مستقبلات الطاقة الأحفورية
Fossil Energy Futures
الملخّص
مراجعة كتاب اجتناب رؤيا نهاية العالم الكربونية من خلال الطاقة البديلة: الحياة بعد المحروقات الأحفورية
Abstract
Fossil Energy Futures
- الطاقة الأحفورية
- الكربون
- الطاقة البديلة
- Fossil Energy Futures
- Avoiding Carbon Apocalypse
- Alternative Energy
- Fossil Fuels
Book Review of Avoiding Carbon Apocalypse through Alternative Energy: Life after Fossil Fuels
أصبح من المعروف جيدًا، بالأدلة العلمية الدامغة، أنّ درجة حرارة سطح الأرض تزداد يومًا بعد يوم، في ما يُعرف علميًا ب "الاحتباس الحراريّ"؛ وذلك بسبب الكميات الكبرى من الكربون المنبعث من المحروقات. وإذا لم يتمّ مواجهة الأمر بكل سرعةٍ وجدية، فإن العالم سيشهد حالةً من الدمار والأضرار البالغة الخطورة. وفي هذا الصدد، يأتي كتاب جون لوري، بعنوان اجتناب رؤيا نهاية العالم الكربونية من خلال الطاقة البديلة: الحياة بعد المحروقات الأحفورية، ليدقَ ناقوس الخطر من جديد بشأن "نهاية العالم الكربونية" التي تبين وضع الخراب والدمار الخطِر جدًا في العالم، نتيجة إطلاق ثاني أكسيد الكربون بسبب حرق الوقود الأحفوري لإنتاج الطاقة الكهربائية ووقود النقل، وليبعث الأملَ في نفوس قارئيه بأنّ حلّ اجتناب الكارثة ما زال في متناول أيدي البشر اليوم. يتكون الكتاب من خطاب ثلاثي الأبعاد. فهو يحاول، أولً، تقديم صورة مبسطة وعملية عن مصادر الطاقة المتجددة، وتكنولوجيات استغلالها المتوافرة حاليًا، ومقارنتها بالمحروقات من خلال بُعد بيئيّ. ويسعى، ثانيًا، لعرض التكلفة الاقتصادية الحالية، المقدرة مستقبلً لكل مصدر من مصادر الطاقة المتجددة، ومقارنتها بتكلفة إنتاج الطاقة من المحروقات. ويحاول الكتاب، أخيرًا، أن يرسم الملامح الأولية لسياسة (أو خطة) عالمية Policy Global لا تسمح بالتقليل من الاعتمد على المحروقات في إنتاج الطاقة فحسب، بل بالاستغناء عنها تمامًا، واستبدال مصادر الطاقة المستدامة بها، خصوصًا بعد ما شهده مؤتمر منظمة الأمم المتحدة للتغيير المناخي، الذي عقد بباريس بين 30 تشرين الثاني/ نوفمبر و 11 كانون الأول/ ديسمبر 2015، من إجمعٍ من الدول المشاركة فيه (195 دولة) على جديّة الوضع، وعلى ضرورة التعجيل بخطوات عالمية منسّقة وجادة، في سبيل خفْض معدلات الاحتباس الحراري الذي تنتج منه كوارث طبيعية عديدة؛ منها ذوبان الجليد، وارتفاع مستوى مياه سطح البحر، فضلً عن الآثار السلبية في إنتاج الغذاء، وكذلك انتشار الأمراض وتهديد الحياة البريّة. بعد بيان هذا الوضع في المقدمة والفصل الأوّل، يخصّص المؤلف الفصل الثاني لعرض تقديرات متعلقة بحجم الطاقة المنتَج من المحروقات في السنة، وينتهي من ذلك إلى أنّه من الممكن تعويضه بحجم قليل من الطاقة البديلة بالنسبة إلى ما هو متوافر منها على كوكبنا. ويوضح أنّ وسائل الطاقة المتجددة تختلف حضورًا وغيابًا بحسب المكان والزمان. فطاقة الرياح لا يمكن توليدها في كثير من المناطق الداخلية، ويصعب نقلها (طاقة الرياح موجودة مثلً بوفرة في الجزر البحرية لبحر الشمل، في حين هي أقلّ من المطلوب في بلد يحتاج إليها، مثل إسبانيا خلال أوقات معيّنة من السنة)، كم أن الطاقة الشمسية موجودة بوفرة في الصحراء الكبرى؛ حيث لا حاجة ماسّة إليها، في حين تكاد تنعدم في مناخات شملية هي أحوج ما تكون إليها، على أنه ليس من اليسير تخزينها بالتكنولوجيات المتوافرة اليوم. وهنا يأتي الفصل الثالث الذي تناول فيه المؤلف فكرة "الشبكات الكهربائية العظمى" Grids Super Electrical التي تنقل ناتج الطاقة المتجددة بين أماكن متباعدة عبر روابط كهربائية عالية التردد. وقد أشار إلى هذه
الفكرة، أول مرة، ريتشارد بكمنستر فولر في سبعينيات القرن العشرين، وصارت ممكنة في ظل التطور التكنولوجي الراهن، بل إنه بدأ العمل بها في أنحاء من أوروبا، من خلال شبكة "روابط التيار المستمر العالي التردد" Connections Current Direct Voltage High. وفي الوقت الراهن، يجري توسيعها بين الأقاليم الأوروبية، أما في المستقبل فإنه يُخطط لمدّها إلى الأقاليم المتاخمة (وفق تخطيط بالغ الدقة والتعقيد، وشروط عديدة، منها الاستقرار السياسي). ولا يغفل المؤلف في هذا الفصل، ولا في ما يأتي بعده من فصول، عن دراسة التكلفة الاقتصادية الحالية والمستقبلية للمشاريع التي يقترحها. يجد لوري نفسَه ملزمًا بتخصيص فصل كبير نسبيًّا لعرض مصادر الطاقة المتجددة مصدرًا مصدرًا، ويبيّ إيجابيات كل مصدر وسلبياته، والحالة الراهنة لاستخدامه، وكيفية استغلاله بطريقة أفضل من خلال التكنولوجيات المتوافرة التي تسمح بذلك، مع مناقشة التكلفة الاقتصادية حاضرًا ومستقبلً. وينطلق المؤلف من أكثر أنواع الطاقة المتجددة وفرةً وأيسرها استغلالً وأقلّها تكلفةً (الطاقة الشمسية)،
خصوصًا عند إنتاجها عن طريق الخلايا الشمسية الكهروضوئية، ثمّ يعرّج على طاقة الرياح التي هي أعلى تكلفة من سابقتها، لكنها في تحسن مستمرّ جودةً وتكلفةً، لينتقل بعدها إلى أكثر الطاقات المتجددة استعملًاليوم (الطاقة المائية)، وهي تعني الكهرباء المولَّدة من الماء الذي يقع من مكان مرتفع من خلال "توربينات" المياه. تليها في العرض طاقة المدّ والجزر التي تستعملها بعض البلدان الأوروبية منذ عقود، والتي أدّت دورًا كبيرًا في انخفاض أسعار الكهرباء في أوروبا. ثم ينتقل إلى مسألة الحصول على الطاقة من الفضلات والمخلّفات عن طريق حرقها، أو تحويلها إلى وقود، مثل الإيثانول، أو تخمير بعضها في هواضم بيولوجية كبيرة. ثمّ يتطرق إلى الطاقة الجيوحرارية التي تُعدّ طاقةً مساعدةً لأنواع الطاقة المتجددة الأخرى؛ نظرًا إلى قلّة المناطق الممكن استخراجها منها، وأخيرًا الطاقة النووية (الطاقة المنبعثة من الانشطار النووي)، موضّحًا أنه على الرغم ممّ ارتبط بها من خطورةٍ حقيقية أو مبالغ فيها، فقد جاء الاحتباس الحراري ليُزيحَ الهلع من هذه الطاقة إلى الظل، إضافة إلى العمل الدؤوب على تطوير مفاعلات نووية من جيل جديد تقلّل حجم المخاطر كثيرًا (من أهمّها "مُفاعلات سرير الحصى" Reactors Bed.)Pebble وبما أنّ الكهرباء بيٌِّ أمرُها، فإنّ لوري يخصص فصلَ كتابه الخامس لأنواع الوقود التي تُساهم في تخفيض الاحتباس الحراري؛ إذ ينطلق من الوقود الحيوي الذي ينتج من التحلل البيولوجي لمواد عضوية في غياب الأكسجين، مبينًا خصائصه وأفضل طرق إنتاجه، ثم ينتقل إلى استعمل الهيدروجين وقودًا، وهو ينتج بكلّ بساطة من التحليل الكهربائي للمء، ورغم خطورته يتميّز بتنوّع وسائل استخدامه. وأخيرًا، يعرض أهميّة الوقود الاصطناعي الذي ينتج من خلال دمج الهيدروجين المخزّن مع ثاني أكسيد الكربون المأخوذ من الجوّ؛ وهو يُساهم بذلك في تخفيف نسبة هذا الغاز الذي يُعد السبب الرئيس في الاحتباس الحراري. أمّا الفصل السادس، فيعرض فيه المؤلف آليات تخزين الطاقة المتجددة ووسائلَه؛ نظرًا إلى أنّ التحكم في عَرضها على نحو يوافق الطلب عليها ليس أمرًا سهلً مثلم هي الحال بالنسبة إلى المحروقات. فمِن البطاريات الكهربائية القابلة للشحن، إلى التخزين المائي المضخي، إلى تخزين الطاقة من خلال الهيدروجين وتوليدها عبر توربينات الغاز، تختلف شروط التخزين وجودتُه وتكلفتُه اختلافًا كبيرًا. ويؤدي عامل التكلفة دورًا مُهمًّ جدًا في تحديد أفضل وسائل استغلال الطاقة المتجددة؛ لذا يجعل لوري عنوان فصله السابع "الاقتصاديات"، ويرصد فيه تكلفة توليد الطاقة من مصادر غير المحروقات، وتكلفة تخزين هذه الطاقة، وتكلفة ما يجب تعديله وتغييره في مختلف الوسائل التي تشتغل بالطاقة أو تنتجها؛ أي تكلفة التكيف مع البنية التحتية لإنتاج الطاقة من وسائل بديلة. ويقارن الباحث هذا كلَّه بالتكلفة الباهظة لعدم فعل شيء؛ إذ تُظهر بعض إحصائيات شركات التأمين، مثلً، أنّ تكلفة الخسائر التي تسببت فيها الكوارث الطبيعية عام 2005 بلغت 200 مليار دولار وأنّ إعصار كاترينا الذي ضرب الولايات المتحدة وحده بلغت خسائره 60 مليار دولار، ليخلص إلى أنّ تكلفة اعتمد المصادر المتجددة
فحسب سيكون عام 2025 نحو 80 في المئة من تكلفة اعتمد المحروقات، ونحو 70 في المئة عام 2050، مع العلم أنّ أسعار المحروقات يُتنبّأ بارتفاعها عمومًا. بعد بيان مصادر الطاقة المتجددة وأنواع الوقود الذي يمكن أن يُنتج منها، ينتقل المؤلف في الفصل الثامن إلى المستوى التالي، وهو مستوى وسائل النقل البري وأدوات الزراعة (القطار الكهربائي، ومَركبات البطاريات الكهربائية، والمركبات الكهربائية الهجينة، والمركبات خلوية الوقود، والسيارات الذاتية التحكم، والدراجات الكهربائية، والدراجات النارية الكهربائية، والترامواي وحافلات الترولي، وأخيرًا أنظمة الزراعة والصناعة من دون محروقات أحفورية)، ثمّ يهتمّ بوسائل النقل الجوي والبحري في الفصل التاسع (الطائرات غير المعتمدة على المحروقات، والسفن غير المعتمدة على المحروقات)، عارضًا سبُل تكييفها مع الطاقة المتجددة ومقيِّمً ما وصلت إليه التكنولوجيا في هذا المجال حول العالم، مع الالتزام الدائم بتقدير التكلفة في عدة حالات ومقارنتها بتكلفة الاستمرار في استعمل وقود المحروقات، وتقديم حلول إبداعية في بعض الوسائل، مثل أنظمة السكك للسيارات في الطرق السريعة. أمّا في الفصل العاشر، فيعود المؤلف إلى تأكيد أننا نمتلك ما يكفي من مصادر الطاقة المتجددة، وما يزيد على حاجتنا إليها من أجل الاستغناء عن المحروقات، مستغلًالفرصة لذكر إحصاءات جديدة عن مواد أخرى يُكن أن تولّد منها الطاقة، وهي موجودة بوفرة كبيرة على كوكبنا. وفي الفصل الحادي عشر، يؤكد لوري أنّ التخطيط لاستبدال الطاقة المتجددة بالمحروقات على مستوى العالم هو أمرٌ بالغ التعقيد يحتاج إلى دقة وأناة وحنكة وحكمة ودراسات معمّقة، وكثيرٍ من الشجاعة والمواجهة والوقت أيضًا. ولا يكاد يعدو الفصل الثاني عشر أن يكون تلخيصًا للكتاب، في حين يقدّم الفصل الثالث عشر والأخير خاتمة قصيرة خلاصتُها الأساسية أنّه لم يعُد عندنا وقت أكثر للانتظار. إجملً، يبُرز هذا الكتاب المهم على نحوٍ جيد مخاطر الاحترار العالمي الناجمة عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة باستخدام الوقود الأحفوري، ويقترح مسارات عديدة ومستدامة للتخفيف من آثاره الوخيمة. وتتمثّل إحدى القيم المضافة الأساسية للكتاب في بيان مختلف التكنولوجيات المستدامة التي يمكن أن تكون بديلً كاملً من المحروقات الأحفورية، من دون أن يكون ذلك باهظ الثمن كم يُشاع دائمًا، بل إنّ الأمر سيكون أقلّ تكلفةً من الوقت الراهن. ومن ناحية مضمون هذا الكتاب، يظلّ أكبر مأخذ متمثلً بالمركزية الإثنية الغربية Ethnocentrism الواضحة في خطابه؛ فالعالم كلّه يبدو في تحليلاته وحلوله المقترحة في خدمة عدد من الدول الغربية، لا يتجاوز أصابع اليدين على أفضل تقدير. في حين لا توجد كلمةٌ واحدة في الكتاب تشير إلى ضرورة حفظ حقوق الشعوب في الاستفادة من خيراتها الطبيعية، وعدم استنزافها لخدمة رفاهية شعوب أخرى، بل إنّ ثمّة مقاطعَ من الكتاب يظهر فيها جانبٌ من العالم الأقلّ تطوُّرًا كأنّه أرض خلاء من دون شعوب
عليها، يجب أن تستغلّها الدول الغربية لصالحها. أمّا من ناحية التنسيق، فلا يملك القارئ إلا أن يستغرب التكرار الواضح لكثيرٍ من الأفكار والأرقام، إلى حد تكرار فقرات بحذافيرها، إضافة إلى بعض الأخطاء في ترقيم الصور والأشكال التي يمتلئ بها الكتاب. ويبدو واضحًا أثر الاستعجال في إخراج الكتاب، من دون مراجعةٍ كافيةٍ له من الناحية الشكلية، بيد أنّ هذا لا ينفي ما تميّز به المؤلف من قدرةٍ كبرى على الإقناع من خلال جمع معلوماتٍ كثيرةٍ بالغة الأهمية وترتيبها عبر منطقٍ حجاجيّ مُحكم، وبلغة لا يستنكف عنها المتخصص، ولا يعدم منها غيرُ المتخصص رؤيةً واضحة.