Return to Article Details Can We Predict the Fall of Nations? A Reading of Is The American Century Over?

هل يمكننا استشراف انهيار الأمم؟مراجعة كتاب

Can We Predict the Fall of Nations? A Reading of Is The American Century Over?

مصطفى آيت خرواش

الملخّص

المؤلف:  جوزيف ناي Joseph S. Nye الكتاب:  هل انتهى القرن الأميركي؟ Is The American Century Over? العنوان الأصلي: الناشر:  Polity سنة النشر:  2015 عدد الصفحات:  152 صفحة صفحة

الكلمات المفتاحية:
  • القرن الأميركي
  • انهيار الأمم
  • استشراف
Keywords:
  • the Fall of Nations
  • Predict
  • The American Century Over

مراجعة كتاب "هل انقىض القرن الأميركي؟"

Can We Predict the Fall of Nations?

A Reading of Is The American Century Over?

هل يمكننا استشراف انهيار الأمم؟ تتعدد الإجابات عن هذا السؤال بتعدد المقاربات المعرفية، وتتّحد جميعها في المنطق نفسه الذي به تنظر إلى إشكال نهوض الحضارات وسقوطها؛ فالمنطق الأبستمولوجي الموحد هنا يقول: للحضارات دورة حياة محددة، لها بداية ومرحلة ذروة، ثم نكوص، يتبعه اضمحلال وزوال. تواجه هذه المقاربات جميعها إشكالين بارزين لحظة محاولتها الإجابة عن سؤال سقوط الأمم؛ يتمثل الأول في مدى الموضوعية والعلمية في إسقاط مفهوم "دورة الحياة" المستلهَمة من البيولوجيا على الحضارة، بما هي كينونة تاريخية ممتدة في الزمان والمكان، وتحكمها علاقات اجتمعية وسياسية واقتصادية معقدة. ويجيب علم التاريخ عن هذا الإشكال بالإيجاب؛ فلقد بيّنت دراسات الحضارات القديمة والحديثة وجود قواسم وجودية مشتركة ساهمت في صوغ نظرية في أمد الحياة داخل الحضارات. ولعل العمل المعرفي المهم للمؤرخ البريطاني أرنولد جوزيف توينبي في موسوعته التاريخية دراسة في التاريخ1 يعدّ من بين أهم الأعمل وأضخمها في تاريخ الحضارات التي درست ظاهرة نمو الحضارات وسقوطها. لقد وضع توينبي قانون "التحدي والاستجابة" (Response and Challenge)، والقاضي بأنّ كلّ الحضارات تتعرض للأزمات والتحديات الطبيعية والديموغرافية والاقتصادية وغيرها، وتكون ردة فعل هذه الحضارات ذات شكلين: الشكل السلبي المتمثل في فشل حضارة معينة في استيعاب هذه التحديات وتجاوزها، والشكل الإيجابي الذي يظهر عندما تتمكن حضارة معينة في تحدي هذه الإكراهات عبر استيعابها وتجاوزها، بل واستثمرها كحوافز للإبداع الخلاق والتنمية المستدامة. أما الإشكال الثاني الذي تواجهه المقاربات المعرفية حيال سؤال موت الحضارات، فيكمن في أحقية المناهج المعتمدة في الدراسة وموضوعيتها. فإذا كان علم التاريخ قد احتكر لنفسه دراسة تاريخ الأمم والحضارات، فإنه في الحصيلة يضع نظرية في مستقبل الأمم، بالكيفية التي تؤدي إلى القول إن الدراسات المستقبلية هي دراسة في التاريخ. ويحتمل هذا الموقف قدرًا كبيرًا من الموضوعية على اعتبار أن وضع نظرية مستقبلية في الأبستمولوجيا الحديثة يمر في الأساس من طريق دراسة تاريخ تطوّر الأفكار والظواهر، ومحاولة استنباط قوانين التكرار والتشابه، بوصفها إحدى آليات وضع النظرية. وبسبب تطور العلوم والمناهج الحديثة، وخصوصًا بعد ظهور العلوم الاجتمعية الحديثة، أصبح مجال دراسة الحضارات والأمم أكثر تشعبًا وغنىً. تظهر راهنية سؤال استشراف مستقبل الأمم في التطورات السياسية والاقتصادية التي شهدتها الألفية الحديثة، والتي أحدثت تحولات كبيرة في موازين القوى العالمية وفي العلاقات الدولية. ويمكن وضع أهم ملامح هذه المرحلة انطلاقًا من الوقوف عند أهم الأحداث التي ميّزتها، ومنها نشوء الحروب الإقليمية والدولية كردة فعل ضد عولمة الإرهاب وانتقاله من حيز القتال التقليدي إلى فضاء الحرب الإلكترونية وحرب العصابات المتطورة، والأزمة المالية العالمية لسنة 2008 وما أحدثته من تداعيات على السوق العالمية، وبروز قوى اقتصادية جديدة، وخصوصًا الصين؛ ما يهدّد نظام القطب الواحد،

  1. Arnold J. Toynbee, A Study of History (Oxford University 1934–1961).

وثورات الربيع العربي ودورها في سقوط الأنظمة العربية الاستبدادية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كردة فعل ضد سياسات الاتحاد في مواجهة الأزمة الاقتصادية؛ ما يهدّد فكرة الاتحاد الاقتصادي الإقليمي، وبروز القوى السياسية اليمينية المتطرفة في أوروبا وفوزها في العديد من الانتخابات؛ ما يهدّد بتنامي هذا الخط المتطرف وأثره في مستقبل الديمقراطية، ودخول الدول العظمى في حرب عسكرية متعددة المعالم، لكن في معركة غير مباشرة، ونقصد الحروب التي شهدتها مناطق الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، ثم بروز ظاهرة الشعبوية السياسية الحديثة، وخصوصًا عقب فوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة الأميركية. تمثل كل هذه الأحداث مجتمعةً ظواهر تاريخية ستكون لها عواقب عديدة، وستؤدي إلى خلق خريطة حضارية جديدة وستخلق موازين قوى جديدة؛ لكل هذه الحيثيات نطرح هذا السؤال انطلاقًا من قراءتنا في المؤلف الحديث لجوزيف ناي والموسوم هل انتهى القرن الأميركي؟2، وسنناقشه من خلال مؤلّف آخر يعرض للإشكالية نفسها لماذا تسقط الأمم؟3 لدارون أسيموكلو وجيمس روبنسون.

هل انقىض القرن الأميركي؟

جوزيف ناي مفكر سياسي أميركي، وأحد الأسمء البارزة في الأكاديمية الأميركية وصناع الرأي العام الأميركي، وقد شغل عدة مناصب مرموقة كمنصب عضو الأكاديمية الأميركية للديبلوماسية. وفي هذا الكتاب، يطرح جوزيف ناي سؤالً ملحًّا بدأ يشغل بال العديد من المحللين والمفكرين الأميركيين وغير الأميركيين في بداية الألفية الجديدة؛ فلقد ساهمت عوامل عديدة في طرح هذا السؤال: هل انتهى عصر التفوق الأميركي والقيادة الأحادية للعالم؟ وتظهر هذه العوامل كسلسلة من الأحداث السياسية والاقتصادية التي بدأت تؤشّ على أنّ القوة العظمى الوحيدة التي ظهرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قد بدأت تتراجع قوتها وسيطرتها على السياسة والاقتصاد العالميين. ويحاول المدافعون عن هذه الأطروحة ترتيب هذه الأحداث وفق نموذج تفسيري يبدأ بتحليلها، ثم الربط بينها للوصول إلى النتيجة القائلة إن النظام الرأسملي العالمي قد بدأ فعلً بالانهيار. وتكمن العلامات الاقتصادية التي تسوقها هذه الأطروحة في الأساس في انهيار السوق العالمية عام 2008، وتداعياتها المالية والاقتصادية على السوق العالمية، وتشبيه هذا الحدث بأزمة عام 1929. وبفعل استمرار هذه الأزمة، وفشل القوى العظمى في التصدي لها (نموذج الاتحاد الأوروبي وأزمة اليونان)، بدأت تظهر تكتلات عالمية جديدة لمحاولة بناء أنظمة مالية بديلة (نموذج الصين وحلفائها الجدد)؛ وهي مؤشرات تدل على بداية مرحلة جديدة في السوق العالمية.

  1. Joseph S. Nye, Is The American Century Over? (Cambridge: Polity, 2015).
  2. Daron Acemoglu & James Robinson. A, Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity, and Poverty (New York: Crown business, 2012).

أما المؤشرات السياسية المطروحة كعلامات لبداية تراجع القيادة الأميركية للعالم، فيمكن قراءتها في معركة الحرب على الإرهاب التي تزعمتها أميركا التي قادت تحالفًا أحاديًا للقضاء على ما أسمته ب "الإرهاب" أسفر عن اجتياح أفغانستان والعراق، مع تداعيات قوية على السياسة الأميركية وعلى علاقاتها بالقوى الإقليمية. وبقدر ما استنزفت هذه الحروب الطاقة العسكرية الأميركية، وأحدثت ضجة في داخل أميركا وخارجها بشأن نتائجها ومشروعيتها غير الإنسانية، أدّت إلى تحول السياسة الأميركية، وخصوصًا في عهد باراك أوباما، إلى ما يشبه الموقف الانعزالي من القضايا الدولية؛ ما فتح المجال لبروز قوى دولية وإقليمية جديدة أحدثت تحالفات جديدة وأربكت خريطة العلاقات الدولية. ويظهر هذا الموقف الانعزالي السلبي للإدارة الأميركية في الشرق الأوسط، وعلى الخصوص في حرب سورية التي أدّت، وبسبب رفض تدخلها المباشر فيها ورفضها تسليح المعارضة، إلى تضخّم الوجود الروسي وتشكيله تحالفات جديدة مع قوى إقليمية بدأت تكبر وتؤثّر في المنطقة. وقد أدّى هذا الوضع إلى خوض القوى العظمى حربًا دبلوماسية باردةً، وحربًا عسكرية غير مباشرة، أصبحت ساحتها المناطق المتنازل عليها في مناطق متعددة في العالم (منطقة القرم، وأوكرانيا، والشرق الأوسط). قبل مناقشته لهذه الأطروحة، يبدأ جوزيف ناي بتتبع بداية تشكّل القرن الأميركي؛ إذ درس مساره وتطوره، ليصل إلى مناقشة إمكان أفوله أو انتكاسه. فقد ظهرت الولايات المتحدة الأميركية بداية بوصفها قوة اقتصادية مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؛ إذ أصبحت قوة صناعية صاعدة، وتقوّت على نحو لافت بعد الحربين العالميتين، وخصوصًا الحرب العالمية الثانية، لتصبح أكبر قوة سياسية واقتصادية في العالم؛ إذ مثّل اقتصادها بعد هذه الفترة نصف اقتصاد العالم. وبهذا المنطق الاقتصادي المحدد لمكانة قوة عظمى، يمكن القول إن الصين أصبحت قوة عظمى، وخصوصًا أنّ ناتجها الداخلي الخام يفوت مثيلها الأميركي، وفق قول جوزيف نيل. لكن، هل الوضعية الاقتصادية وحدها كافية للقول إنّ القرن الأميركي قد بدأ في الزوال؟ ليس بالضرورة، كم يؤكد الباحث؛ لأنّ القوة هي امتلاك القدرة على التأثير في الآخرين والحصول على العائدات المرجوة. وهنالك ثلاث طرق مختلفة للقيام بهذه العملية: عن طريق الضغط واستعمل القوة، وعن طريق استعمل المال وتقديم المكافأة، ثم عن طريق الاستملة والإقناع. تمثّل العمليتان الأولى والثانية منطق القوة التسلطية الشمولية، بينم تعدّ الثالثة رديفة للقوة الناعمة. ينفي الباحث القول إنّ القوة الاقتصادية وحدها هي ما يحدّد مدى قوة أيّ سلطة عظمى أو عدم قوتها، ويضيف أنّ الولايات المتحدة الأميركية لم تصبح قوة عظمى إلا حين جرى تدعيم القوة العسكرية في عهد الرئيسين ثيودور روزفلت ووودرو ويلسون، وأصبحت بذلك الدولة تمتلك القوة الناعمة والاقتصادية والعسكرية. لكن أهم محدد لعظمة القوة الأميركية، كم يطرح الباحث في هذا الكتاب، هو في قدرة أميركا على استغلال هذه الموارد المتعددة (القوة الناعمة والقوة الاقتصادية والعسكرية) في التأثير في التوازن الدولي للقوة. فبينم كانت

بريطانيا العظمى غير قادرة على مجابهة اليونان وتركيا عام 1947، قامت الولايات المتحدة بأخذ مكانها في المجابهة، واستثمرت على نحو كبير مخطط مارشال عام 1948، ثم قادت تحالفًا عسكريًا ضد كوريا عام 1950؛ وكل هذه الأحداث كانت ضمن إستراتيجية احتواء الصراع الدولي والتأثير في موازين القوى، وهذه الإستراتيجية هي ما يجعل أميركا قوة عظمى، بحسب الكاتب. لكن أليست السيطرة الشاملة وطغيانها مرحلة من مراحل انهيار الأمم، كم حدث مع العديد من القوى العظمى التاريخية؟ يناقش جوزيف ناي هذه المسلمة التاريخية، ويشكّك في مدى موضوعية دراسة أمد حياة الأمم، لأنها مسألة لا تحتمل التحليل العلمي، بل يصعب إعمل مناهج العلوم الحديثة في قياس عمر حياة الحضارات والأمم وأمدها. فإمبراطورية روما العظيمة، كم يقول الباحث، وصلت إلى ذروة عظمتها بحلول عام 117 قبل الميلاد، ولم تسقط الإمبراطورية الشرقية إلا بعد ثلاثة عقود ونصف العقد، بينم بقيت الإمبراطورية الغربية إلى عام 1453. ومن جهته، يحدّد صامويل هنتنغتون خمس محطات تؤشر على بداية سقوط القرن الأميركي في القرن العشرين4، مضيفًا إليها المحطة المعاصرة المتمثلة في الأزمة المالية لسنة.2008 يَعُدّ جوزيف ناي هذه التحليلات غير موضوعية علميًا، وتبقى تخمينات نابعة من تخوفات نفسية؛ لكن المخيف هو في تحوّل هذه المخاوف إلى نقاش عمومي وسياسي سرعان ما يؤجج ظهور سياسات التقوقع والحمئية والقومية الشوفينية، وهي إحدى المراحل الفتاكة في تاريخ الأمم. لكنه يميز في المقابل بين نمطين من الانهيار والتراجع؛ يظهر الأول على المستوى الخارجي، أي على مستوى القوة الخارجية للأمم، بينم يبرز الثاني على المستوى الداخلي للدولة، أي في حالة المؤسسات الوطنية. فقد تنهار الدولة خارجيًا، وذلك بتراجع قوتها المؤسساتية سواء الاقتصادية أو العسكرية، لكن من دون أن تنهار داخليًا. لكن قد تنهار الأمم بسبب تدهور مؤسساتها الداخلية، وانعكاس ذلك على القوة الخارجية، كم حدث لإسبانيا في القرن السابع عشر. قد تنهار الأمم أو تتراجع قوتها ببروز قوى صاعدة جديدة فحسب، وهي الفرضية التي يدافع عنها الكاتب بقوة. فقد تكون الصين القوة الصاعدة الجديدة فور أن تصبح أكبر قوة اقتصادية في العالم؛ فناتجها الداخلي الخام في ارتفاع مهول، ومساحتها الجغرافية تعادل مثيلتها الأميركية، وعدد سكانها يفوق بأربع مرات عدد سكان الولايات المتحدة، وتعدّ القوة العسكرية الكبرى في العالم عددًا، إضافةً إلى قدراتها الهائلة في مجال التكنولوجيا الإلكترونية. لكن كل هذا لا يجعلها قوة عظمى على نحو مباشر بحسب الباحث؛ فأهم قوة غائبة في التجربة الصينية هي القوة الناعمة، فهي لا تمتلك صناعةً ثقافيةً

  1. أولً، عقب إرسال الاتحاد السوفييتي سابقًا أول قمر اصطناعي في عام 1977؛ ثم بعد أن أعلن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون عن التعددية القطبية سنة 1960، ثمّ عقب حظر تصدير البترول من الدول العربية سنة 1973، ثم عقب توسع الاتحاد السوفييتي سنة 1970، وأخيرًا عندما أعلن الرئيس الأميركي رونالد ريغن عن العجز المالي والتجاري لعام.1980

قويةً كالصناعة الهوليودية، وجامعاتها غير مصنفة في أعلى المراتب العالمية، ولا تملك، بل لا تسمح بنشوء منظمت المجتمع المدني كم توجد في أميركا، بوصفها القوة الأشدّ جذبًا للقوة الناعمة. ينفي جوزيف ناي أطروحة انهيار القرن الأميركي انطلاقًا من التفنيدات المختلفة التي قدّمها وانتقد من خلالها ادعاءات أصحاب هذه الأطروحة. فالعلاقة التشبيهية التي يقيمها العديد من المحللين بين انهيار الإمبراطورية الرومانية وبين تراجع القوة الأميركية غير موضوعية، بحسب الباحث الأميركي. فلقد سبق انهيار الإمبراطورية الرومانية تدهور كامل في المجتمع، إذ انهارت الثقة في المؤسسات وتدهورت قيم العمل والمبادرة، كم انكمش الاقتصاد نتيجة الفساد وانتشار الريع والسرقات، وانهارت المؤسسات؛ ما فتح المجال للاجتياح البربري من طرف القبائل. يختلف الوضع تمامًا بالنسبة إلى أميركا، بحسب جوزيف ناي؛ فالمجتمع الأميركي هو مجتمع مفتوح، والعلاقات تحكمها الثقة المتبادلة، والمجتمع المدني نشيط ويعدّ أكبر مجتمع مدني عالمي في العالم. كم أن مؤسساتها الاقتصادية ما زالت قوية وهي عابرة للقارات لأنها مؤسسات "متشعّبة"؛ وأما مؤسساتها السياسية ونظامها السياسي فتُعد من أقوى الأنظمة الديمقراطية في العالم؛ ومن ثمّ، يخلص الكاتب إلى أنّ أطروحة الانهيار بعيدة من الواقع الحقيقي للقوة الأميركية الحالية. هذه، باقتضاب، الخلاصة الأساس للكاتب الأميركي جوزيف ناي بشأن مستقبل القوة الأميركية. وسيكون من المفيد مقابلة هذه الأطروحة بأطروحةٍ ثانية تسائل الإشكالية نفسها لانهيار الأمم وازدهارها، وتلك هي أطروحة الاقتصادي الأميركي من أصل تركي دارون أسيموكلو والاقتصادي البريطاني جيمس روبنسون في كتابهم لماذا تسقط الأمم؟ الصادر حديثًا.

لماذا تسقط الأمم؟ أصول السلطة والازدهار والفقر

ينطلق مؤلفا الكتاب، دارون أسيموكلو وجيمس روبنسون، من سؤال أولي كمقدمة للدخول في سلسلة من الاستدلالات التاريخية والمعرفية، المترابطة فيم بينها بمنهجية تحليلية واضحة في الكتاب: لماذا أصبحت بعض الدول غنية والأخرى فقيرة؟ وللإجابة عن هذا السؤال، بدأ المؤلفان بانتقاد عديد الفرضيات التي تحاول تفسير سبب انتشار الفقر في بلدان معينة. وقد قسّم هذه الفرضيات إلى ثلاثة أقسام أساسية؛ الفرضية الجيوغرافية، والفرضية الثقافية، وفرضية القدرة الضعيفة أو الجهل بتسيير الدول. تفترض الفرضية الأولى أنّ سبب انتشار الفقر وتجذره في بعض الدول يرجع إلى موقعها الجغرافي؛ إذ تعدّ الأوضاع الطبيعية الصعبة (الجفاف، قلة الموارد، الأوبئة... إلخ) حواجز حقيقية أمام التنمية الاقتصادية المستدامة. أما الفرضية الثانية، فتعدّ عوامل الثقافة العامل الموجّه لمسار التنمية؛ فإما أن تكون ثقافة محفزة على العمل والإبداع والمبادرة، أو تكون ثقافة تقاعسية معاكسة للأولى. وينتقد

الكاتبان هنا أطروحة ماكس فيبر، القاضية بأنّ انتشار الأخلاق البروتستانتية المحفزة على العمل الحر والابتكار والتجارة الحرة والمبادرة الفردية، هي العوامل الأساس التي أدت إلى ظهور الثورة الصناعية وتطورها في أوروبا الغربية. في حين أنّ هذه العوامل قد تكون فعلً مساعدة على انتشار الازدهار، لكن عندما تدعم هذه القيم تعدد المؤسسات وشفافيتها فحسب. أما الفرضية الأخيرة التي انتقدها أيضًا الباحثان، فهي القائلة إن ضعف قدرات النخب على التسيير والحكامة هو أحد الأسباب التي تعوق التنمية والازدهار، ومن ثمّ الاستمرار في مستنقع الفقر والركود. ويفنّد أسيموكلو ودارون هذه الفرضية، والتي يعتمد عليها العديد من المحللين والاقتصاديين، بالقول إن السبب وراء الفقر والعجز الاقتصادي يرجع أساسًا إلى الحوافز والمعيقات التي تطرحها المؤسسات السياسية والاقتصادية في بلد معين. تفتح الفرضية الأخيرة آفاقًا جديدة ومتشعبة أمام الإشكال الذي يطرحه جوزيف ناي بشأن انتشار الفقر المتجذّر في المجتمع، واستمرار الركود كحالة اقتصادية وسياسية مؤسساتية، ناتج من قرارات النخب المالكة لسلطة القوة، وهذه النخب لا تتخذ هذه القرارات بسبب أخطائها في التدبير أو بسبب جهلها بأدبيات الحوكمة، وإنما بسبب اتخادها هذه القرارات قصدًا وعن وعي تام بعواقبها على الدولة والمجتمع. وسيؤدي هذا التحدي بمؤلفي الكتاب إلى الأطروحة القائلة بضرورة الانفتاح على الاقتصاد السياسي للتعرف إلى العوامل غير الاقتصادية المؤدية بالاقتصاد إلى الركود، ومنها العوامل السياسية والصراع على السلطة السياسية. إذ يؤدي ارتكاز السلطة السياسية في يد قوى نخبوية أو فئوية وعلى نحو غير ديمقراطي إلى تحولها إلى سلطة سياسية تستحوذ على المؤسسات السياسية والاقتصادية، بما يجعها ذات امتيازات وربح مستمر، وبما يجعلها مستعدة لاتخاذ أيّ إجراء ضد أيّ سلطة جديدة أو قوة اقتصادية صاعدة قد تزاحمها في امتيازاتها السياسية والاقتصادية. وتؤدي هذه السياسة المطلقة إلى تركيز جل اقتصاد البلاد في يد فئة قليلة، تستثمر الوسائل كافّة لمنع نشوء اقتصاد متعدد وتنافسي5. وبما أنها تحتكر المؤسسات السياسية والقانونية، فهي التي ستحدد قوانين العمل التي تناسب استمرار نفوذها وأرباحها الأحادية الجانب. في هذه المرحلة بالضبط، يناقش الباحثان فكرة أنّ سياسة هذه السلطة هي سياسة متعمدة؛ إذ تؤدي إلى نشوء اقتصاد الريع الشمولي الذي يقمع فرصة تحقيق المساواة في الفرص، وتؤدي أيضًا إلى اللامساواة الاقتصادية والاجتمعية، فالأنظمة الشمولية والمطلقة تخلق حواجز كثيرة أمام محاولات صعود قوى جديدة. وكم تتبّع الباحثان في تجارب أميركا الجنوبية (الأرجنتين وكولومبيا) وأفريقيا جنوب الصحراء (زيمبابوي وسيراليون)، فإن هذه الحواجز تبدد أية فرصة للتصنيع والتطور التكنولوجي، لأنها ترى فيها مهددًا لسلطتها وامتيازاتها الكثيرة. كم يرجع الكاتبان للاستدلال بتجارب

  1. هذا الترادف بين تركّز الثروة الاقتصادية والسلطة السياسية هو ما يسميه موريس دوفيرجي "نظام حكم الأغنياء.)Ploutocratie(" انظر: Maurice Duverger, Janus: Les deux faces de l'Occident (Paris: Fayard, 1972).

تاريخية عديدة، منها تجربة الدولة العثمنية والأسباب التي كانت وراء سقوط هذه الإمبراطورية العريقة. فلقد كانت الحواجز أمام التطور الاقتصادي كثيرة، كان منها منع الإمبراطورية العثمنية صناعة الصحف وطبعها لما كانت تظن أنها تهدد استقرار الإمبراطورية. في حين أنه في الضفة الأوروبية، كانت ثورة 1688 الصناعية في بريطانيا تشيّد دولة عظمى جديدة؛ إذ استطاع الأفراد بناء نظام سياسي نابع من قرارات مجتمعية تُحترم فيها الحقوق السياسية والمصالح المجتمعية، وحيث السلطة السياسية تتعرض للمحاسبة على قراراتها السياسية، والفرص الاقتصادية أصبحت متاحة للجميع بالتساوي. تنأى، إذًا، مقاربة دارون أسيموكلو وجيمس روبنسون عن أطروحة جوزيف ناي المناوئة للريادة الأميركية في المستقبل. فالأمم تفشل، بحسب أسيموكلو وروبنسون، عندما تنتشر فيها تلك المؤسسات الاستحواذية (Institutions Extractive) التي لا تخلق مؤسساتها الاقتصادية الحوافز الداعمة للملكية والاستثمر والمبادرة، وحيث المؤسسات السياسية الاستحواذية تدعم هذه المؤسسات الاقتصادية عن طريق تقوية المصالح النخبوية لفئة المستحوذين. وبلغة أخرى، فإن غياب الديمقراطية المؤسساتية التي توفر شروط التنافسية الشفافية وتعدد المؤسسات، تؤدي إلى الاستحواذية كحالة استبدادية في الحكم السياسي والاقتصادي. لذلك فإنّ انتشار المؤسسات السياسية الاستحواذية ودعمها للمؤسسات الاقتصادية الاستحواذية هم العاملان الأساسيان في انهيار الأمم، وغالبًا ما يُنظر إلى استمرار حالة الركود على أنه ناتج من نقص في الموارد أو في ندرة الأنشطة الاقتصادية المدرة للربح وضعف الاستثمرات وغيرها. لكن السبب في الحقيقة، كم يؤكد الباحثان، هو أن النخبة المستحوذة تظل تسوّق المبررات الخارجية حيال بقائها محتفظة بمصالحها السياسية والاقتصادية، وهذه حالة بلدان كثيرة مثل الأرجنتين وكولومبيا ومصر ودول أفريقية عديدة. ولتجاوز هذه الوضعية الاستحواذية وأثرها البليغ في استمرار الركود وانتشار الفقر، يقترح الباحثان مخرجًا وحيدًا، وهو ضرورة تحويل المؤسسات الاستحواذية، سواء السياسية أو الاقتصادية إلى مؤسسات مفتوحة ومتعددة وشاملة (Inclusive)، ويقصد الكاتبان بهذا المفهوم المنفصل والمضاد لمفهوم الشمولية، تلك المؤسسات التي تضم جميع الفاعلين السياسيين والاقتصاديين في المجتمع؛ إذ يتيح لهم القانون الديمقراطي والشفاف فرصة العمل الحر وفضاء التنافس على الديمقراطية السياسية والتعددية الاقتصادية. وتصطدم هذه المقترحات الحتمية، من جهة أخرى، بمجموعة من التحديات الواقعية، منها صعوبة استجلاب اللوبيات السياسية والاقتصادية وتليينها نحو مزيد من الدمقرطة، إذ سيفقدون مكتسبات حكمهم وتسييرهم الاستحواذي وثرواتهم المادية الكثيرة، وسيعمدون في المقابل إلى استثمر جل قوتهم السياسية والاقتصادية من أجل منع أي تغيير سياسي واقتصادي يعارض توجههم وامتيازاتهم الموروثة. وقد شهدنا هذه الردة الانعكاسية من طرق الأنظمة الاستحواذية العربية إبان ثورات الربيع العربي؛ إذ فور سقوط الأنظمة الاستبدادية العربية أمام خروج الشعوب وثورتها على أنظمتها الهشة، قامت باتخاذ جميع الوسائل من أجل استرجاع السلطة السياسية

ونظام الحكم. وقد نجحت فعلً عبر استعملها قوة السلاح والمال في الحفاظ على السلطة، ولو كانت منقوصة (سورية مثلً). وفي حالات أخرى، كحالة ليبيا وتونس مثلً، تستعمل السلطة المستبدة الوسائل كافة لعودة النظام، وإذا لم تستطع، تقوم بتأزيم الوضع الاقتصادي ونسف أية مبادرة سياسية قد تكون سببًا في تلاشي نمط حكمهم، ومن ثمّ زوال امتيازاتهم التاريخية. يقترح الباحثان أمام هذه المقاومة إما استثمر الإرث السياسي والاقتصادي شبه الديمقراطي داخل المؤسسات الاستحواذية ومحاولة تطويعها لمزيد من الإصلاح، أو بناء تحالف ديمقراطي وكتلة نخبوية من أجل محاربة هذا النظام، أو استثمر أحداث التاريخ كعوامل مساعدة على إطاحة الأنظمة الاستحواذية.

خاتمة

لامسنا من خلال هذه القراءة لكتاب هل انتهى القرن الأميركي؟ لجوزيف ناي، ومقابلتها بقراءة كتاب لماذا تسقط الأمم؟ لدارون أسيموكلو وجيمس روبنسون، تعدّد المقاربات التي تحاول تفسير نمو الأمم وانهيارها، والتي تحاول كل واحدة من منطقها ونموذجها التفسيري أن تبرهن على امتلاكها قوانين ثابتة، انطلاقًا من استنطاقها التاريخ والتجارب الأممية المتعددة. والمحاولة الجادة من العلم الحديث لاستشراف أمد حياة الأمم، وأسباب انهيارها، تمثّل، بالموازاة، أحد أفضل الطرق وأدقها في دراسة الحضارات وتتبع حياة الإنسان. فلا شك أن التاريخ بمناهجه الحديثة أصبح أصلً ثابتًا في معظم العلوم الإنسانية، وما أعطاه هذه الأهمية، الإضافاتُ التي تقدمها بقية العلوم الحديثة، كالعلوم الاجتمعية، ومنها الاقتصاد والعلوم السياسية والدراسات الثقافية وغيرها؛ ما يجعل مخرجات البحوث التاريخية أشدّ اتساقًا وموضوعية. وكم لاحظنا في هذه القراءة، تجتمع في دراسة الحضارات والأمم المقاربات الثقافية والاجتمعية والاقتصادية بالسياسية والعسكرية والتاريخية لكي تكون نموذجًا تفسيريًا متكاملً. فكم بيّ جوزيف ناي، لا يعتد بمقاربة انهيار الأمم إذا نظرنا إلى جانب الانهيار الاقتصادي أو السياسي أو العسكري فحسب، وإنما تنهار الأمم عندما تنهار هذه المجالات مجتمعة. لكن الباحثَيْ دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون لهم رأي آخر؛ فقد رأيا أنّ انتشار المؤسسات الاستحواذية في دولة من الدول هي التي تؤدي إلى انهيارها. وهم يرجعان غياب الديمقراطية المؤسساتية والشفافية وحكم القانون، ومن ثمّ غياب فرص الازدهار والنمو، إلى نمط التدبير الاستحواذي الذي يخل بتوازن النمو الاقتصادي ويعيق عمل المؤسسات السياسية ويعطل بذلك عجلة الرخاء والازدهار الاقتصادي والاجتمعي.