Return to Article Details Demographic Shifts in the Arab Countries and Trends of Migration to Europe

التحولات الديموغرافية في البلاد العربية واتجاهات الهجرة إلى أوروبا

Demographic Shifts in the Arab Countries and Trends of Migration to Europe

محمد الخشاني

الملخّص

تشهد المنطقة العربية أحد أسرع معدلات نمو السكان في العالم؛ إذ تضاعفت ساكنتها ثلاث مرات خلال العقود الخمسة السابقة، على نحوٍ أسرع بكثير من المتوسط العالمي للنمو السكاني. ونظرًا إلى ضغط ضعف البنى الاقتصادية وعجز هذه الدول عن إيجاد الفرص الكافية لتوظيف قدرات العمل، تدفع هذه الطفرة السكانية الشباب العربي إلى الهجرة واللجوء، بالأساس في اتجاه بلدان الاتحاد الأوروبي التي تعاني عجزًا ديموغرافيًا حادًا. تبحث هذه الدراسة في الترابط بين الضغوطات السكانية في المنطقة العربية والتدفقات الهجرية إلى أوروبا، وتتناول بالدرس والتحليل آفاقها في ظل تناقضات السياسة الأوروبية في مجال الهجرة.

Abstract

ملخص:  تشهد المنطقة العربية أحد أسرع معدلات نمو السكان في العالم؛ إذ تضاعفت ساكنتها ثلاث مرات خلال العقود الخمسة السابقة، على نحوٍ أسرع بكثير من المتوسط العالمي للنمو السكاني. ونظرًا إلى ضغط ضعف البنى الاقتصادية وعجز هذه الدول عن إيجاد فرص كافية لتوظيف قدرات العمل، تدفع هذه الطفرة السكانية الشباب العربي إلى الهجرة واللجوء، وبخاصة في اتجاه بلدان الاتحاد الأوروبي التي تعاني عجزًا ديموغرافيًا حادًا. تبحث هذه الدراسة في الترابط بين الضغوطات السكانية في المنطقة العربية وتدفقات الهجرة إلى أوروبا، وتتناول بالدرس والتحليل آفاقها في ظل تناقضات السياسة الأوروبية في مجال الهجرة. كلمت مفتاحية:  الديموغرافيا العربية، الخصوبة، الهجرة، الاتحاد الأوروبي، سوق العمل. Abstract: The Arab region is experiencing one of the fastest rates of population growth in the world, much faster than the global average of population growth. Its population has tripled over the past five decades. Weak economic structures and the inability of these countries to create adequate work opportunities is pushing Arab youth to migrate and seek asylum, mainly towards European Union countries that suffer from severe demographic deficits. This study examines the interrelationship between population pressures in the Arab region and migration flows to Europe and analyzes prospects considering the contradictions in European policy in the field of migration.

الكلمات المفتاحية:
  • الديموغرافيا العربية
  • الخصوبة
  • الهجرة
  • الاتحاد الأوروبي
  • سوق العمل
Keywords:
  • Arab Demography
  • Fertility
  • Immigration
  • European Union
  • Labor Market

مقدمة

يؤكد تاريخ البشرية قاعدةً مفادها أن الإنسان منذ وجوده على هذه البسيطة يتنقل بحثًا عن ظروف عيش أفضل. ولعل هذا ما يزكي في النهاية الفكرة التي تقول "كلنا مهاجرون وإن الفرق هو وقت الوصول". ويؤكد فرنان بروديل (1985 - 1902)، رائد مدرسة الحوليات لعلم التاريخ، أنّ منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط كانت دومًا "حوضًا للحركية"1. وهي منطقة تقليدية للنزاعات، ولكن للتبادلات والاختلاط بين الأعراق والثقافات، أيضًا. فقد شكلت الفتوحات الفينيقية واليونانية والرومانية والبيزنطية والعربية والتركية، على سبيل المثال لا الحصر، هذه الخلطات على التوالي، وتميزت بختمها تزاوج العنصر البشري في المنطقة. بيد أنه إذا كانت الشعوب الأميركية تعترف بأنّ الهجرة جزء أساسي في تكوّنها ومرجع رئيس في تاريخها، فإنّ المواقف تظل مغايرةً في القارة العجوز (أوروبا)؛ ففي فرنسا، على سبيل المثال، وهي من أهم الدول المستقبلة للهجرة في أوروبا، هناك الكثير من الأشخاص من أصول مهاجرة، إذ إنّ واحدًا من كل أربعة فرنسيين له سلف أجنبي؛ "ولكن هذا التاريخ لا يُحكى"2. ومن بين هؤلاء الفرنسيين من أصول مهاجرة، هناك الكثير من أصول عربية؛ بيد أنهم لا يعتبرون ذلك من صميم تاريخهم، وإن كانت الفتوحات العربية وصلت إلى قلب فرنسا، بل تكونت في فترات محدودة إمارات عربية في الجنوب الفرنسي. وفي إسبانيا، تكاد كتب التاريخ والثقافة الشعبية، على نحوٍ عام، تتجاهل إلى حدٍّ ما الوجود العربي ما يقارب ثمانية قرون، على الرغم من الإرث الذي تركته الحضارة الأندلسية في هذا البلد3. وفي إيطاليا، لا يكاد يشار إلى الوجود العربي في جزيرة صقلية مدة ما ينيف على أربعة قرون وما تركه هذا الوجود في الثقافة المحلية. وقد أخذ الحضور العربي في أوروبا بُعدًا آخر في العقد الثاني من القرن العشرين والعقود الأولى من القرن الحالي، وكان من أسبابه الرئيسة العجز الحاصل في أسواق الشغل الذي يعود سببه إلى التراجع الديموغرافي الناتج من حروب الهيمنة ابتداءً من الحروب النابوليونية لسنوات 1803 - 1815 التي أدت إلى وفاة أكثر من مليون فرنسي؛ يضاف إلى ذلك خسائر الحرب العالمية الأولى لسنوات 1914 - 1918، التي أدّت إلى نحو 10 ملايين قتيل في أوروبا، والحرب العالمية الثانية التي قتلت ما يزيد على 60 مليون شخص ما بين جنود ومدنيين. أمام هذا العجز الديموغرافي الذي أصبح يتفاقم بفعل تراجع معدلات الخصوبة، اعتبر الكثير من المسؤولين الأوروبيين الهجرة طرفًا رئيسًا في المعادلة من أجل مواجهة هذا الواقع، وتلبية

  1. فكرة بلورها الكاتب في كثير من مؤلفاته، منها: Fernand Braudel, La Méditerranée: l'espace et l'histoire (Paris: Flammarion, 1985); Fernand Braudel, La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philippe II, 5 ème  édition, vol. 2 (Paris: Éd. Armand Colin, 1982).
  2. Entretien avec Catherine Wihtol de Wenden," in: Pascal Boniface, Les intellectuels intègres (Paris: Jean-Claude Gawsewitch Éditeur, 2013), p. 361.
  3. Mohamed Khachani, "Commentaire de l'ouvrage 'Islam y mundo arabe: Guia didactica para profesores y formadores'," Sous la direction du professeure Gema Martin Munoz, Libération, no. 2294 (23 Juillet 1998).

متطلبات سوق العمل من أجل الحفاظ على وتيرة التنمية. ولأسباب تاريخية وجغرافية وديموغرافية، تشكل الدول العربية مصدرًا رئيسًا لتدفقات الهجرة في اتجاه البلدان الأوروبية.

أولً: التحولات الديموغرافية يف البلاد العربية حاضرًا ومستقبلً

تعرف المنطقة العربية أحد أسرع معدلات نمو السكان في العالم. فقد ازداد مجموع السكان في المنطقة أكثر من ثلاثة أضعاف؛ حيث انتقل من 123.5 مليونًا في عام 1970 (3.3 في المئة من مجموع سكان العالم)، الٕى ما يزيد على 284 مليونًا عام 2000 (4.6 في المئة من مجموع سكان العالم)، إلٕى نحو 400 مليون في عام 2017، وهو ما يمثل نحو 5.5 في المئة من سكان العالم4. وقد واكب هذا الازدياد الكبير في حجم السكان في المنطقة العربية تباطؤ في المعدل السنوي للنمو السكاني، منتقلً من 2.82 في المئة في الفترة 1970 -2000، الٕى 2.28 في المئة في الفترة 2000 -2015. وظلّ هذا النمو اسٔرع من المتوسط العالمي: 1.7 في المئة في الفترة 2000 -1970، و 1.23 في المئة في الفترة 2000 -2015. ومن المنتظر بحسب المعطيات المتوقعة للفترة 2015 -2050  أن تستمر هذه الاتجاهات الديموغرافية. فبحلول عام 2030، سيتجاوز عدد سكان المنطقة 520.7 مليونًا، ويصل الٕى 676.4 مليونًا بحلول عام 2050. وسيحدث هذا النمو بنسبة تقارب 1.52  في المئة سنويًا، أي بوتيرة أبطا من معدل النمو السكاني في الفترة 1970 -2015، واسٔرع من المتوسط العالمي الذي يتوقع أن يبلغ 0.8  في المئة. ونتيجةً لذلك، من المرتقب أن تبلغ نسبة سكان المنطقة من مجموع سكان العالم 6.9 في المئة بحلول عام 20506. وسيعرف هذا النمو السكاني معدلات متفاوتة بحسب البلدان. ويعزى هذا التباين الٕى اختلاف ظروف التنمية الاجتمعية والاقتصادية، وانعدام الاستقرار والنزاعات المسلحة والهجرة الدولية واللجوء. وسينجم عن ذلك فرق كبير بين البلدان في حجم السكان؛ فبحلول عام 2050، ستبقى مصر أكبر بلد عربي من حيث عدد السكان في المنطقة (153.4 مليونًا)، يليها العراق (81.5 مليونًا)، والسودان (80.4 مليونًا)، والجزائر (57.4 مليونًا) واليمن (48.3 مليونًا)7. إنّ المؤشر الرئيس الذي يفسر هذا التطور الديموغرافي هو معدل الخصوبة الذي يقيس عدد المواليد الأحياء المتوقع للمرأة خلال حياتها الإنجابية. وقد سجلت في المنطقة العربية مستويات مرتفعة

  1. اعتمدنا فيما يخص المعطيات الديموغرافية أساسًا على: اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا/ الإسكوا، تقرير السكان والتنمية العدد الثامن: الشيخوخة بكرامة في المنطقة العربية، رمز الوثيقة: 3/E/ESCWA/SDD/2017 (نيويورك: الأمم المتحدة،.)2018 5 المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه. الجدول (1) تطور معدلات الخصوبة في المنطقة العربية 1970 - 2050 المصدر: حسابات الإسكوا، تقرير السكان والتنمية العدد الثامن: الشيخوخة بكرامة في المنطقة العربية، رمز الوثيقة: E/ESCWA/SDD/2017/3 (نيويورك: الأمم المتحدة، 2018)، بالاستناد إلى: United Nations/DESA, Population Division, World Population Prospects: The 2017 Revision (New York: United Nations, 2017).

للخصوبة في الماضي، لكنها في انخفاض مطرد منذ الثمنينيات في جميع البلدان ما عدا الصومال. وسنركز في الجدول (1) أساسًا على الدول المصدرة للهجرة واللجوء إلى دول الاتحاد الأوروبي، مخضعين ذلك لمقارنات بالعالم والدول المرتفعة الدخل والمنخفضة الدخل.

205020302020201520102000199019801970المنطقة
2.22.42.52.52.52.73.23.74.7العالم
1.81.81.71.71.71.71.82.02.5الدول المرتفعة
الدخل
3.03.84.44.85.25.96.36.66.6الدول المنخفضة
الدخل
2.42.83.23.43.53.95.26.36.9المنطقة العربية
1.92.12.42.52.62.84.15.76.6المغرب
1.92.02.12.22.12.23.55.26.7تونس
2.02.22.52.82.82.64.76.77.6الجزائر
1.92.42.73.03.24.15.37.07.6سورية
1.71.71.71.71.62.23.04.04.9لبنان
2.32.73.13.33.23.34.65.66.2مصر
3.03.77.34.44.64.95.96.64.1العراق

تظل معدلات الخصوبة مرتفعةً في جزر القمر والسودان والصومال والعراق ودولة فلسطين وموريتانيا واليمن، حيث فاقت 4 أطفال لكل امرأة في عام 2015. في حين تعرف دول أخرى معدلات خصوبة دون مستوى الإحلال خلال العقود القادمة؛ وسيكون هذا هو حال دول المغرب والجزائر وتونس، وكذا لبنان. في ضوء هذه المعطيات، سيعرف العالم العربي معدلات نمو سكاني في انخفاض مطرد، ولكن سيظل هذا المعدل أعلى من المعدل المتوقع على مستوى العالم، وسيفوق أكثر المعدلات المرتقبة في الدول الأكثر نموًا، ومنها الدول الأوروبية، كم نلاحظ في الجدول.)2(

2050 - 20402040 - 20302030 - 20202020 - 20152015 - 20102010 - 20002000 - 19901990 - 19801980 - 1970السنوات
1.211.431.731.952.242.302.373.013.07المنطقة العربية
0.590.750.931.091.191.251.431.801.88العالم
000.060.160.260.290.370.370.560.72الدول الأكثر نموًا

تختلف النسب حول هذه المعدلات بحسب البلدان. فإذا أخذنا الفترة الحالية 2015 -2020، فإننا نلاحظ أنّ أكثر نسبة سجلت انخفاضًا هي تلك المسجلة في سورية بسبب الحرب (0.20 في المئة)، يليها لبنان (0.57 في المئة)، ثم تونس (1.09 في المئة)، فالمغرب (1.27 في المئة). ومن الدول المصدرة للهجرة التي تسجل معدلات مرتفعة، نجد الصومال (2.98 في المئة)، والعراق (2.82 في المئة)، وفلسطين (2.68 في المئة)، والسودان (2.41 في المئة). في ضوء هذه المعطيات، سيتطور حجم السكان في المنطقة العربية على النحو الذي يوضحه الجدول.)3(

2050204020302020201520102000199019801970السنوات
9,7718239,210,3378,5511997,795,4827,3830096,9181696,1540075,3309434,4584123,700578العالم
676,350599,984520,776438,899398,546356,765284,133224,858167,199123,523المنطقة العربية
6.96.56.15.65.45.14.64.23.83.3نسبة الساكنة
العربية من
سكان العالم
(في المئة)

سواء بالنظر إلى مستوى الوتيرة أو إلى زيادة حجم السكان، تسجّل المنطقة العربية تصاعدًا بيّنًا في حجم السكان، بحيث إنها تمثل 5.6 في المئة من سكان العالم في عام 2020 بعد أن كانت هذه النسبة لا تتعدى 3.3 في المئة عام 1970. ومن المنتظر، كم أسلفنا، بحسب إسقاطات الأمم المتحدة، أن تصل هذه النسبة إلى 6.9 في المئة في أفق عام.2050

بيد أنّ هذه الطفرة السكانية، عوض أن توظ ف في تنمية البلاد العربية، فإنها تدفع بالشباب، تحت ضغط عدة أسباب منها أساسًا ضعف البنى الاقتصادية، وعجز هذه الدول عن إيجاد فرص كافية لتوظيف قدرات العمل، إلى الهجرة واللجوء. فافتقار هذه البنى إلى التنويع الاقتصادي، وغياب الإصلاحات الهيكلية للاقتصاديات في هذه الدول، وعدم فاعلية سياسات سوق العمل، عوامل تحول دون تحقيق تقدم في معظم البلدان، في حين يفتقر القطاع الخاص إلى المؤهلات التي تمكنه من ريادة قاطرة التنمية. ففي المنطقة، لا تزال الزراعة تشكل القطاع الرئيس في الكثير من الدول العربية، وهو قطاع يفتقر الٕى سياسات فاعلة لتنشيطه وزيادة إنتاجيته، مع أنه من القطاعات التي تستوعب أعدادًا كبيرة من القوى العاملة. وقد شهدت المنطقة، تبعًا لذلك، معدلات مرتفعة للبطالة بلغت بحسب معطيات المكتب الدولي للشغل 10.3 في المئة عام 20168، وهو أعلى معدل في العالم، ويربو كثيرًا عن المتوسط العالمي (5.9 في المئة). وتتوزع البطالة على نحوٍ غير متساوٍ بحسب النوع الاجتمعي والفئات العمرية؛ إذ بلغ إجملي معدل البطالة بين النساء 18.9 في المئة عام 2017، مقابل 7.6 في المئة للرجال. كم سجلت بطالة الشباب في المنطقة المعدل الأعلى في العام نفسه، حيث بلغت 26.1 في المئة، أي أكثر من ضعف المتوسط العالمي البالغ 12.6  في المئة. وهنا أيضًا تشكّل الشابات الفئة الأكثر عرضة للبطالة، إذ بلغ معدل البطالة في صفوفهن 39.3 في المئة عام 2017، مقابل 22.3 في المئة للشبان؛ وهو ما يشرح التطور الذي عرفته الهجرة النسوية خاصة في بعض الدول العربية مثل المغرب. إضافةً إلى هذا، تشير التقديرات في العديد من البلدان الٕى أنّ80 في المئة من الشباب يعملون في القطاع غير النظامي؛ إذ إنهم يتركّزون في أعمل متدنية النوعية قليلة الإنتاجية مقابل دخل غير منتظم وغير آمن ولا يستفيدون من الضمن الاجتمعي. وهذا الواقع يعيشه الكثير من الشباب العرب الذين يصنفون ضمن من تجري تسميتهم "الفقراء العاملون" (poor Working)، والذين يعتبرون الهجرة وسيلةً لتحسين أوضاعهم الاقتصادية.

ثانيًا: واقع الهجرات العربية واتجاهاتها

1. واقع واقع للهجرات العربية وبلدان المقصد

يصعب تحديد حجم الهجرات العربية نظرًا إلى وجود حالات متباينة للمهاجرين (مزدوجو الجنسية، وغير المسجلين في المراكز القنصلية، والمهاجرون غير النظاميين)، مع اختلاف بيّ في إحصائيات الدول المستقبلة والدول

  1. المرجع نفسه، ص.106 الجدول (4) تدفقات الهجرة من الدول العربية في اتجاه دول الاتحاد الأوروبي: 2004 - 0172 (بالآلاف) المصدر: من إنجاز الباحث اعتمادًا على بيانات دول الاتحاد الأوروبي الواردة في تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: OCDE, Perspectives des migrations internationales 2016 (Paris: OCDE, 2016); OCDE, Perspectives des migrations internationales 2019 (Paris: OCDE, 2019), at: https://bit.ly/34teGQK

الموفدة9. ففيم يخص تدفقات الهجرة من الدول العربية في اتجاه دول الاتحاد الأوروبي، توفر لنا المعطيات التي تنشرها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تقييمً تقريبيًا لهذه التدفقات في الفترة 2004 -.2017

2010200920082007200620052004
149.5164.4191.7187.2184.5180.5192.8
2017201620152014201320122011
306.4476.8550.6238.5167.2141.2137.3

تبرز هذه الأرقام بجلاء أهمية هذه التدفقات التي عرفت في السنوات الأخيرة نموًا متميزًا، خاصة في ظل الاضطرابات السياسية والاجتمعية التي تشهدها الكثير من الدول العربية. كم يضاف إلى ذلك مؤشر آخر، هو وجود ثلاث دول عربية من بين أهم العشرين دولة المصدرة للهجرة في العالم، هي: سورية، ب 6.9 ملايين مهاجر، وتأتي في الرتبة 6، وفلسطين، ب 3.8 ملايين مهاجر، وتأتي في الرتبة 16، ومصر ب 3.4 ملايين مهاجر، وتأتي في الرتبة 1910، علمً أنّ المصادر الرسمية المغربية تقدّر عدد المهاجرين المغاربة بحوالى 5 ملايين مهاجر مع الأخذ في الاعتبار المجنسين والهجرة غير النظامية، بحيث يمثل هذا العدد أكثر من 14 في المئة من سكان البلاد11؛ وهذا يزكي ما قلناه سابقًا حول اختلاف المعطيات الرقمية بحسب المصادر. على مستوى الحجم، يقدّر عدد المهاجرين من البلدان العربية عام 2017 ب 23,125,900 مهاجرًا، بعد أن كان يصل إلى 21,974,881 شخصًا عام 2013، وهو ما يناهز ضعف العدد المسجل عام 1990، أي 12,091.398 مهاجرًا. ويتوزع المهاجرون العرب على مختلف القارات كم يلي في الجدول.)5(

  1. يعتبر مشكل التحديد الكمي لحجم الهجرة على العموم من أشد الإكراهات التي تواجه الباحثين في مجال الديموغرافيا والهجرة، وتظل الإحصائيات المتوافرة في الغالب مجرد تقديرات تقريبية.
  2. United Nations/Department of Economic and Social Affairs, International Migration Report 2017 (New York: United Nations, 2017), p. 13.
  3. Mohamed Khachani, La question migratoire au Maroc (Rabat: Publications de l'Association Marocaine d'Études et de Recherches sur les Migrations, 2019), p. 30. الجدول (5) مناطق المقصد للمهاجرين واللاجئين من المنطقة العربية عام 2017 المصدر: الإسكوا والمنظمة الدولية للهجرة، تقرير حالة الهجرة الدولية لعام 019:2 الاتفاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية في سياق المنطقة العربية (نيويورك: الأمم المتحدة، 2020)، ص 49، 55، شوهد في 2020/10/6، في: https://bit.ly/34IxB9h
)%(النسبةاملجموعالبلدان
األفريقية غري
العربية
أوقيانوسياأمريكا الشاملية
والالتينية
البلدان
اآلسيوية غري
العربية
أوروبااملنطقة العربية
24.25,599,38330,43011,025367,722235,0384,838,542116,626عدد المهاجرين
واللاجئين من
المغرب العربي
75.817,526,51723,662442,8461,036,4963,525,5581,310,72311,187,232عدد المهاجرين
واللاجئين من
المشرق العربي
100.0023,125,90054,092453,8711,404,2183,760,5966,149,261511,303,858المجموع
100.00100.000.021.966.0716.2626.5948.87النسبة)%(

يتوزع هؤلاء المهاجرون عام 2017 على 48.87 في المئة في المنطقة العربية، وتأتي أوروبا في المرتبة الثانية ب 26.59 في المئة، بينم يتوزع ما تبقى بين 16.26 في المئة في البلدان الآسيوية غير العربية، و 6.07 في المئة في أميركا الشملية واللاتينية، و 1.96 في المئة في أوقيانوسيا ونسبة ضئيلة 0.02 في المئة في البلدان الأفريقية غير العربية. وإذا اعتبرنا أهم الدول العربية المصدرة للهجرة، فنجد تباينًا بين دول المغرب العربي والمشرق العربي. ففيم يخص المشرق العربي، يبلغ عدد المهاجرين 17,526,517 عام 2017، وهو ما يمثل 75.8 في المئة من حجم الهجرة العربية يتركزون أساسًا في المنطقة العربية بنسبة 64 في المئة، ولا تتعدى أوروبا نسبة 7.5 في المئة من هذا التوزيع. لكن الرغبة في الهجرة إلى أوروبا في ازدياد مطرد؛ إذ أصبحت القارة العجوز الوجهة المفضلة لبعض دول المشرق العربي في ظلّ الأزمات التي تجتاح المنطقة وفي ظل السياسات التقنينية التي تفرضها دول الخليج على الهجرة إليها من الدول العربية. ويتوزع باقي المهاجرين من المشرق العربي بين 20 في المئة في البلدان الآسيوية غير العربية، و 6 في المئة في القارة الأميركية وبنسب قليلة بين أوقيانوسيا والبلدان الأفريقية غير العربية12. وفيم يخص المغرب العربي، وصل عدد المهاجرين عام 2017 إلى أكثر من 5.6 ملايين شخص، أي نحو 24  في المئة من جميع المهاجرين واللاجئين من المنطقة العربية. ويأتي المغرب في طليعة بلدان المنشا

  1. الإسكوا والمنظمة الدولية للهجرة، تقرير حالة الهجرة الدولية لعام 019:2 الاتفاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية في سياق المنطقة العربية (نيويورك: الأمم المتحدة، 2020)، ص 48، شوهد في 2020/10/6، في: https://bit.ly/34IxB9h الجدول (6) بلدان المقصد الرئيسة للمهاجرين واللاجئين من المغرب العربي عام 2017 بلدان المقصد فرنسا إسبانيا إيطاليا عدد المهاجرين واللاجئين 2,789,853 المصدر: المرجع نفسه.

في المنطقة؛ إذ يقدر عدد المهاجرين منه نحو 2.9 مليون مهاجر، تليه الجزائر ب 1.8 مليون مهاجر، ثم تونس بما يزيد على 750,000 مهاجر؛ في حين بلغ عدد المهاجرين واللاجئين من ليبيا 155,000 شخص. أما موريتانيا، فيقدر عدد المهاجرين منها ب 116,000 شخص13. وقد بلغت نسبة المهاجرين واللاجئين من المغرب العربي 5.9 في المئة من مجموع سكان هذه المنطقة عام 2017، وارتفعت هذه النسبة مقارنةً بعام 1990 حيث كانت تبلغ 4.8 في المئة. وسجلت ليبيا أدنى نسبة من المواطنين المقيمين في الخارج مقارنة بمجموع المواطنين القاطنين في البلد ب 1.7 في المئة عام 1990، و 2.5 في المئة في عام 2017. وفي المقابل، سجّل المغرب أعلى نسبة من المواطنين المقيمين في الخارج، راوحت بين 6.4 في المئة في عام 1990، و 8.1 في المئة في عام 201714. ويظل هذا التقدير بالنسبة إلى المغرب دون التقديرات المحلية التي تعتبر حجم الهجرة المغربية إلى الخارج حاليًا بحوالى 5 ملايين شخص، أي ما يعادل نحو 14 في المئة من سكان البلد. ويتوزع المهاجرون في المنطقة العربية وفقًا للتقديرات السابقة بين 57.3 في المئة من الذكور و 42.7 في المئة من الإناث؛ وهي نسبة أدنى من متوسط نسبة هجرة النساء في العالم، التي تصل إلى 48 في المئة15. أما فيم يخص بلدان المقصد، فقد كانت أوروبا عام 2017، منطقة المقصد البارزة؛ إذ استضافت أكثر من 86 في المئة من المهاجرين واللاجئين من المغرب العربي. ولأسباب تاريخية وثقافية وجغرافية، تظل بعض الدول الأوروبية المقصد الرئيس للدول المغاربية. ويبرز الجدول (6) أهم بلدان المقصد الأوروبية بالنسبة إلى بلدان المغرب العربي16.

يبرز الجدول (6) أنّ فرنسا وحدها استضافت عام 2017 حوالى 50 في المئة من المهاجرين من المغرب العربي. وقد أصبحت إسبانيا وإيطاليا خلال العقود الأخيرة من الوجهات المفضلة كذلك.

  1. المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه. الولايات المتحدة دول عربية بلدان أخرى الأميركية

وعلى مستوى الجنس الاجتمعي، بلغت نسبة النساء ضمن المهاجرين المغاربيين 45.8 في المئة، بما يفوق 2.5 مليون امرأة. وقد كان المغرب بلد المنشأ للعدد الأكبر من المهاجرات (1,350,929)، تليه الجزائر (816,509)، وتونس (330,806)، وليبيا.)73,593(وتظل أوروبا المقصد الثالث للدول العربية الأقل نموًا، والتي يصنف ضمنها كل من موريتانيا والسودان والصومال وجيبوتي وجزر القمر واليمن، إذ يبلغ عدد الوافدين من هذه البلدان 439,400 مهاجر ولاجئ. وتُعدّ المنطقة العربية المقصد الأول لمهاجري هذه البلدان (2,368,937 شخصًا)، وتأتي بعدها الدول الأفريقية غير العربية (2,276,908 أشخاص)17. معلوم أنه في ظل الظروف السياسية الراهنة، تظلّ تدفقات الهجرة بشكلٍ كبير بطرق غير قانونية وعبر المسارات الثلاثة المعروفة: مسار شرق متوسطي عبر تركيا في اتجاه اليونان، ومسار الوسط متوسطي عبر ليبيا وتونس في اتجاه الجزر الإيطالية، ومسار غرب متوسطي عبر المغرب في اتجاه إسبانيا. ويتغير عدد المهاجرين الذين يمرون عبر هذه المسارات اعتبارًا للسياق السياسي الإقليمي وتدابير الرقابة التي تتخذها سلطات البلدان المعنية. وقد ارتفعت هذه التدفقات نحو أوروبا من 215,770 في عام 2014 إلى 1,015,848 في عام 2015، لتنخفض إلى 363,048 في عام 2016، و 171,191 في عام 2017، ثم 117,000 في عام 2018. وهكذا، بعد ذروة عام 2015، التي شهدت مغادرة المهاجرين واللاجئين، ولا سيم السوريين والعراقيين إلى اليونان فأوروبا، انخفض هذا العدد بعد توقيع الاتفاقية بين تركيا والاتحاد الأوروبي في 18 آذار/ مارس 2016. وتهدف هذه الاتفاقية إلى الحدّ من الهجرة إلى أوروبا عبر تركيا، مم أدى إلى تحول تدفقات الهجرة من المسار الشرقي الٕى المسار الأوسط الذي كان يفضل استخدامه في عامي 2016 و 2017، وصولًالٕى المسار الغربي الذي زاد استخدامه في عام 2018. وبين عامي 2017 و 2018، انخفض عبور المسار الأوسط بنسبة 80 في المئة، وارتفع عبور المسار الشرقي بنسبة 10 في المئة، وتزايد عبور المسار الغربي باكثر من الضعف بزيادة نسبتهأ 158 في المئة. وقد كان معظم المهاجرين واللاجئين الذين عبروا البحر الأبيض المتوسط في عام 2018 من البلدان العربية (44 في المئة)، يليهم المهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء (42 في المئة). ومن بين بلدان المنشأ العشرة الأولى للوافدين برًّا وبحرًا عبر البحر الأبيض المتوسط في عام 2018، نجد خمس دول عربية، وهي: المغرب (11 في المئة)، وسورية (9 في المئة)، والعراق (7 في المئة)، والجزائر (6 في المئة)، وتونس (5 في المئة). ومن بين جميع المهاجرين واللاجئين الذين عبروا البحر الأبيض المتوسط في عام 2018، كان 64 في المئة من الذكور البالغين، و 15 في المئة من الإناث البالغات، و 21 في المئة من القاصرين18.

  1. المرجع نفسه، ص.63
  2. المرجع نفسه، ص.47-46

في هذه الظروف، تبدو الهجرة كظاهرة مجتمعية بارزة في البلدان العربية، وتحت ضغط الأسباب الدافعة والجاذبة يبقى حلم الكثير من الشباب العرب الهجرة إلى الخارج.

2. الهجرة العربية الاحتملية: الرغبة في الهجرة

أجرت مؤسسة غالوب، في الفترة 2015 - 2017، استطلاعَ رأي عالميًا عن الهجرة في 152 دولة، وذلك استنادًا إلى مقابلات مباشرة أو عبر الهاتف مع 453,122 شخصًا بالغًا. وقد أفاد هذا الاستطلاع بأنّ قرابة نصف البالغين في 17 دولة في العالم عبّوا عن رغبتهم في الهجرة. ومن بين هذه الدول سورية. وأغلب هذه الدول في أفريقيا وأميركا الجنوبية والكاريبي. وقد بلغت نسبة السوريين البالغين الذين يسعون للهجرة إذا سنحت لهم الفرصة 46 في المئة19. وحلّت منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا في المرتبة الثالثة من بين مناطق العالم التي سجلت أعلى نسبٍ من حيث البالغين الراغبين في الهجرة، وذلك بعد منطقة أفريقيا جنوب الصحراء وأميركا الجنوبية والكاريبي؛ إذ صرح ربع البالغين في المنطقة العربية (24 في المئة) بأنهم يريدون الهجرة. وقد تنامت هذه النسبة بعد أن كانت في حدود 22 في المئة في الفترة 2013 - 2016، و 19 في المئة في الفترة 2010 - 201220.

ومن المنتظر أن يزداد معدل النزوح إلى الهجرة بسبب الأزمات الاقتصادية التي تعانيها المنطقة العربية إثر انتشار جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-)؛ خاصةً أنّ المنطقة يتزايد فيها معدل الفقر المدقع الذي أصبح خطره يحدق بفئات كثيرة من الشباب والعاطلين عن العمل، والعاملين في القطاع غير النظامي. وبسبب هذا الوباء، من المنتظر أن ينضم 14.3 مليون شخص الٕى صفوف الفقراء في المنطقة؛ مم سيرفع عددهم الإجملي الٕى 115 مليون نسمة. إضافةً إلى ذلك، ينتظر على المستوى الاقتصادي الكلّ أن ينخفض الناتج المحلي الإجملي للمنطقة العربية بنحو 152 مليار دولار، نتيجةً لانكمش في النمو نسبته 5.7 في المئة، توقعته الدراسات بين عامي 2019 و 202021.

وتزكّ هذه الرغبة في النزوح الدراسات الميدانية التي أجريت في بعض الدول العربية، كتلك التي أجراها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتمعية في تونس22، والبحث الذي أجراه المركز القومي

  1. Neli Esipova, Anita Pugliese & Julie Ray, "More Than 750 Million Worldwide Would Migrate If They Could," Galup News, 10/12/2018, accessed on 6/10/2020, at: https://bit.ly/30EVgWH تزامن إجراء الاستطلاع مع فترة طغت فيها أزمة اللجوء في القارة الأوروبية؛ إذ تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين وطالبي اللجوء إلى البحر الأبيض المتوسط أملً في بلوغ الأراضي الأوروبية.
  2. بناء على عدة مصادر إلكترونية، من بينها: "هجرة الشباب العربي.. قراءة في استطلاعات الرأي"، عالم الآراء، شوهد في 2020/10/5، ف:ي https://bit.ly/30DcpA5
  3. الأمم المتحدة، "كوفيد 19- والمنطقة العربية: فرصة لإعادة البناء على نحو أفضل"، 2020/7/23، ص 8، 14، شوهد في 2020/10/5، ف:ي https://bit.ly/36z99cF
  4. المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الشباب والهجرة غير النظامية في تونس: دراسة ميدانية للتمثلات الاجتماعية والممارسات والانتظارات (تونس: المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية،.)2016

للبحوث الاجتمعية والجنائية في مصر23، أو ذاك الذي أجرته الجمعية المغربية للدراسات والأبحاث حول الهجرة في المغرب24، أو الدراسة التي أجرتها المندوبية السامية للتخطيط حول "الهجرة الدولية في المغرب 2018 - 2019"، والتي كان من أبرز نتائجها أن 23.3 في المئة من المستجيبين عبّوا عن رغبتهم في الهجرة. وتظل الرغبة في الهجرة، وفقًا لهذا البحث، أشد إلحاحًا بين الشباب الذين تراوح أعمرهم بين 15 و 29 عامًا (40.3 في المئة)، بينم لا يتجاوز المعدل 10.3 في المئة بالنسبة إلى الذين تراوح أعمرهم بين 45 و 59 عامًا. فيم يخص الوجهة، تظلّ دول الاتحاد الأوروبي الوجهة الرئيسة التي يفكر هؤلاء المهاجرون الاحتمليون في الذهاب إليها بنسبة تفوق 81 في المئة. ومهم كان المستوى الدراسي أو الوضع المهني، فإنّ الوجهات المفضلة تظل الدول الثلاث: فرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا25. ولم تعد هذه الأفضلية حكرًا على دول المغرب العربي، بل أصبحت أيضًا اختيارًا لشباب المشرق العربي بعد الأزمات السياسية التي أصبحت تعيشها هذه البلدان. ولعل اختيار الاتحاد الأوروبي بوصفه وجهةً مفضلة له أسباب موضوعية؛ فحركة العملة في البلاد العربية تظلّ أسيرةً للتقلبات السياسية بين هذه الدول، والتي كانت لها أحيانًا توابع مدمرة على مصالح المهاجرين؛ كم حدث عند طرد المهاجرين المغاربة من الجزائر، أو طرد المصريين والتونسيين من ليبيا، أو اليمنيين من المملكة العربية السعودية، أو الفلسطينيين من الكويت. إضافةً إلى هذا، يظلّ الاتجاه السائد في دول الخليج هو انخفاض نسبة المهاجرين العرب وتعويضهم باليد العاملة المحلية أو الآسيوية الأقلّ تكلفة. فطبقًا للبيانات التي جمعها أندريه كابيسفيركي، انخفضت نسبة "الوافدين" العرب من السكان في مجموع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست من 72 في المئة عام 1975 إلى 25 - 29 في المئة عام 200226؛ وقد تقوّى هذا الاتجاه بعد حرب الخليج. في غياب زوال أسباب الهجرة في هذه البلدان، يطرح هذا الواقع مشكل المتنفّس الجديد الذي يمكن أن يعوض دول الخليج والدول العربية الأخرى كمجالٍ لاستقبال الشباب العرب الراغبين في الهجرة. وهنا تبرز بعض الدول الأوروبية وجهات متميزة مثل اليونان في شرق المتوسط، وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا في غربه، إضافةً إلى التدفقات المهمة التي تعرفها ألمانيا بالنسبة إلى اللاجئين السوريين، وكذا بعض الدول الإسكندنافية مثل السويد.

  1. بحث الهجرة غير الشرعية للشباب في المجتمع المصري: ملخص تنفيذي"، إشراف نسرين البغدادي، المجلس القومي لحقوق الإنسان والمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية،.2016
  2. محمد الخشاني، "هجرة الشباب العرب إلى دول الاتحاد الأوروبي: قراءة نقدية في السياسة الأوروبية للهجرة"، في: مجموعة مؤلفين، لماذا يهاجر الشباب العربي؟ بحوث في إشكاليات الهجرة والمستقبل، تحرير وتقديم مراد دياني (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 143 -.171
  3. Haut-Commissariat au Plan, La migration internationale au Maroc: Résultats de l'enquête nationale sur la migration internationale 2018 - 2019 (Rabat: HCP, 2020), p. 121.
  4. أندريه كابيسفيركي، "هجرة العمل العربية إلى دول مجلس التعاون الخليجي"، ورقة مقدمة في المؤتمر الإقليمي عن الهجرة العربية في ظل العولمة، القاهرة، 2 - 4 أیلول/ سبتمبر.2003

تطرح تدفقات الهجرة العربية نحو أوروبا أسئلة كبرى، لا سيم بالنظر إلى تأثيراتها في الوضع الديموغرافي وسوق العمل في الدول الأوروبية المستقبلة، وبالنظر أيضًا إلى اتجاهاتها المستقبلية في ظلّ تزايد قوى اليمين المتطرف ومعاداة المهاجرين.

ثالثًا: العجز الديموغرافي يف بلدان الاتحاد الأوروبي وإشكالية الهجرة العربية إليها

1. مساهمة الهجرة في تقليص العجز الديموغرافي في دول الاتحاد الأوروبي

سنحاول توضيح مدى مساهمة الهجرة في مواجهة احتملات العجز الديموغرافي في البلدان الأوروبية التي تعاني تزايد شيخوخة تركيبتها السكانية. بداية، يجب التذكير أنّ الصراعين العالميين الأول والثاني قد تسبّبا في خللٍ وظيفي ديموغرافي لم يخفّف من حدته إلا تدفق المهاجرين الوافدين من مختلف أنحاء العالم، بما فيها العالم العربي. ويظل تقهقر معدل الخصوبة من أسباب تفاقم العجز السكاني والعجز الكبير في العملة الذي ستواجهه القارة الأوروبية في السنوات القادمة. انخفض معدل الخصوبة الإجملي، في دول الاتحاد الأوروبي، الذي كان لا يتعدى 1.57 في عام 1990، إلى 1.46 في عام 1996؛ وظل عند هذا المستوى في عام 1998، مع ارتفاعٍ طفيف في عام 2002، وفي عام 2010 (1.61)، وانخفاض عام 2013 (1.55)، ثم ارتفاع طفيف عام 2017 (1.60). وقد انخفض مؤشر الخصوبة هذا إلى مستويات أدنى في دول جنوب أوروبا وشرقها. ففي إيطاليا، انتقل هذا المعدل من 2.43 عام 1970 إلى 1.29 عام 2018. وفي اليونان، انخفض هذا المعدل خلال الفترة نفسها من 2.40 إلى 1.35. وفي إسبانيا، انخفض من 2.88 إلى 1.26، وبعض البلدان في أوروبا الشرقية التي تعاني معدلات منخفضة مثل بولندا (1.46)، ورومانيا (1.76)، وسلوفينيا (1.64)، وسلوفاكيا (1.54)، وصربيا (1.43)27. هذه المعدلات هي من بين أدنى المعدلات في العالم، ومن ثم لا تسمح بتجديد الأجيال المحدد عند مستوى 2.1 طفل لكل امرأة28. على مستوى الاتحاد الأوروبي، سجل عام 2015، 5.1 ملايين ولادة، بينم توفي 5.2 ملايين شخص؛ مم يعني أن الاتحاد الأوروبي شهد تغيرًا طبيعيًا سلبيًا في عدد سكانه أول مرة. يتوافق التغيير الديموغرافي (الإيجابي) المتبقي بشكل أساسي مع مساهمة صافي الهجرة. وفي بداية كانون الثاني/ يناير 2019، قُدر عدد سكان

  1. United Nations, Department of Economic and Social Affairs, Population Division, World Population Prospects 2019, vol. II: Demographic Profiles (New York: United Nations, 2019).
  2. لتعويض الزوجين عند وفاتهما. أما 0.1 الباقية، فهي لتعويض بعض الأضرار مثل الولادات غير الحية.

الاتحاد الأوروبي بنحو 513.5 مليون نسمة، مقارنة ب 512.4 مليون في بداية كانون الثاني/ يناير 2018. وقد أصبح 448 مليون نسمة بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. وتعتبر ألمانيا الدولة الأكثر اكتظاظًا حيث بلغ عدد سكانها في بداية كانون الثاني/ يناير 2020، 83.2 مليون نسمة وهو ما يمثل 18.6 في المئة من إجملي سكان الاتحاد الأوروبي، تليها فرنسا ب 67 مليون نسمة، بنسبة 15.0 في المئة، فإيطاليا ب 60.2 مليون (بنسبة 13.5 في المئة)، ثم إسبانيا 47.3 مليون (بنسبة 10.6 في المئة) فبولندا ب 38.0 مليون، (أي 8.5 في المئة). وفي ما تبقى من دول الاتحاد، في أربع عشرة دولة عضوًا يوجد ما بين 1 و 5 في المئة من إجملي سكان الاتحاد الأوروبي، في حين أنّ ثماني دول لديها حصة أقل من 1 في المئة29. ولا بد من التذكير أنّ التغيير الطبيعي في سكان الاتحاد الأوروبي بقي سلبيًا، حيث سجلت الوفيات أكثر من الولادات المسجلة عام 2018 (5.3 ملايين حالة وفاة مقابل 5.0 ملايين حالة ولادة)، وفي عام 2019 (4.7 ملايين حالة وفاة مقابل 4.2 ملايين حالة ولادة)؛ وهذا يعني أنّ الاختلاف الديموغرافي الإيجابي يرجع إلى مساهمة صافي الهجرة30. يبيّ الجدول (7) أن في عام 2019، سجلت إحدى عشرة دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي تغيرًا طبيعيًا إيجابيًا وسجلت خمس عشرة دولة عضوًا تغيرًا طبيعيًا سلبيًا. هذه الدول التي فاق فيها عدد الوفيات عدد المواليد هي: بلغاريا (6.7- في المئة)، تليها لاتفيا (4.7- في المئة)، وليتوانيا واليونان وكرواتيا (3.9- في المئة لكل منها)، والمجر ورومانيا (3.8- في المئة لكل منهم)، وإيطاليا (3.6- في المئة)، والبرتغال (2.5- في المئة)، وألمانيا (1.9- في المئة)، وفنلندا (1.5- في المئة)، ولاتفيا وإسبانيا (1.2- في المئة)، وإستونيا (1.0- في المئة)، وبولندا (0.9- في المئة)، وسلوفينيا (0.6- في المئة)، إضافة إلى جمهورية التشيك التي حققت تقريبًا نوعًا من التوازن بين الولادات والوفيات31. كم نلاحظ، لن تكون بلدان أوروبا الشرقية التي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي، بسبب شيخوخة سكانها، قادرةً على تعويض العجز الديموغرافي وفي مجال سوق العمل لبلدان الاتحاد. وستحتاج هذه الدول نفسها إلى القوى العاملة لتلبية احتياجاتها. ومن المتوقع أن تزداد هذه الاحتياجات مع تحسن اقتصاداتها وإعادة هيكلتها في إطار برامج الإعانات الأوروبية. كم أنّ بعض هذه البلدان (بولندا والمجر والجمهورية التشيكية وسلوفاكيا وإستونيا وسلوفينيا) أصبح صافي هجرتها إيجابيًا، وتحولت إلى بلدان مضيفة للهجرة تأتيها اليد العاملة مم كان سابقًا يسمى اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، وكذا من الدول الآسيوية. ولكن هذه الدول تتخذ موقفًا متحفظًا بشأن توزيع اللاجئين، خاصة السوريين منهم.

  1. Eurostat, "Communiqué de presse 111/2020," 10/7/2020.
  2. Ibid.
  3. Ibid. الجدول (7) التغيرات الطبيعية للسكان في دول الاتحاد الأوروبي عام 0192 (بالآلاف) السويد 114.5 المصدر: Eurostat, "Communiqué de presse 111/2020," 10/7/2020.
التغير الطبيعيالوفياتالولادات الحيةالدولة
498.34.650.14.151.9الاتحاد الأوروبي
7.3108.8116.1بلجيكا
46.5108.161.5بلغاريا
0.1112.4112.2التشيك
7.254.061.2الدنمارك
161.4939.5778.1ألمانيا
1.315.414.1إستونيا
28.731.359.8إيرلندا
41.3125.083.7اليونان
57.1415.1357.9إسبانيا
141.5612.1753.6فرنسا
15.751.836.1كرواتيا
214.3634.4420.2إيطاليا
3.66.09.6قبرص
8.927.718.8لاتفيا
10.938.327.4ليتوانيا
1.94.36.2لوكسمبورغ
36.8129.993.1المجر
0.73.74.4مالطا
17.2151.8169.1هولندا
1.683.485.0النمسا
34.8409.7375.0بولندا
25.2111.886.6البرتغال
73.6259.3185.7رومانيا
1.320.619.3سلوفينيا
3.853.257.1سلوفاكيا
8.353.945.6فنلندا
25.888.8114.5السويد

بالنظر إلى الانخفاض الحاد في الخصوبة المسجل في دول الاتحاد الأوروبي، "أصبحت الهجرة مكونًا رئيسًا للنمو السكاني"، كم يشير إلى ذلك تقرير للمجلس الأوروبي32. ومعلوم أنّ للهجرة، إضافةً إلى توفير اليد العاملة الضرورية، آثارًا ديموغرافية إيجابية جدًا بسبب البنية بحسب العمر والجنس للوافدين، ومن ثم إمكانية تزايد الولادات وانخفاض الوفيات. ذلك أنّ معدل الخصوبة الكلي للعديد من مجموعات المهاجرين الجدد له تأثير إضافي في عدد المواليد، وللهجرة على المدى القصير والمتوسط تأثير في تشبيب البنية العمرية وتأخير الشيخوخة. ومن ثمّ، فالهجرة تساعد في عدد كبير من الدول الأوروبية على تقليص العجز الديموغرافي. فعلى سبيل المثال، أنجبت النساء المهاجرات في فرنسا 18.8 في المئة من الأطفال المولودين عام 2017، علمً أنّ المهاجرات يمثلن فقط 12 في المئة من النساء في سن الإنجاب. على مستوى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، كانت الزيادة في عدد السكان المولودين خارج بلدان المنظمة في الفترة 2000 - 2018 مسؤولةً عن حوالى ثلاثة أرباع النمو السكاني الإجملي لبلدان المنظمة، ونحو 40 في المئة في الولايات المتحدة الأميركية33. قد يشير النمو الديموغرافي المتميز بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط​ إلى سيناريو افتراضي، حيث يتم سد العجز من حيث عدد السكان النشطين في الضفة الشملية جزئيًا في العقود القادمة من خلال تدفقات الهجرة من الجنوب34؛ وهذا هو أحد أهم الأسئلة للمستقبل الديموغرافي لأوروبا. ومع ذلك، لا يزال هذا السيناريو مرتبطًا بعدة عوامل، بما في ذلك آفاق النمو الاقتصادي في الدول العربية الموفدة، والتغيرات التكنولوجية في الشمل، فضلً عن حالة جزء حساس جدًّا من الرأي العام في دول الاتحاد الأوروبي الذي يخشى "غزو الجنوب". تظلّ هناك عدة إكراهات تسير في هذا الاتجاه، أي لصالح تدفقات الهجرة لسدّ العجز الديموغرافي، خاصةً أنّ أوروبا تواجه في ظل السيناريو الحالي مشكلً شائكًا، حيث تطرح الشيخوخة مشكل تقاسم الثروة الوطنية نتيجة لتناقص عدد النشطين الكفيلين لضمن دخل إجملي للسكان. فعلى مدى العقود القادمة، ستزداد نسبة كبار السن من إجملي السكان بشكل كبير في دول الاتحاد الأوروبي، مم سيطرح سلسلة من التحديات المرتبطة بمجتمع الشيخوخة، التي ستؤثر في العديد من المجالات، بما في ذلك أسواق العمل والمعاشات وخدمات الرعاية الصحية والإسكان والخدمات الاجتمعية.

  1. Werner Haug, Paul Compton & Youssef Courbage, Les caractéristiques démographiques des populations immigrées, Série Etudes démographiques no. 38 (Strasbourg: Conseil de l'Europe, 2003).
  2. OCDE, Perspectives des migrations internationales 2019 (Paris: OCDE, 2019), p. 19.
  3. L'immigration, prochain stimulant de la croissance," Le Monde, 20/6/2000; La Banque Mondiale, "Les migrations internationales atteignent un niveau record," 18/12/2015, accessed on 6/10/2020, at: https://bit.ly/34o6IqO

ومن المتوقع أن يتباطأ حجم السكان في الاتحاد الأوروبي عند نحو 500 مليون نسمة، أمّا عدد السكان في سن العمل، أي الذين تراوح أعمرهم بين 15 و 64 عامًا، والذي يصل حاليًا إلى 223 مليونًا، فسينخفض​ بمقدار 49 مليون شخص بحلول عام 2050، خاصة في بعض البلدان مثل ألمانيا، حيث سيبلغ هذا الانخفاض 11 مليون شخص35. وسيطرح هذا النقص بحدة مشكل الإعالة العمرية؛ ففي عام 2014، بلغ إجملي معدل الإعالة العمرية في دول الاتحاد، والذي يحدد كنسبة الأشخاص المعالين، الصغار والكبار، مقارنةً بالأشخاص المعيلين الذين تراوح أعمرهم بين 15 و 64 عامًا، بنسبة 51.8 في المئة؛ وهذا يعني وجود شخصين معيلين أي في سن العمل لمعال واحد. وقد لوحظ في هذا العام أدنى معدل إجملي للإعالة العمرية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في سلوفاكيا (40.6 في المئة)، وأعلى معدل في فرنسا (57.6 في المئة)36. يعتقد خبراء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، شأنهم شأن الديموغرافيين في الأمم المتحدة، أنّ الهجرة يمكن أن تساعد في تقليل هذه الاختلالات. ويتميز اللجوء إلى الهجرة بأنّ له تأثيرًا فوريًا وكبيرًا نسبيًا في حجم السكان النشطين بسبب سن القادمين الجدد. وفي هذا الشأن، حذرت المفوضة الأوروبية للشؤون الداخلية من أنّ "قضية التبعية ستكون تحديًا لأوروبا"، وذكّرت بأنّ "من دون هجرة جديدة، سينخفض عدد السكان في سن العمل الأوروبية بنسبة 12 في المئة في أفق عام 2030، وسيضطر القطاع الصحي لمواجهة شيخوخة السكان إلى توظيف مليوني شخص ولن يجدهم"37. ووفقًا لدراسةٍ حديثة أجرتها المفوضية الأوروبية، تعدّ الهجرة الدولية مكونًا ضمنيًا رئيسًا للتوقعات الديموغرافية على المدى الطويل. ويتوقع المكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي Eurostat أن يبلغ متوسط​ صافي الهجرة السنوية إلى الاتحاد الأوروبي حوالى مليون شخص. وتقدر الدراسة أنه "في غياب تدفقات الهجرة، سينخفض عدد سكان الاتحاد الأوروبي في أفق 2060 ب 75 مليونًا، أي بنسبة 14 في المئة، وعدد السكان في سن العمل بنسبة 20 في المئة"38. تجدر الإشارة إلى أنّ هذه السلوكيات تميل إلى التوافق حتى في بلدان المنشأ، مع بعض التفاوت، لكن التأثير التنظيمي في سوق العمل سيظل قائمًا طالما استمرت أسباب الهجرة نفسها في إحداث التأثيرات

  1. Le Monde, 19/11/2019.
  2. Eurostat/ Statistics explained, "Structure et vieillissement de la population," (Juin 2015).
  3. Jean Pierre Stroobants, "Immigration: la funeste myopie européenne," Le Monde, 14/5/2014.
  4. Ignazio Mongelli & Juan-Carlos Ciscar Martinez, "Economic Consequences of Zero International Migration in the EU: An Assessment for Europe Based on the Eurostat Population Projections," European Commission, Joint Research Centre (2018), accessed on 6/10/2020, at: https://bit.ly/33wJJL2

والمسبّبات نفسها. وبذلك سيظل المهاجرون يؤدّون دورًا معدلً، سواء على المستوى الديموغرافي أو على مستوى سوق العمل.

2. تأثير الهجرة في سوق العمل في بلدان الاتحاد الأوروبي

وفقًا للتقديرات الجديدة التي أصدرتها الأمم المتحدة، بلغ عدد المهاجرين الدوليين في العالم 272 مليونًا عام 2019، بزيادة قدرها 51 مليونًا مقارنة بعام 2010. ويمثل المهاجرون الدوليون حاليًا 3.5 في المئة من سكان العالم، مقابل 2.8 في المئة في عام 2000. ووفقًا للتوزيع الإقليمي، تستقبل أوروبا عام 2019 أكبر عدد من المهاجرين الدوليين (82 مليون)، تليها أميركا الشملية (59 مليون). وعلى المستوى القطري، يقيم حوالى نصف المهاجرين الدوليين في 10 دول فقط، منها 5 دول أوروبية. وتستضيف الولايات المتحدة أكبر عدد من المهاجرين الدوليين (51 مليونًا)، أو حوالى 19 في المئة من الإجملي العالمي. وتستضيف ألمانيا والمملكة العربية السعودية ثاني وثالث أكبر عدد من المهاجرين (13 مليون لكل منهم)، تليهم روسيا (12 مليون)، والمملكة المتحدة (10 ملايين)، والإمارات العربية المتحدة (9 ملايين)، وفرنسا وكندا وأستراليا (حوالى 8 ملايين لكل منها)، وإيطاليا (6 ملايين)39. وبحسب معطيات المركز الإحصائي الأوروبي (Eurostat)، يبلغ عدد المواطنين غير الأوروبيين في الاتحاد الأوروبي في بداية كانون الثاني/ يناير 2019، 21.7 مليون شخص، أي 4.9 في المئة من سكانه البالغ عددهم هذا العام حوالى 447 مليون نسمة. ويمكن أن يضاف إلى الأجانب في الاتحاد 13.3 مليون شخص مقيم في إحدى دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين ممّن يحملون جنسية دولة عضو أخرى. وبذلك، يكون مجموع المهاجرين في الاتحاد الأوروبي نحو 35 مليون شخص؛ جزءٌ كبير منهم (سواء كانوا مواطنين أوروبيين أم لا) يقيمون في ألمانيا (10.1 ملايين)، في حين سجلت كل من إيطاليا وفرنسا وإسبانيا ما بين 4.5 و 6.5 ملايين مهاجر. والملاحظ أن عدد الوافدين إلى دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين في كلّ عام يكون أكبر من عدد المغادرين. وهكذا بلغ صافي الهجرة في عام 2018، أي الفرق بين عدد الأشخاص الذين يدخلون والذين يغادرون خلال العام، 1.2 مليون شخص. وهذا يشرح كيف يزداد عدد سكان الاتحاد الأوروبي رغم الزيادة السلبية (الفرق بين الوفيات والولادات) الحاصلة في الاتحاد. وبذلك، يظل صافي الهجرة العامل الرئيس في النمو الديموغرافي الأوروبي منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي40.

  1. European Migration Law, "Le nombre de migrants internationaux atteint 272 millions en 2019," Actualités, 17/9/2019, accessed on 6/10/2020, at: https://bit.ly/3nkiVpd
  2. Barthélémy Gaillard, "Asile et migrations dans l'Union européenne," Synthèse, Toute l'Europe, 21/9/2020, accessed on 6/10/2020, at: https://bit.ly/3d0o3tV

وتختلف نسبة الأجانب في إجملي السكان من دولة إلى أخرى؛ إذ تسجل لوكسمبورغ أعلى نسبة من الأجانب في عدد سكانها (45.3 في المئة). تزيد هذه النسبة على 10 في المئة في البلدان التالية: قبرص (19.5 في المئة)، ولاتفيا (15.2 في المئة)، وإستونيا (14.9 في المئة)، والنمسا (12.5 في المئة)، وإيرلندا (11.8 في المئة)، وبلجيكا (11.3 في المئة)، وإسبانيا (10.1 في المئة). في حين أن خمس دول لديها معدلات أقل من 1 في المئة: بولندا ورومانيا وكرواتيا وليتوانيا وبلغاريا. يمكن أن نضيف إلى الجدول (8) الذي يبرز الأهمية التي تمثلها الهجرة بالنسبة إلى ديموغرافيا دول الاتحاد الأوروبي بعض الدول الأوروبية الأخرى المستقبلة غير العضو في الاتحاد، مثل سويسرا التي يمثل فيها المهاجرون 25 في المئة من ساكنتها، وكذا النرويج التي تصل هذه النسبة فيها إلى 10.7 في المئة41. ويجب الإشارة إلى أن هذه المعطيات الرقمية لا تأخذ في الاعتبار المهاجرين المتجنسين الذين أصبحت أعدادهم تتزايد بوتيرة عالية خلال السنوات الأخيرة. في بعض البلدان مثل فرنسا أو المملكة المتحدة، فإن معظم المتلقين للجنسية ينحدرون من المستعمرات السابقة. عام 2016، منحت فرنسا الجنسية بشكل أساسي للمغاربة (14.9 في المئة)، والجزائريين (14.8 في المئة)، والتونسيين (6.4 في المئة). ويعتبر المغاربة من أكثر المهاجرين حصولً على الجنسية في دول الاتحاد الأوروبي. ففي عام 2017 مثلً ومن أصل 825,000 شخص حصلوا على جنسية دولة عضو في الاتحاد الأوروبي شكّل المغاربة أكبر مجموعة من المواطنين الجدد في الاتحاد (67,900 شخص)، 83 في المئة منهم اكتسبوا الجنسية الفرنسية أو الإيطالية أو الإسبانية42. وهذه الأهمية التي اكتسبتها العملة الأجنبية، سواء كانت مجنّسة أم لا، لها رواسب تاريخية. فقد عرفت الدول الصناعية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وحتى أوائل سبعينيات القرن الماضي، عجزًا كبيرًا في سوق العمل؛ إذ أصبح استخدام العملة الأجنبية ضرورةً حتمية لاقتصاديات هذه البلاد، مم أدى إلى قفزة كمية حقيقية في تدفقات الهجرة. ففي فرنسا، على سبيل المثال، تضاعف عدد المهاجرين بأعداد مطلقة في الفترة 1954 - 1975 ليصل إلى 3,868,000 شخص. ويحتاج سوق العمل في دول الاتحاد الأوروبي إلى أصناف متباينة من المهاجرين، سواء كانوا من ذوي الكفاءات العليا أو من الذين يشتغلون في قطاعات لا تتطلب كفاءات مهنية؛ وعادة ما يشتغل الصنف الأخير في وظائف شاقة وذات أجور منخفضة43. ففي فرنسا، على سبيل المثال، يحجم العاطلون الوطنيون عن هذه الوظائف التي تعتبر محفوفة بالمخاطر وقليلة الأجر وتتطلب فترات نقل طويلة. ومن المؤكد

  1. Ibid.
  2. Eurostat, "Communiqué de presse 41/2019," 6/3/2019.
  3. هذه الوظائف التي توصف عمومًا بأنها "غير مرغوب فيها"، كقطاعات التنظيف والبناء والتعدين والحرف اليدوية وتجارة القرب الصغيرة والمساعدة الشخصية والعمل الموسمي، يتميز أغلبها بالمرونة والتأهيل المتواضع، وهي عمومًا أشغال ينبذها السكان الأصليون، وتقع هذه الوظائف خارج نطاق السلم الاجتماعي. المملكة المتحدة 6,286,0 الجدول (8) نسبة الساكنة الأجنبية في دول الاتحاد الأوروبي (في بداية كانون الثاني/ يناير 2018) المصدر: المركز الإحصائي الأوروبي.
في المئة من السكانعدد المهاجرين (بالآلاف)الدولة
12.01,366,1بلجيكا
1.285,9بلغاريا
4.9515,4املتشيك
8.8505,9املدنمارك
11.79,678,9ألمانيا
14.9197,2إستونيا
12.0578,8إيرلندا
7.6816,1اليونان
9.84,563,0إسبانيا
7.04687,4فرنسا
1.352,0كرواتيا
8.55,144,4إريطاليا
17.3149,2قابرص
14.1272,5لاتفيا
1.027,3ليتوانيا
47.8288,0لموكسمبورغ
1.7161,5المجر
14.167,1مالطا
5.8991,4هولندا
15.71,385,8النمسا
0.6239,2برولندا
4.1421,7البرتغال
0.6111,4رومانيا
5.9121,9سلوفينيا
1.372,9سلوفاكيا
4.5247,8فنلندا
8.8885,8امملسويد
9.56,286,0المملكة المتحدة

أنّ المهاجرين الوافدين حديثًا يقبلون دون تردّد القيام بها. وهكذا، تشير بعض المصادر في هذا البلد، إلى وجود عروض عمل لم تجرِ تلبيتها، وقد قدرت هذه الوظائف الشاغرة ب 350,000 وظيفة بحسب فرانسوا ريبسمن، وزير العمل، و 400,000 وظيفة وفقًا لفدرالية رجال الأعمل الفرنسيين (MEDEF)، و 500,000 وظيفة بحسب تقديرات الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي خلال الحملة الرئاسية لعام 201244.

  1. Sandrine Foulon & Vincent Grimault, "Offres d'emploi non pourvues: La machine à fantasme," Alternatives économiques, 2/9/2014.

إنّ هذا ما أكده المؤرخ فرنان بروديل مذكرًا بأنّ العملة الأجنبية في فرنسا كانت تاريخيًا تتركز في القطاعات الأقل جاذبيةً للمواطنين، والتي "ينبذها تسعة فرنسيين من أصل عشرة". فالهجرة، بوصفها مصدرًا للوظائف البخسة الأجر، هي خاصية لكل مجتمع رأسملي45. وقد اعترف جورج ماوكو في عام 1977 بأنّ المهاجرين في فرنسا بنوا "ما يعادل منزلً من أصل منزلين، و 90 في المئة من الطرق السريعة في البلاد، وآلة من أصل سبع"46. وفي إسبانيا، بعد أن أصبحت دولة للاستقبال، يشير أنطونيو إيزكييردو إلى الاعتمد الواضح لبعض قطاعات الاقتصاد الإسباني على العملة المهاجرة، إضافةً إلى قطاع الخدمات، إذ تشكّل الفلاحة مشغلً أساسيًا لليد العاملة الأجنبية. فمنطقة الإخيدو (Ejido El) تعتبر نموذجًا في هذا المجال؛ حيث تعتمد الزراعة المسببة للاحتباس الحراري على نحوٍ بعيد على هذه القوة العاملة47. وهكذا أصبحت هذه المنطقة التي كانت من أفقر المناطق الإسبانية في ستينيات القرن الماضي واحدةً من أغناها حاليًا. وهذا ينطبق على الكثير من البلدان في أوروبا، حيث تعتمد الكثير من المشاريع على العمل المهاجرين النظاميين أو حتى غير النظاميين. كم تجدر الإشارة إلى أنّ الهجرة غير النظامية قد ساهمت في خفض تكلفة العملة، ومن ثمّ زيادة ربحية الشركات. وهذا ما يمكن القطاع غير الرسمي (حوالى 25 في المئة من الناتج المحلي الإجملي في بلدان القوس اللاتيني) من جني فوائد مالية واجتمعية كبيرة من هذه القوة العاملة "السرية" التي يلجأ إليها أصحاب العمل، مستغلين "الهشاشة القانونية" لهؤلاء المهاجرين. ويواكب هذا التمييز الإيجابي في الحصول على وظائف صعبة تمييزٌ سلبي في ظروف العمل (الأجر، وطبيعة العمل، وتوقيت العمل ومدته، وغير ذلك). وفي هذه الظروف، يشكل هؤلاء المهاجرون "جيش الاحتياط الصناعي" بحسب المفهوم الماركسي. وتضطر الكثير من الدول الأوروبية إلى أن تعترف بهذه الحقيقة، من خلال عمليات التسوية الجمعية (إسبانيا وإيطاليا، وغيرهم) أو تسوية الحالات الفردية (فرنسا وألمانيا، وغيرهم). وهكذا، بعد المساهمة في إعادة بناء أوروبا خلال فترة "الثلاثينيات المجيدة" التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، تظل العملة المهاجرة ضروريةً للحفاظ على نمو الاقتصادات الغربية وازدهارها. ويزكي ذلك تقرير للمندوبية السامية للتخطيط في فرنسا صدر في تشرين الأول/ أكتوبر 2002، وهو يؤكد أنّ

  1. Fernand Braudel, L'identité de la France (Paris: Flammarion, 1986), p. 209.
  2. Mohan Khellil, L'intégration des Maghrébins en France (Paris: PUF, 1991), pp. 10 - 16.
  3. Antonio Izquierdo Escribano, "Semejanzas y diferencias en el perfil demográfico y laboral de los marroquíes que solicitaron la regularización en 1985 y en 1991," in: Atlas de la inmigración magrebí en España (UA Editions, 2000), p. 82.

"العديد من قطاعات النشاط الاقتصادي لا يمكن أن تعمل من دون مساهمة المهاجرين. إنّ فرنسا في حاجة إلى الهجرة"48. بيد أنّ هذه الحاجة إلى الهجرة لا تزال تواجه تناقضات عميقة على مستوى السياسة الأوروبية في هذا المجال وعلى مستوى ردود الفعل الاجتمعية49.

رابعًا: الهجرة العربية إلى بلدان الاتحاد الأوروبي يف مواجهة تناقضاتها

1. تناقضات السياسة الأوروبية في مجال الهجرة

على المستوى السياسي، يمكن اعتبار اتفاقية شنغن التي وقعت في 14 حزيران/ يونيو 1985 منطلق السياسة الأوروبية في مجال الهجرة. وتهدف هذه الاتفاقية إلى إزالة المراقبة على الحدود المشتركة بين دول الاتحاد الأوروبي. والجدير بالذكر أنّ الاتحاد الأوروبي قد اعتمد العديد من الآليات التنظيمية في مختلف قممه، نذكر من أهمها: معاهدة ماستريخت (1992)، ومعاهدة أمستردام (1997)، وقمة تامبيري (1999)، وقمة إشبيلية (2002)، وبرنامج لاهاي (2004)، الذي حلّ محله برنامج ستوكهولم في أواخر عام 2009. كم اعتمد البرلمان الأوروبي "الميثاق الأوروبي حول الهجرة واللجوء"، وتبنّى نص "توجيه العودة" (retour du Directive La) في 18 حزيران/ يونيو 2008، والذي يمثل في الآن ذاته تهديدًا وانتكاسة في حمية الحقوق الأساسية داخل الاتحاد الأوروبي50. وفي أعقاب العديد من المآسي في حوض المتوسط، التي راح ضحيتها المئات من المهاجرين وطالبي اللجوء في عامَي 2014 و 2015، اتخذ الاتحاد الأوروبي تدابير جديدة لتعزيز مراقبة الحدود، بما في ذلك مراقبة الطرق الجديدة المستخدمة من جانب المهاجرين، والزيادة في الموارد المخصصة لعمليات مراقبة الحدود. وهنا لا بد من التذكير أنّ المجلس الأوروبي قد أنشأ منذ 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2004 وكالة مراقبة الحدود الأوروبية (Frontex) من أجل محاربة الهجرة غير النظامية. وتقوم هذه الوكالة بتنسيق التعاون بين الدول الأعضاء فيم يتعلق بإدارة الحدود الخارجية، خاصة في الحالات التي تتطلب المزيد

  1. Commissariat Général du Plan, Immigration, marché du travail, intégration, Rapport du séminaire présidé par François Héran (Octobre 2002), p. 12, accessed on 6/10/2020, at: https://bit.ly/2SCx02V
  2. الخشاني.
  3. Francisco Padilla, "La 'Directive retour': Analyse critique sous l'angle du respect des droits fondamentaux et des droits de l'enfant," Journal du droit des jeunes, vol. 5, no. 285 (2009), pp. 51 - 54.

من المساعدة لمراقبة هذه الحدود، وكذا في تنظيم عمليات العودة المشتركة، وتدريب حراس الحدود الوطنية. ونظرًا إلى تدفقات الهجرة التي عرفتها الشواطئ الأوروبية في السنوات الأخيرة، فقد تقرّر زيادة قوات الوكالة ومضاعفة ميزانيتها، لتنتقل من 114 مليون يورو عام 2015، إلى 320 مليون يورو عام 2018، إلى 460 مليون دولار عام 202051. إجملً، تبنّت هذه السياسات ما يسمى ب "المقاربة الشاملة" التي تتمحور حول أربعة أهداف: محاربة الهجرة غير النظامية، وإدماج المهاجرين في وضعية قانونية، والتعاون الاقتصادي مع الدول الموفدة، وتبنّي سياسة موحدة بشأن اللجوء. ولكن ما نلاحظه من خلال تطبيق هذه السياسات أنّ التركيز كان أساسًا على الهدف الأول والتعبئة الشاملة من أجل محاربة الهجرة غير النظامية. وتظل حصيلة هذه السياسات هزيلة جدًا حيث تمخضت عن نتائج عكسية، فعوض الحد من الهجرة غير النظامية أدت هذه السياسة إلى تأجيج تدفقات المهاجرين غير النظاميين كم تطلعنا على ذلك باستمرار وسائل الإعلام. فسياسة التشديد تظلّ غير منتجة؛ ويذكر هذا بمقولة المؤرخ والفيلسوف الإغريقي توسيديدس (Thucydides): "سمك الجدار هو أضعف من إرادة اختراقه"، أو ما قاله أحد الشباب المرشّحين للهجرة في مدينة طنجة: "والله لو بنوا جدارًا حتى السمء، سأجد طريقة للمرور إلى الضفة الأخرى". ففي الواقع، على الرغم من كثرة هذه النصوص والتدابير المتخذة، فإن توحيد السياسة الأوروبية في مجال الهجرة واللجوء ظل تواجهه عدة إكراهات وتناقضات، وتطغى عليه الخلافات بين الشركاء الأوروبيين. ويتجلى هذا الارتباك كذلك من خلال إعادة تبنّي مواقف سابقة دون القيام بتقييم حصيلة مختلف القمم المتعاقبة، وكذا في رفض بعض الدول لحل تقسيم اللاجئين بين دول الاتحاد، ولجوء هؤلاء إلى حلول قمعية في مواجهة هذه التدفقات. وقد رافق هذه الإجراءات التنظيمية إرادة من الاتحاد الأوروبي ل "تصدير تدبير تدفقات الهجرة خارج الاتحاد"، ومن ثمّ عمل على دفع حدوده ونقل سياسته الخاصة بالهجرة، محولًالضفة الجنوبية للحوض المتوسطي إلى منطقة يحدد فيها مصير المهاجرين52. وقد استعمل الاتحاد الأوروبي من أجل ذلك الضغوط على الحكومات من أجل سنّ القوانين المقيدة لحركة الأشخاص في أراضيها (المغرب وتونس عام 2003، والجزائر عام 2008، وليبيا عام 2010، ومصر عام 2016)، ومن أجل إبرام اتفاقيات إعادة القبول وتقوية التعاون بين الأجهزة الأمنية (المساعدة التقنية، والقيام بدوريات مشتركة... إلخ)، مع استخدام تكنولوجيا متطورة على نحوٍ متزايد من أجل التحكم في تدفقات المهاجرين.

  1. Frontex, "Budget 2020 VOBU," 1/1/2020, accessed on 6/10/2020, at: https://bit.ly/3ljnQVq
  2. Delphine Perrin, "La gestion des frontières en Libye: Notes d'analyses et de Synthèses – Module juridique," Robert Schuman Centre for Advanced Studies, CARIM –AS /31 (2009), accessed on 6/10/2020, at: https://bit.ly/33AHhmw

وتركز المفوضية الأوروبية في علاقاتها بالدول العربية جنوب المتوسط على "التكامل التام لقضية الهجرة في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي القائمة والمستقبلية مع هذه البلدان". وتطالب "بتقوية القدرات على الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي" مع وعود بمنح مساعدات ل "البلدان التي تظهر استعدادًا للوفاء بالتزاماتها"؛ وذلك باستبدال شروط احترام الديمقراطية، بالوفاء بهذه الالتزامات المرتبطة بالهجرة.

2. المواقف الرافضة للهجرة: التيارات اليمينية المتطرفة

تقوّت هذه التيارات في العقود الأخيرة إلى درجة أنّ أحزابًا منبثقة منها شاركت أو تشارك في الائتلافات الحكومية في بعض البلدان، مثل "الحزب الشعبي" في الدنمارك، أو "حزب الفنلنديين الحقيقيين" في فنلندا، و"ائتلاف فيديز" في المجر، و"حزب الوطنيون المتحدون" في بلغاريا، وحزب "الإغريق المستقلون" في اليونان، و"الحزب الوطني السلوفاكي" في سلوفاكيا، وحزب "التحالف الفلاماني الجديد" في بلجيكا، و"رابطة الشمل" التي غيرت اسمها إلى "حزب الرابطة" لاستقطاب الناخبين في الجنوب، والتي تظل من أقوى الأحزاب في إيطاليا. أما في النمسا، فقد استطاع ممثل "حزب الحرية" الوصول إلى الدور الثاني في الانتخابات الرئاسية الأخيرة (أيار/ مايو 2016). ويمكن أن نضيف إلى اللائحة أحزابًا ممثلة مثل "حزب التجمع الوطني" في فرنسا، والأحزاب الأخرى التي تقوّت في السنين الأخيرة مثل "البديل من أجل ألمانيا"، و"حزب الحرية" في هولندا الذي يتزعمه خيرت فيلدرز، وخارج الاتحاد الأوروبي، "حزب التقدم" في النرويج، و"حزب الاتحاد الديمقراطي المركزي" في سويسرا. من بين القواسم المشتركة الرئيسة لهذه التيارات مناهضتها للهجرة، واعتبارها خطرًا على بلدانها، كم تجلى ذلك في رفض استقبال اللاجئين والمهاجرين في إطار ما سمته المندوبية الأوروبية بتقاسم المسؤوليات. لكن ما يثير القلق في هذا الشأن هو أنّ اليمين التقليدي أصبح يتبنّى لأسباب انتخابية طروحات هذه الأحزاب في مجال سياسة الهجرة، ويضطر إلى ملاءمة مواقفه مع مواقف اليمين المتطرف.

3. التمييز في المجال الاجتمعي: العنصرية

من المؤكد أنّ العنصرية تشكل أحد العوائق التي لها تأثير سلبي جدًا في اندماج المهاجرين. وقد تبرز هذه المواقف الرافضة للهجرة على نحوٍ جلي في البلدان التي أصبحت مؤخرًا دول استقبال، مثل إيطاليا وإسبانيا. ففي هذا البلد، على سبيل المثال، يشكل المغاربة الفئة الأكثر استهدافًا بالعنصرية والأحكام المسبقة والقوالب النمطية الثقافية الإثنية؛ إذ يطلق عليهم لاعتبارات تاريخية وبنكهة دونية اسم

"موروس" (moros Los)؛ ما يجعلهم يجدون صعوباتٍ كبرى في العثور على عمل أو سكن. وفي إيطاليا، يلقبون بالنكهة الدونية نفسها "ماروكينو" (Marrocchino)53. وإجملً، كان لهذا الإنتاج الفكري تأثير كبير ليس فقط في الرأي العام الأوروبي، ولكن أيضًا في الجهات الفاعلة في الدعاية لكراهية الإسلام، خاصة في وسائل الإعلام. وقد عملت الكثير من وسائل الإعلام الغربية على تزويد المخيال الجمعي بالسمت المميزة للإسلام المتطرف الذي يعتمد البلورة الكلية للبعد الديني (Islamicus Homo) والوجود البنيوي للبعد الجمعي كعائق أمام اندماج الفئات المسلمة في المجتمعات الأوروبية. وقد شهدت فرنسا في هذا الشأن أطول حملة صحفية وأهمها بشأن ما سمي بقضية الحجاب، وارتداء الرموز الدينية في المدارس. وتؤدي هذه الحملات التي يشنها "صانعو الرأي" دورًا متميزًا في نشر الإسلاموفوبيا، وتضفي الشرعية على تكريس اللامساواة، وتجعل من الجمعات المسلمة "أقلية دينية رجعية". وفي ظل هذه الظروف، يصبح المهاجرون المسلمون، وهم جزء من الطبقة العاملة يعانون التمييز على مستويين: بوصفهم مهاجرين (من أصل أجنبي)، وبصفتهم مسلمين.

خاتمة

مم لا شك فيه أنّ للديموغرافيا دورًا كبيرًا في صناعة التاريخ. فكم يقول الاقتصادي الهندي أمارتيا سين، "استفادت الحضارات [...] تاريخيًا بشكل كبير من الهجرة، سواء هجرة البشر أو هجرة الأفكار"54. فأوروبا التي أصبحت تنعت منذ مدة بالقارة العجوز أصبحت تواجه إكراهًا كبيرًا سيتفاقم خلال العقود المقبلة، يتجلى في عجزها عن إعادة إنتاج الأجيال لكون معدل الخصوبة فيها يقل عن 2.1؛ ولذلك لكون معدل النمو الديموغرافي الطبيعي أصبح سالبًا منذ 2015 (مع تفاوتٍ بحسب البلدان). وفي ظل هذا العجز الديموغرافي وانعكاساته في سوق العمل، توافر وعي بضرورة البحث عن الحلول. ويزكي هذا الرأي ما قاله ماسيمو داليم، الرئيس السابق لمجلس الوزراء الإيطالي ورئيس المؤسسة الأوروبية للدراسات التقدمية فيم يخص حاجة أوروبا إلى الهجرة "لضمن مستوى تنميتها"55. ونجد الفكرة نفسها في إسبانيا عند خوسيه لويس إسكريفا، وزير الضمن الاجتمعي والإدماج والهجرة الإسباني، وعبّ عن ذلك

  1. على سبيل المثال، قال زعيم الرابطة الشمالية آنذاك أمبرتو بوسي في أحد تصريحاته إنه ضد "مغربة إيطاليا:" Franco Pittau et al., "Le cas italien dans le contexte européen," Migration et société, no. 64 - 65 (Juillet-Octobre 1999), pp. 141 - 142. كما تجدر الإشارة إلى أنّ هذه المواقف الرافضة للإسلام والمسلمين قد غذّت بدورها "خيال الغزو" في الإنتاج الفكري والأدبي؛ من قبيل بعض أعمال رينو كامو Camus Renaud وميشيل ويلبيك Houellebecq Michel في فرنسا، على سبيل المثال لا الحصر.
  2. Amartya Sen, "Il ballo in maschera dell'Occidente," La Repubblica, 30/6/2006.
  3. Le Monde, 10/5/2011.

في منتدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول الهجرة في باريس، مؤكدًا أنّ المسار الديموغرافي للبلاد مقلق جدًّا إلى درجة أننا "سنحتاج إلى 8 أو 9 ملايين شخص فقط لإبقاء قوتنا العاملة في نفس المستوى"، مضيفًا أنّ "المسارات الديموغرافية أصبحت واقعًا، وسوف تحدث، وستفرض نفسها علينا"، وأنه "ينبغي أن نكون مستعدين لإدماج أعداد إضافية من المهاجرين في مجتمعاتنا إذا أردنا الحفاظ على مستويات الازدهار عندنا، وسيكون سكاننا أكثر اختلاطًا"، ما يقتضي أن "نعدّ المجتمعات لذلك، ونشرح لهم لماذا هذا جيد لهم ولأطفالهم وللأجيال القادمة"56. معنى هذا أنه يجب أن تتغير نظرة المجتمعات الأوروبية إلى الهجرة، وألا يُنظر إلى المهاجر بعد الآن على أنه "الآخر"، والأجنبي، ولكن أيضًا بوصفه عاملً ساهم وما زال يساهم في تنمية البلدان المضيفة وازدهارها، وكذا بصفته إنسانًا له خصوصياته الثقافية. فمن الخطير أن نتبنّى موقف رفض الآخر، لأن هذا يرقى في النهاية إلى نفي نفسه، ذلك أنّ كلّ فرد هو في نهاية المطاف الآخر بالنسبة إلى الآخرين. في الحصيلة، من الواضح أنه لا يمكن أن "نقتل أيديولوجيا بنبذها"، لأنّ المعركة الحقيقية تبقى اجتمعية؛ فالنبذ يولّد الانطواء الثقافي والتطرف. من أجل فهم الغيرية كعلاقة والعيش المشترك مع "الآخر"، "المختلف"، من الضروري أن نعيش ونطور التواصل والتبادل والحوار دون أي حدود (لا ثقافية ولا وطنية ولا دينية) في ظروف تسود فيها الحرية والمساواة. في المجتمعات المتعددة الأعراق والثقافات، يجب ألّ يُنظر إلى الأجانب على أنهم مشكلة يجب حلّها، بل على أنهم فرصة يجب الاستفادة منها. أما بلداننا العربية فمن الواضح أنها لا تزال غير مستعدة لانتهاز فرصة النافذة الديموغرافية وتحقيق العائد الديموغرافي التنموي، في ظلّ استمرار الأوضاع المتردّية المؤذنة بنزيف الطاقات البشرية والأدمغة إلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط.

  1. L'Espagne aura besoin de 'millions et de millions de migrants', dans les prochaines années, estime un ministre espagnol," France info, AFP, 16/1/2020, accessed on 6/10/2020, at: https://bit.ly/34sgw3d
  2. يُنظر في ذلك: يوسف كرباج، "ثلاث مراحل للانتقال الديموغرافي للعالم العربي"، ضمن هذا العدد.

المراجع

العربية

"بحث الهجرة غير الشرعية للشباب في المجتمع المصري: ملخص تنفيذي". إشراف نسرين البغدادي. المجلس القومي لحقوق الإنسان والمركز القومي للبحوث الاجتمعية والجنائية،.2016

"هجرة الشباب العربي.. قراءة في استطلاعات الرأي". عالم الآراء. في https://bit.ly/30DcpA5:

الإسكوا والمنظمة الدولية للهجرة. تقرير حالة الهجرة الدولية لعام 019:2 الاتفاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية في سياق المنطقة العربية (نيويورك: الأمم المتحدة، 2020). في: https://bit.ly/34IxB9h الأمم المتحدة. "كوفيد 19- والمنطقة العربية: فرصة لإعادة البناء على نحو أفضل." 2020/7/23:. في https://bit.ly/36z99cF كابيسفيركي، أندريه. "هجرة العمل العربية إلى دول مجلس التعاون الخليجي". ورقة مقدمة في المؤتمر الإقليمي عن الهجرة العربية في ظل العولمة. القاهرة، 2 - 4 أیلول/ سبتمبر.2003

اللجنة الاقتصادية والاجتمعية لغربي آسيا/ الإسكوا. تقرير السكان والتنمية العدد الثامن: الشيخوخة بكرامة في المنطقة العربية. رمز الوثيقة: 3/E/ESCWA/SDD/2017 (نيويورك: الأمم المتحدة،.)2018 مجموعة مؤلفين. لماذا يهاجر الشباب العربي؟ بحوث في إشكاليات الهجرة والمستقبل. تحرير وتقديم مراد دياني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتمعية. الشباب والهجرة غير النظامية في تونس: دراسة ميدانية للتمثلات الاجتمعية والممرسات والانتظارات. تونس: المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتمعية،.2016

الأجنبية

" L'Espagne aura besoin de 'millions et de millions de migrants', dans les

prochaines années, estime un ministre espagnol." France info, AFP. 16/1/2020.

at: https://bit.ly/34sgw3d

Boniface, Pascal. Les intellectuels intègres. Paris: Jean-Claude Gawsewitch

Éditeur, 2013.

Braudel, Fernand. L'identité de la France. Paris: Flammarion, 1986.

_______. La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philippe II.

5 ème  édition. vol. 2. Paris: Éd. Armand Colin, 1982.

_______. La Méditerranée: l'espace et l'histoire. Paris: Flammarion, 1985.

Commissariat Général du Plan. Immigration, marché du travail, intégration.

Rapport du séminaire présidé par François Héran (Octobre 2002). at:

https://bit.ly/2SCx02V

Escribano, Antonio Izquierdo. Atlas de la inmigración magrebí en España. UA

Editions, 2000.

Esipova Neli, Anita Pugliese & Julie Ray. "More Than 750 Million

Worldwide Would Migrate If They Could." Galup News. 10/12/2018. at:

https://bit.ly/30EVgWH

European Migration Law. "Le nombre de migrants internationaux atteint 272

millions en 2019." Actualités. 17/9/2019. at: https://bit.ly/3nkiVpd

Eurostat. "Communiqué de presse 111 / 2020." 10/7/2020.

_______. "Communiqué de presse 41 / 2019." 6/3/2019.

Eurostat/ Statistics explained. "Structure et vieillissement de la population."

(Juin 2015).

Foulon, Sandrine & Vincent Grimault. "Offres d'emploi non pourvues: La

machine à fantasme." Alternatives économiques. 2/9/2014.

Frontex. "Budget 2020 VOBU." 1/1/2020. at: https://bit.ly/3ljnQVq

Gaillard, Barthélémy. "Asile et migrations dans l'Union européenne." Synthèse,

Toute l'Europe. 21/9/2020. at: https://bit.ly/3d0o3tV

Haug Werner, Paul Compton & Youssef Courbage. Les caractéristiques

démographiques des populations immigrées. Série Etudes démographiques

no. 38. Strasbourg: Conseil de l'Europe, 2003.

Haut-Commissariat au Plan. La migration internationale au Maroc: Résultats de

l'enquête nationale sur la migration internationale 2018 - 2019. Rabat: HCP, 2020.

Khachani, Mohamed. "Commentaire de l'ouvrage 'Islam y mundo arabe: Guia

didactica para profesores y formadores'." Sous la direction du professeure Gema

Martin Munoz. Libération. no. 2294 (23 juillet 1998).

_______. La question migratoire au Maroc. Rabat: Publications de l'Association

Marocaine d'Études et de Recherches sur les Migrations, 2019.

Khellil, Mohan. L'intégration des Maghrébins en France. Paris: PUF, 1991.

La Banque Mondiale. "Les migrations internationales atteignent un niveau

record." 18/12/2015. at: https://bit.ly/34o6IqO

Mongelli, Ignazio & Juan-Carlos Ciscar Martinez. "Economic Consequences of

Zero International Migration in the EU: An Assessment for Europe Based on

the Eurostat Population Projections." European Commission. Joint Research

Centre (2018). at: https://bit.ly/33wJJL2

OCDE. Perspectives des migrations internationales 2019. Paris: OCDE, 2019.

_______. Perspectives des migrations internationales 2016. Paris: OCDE, 2016.

at: https://bit.ly/34teGQK

Padilla, Francisco. "La 'Directive retour': Analyse critique sous l'angle du respect

des droits fondamentaux et des droits de l'enfant." Journal du droit des jeunes.

vol. 5, no. 285 (2009).

Perrin, Delphine. "La gestion des frontières en Libye: Notes d'analyses et de

Synthèses – Module juridique." Robert Schuman Centre for Advanced Studies,

CARIM –AS /31 (2009). at: https://bit.ly/33AHhmw

Pittau, Franco et al. "Le cas italien dans le contexte européen." Migration et

société. no. 64 - 65 (Juillet-Octobre 1999).

Sen, Amartya. "Il ballo in maschera dell'Occidente." La Repubblica. 30/6/2006.

United Nations, Department of Economic and Social Affairs, Population

Division. World Population Prospects 2019. vol. II: Demographic Profiles. New

York: United Nations, 2019.

_______. International Migration Report 2017 (New York: United Nations, 2017).

_______. World Population Prospects: The 2017 Revision. New York: United

Nations, 2017.