؤدي النشاط البشري والماشية والرعي وفقدان الأراضي الصالحة للزراعة، إلى جانب الجفاف المتكرر والفيضانات، إلى تدهور خصوبة التربة والغطاء النباتي في المنطقة. كم يهدد التصحر أفريقيا في جنوب الصحراء أكثر من أيّ منطقة أخرى في العالم. يُضاف إلى ذلك أنّ عمليات حرق النفايات والخشب وفحم الطبخ، والتصنيع، والاستخدام الواسع النطاق للبنزين المحتوي على الرصاص يساهم في تلوث الهواء إلى حدّ كبير، في حين أنّ إدارة النفايات ضعيفة في جميع أنحاء القارّة. علاوةً على ذلك، يساهم انتشار الصيد غير المشروع والاتجار غير المشروع بالفيلة ووحيد القرن، على نحو خاصّ، وتكاثر الخنازير والدواجن، في انتشار الأمراض الحيوانية التي تشكّل مخاطر اقتصاديةً وصحيةً بالنسبة إلى "الأفارقة". وفي بعض الحالات، يمثّل ذلك تهديدًا للعالم.

لقد تحسنت شروط التنمية تحسّنًا ملحوظًا خلال الخمسين سنةً الماضية، لكنّ مشكلة الفقر ما تزال قائمةً بحدة، ويساهم عدم التمكّن من الحصول على المياه النظيفة والصرف الصحي والبنية التحتية المُجدية في انتشار أمراض؛ مثل الإيبولا، والإيدز، على الرغم من أنّ التقدم المحقق في مكافحة هذه الأمراض يشجع على تقديم مزيد من الدعم في مواجهتها، من خلال الشراكات بين الدول الأفريقية والمجتمع الدولي. يساعد الاستثمر في رأس المال البشري، بخاصة بين النساء والشباب وفي المؤسسات التي تعزز التنمية البشرية والابتكار، في توسيع الطبقة الوسطى في المنطقة، ويؤدي إلى تحسّن كبير في متوسط العمر المتوقع في العقدين المقبلين، كم يؤدي إلى حيوية المجتمع المدني، وانتشار المؤسسات الديمقراطية وروح الديمقراطية، وانخفاضٍ في معدل الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز؛ وكلّها عوامل تشير إلى كثير من الاحتملات الإيجابية التي توجد في أفريقيا. وسوف تركز معظم البلدان الأفريقية على القضايا الداخلية. وقد تصبح المنطقة ساحة للمنافسة في الموارد. كم أنّ زيادة الانتمء الديني في أجزاء كثيرة من أفريقيا قد يشجع الثورة على بعض القواعد والمؤسسات الليبرالية الدولية، وسيساهم ضعف المؤسسات السياسية، في العديد من الدول الأفريقية، في تذبذب الحالة الديمقراطية، وقد يطيل أعمر الأنظمة الاستبدادية، وخصوصًا مع تراجع الاهتمم الدولي بنشر الديموقراطية وحقوق الإنسان. ولا يزال دور الصين في المنطقة غير مستقر. فمن جهة، يشكّل هذا البلد أحد أكبر المستثمرين في مشاريع البنية التحتية والاستثمرات التجارية الكبيرة، لكنّ تباطؤ الطلب على المواد الخام من المنطقة قد يضعف هذا التأثير والالتزام.

5. روسيا

خلال السنوات الخمس المقبلة ستواصل القيادة الروسية بذل جهدها لاستعادة مكانتها كقوة عظمى؛ وذلك من خلال التحديث العسكري، والتدخلات الخارجية التي تسعى لبسط النفوذ الروسي والحدّ من النفوذ الغربي، واستعراض القوة النووية، وصعود القومية. ويمثّل هذا المزيج من الاستبداد والفساد والقومية تحديًا للليبرالية الغربية كنموذج يستهوي كثيرًا من الحكام المستبدين في العالم. وستستمر حكومة بوتين على إعطاء الأولوية للإنفاق والقوة العسكرية الحديثة، مع التركيز على الردع الإستراتيجي. وستواصل روسيا اتخاذ تدابير للرد على حلف شمل الأطلسي وزيادة الوجود العسكري في دول البلطيق ووسط أوروبا، بما في ذلك العمليات السيبرانية. ومن شبه المؤكد أن تشكّل روسيا، قويةً ومتمسكةً، تهديدًا متزايدًا للغرب في إطار سعيها للحد من الاعتمد على التكنولوجيا الغربية وتحسين قدراتها غير المباشرة وغير المتناظرة في الحرب. وإنّ أيدولوجية الكرملين، وسياساتها وهياكلها وسيطرتها على الاقتصاد وحظوتها بدعم النخبة والشعب، على الرغم من قمع المجتمع المدني والأقليات، سوف تبقى مستمرةً.

ونظرًا إلى مركزية الولايات المتحدة ودورها في الساحة الدولية، ستواصل روسيا محاولات التقارب وتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة. ومن جهة ثانية، يمثل زيادة اهتمم الصين بمنطقة آسيا الوسطى، من خلال الاستثمر وتطوير البنية التحتية، عبر مبادرة الطريق والحزام، اختبارًا لقدرة روسيا على استيعاب طموحات الصين في المنطقة. وسيكون للنزاع في أوكرانيا تداعيات في جميع أنحاء المنطقة؛ إذ ستواصل روسيا السعي لزعزعة استقرار أيّ حكومة أوكرانية تحاول الاندماج في الغرب؛ من خلال الاتحاد الأوروبي أو حلف شمل الأطلسي. كم أنّ تغير القيادة في كازاخستان وأوزبكستان خلال السنوات المقبلة يسبب قلقًا في موسكو.

6. أوروبا

قد تواجه أوروبا احتمل انهيار المشروع الأوروبي، في وقتٍ تستمر فيه الصراعات على مقربة منها. وقد تسببت موجات الهجرة التي شهدتها القارة في السنوات الأخيرة بحالة من التوتر، زادها سوءًا شعور متزايد بالضغوط الاقتصادية المقبلة من الاقتصاد المعولم، وزيادة عدم المساواة الاقتصادية. وساهم ذلك في صعود تيارات معادية للديمقراطية في المجر وبولندا، وتأثر خطاب الأحزاب السياسية، عمومًا، بقضايا الهجرة، إضافةً إلى زيادة نفوذ اليمين الشعبوي في الديمقراطيات الأوروبية العريقة؛ مثل النمسا، وفنلندا. وتبقى فرنسا وألمانيا ملتزمتين بالعمل معًا، على الرغم من اختلاف وجهات النظر واختلاف الميل السياسي بشأن العديد من القضايا.

7. أميركا

ستتعرض أميركا الشملية لمزيد من الضغوط الاجتمعية والسياسية في السنوات الخمس المقبلة، وخصوصًا في حال بقاء النمو الاقتصادي ضعيفًا وفشلِ جهد الخفض من الدين العامّ. ومن المحتمل أن يجري إبطاء وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والاجتمعية في المكسيك لاحتواء تداعياتها السياسية داخل البلاد وفي المنطقة. وفي السنوات الخمس المقبلة، سوف تشهد أميركا الجنوبية تغييرات متكررةً في الحكومات؛ نتيجةً لعدم الرضا الشعبي الناجم عن سوء الإدارة الاقتصادية، وعن انتشار الفساد على نطاق واسع، وضعف النمو الاقتصادي بسبب انخفاض الطلب الصيني على السلع الأساسية، والضغوط الاجتمعية المرتبطة باتساع أعداد الطبقات الفقيرة من العاملين. وتظلّ أميركا اللاتينية واحدةً من أكثر المناطق عنفًا في العالم اليوم؛ إذ تنتشر الجريمة على نطاق واسع، وهي مسؤولة، وفقًا لدراسة أجرتها الأمم المتحدة، عن نحو ثلث جرائم القتل في جميع أنحاء العالم.

4  United Nations, Economic and Social Council, World crime trends and emerging issues and responses in the field of crime prevention and criminal justice (March: 2016), pp. 5-6, accessed on 4/5/2017, at: https://goo.gl/R9A4MO

  1. United Nations, Economic and Social Council, World crime trends and emerging issues and responses in the field of crime prevention and criminal justice (March: 2016), pp. 5-6, accessed on 4/5/2017, at: https://goo.gl/R9A4MO

وعلى الرغم من أنّ تأثير انخفاض الطلب الصيني في المواد الأولية والخامات سيكون أقلّ في هذه المنطقة من العالم، فإنّ استمرار انخفاض أسعار النفط ستكون له تداعيات كبيرة، كم أنّ تأثير التغيرات البيئية والمناخية سيتضاعف.

خاتمة

في المحصّلة، رسم تقرير مجلس الاستخبارات الوطنية الأميركية صورةً شديدة التعقيد لمستقبل العالم خلال الفترة المقبلة. فالتحديات التي تواجهها البشرية تكاد تكون غير مسبوقة من جهة عددها ونوعها، ولا سيم ما يرتبط منها بالتغير المناخي، والتقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، والزيادة السكانية، وتغير أنماط العمل ووسائل الرفاهية، وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وبين توقعات المجتمعات وقدرة الحكومات على تقليصها، فضلً عن صعود النزعات اليمينة وانتشار التطرف العنيف، وغير ذلك من التحديات الوجودية التي تواجهها المجتمعات البشرية، والتي تغذي عوامل التوتر وتزيد من إمكانات الصراع. ولن يكون ممكنًا مواجهة كثير من هذه التحديات واحتواء تداعياتها من دون تعاون على المستوييَن الدولي والإقليمي، وهو أمرٌ لن يكون سهلً في ظل صعود القومية، وسيطرة أنواعٍ من الميل الانعزاليّ والشعبويّ، وتشييد حواجز أعلى وأكبر بين المجتمعات البشرية.

المراجع

العربية

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 002:2 خلق الفرص للأجيال القادمة. نيويورك.2002:. تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 003:2 نحو إقامة مجتمع المعرفة. نيويورك:.2003. تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 004:2 نحو الحرية في الوطن العربي. نيويورك:.2004. تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 006:2 نحو نهوض المرأة في الوطن العربي. نيويورك:.2006. تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 009:2 تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية. نيويورك.2009:. تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 016:2 الشباب وآفاق التنمية؛ واقع متغير. نيويورك.2016: المكتب الإقليمي للدول العربية. تقرير تحديات التنمية في الدول العربية 011:2 نحو دولة تنموية في المنطقة العربية. القاهرة.2011: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. المؤشر العربي 011:2 مشروع قياس الرأي العام العربي. آذار/ مارس.2012. المؤشر العربي 016:2 التقرير الكامل. آذار/ مارس. 2017

الأجنبية

African Development Bank. African Economic Outlook 2016. at: http://bit. Committee for a Constructive Tomorrow. 2016 State of the Climate Report.

International Labor Organization. World Employment and Social Outlook. 2016. International Organization for Migration. World Migration Report 2015.

References

ly/2mIh6mI (November 2016). Freedom House. Freedom in the World 2016. Washington: 2016.

Geneva: 2015.

Khalid Abu-Ismail et al. The ADCR 2011: Arab Human Development and Deprivation: Phenomenal Progress or Mixed Results? New York: United Nations Development Programme, 2011. National Intelligence Council. Global Trends: Paradox of Progress. January 2017. Paradox of Progress: Letter From The Nic Chairman.. Global Trends. January 2017. OECD. Will risks derail the modest recovery? Financial vulnerabilities and policy risks. Catherine L. Mann. (ed.). March 2017. UN Economic Commission for Africa. Economic Report on Africa: Economic Development in Report Africa Report 2016: Debt Dynamics and Development Finance in Africa. 2016. UNESCO. The United Nations World Water Development Report 2016. 2016.. Africa Human Development Report 2016. August 2016.. Human Development Report 2016: Human Development for Everyone. New York: 2016.. Unep Frontiers 2016 Report. Emerging Issues of Environmental Concern. (Nairobi: 2016). United Nations. Department of Economic and Social Affairs. International Migration Report 2015. New York: 2016..Population Division. World Population Ageing 2015. New York: 2015..Population Division. World Population Prospects: Methodology of the United Nations Population Estimates and Projections 2015. New York: 2015.. World Population Prospects: Key Findings & Advanced Tables. 2015. United Nations. Economic and Social Council. World crime trends and emerging issues and responses in the field of crime prevention and criminal justice. March 2016. World Health Organization. World Health Statistics: Monitoring health for the SDGs. Geneva: 2016.