خرافة عصر ما بعد النفط
A Post-Oil Era is a Myth
الملخّص
إن التصريح الذي يستشهد به كثيرون، نقلًا عن وزير النفط السعودي السابق أحمد زكي يماني، أن "العصر الحجري لم ينته بسبب النقص في الحجارة، وأن عصر النفط سينتهي قبل أن ينفد النفط" ليس دقيقًا تمامًا. فالعصر الحجري لم ينته قط؛ فهو لا يزال قائمًا حتى اللحظة على شكل حجارة لا نزال نستخدمها في بناء المنازل والجسور والمعالم الأثرية. ما انتهى هو جانب من جوانب العصر الحجري، أي صناعة الأدوات من الحجارة التي استبدلت، لأسباب عملية، بالبرونز والمعادن مع ظهور الصناعات المعدنية، وتحديدًا صهر البرونز والحديد. أطروحة هذا البحث أن المنطق ذاته ينطبق على النفط؛ إذ إنه من المحال أن يكون هناك عصر ما بعد النفط في القرن الحادي والعشرين ولا حتى أبعد من ذلك بكثير.
Abstract
ملخص: إن التصريح الذي يستشهد به كثيرون، نقلً عن وزير النفط السعودي السابق أحمد زكي يماني، أن "العصر الحجري لم ينته بسبب النقص في الحجارة، وأن عصر النفط سينتهي قبل أن ينفد النفط" ليس دقيقًا تمامًا. فالعصر الحجري لم ينته قط؛ فهو لا يزال قائمًا حتى اللحظة على شكل حجارة لا نزال نستخدمها في بناء المنازل والجسور والمعالم الأثرية. ما انتهى هو جانب من جوانب العصر الحجري، أي صناعة الأدوات من الحجارة التي استبدلت، لأسباب عملية، بالبرونز والمعادن مع ظهور الصناعات المعدنية، وتحديدًا صهر البرونز والحديد. أطروحة هذا البحث أن المنطق ذاته ينطبق على النفط؛ إذ إنه من المحال أن يكون هناك عصر ما بعد النفط في القرن الحادي والعشرين ولا حتى أبعد من ذلك بكثير. كلمت مفتاحية: النفط، العصر الحجري، الطاقة الشمسية، السيارات الكهربائية، البطاريات، النقل. Abstract: The often quoted statement attributed to the former Saudi oil minister Sheikh Ahmad Zaki Yamani that "the Stone Age came to an end not for lack of stone and the Oil Age will end long before we run out of oil" is not strictly accurate. The Stone Age has never ended. It is still with us to this very minute in the form of the stones we continue to use to build houses, bridges and monuments. What has ended is only an aspect of the Stone Age, namely tool-making from stone, which has been substituted for practicability by bronze and metal-tool making with the advent of metalworking, namely, smelting of Bronze and Iron. The same logic applies to oil. There could never be a post-oil era throughout the 21 st century and far beyond because it is very doubtful that an alternative as versatile and practicable as oil, particularly in transport, could totally replace oil in the next 100 years and beyond. What will change is some aspects of the multi-uses of oil in transport, electricity generation and water desalination which will eventually be mostly powered by solar energy. However, oil will continue to be used extensively in the global petrochemical industry and other industries and outlets from pharmaceuticals to plastics, aviation and computers to agriculture and also in transport in most of the developing countries. Oil will continue to reign supreme throughout the 21 st century and far beyond.
- النفط
- العصر الحجري
- الطاقة الشمسية
- السيارات الكهربائية
- البطاريات
- النقل
- Oil
- Stone Age
- Solar energy
- Electric cars
- Batteries
- Transport
مقدمة
عندما حفر إدوين دريك إحدى أولى آبار النفط التجارية في العالم في مدينة تيتوسفيل، في ولاية بنسلفانيا الأميركية عام 1859، لم يتوقع بالتأكيد الأثر الهائل لهذا الاكتشاف في الاقتصاد العالمي والحضارة والحروب في السنوات اللاحقة. ومنذ ذلك الحين، أصبح النفط عصب التقدم وشريان الحياة في العالم الصناعي؛ إذ تعتمد منتجات الاستخدام اليومي التي لا تعد ولا تحصى - وتتفاوت من المواد الصيدلانية إلى الحواسيب - على النفط، وعلى تكريره إلى مواد كيميائية وبلاستيكية معقدة. وستتوقف الزراعة الصناعية الحديثة التي تغذي أغلبية العالم إذا حُرمت من الجرارات التي تعمل بالديزل والأسمدة المستخلصة من النفط والغاز بغية زراعة المحاصيل وجنيها، وإذا جُرّدت من الوقود الأحفوري الذي يتيح لها معالجة الأغذية وتعبئتها وشحنها في جميع أنحاء الأرض لإطعام سكان العالم الذين ارتفع عددهم ارتفاعًا هائلً من 1.5 مليار مع بداية عهد النفط إلى 7.5 مليارات الآن1. صحيح أن التاريخ الحديث للنفط بدأ في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، إلا أن القرن العشرين هو الذي تغير تمامًا بظهور النفط؛ إذ إنه كان قرن النفط بامتياز، في حين أن القرن الحادي والعشرين قرن ذروة إنتاج النفط والحروب الناجمة عنها. ولم ترتبط أي سلعة أخرى ارتباطًا وثيقًا بالإستراتيجيات الوطنية والسياسات العالمية والسلطة كالنفط. فالعلاقة الوثيقة بين النفط والصراع تأتي من ثلاث سمت أساسية تُيّز النفط، هي: 1. أهميته الحيوية لاقتصاد الدول وقوتها العسكرية؛ 2. توزيعه الجغرافي غير المتكافئ؛ 3. ذروة إنتاج النفط2.
أولً: من يحصل على ماذا؟
بلغ إنتاج النفط التقليدي ذروته في عام 2006. ونتيجةً لذلك، يتعيّ سد أي فجوة في مجال الطاقة خلال السنوات القادمة بمصادر الطاقة غير التقليدية والمتجددة. ولكن ثمة شكوك كبيرة في قدرة هذه الموارد على ردم الفجوة في الوقت المناسب لتوفير إمدادات مستدامة من الطاقة في المستقبل. لا شك في أن النفط هو السبب الرئيس للحرب. فهو يؤجّج الصراع الدولي عبر أربع آليات منفصلة، هي: 1. حروب على الموارد تشنّها الدول بغية الحصول على احتياطيات النفط الخام بالقوة؛ 2. إعطاء انطباع بأن الحروب الأهلية في الدول المنتجة للنفط ناجمة عن تدخّل جهات خارجية (ليبيا نموذجًا)؛ 3. نزاعات تثيرها الهيمنة المحتملة على سوق النفط كم حدث في حرب الولايات المتحدة على العراق
بسبب اجتياحه الكويت في عام 1991؛ 4. اشتباكات بشأن السيطرة على طرق المرور العابر للنفط، كممرات الشحن البري وخطوط أنابيب النفط (إغلاق مضيق هرمز أو مضيق ملقا على سبيل المثال)3. فخلال الفترة 1941 - 2014، شُنّت نحو عشر حروب على النفط، كان أبرزها حرب النفط الأولى في القرن الحادي والعشرين، وهي غزو العراق في عام 2003. ومثّل النفط ركنًا أساسيًا في مسار الحرب العالمية الثانية ونتائجها في الشرق الأقصى وأوروبا. وكانت إحدى المزايا الإستراتيجية لقوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية السيطرة على 86 في المئة من احتياطيات النفط العالمية. وكان الأمن النفطي سبب الهجوم الياباني على قاعدة بيرل هاربور. في حين مثّل الاستيلاء على حقول نفط القوقاز أحد أهم أهداف هتلر الإستراتيجية في غزو الاتحاد السوفياتي السابق. أما في سنوات الحرب الباردة، فكانت معركة السيطرة على الموارد النفطية بين شركات النفط الدولية والدول النامية حافزًا ومصدر إلهام كبيرين وراء المأساة العظيمة المتمثلة بإنهاء الاستعمر ونشوء النزعة القومية4. لقد بدا النفط أداة فعالة من أدوات القوة خلال القرن العشرين. وتزامن ظهور الولايات المتحدة بوصفها القوة الرائدة في العالم في القرن العشرين مع اكتشاف النفط فيها، وحلوله محل الفحم مصدرًا رئيسًا للطاقة. وبعد أن أفسح الفحم المجال أمام النفط، أتاحت بريطانيا العظمى، القوة العظمى عالميًا في مجال الفحم، المجال أمام الولايات المتحدة، القوة النفطية الأولى في العالم. وفي يومنا هذا، قد تندلع خمسة نزاعات كبرى على الأقل بسبب النفط والغاز في العقود الثلاثة المقبلة. أما أخطرها فهو الصراع بين السعودية وإيران بسبب البرنامج النووي الإيراني والسيادة في منطقة الخليج؛ إضافة إلى النزاع بين الصين والولايات المتحدة الذي ينطوي على إمكانية أن يتطور إلى حرب إما بسبب تناقص الموارد النفطية، وإما بسبب تايوان أو الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي التي تطالب بها الصين واليابان، ودفاع الولايات المتحدة عن موقف اليابان. وكم كانت الحال في القرن العشرين، سيستمر النفط في القرن الحادي والعشرين في إذكاء الصراعات العالمية بشأن التفوق من الناحية السياسية والاقتصادية طالما أنه يحتل مكانة مركزية في الاقتصاد العالمي.
ثانيًا: قبضة النفط المحكمة على الاقتصاد العالمي
لا بد للذين يبدون آراء سابقة لأوانها عن تراجع هيمنة النفط أن يعيدوا حساباتهم. ويكفي أن ينظروا إلى الأثر السلبي لانهيار أسعار النفط في الاقتصاد العالمي منذ تموز/ يوليو 2014. إذ لم يتمكن الاقتصاد
العالمي من تقبل انهيار أسعار النفط؛ لأنه يجري تقويض جميع المكونات الرئيسة التي تشكل الاقتصاد العالمي، وهي الاستثمرات العالمية، وصناعة النفط، واقتصادات الدول المنتجة للنفط. صحيح أن انخفاض أسعار النفط يقلل تكاليف التصنيع، ومن ثم يساعد في نمو الاقتصاد العالمي، لكنها فائدة قصيرة الأجل، إذ يقابلها تراجع الاستثمر العالمي الذي يدفع الشركات في جميع أنحاء العالم إلى خفض الإنفاق، وبيع الأصول وتسريح آلاف، إن لم يكن ملايين، العاملين. لقد شهد نمو الاقتصاد العالمي منذ عام 2014 تراجعًا بنسبة 0.75 - 1 في المئة سنويًا5. وتحتاج الشركات النفطية السبع الكبرى في العالم ("رويال دتش شل" الهولندية، و"بريتش بتروليوم"، و"إكسون موبيل"، و"شيفرون"، و"توتال"، و"إنِي"/ الوكالة الإيطالية الوطنية للمحروقات، و"ستات أويل" النرويجية) إلى سعر يراوح بين 125 و 135 دولارًا أميركيًا للبرميل لموازنة حساباتها. وهي تحتاج أيضًا إلى اليقين بشأن الاتجاه المستقبلي لأسعار النفط قبل الالتزام باستثمر ضخم في التنقيب والإنتاج6. ونتيجةً لانخفاض أسعار النفط، باعت صناعة النفط العالمية عددًا من أصولها الإنتاجية، وألغت أكثر من 200 مليار دولار من استثمرات النفط والغاز حتى الآن؛ وهو ما سيترجم في غضون بضع سنوات إلى حصة أصغر في الإنتاج العالمي للنفط7. كم انخفض إنتاج "إكسون موبيل" و"شل" و"شيفرون" و"إني " من 11.5 مليون برميل يوميًا في عام 2003 إلى 9.5 ملايين برميل يوميًا في عام 2015. ولسوف ينعكس ذلك على ارتفاع أسعار النفط في المستقبل القريب8. وفي ظل أسعار تقل كثيرًا عن 75 دولارًا للبرميل، ستتحول بعض الاحتياطيات الباقية القابلة للاستخراج من الناحية الاقتصادية في بحر الشمل، والتي تقدر بحدود 15 - 16 مليار برميل من النفط والغاز الطبيعي، إلى ما يُسمى "الأصول غير القابلة للاسترداد" Assets Stranded، وهي هيدروكربونات باهظة التكلفة؛ ما يحول دون إنتاجها. وعلاوةً على ذلك، سينخفض الاستثمر العالمي في الاستكشاف التمهيدي من عام 2014 إلى عام 2020 بمقدار 1.8 تريليون دولار عن التوقعات السابقة، وفقًا لخبراء أميركيين9. وقد خسر منتجو النفط في الخليج العربي نحو 289 مليار دولار من الإيرادات النفطية في الفترة 2014 - 2016، كم يوضح ذلك الجدول.)1(
الجدول (1) صافي إيرادات الصادرات النفطية لدول الخليج العربي (مليار دولار)
| 2016 | 2015 | 2014 | 2013 | الدولة |
|---|---|---|---|---|
| 62 | 46 | 74 | 86 | العراق |
| 34 | 38 | 72 | 92 | الكويت |
| 20 | 20 | 34 | 42 | قطر |
| 123 | 111 | 208 | 274 | السعودية |
| 34 | 28 | 42 | 53 | الإمارات العربية المتحدة |
| 12 | 11 | 22 | 27 | عمان |
| 285* | 254* | 452 | 574 | الإجمالي |
أما في الولايات المتحدة، فمن غير المؤكد أن ينجم عن الانخفاض الحاد في أسعار النفط دفعة للانتعاش الاقتصادي. فعلى الرغم من أن انخفاض الأسعار يؤدي حتمً إلى تخفيض ضريبي كبير لصالح المستهلك الأميركي، فإنه سيوجه ضربة كبيرة إلى صناعة النفط الأميركية التي تتنامى أهميتها والتي يقدّر أنها توظف نحو 2 في المئة من القوى العاملة الأميركية؛ ذلك أنه عزز خطر التخلف عن سداد قروض بقيمة 200 مليار دولار نالتها صناعة النفط الصخري المحلي. وارتفعت تكلفة خدمة هذا الدين على نحو تصاعدي بعدما شهد عدد من المستثمرين انخفاضًا شديدًا في التصنيف الائتمني10. أما في ما يخص روسيا، فقد جعلت العقوبات المفروضة عليها نتيجة الأزمة الأوكرانية، إضافة إلى هبوط أسعار النفط، الاقتصاد الروسي، يتسم بالركود، وتسببت في تخفيض العملة الروسية بنسبة 40 في المئة مقابل الدولار. وتشير التقارير إلى أن الناتج المحلي الإجملي الروسي تقلص بنسبة 1.7 في المئة في عام.201511ولا ينجم عن استمرار انخفاض أسعار النفط رابحون، بل خاسرون فحسب. فهو يبين أيضًا القوة التدميرية لانخفاض أسعار النفط.
ثالثًا: تفصيلات استهلاك النفط على الصعيد العالمي بحسب القطاع يعد قطاعَا النقل وتوليد الكهرباء أكبر قطاعين استهلاكًا للطاقة الأولية العالمية؛ إذ استأثرا بما نسبته 30 في المئة و 42 في المئة على التوالي في عام 2016، ومن المتوقع ارتفاعهم إلى 36 و 48 في المئة بحلول عام.204012لقد كان نمو الطلب على النفط الخام لتلبية احتياجات النقل مذهلً في السنوات التسع والثلاثين الماضية. فقد زاد القطاع استهلاكه من النفط، في الفترة 1973 - 2012، من 2251 مليون طن نفط مكافئ إلى 3652 مليون طن نفط مكافئ، أي بزيادة 62 في المئة. ويعود ذلك بطبيعة الحال إلى زيادة استخدام مركبات النقل كسيارات الركاب والطائرات. وفي المقابل، انخفض استهلاك النفط في الصناعة بنسبة 31 في المئة من 448 مليون طن نفط مكافئ إلى 310 ملايين طن نفط مكافئ في الفترة نفسها13. يوضح الشكلان ((12) و) أهمية النقل لأسواق النفط الخام. وتعكس البيانات أنماط الاستهلاك بحسب نشرة "إحصاءات الطاقة العالمية الرئيسة" لعام 2014 الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة14. وقد وفرت المنتجات النفطية نحو 92 في المئة من إجملي الطاقة المستخدمة في قطاع النقل في الولايات المتحدة في عام 2016. ومثّل النفط المستخدم في قطاع النقل15 90 في المئة من إجملي استهلاك النفط الخام في العالم16. ولن يختلف مزيج الطاقة العالمي كثيرًا عن النفط في عام 2040 وفقًا لتقرير شركة "إكسون موبيل"
استأثر النفط بأكثر من 33 في المئة من الاستهلاك العالمي للطاقة الأولية في عام 2016، ويُتوقع أن يستأثر بالمعدل نفسه في عام 2040 على الرغم من نمو الإنتاج والاستهلاك17. ومن المتوقع أن يتضاعف الناتج المحلي الإجملي العالمي في السنوات الخمس عشرة المقبلة من 76 تريليون دولار في عام 2015 إلى 150 تريليون دولار تقريبًا، ما يعزز الطلب على الطاقة18. وستشهد الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ولا سيم الصين والهند، أكبر نمو اقتصادي بسبب التوسع العمراني.
ومن المتوقع أن يظل النفط المصدر الرئيس للطاقة في العالم، استجابة لتنامي الطلب على النقل الذي يُتوقع أن يزداد بنسبة 20 في المئة بين عامي 2015 و 204020.
رابعًا: الفجوة المرتقبة يف إمدادات النفط
لا يولي أحد الفجوة المرتقبة في إمدادات النفط اهتممًا كافيًا؛ نتيجة تذبذب أسعار النفط على خلفية تخفيض الإنتاج داخل منظمة البلدان المصدّرة للنفط "أوبك" وخارجها، وانتشار إنتاج النفط الصخري الأميركي. وعلى الرغم من الانخفاض الأخير في أسعار النفط، يتوقع خبراء قطاع النفط حدوث فجوة في إمدادات النفط وارتفاع أسعاره بحلول عام 2020. ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى ندرة الاستثمرات في النفط التي شهدت ثلاث سنوات من التراجع المتواصل في أسعار النفط، وهي إحصائية غير مسبوقة في قطاع النفط. وتوقع تقرير أصدرته وكالة الطاقة الدولية عام 2016 أنه إذا ظل الاستثمر في النفط راكدًا
يوميًا، وهو يعادل تقريبًا خسارة الناتج الحالي للعراق21. في السنوات القليلة المقبلة، فسنشهد بحلول عام 2020 ارتفاعًا كبيرًا في أسعار النفط مع استمرار ارتفاع الطلب العالمي22. وبحلول عام 2020، ربما تكون هناك حاجة إلى 15 مليون برميل إضافية يوميًا لتلبية الزيادة السنوية المتوقعة في الطلب العالمي على النفط بمعدل 1.31 مليون برميل يوميًا، ولتعويض معدل استنفاد سنوي في إنتاج النفط العالمي تقدره وكالة الطاقة الدولية بنسبة 5 في المئة أو 4.8 ملايين برميل
ومن العوامل الرئيسة في الزيادة الحادة المتوقعة في الطلب على النفط والغاز تزايد سكان العالم وظهور المدن الكبرى. وقد أوردت "إكسون موبيل" في تقريرها عام 2017 حقائق عن النمو السكاني في العالم، تجعلنا نتساءل
إذا ما يتوافر ما يكفي من النفط والغاز لتلبية الاحتياجات الهائلة من الطاقة التي تلوح في الأفق23. فقبل 25 عامًا، لم يكن هناك سوى 10 مدن في العالم يتجاوز عدد سكانها 10 ملايين نسمة. في حين أن هناك اليوم أكثر من 37 من هذه "المدن الكبرى" في العالم. وتأتي على رأس القائمة الآن منطقة طوكيو-يوكوهاما في اليابان حيث يعيش نحو 38 مليون شخص، أي أكثر من سكان كندا بكاملها بثلاثة ملايين نسمة. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 65 في المئة من سكان العالم سوف يعيشون في المدن بحلول عام.204024وتتوقع شركة "إكسون موبيل" ارتفاع الطلب العالمي على الطاقة الأولية بنسبة 25 في المئة من 13105 مليون طن نفط مكافئ في عام 2015 إلى 16434 مليون طن نفط مكافئ في عام 2040. بيد أن الوكالة الدولية للطاقة تتوقع زيادة بنسبة 30 في المئة في الطلب العالمي على الطاقة بحلول عام 2040، وهي25أعلى من توقعات شركة "إكسون موبيل". يقترب العرض والطلب في أسواق النفط الخام العالمية من تحقيق التوازن. وقد تحقق التوازن في النصف الثاني من عام 2017. فمن ناحية الإمدادات، بلغ إنتاج النفط الصخري الأميركي ذروته مسجل 4.9 ملايين برميل يوميًا في عام 2015. وانخفض بعدها بما يزيد على 1.1 مليون برميل يوميًا، ليصبح 3.8 ملايين برميل يوميًا في عام 2017 بسبب ارتفاع معدلات النضوب في مكامنه بنسبة 70 إلى 90 في المئة. علاوةً على ذلك، بدأت تكاليف الحفر في الارتفاع. ويبدو أن القفزات الكبيرة في الإنتاج التي يمكن تحقيقها بزيادة عدد الحفارات تميل إلى الاستقرار26. ووفقًا لتقرير إنتاجية الحفر الصادر عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية، يُتوقع انخفاض الإنتاجية (مقابل الإنتاج المطلق) في "حوض برميان" Basin Bermian الذي يعد الأكثر غزارةً في إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة. ما يعني أن زيادة الإيرادات بزيادة عدد أجهزة حفر الآبار قد تتوقف. وهذه هي المرة الأولى التي تتوقع فيها إدارة معلومات الطاقة انخفاضًا في إنتاجية البئر منذ أن بدأتْ في تتبّع البيانات قبل سنوات عدة. ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، يحتاج العالم إلى استثمرات في الطاقة تبلغ قيمتها 44 تريليون دولار من الآن حتى عام 2040 لتلبية احتياجات العالم المستقبلية من الطاقة بنسبة 60 في المئة، أو 26 تريليون دولار مخصصة لإنتاج النفط والغاز وتوريدهم، و 20 في المئة أو 8.8 تريليون دولار للطاقة المتجددة، و 9.2 تريليون دولار المتبقية لإجراء تحسينات في كفاءة الطاقة27.
| 2017 | 2016 | 2015 | 2014 | 2013 | 2012 | 2011 | |
|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 3.80 | 3.90 | 4.90 | 4.65 | 3.72 | 2.88 | 2.07 | إنتاج النفط الصخري |
| 4.20 | 4.22 | 4.52 | 4.11 | 3.75 | 3.61 | 3.58 | إنتاج النفط التقليدي |
| 8.00 | 8.12 | 9.42 | 8.76 | 7.47 | 6.49 | 5.65 | إجمالي الإنتاج الأميركي |
النفط الحالية لتعويض التراجع الطبيعي. ومن المتوقع نمو الغاز الطبيعي أكثر من أي نوع آخر من الطاقة، إذ يمثل ربع إجملي الطلب بحلول عام 2040. وسيظل الفحم مهمً، ولكنه سيخسر جزءًا كبيرًا من حصته مع انتقال العالم إلى طاقة أنظف. ويؤدي نقص الاستثمر إلى انخفاض حاد في إنتاج النفط، وهناك حاجة إلى 80 في المئة من إمدادات
في الحصيلة، لقد أصبحت صناعة النفط في حاجة ماسة إلى مصادر جديدة للنفط، وهي في حاجة إلى مستثمرين وتكنولوجيات جديدة للعثور على تلك المصادر بسرعة.
خامسًا: خطط السعودية المستقبلية وخطط التنويع الشائكة يف روسيا
من المهم هنا النظر في حالتي السعودية وروسيا، بوصفهم أكبر منتجين للنفط في العالم، وخططهم المستقبلية بالنسبة إلى النفط والتنويع الاقتصادي. فبالنسبة إلى السعودية، ينبغي ألا تُفهم "رؤية السعودية 2030 " التي أعلن عنها فيُ 25 نيسان/ أبريل 2016، والتي تتضمن بيع جزء من شركة أرامكو السعودية وهي أكبر شركة نفط في العالم، على أن البلاد تستعد لعصر ما بعد النفط؛ فالأمر محاولة متأخرة لتنويع الاقتصاد بسبب الآثار السلبية لانخفاض أسعار النفط الحالي في اقتصادها. إن "رؤية 2030" ترمي إلى بناء اقتصاد سعودي للقرن الحادي والعشرين انطلاقًا من الصفر تقريبًا، وتهدف إلى تحقيق الأهداف التالية: 1. توسيع قطاع الاقتصاد غير النفطي (وهي نقطة انطلاق جيدة لأن أكثر من 90 في المئة من إيرادات الموازنة السعودية تأتي من النفط)؛ 2. مضاعفة حصة الصادرات غير النفطية ثلاث مرات لتصل إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2020؛ 3. الحد من البطالة وإيجاد ثلاثة ملايين فرصة عمل بحلول عام 2020. ويعتمد نجاح "رؤية28 2030" على السلطة والنفوذ اللذين يتمتع بهم رئيس مجلس الوزراء السعودي الفعلي وزير الدفاع ولي العهد محمد بن سلمن. من ناحية أخرى، من الصعب المبالغة في أهمية صناعة النفط والغاز في الاقتصاد الروسي؛ إذ تنعم روسيا ببعض الأسس التقنية والصناعية والعلمية الأكثر تطورًا وتقدمًا في العالم. وعلى الصعيد العالمي، تتمتع بقدرة تنافسية في مجال المنتجات الدفاعية، والرحلات الفضائية، والطاقة النووية، والموارد المعدنية، وتكنولوجيا المعلومات. ولكن لا يضاهي أيّ من هذه الصناعات صادرات النفط والغاز. ويبدو أن اقتصاد البلد بالنسبة إلى الروسي العادي يتمحور حول مقايضة براميل النفط بالواردات. والمشكلة أن هبوط أسعار النفط يجعل تلك البراميل تشتري كميات أقل من الواردات29. وللأسف فشل الروس، في ظل النظام الشيوعي الذي دام سبعين عامًا، في تحويل براعتهم التقنية إلى صادرات مصنعة باستثناء الأسلحة. ففي عام 2013، أي قبيل الانهيار العالمي لأسعار النفط الخام، كان 50 في المئة من موازنة روسيا ونحو
68 في المئة من إيرادات صادراتها تأتي من النفط والغاز30. والآن، مع السعر الحالي للنفط الخام وحقيقة أن سعر الغاز الطبيعي مستمد من سعر النفط الخام، يتعرض اقتصاد روسيا، على الأقل في المدى القصير، للضرر ولا بد أنه يرزح تحت ضغوط هائلة. لقد كان النفط في القرن العشرين موردًا محدودًا، وبدا أن التغير في سعره لن يكون إلا في اتجاه ارتفاعه. ومع استنفاد النفط السهل الاستخراج، أصبح استخراجه من مصادر جديدة أكثر هامشية أعلى تكلفة. ومع ارتفاع الأسعار، تمكنت البلدان التي تتسم بانخفاض تكاليف النفط والغاز، ولا سيم في الشرق الأوسط وروسيا، من تحقيق إيرادات ضخمة. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن ارتفاع أسعار النفط وإيرادات تصدير النفط والغاز في حقبة ما بعد الاتحاد السوفياتي تسبب في الأذى للاقتصاد الروسي؛ لأن ارتفاع الأسعار عزز، ببساطة، اعتمده على النفط والغاز وأدى إلى ابتلائه ب "لعنة الموارد". وبسبب الأثر السلبي لانخفاض أسعار النفط، بدأت السعودية وروسيا تدركان الحاجة الملحة إلى تخفيف اعتمدهم على النفط. ففي السعودية، وقعت مهمة تحقيق ذلك على ولي العهد الأمير محمد بن سلمن. وفي روسيا، قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤخرًا بتعيين نائب رئيس الوزراء السابق ألكسي كودرين لكتابة برنامج اقتصادي ليبرالي جديد للبلد31. وفي هذا الصدد، وإذا كانت روسيا تنوي الخلاص من هذا المأزق، فقد يمثل انخفاض سعر النفط فرصة (نعمة مقنّعة) لهذا البلد. ولعل هذا هو السبب وراء إصدار بوتين مؤخرًا أوامر بتخليص اقتصاد روسيا من الاعتمد على النفط والغاز. ويبدو أن هذه التدابير تؤتي ثمارها، إذ يقول وزير الاقتصاد الروسي، ماكسيم أورشكين، إن الاقتصاد الروسي مستعد بالفعل للعيش إلى الأبد في ظل سعر 40 دولارًا للبرميل أو أقل32.
سادسًا: هل نحن على وشك الدخول يف عصر ما بعد النفط؟
توقع بضعة خبراء ظهور عصر ما بعد النفط في غضون الخمسين سنة المقبلة. والافتراض الأساسي هنا هو أنه بحلول ذلك الوقت ستكون قد أوجدت بدائل كاملة من النفط بتكلفة منخفضة، وهذا سيؤذن بولوج عصر ما بعد النفط. لا شك في أن مستقبل الطاقة العالمي يقبع في مصادر الطاقة المتجددة. فالطاقة الشمسية إضافة إلى مصادر الطاقة البديلة الأخرى ستوفر في نهاية المطاف احتياجاتنا من الكهرباء بالكامل، وتغذي محطات
تحلية المياه وتسيّ وسائل النقل. وعلى الرغم من أن مصادر الطاقة المتجددة قطعت أشواط ا كبيرة في الثلاثين سنة الماضية، فإن تكنولوجيات تمكينها تحتاج إلى خمسين سنة أخرى على الأرجح قبل أن يمسي لمصادر الطاقة المتجددة تأثير حاسم في توليد الكهرباء ووسائل النقل. فالطاقة المتجددة لم تمثّل سوى 3.16 في المئة من الاستهلاك العالمي للطاقة الأولية في عام.201633وللدلالة على ذلك، سنعتمد في هذه الورقة البحثية على ثلاثة نماذج من قطاع النقل الذي يُعد أكبر مستهلك للنفط في العالم: السيارة الكهربائية، والسيارة ذات وقود الغاز الطبيعي، والسيارة ذات الوقود الهيدروجيني؛ وهي نماذج تُقدّم بوصفها بدائل حقيقية من النفط في المستقبل. فعلى الرغم من أن السيارات الكهربائية قد ظهرت اليوم على طرقاتنا، فإن تأثيرها في الطلب العالمي على النفط لتشغيل وسائل النقل سيستغرق عقودًا عدة، فضلً عن استبدال النفط في قطاع النقل. ولذلك فإن الحديث عن بزوغ عصر ما بعد النفط في غضون الخمسين سنة القادمة سابق لأوانه على أقل تقدير. صحيح أن ضجة دعائية رافقت ظهور السيارات الكهربائية، إلا أن قبولها لا يزال محدودًا ويفتقر إلى تسويق واسع النطاق. فقد بلغت القيمة التجارية لشركة تيسلا، وهي أكبر مصنّع للسيارات الكهربائية، 33 مليار دولار أميركي عندما كانت تنتج 50 ألف سيارة كهربائية في العام، مقابل 47 مليار دولار لشركة جنرال موتورز التي أنتجت في عام 2015 أكثر من 6 ملايين سيارة34. وعلى الرغم من نجاحات تيسلا في المبيعات، لا يزال إقبال المستهلكين على السيارات الكهربائية ضعيفًا جدًا. فعدد السيارات الكهربائية والهجينة مجتمعة يبلغ حاليًا نحو مليوني سيارة من أصل 1.2 مليار مركبة تقليدية (بمحركات احتراق داخلي) تسير على الطرقات في جميع أنحاء العالم في عام 2014، أي نسبة لا تذكر، تبلغ قيمتها 0.2 في المئة. ويُتوقع أن يصل العدد الإجملي للسيارات التقليدية إلى مليارين بحلول عام.203535كم تجدر الإشارة إلى أن السيارات الكهربائية ليست الحل الأمثل لأغلبية الناس حتى الآن. ولا بد من تحسين تكنولوجياتها المساعدة تحسينًا كبيرًا حتى تستقطب اهتممًا عالميًا. وثمة عقبات ثلاث أمام استخدامها على نطاق جمهيري واسع: السعر، والمدى، وعقبة الشحن. أما المكون الأكبر الذي يكمن في ارتفاع السعر فهو البطارية التي قد تمثل جزءًا كبيرًا من تكلفة السيارة. وأهم عنصر فيها هو تكنولوجيا بطاريات أيونات الليثيوم المكلفة، وهي نفسها المستخدمة في الكمبيوتر المحمول والهواتف الجوالة36.
ويجري حاليًا التمس خيارات أخرى، من بطاريات المغنيسيوم وصولً إلى تلك التي تستخدم السيليكون بدلً من الكربون. ويجري الآن البحث عن بطاريات الأجسام الصلبة التي تبشر بتوفير طاقة أكبر بكثير وبأحجام أكثر مرونة. وتشمل البدائل الأخرى من محركات الاحتراق المحركات التي تعمل بخلايا الوقود الهيدروجيني، وتستخدم العنصر الأكثر وفرة في الكوكب لتشغيلها37. وقد أطلقت شركة تويوتا، وهي أول من اعتمد السيارات الهجينة بسيارات بريوس، نموذجًا يعمل بالوقود الهيدروجيني بالكامل. ومن المفترض أن تصبح السيارات بعد شرائها مجانية التشغيل تقريبًا، بتكلفة ضئيلة لإعادة الشحن الكهربائي. يمثل مدى السيارة الكهربائية العامل الثاني والأكثر أهمية للجمهور. فالنمذج الحديثة تسير 100 ميل (160 كيلومترًا) بعملية شحن واحدة. ولا تزال سيارة تيسلا، التي يُزعم أنها تقطع أكثر من 250 ميلً بعملية شحن واحدة، مكلفة بالنسبة إلى كثيرين؛ لأن سعرها يراوح بين 70 ألف و 120 ألف دولار أميركي. وتسعى شركات صناعة السيارات للتوصل إلى حل وسط بشأن التكنولوجيا والأسعار، أي سيارة بقيمة 35 ألف دولار يمكنها السير أكثر من 200 ميل38. أما العقبة الثالثة والأخيرة فتتعلق بسهولة الشحن وسرعته في المنزل وفي الطريق. ويستغرق شحن سيارة بالكامل نحو ساعتين حاليًا ويكفي لقطع 250 ميلً39. يقول بعض الخبراء إن الاستخدام الواسع للسيارات الكهربائية قد يعلن نهاية النفط. فنقطة التحول بحسب تقديرهم هي وجود 50 مليون سيارة كهربائية تسير على الطرق. ويعتقدون أنه يمكن تحقيق ذلك بحلول عام 202440. ولكن 50 مليون سيارة كهربائية عاملة لا يمكن أن تؤثر في الطلب العالمي على النفط، فضلً عن الاستعاضة عنه. لقد استهلك العالم 35 مليار برميل نفط، ذهب 90 في المئة منها (أو 32 مليار برميل) لتشغيل 1.2 مليار سيارة تقليدية في جميع أنحاء العالم في عام 2016. ويبلغ متوسط الاستهلاك السنوي للسيارة42التقليدية 26 برميلً. ومن ثم، إن وجود 50 مليون سيارة كهربائية سيخفض الطلب العالمي على النفط بمقدار 1.3 مليار برميل، أو 4 في المئة فقط. وهذا لن يمثّل نهاية النفط كم يفترض بعض الخبراء، وهو ليس بنقطة تحول. ولن تتحقق نقطة التحول إلا بوجود 600 مليون سيارة كهربائية (50 في المئة من الأسطول العالمي الحالي للمركبات التقليدية). ولا يتجاوز إنتاج السيارات الكهربائية في العالم حاليًا
500 ألف سيارة سنويًا. ولذلك يستغرق الأمر عقودًا عدة لتصنيع 50 مليون سيارة كهربائية. ويتطلب ذلك استثمرات بتريليونات الدولارات لتعزيز إنتاج الكهرباء في جميع أنحاء العالم بغية تمكين شحن ملايين السيارات الكهربائية المتوقعة؛ وهو مستحيل ضمن الإطار الزمني المذكور. ومن ثمّ، للمرء أن يخمن كم سنة تلزم لاستبدال أسطول السيارات التقليدية العالمي بالكامل بسيارات كهربائية. وبينم تمثّل السيارات الكهربائية إضافة مفيدة جدًا إلى النقل العالمي والبيئة، فإنها لن تمثّل تهديدًا للنفط طوال القرن الحادي والعشرين وربما بعده بكثير. وهذا يعني أنه لن يكون هناك إطلاقًا عصر ما بعد النفط في القرن الحادي والعشرين، وربما بعده بكثير. من جهة ثانية، من المتوقع أن يحل الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المسال في مجال النقل محل 2.36 مليون برميل يوميًا من النفط بحلول عام 2035، وفي قطاع النقل البحري محل 1.89 مليون برميل يوميًا، وفي قطاع السكك الحديدية محل 147 ألف برميل يوميًا. وإجملً، يمكن الغاز الطبيعي المسال أن يحل محل زهاء 4.4 ملايين برميل من النفط أو 40 في المئة من الطلب العالمي المتوقع على النفط بحلول عام.203543وأخيرًا، تجدر الإشارة إلى أن ثمة بديلً آخر هو المركبات التي تعمل بخلايا الوقود الهيدروجيني، وتشبه المركبات التي تعمل بالبطارية الكهربائية كونها تستخدم هي أيضًا محركًا كهربائيًا بتيار الجهد العالي، ولكنها تختلف عنها لامتلاكها خزان وقود هيدروجيني ونظام خلايا وقود يولد طاقة كهربائية تشغّل المحرك الكهربائي. ونتيجةً لذلك، تعد المركبات التي تعمل بخلايا الوقود الهيدروجيني مفيدة للبيئة مثل المركبات الكهربائية، ولكن مداها أطول وزمن تزودها بالوقود أقصر بكثير. ولا ينبعث منها سوى بخار الماء والحرارة من دون أي انبعاثات ملوثة من العادم؛ ذلك لأنها مركبات عديمة الانبعاثات. لكن على الرغم من التقدم المحرز في تكنولوجيا الطاقة الهيدروجينية في السنوات العشر الماضية، لا يزال هناك تحديات عديدة ينبغي التغلب عليها لتستطيع منافسة المركبات المتوافرة حاليًا في السوق. ويتمثل التحدي الأهم بتكلفة نظام خلايا الوقود وعمره. وثمة تحدٍ آخر هو ضآلة عدد السيارات العاملة بخلايا الوقود الهيدروجيني المستعملة فعليًا في العالم. ففي عام 2016 بأكمله، لم يُبع سوى 1074 مركبة تعمل بخلايا الوقود في الولايات المتحدة44. والأرقام في أوروبا أقل بكثير. ويقدّر الخبراء أن الأمر سيستغرق 40 سنة أو أكثر قبل أن يكون للهيدروجين أثر يذكر في استهلاك البنزين أو ارتفاع درجة حرارة الأرض.
استنتاجات
لا يمكن أبدًا أن يكون هناك عصر ما بعد النفط في القرن الحادي والعشرين وبعده بوقت طويل؛ لأنه من غير المؤكد أن يحل محل النفط بالكامل بديل متعدد الاستخدامات وعملي مثله، ولا سيم في مجال النقل، خلال السنين المئة المقبلة أو أكثر. فكم أشرنا إلى ذلك مع مثال نفاد العصر الحجري واستمرار الاستخدامات المختلفة للحجارة إلى اليوم، فإن المنطق ذاته ينطبق على النفط، إذ إنه من المحال أن يكون هناك عصر ما بعد النفط في القرن الحادي والعشرين ولا حتى أبعد من ذلك بكثير. ما قد يتغير هو بعض جوانب الاستخدامات المتعددة للنفط في مجال النقل، وتوليد الكهرباء وتحلية المياه، والتي قد تعتمد على الطاقة الشمسية في الغالب. ولكن استخدامه سيتواصل على نطاق واسع في صناعة البتروكيمويات العالمية وغيرها من الصناعات، من المستحضرات الصيدلانية إلى البلاستيك، والطيران، والحواسيب حتى الزراعة، وكذلك في النقل في أغلبية البلدان النامية. وسيبقى النفط مسيطرًا في القرن الحادي والعشرين وبعده إلى وقت طويل. وبينم يواصل الخبراء من جميع أرجاء العالم توقعاتهم بظهور عصر ما بعد النفط في غضون الخمسين سنة المقبلة، يلقي واقع الحال بظلال من الشك على توقعاتهم. ولسوف يستمر استخدام النفط على نطاق واسع، وسيبقى النفط مسيطرًا خلال القرن الحادي والعشرين وبعده بوقت طويل. وفي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، وقطر، وعمن والبحرين) لن يكون هناك عصر ما بعد النفط إطلاقًا. وخلافًا للحكمة السائدة على نطاق واسع، سيبقى النفط جزءًا لا يتجزأ من اقتصادات الشرق الأوسط طوال القرن الحادي والعشرين وبعده بوقت طويل. وحتى لو توافرت في المستقبل بدائل رخيصة من النفط في مجال النقل وتحلية المياه وتوليد الكهرباء عبر إنجازٍ عظيم للتكنولوجيا، لن يترك النفط تحت الأرض. وستستخدمه دول مجلس التعاون لتشغيل آلاف محطات التحلية لإنتاج ما يكفي من المياه ليس للشرب فحسب، بل للري أيضًا لجعل الصحراء تزدهر مرة أخرى. وسوف يستخدمونه أيضًا في السيطرة على الصناعات البتروكيموية العالمية وأيّ صناعات يكون النفط فيها مادة وسيطة91.
المراجع
References
Birol, Fatih. "Interview with head of the International Energy Agency (IEA)."
Qatar Today (February 2016).
"BP Energy Outlook - 2017 edition." (February 2017). at: https://goo.gl/CNKqf9
"BP Statistical Review of World Energy 2017." British Petroleum (June 2017), at:
https://goo.gl/FGyQBg
Encyclopedia of Energy. New York: Elsevier Inc., 2004.
International Energy Agency. Key World Energy Statistics 2014. Paris: IEA, 2014,
at: https://goo.gl/YxUjnS
________. World Energy Outlook 2016. Paris: IEA, 2016.
Salameh, Mamdouh. "How Viable is the Hydrogen Economy: The Case of
Iceland." Paper at the 28 th USAEE/IAEE North American Conference. New
Orleans, USA, 3 - 5/12/2008.
________. "Oil Wars." USAEE/IAEE Working Paper Series. no. 14163 (May 1, 2014).
________. "What Is Behind the Steep Decline in the Crude Oil Prices: Glut or
Geopolitics?" Research Paper. The Arab Centre for Research and Policy Studies
(June 2015), at: https://goo.gl/R7hcB5
________. "Saudi Arabia's Misguided Oil Strategy & Its Impact on Oil Prices."
Paper at the Regional Energy Conference organized by the Arab Administrative
Development Organization of the Arab League. Cairo, 17 - 18/5/2016.
________. "Is Saudi Arabia Losing Its War of Attrition against US Shale Oil?"
Paper posted by the ESCP Research Centre for Energy Management (RCEM).
(September 19, 2016).
________. "Oil & the US Economy." Paper posted by the ESCP Research Centre
for Energy Management (RCEM). (July 7, 2016).
________. "No Post-Oil Era for the GCC Countries." Crawford School & Policy
Forum of the Australian National University (April 2016).
________. "Saudi Arabia's Vision 2030: A Reality or Mirage." USAEE Working
Paper Series. no. 16290 (December 8, 2016).
The United Nations. World Economic Situation and Prospects 2016. New York:
United Nations, 2016.
U.S. Energy Information Administration (EIA). "2017 Outlook for Energy: A
View to 2040." Exxon Mobil (December 20, 2016), at: https://goo.gl/4tH2ne
________. "Annual Energy Outlook 2017: with projections to 2050." (January 5, 2017),