Return to Article Details Tomorrow's Energy Prices:An Analysis of System, Actors and Shaping Factors

أسعار الطاقة غدًا: تحليل للنظام الطاقي، والجهات الفاعلة، وعوامل التطور

Tomorrow's Energy Prices:An Analysis of System, Actors and Shaping Factors

جون-ماري شوفالييه

الملخّص

تم تنقيح توقعات تطور أسعار الطاقة في ضوء ظهور مصادر طاقية غير تقليدية، وتكنولوجيات جديدة، فضلً عن التقلبات الجيوسياسية، مع ما ترتَّب على ذلك من تأثير مهم في مستوى الأسعار. يضاف إلى ذلك الحاجة إلى مواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري، ومن ثم إلى مراجعة أنماط إنتاج الطاقة من أجل تعزيز استخدام الطاقات المتجددة. وفي هذا السياق، وكما يشير إلى ذلك جون-ماري شوفالييه في هذه الدراسة، من الصعب جدًّا تحديد اتجاهات تطور أسعار الطاقة واستشراف كيفية تحوُّل أنظمة إنتاج الطاقة في المستقبل. يوضح الباحث في هذه الدراسة أيضًا مجموعة العوامل والجهات الفاعلة المشاركة في تطور أسعار الطاقة والأنظمة الطاقية، ويسلط الضوء على العناصر الأساسية التي ستؤدي دورًا رائدًا أو كابحًا في هذا التطور على المديين المتوسط والطويل.

Abstract

ملخص:  تم تنقيح توقعات تطور أسعار الطاقة في ضوء ظهور مصادر طاقية غير تقليدية، وتكنولوجيات جديدة، فضلً عن التقلبات الجيوسياسية، مع ما ترتَّب على ذلك من تأثير مهم في مستوى الأسعار. يضاف إلى ذلك الحاجة إلى مواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري، ومن ثم إلى مراجعة أنماط إنتاج الطاقة من أجل تعزيز استخدام الطاقات المتجددة. وفي هذا السياق، وكم يشير إلى ذلك جون-ماري شوفالييه في هذه الدراسة، من الصعب جدًّا تحديد اتجاهات تطور أسعار الطاقة واستشراف كيفية تحوُّل أنظمة إنتاج الطاقة في المستقبل. يوضح الباحث في هذه الدراسة أيضًا مجموعة العوامل والجهات الفاعلة المشاركة في تطور أسعار الطاقة والأنظمة الطاقية، ويسلط الضوء على العناصر الأساسية التي ستؤدي دورًا رائدًا أو كابحًا في هذا التطور على المديين المتوسط والطويل. كلمت مفتاحية:  المصادر التقليدية للطاقة، مصادر الطاقة غير التقليدية، سعر الطاقة، أنظمة إنتاج الطاقة، التغير المناخي. Abstract:  In light of the emergence of non-conventional sources of energy, new technologies as well as geopolitical fluctuations, energy price forecasts have been revised with all what it means in terms of significant impact on the price level. In addition, the need to address global warming and to review energy production patterns in order to promote the use of renewable energies has been addressed. In this context, as stressed by Jean-Marie Chevalier, it is very hard to determine the trends in energy price evolution or to predict the transformation in energy production systems. Chevalier demonstrates many factors (and actors) involved in the evolution of energy prices and systems and highlights the key elements that will play either a leading or a restraining role in this evolution in both the medium and long terms.

الكلمات المفتاحية:
  • المصادر التقليدية للطاقة
  • سعر الطاقة
  • أنظمة إنتاج الطاقة
  • التغير المناخي

تحليل للنظام الطاقي، والجهات الفاعلة، وعوامل التطور Tomorrow's Energy Prices:

مقدمة

كيف ستتطور أسعار الطاقة؟ ربما لم يكن أبدًا الجواب عن هذا السؤال البسيط، في المنظور القص ري والمتوسط​ والطويل المدى، صعبًا إلى هذه الدرجة؛ وذلك لأن آليات تحديد الأسعار أصبحت معقَّدة للغاية، ولأن تطور الوضع الطاقي العالمي يتَّسم اليوم بتعميم جوانب عدم اليق ني، وهي أوجه عدم يق ني متعددة تتضافر عندما نصل إلى مسألة الأسعار. وفي سياق كهذا، نبني سيناريوهات، ومن هذا المنطلق، فإن خيالنا لا حدود له، لكن من الواضح أن من المستحيل وضع احت املات دقيقة لحدوث كل سيناريو. سنوضِّح هذه الأفكار من خلال بعض الأمثلة؛ فالمشهد الطاقي مقلوب رأسًا على عقب بسبب الاحترار العالمي، لكن الأمر استغرق أكثر من عشرين عامًا حتى يتم قبول خطورة هذه الظاهرة. وعزّز المؤتمر الحادي والعشرون للأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغيرات المناخية COP21 في باريس أواخر عام 2015، ثم مؤتمر مراكش حول التغيرات المناخية COP22 في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، الوعيَ بهذه القضية. لكن ما الذي سينبثق عن هذا؟ وبأي سرعة؟ هل سينبثق عنه انعكاس للاستثمرات، وانخفاض في الطلب على الوقود، وضريبة الكربون؟ أين؟ وعلى أي مستوى؟ كم تُطرَح أسئلة أخرى على نحو موصول: هل ستستمر ثورة الغاز والنفط الصخريين؟ أم هل يمكن أن تعوِّقها تأثيرات استغلالها في البيئة؟ وهل ستتطور الطاقة النووية تطورًا ملحوظًا؟ وهل سنستغل الموارد الهيدروكربونية في منطقة القطب الشملي؟ وأي تطور يمكن أن نتوقعه بالنسبة إلى تكاليف الطاقة المتجددة وتخزين الكهرباء؟ لكل هذه الأسئلة التي لا تنتهي تأثير في تطور أسعار الطاقة، وهي تجمع بين التعقيد وعدم اليقين والاعتمدات المتبادلة المتعددة. ومن حيث الاعتمدات المتبادلة، يمكن أن نذكر مسألة النمو الديموغرافي؛ فالكوكب الأرضي سيبلغ عديده من السكان تسعة مليارات ونصف مليار نسمة في عام 2050؛ وسوف يتعيَّ إطعامهم. والحال هذه، يرتبط الإنتاج الزراعي ارتباطًا وثيقًا بالطاقة (المياه والحرارة والأسمدة والنقل)، ومن ثم فهو يرتبط بالاحترار العالمي الذي يؤثر في إنتاجية الأراضي، ويرتبط بدوره بالإنتاج الزراعي والإنتاج الحيواني. وأخيرًا، يستحيل بناء نموذج يأخذ في الحسبان جميع هذه العناصر، ويسمح لنا بشرح تطوُّر أسعار الطاقة وتوقعها. وفي محاولة للحصول على صورة أوضح، سوف ندرس أولً مسألة سعر النفط؛ ثم سنتطرَّق إلى مسألة الغاز الطبيعي والفحم؛ وأخيرًا، سننظر في التوقعات الطاقية العالمية على نحو أوسع.

أولً: سعر النفط

ما زال النفط يمثِّل أوَّل طاقة من بين طاقاتنا الأولية1؛ إذ كانت مساهمته في استهلاك الطاقة العالمي تمثِّل نحو 50 في المئة في سبعينيات القرن الماضي، وما زالت تمثِّل نسبة 31 في المئة اليوم. ويظل ميزان الطاقة العالمي تهيمن عليه بنسبة أكثر من 80 في المئة الطاقات الأحفورية الرئيسة الثلاث التي تُعَد، بحكم التعريف، ملوِّثة وغير قابلة للتجدُّد، وهي: النفط (بنسبة 31 في المئة)، والفحم (بنسبة 29 في المئة)، والغاز الطبيعي (بنسبة 22 في المئة) (الشكل 1). وهذه الطاقات الرئيسة الثلاث هي بالفعل قابلة للاستبدال في ما بينها جزئيًّا، خصوصًا بالنسبة إلى إنتاج الكهرباء؛ ولذلك، يُعَد سعر النفط، بحكم الأمر الواقع، هو السعر الموجِّه للطاقة؛ فلا يمكن استقلال مستوى أسعار الفحم والغاز الطبيعي وتطورها عن مستوى أسعار النفط (الشكل 2). وانطلاقًا من هذه الخصيصة العامة، من الضروري، إذًا، دراسة الأسباب التي يمكنها أن تفسِّ تطور أسعار النفط. حتى أول صدمةٍ نفطية في عام 1973، كانت أسعار النفط في السوق الدولية (باستثناء الولايات المتحدة) تُحَدد من جانب واحد تقريبًا من لدُن "الأخوات السبع"، وهي الشركات العالمية الكبرى التي كانت تسيطر حينئذ على 80 في المئة من صادرات النفط الخام العالمية، و 90 في المئة من إنتاج النفط الخام في الشرق الأوسط2. وأدت الصدمة النفطية الأولى ومكوّناتها المتعددة إلى حدوث تحوُّل في ميزان القوى؛ إذ بدأ تدريجًا نقل السيطرة على الاحتياطيات والإنتاج والأسعار إلى الدول المصدِّرة المجمَّعة في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)؛ وهي المنظمة التي أُسِّست في عام 1960، لكنها لم تكن فاعلةً كثيرًا حتى صدمة عام 1973، وأصبحت السلاح الإستراتيجي للدول المصدِّرة الرئيسة من حيث الإنتاج (نظام الحصص لكل بلد) والأسعار. ويمكن القول إن أوبك أدت دورًا حاسمً في تحديد سعر النفط الخام بين عام 1973 ومنتصف التسعينيات، ثم تبعت ذلك فترة غامضة إلى حد ما من تقلُّبات الأسعار، أدت في عام 1998 إلى هبوط الأسعار إلى نحو 15 دولارًا للبرميل. ولم يكن هذا المستوى السعري مقبولً لدول أوبك التي ما عادت قادرة على موازنة ميزانياتها. وعُقِد اجتمع في أوائل عام 1999، وقررت فيه بلدان المنظمة التحكُّم في الأسعار، وإبقاءها في نطاق 22 - 28 دولارًا أميركيًّا للبرميل (الشكل.)3 لماذا هذا النطاق السعري؟ في تلك الفترة، عدَّت دول أوبك 22 دولارًا أميركيًّا هو الحد الأدنى من الأسعار اللازمة لتغطية حاجاتها؛ أما 28 دولارًا أميركيًّا، فهو سعر مرتفع "معقول"، من شأن ارتفاع سعر النفط

  1. الطاقة الأولية energy Primary هي الطاقة المتاحة في البيئة، التي يمكن استغلالها مباشرة من دون تحويل.
  2. الأخوات السبع " Sisters Seven هو مصطلح ابتدعه الإيطالي إنريكو ماتي للإشارة إلى كارتل شركات النفط السبع (ستاندرد أويل أوف نيوجرسي Esso، ورويال داتش شل Shell، وأنجلو-بيرسيان أويل كومباني AIOC، وستاندرد أويل كومباني أوف نيويورك Mobil، وستاندارد أويل أوف كاليفورنيا Chevron، وغلف أويل Oil Gulf، وتكساكو Texaco التي سادت في منتصف القرن العشرين في مجالات إنتاج النفط والتكرير والتوزيع، وكانت قادرة على الاستفادة من الزيادة السريعة في الطلب على النفط وتحويلها إلى أرباح هائلة. الشكل (1) حصة الطاقات الأولية العالمية (1965 - 0152) (بالنسبة المئوية) المصدر: BP, BP Statistical Review of World Energy 2016 (June 2016). الشكل (2) تطور الأسعار وفقًا لكل وقود (الأساس 001 في كانون الثاني/ يناير 2014) المصدر:.Ibid

إلى مستوى أعلى منه أن يؤدي إلى خنق النمو الاقتصادي العالمي، كم كانت الحال خلال صدمة النفط الثانية (1979 - 1980). وكم هو موضح في الشكل (3)، فقد تم الحفاظ جيدًا على هذا النطاق السعري بين عامَي 1999 و 2003 بفضل قابلية تعديل عرض النفط الخام التي كانت تضمنها إلى حدٍّ كبير المملكة العربية السعودية. وينبغي لنا الإشارة هنا إلى أن تنظيم الأسعار هذا من جانب أوبك قد تم ضمنه في عام 2003، وهو العام الذي كان مع ذلك رهيبًا بالنسبة إلى النفط مع تضافر ثلاثة انخفاضات رئيسة في الإنتاج: في فنزويلا بسبب الصراع الحاد بين الحكومة والشركة الوطنية "بتروليوس دي فنزويلا" PDVSA، وفي نيجيريا بسبب الاضطرابات الاجتمعية والعرقية في دلتا النيجر، وفي العراق بعد أن غزته الولايات المتحدة. وكانت بلدان أخرى في أوبك، ذات قدرة زائدة مهمة، قادرةً على تزويد السوق ب "البراميل المفقودة". في عام 2004، تغيَّ الوضع؛ إذ عزَّز نمو اقتصادي عالمي قوي، بنسبة 4 في المئة تقريبًا، الطلب على المنتجات النفطية، ولا سيَّم في الصين. وظلت الولايات المتحدة التي تعتمد اعتمدًا كبيرًا على واردات النفط فاعلً رئيسًا؛ ففي ذلك الحين، كانت الولايات المتحدة تستورد 13 مليون برميل يوميًا، والصين

3 ملايين برميل. وتأك د الاتجاه نحو الارتفاع الحاد في الأسعار، وتخلَّت أوبك عن فكرة النطاق السعري البالغ 22 - 28 دولارًا أميركيًّا؛ إذ ما كان لارتفاع الأسعار تأثير في حيوية النمو الاقتصادي العالمي. استمر الارتفاع في الأسعار، على اعتبار أن الطلب كان يتغذَّى على النمو في الدول الناشئة الذي يبدو أنه لم يثبِّطه مستوى الأسعار. وهكذا بلغنا سعرًا فلكيًّا هو 147 دولارًا أميركيًّا للبرميل في تموز/ يوليو 2008. ويمكن القول إن هذا السعر البالغ الارتفاع فُسّ جزئيًّا بسبب ظاهرة "الاندفاع المالي" rush Financial، حيث أوضح بنك استثمري كبير، في حزيران/ يونيو 2008، أن سعر النفط سيصل إلى 150 دولارًا أميركيًّا خلال الشهر التالي (تموز/ يوليو)، بيد أن هذا السعر المرتفع لم يَدُم؛ لأنه في هذه اللحظة بالذات، بدأت الأزمة الاقتصادية الناجمة من أزمة الرهن العقاري، وتسبَّبت في انهيار النمو الاقتصادي والطلب العالمي على المنتجات النفطية. وانهار سعر النفط إلى 25 دولارًا أميركيًّا؛ ليعود في الأشهر الأولى من عام 2009 إلى الارتفاع، مدفوعًا مرة أخرى بجهود أوبك، ليستقر في نطاق سعري يتراوح بين 80 و 100 دولار أميركي بين عامَي 2009 و 2014. وخلال هذه الفترة، عدَّ معظم المتخصصين أننا بلغنا منطقة توازن جديدة بين الحد الأدنى للسعر وحدِّه الأقصى، وأن الاختلافات في الأسعار تُحدِّدها أوبك إلى درجة ما. في نيسان/ أبريل 2014، وعلى خلاف التوقعات كلها، هوى السعر من 110 إلى 50 دولارًا أميركيًّا، لنستقر في فترة (طويلة؟) من الأسعار المنخفضة، يبدو لنا أنها تمثِّل تغييرًا بنيويًّا عميقًا في سير عمل أسواق النفط. وتتضافر عوامل عدة لشرح هذا التغيير: انقلب الوضع الطاقي الأميركي رأسًا على عقب بين عامَي 2008 و 2015؛ بسبب الوصول غير المتوقع والهائل لإنتاج الغاز والنفط الصخريين. فخلال هذه الفترة، ارتفع إنتاج النفط من 6.8 إلى 12.7 مليون برميل في اليوم، وارتفع إنتاج الغاز من 570 إلى 767 مليار متر مكعب. وانتقلت الولايات المتحدة من وضع مستورد هائل للنفط والغاز، إلى وضع مصدِّرٍ لهم، ولا سيَّم الغاز الطبيعي (التقليدي وغير التقليدي) الذي يذهب إلى أوروبا وآسيا. أكبر ثلاثة منتجين/ مصدِّرين للنفط الخام حاليًّا هم: الولايات المتحدة (12.7 مليون برميل/ يوم في عام 2015)، والمملكة العربية السعودية (12 مليون برميل/ يوم)، وروسيا (10.9 مليون برميل/ يوم). ومن ثم، فإن تنظيم العرض أكثر تعقيدًا؛ لأن الإنتاج الأميركي يوجد بين أيدي أكثر من 800 شركة كبيرة وصغيرة. فقدت أوبك قدرًا كبيرًا من قدرتها التنظيمية. بالفعل، زادت الدول خارج أوبك، مثل الولايات المتحدة وروسيا، حصصها في السوق. وفضلً عن ذلك، زادت الانقسامات والمعارَضات بين الدول الأعضاء في المنظمة؛ فدول مثل فنزويلا ونيجيريا والجزائر وإيران كانت ترغب في أسعار أعلى، بيد أن المملكة العربية السعودية ما عادت تود أن تؤدي دورها بوصفها "منتِجًا لتسوية السوق" producer Swing عن طريق تعديل إنتاجها؛ فهي تريد الحفاظ على حصتها في السوق، حتى لو أدى ذلك إلى انزلاق

الأسعار. فانخفاض الأسعار يهدد التزامات ميزانيتها، لكنها تحتفظ باحتياطيات مالية كبيرة. وعلاوةً على ذلك، من شأن السعر المنخفض أن يكون له، من وجهة النظر السعودية، تأثير كابح لتطوُّر النفط الصخري الأميركي. ولم يحدث هذا الكبح في عام 2015 إلا على نحو هامشي جدًّا، لأن صناعة النفط الأميركية، وإن عانت من ذلك، فإنها حققت مكاسب إنتاجية هائلة في إنتاج المحروقات غير التقليدية. في تشرين الأول/ أكتوبر 2016، في مؤتمر الجزائر حول الطاقة، بدا أن إستراتيجية بعض دول أوبك، خصوصًا المملكة العربية السعودية، آخذة في التغيُّ؛ إذ أدركت المملكة العربية السعودية أن الأسعار المنخفضة تهدد توازنها المالي، من دون أن يكون لها تأثير يُذكَر في الإنتاج الأميركي من النفط غير التقليدي؛ ويبدو أنه تم التوصُّل إلى اتفاق على مبدأ الحد من الإنتاج. لكن لهذا التغيُّ الخجول من أوبك تأثيرًا كبيرًا في التوازن العالمي؛ فالإنتاج الأميركي يظل مستقلًّ تمامًا، والإنتاج الروسي يعتمد على قرار سياسي يبقى غامضًا في ما يتعلق بهذا الاتفاق الجديد. وهكذا، وفي نهاية عام 2016، ما زال تطور أسعار النفط موسومًا بعدم اليقين. صحيح أنه تضاعف منذ بداية العام (من 25 إلى 50 دولارًا أميركيًّا للبرميل)، لكن هذا التغيير لا يُعَد مؤشرًا إلى اتجاه. بالتأكيد، سيقود هذا الخفض الكبير في استثمرات التنقيب والإنتاج في جميع أنحاء العالم بالضرورة إلى اختناق العرض، لكن تأريخ هذه الظاهرة صعب، لأن هذا يعود بنا إلى تعدُّد أوجه عدم اليقين، سواء من جانب الطلب (الصين والهند)، أو من جانب العرض (الحساسية إزاء أسعار المحروقات غير التقليدية، والاضطرابات السياسية والأحداث المناخية والحوادث)؛ والقائمة طويلة، وتغطي عوامل مختلفة جدًّا؛ مثل شروط عودة إيران وليبيا إلى السوق، والاضطرابات السياسية والاجتمعية في البلدان التي تعاني بقدر أكثر من انهيار الأسعار، والأحداث غير المتوقَّعة؛ مثل حرائق مقاطعة ألبرتا الكندية في أيار/ مايو 2016. وينبغي لنا أن نحتفظ في ذاكرتنا بهذه الجملة لمارغريت تاتشر: "غير المتوقع يقع" happens unexpected The. ومن ثم، يمكننا القول إن تطور سعر النفط يَنتج من عدد كبير جدًّا من العوامل التي تحدِّد توازن العرض والطلب، في نهاية المطاف. ومع ذلك، يمكننا القول إن الانخفاض الحاد جدًّا في الاستثمرات خلال عامي 2015 - 2016 سيؤدي حتمً إلى زيادة كبيرة في الأسعار.

ثانيًا: الغاز الطبيعي

عندما نتحدث اليوم عن الغاز الطبيعي، نأخذ في الحسبان الغاز التقليدي والغاز غير التقليدي، أي الغاز الصخري. وأصبح هذا النوع الأخير الذي تم تطويره بالأساس في الولايات المتحدة منذ تسعينيات القرن الماضي، مهمًّ للغاية؛ بسبب الكميات المنتَجة، وبروز الصادرات الأميركية. وفي باقي العالم، توجد احتياطيات مهمَّة من الغاز الصخري، في الصين والأرجنتين والجزائر وأستراليا على وجه الخصوص. ومن

المتوقع إنتاج كميات كبيرة في الصين والأرجنتين، لكن من غير المحتمل أن تهتز سوق الغاز بقوة بسبب ذلك، على عكس الإنتاج الأميركي. كانت سوق الغاز العالمية تُقسَّم تقليديًّا ثلاث مناطق جغرافية: سوق أميركا الشملية التي تراجعت فيها الأسعار بشدة بسبب وصول الغاز الصخري (من 11 إلى 2.5 دولار أميركي لكل وحدة حرارية بريطانية3؛ وسوق أوروبية تغذيها خطوط الأنابيب من روسيا والنرويج والجزائر ومحطات الغاز الطبيعي المسال LNG؛ وسوق آسيوية تستورد فيها اليابان والصين وكوريا الجنوبية وتايوان كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال بسعر مرتفع. فهي إذًا ثلاث مناطق جغرافية، وثلاثة مستويات للأسعار: أسعار منخفضة للغاية في أميركا الشملية، وأسعار متوسطة في أوروبا، وأسعار مرتفعة في آسيا. بدأ هذا التقسيم الجغرافي يتغير؛ وفي عام 2016، تقاربت مستويات الأسعار بين آسيا وأوروبا. وهنا أيضًا نجد تضافر عوامل عدة، لكنها تختلف عن تلك المتعلقة بالنفط. في الماضي، كان الطلب على الغاز شديد الدينامية في الصناعة وتوليد الطاقة الكهربائية والتدفئة. وفي الولايات المتحدة الأميركية، أدى وصول الغاز الصخري الرخيص إلى إحلاله محل الفحم في توليد الكهرباء. وبدأ الفحم الأميركي الذي راح يحل مكانه الغاز، يُصدَّر إلى أوروبا؛ حيث استُبدل بالغاز الأكثر تكلفة في إنتاج الكهرباء. واليوم، يتنافس الغاز الصخري الأميركي الذي يُصدَّر إلى أوروبا مع الغاز المستورد من النرويج وروسيا والجزائر. وعلى نطاق أوسع، نشهد تضاعفًا في وحدات إنتاج الغاز الطبيعي المسال. ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، ستنمو الطاقة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال بنسبة 45 في المئة بين عامَي 2015 و 2021، مع مجيء 90 في المئة منها من الولايات المتحدة وأستراليا4. ولا بد من أن هذا الأمر سيكون له تأثير تعزيزي للمنافسة، ولا سيَّم في أوروبا؛ حيث نجد اليوم "أسواقًا فورية"5 متطورة جدًا. لدينا، إذًا، في عام 2016 سوق غاز غير متوازنة للغاية مع عرضٍ وفير، وتنمو دوليًّا من خلال تضاعُف وحدات التسييل، وتوافر الغاز الرخيص. وينمو الطلب بوتيرة متواضعة بنسبة 1.5 في المئة سنويًّا حتى حلول عام 2021، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية. ومن شأن هذا أن يؤدي إلى بعض الضغوط على الأسعار، وإلى المزيد من المنافَسة بين المورِّدين. يظل هناك عاملان مجهولان من شأنهم أن يقلبا الوضع الذي وصفناه للتو رأسًا على عقب، هم التأثيرات البيئية للغاز الصخري واحتمل فرض ضريبة كربون. أما مسألة تأثير إنتاج الغاز الصخري في البيئة، فتفاقمت في أوروبا؛ حيث يبدو اليوم إنتاج الغاز الصخري شبه مستحيل من وجهة نظر نفسية - بيئية - سياسية. وفي الولايات المتحدة، حظرت ولايات، مثل

  1. الوحدة الحرارية البريطانية BTU هي وحدة القيمة الحرارية التي يُقاس بها الغاز الطبيعي.
  2. AIE, Medium-Term Gas Market Report 2016: Market Analysis and Forecasts to 2021 (Paris: AIE/OCDE (Organisation de coopération et de développement économiques, 2016).
  3. الأسواق الفورية " markets Spot، في مقابل "الأسواق الآجلة" exchange Futures التي كانت تهيمن تقليديًا على قطاع الطاقة.

نيويورك، التكسير الهيدروليكي. فهل يمكن ظاهرة الرفض هذه أن تنتشر على نحو أكبر؟ إنه سؤال جدير بطرحه، لكنه بالغ التعقيد؛ لأن قضايا حمية البيئة في الولايات المتحدة تتوقَّف على تشريعات الولاية أكثر مم تتوقف على اللوائح الفيدرالية. وأما مسألة ضريبة الكربون، فمن شأنها استعادة ميزة نسبية كبرى بالنسبة إلى أقل أنواع الوقود الأحفوري الكبرى الثلاثة تلويثًا. وسوف ندرس لاحقًا كيف يمكن أن تنشأ مثل هذه الضريبة.

ثالثًا: الفحم

يجري تطوير الوقود الأحفوري الأكثر تلويثًا من صناعة سلبية إلى حد ما، لم تسْعَ أبدًا للدفع إلى تطوير منتجها بقوة؛ إذ تقوم على الأسعار. وفي عام 2016، كانت أرخص طريقةٍ لإنتاج الكهرباء من وجهة نظر كثير من البلدان هي محطة الطاقة الحرارية التقليدية (أي الملوِّثة) التي تعمل على الفحم المستورَد. ومن ثم، فإن صناعة الفحم تتمتع بمرونة كبيرة للتكيُّف مع أسعار الطاقات المتنافسة. ورأينا، على سبيل المثال، أن الفحم الأميركي المستورَد يحل محل الغاز الطبيعي الأعلى تكلفة في أوروبا. مع ذلك، عزَّز التحضير لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي COP21 وعقده إدراك خطورة الاحترار العالمي والحاجة الملحَّة إلى مواجهته. وقرَّر كثير من المصارف والمستثمرين وصناديق التقاعد والشركات والمنظمت الدولية الحدَ على نحو حازم من مشاركتهم في قطاع الفحم، أو حتى وقفها. ومع ذلك، إذا نظرنا إلى تنبؤات شركات النفط، فإن حصة الفحم في ميزان الطاقة العالمي تنخفض انخفاضًا طفيفًا، لكنها ستظل مع ذلك في حدود 25 في المئة في عام.2035 هل يمكننا أن نأمل فحمً نظيفًا؟ يجري تطوير تقنيتين لهذا المرام: الأولى تتمثّل في "محطات توليد الطاقة فوق-الحرجة الفائقة" plants Ultra-supercritical التي تُعَد نجاعتها الحرارية أكبر بنسبة 45 في المئة، وانبعاثاتها من غازات الدفيئة أقل بنسبة 30 في المئة؛ أما الثانية فهي احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه CCS Sequestration, and Capture Carbon. ويتم اليوم التحكُّم في هاتين التقنيتين جيدًا، بيد أن تكلفتهم تظل مرتفعة؛ فاحتجاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه تترتَّب عليه مضاعفة التكلفة لكل كيلوواط ساعي، ويتطلَّب موقع تخزين قريبًا بما يكفي من وحدة الإنتاج. وحينم نفكر في الصين أو في الهند، حيث تبلغ حصة الفحم في ميزان الطاقة 67 في المئة و 54 في المئة على التوالي، يصعب تخيُّل كيف يمكن لهاتين الدولتين أن تخفِّضا بسرعة وعلى نحو ملحوظ التلوثَ الشديد المنبعث من الفحم. وأغلقت في الصين مناجم الفحم غير الفاعلة خلال عامَي 2015 و 2016، لكن تمّ تعويض الحد من هذا الإنتاج المحلي بالواردات. وستقوم الصين ببناء نحو 30 مفاعلً نوويًّا بحلول عام 2030، لكن حصة الطاقة النووية في ميزان الطاقة ستبقى أقل من 4 في المئة.

من ثم، يبقى الفحم "طاقة تطويق"6. ويخضع تطوّرها لقيود من المرجَّح أن تزداد صرامة، بيد أنها تظل بالنسبة إلى بعض البلدان هي القطاع الأقل تكلفةً لتوليد الكهرباء. ويمكن أن ينجم عن خصوصية الفحم هذه تأثير مبطئ لتحوُّل الأنظمة الطاقية. ومن شأن إدخال ضريبة الكربون أن يغيِّ من قواعد اللعبة، بيد أن إرساءها يظل غير مرجَّح في الوقت الحالي.

رابعًا: أي طاقات يف المستقبل؟

يقودنا التدبُّر بشأن أسعار أنواع الوقود الأحفوري الرئيسة الثلاثة، التي نُذكِّر بأنها تمثل أكثر من 80 في المئة من إجملي استهلاكنا للطاقة، إلى التساؤل بشأن الآفاق الطاقية العالمية في سياق عام يتَّسم بارتفاع درجة حرارة الأرض. أنشأت الوكالة الدولية للطاقة أربعة سيناريوهات يمكن أن يتطوَّر فيها الاستهلاك الطاقي وفق مسارات مختلفة (الشكل 4). فلنستحضر المسارات الثلاثة الرئيسة: مسار يُسمَّى "العمل كالمعتاد" (وهو السيناريو الاتجاهي) الذي تمتد فيه الاتجاهات الحالية؛ ومسار "السياسات الطاقية الجديدة" الذي يقتضي إرساء سعر الكربون، ومعايير أشدّ صرامة في صناعة السيارات، وإحراز تقدم كبير في النجاعة الطاقية؛ ثم ما يُسمَّى مسار 450" جزءًا في المليون"، وهو الذي يقتضي بذل جهد استثنائي للحفاظ على مستوى 450 جزءًا في المليون في ما يخص تركيز غازات الدفيئة في الغلاف الجوي. ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، هذا هو السيناريو الذي يحد من ظاهرة الاحتباس الحراري إلى أقل من درجتين مئويتين بحلول نهاية هذا القرن، وهو الهدف الذي أعلِن عنه في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخيُ COP21. ففي هذا السيناريو، يتم تقليل الكثافة الطاقية وكثافة الكربون في النظام الاقتصادي العالمي بقدر كبير. وعلى العكس من ذلك، فإن السيناريو الاتجاهي غير قابل للاستدامة بالنسبة إلى كوكب الأرض بسبب مستوى الاحترار العالمي غير المقبول. بالنظر إلى السيناريوهات التي طوَّرتها شركات النفط الكبرى، نرى أننا نسير بالأحرى في المسار الاتجاهي، مع تزايد الاستهلاك الطاقي العالمي، وتزايد انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وتظل بنية ميزان الطاقة العالمي تغطيها بنسبة 80 في المئة الطاقات الأحفورية الرئيسة الثلاث: النفط والغاز والفحم، مع الإشارة إلى أن الغاز الطبيعي يحتل المرتبة الثانية على حساب الفحم (الشكل 5). ويقود هذا التطور إلى زيادة في درجة حرارة الكوكب أعلى بكثير من درجتين مئويتين، وإلى تفاقم كبير للأضرار المناخية نتيجة لذلك.

  1. تسدُّ "طاقة التطويق" الفجوة بين الاستهلاك الكلي والإنتاج الأصلي من الطاقة النووية والمتجدَّدة. الشكل (4) انبعاثات الكربون وفقًا لسيناريوهات الوكالة الدولية للطاقة (بمليارات الأطنان من ثاني أكسيد الكربون) المصدر: AIE, Energy Outlook 2016. الشكل (5) حصة الطاقات الأولية العالمية (1965 - 0352) (بالنسبة المئوية) المصدر:.Ibid

يوضِّح تنوع هذه السيناريوهات أن أبواب المستقبل الطاقي للكوكب الأرضي لا تزال مشرعة، غير أنها من المرجح أن تغلَق تدريجيًّا مع تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري؛ فالسيناريو 450" جزءًا في المليون" يصادف بوضوحٍ نجاح انتقال طاقي عالمي يقتضي خفضًا سياسيًّا استباقيًّا لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وتتضمن السيناريوهات الأخرى تكيُّفات صعبة ومتباينة مع تأثيرات الاحترار العالمي. أما البنية العامة لميزان الطاقة، فتعمل تدريجيًّا على إدماج بعض الاتجاهات الرئيسة؛ تراجع الفحم والنفط وتطوير الطاقات المتجدِّدة والتقدم في النجاعة الطاقية والذكاء الطاقي. وما وراء هذه الملاحظات العامة يبدو من المفيد أن نتساءل عن العوامل المختلفة التي يمكن أن توجِّه هذه التطورات المتوقعة نحو الأعلى ("سيناريو العمل كالمعتاد") أو نحو الأسفل ("سيناريو 450 جزءًا في المليون"). ويمكننا أن نذكر من بينها أربعة عوامل: قيود الموارد، وتصلُّب البنى القائمة، والوعي بخطورة الاحترار العالمي، والسياسات الطاقية.

خامسًا: عوامل التطور

1. الموارد الطاقية

سادت لفترة طويلة نظرية "ذروة النفط"، وهي التي كانت تعبِّ عن فكرة أن الموارد النفطية محدودة ماديًّا (وهذا صحيح)، وأنه سيأتي زمن يصل فيه إنتاج النفط إلى الحد الأقصى، ليبدأ في الانخفاض عقب ذلك. ويظل هذا التطور صحيحًا، بيد أن تاريخ "الذروة" أُرجئ بعيدًا إلى الأمام. فالموارد الطاقية (النفط والغاز والفحم) وفيرة؛ وتضاعفت بإنتاج الموارد الطاقية غير التقليدية. وبالتأكيد، سيكون لزامًا استكشاف منتجات جديدة وتطويرها، وسينتج من ذلك في الغالب زيادة في الأسعار. ومن شأن هذا أن يؤدي إلى "ذروة الطلب" demand Peak، أي انخفاض في الطلب مرتبط بالأسعار. بيد أن هذه "الذروة" لا علاقة لها ب "ذروة النفط". ومن ثم، يمكننا القول في الوقت الراهن إن توافر الموارد ليس عاملَ تغيير للنظام الطاقي العالمي، بل إن من شأنه أن يعزز "سيناريو العمل كالمعتاد".

2. تصلُّب البنى القائمة

قادنا اعتمدنا التاريخي على الوقود الأحفوري إلى إنشاء بنى تحتية ضخمة تنقل الطاقة من الحقول إلى المستهلك النهائي: أنابيب النفط والغاز وناقلات النفط وسفن الشحن وناقلات الغاز الطبيعي المسال والمصافي ومحطات الخدمة، وبالترافق مع هذه البنى التحتية كلها، أسطول عالمي مكوَّن من أكثر من مليار سيارة يعرف نموًا مستمرًا. لذا، فإن وجود هذه البنية التحتية الضخمة يجعل أي تعديل عميق للنظام الطاقي أكثر صعوبة وبطئًا.

3. الوعي بخطورة الاحتباس الحراري

كم أوضحنا منذ البداية، مثَّل الاحترار العالمي في الآن ذاته يقينًا ومصدرًا لعدم اليقين. فالاحترار مثبت علميًّا، وهو بذلك يقين. ونحن نعلم أنه ستكون له تأثيرات مكلِّفة اقتصاديًّا واجتمعيًّا وسياسيًّا، بالنسبة إلى بعض المناطق. ومع ذلك، وهذا هو مجال عدم اليقين، فمن المستحيل تحديد موقع هذه الأحداث وموعدها وحجمها، وتكلفتها مسبقًا. وستظهر في صورة عواصف وفيضانات وجفاف وموجات حرارة وتدهور للأراضي والإنتاجية الزراعية، وتدمير للتنوُّع البيولوجي. ومن وجهة النظر الاجتمعية والسياسية، يمكن أن يؤدي ذلك إلى نزاعات حدودية وصراعات من أجل تملُّك الطاقة والمياه والأراضي، وموجات من الهجرة القسرية واضطرابات سياسية. سوف تسُرِّع هذه الأحداث تزايد الوعي بخطورة الاحترار العالمي، وتحفِّز بعض المجتمعات السكانية على ممرسة الضغوط على حكوماتهم للعمل بحزم أكبر لمصلحة الانتقال الطاقي؛ وذلك لحمية أنفسهم (التكيُّف)، ولتعزيز أنظمة أقل كثافة من الكربون في الآن ذاته. ومع ذلك، تبقى الطريق طويلة قبل أن يقود هذا الوعي إلى تنظيم عالمي ملزم.

4. السياسات الطاقية

منذ انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي COP21 والتصديق على اتفاقية باريس، أولت السياسات الطاقية مزيدًا من الاعتبار لمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري. وتشمل التدابير التي يمكن أن تتخذها الحكومات الحدّ التحكُّمي من الانبعاثات، وإرساء ضريبة الكربون والحوافز على النجاعة الطاقية، وتطوير الطاقات المتجدِّدة والطاقة النووية، وإعادة تنظيم البنى القائمة والسلوك. فلنعد بتفصيل أكبر إلى بعض هذه العناصر:

تبدو الالتزامات التي تعهَّدت بها نحو 150 دولة للحدِّ من انبعاثاتها من غازات الدفيئة بموجب اتفاقية باريس خبرًا جيدًا، بيد أنه ينبغي لنا فهمها على أنها نسبية؛ فمجموع الالتزامات، على افتراض أنه سيجري الوفاء بها، لا يُنهي الاتجاه الحالي لزيادة الانبعاثات والاحترار العالمي. لذا، يمكننا أن نتصوَّر أن على الرغم من التحوُلّات البطيئة المذكورة في هذه الدراسة، سيظل النظام الطاقي في عام 2050 مدمِّرًا للغاية، وسيبقى ارتفاع درجات الحرارة مقلقًا جدًّا. وتمنحنا نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية إشارة جديدة: الإغراء الكبير، بالنسبة إلى بعض الدول، بعدم احترام التزاماتها.

وفقًا للأغلبية العظمى من الاقتصاديين، من شأن فرض ضريبة كربون دولية على مستوى عالٍ (بنحو 60 يورو لكل طن كربون)، أن يكون تدبيرًا فاعّلً لتوجيه الاستثمرات نحو تكنولوجيات أقل كثافة في استخدام الكربون، وتسريع عملية الانتقال الطاقي. ومن شأن ذلك أن يكون وسيلة ل "استيعاب التأثيرات الجانبية المضاعفة"، أي تمويل الحلول ذات التكاليف الاجتمعية الناجمة عن الطاقات الملوِّثة. بيد أن مثل هذا القرار الدولي يبدو مستحيلً من الناحية السياسية. والواقع أن في وسعنا أن نتصوَّر أن بعض البلدان وبعض المناطق سيُطبِّق تدريجيًّا ضرائب الكربون. فهل يسعنا أن نأمل، في نهاية المطاف، توحيدًا لهذه الضرائب؟ يبدو الأمر مستبعدًا تمامًا في المديين القصير والمتوسط.

يندرج تطوير الطاقات المتجدِّدة ضمن سير التاريخ، لكنه يختلف كثيرًا وفقًا للبلدان والسياسات الطاقية. في أوروبا، تم تحديد هدف لعام 2030؛ فبحلول ذلك التاريخ، ينبغي للطاقات المتجدِّدة (طاقة الرياح والطاقة الشمسية والكتلة الحيوية والطاقة المائية) أن تمثّل ما نسبته 27 في المئة من ميزان الطاقة. ويرتبط هذا التطور التاريخي لمصادر الطاقة المتجدِّدة بعامل رئيس، هو الخفض المستمر الذي لا رجعة فيه لتكاليفها. ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، انخفض سعر الألواح الشمسية بنسبة 70 في المئة بين عامي 2010 و 2015، وانخفض مرةً ​أخرى بنسبة 15 في المئة في عام 2016. وتشير أحدث العقود الموقَّعة إلى سعر أقل بمقدار 3 سنتات يورو لكل كيلوواط ساعي. ومع ذلك، فإننا نعلم أن الخلل الرئيس في الرياح والطاقة الشمسية هو تقطُّعها. ويمكن التغلب على هذه الثغرة بالتخزين. ويبدو من المرجح جدًّا أن تكلفة تكنولوجيات التخزين المختلفة ستخضع هي أيضًا لانخفاض مستمر ولا رجعة فيه؛ ففي ألمانيا، تقود احتملات إلغاء تعريفات الاسترداد بالنسبة إلى الكهرباء المتجدِّدة إلى ارتفاع الطلب على التخزين وانخفاض تكلفته.

تمثِّل الطاقة النووية نحو 5 في المئة من الاستهلاك العالمي للطاقة الأولية. ويعتمد تطويرها بقدر كبير على السياسات الطاقية. وستواصل دول كثيرة (الصين والهند وروسيا وبريطانيا ودول الشرق الأوسط) تطوير برامجها النووية. وستُبنى عشرات من الوحدات الجديدة. ومع ذلك، تشير خصوصيات هذه الصناعة إلى أن مساهمتها الإجملية لن تزيد قط. فبالفعل، يُهدِّد الكثير من أوجه عدم اليقين تطوّر تكلفتها، وسلامتها، وتعقيد أطرها التنظيمية، خصوصًا حينم نأخذ في الحسبان تفكيك المرافق وتخزين النفايات المشعَّة.

في كل مكان في العالم، نشهد بعض اللامركزية في ما يخص الإشكالات الطاقية. فالجمعات المحلية والمدن تعطي أولوية جديدة لثنائي "الطاقة - المناخ". ويتعلق الأمر باهتمم واسع؛ لأنه يشمل إنتاج الطاقة واستخدامها، إلى جانب جودة الهواء والماء والنقل وإعادة تدوير النفايات والتخطيط العمراني والتخطيط الحضري، وكذلك أنماط التنظيم الاقتصادي، حيث تُنَح الأولوية للمنتجات المحلية والاقتصاد الدائري. وكخيطٍ رابط، نجد إذًا أنظمة طاقية لامركزية على نحو أكبر، وأكثر ذكاءً، وأكثر نجاعة، وأقلَّ تلويثًا. لن تحلَّ هذه الأنظمة محلَّ الأنظمة القائمة، لكنها ستكمِّلها وتعدِّلها. وهذه المقاربة المحلية جديدة تمامًا، وعُبّ عنها بوضوح لدى انعقاد مؤتمرَي الأمم المتحدة للتغير المناخي في عامَي 2015 و 2016، حينم أكدت المنظمت غير الحكومية عزمها على العمل للحدِّ من ظاهرة الاحتباس الحراري. وهو ما يؤدي مباشرةً إلى تنويع أكبر في الأنظمة الطاقية، وغالبًا ما يشجع على التجريب والابتكار.

خاتمة

تقودنا هذه المناقشة العامة لأسعار الطاقة والأنظمة الطاقية إلى استنتاجات جديدة إلى حد ما. إذ لا يمكن أحدًا أن يقول، في رأينا، ماذا سيكون سعر النفط والغاز والفحم في الأعوام المقبلة، غير أن العالم قد شرع في مرحلة انتقال طاقي. ويختلف هذا الانتقال من بلد إلى آخر. وهو يتميز بتنوع متنامٍ: كربون أقل، ومزيد من النجاعة والذكاء. وهذا التنويع مستقل بعض الشيء عن الأسعار؛ لأن الشواغل المتعلقة بالتنمية المستدامة والحفاظ على البيئة، تفوق جزئيًّا الحساب الاقتصادي في محيط موسوم بشدة بعدم اليقين. وفضلً عن ذلك، من المسلَّم به ضمنًا إلى حد ما أن تكاليف الطاقات المتجدِّدة والتخزين ستنخفض حتمً وعلى نحو لا رجعة فيه. كذلك، أصبح مقبولً، وضمنيًّا أيضًا، أن تكاليف تأثيرات الاحترار العالمي ستزداد على نحو حتمي. ومن الناحية الاقتصادية، عاجلً أم آجلً، سيتم استيعاب هذه التأثيرات المناخية الجانبية المضاعفة، أي دفع ثمنها، ربما بفرض ضرائب على الكربون. ثمة اتجاهات قوية تُحدِّد شكل تطور الأنظمة الطاقية في المستقبل. وهذا التطور موجَّه ولا يتجزَّأ عن سير التاريخ، لكن من الصعب للغاية تخمين إيقاعه؛ إذ تبقى سرعة التغيير موسومة بعدم اليقين. وفي هذه اللحظة، تظل التغييرات بطيئة، وتجري على الهامش، بيد أن الأنظمة الطاقية تتغير تدريجيًّا: فهي لامركزية بقدر أكثر، وأكثر ذكاءً، وأكثر تنوّعًا، وعلى المدى الطويل، ذات كثافة كربونية أقل.

المراجع

AIE. Medium-Term Gas Market Report 2016: Market Analysis and Forecasts to

References

2021. Paris: AIE/ OCDE, 2016.

AIE. Energy Outlook 2016.

BP. BP Statistical Review of World Energy 2016. June 2016.