رهانات انهيار أسعار النفط
Challenges of the Collapse in Oil Prices
الملخّص
الإنتاج أم السياسة الدولية؟ مراجعة كتاب أسباب الهبوط الحاد يف أسعار النفط الخام: فائض
Abstract
Challenges of the Collapse in Oil Prices
- أسعار النفط
- النفط الخام
- فائض الإنتاج
- the Collapse in Oil Prices
- the Steep Fall in Crude Oil Prices:
- Over-Production
- International Politics
A review of Causes of the Steep Fall in Crude Oil Prices: Over-Production or International Politics?
أسباب الهبوط الحاد في أسعار النفط الخام: فائض الإنتاج أم السياسة الدولية؟
كلم طُرح سؤال متعلّق بالطاقة في المستقبل، طُرح معه سؤال آخر مرتبط به ومتعلّق بطبيعة الموارد الطاقية في المستقبل، ومدى توافرها وتكلفتها وآثارها في البيئة. ومن بين ما ترتبط به الإشكالات الطاقية المستقبلية علاقتها الوثيقة بسؤال سعر الطاقة وتقلّباته، لا سيم سعر النفط. ومن ثمّ تأتي أهمية التساؤل عن الانخفاض الحاد الذي عرفته أسعار النفط في عام 2014، فضلً عن البحث في أسبابه، واستشراف تقلباته في المستقبل وآثارها الممكنة أو المتوقعة، إذ فقدت سلعة النفط الخام بين عامَي 2014 و 2015 أكثر من نصف قيمتها المادية؛ فقد تراجع سعر برميل النفط من 110 دولارات إلى أقلّ من 45 دولارًا أميركيًا. وأثار هذا الانخفاض الحاد اهتمم العديد من الخبراء والدارسين ومراكز البحوث، وأُنجزت دراسات عديدة، وعُقدت مؤتمرات وندوات كثيرة1. ولئن ركّز معظم الأطروحات والفرضيات على الأسباب الاقتصادية، وزيادة إنتاج النفط في الدول المصدرة للنفط، والتنبؤات المستقبلية لاكتشافات الغاز الصخري في العديد من دول العالم، فإن ممدوح سلامة يقدم فرضيةً تختلف في حجتها ومنطقها عن الدراسات والأطروحات الأخرى، على الرغم من عدم نفيها العوامل السابقة؛ ذلك أنّ الباحث يضيف إليها عاملً مركزيًا يستند إلى الأسباب السياسية المتمثلة بمؤامرة أميركية - سعودية تستهدف الدورين الإيراني والروسي في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية. فكلتا الدولتين الريعيتين النفطيتين سوف تتأثران مباشرةً بانخفاض أسعار النفط، ما يحدّ من قدرتهم على الإنفاق العسكري والسياسي في الصراعات الخارجية الجارية في سورية وأوكرانيا على نحو أساسي. يأتي هذا الكتاب - وهو من القطع الصغير - الذي قسّمه مؤلفه إلى مقدمة، وستة فصول وخاتمة، ليستعرض الأسباب الرئيسة التي أدت إلى الهبوط الحاد في أسعار النفط الخام، والتي يُرجعها أساسًا إلى بنية العلاقات الدولية. ومن ثمّ، يركّز الفصل الأول على ما يسميه التواطؤ السعودي - الأميركي لتخفيض أسعار النفط. ويبدؤه بالجملة "التاريخ يعيد نفسه"، وهو ما يعني أنّ التحالف السعودي - الأميركي التاريخي قد استخدم هذه الأداة، أي أسعار النفط في سياساته الخارجية وصراعاته الدولية منذ ثمانينيات القرن الماضي. ولإثبات ذلك، ينقل سلامة تصريحات وزير النفط السعودي علي النعيمي في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) بالإصرار السعودي على عدم تخفيض كمية الإنتاج، حتى لو أدى ذلك إلى تراجع أسعار النفط وزيادة العجز في الموازنة السعودية. ومن ثمّ، ينتقل المؤلف إلى تحليل نتائج انخفاض أسعار النفط واستشراف آثارها في دول الخليج العربية بوجه عام. ويجد أنها ستضطر إلى تخفيض استهلاكها المحلي من النفط أو الاستعاضة عنه بالطاقة
النووية أو الشمسية لتوليد الكهرباء وتحلية مياه البحر، أو أنها ستضطر إلى تخفيض تصديرها للنفط أو الخروج من سوق التصدير تمامًا بحلول عام.2030 أما بالنسبة إلى إيران، فإنها تحتاج، كي تحقق التوازن في موازنتها، إلى سعر نفط قدره 130 دولارًا للبرميل. وعلى الرغم من عرضه لبيانات وتقديرات توضح تأثرها بانخفاض أسعار النفط، فإن المؤلف يؤكد أنّ إيران قادرة على تجاوز هذه المعضلة بزيادة صادرات الغاز الطبيعي ودعم الصندوق الوطني للتنمية، الذي تتجاوز موارده 62 مليار دولار. ولكنه يستدرك مؤكدًا أنّ هناك بعض التأثير السلبي في الاقتصاد الإيراني في المدَيين القصير والمتوسط. وفي الوقت ذاته، يحذر المؤلف من وضع إيران النفطي واحتياطاتها المبالغ فيها، ويعتقد أنّ البرنامج النووي الإيراني لتوليد الطاقة الكهربائية سوف يجنبها النزول إلى مرتبة الدول الصغيرة المنتجة للنفط. كم يقارن بين موقف الولايات المتحدة الأميركية من برنامجها النووي في زمن الشاه (حينها لم تكن إيران في حاجة إلى الطاقة النووية)، والزمن الحالي (حاجة ماسة إلى الطاقة النووية)، ويجد أنّ مسألة عداء الولايات المتحدة للبرنامج النووي الحالي مرتبط بعداء إيران لإسرائيل فقط، وهو وجه سياسي، وليس له اعتبارات حول مدى حاجة إيران إلى الطاقة. يستمر المؤلف في نقاش علاقة إيران بالطاقة في الفصل الثاني (كفاح إيران لزيادة طاقتها الإنتاجية). ففي ظلّ استمرار تراجع إيران في إنتاج النفط تدريجيًا، يتوقّع المؤلف أنّ بقاء الأوضاع الاقتصادية والاجتمعية والسياسية على ما هي عليه سوف يدفعها إلى التوقف عن تصدير النفط تمامًا في عام 2030، وهو ما يجعل الطاقة النووية خيارًا إستراتيجيًا لإيران لثلاثة أسباب هي: استنفادها للنفط، والحاجة إلى توفير المياه مع النمو الديموغرافي الإيراني المتنامي، والتوسع الجيو-اقتصادي بامتلاكها أسلحة نووية. ويستشرف المؤلف رؤيةً مفادها أنّ رفع العقوبات عن إيران وتمكنها من استيراد أحدث التقنيات النفطية الأميركية سوف يمكّنها من إضافة ما بين 200 إلى 300 ألف برميل من النفط إلى إنتاجها يوميًا، من دون أن يعني ذلك زيادة صادراتها بفعل الارتفاع الشديد في الاستهلاك المحلي. ينتقل المؤلف في الفصل الثالث إلى دراسة الحالة الروسية (تأثير العقوبات وتراجع أسعار النفط في روسيا)، فقد أثّرت العقوبات الغربية في روسيا إثر الأزمة الأوكرانية، متفاعلةً مع انخفاض أسعار النفط في قيمة العملة الروسية الروبل، وقد أدى ذلك إلى خسارتها 40 في المئة من قيمتها مقابل الدولار. كم انخفضت الاحتياطيات الروسية من 510.5 مليارات دولار إلى 386.2 مليار دولار في عام 2014. ويوضح سلامة أنّ الأثر في هذا التراجع في الاقتصاد الروسي لا يعود إلى العقوبات الدولية، وإنما إلى انخفاض أسعار النفط. لكن التبادل التجاري المتنامي بين روسيا والصين وفّر دعمً قويًا للاقتصاد الروسي. ومن جهة أخرى، يرجح المؤلف تشكّل شراكة إستراتيجية بين روسيا والهند، تقوم على التعاون في مجال الطاقة (الطاقة النووية وأنابيب النفط والغاز)، لكنها لن ترتقيَ إلى مستوى التحالف كم هو الشأن
في العلاقات الروسية - الصينية، خاصة بعد أزمة القرم إثر الثورة الأوكرانية (عام 2014) التي أطاحت الرئيس فيكتور يانوكوفيتش. في الفصل الرابع، يتناول الباحث أثر انخفاض الأسعار في إنتاج النفط الصخري الأميركي. فقد مثَّل إنتاج النفط الصخري الأميركي 1 في المئة من إمدادات النفط العالمية في عام 2012. ويخمن المؤلف بأنها ستصل إلى 3 في المئة في عام 2025. لكنه لا يوافق على أن هذا النفط شكّل علامة فارقة على دخول عصر جديد من الوفرة العالمية في مجال الطاقة؛ فقد تسبّب هبوط أسعار النفط بانخفاض شديد في عدد منصات التنقيب عن النفط الصخري في الولايات المتحدة، بيد أنّ أنموذج النفط الصخري لا يعمل من دون ارتفاع الأسعار، لكن الشركات الأميركية تديم هذا الانهيار عبر مواصلة الحفر وزيادة إنتاج النفط بمعدلات غير مسبوقة، بدلً من الانسحاب لإبطاء الكمية المعروضة في السوق واختبار الأسعار وزيادتها. يستشرف المؤلف في الفصل الخامس "إلى أين تتجه أسعار النفط؟" مستقبلَ أسعار النفط في العالم خلال السنوات المقبلة اعتمدًا على القدرة الإنتاجية لكبار المنتجين، واتجاهات إنتاجهم، على الرغم من تأكيده صعوبة تحديد سعر دقيق للنفط. ويعرض سلامة بيانات كميّة لإنتاج النفط بالنسبة إلى كبار المنتجين (روسيا، والسعودية، وأميركا، وكندا، والصين، والعراق، وإيران)، ليقدّم توقعات حول مستقبل إنتاج كل دولة، ويقارن فيم بينها. بيد أنّ الباحث لا يقدم في نهاية الفصل تقييمًاستشرافيًا إجمليًا لأسعار النفط في السنوات المقبلة، لكنه يوضح أنّ تقلّب أسعار النفط ظاهرة دورية تتكرّر كل.32 شهرًا في الفصل السادس "الرابحون والخاسرون: الصين"، يربط الباحث بين أسعار النفط العالمية والطلب الصيني المتعاظم على الطاقة، ويستعرض سياسات الصين بشأن التنويع الاقتصادي في مجال الحصول على الطاقة النفطية من روسيا والعراق وإيران وأفريقيا وأميركا اللاتينية. ويجد الباحث أنّ انخفاض أسعار النفط استفادت منه الصين بوصفها أكبر مستورد للنفط في العالم. بيد أنّ الصين لا يمكنها أن تستفيد من ذلك على نحوٍ إستراتيجي؛ لأنّ الاقتصاد العالمي يتأثر سلبيًا بانخفاض أسعار النفط، والاقتصاد الصيني متشابك بقوة مع الاقتصاد العالمي. يختتم المؤلف الكتاب بتقديم توصيات لحكومات دول الخليج العربية، تقوم على اتخاذ تدابير قصيرة وطويلة الأمد لإدارة الأزمات المالية والنفطية، وهي تتمثل بتخفيض الإنفاق لمواجهة انخفاض الإيرادات على ألَّ تتعارض مع خطط التنمية البشرية المستدامة في هذا الدول. ويتوصل إلى عدد من الاستنتاجات أهمها أنّ استمرار انخفاض أسعار النفط يضر بالاقتصاد العالمي وصناعة النفط العالمية، ويمهد لأزمة نفطية شديدة التعقيد مستقبلً، ثمّ إنّ الاقتصاد العالمي لا يمكن أن يتعايش مع انخفاض أسعار النفط؛ لأنّ الاستثمرات العالمية وصناعة النفط واقتصادات الدول المنتجة للنفط سوف تتقوض. وانطلاقًا من ذلك، يستشرف انتعاشًا تدريجيًا لأسعار النفط في المستقبل القريب.
وأخيرًا، فعلى الرغم مم يكتسيه هذا الكتاب من أهمية أكيدة، فإنه يُعاب عليه التخبط المنهجي في طرح الأسئلة البحثية؛ فالعناوين الفرعية لا تنسجم انسجامًا دقيقًا مع مضمون فصوله ومحتواه. كم أنّ الكتاب يطرح فرضيةً جريئة ومثيرة للجدل مستمدة من "نظرية المؤامرة"؛ فثمة أسئلة كبيرة عن طبيعة العلاقات السعودية - الأميركية التي تستثمر في النفط السعودي، بوصفها أداة في الصراعات الدولية. لكن من اللافت للانتباه أنّ الانعكاسات السلبية لذلك تحمَّلها الاقتصاد السعودي وحده، بينم اكتفت الولايات المتحدة بإدارة انخفاض أسعار النفط، من دون أن تنعكس هذه الإدارة سلبيًا على النمو الاقتصادي الأميركي.