Return to Article Details Variables in Tomorrow's World A Reading of Future Shock

مراجعة كتاب

Variables in Tomorrow's World A Reading of Future Shock

كمال طيرشي

الملخّص

المؤلف: آلفين توفلر الكتاب: صدمة المستقبل، المتغيرات في عالم الغد العنوان الأصلي: Future Shock المترجم: محمد علي ناصف الناشر: الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، القاهرة سنة النشر:1990 عدد الصفحات:516 صفحة

الكلمات المفتاحية:
  • صدمة المستقبل
  • عالم الغد
  • آلفين توفلر
Keywords:
  • Variables
  • Tomorrow's World
  • Future Shock

Variables in Tomorrow's World

  1. عدد الصفحات:  صفحة
  2. سنة النشر:  1990

حين نفكر في المستقبل، نجد أنفسنا مجندين في "كبسولة الزمن"، يتسارع فيها ما هو ماضٍ وما هو كائن، وما هو آتٍ أو سيأتي عن قريب، في مسارٍ مركّب بين ثلاثية معقّدة أساسها سيرورة الحياة. ومعنى أن يكون الإنسان عارفًا فيها، هو ذلك الحضور البشري الراسخ في عمرتها. لذا، فإنّ ما تعيشه اليوم الدول المتقدمة والمجتمعات المعاصرة، وما تريده من المستقبل، ثورةٌ وليس وهمً. وإنّ ما يستشعره العالم المعاصر اليوم هو كيفية البحث عن المستقبل، والتدفق داخل أمواج المستقبل أمام زخم التغير في الغد القريب. وقد كانت المأثرة الكبرى لهذا الكتاب الذي بين أيدينا أن يحيطنا علمً ب "صدمة المستقبل" على شاكلةٍ جديدة، يعلم فيها كيف سيخطو إنسان العصر طريق ذلك الغد الرهيب. وبمعالم التغير الذي تتبناه حياة الإنسان المعاصر ومجتمعات الثورة الصناعية وما بعد الصناعية، يصوّر آلفين توفلر ضجيج المستقبل بعيون الآخر في معالجة أمور الحياة اليومية، ومصاحبة التطور الصناعي، والإعداد للقاء مسيرة التوق التاريخي لما قد يحدث للزمن المنتظر. إنّ هذا الفهم الموسع لحركة الحياة – بمعناه الخلدوني – هو ما يجعل من العالم كائنًا حيًّا يمرّ بأطوار بشرية واضحة المعالم تُؤذن بدايتها بنهايتها؛ وذلك بمحاولة الانغمس في ما هو مقبل، ومحاولة التكيف بتغيير "صدمة المستقبل". إنّ قيمة ما قدّمه توفلر من مستجدات واقعية وتحليل عميق للظاهرة، مستندًا في ذلك إلى كمٍّ كبير من الباحثين وعلمء النفس والبيولوجيا والاقتصاد والأنثروبولوجيا وغيرهم، جعل من الكتاب زخمً معرفيًا قائمًا في حدّ ذاته؛ وهو ما يراه في النهاية مناسبًا لكي يعمل الجميع يدًا واحدةً؛ وهذا ما سيكون في المستقبل، بحسب رأي توفلر، ليصل إلى الارتباط بالحاضر وما هو قائم من تسارع كبير في شتى الميادين؛ فيصبح كل العالم الصناعي مشاركًا وجدانيًا بشأن المستقبل. وهنا يكشف عن آثار الصدمة حين يحضر الوعي في البحث عن الحقيقة وكيفية استفادة الناس من ذلك. ومن ثمّ، يؤكد في النهاية ضرورة التجرد من الرواسب الشخصية والاجتمعية والبيئية والصناعية حتى يتوصل إلى منطق بناء ليضمن طريق التشارك الجمعي والاستمرارية داخل نسق المستقبل.

الثابت والمتغير بين المايض البعيد والتسارع الشريد

تكشف سيرورة التاريخ المتصل بأنماط الأعمر حركة حياة تشبه مسلسلً متعدد الحلقات، بدأت مع الحياة لتنتهي بانتهاء الكون، ولكن قبل ذلك عليها أن تمرّ كنهرٍ جارٍ متدفق المياه، قد نسمّيه منحدرًا شديدًا في عنفوان الزمن وما يتعرض له البشر في موجات التقدم. من هذا المنظور، يرى آلفين توفلر أنّ انتفاضة القرن الحادي والعشرين تمثّل حدثًا تاريخيًا عالميًا، وظاهرةً فريدةً من نوعها، تكتسح المجتمعات المتقدمة صناعيًا. ولكن ما يحدث الآن من هذه الثورة الصناعية هو انتقال في التاريخ، ويعني بذلك "انتقال الجنس البشري من البربرية بمعنى ذلك الماضي البعيد عن عالم اليوم، إلى المدنية" (ص. 12). وقد

استدل على ذلك بالاقتصادي كينيث بولدنغ في أنّ هذا الانتقال يشكّل نقطة تحوّل في تاريخ الجنس البشري، ليحدّد إمكان هذا الحدث "الرهيب" نحو مسيرة تصوغ نفسها ضمن علاقة الإنسان بالزمن والأشياء المتصلة بجهده المبذول على نحو هذا العمر، ليمرّ الحاضر اليوم في صورة الماضي. فكم يقول: "إنّ الزمن الذي يقسم الجنس البشري إلى قسمين متساويين: زمن ماثل في الذاكرة الحيّة، وخطّ وسط، يقيم تاريخ الجنس البشري. فمثلً، لو أنّ الخمسين ألف سنة الأخيرة من عمر الإنسان قُسمت إلى أعمر طول كل منها 62، يكون حوالى سنةً 800 عمرًا، يقضي منها الإنسان 650 سنة داخل الكهوف. وهذه الأعمر ال 800 تمثل علامة افتراق حادّ من ماضي الخبرة الإنسانية؛ لأنه خلال هذه الأعمر حدث انقلاب جذري في علاقة الإنسان بالموارد. ويبدو هذا أوضح ما يكون في مجالات التنمية الاقتصادية" (ص. 13-14). من البيّ، إذن، أن نرى فارق الحدث أين كان النظام الكوني للإنسان ثابتًا قابعًا في ماض بعيد، إلى أن هجم التسارع التنظيمي للكون والإنسان فأحدث التغير ضمن ديمومة جديدة تستفيد من الزمان والمكان، كاشفة له مفاهيم المستقبل الموعود.

سرعة الحياة وإنسان المستقبل

ما يدعو إليه توفلر هو التريث في معالجة الظروف والمستجدات التي يمكنها أن تؤدي في ما بعد إلى صدمة؛ من جهة أنّ للتغيير النسبي بين القديم والجديد، كم سنرى ذلك، تأثيراته العنيفة في المستوى القيمي، وخصوصًا العادات والتقاليد ومفهوم الذات لدى الكثيرين، وقد تضيع البشرية جمعاء بسبب هذه العوامل. ف "خلف هذه الحقائق الاقتصادية المذهلة تكمن آلية التغيير، ليكشف عن أول مظاهر تسارع 'التكنولوجيا'، ليجد أنّ المفهوم أوسع من مجرد جعله في المصانع والماكينات، في حين يجمعها في أساليب ردّ الفعل الكيميائي، وطرق تربية الأسمك، وزراعة الغابات... إلخ" (ص. 25). وبهذا يمكن أن تقدّم وسائل النقل أيضًا، بحسب رؤية المؤلف، صورةً دراميةً أخرى للتسارع؛ وهذا ما جعل الراهن لا يغيب عن التجديد. ومن ثمّ، فإنّ التكنولوجيا ليست مجرد أداة لجمع ماكينات جديدة أو فرضِ التغيير؛ فهي تُضفي أيضًا حلولً جديدةً لمشكلات اجتمعية وفلسفية، وحتى شخصية أيضًا. إنها تغيّ من شأن البيئة الفكرية للإنسان من خلال طريقة تفكيره ونظرته إلى العالم (ص. 30). وهنا يكشف عن أثر الجانب المعرفي الذي يمكن أن تقدمه حتى تصبح المعرفة وقود هذا المحرك. ف"منذ عشرة آلاف سنة ومعدل المعرفة للإنسان في نفس الكون في تزايد مستمر؛ وهذا ما نجده من كتب ومقالات ودراسات على مستوى العالم، لقد قال فرنسيس بيكون مرةً 'إنّ المعرفة.. هي القوة'؛ ويمكننا أن نترجم هذا القول إلى لغة العصر 'المعرفة.. هي التغيير'" (ص. 32)

كان ميشيل فوكو قد خلص في كتاب الكلمت والأشياء إلى نتيجة مفادها أنّ الإنسان ليس هو أقدم مشكلة طرحها أمام المعرفة البشرية، وليس هو المشكلة القائمة باستمرار. فإذا ما قمنا بتحقيب زمني قصير للثقافة الأوروبية، وبتقطيع جغرافي محدود لها، خلال القرن السادس عشر، أمكن أن نجزم - في يقين - أنّ الإنسان ابتكار حديثٌ. لذا، فإنّ انقسام سكان الكرة الأرضية، وفق توفلر، لا يقوم على أساسٍ من العنصرية والقومية والدين والأيديولوجية فحسب، بل على أساس موضعهم من الزمن أيضًا. كم يبين أنّ ذلك يجري على نحو ثلاث "خطوط" في الحياة، أولها إنسان الماضي: وهو الذي لم يواكب التطور بعد (نحو 70 في المئة من سكان العالم حاليًا)، ثانيها إنسان المجتمعات الصناعية: وهي معمقة وحديثة (نحو 25 في المئة من نتاج النصف الأول من القرن العشرين)، ثالثها: إنسان ما بعد التصنيع العالمي: ويكون داخل المراكز الرئيسة للتغير التكنولوجي والثقافي في كلٍّ من سانتا مونيكا وكاليفورنيا وكامبردج ونيويورك وطوكيو...إلخ. (الثلاثة في المئة المتبقية من سكان العالم تقريبًا، وهم الذين يعيشون في المستقبل)، (ص. 37) يختار توفلر هذا التقسيم لأنه ينظر إلى الثلاثة في المئة المتبقية على أنهم الأغنى والأحسن تعليمً والأقدر على الحركة من أغلبية الناس لأنهم يعيشون أسرع ممن حولهم من الناس (ص 39). هذه هي الفكرة الخالصة هي التي ينطلق منها المؤلف ليبين عبرها خطورة تسارع الحياة، وما سيجنيه إنسان المستقبل من حمولة ذلك؛ إذ أصبح الإنسان مرتبطًا أشدّ الارتباط بما يحدث داخل الأحداث التي يقيمها التاريخ "الإبستيمي" الجديد. ومن ثمّ، ستكون العلاقة حاضرةً في السلوك الإنساني، إمّا بالأخذ أو بالصدّ تجاه سرعة الحياة؛ إذ يمكن أن تتحول بواسطة المجتمع إلى صرخة غضب وقلق، وإمّا أن تعود في شكل عصيان وتمرّد، لتنتهي إلى الزوال. فإذا كان الإنسان يعيش الأزمنة الثلاثة الممكنة (الماضي، والحاضر، والمستقبل)، كان لنا أن نقول كم قال الفيلسوف مارتن هايدغر إنّه كائن ذو ثلاث أبعاد. بيد أنّه ثمّة فرق مهمّ يذكره توفلر؛ إذ يبيّ كائنيته في هذه الثلاثية التي لخصها في كلمة "الزوال". فهذه الكلمة، وفق المؤلف، هي التي تمدّنا بالحقيقة التي افتقدت بين نظريات التغير الاجتمعي وعلم النفس الفردي؛ ومن ثمّ تحقيق التكامل بينهم، ليمكن لنا تحليل مشكلات التغير بأسلوب جديد، فيكون الزوال هو "الموقوتية" الجديدة في الحياة اليومية التي يترتب عليها مزاج أو شعور متمثّل في الإثبات. وهذا ما جعل الفلاسفة واللاهوتيين ينظرون إلى الإنسان، في نهاية الأمر، بوصفه كائنًا زائلً؛ وبهذا المعنى العامّ، كان الزوال ملازمًا له، وهو جزء من الحياة. أمّا اليوم، ومع سرعة الحياة وإنسان المستقبل، يمكن أن يكون الإثبات أقرب وأشد حدةً من قبلُ (ص 46). وكل هذا يمثّل انحطاط العالم لنمو إنسان المستقبل؛ إذ يصعب عليه في النهاية المواجهة والتكيف، ومن ثمّ يعرضهم التسارع للأخطار ولصدمة المستقبل.

إنسان المستقبل وجدلية الأشياء والأمكنة

لا يبحث إنسان المستقبل في عصر التكنولوجيا عن الوهم أو العزاء، بقدر ما يريد مستقبلً يكشف عنه جهل الماضي وركون الحاضر، من أجل التجديد المستمر. فإذا كان الماضي منفصلً عن الحاضر؛ بمعنى من المعاني حين يكون عائقًا في سبيل ما يريده إنسان الغد، وليس هذا الانفصال إلا حالة شعورية أرادها ليتجنب نفسيًا ما يجده من حواجز بينه وبين المستقبل، فسيجد في النهاية علاقته بالأشياء والأمكنة أكثر رخاءً وانغمسًا نحو أسلوب الحياة الجديدة لمجتمع ما بعد التصنيع. يجد المؤلف أنّ النظرة الاختزالية لخصوم المادية الذين يقلّلون من شأن الأشياء- على الرغم من أنّ لهذه الأشياء أهميةً كبرى بسبب الوظائف التي تؤديها في المجتمع وتأثيراتها السيكولوجية - لا تنفي أنّ الأشياء تؤثّر في إحساسنا بالاستمرار أو التوقف، وأنها تؤدّي أيضًا دورًا مهمًّ في بناء المواقف واختزال علاقتنا بها لتسارع من خطو الحياة (ص. 52). فعندما نستعمل الأشياء، وعندما تزاحمنا هذه الأشياء في حياتنا اليومية، كالأجهزة السريعة مثلً، سيتغير شعورنا – بالضرورة - لننطلق من الدوام إلى اقتصاديات اللادوام؛ وهذا بفضل التقدم التكنولوجي. بناءً على ذلك، بدلً من أن نظلّ مرتبطين بشيءٍ واحد مدةً طويلةً نسبيًا، فإنه كان علينا أنّ نرتبط بهذه الأشياء مدةً قصيرة (ص. 54)؛ وهذا ما يميّز إنسان المستقبل من إنسان الماضي والحاضر (ص 67). وكل هذا جعل المؤلف يتنبأ بأنّ كلّ هذا التعالق الحاصل سببه الخوف من تقدّم المنتج، وهو الذي يدفع المنتجين إلى التجديد المستمر، كم يدفع المستهلك إلى استخدام المنتجات القصيرة العمر، وهذا التقادم هو الذي أدّى إلى اختزال دائم للعلاقة بين الإنسان والأشياء (ص. 68) فبفضل وسائل الإعلام، أصبح من الممكن، بحسب المؤلف، أن تمتدّ "البدع" التي تظهر في حياتنا بين يوم وليلة، وتختفي أيضًا بالسرعة نفسها، إلى التغير الجغرافي. فلم تعُد الأشياء فحسب هي ما تسعى نحو خطو الحياة؛ لأنّ حقيقة التنقل في الدول المتقدمة أصبحت تساهم كذلك في التسارع، ولأنّنا نجد، بحسب توفلر، هذه الظاهرة تنشأ من الروابط شبه الأزلية التي كانت تربط الإنسان بالمكان قد بليت وأصابها التمزق، فكان لا بدّ من الهجرة نحو المستقبل، لتكون الضفة الأخرى "أوروبا" هي الوجهة. ويقول المؤلّف، في هذا الصدد، إنّ المد المستمر لحركة الآدميين تنتج منه كل أنواع التأثيرات الجانبية التي كثيرًا ما يلتفت إليها. فالمؤسسات التجارية التي تتعامل مع زبائنها بواسطة البريد تتفق في جعل قوائم عناوينها مطابقةً للواقع؛ إذ نجد العلاقة بين التحرر من الوضع الاجتمعي الثابت والموقع الجغرافي الثابت. فإنسان عصر ما بعد التصنيع عندما يحسّ بنوع من الحصر الاجتمعي، فإنّ أول ما يفكر فيه هو تغير موقعه (ص. 88). لهذا، كان الكامن في جميع الأمم التي تخطو إلى عصر ما بعد التصنيع هو التنقل السريع، ليكون أسلوبًا جديدًا ومتحررًا من قيود الماضي و"براثنه"، لتحقيق خطوة إلى المستقبل أكثر رخاءً. بيد أنّ المؤلف يجد مشكلةً أساسيةً تواجه إنسان هذا الغد متمثّلة في غريزة حب البيت، أو

البحث عن الاستقرار. من أجل ذلك، فهو يقول "حتى ولو كان في النهاية مجرد كوخ، وهو بمثابة الآمنة الضاربة بجذورها في الأرض، والتي يتوارثها جيل عن جيل، ورابطة الوصل بين الإنسان والطبيعة والماضي؛ ومن ثمّ، أصبح الثبات بالنسبة إلى البيت أمرا مسلّمً" (ص. 92) إنّ هذا التغير لإنسان المستقبل يشابه علاقة الإنسان بالأشياء. ففي كلتا الحالتين، نجد جدليةً بين الأشياء والأمكنة في حياة إنسان الغد. ومن خلال ذلك، نرى أنّ الفرد مدفوعٌ بقوة لا تُقهر إلى إقامة روابطه ونقضها بسرعة متزايدة. وفي كلتا الحالتين، نلمس معاناته أمام التسارع المتزايد في خطو الحياة. وكلّ هذا سيؤول إلى عمق الارتباط الذي يجمع في النهاية بين الإنسان والأشياء والأمكنة.

سرعة المسار العلمي وأفول القيم يف ظلّ تنوع أساليب الحياة نشهد اليوم عمليةً تاريخيةً تكتسح ذهنية الإنسان في مختلف الجوانب (التكنولوجيا، والعلوم الكونية، وعلم النفس... إلخ). وهذا الأمر "أذهل" المؤلف، فوصفه ب "اللاحضور" الذهني السريع للأفكار والصور التي ستتدفق إلى الإنسان أثناء هذه الثورات العلمية وتعزّز ماضيه، لتبني حاضره متطلعةً إلى عصر ما بعد التصنيع. ونتيجةً لهذا الحدث، سيشكّل وعي جديد بعالم جديد. ومن ثمّ، يجد آلفين توفلر أنّ الأزمة التي سنؤول إليها ليست أزمة الرأسملية، كم كان يعتقد الشيوعيون في الماضي، ولكنّها أزمة المجتمع الصناعي نفسه، بصرف النظر عن الإطار السياسي الذي يجري تبنّيه. وهكذا ينتقل الإنسان بسرعة إلى عالم مجهول، وإلى مرحلة جديدة تمامًا من التطور التكنولوجي للبيئة؛ في حين أنّه لا يزال متشبثًا بمعتقداته في أنّ "الطبيعة الإنسانية خالدة"، وأنّ "الاستمرار سيعود". إنه يندفع وسط أعاصير أعنف في تاريخ الجنس البشري، متمسكًا بتلك الكلمت التي قالها يومًا أحد علمء الاجتمع "إنّ عمليات التمدين أصبحت تقريبًا (كاملةً) إنّه يرفض ببساطة أن يحتل المستقبل" (ص. 224). ويرمي هذا التدفق في التطور، بالضرورة، المجتمعَ إلى تجارب العصر والبعد عن زمن التفرد والاندماج داخل هذا الزخم العلمي الكبير، ك "صور متحركة" بعيدة كلّ البعد عن الماضي، ليرى صورة المستقبل ماثلةً أمامه. إنه، كم يقول آلفين توفلر، سيستقر سريعًا نحو هذا المجتمع الجديد، ليتاح له كل ما يرغب في امتلاكه، لكنه سوف يهتز ويصرخ في معاناة كلم تلقى صدمةً تلو أخرى من جراء قوّة التغير. ومن ثمّ، كان عليه أن يدرك هذا في النهاية؛ لأنّ عصر ما بعد التصنيع لا يعرف معنى الارتداد للمضي المألوف؛ إنّه لا يعرف سوى ذلك المزيج المتفجر من الزوال والتجديد" (ص. 260) بيد أنّ عصر التقدم والتطور ينبغي ألّ يخلو من الكلام عن القيم. لهذا، كان لمذهب القيمة رواج كبير في البلدان المتقدمة. فقد انتشر في بلاد النمسا، ثمّ انتشر في ألمانيا نحو سنة 1900، وفي أميركا نحو سنة 1910، وأخيرًا في فرنسا. فالقيمة ذات بنية تحتوي ثلاث حدود، لأنها تنتقل من إنسان إلى آخر

بواسطة إنتاج؛ ولو أسقطنا هذا الإنتاج في عصر ما بعد التصنيع، لوجدناه يفسر ما قدمته التكنولوجيا للإنسان الغد من قيمٍ. ويجيب آلفين توفلر عن ذلك بأنّ إنسان الغد يعاني الانسلاخ القيمي، وخصوصًا التخبط في القيم الجنسية، بخاصة في أميركا؛ وهذا ما جعل الفرد فيها سواء كان قسيسًا أو سياسيًا قلقًا إزاء هذا الوضع.

إستراتيجيات لمقاومة صدمة المستقبل

من أهمّ مخرجات الكتاب الذي بين أيدينا، بلورته لعددٍ من الإستراتيجيات المهمة التي من شأنها مساعدتنا في مقاومة "صدمة المستقبل"؛ وذلك من خلال ما يلي:

1. مواجهة الغد

إنّ الإنتاج العلمي والتكنولوجي للمجتمعات المتقدمة يكيّف عملية الوجود الاجتمعي والسياسي والروحاني في حملته، فصدمة المستقبل لم تكن لفرد واحد، وإنما رسمت معالمها بالنسبة إلى المجتمع كلّه. وعلى هذا الأساس، كانت العقول والبحوث كلّها موجهةً إلى البحث فيها من أجل التعرّف إلى الطريق التي تؤدي إلى النجاح في مقاومة "صدمة المستقبل". وهنا يجد المؤلف نفسه داخل معركة حضارية يكتب عنها التاريخ. ومن ثمّ، فإنّ إطلاق العنان لليأس هو مجرد سلعة أدبية رائجة في وقتنا الراهن؛ ذلك أنّه ليس هروبًا من المسؤولية فحسب، بل إنّه ليس له ما يبرّره أيضًا. فصدمة المستقبل لم تنبثق من قوى طبيعية خارقة، بل انبثقت من عمليات صنعها الإنسان، قابلة - على الأقل - لأن توضع في نطاق تحكّمنا (ص).392 نستطيع، بحسب المؤلف، أن نحاول فهْم المشكلات من أجل التحكم في العمليات الرئيسة؛ كأن نُحول المحنة إلى منحة، وأن نساعد الناس على تجاوز الأزمة واعتلاء "أمواج" التغير، وأن نساعدهم أيضًا على النمو، واكتساب معنى جديد لامتلاك زمام مصائرهم؛ وهذا كلّه يكون ب "المواجهة المباشرة". وفي هذا الشأن يقول المؤلّف إنّ معدل التغير في حياتنا يمكن أن تتحكم فيه القرارات الواعية فقط. ومن ثمّ، يمكن التقليل من معدل التغير ووحدة البيئة بالاحتفاظ أكثر فأكثر بعلاقات أطول، ومحاولة فرض الاستشارات النفسية، وتوسيع القدرات التكيفية للإنسان في مجتمعات ما بعد التصنيع (ص. 417)

2. فرض التعليم بصيغة المستقبل

يرى آلفين توفلر أنّ ما نسمّيه اليوم تعليمً، حتى وإن كان في أفضل مدارسنا وكلياتنا، فإنه ليس سوى مفارقة تاريخية ميؤوس منها. ذلك أنّ الآباء يتطلعون إلى التعليم لتهيئة أبنائهم للمستقبل، والمعلمون

يحذرون من الافتقار إلى التعليم، والوزارات والكنائس ووسائل الإعلام كلّها تحث الشباب على البقاء في المدارس، مصرّةً على أنّ مستقبل الفرد اليوم أكثر من أيّ وقت مضى يكاد يكون متوقفا على التعليم (ص. 419). إنّ الطريقة المثلى لإعداد الطفل، دائمًا، هي تزويده بمهارات الأقدمين؛ لأنها المهارات نفسها التي سيحتاج إليها في المستقبل. ف "مع القديم تكون الحكمة". لهذا، يجد عالم المستقبليات الأميركي أنه لا بدّ من أن ننقد التعليم الراهن، الذي يفتقر إلى "الفردية"، ويمتاز بالنظام الصارم، والأنظمة الجامدة للجلوس والتصنيف والتقويم والتقدير والدور التحكمي للمدرس. وكل هذا يعدّه أداة تكيف فعّالة بالنسبة إلى زمانه ومكانه (ص. 421). ويستدل في هذا الشأن بجون ديوي، بالنظر إلى أنّه كافح ضد صيغ التعليم بصيغ الماضي، محاولً شّد اتجاه التعليم نحو الحاضر، ومعلنًا أنّ "الأسباب البالية للنظم التعليمية التي تجعل من الماضي غايةً في حدّ ذاتها يجب أن تعترف أنّ الماضي وسيلة فقط لفهم الحاضر" (ص. 422) ولإيجاد تعليم ما بعد التصنيع، سوف نحتاج إلى خلق صور متتابعة وتبادلية للمستقبل، أي افتراضات عن أشكال الأسر والعلاقات الإنسانية التي تستثير أنواع المشكلات الأخلاقية والمعنوية التي ستحيط بنا، وبالبنى التنظيمية التي ينبغي لنا أن نبنيها (ص. 324). ومن المؤكد أنّ المؤلف يريد خلق فرص جديدة في تغير المناهج التعليمية، وأنّه يحاول خلق أنماط مختلفة يمكن أن تنطلق من "الفردية" إلى "الجمعية". إنه يجد أنّ مجتمعات ما بعد التصنيع تحتاج إلى مهارات جديدة في ثلاثة مجالات ذات أهمية قصوى: التعليم، والارتباط، والاختيار (ص. 435). ومن هنا، يمكن لإنسان المستقبل أن يكون أقدر على التكيف والمواجهة. ويستدل المؤلف بنموذج قدّمه روبرت بونك يقول فيه: "في وقتنا الراهن، يكاد يكون التعليم مركّزًا تركيزًا تامًا على ما حدث، وما صنع. أمّا في الغد، فلا بدّ أن يكون الاهتمم بالأعمل الجارية في المجالات العلمية والتكنولوجية والفن والفلسفة ومناقشة الأزمات المتوقعة والحلول الممكنة؛ لمواجهة تحدياتها (ص. 447)

3. ترويض التكنولوجيا

إنّ التكنولوجيا اليوم مفهوم يجتاح البلدان المتقدمة إثر التحولات المتعاقبة في الثورات التي قدمتها لإنسان العصر. وإنّ هذا التدرج التاريخي في حقول المعرفة التكنولوجيا قد أصبح بمنزلة العقدة الحرجة في شبكة الأسباب التي تحرك التنظيم. ومن ثمّ، كان على المؤلف في معالجته لهذا التقدم أن يتلمس الحاجة الماسّة إلى التكنولوجيا، وليس العكس، كالحدّ منها مثلً. أمّا الأسباب التطبيقية السلبية للتكنولوجيا، فهي تكمن في استخدامها استخدامًا غير مسؤول، قد يشكّل مرضًا مستعصيًا معاديًا للمستقبل؛ ومن ثمّ، فهو يتبنى منظور "التكنولوجيا المسؤولة" (ص. 255)

ومن شأن هذه المعايير، بحسب توفلر، أن تساعد على درْء الكوارث من أجل اكتشاف فرص الغد. إلا أنّ هذا التحدي ليس فكريًا فحسب، ولكنه سياسي أيضًا. فإضافةً إلى تصميم أدوات بحث جديدة، يجد المؤلف أنه لا بدّ أيضًا من التخطيط للمؤسسات السياسية الجديدة؛ ولترويض التكنولوجيا الجديدة، لا بدّ من جمع علمء متخصصين في العلوم السيكولوجية وعلمء الاجتمع والاقتصاد وعلمء السياسة، من أجل الإمساك بزمام التغيير المتسارع الحاصل وتفادي صدمة المستقبل (ص. 469)

4. ضبط الروابط الاجتمعية في المستقبل من أجل التصدي للصدمة

ثمّة إصرار للإنسان، على الرغم من تقدمه المذهل في الحياة، على محاولة تحقيق فهم أفضل للمجتمع حتى لا ينفلت من زمام أموره. فسؤال صدمة المستقبل لم يعد قاصرًا على التكنولوجيا فحسب، ولكن الخوف أن يمتد إلى تأثير العمليات المستقبلية في العلاقات الاجتمعية؛ ويمكن اعتبار أنّ الجانب السوسيولوجي في عصر ما بعد التصنيع قد أصبح يأخذ بدوره منحى التذبذب والانفلات من المنطق. وإنّ ما نشهده اليوم، بحسب آلفين توفلر، هو بداية النهاية لعصر التصنيع، ونهاية العصر التكنوقراطي٪ وعليه، لا بدّ من محاولة التحكم في التغير، الذي حدث في كل الدول المتقدمة تكنولوجيا بصرف النظر عن معتقداتها السياسية (ص. 482) بيد أنّه يجد أنّ ردّة الفعل المعادلة للعقل هي، على سبيل المثال، من بين الاستجابات لفقْد التحكم. ففي البداية، مكّن العلم الإنسان من السيطرة على بيئته. ومن ثمّ، لا بدّ من التحكم في المجتمع. فإذا انفلتت الأمور من زمام المجتمع، ستتولد خيبة الأمل (ص. 435). وهنا يستدل بأنّ خطر صدمة المستقبل في حدّ ذاته يشير إلى حاجة ماسّة إلى قياسات اجتمعية جديدة، وإلى أن يتوسع مفهوم المستقبلات الممكنة ليضاف إلى الخيال الملتهب للفن والانضباط الصارم للعلم. فمثلم كانت الواقعية صادرةً من زمن معيّ، كان لا بدّ للتنبؤ من أن يكون موجودًا اليوم (ص. 489)، وما يحتاجه إنسان الغد هو أفكار جديدة طوباوية، ومضادة للطوباوية على حدّ سواء. لذا، تحتاج مفاهيم الطوباوية واللاطوباوية في عصر ما بعد التصنيع دائمًا إلى التجسيد في أشكال متعددة: أفلام، ومسرحيات، وروايات، وأعمل فنية. وبناءً على ذلك، لا بدّ من الإنتاج الطوباوي المشترك (ص. 493)

"صدمة المستقبل" من منظور نقدي

ختامًا، نودّ إدراج بعض الملاحظات النقدية بشأن هذا الكتاب، أوّلها أنّ المؤلف كان في طرحه أيديولوجيًا إلى حدّ بعيد. فقد انطلق من دراسة المجتمع الأوروبي من منظور حصري (منظور الإثنية المركزية الغربية)؛ فكأنّ الإنسان الغربي وحده هو الذي يعيش الراهن ويستحق التطلع إلى المستقبل. كم تجدر

الإشارة إلى أنّ العديد من أحكام آلفين توفلر وتقريراته تُبنى على ادعاء امتلاك الواقع الراهن؛ وهو أمر ميتافيزيقي غير محقّق حتى الآن. ولو نظرنا إلى ما تعيشه الدول الصناعية من خلال منظار حقيقي، لوجدنا أنّ أكثر الأمم تعيش الشقاء والانهيار. فكلّ وسائل التقدم لم تُغْنِ عنها شيئًا، حتى أنّ النظرة التي ينظر بها توفلر - على الرغم من أنّها تنطلق من الواقع - تبقى مجرد إحصائيات لمجموعة من الأشخاص، ولا يمكن لتلك الأحداث أن تعمّم على العالم بأجمعه. إنّ ما يمكن أن نسميه اليوم في هذه المجتمعات "ما بعد الصناعية" ليس هو الصدمة تجاه المستقبل، بل هو الفراغ والضياع الشامل الذي تعيشه المجتمعات. وهذا ما قاله، مرةً، الرئيس ولسون قبل وفاته: "إنّ حضارتنا لا تستطيع الاستمرار في البقاء من الناحية المادية إلا إذا استردت روحانيتها". يُضاف إلى ذلك أنّ قول المؤلف المعارض في تصديه للنزعات التي تقصي التقنية، ومناداته بتوسيع نطاق التكنولوجيا، من الأمور التي لا تعالج الصدمة بقدر ما تزيدها تفاقمً، كم أنّ القول إنّ العلم سيكتشف لنا مضادات لتنظيم المجتمعات، وإنّ الأزمات الاقتصادية تعالج بالخطط الطويلة المدى ومحاولة خلْق أنماط جديدة للمجتمعات، وإنّ الصدمة المستقبلية تعالج بناءً على أنّ الحياة مضمونة ومكفولة، وغير ذلك مم ذكره في كتابه، يعبّ جميعه عن نظرة مادية قاصرة حالمة أمام التطور المذهل. فمحاولة التكيف والتغير التي طرحها المفكر لا يمكن أن تكون وحدها كفيلةً بتحقيق الأمان الذي تعانيه هذه المجتمعات. وإذا تأمل إنسان الغد كثيرًا، كم يقول المؤلف، فإنه سيزداد غربةً على غربة؛ وحتى لو امتلك وسائل التطور، فإنها لن تفيَ بالغرض، وسيشتاق هذا الإنسان إلى الماضي أكثر من استمتته في التطلع إلى الغد "الرهيب"؛ وهذا ما نجده حاصلً كثيرًا في المجتمعات التي لم يذكر منها المؤلف أيّ نموذج؛ وهو أمرٌ دالّ على إقصائه لها. إنّ نظرة المؤلف هي نظرة تجزيئية، تحاول أن تغطّي كثيرًا من الحقائق داخل كومة الأنموذج الواحد المتجذر في مجتمعات ما بعد التصنيع؛ حتى أننا نجد في خطابه نوعًا من التهرب من الحقائق الكامنة. فعلى الرغم من تطلعه ونظرته الاستشرافية نحو المستقبل، نجده في حديثه متخوفًا، على نحو دائم، من الغد وهو يركز على ما سيحمله الغد من حمولة مفزعة؛ فيدعو إلى الاستعداد له أكثر من محاولة الانغمس فيه، وهو ما يجعله يقع، أحيانًا، في ما يشبه النظرة العدمية التي قد تقصي المستقبل قبل أن تعيشه. أخيرًا، ينادي المؤلف بعدم الخضوع للطوباويات الحالمة والوقوع فيها إزاء توصيفه للمستقبل؛ إلا أننّا، في النهاية، نجده هو نفسه قد وقع فيها. فالمجتمع الغربي المعاصر لم يتخلص بعد من "براثن" الحداثة والتقنية، حتى يتمكن من الانغمس في مستقبل لم يأتِ بعدُ ويعالجه. وهذا ما يراه ألكسيس كاريل في كتابه الإنسان ذلك المجهول. فالحضارة الغربية تجد نفسها اليوم في موقف صعب، لأنها لا تلائمنا؛ ذلك

أنّها قد أنشئت من دون أيّ معرفة بطبيعتنا الحقيقية. فهي تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية، وشهوات الناس وأوهامهم ونظرياتهم ورغباتهم، وعلى الرغم من أنّها أُنشئت بجهدنا، فإنّها غير صالحة بالنسبة إلى حجمنا وشكلنا. بيد أنّ المؤلف يظلّ ضمن نسقٍ لم يخرج منه؛ متمثّل في الصدمة والخوف من الصدمة، من دون إيجاد منفذ يَفي بالغرض، حتى أنّ القارئ لا يجد لهذا الكتاب، في النهاية، يدًا له فيه، سوى أنه سيخضع نظريًا لِمَ قيل فيه من مخاوف أكثر من الحفْز على تجاوز هذه المخاوف. إنه كتابٌ يعرّفنا إلى الذات المغتربة للإنسان الغربي المعاصر إزاء ما يجده ماثلً أمامه ليسقطه على ما يمكن أن يكون بعد المثول (الغد).