Return to Article Details On the Israeli Plans for the Future of Gaza

في الرؤى الإسرائيلية الاستشرافية لمستقبل قطاع غزة

On the Israeli Plans for the Future of Gaza

عدنان أبو عامر

الملخّص

ملخص:  تتناول هذه الدراسة الرؤى الإسرائيلية الاستشرافية لمستقبل قطاع غزة، وتحديدًا رؤى المؤسسة الإسرائيلية الرسمية بشقيها السياسي والعسكري وما تمتلكه من مخططات وتصورات مستقبلية، في ظلّ العبء الذي بات يشكله القطاع على إسرائيل، رغم انسحابها منه في عام 2005. وتبُرز الورقة أنّ إسرائيل، بمستوييها السياسي والعسكري، لا تمتلك خيارًا مرجحًا مئة في المئة لحلّ المعضلة القائمة في غزة، رغم ما تبذله عقولها وأدمغتها في العثور على أفضل الحلول، وإن شئت، أقلها تكلفة، وأخفها ضررًا. لتخلص الدراسة إلى أنّ الخيارات الاستشرافية الواردة ذات فرص متقاربة بالتحقق أو الإخفاق، ويبقى الميدان القائم بين الجانبين على حدود غزة، هو الذي قد يرجح خيارًا على آخر؛ بالنظر إلى التطورات الأمنية التي قد تسفر عن الاحتكاكات القائمة بين حمس وإسرائيل. كلمت مفتاحية:  غزة، حمس، إسرائيل، صفقة القرن، الأمن القومي. Abstract:  This study describes the Israeli visions for the future of the Gaza Strip, in particularly the Israeli political and military establishment and its future plans for the burden that the Gaza Strip presents for Israel in spite of its withdrawal in 2005. It highlights that Israel both politically and militarily has no other 100% likely option to solve the Gaza dilemma, despite the great mental effort exerted to find the best and perhaps least costly (or least damaging) solution. The study concludes that the future options available are as likely to fail or succeed, and events on the borders of Gaza are likely to result in the adoption of one or the other given the security threat posed by ongoing tensions between Hamas and Israel.

Abstract

This study describes the Israeli visions for the future of the Gaza Strip, in particularly the Israeli political and military establishment and its future plans for the burden that the Gaza Strip presents for Israel in spite of its withdrawal in 2005. It highlights that Israel both politically and militarily has no other 100% likely option to solve the Gaza dilemma, despite the great mental effort exerted to find the best and perhaps least costly (or least damaging) solution. The study concludes that the future options available are as likely to fail or succeed, and events on the borders of Gaza are likely to result in the adoption of one or the other given the security threat posed by ongoing tensions between Hamas and Israel.

رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة الأمة بغزة، فلسطين. Head of Political Science, Umma University, Gaza, Palestine.

مقدمة

شهدت المؤسسات البحثية ودوائر صنع القرار الإسرائيلي في الأعوام الأخيرة حالةً من البحث الديناميكي المتواصل بشأن العثور على صيغة مريحة في التعامل مع قطاع غزة، وبخاصة منذ مرحلة ما قبل الانسحاب الإسرائيلي من القطاع في أيلول/ سبتمبر 2005، وما بعدها. وما زالت تبرز العديد من التصورات الإسرائيلية الاستشرافية تجاه المستقبل المتوقع للقطاع، في ظل تذبذب العلاقة الإسرائيلية معه، بين توترٍ أمني وصل حدّ اندلاع ثلاث حروب، وتوقع حرب رابعة، وحصار اقتصادي وصل حدّ الكارثة الإنسانية. ولعل تأزم العلاقة في الشهور الأخيرة بين إسرائيل وقطاع غزة أعاد الأمور إلى مرحلة ما قبل الانسحاب الإسرائيلي من غزة، حين كانت تراوح الخيارات الإسرائيلية بين عمليات عسكرية دورية، أو تنفيذ عمليات اجتياح لبعض المناطق إن دعت الحاجة، وربما إعادة احتلال القطاع في الخيار المتطرف؛ ما يجعل تقديم هذه الرؤية الاستشرافية الإسرائيلية تجاه قطاع غزة مسألةً تحتل أولوية متقدمة. وقد حفلت المكتبة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة بإصدار العديد من الدراسات والأبحاث التي تستعرض الخيارات الإسرائيلية تجاه غزة. ولئن تناولت في معظمها الأبعاد العسكرية والأمنية، فإنها أغفلت بعض الجوانب الاقتصادية والاجتمعية؛ نظرًا إلى أنّ ما يهم الإسرائيليين بالدرجة الأولى هو أمنهم قبل كل اعتبار. وفي الوقت ذاته، لم تصدر دراسات وأبحاث فلسطينية أو عربية تتناول العناوين السابقة ذاتها، واقتصر الأمر على مقال هنا وتقرير هناك، ما ينم على قصور واضح في هذا الجانب. تقدم هذه الدراسة قراءةً ميدانية لاستشراف السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في غزة، في ضوء التطورات السياسية المحلية، والإقليمية، والدولية، وما يتردد بشأن صفقة القرن، متناولةً بالدرس والتحليل قضايا تقييم السياسة الإسرائيلية تجاه قطاع غزة بين الاحتلال والانسحاب (2005-1967)، وإسرائيل وغزة بين الحصار والحروب الثلاث (2015-2006)، والخيارات الاستشرافية الإسرائيلية نحو غزة (إعادة الاحتلال، أو الانفصال الكلي، أو الإلحاق بمصر). تركز الدراسة بصورة أساسية على ما تمتلكه المؤسسة الإسرائيلية الرسمية بشقيها السياسي والعسكري من مخططات وتصورات مستقبلية لقطاع غزة، في ظل الأعباء التي بات يشكلها على إسرائيل، رغم انسحابها منه قبل 14 عشر عامًا. مع العلم أنّ هناك حالة من التباين الجوهري بين دوائر صنع القرار تجاه تحديد الوجهة الإسرائيلية النهائية للقطاع ودخول اعتبارات سياسية وحزبية في كل مخطط، على الرغم من أنّ المسألة تخص الدولة بعامة، بما يتجاوز مصلحة حزبية أو انتخابية، كم حظي مستقبل القطاع بموقع متقدم في برامج الأحزاب الإسرائيلية خلال الانتخابات الحادية والعشرين للكنيست في 9 نيسان/ أبريل.2019

ومن ثمّ تبرز أهمية الدراسة في كون غزة باتت تشغل أوساط صنع القرار الإسرائيلي ودوائره في السنوات الأخيرة، في ظلّ التطورات السياسية والعسكرية التي صاحبتها، وتحديدًا بعد الحروب الأخيرة بين عامي 2008 و 2014، والتهديد بحربٍ رابعة باتت نذرها تلوح في الأفق. فقد خرجت جملة من التصورات الإسرائيلية، الرسمية منها والبحثية والأكاديمية، لتحديد المصير النهائي لغزة، بين إعادة احتلالها من جديد لتجريدها من مقدرتها العسكرية ودعوة لترسيخ الانفصال عنها كليًا، بما في ذلك القضايا المدنية والاقتصادية، ورغبة في إخراج خطط قديمة من الأدراج، ومنها إعادة القطاع إلى السيطرة المصرية، كم كان عليه الوضع قبل الاحتلال الإسرائيلي عام.1967 تسعى الدراسة للتعرف إلى المخططات المستقبلية الإسرائيلية تجاه غزة، والاعتبارات القائمة عند اختيار أي مخطط، وتسليط الضوء على مساعي إسرائيل لتنفيذ أيّ مخطط في ضوء تعقيدات الواقع الفلسطيني والإسرائيلي، وبحث الفرضية القائمة بلجوء إسرائيل إلى إبقاء غزة بالفلك ذاته من الاستنزاف الاقتصادي والأمني، وأخيرًا قراءة فرص الخيار الإسرائيلي المتمثل بإعادة قطاع غزة إلى السيطرة المصرية، ومدى علاقته بالخطط السياسية السائدة حاليًا ضمن ما يسمى صفقة القرن.

أولً: تقييم للسياسة الإسرائيلية تجاه غزة بين الاحتلال والانسحاب (2005-1967)

منذ الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة، عرف القطاع مختلف أشكال القمع والاضطهاد الذي مارسته سلطات الاحتلال على سكانه، اقتصاديًا ومعيشيًا وسياسيًا وأمنيًا. فعلى الصعيد الاقتصادي والمعيشي، تحول القطاع إلى سوق استهلاكية للاقتصاد الإسرائيلي من جهة، ومورّدًا للأيدي العاملة الرخيصة من جهة أخرى. أما سياسيًا، فقد حاربت إسرائيل كلّ شكلٍ من أشكال المظاهر الوطنية، فزجّت بالرموز السياسية في غياهب السجون، وأبعدت العشرات خارج القطاع، ومنعت أي ممرسة للحياة الحزبية. وعلى الصعيد الأمني، لم تتوان الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في تحويل غزة إلى بقعة لممرسة كل أعملها الشنيعة ضد الفلسطينيين، من حيث الإسقاط في حبائل مخابراتها، ونشر الرذيلة بين شبابها، ونزعهم من أيّ انضمم أو انخراط في الفصائل الوطنية. استمر هذا الوضع حتى اندلعت انتفاضة الحجارة (1993-1987)، التي جسّدت ثورةً وتمردًا على السياسة الإسرائيلية بمختلف أشكالها المتمثلة بالممرسات المشار إليها. ورغم ما قدمته الانتفاضة من أداء وطني كبير، وانخراط شمل كل أبناء غزة، فإن النتيجة التي جسدها اتفاق أوسلو شكّلت وأدًا للانتفاضة قبيل نضوجها بالشكل الذي يمكّن الفلسطينيين من حصاد نتائجها النهائية. وبعد إقامة السلطة الفلسطينية في غزة، وفقًا لاتفاق أوسلو، وحصول تطورات سياسية متلاحقة انتهت أخيرًا بمفاوضات كامب ديفيد،

التي ساهم فشلها في اندلاع انتفاضة الأقصى أواخر عام 2000، وتخلّلها تحوّل قطاع غزة والضفة الغربية إلى ساحة واسعة لعمليات المقاومة المسلحة. شهدت المدن الإسرائيلية موجةً واسعة من العمليات الاستشهادية التي أسفرت عن سقوط مئات من القتلى الإسرائيليين وآلاف الجرحى، وأسفرت عن تنفيذ إسرائيل لعملية السور الواقي عام 2002 التي شملت اجتياح الضفة الغربية؛ ما شكل انتكاسة لاتفاق أوسلو، وتدمير مؤسسات السلطة الفلسطينية. أما في قطاع غزة، فقد انطلقت سلسلة هجمت مسلحة ضد المستوطنين والجنود، أسفرت عن سقوط العشرات من القتلى ومئات الجرحى، ردّ عليها جيش الاحتلال بعمليات عسكرية داخل مدن القطاع ومخيمته، توّجها بالانسحاب المفاجئ منه في أيلول/ سبتمبر 2005، سواء بسبب ضربات المقاومة المسلحة في غزة، أو رغبة من إسرائيل في التخفف من الأعباء الاقتصادية في غزة، في خطوة لم تحصل منذ احتلالها عام.1967 ويجدر الحديث هنا عن دوافع خطة الانسحاب التي قادها أريئيل شارون، رئيس الحكومة الأسبق، الذي تحدث قبل أشهر من الانسحاب عن مساواة مكانة مستوطنة نتساريم المزروعة وسط غزة لمكانة تل أبيب. وتتحدث وجهات نظر إسرائيلية وفلسطينية عن وجود نيات أخرى لإسرائيل من هذا الانسحاب؛ فهو فضلً عن كونه جاء نتيجة تضررها، واستنزافها العسكري والأمني، فإنّ البعض يربطه بما آلت إليه الأوضاع في غزة بعد سنوات من الانسحاب، بدليل ما تعيشه اليوم من انقسام مع الضفة الغربية، وحصار مفروض عليها محكم الإغلاق، عقب سيطرة حمس عليه منذ أواسط عام.2007

ثانيًا: إسرائيل وغزة بين الحصار والحروب الثلاث (2015-2006)

بعد الانسحاب الإسرائيلي من القطاع في عام 2005 بأشهر معدودة، شهدت الأراضي الفلسطينية، ومنها قطاع غزة، الانتخابات التشريعية الثانية في كانون الثاني/ يناير 2006، التي وافقت إسرائيل على إجرائها بعد مفاوضات مع السلطة الفلسطينية والإدارة الأميركية، وأسفرت عن فوز حمس بنسبة كاسحة، بحصولها على 76 مقعدًا من أصل مقاعد المجلس التشريعي البالغة 132 مقعدًا.

موقع ويللا الإخباري، 2002/4/25، شوهد في 2019/3/22، في: https://news.walla.co.il/item/212791

وقد دفع فوز حركة حمس بالانتخابات، وحالة الاستقطاب الفلسطيني الداخلي التي حدثت، عقب رفض حركة فتح الاعتراف بنتائجها، إلى إعلان إسرائيل بالتعاون مع الرباعية الدولية فرض شروط على حمس كي تسلم بفوزها الانتخابي، وتوافق على صعودها السلس في الهرم السياسي الفلسطيني. ومثّلت هذه الشروط التي أعلنتها إسرائيل أمام حركة حمس مطالب تعجيزية؛ ما عجل بدخول غزة فصلً جديدًا من السياسة الإسرائيلية، بعدما ظنّ الفلسطينيون والإسرائيليون معًا أنّ إسرائيل انسحبت من غزة إلى غير رجعة. لم تكتف إسرائيل بسياسة الحصار لقطاع غزة، بل فتحت سجلًّ جديدًا من العمليات العدوانية بين عامي 2006 و 2014، تخلّلها سقوط آلاف الشهداء الفلسطينيين وعشرات آلاف الجرحى ودمار هائل في البنى التحتية للقطاع، وتثبيت للكارثة المتحققة التي يعانيها سكانه إلى اليوم. لقد كانت سيطرة حمس على غزة نافذة مهمة لها للتزود بالعتاد العسكري، وبناء قدراتها القتالية، في ظلّ غياب الرقابة الأمنية الرسمية للسلطة الفلسطينية، بالتزامن مع توافر الأنفاق التجارية التي ظهرت بين غزة وسيناء، واستفاد منها الجناح العسكري لحمس في الارتقاء بإمكانياته التسليحية؛ ما جعل منها تهديدًا جديًا للجبهة الجنوبية لإسرائيل، وبدأت إسرائيل تطلق على غزة اسم "حمستان". وشنّت إسرائيل بين عامي 2008 و 2014 ثلاث حملات عسكرية عدوانية كبيرة ضد قطاع غزة، إلى جانب جولات تصعيدية خاطفة جاء آخرها في أيار/ مايو 2019، وجاءت بأهداف متقاربة وعناوين متشابهة، يمكن تلخيصها في النقاط التالية: إبقاء حمس في حالة ضغط أمني وعسكري، وإشغالها بتوفير إجراءات الدفاع والحمية بدل التفكير بالخطط الهجومية ضد إسرائيل. تطبيق سياسة "جزّ العشب" المتعلقة بضرب أيّ قدرات عسكرية جديدة لحمس، وجعلها في حالة استنزاف لوجستي على مدار الوقت. الاستمرار في معاقبة الشعب الفلسطيني في غزة بسبب الحاضنة الشعبية التي يوفرها لحمس، وحالة الالتفاف الشعبي حول الحركة بلا تذمر أو احتجاج، رغم صعوبة الحال وقسوة الظروف.

أنشئت لجنة الرباعية الدولية في مدريد عامُ 2002 نتيجة تصاعد الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وبعد عامين من اندلاع انتفاضة الأقصى، بمشاركة كلٍّ من الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، والأمم المتحدة. وقدم مبعوثها الدبلوماسي البيروفي ألفارو دي سوتو في حزيران/ يونيو 2007 استقالته من مهمته، قائلً إنّ اللجنة الرباعية اكتفت بالتفرّج على موقف إسرائيل القائم على الرفض تجاه الفلسطينيين، وإنّ المقاطعة التي فرضها المجتمع الدولي على الفلسطينيين بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية افتقدت بُعد النظر، وكانت لها عواقب وخيمة على الشعب الفلسطيني. مصطلح "حماستان" من ابتكار الجنرال عاموس غلعاد الرئيس السابق للدائرة السياسية والأمنية بوزارة الحرب الإسرائيلية، أطلقه في 2007/5/20، بقوله إنّ حماس تريد تحويل قطاع غزة إلى "حماستان"، في إطار محاولة لزعزعة استقرار الأنظمة في الشرق الأوسط، على حد زعمه لتأليب الدول المجاورة. عدنان أبو عامر، الحرب الإسرائيلية الثالثة على غزة: الأسباب، اليوميات، النتائج (الرياض: دار البيان، 2014)، ص.37

محاولة تخفيض سقف حمس السياسي، ظنًا من إسرائيل أنّ استمرار الضربات العسكرية ضدها قد يدفعها إلى ذلك. محاولات إسرائيل تذكير المجتمع الدولي بأنّ وجود حمس في غزة هو نموذج مشابه لما هو عليه الحال مع باقي الجمعات الإسلامية التي يحاربها العالم، وترويج روايتها المزعومة بأنّ "حمس هي داعش، وداعش هي حمس". حققت إسرائيل بعضًا من أهدافها، وأخفقت في تحقيق أخرى، لكن النتيجة الإجملية لهذه الحروب أنها حولت غزة إلى حقل تجارب لأسلحتها القتالية، وإبقائها تحت الرادار الإسرائيلي، وجعلها في حالة استنزاف دائم، رغم الخسائر الكبيرة التي مُنيت بها إسرائيل في هذه الحروب، وظهور حمس قوةً عسكريةً يمكن أن توجعها، رغم الفارق الهائل في موازين القوى بين الجانبين، كمً ونوعًا. قبل اندلاع هذه الحروب، وخلالها، وبعدها، فرضت إسرائيل حصارًا اقتصاديًا معيشيًا مُحكمً على قطاع غزة منذ عام 2006، لحق جميع جوانبه الحياتية، وبات الفلسطينيون فيه يعيشون في ظروف لا توصف بأنها إنسانية، ولسان حال إسرائيل أنّ "غزة: لا تحيا ولا تموت"؛ حتى إنّ وزير حربها السابق أفيغدور ليبرمان أعلن أنّ السياسة الإسرائيلية في غزة تهدف إلى "إبقاء رؤوس الفلسطينيين فوق الماء، دون الغرق". وقد أسفر هذا الحصار الإسرائيلي لغزة، المدعوم محليًا عبر السلطة الفلسطينية، وإقليميًا عبر مصر، ودوليًا عبر الكثير من المؤسسات المالية والاقتصادية وبعض العواصم النافذة، عن تراجع مريع في معدلات الحياة والنمو، وازدياد مظاهر الفقر والمديونية، وتدهور في المؤشرات الصحية والغذائية، بهدف الضغط الإسرائيلي على الفلسطينيين في القطاع؛ لأنهم يشكلون حاضنة شعبية حامية لحمس، ومدافعة عنها. واليوم، وفي وقت تزداد وتيرة التصعيد الإسرائيلية ضد غزة، في ظلّ تعثر مسار التهدئة ومباحثاتها بين المقاومة وإسرائيل، يترقب الجانبان إمكانية اندلاع عدوان عسكري رابع على غزة، سيكون بالضرورة أشد قسوة من كل عدوانها السابق على القطاع، نظرًا إلى رغبة الجانبين في تحقيق نتائج متبادلة "بالجملة"، بدلً من جولات التصعيد المتقطعة التي تستنزفهم بصفة تدريجية، من دون أن يحقق أي طرف ما يصبو إليه من أهداف متناقضة.

نتنياهو، "حماس هي داعش وداعش هي حماس"، صحيفة إسرائيل اليوم (عبري)، 2014/8/24، شوهد في 2019/4/2، في: https://bit.ly/2Qdr9PL "ليبرمان يكشف ست استراتيجيات إسرائيلية تجاه غزة"، صحيفة مكور ريشون (عبري)، 2018/1/19، شوهد في 2019/4/12، في: https://bit.ly/2VDYnc9 المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، غزة.. مئة ألف ساعة من العزل (جنيف.)2017:

ثالثًا: قراءة يف الخيارات الاستشرافية الإسرائيلية نحو غزة

في الوقت الذي ما زالت فيه غزة تشكل جرحًا إسرائيليًا نازفًا، رغم كل الحروب العسكرية والحصار والضغوط الاقتصادية، فإنّ هذه المحاولات لم تؤت أكلها في إخضاع غزة، ولم تستطع أن تحقق الأهداف الإسرائيلية بتثبيت الهدوء على حدودها. وقد تفاقم النقاش الإسرائيلي تجاه غزة بعد اندلاع مسيرات العودة أواخر آذار/ مارس 2018، وحصول عشر موجات من التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد غزة، آخرها في أيار/ مايو 2019، وخشية الجانبين (الاحتلال والمقاومة) من تدهور الأوضاع إلى حربٍ رابعة، ما أفسح المجال لخروج تصريحات رسمية، وعقد ندوات حوارية، وصدور مقالات وأبحاث ودراسات تحاول تقديم توصيات لصانع القرار الإسرائيلي. وتبرز اليوم أمام دوائر صنع القرار في تل أبيب، السياسية منها والعسكرية والأمنية، جملة من الخيارات والبدائل المتوقعة تجاه غزة؛ لأنها باتت تشكّل معضلةً إسرائيلية ليس لها حل. ولا تجعل مراوحتها بين الاستنزاف الأمني والتصعيد العسكري الوضع فيها قابلً للاستقرار فترة طويلة من الزمن. ويمكن على نحوٍ عام الحديث عن الخيارات التالية، واستعراض سلبياتها وإيجابياتها، من وجهة النظر الإسرائيلية، في ضوء المكاسب والخسائر التي قد تعود على إسرائيل من هذا الخيار أو ذاك.

1. الخيار الأول: إعادة احتلال غزة

منذ انتهاء حرب غزة الأخيرة في عام 2014، وبعد انقضاء قرابة خمس سنوات على إعلان وقف إطلاق النار بين المقاومة والاحتلال، بدأت الحدود الشرقية لقطاع غزة تشهد مسيرات العودة، منذ أواخر آذار/ مارس 2018، يتخللها أحيانًا توتر أمني، يصل في بعض الأحيان إلى حدّ التهديد باندلاع حرب رابعة. ودأب القادة العسكريون والساسة الإسرائيليون في التصريح أكثر من مرة في الأشهر السابقة، وتحديدًا بعد بدء مسيرات العودة، أنّ الحرب القادمة في غزة، في حال اندلعت، ستكون الأخيرة؛ ما يعني أنها تشمل إعادة احتلال القطاع، وتجريد حمس من سلاحها، وإعادة الأمور لما كانت عليه قبل الانسحاب الإسرائيلي من القطاع في عام.2005 يعلم الإسرائيليون أكثر من سواهم أنّ إعادة احتلال القطاع ليس أمرًا هينًا، بل هي عملية دامية ومعركة ضارية ومواجهة ستخلف آلاف القتلى والجرحى من الجانبين، وليس هناك "بوليصة تأمين"

Nevo Brand, Pnina Shuker & David Siman-Tov, "The March of Return: Operative Achievement and Strategic Failure," Tel Aviv University, INSS Insight, no. 1063 (May 30, 2018), accessed on 21/5/2019, at: https://bit.ly/2WWfCXJ شلومو سامي ترجمان (القائد الأسبق للمنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي)، "الحياة على حافة الهاوية: إسرائيل وقطاع غزة"، تحليل السياسات، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 2018/6/27، شوهد في 2019/4/12، في: https://bit.ly/2HUrhQD

تضمن لإسرائيل أن تحقق أهدافها من هذا الخيار الأكثر صعوبة والأغلى تكلفة. ومع ذلك، فإنّ هذا الخيار الاستشرافي الإسرائيلي تجاه غزة ليس نسخةً واحدة غير قابلة للتفكيك، بل يشمل بدائل جانبية وسيناريوهات فرعية، على النحو التالي:

أ- الاحتلال الكامل

يعني الاحتلال الكامل من الناحية العسكرية أن تزجّ إسرائيل كامل جيشها وجزءًا كبيرًا من عتادها العسكري في قطاع غزة، لإعادة فرض السيطرة العسكرية العملياتية الميدانية عليه، من أقصاه إلى أقصاه؛ سيطرةً كاملة غير منقوصة، تمامًا كم كان عليه الحال قبل أيلول/ سبتمبر 2005، حين أقدمت إسرائيل على تنفيذ خطة الانفصال أحادي الجانب عن القطاع. ولا يتوقف هذا الخيار عند أبعاده العسكرية العملياتية فحسب، رغم أهميتها وخطورتها؛ ذلك أنّ آثاره السياسية وتبعاته الاقتصادية وعواقبه الأمنية لا تقل خطورةً وأهمية، ما يجعل دراسة هذا الخيار تستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين لدى دوائر صنع القرار الإسرائيلي. لذلك يجدر بنا تقديم قراءة عملياتية لاستعراض طبيعة هذا الخيار الميداني على الأرض، ومحاولة التعرف إلى أهدافه، ومعرفة دوافعه السياسية والعسكرية والأمنية، وما قد يعترضه من إشكالات وعقبات. ذلك أنه تتزايد في الأوساط العسكرية والسياسية الإسرائيلية، خاصة من جنرالات الجيش بصفوف الاحتياط ورموز اليمين، الدعوات المتكررة إلى ضرورة إيجاد حل جذري لما يسمونه "معضلة غزة"، المتمثلة في الترسانة الصاروخية والقدرات العسكرية والإمكانيات التسليحية المتطورة، القادرة على إصابة وسط إسرائيل بحالة كبيرة من الشلل التام، بصورةٍ تتضاعف عم كانت عليه في حرب عام 2014، حين أوقفت كبرى شركات الطيران العالمية رحلاتها إلى إسرائيل. يعتقد أصحاب هذه الدعوات "الاستئصالية" أنّ الحلول الجزئية المتمثلة بالحملات العسكرية "الموسمية" كلّ عدة أشهر وأعوام، لن تحلّ مشكلة غزة، بل تزيدها تعقيدًا ومراكمة، وتستفيد حمس منها في تطوير قدراتها العسكرية وخوض مناورات حية، وترفع من شعبيتها بين الفلسطينيين والعرب، بوصفها حركة مقاومة "أذلّت" إسرائيل، رغم التكلفة البشرية الباهظة التي يدفعها الفلسطينيون في غزة عند كل عدوان إسرائيلي. يرى الإسرائيليون المنظرون لهذا الخيار أنه وإن كلّف إسرائيل أثمانًا بشرية واقتصادية وعسكرية باهظة وثمينة، لمرة واحدة، فإنه يكافئ المكاسب التي ستجنيها من ذلك، ومنها:

كوبي ميخائيل وأودي ديكل، "تحدي حماس والخيار الأصوب لإسرائيل"، ترجمة مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية، 2014/7/7، شوهد في 2019/4/28، في: https://bit.ly/2wdGxSW

القضاء المبرم على حمس وباقي فصائل المقاومة؛ بحيث لا تبقي لها أثرًا من قوة عسكرية قد تشكل تهديدًا ليس لإسرائيل كاملة فحسب، بل للجبهة الجنوبية المسمة غلاف غزة. إرسال رسالة ردع للقوى المعادية لإسرائيل في المنطقة، كحزب الله في لبنان، وسورية، وإيران، تستعيد من خلالها صورتها الردعية التي تآكلت خلال الحروب الأخيرة على غزة بين 2008 و 2014، وحرب لبنان عام.2006 تكرار نموذج عملية "السور الواقي" عام 2002، التي مثّلت "انتصارًا" إسرائيليًا على المقاومة، من خلال اجتياح كامل للضفة الغربية، ودخولها بيتًا بيتًا، واستباحة مدنها وقراها ومخيمتها، بما شكل إلغاء مؤقتًا لاتفاق أوسلو الذي قسم مناطقها إلى "أ، ب، ج"، والاعتقاد الإسرائيلي الواسع أنه لولا هذه العملية لتواصلت العمليات التفجيرية الفلسطينية حتى الآن. "التكفير" عن خطيئة الانسحاب الإسرائيلي من غزة، والطي العملي لصفحة اتفاق أوسلو، وإعادة رسم السيطرة الإسرائيلية على جميع الأراضي الفلسطينية، تمهيدًا للحلّ السياسي الذي سيفرض على الفلسطينيين فرضًا، وليس تفاوضًا. لا يخفي أصحاب هذه الدعوات الإسرائيلية الدامية أنّ هذا الخيار الخطير يحمل مخاطر جمة، على مختلف الصُعد، وفي جميع المجالات: يصاب جميع الإسرائيليين بالفزع الشديد من أيّ ذكر أو حديث عن قتلى في معارك مع العدو خارج حدودهم، فكيف إذا دار الحديث عن تقديرات مفزعة، ترصد أعداد القتلى الإسرائيليين المتوقع سقوطهم بالمئات في أحياء غزة وشوارعها وأزقتها، في ظلّ ما تحوزه المقاومة من مقدرات تسليحية فتاكة، كفيلة بأن تجعل من غزة حقول ألغام قابلة للانفجار أمام أي دورية إسرائيلية أو قوة راجلة؟ ربما لا يقل الخوف والجزع الإسرائيليان في الحديث عن أسرى إسرائيليين محتملين في هذه المعارك الضارية عن الهواجس من الجنود القتلى؛ فإسرائيل الدولة، بأسرها، ما زالت تعيش آثار صفقة التبادل الأولى مع حمس عام 2011، وردود الفعل السلبية الداخلية على استمرار الحركة في أسر أربعة إسرائيليين منذ انتهاء حرب عام.2014 يدرك أصحاب هذه الدعوات أنّ إعادة احتلال قطاع غزة بالكامل يعني بالضرورة تحمل مسؤولية الأعباء المعيشية والاقتصادية والإدارية لمليوني فلسطيني هم سكان القطاع، بعد أن تحرّرت منه إسرائيل منذ قيام السلطة الفلسطينية عام 1994، وهو ما يواجه برفض شبه كامل من مختلف الأوساط السياسية والأمنية والاقتصادية في إسرائيل، في ظل الاحتياجات

إلياس حنا، "السور الواقي وخيارات إسرائيل العسكرية"، الجزيرة نت، 2004/3/24، شوهد في 2019/3/28، في: https://bit.ly/2Jx7oCo

اليومية التي يتطلبها سكان القطاع، وما قد يسفر عنه من عدم قدرة إسرائيلية على الوفاء بهذه الالتزامات. تعاني إسرائيل بصورة جدية ما تعتبره تشويهًا لصورتها على مستوى الرأي العام العالمي، من حيث اتهامها بارتكاب جرائم حرب، وشنّها الحروب على المدنيين الفلسطينيين، واقترابها من نموذج نظام الفصل العنصري السابق في جنوب أفريقيا، حتى إنّ اسمها بات مقترنًا في الكثير من الأدبيات العالمية بمفردة "الأبارتهايد"، وستكون إعادة احتلال القطاع هدية مجانية على طبق من ذهب لأعداء إسرائيل، الذين سيضيفون جرعة جديدة إلى قائمة اتهاماتهم لها. لا تضمن إسرائيل في حال أتمت مهمتها العسكرية بالقضاء على حمس أن تأتي السلطة الفلسطينية لاستلام مهمت الأمور الإدارية والمعيشية في القطاع، لعدم رغبتها في الظهور كم لو أتت على ظهر دبابة إسرائيلية؛ ما يعني تورطًا إسرائيليًا في القطاع حتى إشعار آخر، وهذا يعني عودة إلى الوراء عقودًا وسنوات طويلة.

ب- الاحتلال المؤقت، ثم الانسحاب

يحاول أصحاب هذا الخيار التخفيف من حدّة الخيار السابق الذي يكلف إسرائيل خسائر بشرية وأعباء مادية وانسدادًا سياسيًا؛ ما يجعلهم يهربون إلى خيار أقل تكلفة، وأخف وطأة، وأرخص ثمنًا، وهو الاحتلال المؤقت للقطاع، أو بعض أجزاء منه، ثم الانسحاب منه، متى ما تحققت الحاجة منه. صحيح أنّ هذا الخيار له قابلية أكثر، وحمسة أكبر، سواء عند الساسة أو العسكر في إسرائيل، لكن الأمور الميدانية قد تكون قابلة للتدحرج، والدخول في متاهة من العمليات العسكرية التدريجية؛ ما قد يورط إسرائيل في المحظور الذي تهرب منه. ويقتضي هذا النموذج من خيار الاحتلال المؤقت من إسرائيل القيام بتقطيع أوصال قطاع غزة، إلى عدة مناطق متفرقة، شملً ووسطًا وجنوبًا، وتبدأ بنشر قواتها العسكرية في داخل كل منطقة على حدة، بمنأى عن المنطقة الأخرى، من خلال منع التواصل الجغرافي والإمداد اللوجستي والدعم العسكري، وهي بذلك تعمل على تحييد باقي الكتائب والألوية والفرق التابعة لقوى المقاومة في المناطق التي لم تشهد بعد اجتياحًا إسرائيليًا. يمكن أن ينجح هذا الخيار بأقل قدر من الخسائر الإسرائيلية لو لم يتوافر عامل أساسي؛ إذ تعلم إسرائيل بوجود شبكة أنفاق للمقاومة مترابطة تحت الأرض، ويتحدث بعضهم عن غزة أخرى تحت الأرض، توصل شملها بوسطها، ووسطها بجنوبها، وربما شرقها بغربها، ما يعني ألا تكون الطريق

عمير ربابورت، "سبع ملاحظات أمام جولة القتال في غزة"، يسرائيل ديفينس، 2018/6/1، شوهد في 2019/4/9، في: https://bit.ly/2HeTxel (بالعبرية)

معبدة أمام الجيش الإسرائيلي ومركباته وحاملات جنده، في ظل استعدادات المقاومة، وجاهزيتها لهذا الخيار العسكري الإسرائيلي. لقد مثلت الأنفاق سلاحًا استراتيجيًا تحوزه المقاومة في غزة، كفيلً يضمن لها أن تكبد إسرائيل خسائر بشرية باهظة في جنودها بين قتلى وأسرى؛ ما يعني المزيد من تورطها في القطاع، ومن ثمّ العودة إلى الخيار الأول، وهو احتلاله بالكامل، الذي تحسب له ألف حساب. وتأخذ المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مخاوف هذا الخيار في الاعتبار، لكنها قد لا تعني مانعًا نهائيًا من دون أن تذهب في اتجاهه، رغم تبعاته وتكلفته الباهظة، إن تزامنت جملة من الاعتبارات الداخلية الإسرائيلية، أو الخارجية الفلسطينية والإقليمية.

2. الخيار الثاني: الانفصال الكامل

منذ أن قرّرت إسرائيل الانسحاب من غزة ضمن خطة الانفصال أحادي الجانب عام 2005، بقيت بعض الارتباطات القائمة مع القطاع، ولا سيم في القضايا الخدماتية والحياتية، كالمياه، والكهرباء، والبنى التحتية، والمعابر التجارية، والعلاج والطبابة، والتصدير والاستيراد، وغيرها. وقد شكّل هذا الإبقاء على ما يمكن وصفه بالحبل السري بين غزة وإسرائيل عدم إتمام لخطة الانفصال، فبدا شارون كم لو أخرج قواته من قلب غزة، وأبقاها على حدودها، وحين خرج آخر جندي من بوابة كيسوفيم وسط القطاع في اتجاه إسرائيل، لم يلق بالمفاتيح لأهل غزة، بل أبقاها بيديه، وربما كان ذلك لاعتبارات إسرائيلية، لإبقاء السيطرة على القطاع، وعدم منح الفلسطينيين الحرية الكاملة، والسيادة على مواردهم الطبيعية، ولذلك بقيت عملية الانسحاب منقوصة غير كاملة. وقد شهدت الأسابيع والأشهر الأخيرة نشر عدد من المشاريع الإسرائيلية والخطط التي تقدم بها بعض الوزراء والباحثين الإسرائيليين، وتدور معظمها في مسألة إتمام الانفصال عن القطاع، سواء من خلال إلحاقه بمصر، وهو الخيار الذي سنتناوله لاحقًا، أو من خلال إقامة جزيرة مائية على شواطئ غزة، أو لسان بحري يشبه الرصيف الذي يصل بين غزة وقبرص في قلب البحر المتوسط. وبغض النظر عن التفاصيل الدقيقة والفنية لهذه المشاريع، فإنها كانت تصطدم في العادة بالمعارضة الصارمة من طرفين:

عاموس يدلين وغلعاد شير، 12" عامًا على الانفصال عن غزة: مكاسب وإخفاقات"، نشرة مباط عال، معهد أبحاث الأمن القومي، تل أبيب، نشرته جريدة الأيامالفلسطينية في 2017/8/10، شوهد في 2019/4/23، في: https://bit.ly/2HHA1JE

ترى أجهزة الأمن الإسرائيلية، ولا سيم جهاز الأمن العام "الشاباك"، في هذه المشاريع أنبوب الأوكسجين الذي يعوض حمس عن شبكة الأنفاق التي دمرتها مصر على حدود رفح-سيناء، وأمدّت حمس بمختلف أنواع الأسلحة والقدرات العسكرية والإمكانيات التسليحية. ومن ثمّ، فإنّ حمس قد ترى في هذا الميناء أو الرصيف أو الجزيرة، من وجهة نظر "الشاباك" بديلً تعوض ما فقدته في السنوات الماضية من تهريب المعدات اللوجستية، من خلال داعميها الذين سيستغلون هذه المنافذ أيما استغلال. وترى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أنّه إذا كانت الأنفاق وفرت لحمس بعض القذائف والتقنيات العسكرية منحتها قدرة لبناء ترسانة صاروخية ومقدرات تسليحية يحسب لها حساب، فإنّ الميناء أو الرصيف البحري أو اللسان المائي، أيًا كان مسمه، ورغم الرقابة الإسرائيلية والدولية عليه، ستسعى حمس من خلاله لنقل المزيد من المعدات والوسائل المتطورة من بعض دول المنطقة. تخشى بعض الأوساط السياسية الإسرائيلية ذات التوجهات اليمينية أن تشكل غزة لاحقًا كيانًا سياسيًا مناهضًا لإسرائيل، يمتلك جميع أركان الدولة والكيان السياسي، وهذه المرة بموانئ بحرية إلى العالم الخارجي، رغم وجود رقابة أمنية صارمة على الداخل والخارج من غزة وإليها، ما يجعل إسرائيل محاطةً بمزيد من الكيانات المعادية لها، وتتربص بها، بجانب سورية ولبنان. وفي الوقت ذاته، ترى أوساط إسرائيلية أخرى أنّ منح غزة هذا المنفذ البحري نحو العالم الخارجي قد يمهد الطريق لتخلص إسرائيل من تحمل أعبائها المالية والإدارية والمعيشية، ويعمل على استكمل خطأ شارون في عدم إتمام خطة الانفصال عن غزة. صحيحٌ أنّ الموانع الأمنية قد تحول دون إبرام مثل هذه الحلول المتعلقة باستكمل الانفصال عن غزة، لكن هناك دوافع سياسية إسرائيلية تريد التمهيد لإقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة، بما يتمشى مع التوجهات السياسية الجارية للإدارة الأميركية فيم يسمى "صفقة القرن"، وتقوم بالأساس على أن منشأ الدولة الفلسطينية بصورة نهائية في غزة، وبعض ما يتبقى في الضفة الغربية، بعد استقطاع المستوطنات والطرق الالتفافية والتجمعات الاستيطانية. لكن هناك إجراءات وخطوات ذات طابع إداري لوجستي، تتقاطع مع قرارات سياسية محلية فلسطينية وإسرائيلية وإقليمية ودولية، قد لا تجعل الطريق الإسرائيلية معبدة في اتجاه تطبيق هذا الخيار، على النحو التالي:

"تفاصيل مذهلة حول مستقبل غزة ضمن صفقة القرن"، سما الإخبارية، 2018/6/24، شوهد في 2019/4/26، في: https://bit.ly/2JXhhZ9

الفلسطينيون ليسوا على قلب رجل واحد فيم يتعلق بمدى واقعية هذا الطرح، وهناك جملة من الهواجس والمخاوف الفلسطينية أن يكون هذا الحل ذو المدخل الإنساني المعيشي ذا دوافع سياسية، ذات طابع استراتيجي، تريد التخلص من حل الدولتين للشعبين. ولم تبق هذه الهواجس الفلسطينية حبيسة الصدور؛ فقد أعلنت فصائل فلسطينية رئيسة، تقودها حركة فتح، العمود الفقري للسلطة الفلسطينية، أنها ضد هذا الخيار؛ لأنه يعمل على تثبيت الانقسام الفلسطيني القائم عمليًا منذ عام 2007، ولذلك تريد هذه القوى التعامل مع الملف الفلسطيني عمومًا، وأزمة غزة خصوصًا، ضمن رزمة واحدة، بعيدًا عن تقسيم المقسم أو تجزئة المجزأ. وتشعر حمس أنّ أزمتها تتفاقم في القطاع في ظلّ فرض الحصار الإسرائيلي، وزيادة العقوبات التي أعلنتها السلطة الفلسطينية منذ عام 2017 لإجبار الحركة على تسليم القطاع، ما قد يجعلها تقبل بأي حلول مؤقتة، تحت يافطة الاحتياجات الإنسانية كم حصل في تفاهمتها مع إسرائيل في تشرين الأول/ أكتوبر 2018 بوساطة مصر وقطر والأمم المتحدة، كي تمنحها طوق النجاة للحيلولة دون انفجار الأوضاع في غزة، من غير أن يعني أنها متساوقة مع المقاصد الإسرائيلية النهائية. الإقليم العربي وتحديدًا مصر، معنيٌّ أكثر من سواه بعدم إخلاء مسؤولية إسرائيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويصرّ أن تبقى إسرائيل المسؤولة عن توفير احتياجات الفلسطينيين في القطاع ومتطلباتهم، أو على الأقل تمكين السلطة الفلسطينية من العودة إلى غزة، بأي طريقة كانت، وتخشى أن تكون لإسرائيل نيات مستقبلية متعلقة بتوريطها في غزة، كم سيأتي الحديث لاحقًا. المجتمع الدولي وإن كان يتفهم الأزمة الإنسانية المتفاقمة في القطاع، ويبذل جهودًا مضنية للحد من انفجار الوضع المعيشي، سواء من خلال دول محددة أو منظمت دولية إغاثية، فإنه لا يبدي تشجعًا كبيرًا أو تحمسًا مرتفع الوتيرة في اتجاه هذا الحل الإسرائيلي بالانفصال النهائي عن القطاع، من دون أن يكون للأمر ترتيبات سياسية معينة. فم زال المجتمع الدولي، باستثناء الولايات المتحدة الأميركية، يبدي اقتناعًا كاملً بحلّ الدولتين للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي؛ ما يجعله مصرًا على الإبقاء على ربط قطاع غزة بالضفة الغربية، بحيث يشكلان معًا، ومعًا فقط، النطاق الجغرافي للدولة الفلسطينية القادمة، ويجعل الأسرة الدولية (الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، وروسيا، والدول العربية، وباقي مسميات المنظمت الدولية) غير متشجعة لهذه الحلول الانفرادية الخاصة بغزة، رغم تفهمها للمأساة الإنسانية الحاصلة في القطاع. وتبقى الولايات المتحدة وحيدة، وربما مع إسرائيل، متحمسة لإيجاد حلول مؤقتة ذات بعد إنساني لأزمة غزة المعيشية، قد تضمن أبعادًا سياسية، بالتزامن مع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفرضه جملة قرارات وخطوات تحرق سنوات ضوئية من الصراع، على أنها عابرة، وليست دائمة، مع

أن هذه السياسة عملت، وما زالت تعمل، على طي ملفات كبيرة من هذا الصراع، كالقدس واللاجئين والضفة الغربية، وقد لا يتبقى ما يمكن أن يتفاوض عليه الجانبان، الفلسطيني والإسرائيلي، في مرحلة ما بعد ترامب؛ فالتاريخ لا يعود إلى الوراء.

3. الخيار الثالث: إلحاق غزة بمصر

في غمرة البحث الإسرائيلي عن الحلول السياسية والخيارات المعيشية والبدائل الاستراتيجية والسيناريوهات الأكثر ترجيحًا لمستقبل الوضع في قطاع غزة، وحين تتم المفاضلة بين هذه الحلول والخيارات والسيناريوهات، تأخذ إسرائيل في الاعتبار أقلها تكلفة وأخفها ضررًا وأكثرها فائدة. ولم يغب خيار إعادة الوصاية المصرية على قطاع غزة عن إسرائيل منذ تنفيذ خطة الانفصال أحادي الجانب، بصفتها إحدى الجهات التي من المتوقع أن تستلم مفاتيح القطاع، ولا سيم بعد إحكام حمس سيطرتها عليه أواسط عام 2007، وإعلان إسرائيل أنّ القطاع بات كيانًا معاديًا لا تتعامل معه؛ ما ولد الفكرة بأن تكون مصر في الواجهة، وتتعامل مع حمس مباشرة. واليوم، بعد انسداد أفق المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحمس من جهة، ووصول الأمور في مباحثات التهدئة بين حمس وإسرائيل إلى طريق متعثر من جهة ثانية، وتزايد الأحاديث الإسرائيلية عن إمكان تنفيذ عملية عسكرية كبيرة في القطاع تؤدي إلى القضاء على حمس، وإسقاطها نهائيًا، من جهة ثالثة، خرجت في إسرائيل فكرة إعادة قطاع غزة إلى الإدارة المصرية من جديد. قد لا يكون التوجه الإسرائيلي يقضي بالضرورة العودة إلى ما قبل عام 1967، من حيث السيطرة المحكمة عسكريًا وأمنيًا وإداريًا للسلطات المصرية على قطاع غزة، لأمور مهمة: تغير الظروف الأمنية والأوضاع الميدانية في قطاع غزة عم كان عليه الوضع قبل خمسين عامًا؛ فلم تعد غزة هي ذاتها، لا سكانًا ولا منظمت ولا قدرات، بل طرأت تغيرات جوهرية وكبيرة على صعيد البنية السكانية والديموغرافية والتنظيمية والعسكرية. تقدر إسرائيل جيدًا أنّ إمكانية تطويع الإرادة الفلسطينية في غزة للسياسة المصرية ليست ميسرة إلى هذا الحد، سواء بسبب الخلافات الفكرية والأيديولوجية بين حمس المسيطرة على غزة والسلطات المصرية في القاهرة، أو في ظلّ التباين الشاسع في المواقف السياسية بينهم، فمصر وإسرائيل تريان في بعضهم صديقين، وربما حليفين، في حين أنّ علاقة القاهرة بحمس اضطرارية وليست طوعية، بحكم دكتاتورية الجغرافيا، والمصالح الأمنية المؤقتة، وكذلك

عاموس غلعاد، "لا لاحتلال غزة، يجب إضعاف حماس"، إسرائيل اليوم (عبري)، 2018/5/31، شوهد في 2019/4/18، في: https://bit.ly/2QhsIfB

فإن ما يربط حمس بإسرائيل لا يتسم إلا بالعداء والمواجهة. وقد لا يقدم هذا التوصيف حل سحريًا للمعضلة الأمنية الإسرائيلية تجاه غزة، لأنّ العلاقة القائمة بين حمس ومصر تشهد حالة من التذبذب وعدم الاستقرار، وتخضع عادة لاعتبارات ومعايير مصرية أكثر من كونها فلسطينية؛ الأمر الذي يجعل حمس في حالة ريبة وتشكك من أي تفاهمت مصرية - إسرائيلية تخص غزة. الدافعية المصرية للعودة لقطاع غزة تقترب من الصفر؛ فالمصريون، وهذا بعلم قطاعات واسعة من الإسرائيليين، ليسوا متحمسين كثيرًا للعودة بالأمور عقودًا طويلة إلى الخلف، وليسوا معنيين كثيرًا بالعودة إلى الوراء حين كانوا مسيطرين على قطاع غزة في المرحلة التي سبقت اندلاع حرب عام 1967، لأنّ مصر ترى في غزة عبئًا اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا، ولا تريد إضافة أحمل إلى أحملها المثقلة بالأساس. تدرك إسرائيل توافر رغبة مصرية في حل مشكلة غزة المتفاقمة، خشية من أن تلقي بظلالها السلبية على الحدود المجاورة لها. ورغم الرغبتين المصرية والإسرائيلية، فلا يبدو أنهم استطاعتا تجاوز الموقف الحاد الصارم للسلطة الفلسطينية الرافض لإجراء أي تحسينات في غزة عبر تجاوزها، والقفز عنها، من خلال توقيع اتفاقيات ثنائية بين حمس وإسرائيل برعاية مصرية أو أممية؛ الأمر الذي وجد ترجمته في محاولة إحباط وعرقلة جهود التوصل لتهدئة أمنية في عامي 2018 و.2019 رغم حالة الضعف المحيطة بالسلطة الفلسطينية، سياسيًا وماليًا، لكنها كم يبدو تملك أوراق قوة تلوح بها أمام إسرائيل، يقف على رأسها التنسيق الأمني بين أجهزة أمن الجانبين. وقد لوحت أكثر من مرة بإمكانية وقف هذا التنسيق، رغم صعوبة ذلك، لكن الإسرائيليين يعتقدون أنّ استمرار تنسيقهم الأمني وعلاقتهم القائمة مع السلطة الفلسطينية، بعيدًا عن حالة الجمود السياسي أبقى لهم وأكثر جدوى من إنجاز تسوية مع حمس، قد تشمل موافقة على إشراف مصري على القطاع، بعيدًا عن التوافق مع السلطة الفلسطينية. لا يثق الإسرائيليون بسواهم عند حفظ أمنهم، حتى لو كانت هناك علاقات أمنية وثيقة مع المصريين؛ لأنّ الشواهد على هذه الخروقات كثيرة، كم هو الحال في سيناء والحدود الجنوبية لإسرائيل، وظهور تهديدات تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية. صحيح أنّ هناك تنسيقًا أمنيًا وتعاونًا عملياتيًا عالي الوتيرة بين القاهرة وتل أبيب، لكن الأخيرة لم تكتف بذلك، ونفذت بنفسها عمليات قصف جوي في قلب سيناء، على مرأى ومسمع من القوات المصرية، وربما بعلم مسبق منها. واليوم الوضع الأمني في غزة أكثر خطورة وحساسية، سواء بسبب امتلاك حمس قدرات عسكرية أكثر مم هو متوافر للجمعات المسلحة في سيناء، أو بسبب عدم وجود مسافة

جغرافية واسعة بين غزة والمستوطنات الجنوبية؛ ما يجعل خطرها أكثر وتكلفتها أغلى، أو في ظل التعقيدات السياسية الحاصلة في المشهد الفلسطيني. وربما يعيد التفكير الإسرائيلي مجدّدًا في الحديث عن إلقاء غزة في الحضن المصري، ما أفصح عنه عدد من الجنرالات الإسرائيليين خلال وعقب تنفيذ خطة الانفصال عن غزة في عام 2005، حين كان يتم تسويق هذه الخطة من خلال تحميل مصر مسؤولية الإشراف على شؤون غزة. صحيح أنّ الفكرة آنذاك لم تجد رواجًا في الأوساط الفلسطينية والإسرائيلية لأسباب عديدة، ذاتية وموضوعية، لكن تطورات السنوات والأشهر الأخيرة في القطاع أخرجت هذه الخطة من أدراج المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. يعتقد الإسرائيليون أنّ هذا الخيار الخاص بإعادة غزة للإدارة المصرية دوافعه اقتصادية ومعيشية بالدرجة الأولى؛ وفي ضوء ذلك بدأت تخرج التصريحات الدولية التي تتحدث عن إقامة مشاريع اقتصادية واستثمرية خاصة لسكان قطاع غزة، شرط أن يكون مقرها في سيناء المصرية، وهو ما يعني نقل مفاتيح السجن الغزي هذه المرة، من السجان الإسرائيلي إلى المصري، مع منح الأخير حوافز مالية هائلة، تجعله أكثر تقبلً لاستيعاب المسألة الغزية تحت شعار المساهمة في حل الأزمة الإنسانية. وقد شهدنا في الآونة الأخيرة موافقة إسرائيلية لافتة على تزويد مصر لغزة بالبضائع التموينية والاحتياجات المعيشية من خلال معبر رفح الخاص بحركة الأفراد، والطريق الجانبي له، بعيدًا عن معبر كرم أبو سالم الرئيس؛ وهو ما در على موازنة الحكومة في غزة، التي تديرها حمس، أموالً جديدة، وأعطى مؤشرًا إيجابيًا على إمكانية تطوير هذه الفكرة لتصبح العلاقات التجارية المصرية الفلسطينية في غزة مباشرة، من دون وسيط إسرائيلي.

4. الخيار الرابع: عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة

ابتداءً، جاء ترحيل هذا الخيار إلى الترتيب الأخير؛ كون التوجه الإسرائيلي يقضي بإبقاء الانقسام الفلسطيني حقيقة قائمة إلى إشعار آخر، وهي مستفيدة من هذه الحالة غير السوية في الساحة الفلسطينية، وبذلت، وما زالت تبذل، جهودًا كبيرة سياسية وأمنية واقتصادية من أجل ترسيخ هذا الانقسام بين الفلسطينيين، سياسيًا بين حمس وفتح، وجغرافيًا بين الضفة الغربية وقطاع غزة، واجتمعيًا بين سكان المنطقتين. يعتقد الإسرائيليون أنّ الخيار المتمثل بإعادة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة يعتبر آخر الخيارات الإسرائيلية؛ لأن ذلك يعني وضع حد لحالة التدهور في المشهد السياسي الفلسطيني، بعكس الرغبة الإسرائيلية، لكن هذا الخيار تحول دون تطبيقه العديد من التحديات والعقبات.

"وزراء إسرائيليون يعارضون عودة عباس إلى غزة"، موقع روسيا اليوم، 2018/8/14، شوهد في 2019/5/2، في: https://bit.ly/30BglzR

ولا يبدو أنّ هذا الخيار عليه إجمع إسرائيلي، على النحو التالي: التوجه السائد في الحكومة الإسرائيلية التي تم تشكيلها بعد انتخابات نيسان/ أبريل 2019، وأفرزت ائتلافًا يمينيًا متطرفًا يدعو إلى تأبيد الانقسام الفلسطيني، ويؤيد إبقاء الوضع القائم في غزة على حاله. وهناك أغلبية وزارية لا تطالب بعودة السلطة الفلسطينية للقطاع، بل إنها مستعدة لإجراء مفاوضات غير مباشرة مع حمس، التي تناصبها العداء، وتعلن عن رغبتها في القضاء عليها، في وقت تستمر القطيعة السياسية مع السلطة الفلسطينية، التي تعلن استعدادها للعودة للمفاوضات معها، على الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية. هناك توجه أشدّ يمينيةً في الحكومة الإسرائيلية، وإن كان لا يمثل أغلبية، يرى أنّ بقاء السلطة الفلسطينية حتى في الضفة الغربية، خطأ يجب تصحيحه، فكيف والحال بطلب إعادتها إلى غزة. ويدعو هذا التوجه إلى التخلص منها نهائيًا، والعودة بالأمور لما كانت عليه قبل توقيع اتفاق أوسلو، وإنشاء السلطة الفلسطينية، أي إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، من خلال نموذج الحكم الذاتي وروابط القرى. لعل من الأصوات الإسرائيلية القليلة المطالبة بعودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع تلك الموجودة في المعارضة الإسرائيلية، حزبا العمل وأزرق - أبيض وميرتس وبعض النخب الإعلامية والبحثية، لكنها ليست ذات تأثير في المشهد السياسي ودوائر صنع القرار. تبدو السلطة الفلسطينية أشدّ الأطراف رغبة في العودة للسيطرة على غزة، على الأقل من الناحية السياسية، لاستعادة زمام المبادرة من حمس، والمحافظة على الوحدة الجغرافية للكيان السياسي، وترسيخ صورتها بوضعية الممثل الشرعي والوحيد لكل الشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده؛ حيث دأبت إسرائيل على تذكير السلطة بأنها لا تمثل سكان غزة، لأنها لا تسيطر هناك. ترى إسرائيل أنّ عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة لن تكون قرارًا تلقائيًا فوريًا، بقدر ما يكون الأمر متوقفًا على اعتبارات تخص الجانبين الأساسيين، حمس وإسرائيل، في ظل حالة الضعف التي تحيط بالسلطة. حمس من جهتها ليست في وارد الترحيب التلقائي والفوري بعودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع، وهو ما تعلمه إسرائيل وتدركه؛ لأنّ الحركة أقامت لنفسها بنية عسكرية وترسانة تسليحية كبيرة، بينم تعلن السلطة الفلسطينية صباح مساء، تصريحًا وليس تلميحًا، أنها بصدد وضع يدها على كل سلاح غير سلاحها الرسمي، ما قد يكبح جمح أي خطة سياسية متفق عليها للعودة إلى غزة.

المفارقة اللافتة أنه بينم تواصل السلطة الفلسطينية إعلان اشتراطها أي عودة لها إلى غزة بوجود سلاح واحد، يعني إلغاء أي سلاح آخر، فإنّ إسرائيل لم تعد تتحدث عن نزع سلاح حمس كليًا وباقي الفصائل، وتراجع المطلب الإسرائيلي ليكون وقف تزود هذه الفصائل بالأسلحة الثقيلة، وعدم تطوير قدراتها العسكرية، بعد قناعتها العملياتية أنّ هذا شرط تعجيزي لن يؤدي في النهاية إلى تحقيق تسوية في القطاع، رغم أنه أصبح طلبًا موافقًا عليه دوليًا عقب الحرب الإسرائيلية الأولى على غزة.2009-2008

خاتمة

تشكل هذه القراءة الاستشرافية للخيارات الإسرائيلية تجاه قطاع غزة حصيلة للنقاشات التي شهدتها دوائر صنع القرار ومراكز البحث ومخازن التفكير في إسرائيل خلال السنوات السابقة، وتحديدًا منذ الانسحاب الإسرائيلي من القطاع عام 2005، وحتى كتابة هذه الورقة. ولا يعني ما سبق أنّ هذه الخيارات الاستشرافية الإسرائيلية للتعامل مع التحدي الذي تمثله غزة هي الوحيدة والحصرية، التي ليس لها بدائل أخرى، فقد تكون هناك أفكار أخرى خارج الصندوق، كم يقولون، لكن الواضح أنّ السيناريوهات التي انشغلت بها هذه الدراسة تشكل عصارة التفكير الإسرائيلي طوال الأعوام الماضية، ولكل منها كم رأينا إيجابيات وسلبيات، فرص ومخاطر. من الأهمية القصوى تأكيد أنّ هذه البدائل الإسرائيلية، وإن اختلفت بمسمياتها وبعض تفصيلاتها، فإنها تعبّ بصدق عن حجم الأزمة الإسرائيلية المتمثلة في عدم وجود حل سريع وغير مكلف لأزمة غزة. صحيح أنّ غزة لا تكاد ترى بالعين الإسرائيلية المجردة، بالنظر إلى باقي التهديدات الأمنية الوشيكة بإسرائيل، لكن قوتها كم يقولون في ضعفها، ولعل اقتراب المسافات الجغرافية بين غزة وإسرائيل من النقطة صفر، يجعلها على تماس يومي بالتطورات والأحداث الإسرائيلية، مؤثرة ومتأثرة. ومع ذلك، فربما لا تمتلك إسرائيل، بمستوييها السياسي والعسكري، خيارًا مرجحًا مئة في المئة لحل المعضلة القائمة في غزة، رغم ما تبذله عقولها وأدمغتها في العثور على أفضل الحلول، وإن شئت، أقلها تكلفة، وأخفها ضررًا. مع العلم أنّ السياسة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة، وتحديدًا اليمين الذي يقوده رئيس الحكومة الحالي بنيامين نتنياهو، باتت "تقدّس" الأمر الواقع، وتفضل إدارة الأزمة مع الفلسطينيين، ولا سيم في غزة، من دون الذهاب إلى وضع الحلول المتفق عليها معهم موضع التنفيذ، رغبةً من إسرائيل في عدم دفع استحقاقات هذه الحلول.

كل ذلك يجعل الخيارات الاستشرافية الواردة في متن هذه الدراسة ذات فرص متقاربة بالتحقق أو الإخفاق، ويبقى الميدان القائم بين الجانبين على حدود غزة هو الذي قد يرجح خيارًا على آخر؛ بالنظر إلى التطورات الأمنية التي قد تسفر عن الاحتكاكات القائمة بين حمس وإسرائيل.

المراجع

العربية

أبو عامر، عدنان. الحرب الإسرائيلية الثالثة على غزة: الأسباب، اليوميات، النتائج. الرياض: دار البيان،.2014 ترجمن، شلومو سامي (القائد الأسبق للمنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي). "الحياة على حافة الهاوية: إسرائيل وقطاع غزة". تحليل السياسات. معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى. 2018/6/27:. في https://bit.ly/2HUrhQD المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان. غزة... مئة ألف ساعة من العزل. جنيف.2017: ميخائيل، كوبي وديكل أودي. "تحدي حمس والخيار الأصوب لإسرائيل". ترجمة مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية. 2014/7/7https://bit.ly/2JKqG7j:. في

الأجنبية

Nevo, Brand. Pnina, Shuker & David Siman-Tov. "The March of Return: Operative Achievement and Strategic Failure." Tel Aviv University. INSS Insight.

References

no. 1063. 30/5/2018. at: https://bit.ly/2WWfCXJ