Return to Article Details The Effects of Demographic Pressures on the Sustainability of Natural Resources in the Arab Region: an Intergenerational Equity Analysis

آثار الضغوط الديموغرافية في استدامة الموارد الطبيعية في المنطقة العربية: تحليل من منظور الإنصاف ما-بين الأجيال

The Effects of Demographic Pressures on the Sustainability of Natural Resources in the Arab Region: an Intergenerational Equity Analysis

الحسين شكراني

إبراهيم المرشيد

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في إشكالية العلاقة بين دينامية التحولات الديموغرافية واستنزاف الموارد الطبيعية من منظور الإنصاف ما-بين الأجيال، وتقدم دليلًا لدعم الرأي القائل بأنّ التّحولات الديموغرافية العميقة التي شهدتها المنطقة العربية خلال العُقود القليلة الماضية خلقت ضغطًا شديدًا على الموارد الطبيعية ذات البُعد الاستراتيجي، والأهمية الحيوية لتطور المجتمع وخاصة المياه والطاقة. وتخلص الورقة إلى أنّ الدول العربية مدعوّة أكثر من أي وقت مضى إلى تجاوز نقائص النّماذج التنموية المعتمدة، بالتأكيد صراحة على حقوق الأجيال المقبلة ووضع آليات عملية وعاجلة لضمانها. ويتطلب ذلك، من بين أمور أخرى، اعتماد مقاربة شمولية واستشرافية تستحضر الأبعاد الاقتصادية والبيئية والقانونية، وتأخذ في الاعتبار التّجارب الدولية النّاجحة، وخصوصيات المجتمع العربي أيضًا.

Abstract

ملخص:  تبحث هذه الدراسة في إشكالية العلاقة بين دينامية التحولات الديموغرافية واستنزاف الموارد الطبيعية من منظور الإنصاف ما-بين الأجيال، وتقدم دليلً لدعم الرأي القائل بأنّ التّحولات الديموغرافية العميقة التي شهدتها المنطقة العربية خلال العُقود القليلة الماضية خلقت ضغطًا شديدًا على الموارد الطبيعية ذات البُعد الاستراتيجي، والأهمية الحيوية لتطور المجتمع وخاصة المياه والطاقة. وتخلص الدراسة إلى أنّ الدول العربية مدعوّة أكثر من أي وقت مضى إلى تجاوز نقائص النّمذج التنموية المعتمدة، بالتأكيد صراحة على حقوق الأجيال المقبلة ووضع آليات عملية وعاجلة لضمنها. ويتطلب ذلك، من بين أمور أخرى، اعتمد مقاربة شمولية واستشرافية تستحضر الأبعاد الاقتصادية والبيئية والقانونية، وتأخذ في الاعتبار التّجارب الدولية النّاجحة، وخصوصيات المجتمع العربي أيضًا. كلمت مفتاحية:  التحولات الديموغرافية، الموارد الطبيعية، المنطقة العربية، الإنصاف ما -بين الأجيال، الاستدامة والولوج المنصف. Abstract:  This study, from an intergenerational equity perspective, focuses on the problematic relationship between the dynamics of demographic transformations and natural resources depletion. Profound demographic shifts in the Arab region during recent decades have exerted great pressure on strategic natural resources of vital importance for the development of society, especially water and energy. Arab countries are called more than ever to overcome the deficiencies of the adopted development models, by explicitly affirming the rights of future generations and establishing practical and urgent mechanisms to guarantee them. This requires the adoption of a holistic and forward-looking approach that evokes the economic, environmental and legal dimensions, and considers successful international experiences, as well as the particularities of Arab society as well.

الكلمات المفتاحية:
  • التحولات الديموغرافية
  • الموارد الطبيعية
  • المنطقة العربية
  • الإنصاف ما-بين الأجيال
  • الاستدامة والولوج المنصف
Keywords:
  • Demographic Transition
  • Natural Resources
  • The Arab World
  • Intergenerational Equity
  • Sustainability
  • Equitable Access

مقدمة

منذ بداية سبعينيات القرن العشرين، اقترن الاستغلال المتزايد للموارد الطبيعية في المنطقة العربية بنوعين من الظّواهر؛ فمن ناحية، تَراجع المخزون إلى مستويات مُقلقة وغير قابلة للاسترجاع؛ ومن ناحية أخرى، تم تسجيل زيادة غير مسبوقة في انبعاثات الغازات الدفيئة، وفي مقدمتها غاز ثاني أوكسيد الكربون. وقد ساهمت التحولات الديموغرافية التي شهدتها المجتمعات العربية، بما فيها النمو السكاني المطرد، وكذا انعدام رؤية سياسية شاملة ترتكز على التنمية المستدامة واحترام حقوق الأجيال المقبلة، في هذه الوضعية غير السّليمة. ومن هذا المنطلق، كان لِزامًا طرح إشكالية النّظر في مدى وجود تقاطعات أو ترابطات بين دينامية وحركية التّحولات الديموغرافية في المنطقة العربية، وزيادة الضّغوط والإكراهات على الموارد الطّبيعية من جهة، وإشكالية ضمن الاستدامة الجيلية1، وخلق مرونة في انتقال هذه الموارد التي تتحمل التغيرات في الإجهاد مع بقائها منتجة من جهة أخرى؛ إضافةً إلى التّشديد على مقاربة المدى البعيد2 في تدبير وإدارة الاستدامة كمتلازمة أساسية لأجل استمرار حياة العنصر البشري، ومن ثمّ تحويل جسامة المخاطر المحدقة بتدهور واندثار الموارد الطبيعية إلى فرص وإمكانات حقيقية قابلة للتّحقق. ومن شأن فشل تحقيق مشروع الاستدامة وتفعيل مقاربة المدى البعيد للموارد الطبيعية إثارةُ مخاوف الإنسان وتوجّساته بشأن مصيره في سياق وجود تغيرات حادة في المناخ (الجفاف، الفيضانات، الأعاصير، التلوث، موجات الحرّ الشّديد)، وردود فعل مستجدة في الطّبيعة (المجاعة، الفيروسات... إلخ). فأفعال الإنسان في الطّبيعة لها تأثيرات مباشرة وقد تكون مُدمرة للمحيط الحيوي، كفقدان التنوع البيولوجي، وتراجع مخزون الموارد الطبيعية، وانتشار التصحر، واختلال حياة النّبات والوحيش. فالاستدامة لا تنطلق من الحاضر، بل هي الرّابط والنّاظم للعلاقات بين الأجيال في الماضي والحاضر والمستقبل البعيد؛ ومن ثمّ يُطرح سؤال محركات هذا الرّابط (الإنساني) بين الأجيال. صحيح أنّ البحث في هذه التّابطات/ أو التقاطعات ليس جديدًا في حقل العلوم الاجتمعية بصفة عامة؛ حيث نالت المسألة الديموغرافية وارتباطها بالموارد الطبيعية اهتممًا كبيرًا لدى الدّارسين المهتمين

  1. تستهدف الاستدامة "ضمان حاجات الجيل الحالي، دون الإضرار بحاجات الأجيال القادمة. وهذا يتضمن بالضرورة تأكيدًا لمبدأ الإنصاف بين الأجيال. والمقصود بتتابع احتياجات الأجيال وتداخلها بصورة متوازنة ومستمرة لا ينحصر في إطار ما ينقل من تراكم الثروات الإنتاجية، إنما يشير كذلك إلى مستوى معين من التنمية البشرية، فالمستهدف من الاستدامة هو فرص الناس المتضمنة حرية ممارساتهم قدراتهم الأساسية". يُنظر: باسل البستاني، جدلية نهج التنمية البشرية المستدامة: منابع التكوين وموانع التمكين (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص 66 -.67
  2. انطلاقًا من مقاربة المدى البعيد، يوجه بعض الباحثين نقدًا إلى التمثيلية السياسية التي ترتكز على المدى القصير؛ فالبشرية يجب أن تنتقل إلى الاهتمام بالقضايا البيئية التي تتميز بخصائص ترتبط بالفضاء والمجال وليست قضايا محلية، وعدم مرئيتها كطبقة الأوزون، وفقدان التنوع البيولوجي، كما تتميز بالفجائية. يُنظر: Dominique Bourg & Kerry Whiteside, Vers une démocratie écologique: Le citoyen, le savant et le politique (Paris: Seuil, 2010), pp. 10 - 13.

بالعلوم القانونية والعلوم الاقتصادية والجغرافيا وعلم السكان وما إلى ذلك، غير أنّ معظم الأبحاث المنجزة استندت إلى مقاربات أحادية التّخصص. ومن هنا، ارتأينا من خلال هذه الدراسة الاعتمد على مقاربة الإنصاف ما-بين الأجيال (Equity Intergenerational، في إطارٍ تكاملي بين ما هو قانوني)3وما هو اقتصادي. وقد تبيّ من خلال هذا المنظور أنّ استدامة الموارد الطبيعية في خطر داهم، وأنّ للنمو الاقتصادي حدودًا لا يمكن تخطّيها أو تجاوزها بغية تلبية احتياجات الأجيال المقبلة. وانسجامًا مع منظور الإنصاف ما -بين الأجيال، برزت أهمية الرّقابة على التّلوث وحمية الموارد الطّبيعية من الدّمار والاستنزاف، ومحاولة الحدّ من اللامساواة والتّمييز في الولوج إليها؛ فالتّفاوت في الولوج إلى الموارد الطبيعية عمّق وضع عدم الأمن الغذائي وفاقم الفقر والهشاشة والعوز؛ ما أدّى إلى ظهور نزاعات من نوع "جديد" لأجل السيطرة عليها. وإزاء هذا الوضع، تمّ التّشديد على عنصري القدرة والتّمكين قصد تقليص الفوارق المجالية والوصول إلى الموارد بإنصاف (بين المنتفعين). بيد أنّ التّفاوتات تبقى حاسمة في المنطقة العربية عند الأخذ في الاعتبار مستويات الاستدامة البيئية، ومدى خطورة ذلك على الاستهلاك والهدر الغذائي. ولذلك تقترح الدراسة أهمية الانتقال إلى الاستدامة المجتمعية لتحليل التّفاعلات (الحقيقية) بين البيئة والاقتصاد والمجتمع. تتحدّد الإشكالية الأساسية للدراسة في تحليل تأثير التقاطعات/ الترابطات الموجودة بين دينامية الضغوط الديموغرافية المتسارعة، ومستويات استدامة الموارد الطبيعية في المنطقة العربية من منظور الإنصاف ما-بين الأجيال. ولأجل معالجة هذه الإشكالية، اعتمدنا على المنهج التّحليلي المقارن الذي يهتم بتفكيك الظّاهرة ودراسة أجزائها المختلفة، والبحث عن أسبابها وتجلياتها. وقد قمنا بتنظيم ورقتنا البحثية التّحليلية في مبحثين متكاملين في المضمون. يتناول المبحث الأول استدامة الحياة الآمنة للأجيال المقبلة في ظلّ الضغوط الديموغرافية والضّغط على الموارد الطبيعية. وخصص المبحث الثاني للتحولات الديموغرافية والحفاظ على الموارد الطبيعية لفائدة الأجيال العربية المقبلة. وفي الأخير، تناقش الخاتمة أبعاد النتائج المنبثقة من الدراسة، وتقدم مقترحات لغرض صياغة استراتيجيات أكثر ملائمة تمكّن الدول العربية من استغلال أمثل لمواردها الطّبيعية.

  1. تتجاذب نظرية الإنصاف ما-بين الأجيال مقاربات متعددة كالمقاربة الاشتراكية والمقاربة الليبرالية والمقاربة الدينية؛ ويرتبط مفهوم الإنصاف بالفلسفة والدين وعلم الاجتماع والفلسفة والقانون والأخلاق والاقتصاد وعلم السياسة وحقوق الإنسان... إلخ. وتتعدد المسؤوليات والاستراتيجيات والفاعلون في تناول مفهوم الإنصاف وارتباط ذلك بالدراسات المستقبلية وقضايا الاستدامة والعقد الاجتماعي. للتفصيل، يُنظر: الحسين شكراني، حقوق الأجيال المقبلة بالإشارة إلى الأوضاع العربية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2018 أ- زيادة الضغط على استغلال الموارد الطبيعية

أولً: استدامة الحياة الآمنة للأجيال المقبلة ي ف ظلّ التّحولات الديموغرافية والضّغط على الموارد الطبيعية

1. أوجه العلاقة بن التحولات الديموغرافية واستدامة الموارد الطبيعية

يتّفق العديد من الفلاسفة والمفكرين الاقتصاديين على أنه كلم زاد معدل النمو السكاني في دولة ما، زادت نسبة استهلاك الموارد الطبيعية، وتقلص النمو الاقتصادي المستدام؛ أي إنّ نصيب الأجيال المقبلة من هذه الموارد، وخاصة في شكلها الناضب، سيتأثر على نحوٍ سلبي. وقد نوقشت هذه الفكرة أول مرّة في كتابات الفلاسفة القدامى الذين حذّروا من أنّ عدم توسيع المساحات المزروعة بوتيرة تمكّن من مواكبة النمو السكاني السريع قد يؤدي إلى اكتظاظ سكاني كبير وارتفاع مستوى الفقر4. كم أنّ المذاهب المسيحية في القرون الوسطى، بغض النظر عن نظرتها الأخلاقية إلى الأمور، فسّت انتشار الفقر والمعاناة في بعض المجتمعات بالنمو المفرط للسكان، وشدّدت على أنّ آليات الطبيعة من شأنها إعادة التّوازن بين السكان والموارد من خلال الحروب والمجاعات وانتشار الأوبئة6. وفي القرن الثامن عشر، ساهم بعض الاقتصاديين المنتمين إلى المدرسة التجارية، من أمثال ريتشارد كانتيلون (1680 - 1734)، أو المدرسة الكلاسيكية، من أمثال توماس مالتوس (1766 - 1834)، في النّقاش الدائر بشأن العلاقة بين السكان واستغلال الموارد. ففي كتابه بحث في طبيعة التجارة بصفة عامة الصادر سنة 1755 يرى كانتيلون أنّ قدرة أيّ بلد على احتمل عدد معين من السكان تتوقف على7، مدى إنتاجية الأراضي، وأنّ أسباب الحروب التي تحدث من وقت لآخر ترجع بالأساس إلى الضغط السكاني على الموارد، حيث تساعد على إعادة التناسب بين عدد السكان وضرورات الحياة8. وفي نظريته التّشاؤمية حول التكاثر السكاني، يرى مالتوس في كتابه مقالة عن مبدأ السكان الصادر سنة 1798 أنّ9قُدرة السكان على التكاثر تتمّ وفق متوالية هندسية، في الوقت الذي تتم فيه قدرة ازدياد موارد العيش

  1. منظمة الأمم المتحدة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، تقرير موجز عن رصد السكان في عام 001:2 السكان والبيئة والتنمية:(نيويورك 2 - 2001/4/6)، ص.61 5 المرجع نفسه.
  2. Richard Cantillon, An Essay on Economic Theory (Auburn, Alabama: Ludwig von Mises Institute, 2010 [1755]).
  3. رمزي زكي، المشكلة السكانية وخرافة المالتوسية الجديدة، سلسلة عالم المعرفة 84 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1984)، ص.22
  4. Thomas R. Malthus, An Essay on the Principle of Population, Geoffery Gilbert (ed. & intro.) (New York: Oxford University Press, 1993 [1798]).

وفق متوالية حسابية. وعلى هذا الأساس، فإنّ أعداد السكان ستتضاعف كل 25 سنة، وستستمر بالزيادة إلى ما لا نهاية ما لم تتدخل موانع تدفع إلى التقليل من نسبة التزايد السكاني لتعادل نسبة إنتاج الموارد المعيشية10. وقد خلص مالتوس إلى أنّ "مشكلات الجوع والبطالة والفقر وسوء أحوال الصحة العامة وانتشار الرّذيلة وفساد الأخلاق إنما هي مشكلات حتمية لا ذنب لأحد فيها؛ فهي ترجع إلى مفعول هذا القانون الأبدي الذي يعمل في كل زمان ومكان وفي كل الظّروف التي يمكن أن يعيش فيها الإنسان"11. وقد ساهم انتشار المجاعة وسوء التغذية في بعض مناطق العالم في ستينيات القرن الماضي في إحياء الفكر المالتوسي من خلال التركيز على خطر "الانفجار السكاني" وصعوبة توفير الموارد الغذائية لسدّ احتياجات السكان. ويُصنَّف "نادي روما" الذي أنشئ سنة 1968 على أنه أحد تجليات هذا الفكر المالتوسي الجديد. ففي أول تقرير له تحت عنوان "حدود النمو"، دافع هذا النّادي الذي يهتم بقضايا التنمية عن فكرة مفادها أنّ النمو الاقتصادي لا يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمى بسبب نفاد الموارد الطبيعة المتاحة الناتج من ضغط الزيادة السكانية. وللحيلولة دون ذلك، اقترح معدّو هذا التقرير إبطاء النمو السكاني من خلال وضع إجراءات وتشريعات سكانية من شأنها أن تعيد التوازن بين نمو السكان وتدهور الموارد12. وفي الاتجاه نفسه، نشر الباحث الأميركي جاك غولدستون سنة 2010 مقالً مهمًاستعاد عنوان الكتاب الشهير للبيولوجي بول إيرليش القنبلة السكانية الصادر سنة 1968، وعنوانه "القنبلة السكانية13الجديدة: التحولات الأربعة الرئيسة التي ستغيّ وجه العالم"14، وأكد فيه أنّ الأمن الغذائي العالمي في المستقبل لن يرتبط بحجم سكان العالم فحسب، وإنما بالتركيبة السكانية أيضًا. ومن بين التغيرات التي شدّد عليها الباحث الزيادة في نسبة الساكنة الحضرية في المناطق الأكثر فقرًا في العالم، مع ما يترتّب على ذلك من مشكلات عمرانية واجتمعية وبيئية15. وفي الوقت نفسه، أكّد الباحث أنّ العالم استطاع تجاوز صدمات المجاعة المرتبطة بالانفجار الديموغرافي، التي تنبّأ بها بعض الباحثين بفضل الثورة الخضراء وما رافقها من زيادة في الإنتاجية الزراعية16.

  1. Thomas R. Malthus, "An Essay on the Principle of Population [1798]," in: E. A. Wrigley & David Souden (eds.), The Works of Thomas Robert Malthus (London: Pickering/ Chatto Publishers, 1986).
  2. مذكور في: زكي، ص.26
  3. Donella Meadows et al., The Limits to Growth (New York: Universe books, 1972).
  4. Paul R. Ehrlich, The Population Bomb (New York: Ballantine Books, 1968).
  5. Jack A. Goldstone, "The New Population Bomb: The Four Megatrends that Will Change the World," Foreign Affairs, vol. 89, no. 1 (January/ February 2010).
  6. Ibid., pp. 28 - 29.
  7. Ibid., pp. 31 - 39. ب- التّمييز واللامساواة في الولوج إلى الموارد الطبيعية

ويرى أنصار المدرسة المؤسسية، مثل كوتز شريبر وكيفن كليفر، أنّ النمو السكاني السريع في العديد من مناطق العالم أثّر سلبيًا في المؤسّسات غير الرسمية، وأعاق تطور حقوق الملكية الحديثة التي من شأنها رفع الإنتاج الزراعي؛ كم أثّر سلبيًا في التوازنات الإيكولوجية الهشة في ظل عدم التحديد المحكم لملكية الأراضي17. وفي الاتجاه نفسه تقريبًا، يرى أمارتيا سن أنّ النمو السكاني يعتبر عاملً مساعدًا في التدهور البيئي، مع العلم أنّ السبب الرئيس هو طبيعة الهيكل المؤسسي للمجتمع، حيث يتمّ حرمان غالبية السكان من بعض حقوقهم الأساسية18.

تُسَّع عولمة الاقتصاد الاعتمد المتبادل للأنظمة الإيكولوجية العالمية؛ وهو ما يطرح إشكالات استعمل الموارد العامة الكونية. ولذلك يطرح موضوع تنظيم الولوج إلى الموارد واستعملها لمصلحة الجيل الحالي والمقبل، ولأجل إشراك الدول والسّاكنة (المحلية) المعنية بهذه الموارد. ذلك أنّ التّفاوتات في الولوج إلى الموارد (الأرض، والماء، والشّغل... إلخ) تُعيد إنتاج عدم الأمن الغذائي والفقر؛ وتعزّز هذه القضايا (وغيرها) الهشاشة والإقصاء، وتؤدي إلى بروز نزاعات من نوع جديد19. في حين أنه من الممكن تفادي اندثار الموارد الطّبيعية عن طريق تطوير استراتيجيات اقتصادية تنموية ناجعة، تضمن الاستدامة من دون الإضرار بالبيئة وبرفاهية الأجيال المقبلة. فالتنمية يجب أن تكون كمية بمعنى تعزيز الإنتاج الاقتصادي، وأن تكون نوعيةً بتحسين الظّروف المعيشية مع صيانة البيئة20. لكن نرى أهمية التّوازي بين التنمية الكمية والنوعية؛ وضمن الولوج العادل إلى الموارد وتقليص الفجوة المجالية في توزيعها. فحالات الإجهاد البيئي تنشأ من عدم التّوازن بين ما يستهلكه الناس وما يمكن للنّظم الطبيعية أن توفره. ويتمثل تأثير البشر في المحيط الحيوي أساسًا في الاستخدام والهَدر21؛ إذ إنّ20 في المئة من سكان العالم يستهلكون 80 في المئة من الموارد الطبيعية. وبتعبير آخر، يساهم 20 في المئة من سكان العالم في التّدهور المستدام للموارد الطبيعية (Degrowth.Sustainable)22

  1. Kevin Cleaver & Gotz Schreiber, Reversing the Spiral: The Population, Agriculture and Environment Nexus in Sub-Saharan Africa (Washington D.C.: World Bank, 1994).
  2. Amartya Sen, Un nouveau modèle économique: Développement, justice, liberté, 2 ème ed. (Paris: Ed. Odile Jacob, 2003).
  3. Said Alhayane, "Sécurité alimentaire et politique agricole au Maroc," Doctorat en Droit Public et Sciences Politiques, Université Cadi Ayyad de Marrakech (2017), p. 14.
  4. Mohamed Rabie, A Theory of Sustainable Sociocultural and Economic Development (Verlag: Palgrave Macmillan, 2016), pp. 7 - 8.
  5. لجنة إدارة شؤون المجتمع العالمي، جيران في عالم واحد، ترجمة مجموعة من المترجمين، مراجعة عبد السلام رضوان، سلسلة عالم المعرفة 201 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1995)، ص.165
  6. Rabie, p. 22. أ- المقاربة الفلسفية

ولأجل تجاوز التمييز في الولوج إلى الموارد، مع الحرص على ضمن عدم مفاقمة ولوج فئات جديدة لإجهاد الموارد الطبيعية، ينبغي البدء من حيث إدماج مفهوم الاستدامة المجتمعية، وليس فقط مفهوم الاستدامة ضمن منظور السياسات العامة. لذلك يركز الفهم السوسيولوجي على الاستدامة الاجتمعية23 الذي يتطلب تحليل التفاعلات القائمة بين المستويات الثلاثة: البيئة، والاقتصاد، والمجتمع. فلصياغة مفهوم إجرائي للاستدامة الاجتمعية، لا يجب الاهتمم بآثار الخيارات الاقتصادية على المستوى الاجتمعي فحسب، بل النظر أيضًا في الخيارات الاجتمعية وتداعياتها على مستوى البناء الاجتمعي للمجتمع كلّه.

2. مقاربات الإنصاف ما-بن الأجيال في علاقتها بالاستدامة

لا تستند مقاربات الإنصاف إلى الأخلاق والعدالة فقط24؛ فالإنصاف هو انعكاس لمفاهيم العدالة والشّعية أيضًا25. واستنزاف الموارد النّاضبة، وتلويث الأرض، فيهم ظلم للأجيال المقبلة وخطر محتوم في العيش الكريم26. ولذلك يبقى مفهوم العدالة منقوصًا ما لم يشمل بُعد "تحقيق العدالة بين الأجيال"؛ ومن أوضح الأمثلة على الإخلال بهذا البعد من العدالة ما يتعلق بتغيّ المناخ؛ إذ تتجلى أزمة الإنسان بالطّبيعة في مدى الظّلم الذي من شأنه أن يلحق الأجيال المقبلة، وفي إمكانية ضياع حقّها من الموارد الطبيعية والبيئية المحدودة27. ولذا فإنّ الخطاب البيئي ينتقد فلسفة الفعل الفردي الليبرالية والطّاغية في العقلانية الرّبحية، ويؤسّس لواجب الفعل بصفته مسؤولية مشتركة للأفراد والجمعات. وبحسب محبوب الحق، إنّ ما يجب استدامته هو الحياة الإنسانية، والبيئة الطبيعية هي وسيلة للاستدامة وليست غاية28. لذلك على كلّ جيل مقابلة احتياجاته من دون أن يترتّب عليها ديون لا يستطيع الوفاء بمقابلتها؛ بمعنى تفادي تراكم الدّيون البيئية (تلوّث البيئة واستنفاد الموارد الطبيعية)،

  1. عبد الله القرطبي، "في سبيل الفهم السوسيولوجي للأسس العلمية والرهانات المجتمعية للتنمية المستدامة"، في: أحمد علي سالم [وآخرون]، شكراني الحسين وعبد الرحيم خالص (إشراف وتنسيق)، الإنسان والبيئة: مقاربات فكرية واجتماعية واقتصادية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2017)، ص 136 -.137
  2. Daniel Bodansky, Jutta Brunnée & Ellen Hey (eds.), The Oxford Handbook of International Environmental Law (Oxford and New York: Oxford University Press, 2007), p. 662.
  3. Thomas Schoenbaum, "Fairness in International Law and Institutions," The Cambridge Law Journal, vol. 58, no. 1 (March 1999), p. 229.
  4. الظلم في العالم العربي والطريق إلى العدل (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2018)، ص.50
  5. عبد الحميد العبيدي، "محاولة في فهم تقاطعات الخطاب البيئي مع مسار نقد الحداثة"، عمران، مج 8، العدد 31 (شتاء 2020)، ص.118
  6. علي عبد القادر علي، "ملاحظات استكشافية حول النمو المستدام والتنمية في الدول العربية"، عمران، مج 1، العدد 1 (صيف 2012)، ص.26

والدّيون المالية (الاقتراض غير الرّشيد)، والدّيون الاجتمعية (إهمل الاستثمر في الإنسان)، والدّيون الديموغرافية (النمو السكاني غير المنظّم ومعدلات التّحضر العالية) على الأجيال المقبلة. توجد إذًا حاجة إلى حمية الموارد الطبيعية لمنفعة الأجيال المقبلة تجسيدًا للإنصاف الجيلي29. فمن الصّعب نفي العلاقة الجدلية بين تضاعف عدد السكان، ولا سيم منذ سنة 1968، والموارد؛ إذ تمّ منذئذٍ تسجيل تدهور كبير للموارد والبيئة30. فبحسب بول إيرليش وآن إيرليش، تؤدي مضاعفة السكان المترافقة باستهلاكٍ متزايد للموارد إلى تزايد الضّغوط على البيئة العالمية وتؤثّر سلبيًا في التنمية الاقتصادية31. ولأجل الحدّ من المشكلات الإيكولوجية، يقترح الباحثان: أولً، ضمن استقرار النمو السكاني العالمي في مستويات تتطابق مع قدرة وإمكانات الأرض؛ ثانيًا، تعويض التكنولوجيا الملوثة بتكنولوجيا تحترم البيئة؛ ثالثًا، تعويض النمو الاقتصادي بالتّوازن الاقتصادي؛ علاوةً على مستويات الإنتاج الغذائي، ونقص المياه، وتدهور الموارد، ومساهمة السكان في الإنتاج32. وترى دينا شيلتون، أنه يوجد ارتباط بين مبدأ التّضامن ومقاربة الأجيال المقبلة على ثلاثة مستويات: على كلّ جيلٍ صيانة تنوع قاعدة الموارد الطّبيعية والثّقافية والاقتصادية، وهذا لا يقيد الخيارات المتاحة للأجيال المقبلة في تلبية احتياجاتهم. على الجيل الحالي الحدّ من استعمل الموارد الطبيعية لأجل الأجيال المقبلة. يجب أن يصان الموروث الثّقافي والطبيعي للجيل الماضي والحاضر لأجل تمكين الأجيال المقبلة من الولوج المنصف33. كم تؤكّد شيلتون أنه تمّ التفكير المعمق في الإنصاف في سياق صيانة واستعمل الموارد في آن واحد34. لكن القضية تبدو أكثر تعقيدًا وتشبيكًا؛ إذ يصعب صيانة الموارد واستعملها إلى أبعد حدّ ممكن. فالإنصاف ما-بين الأجيال يمسّ بالميزانيات والأمن والخدمات، وانتقال الثّوة ما-بين الأجيال وحمية الموارد، وتتضمن هذه القضية إعادة النظر في الحاجة إلى إصلاح اللاعدالة التاريخية

  1. Philippe Sands et al., Principles of International Environmental Law, 2 nd ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 2003), p. 253.
  2. Paul R. Ehrlich & Anne H. Ehrlich, "Population, Resources, and the Faith-Based Economy: The Situation in 2016," BioPhysical Economics and Resource Quality, vol. 1, no. 1 (2016), p. 1.
  3. Ibid.
  4. Colin Hickey, Travis N. Rieder & Jake Earl, "Population Engineering and the Fight against Climate Change," Social Theory and Practice, vol. 42, no. 4 (October 2016), p. 647.
  5. Dinah Shelton, "Intergenerational Equity and the Sustainable Development Goals," in: Dinah Shelton (ed.), The Oxford Handbook of International Human Rights Law (Oxford: Oxford University Press, 2013), p. 341.
  6. Ibid., p. 131. ب- المقاربة الاقتصادية

وانعكاساتها الحالية. وتتأسس هذه القضايا بحسب شيلتون على المدى البعيد، وخلخلة السياسات (العامة)؛ فبناء المستقبل لا يتأسس على الحاضر فقط، بل ينتج أساسًا من الماضي35. إنّ الانتقال السّلس للموارد الطبيعية لا يبدأ من الجيل الحاضر؛ ولذلك نجد أنّ الدول النامية تدافع عن مسؤولية الغرب المصنع التاريخية عن الاحتباس الحراري. فالحاضر لا ينفصل عن الماضي والمستقبل، ولا يمكن فهم تدهور الموارد الطبيعية إلا بتتبع مسلسل الاندثار منذ الثورة الصناعية الأولى.

مهّدت النّظرة التّشاؤمية إزاء الضّغط السكاني، وكذا رفع مستوى الوعي بقضايا التغير المناخي، الطريق لإنتاج أفكار اقتصادية جديدة تعكس روح العدالة والإنصاف بين الأجيال. ويتفق العديد من المفكرين الاقتصاديين المعاصرين (المدرسة الإيكولوجية) على أنّ اختلال التّوازن بين النمو السكاني السّيع والنمو الاقتصادي المستدام يؤثر سلبيًا في نصيب الأجيال المقبلة من الموارد الناضبة. وفي هذا الصدد، اعتبر هارولد هوتيليغ أنّ آليات السوق قادرة على معالجة هذا الاختلال؛ إذ إنّ لكل مورد طبيعي غير متجدد رزنامة مثلى للاستغلال، ويتحقق ذلك تلقائيًا بفعل قوى السوق (العرض والطلب)36. وعلى هذا الأساس، يمكن تحديد الكميات التي ستستفيد منها الأجيال المقبلة على مدى السنين المقبلة. وقد بيّ روبرت سولو، في إطار نموذج النمو الاقتصادي مع وجود موارد طبيعية، أنّ استدامة هذا النمو قابلة للتحقيق ودون أي تكاليف للاستخراج؛ ولكن هذا الارتباط رهين بتحقق مرونة استبدال متكافئة بين رأس المال والموارد (مرونة تساوي واحدًا صحيحًا)37. ويرى سولو أنه في حالة فشل آليات السوق، أي ضعف تنظيم حقوق الملكية على الموارد الطبيعية، فإنّ النمو السريع للسكان يمكن أن يؤدي إلى تسارع التدهور البيئي الناتج من استغلال الموارد الطبيعية ذات الطابع المجاني. ومن هذا الجانب، يمكن القول إنّ التحكم في النمو السكاني السريع أمر مرغوب فيه38.

  1. Ibid.
  2. Harold Hotelling, "The Economics of Exhaustible Resources," Journal of Political Economy, vol. 39, no. 2. (April 1931), pp. 137 - 175.
  3. Robert Solow, "Intergenerational Equity and Exhaustible Resources," Review of Economic Studies, vol. 41, no. 5 (1974), pp. 29 - 45.
  4. Ibid.

وبغرض إضفاء نوع من الشرعية على آلية التّحويلات بين الأجيال، اقترح كلود هنري إدخال الأخلاق في القرارات الاقتصادية من خلال مبدأ الملكية المشتركة39. ووفقًا لهذا المبدأ، فإنّ جيلين متعاقبين لهم الحقوق نفسها في وجود البيئة الطبيعية؛ إذ لا يمكن أن يستغل الجيل الأول الموارد الطّبيعية بصفة غير قابلة للاسترجاع (Irreversibilty)، إلا إذا استطاع أن يوفر مبالغ أو موارد محددة وكافية لتعويض الأجيال المقبلة40. ويستند هذا المبدأ إلى آليات مؤسسية خاصة بإعادة التوزيع؛ ولذا فإعادة التوزيع بين الأجيال تؤدّي دورًا مهمً في تحقيق الاستدامة، فهي لا تساهم في تحديد التّخصيص الأمثل للموارد الطّبيعية في الاقتصاد فحسب، بل تحدد أيضًا معدل الخصم الاجتمعي الأنسب41. ومن منظور اقتصادي صرف، غالبًا ما تتم الاستعانة بنمذج وأساليب تحليلية كمية لمعالجة قضية الإنصاف بين الأجيال لأجل تطبيق معدل الخصم الاجتمعي؛ أي النسبة التي تتناقص بها على مرّ الزمن القيمة التي يعطيها المجتمع للمنافع المستقبلية المرتبطة بالموارد الطبيعية أي تكلفة الاستدانة؛ وهي نسبة تعكس معدل العائد المتوقع الحصول عليه نظير استغلال مورد طبيعي معين. وغالبًا ما يُستعمل هذا المعدل مؤشرًا لقياس مدى تقديراتنا لرفاهية الأجيال المقبلة مقارنةً برفاهية جيلنا. تبدو عملية تحديد معدل الخصم الاجتمعي المناسب صعبة؛ إذ إنها أثارت جدلً في أوساط علمء الاقتصاد، بسبب تداخل عدّة متغيرات ذات طابع تقني (إجراء عمليات حسابية دقيقة)، وأخلاقي (طريقة تقدير الحياة بعيدًا عن حياتنا في الزمكانية)، وسلوكي (الأهمية الذاتية التي يوليها كل فرد للمستقبل). كم أنّ حالة عدم اليقين (Uncertainty) بشأن مستقبل الموارد وتفضيلات الأجيال المقبلة تعقّد عملية الاختيار. وباختصار، يأتي معدل الخصم المرتفع والمستخدم في حسابات أيّ مشروع استغلال في صالح الاستثمرات الحالية؛ والعكس صحيح. ويُعدّ فرانك رامزي من بين الاقتصاديين الأوائل الذين اهتموا بهذا الموضوع؛ إذ اقترح سنة 1928 قاعدةً لاحتساب معدل خصم عادل تعتمد على ثلاثة متغيرات: صافي معدل التّفضيل الزمني (δ)، ومعدل النمو الاقتصادي (g)، والنّفور النسبي من عدم المساواة في الاستهلاك بين الأجيال (γ)42. ويتمّ الحصول على معدل الخصم المناسب من خلال القاعدة التالية: r = δ + g * γ

  1. Claude Henry, "Efficacité économique et impératifs éthiques: L'environnement en copropriété," Revue économique, vol. 41, no. 2 (Mars 1990), pp. 195 - 214.
  2. Ibid.
  3. Richard B. Howarth & Richard B. Norgaard, "Intergenerational Resource Rights, Efficiency and Social Optimality," Land Economics, vol. 66, no. 1 (February 1990), pp. 1 - 11.
  4. Frank Ramsey, "A Mathematical Theory of Savings," Economic journal, vol. 38, no. 152 (December 1928), pp. 543 - 559. ج- المقاربة القانونية

ومن جانبه، أوضح مارتن فايتسمن أنّ عدم اليقين المرتبط بمعدلات النمو على المدى الطويل، الناجم عن عدم اليقين بشأن التقدم التقني على سبيل المثال، ينبغي أن يفضي إلى معدلات خصم متناقصة. وغالبًا ما ترتبط هذه المعدلات بالأفق الزمني الذي تمّ تحديده مبدئيًا، ولا تأخذ في الاعتبار صافي معدل التفضيل الزمني في الأمد القريب فحسب، بل أيضًا حقوق الملكية بين الأجيال على المدى البعيد43. وقد دافع كرستيان غولييه عن هذه الفكرة مع الاعتمد على ما أسمه "معدل الخصم الإيكولوجي"، الذي يحيل إلى معدل الخصم العادي - مصححًا - أخذًا في الاعتبار تأثيرات الأسعار النسبية، وعدم اليقين الخاص باستغلال الموارد الطبيعية44.

يرى أربور ولافالي أنّ استغلال الموارد الطبيعية غير المتجددة سيؤدي إلى نضوب الموارد؛ فكل لتر من البنزين المستهلك حاليًا هو لتر سنحرم منه الأجيال المقبلة45. فنفث ثاني أوكسيد الكربون يساهم في الغازات الدّفيئة؛ ومن المحتمل أن تعيش الأجيال المقبلة في مناخ حارّ مقارنة بالمناخ الذي نعيش فيه. ويضيف الباحثان أنّ مجتمعاتنا تنتج سنويًا آلاف الأطنان من النفايات النووية التي ستظل تأثيراتها لسنين مقبلة46. ولذلك فإنه يطرح سؤالً إيتيقيًا حادًّا؛ لأنّ رفاهية الجيل الحالي تشكل خطرًا داهمً على الأجيال المقبلة التي يجب أن تضمن سلامة ومراقبة المواقع النووية. ومن أهم المدافعين عن نظرية الإنصاف نذكر إديث فايس، التي تناولت قضايا الإنصاف ما-بين الأجيال والواجبات الكونية والحقوق الكونية، واستراتيجيات تطبيق الإنصاف ما-بين الأجيال والنفايات النووية والموارد البيولوجية والموارد المتجددة والموارد الثقافية ومعرفة الأنظمة الطبيعية47. وشدّدت فايس على عدة عناصر جوهرية: اندثار الموارد، وتدهور جودة البيئة، والتمييز في الولوج واستعمل الموارد48. فالموارد تتعرض، بحسب فايس، إلى نشاطات مُدمرة من الجيل الحالي، ولا سيم بالنظر إلى ما يلي:

  1. Martin L. Weitzman, "Why the Far-distant Future Should be Discounted at its Lowest Possible Rate," Journal of Environmental Economics and Management, vol. 36, no. 3 (November 1998), pp. 201 - 208.
  2. Christian Gollier, "Ecological Discounting," Journal of Economic Theory, vol. 145, no. 2 (March 2010), pp. 812 - 829.
  3. Jean-Maurice Arbour et al., Droit international de l'environnement, 3 ème ed. (Montréal: Editions Yvon Blais, 2016), p. 28.
  4. Ibid. وتجدر الإشارة إلى أنه عندما نتحدث عن المجتمعات يجب أن نفكر في الأنتروبوسان Anthropocene The، أي تحول الإنسان إلى قوة جيولوجية عدائية قادرة على إنهاك الكون. لكن المفروض هو تعويض كلمة الأنتروبوسان بالرأسمالية الجيولوجية Capitalocene The، بمعنى أنّ اندثار الطبيعة ومواردها سببه الحتمي منطق التطور الاقتصادي للرأسمالية.
  5. Edith Brown Weiss, Justice pour les générations futures (Paris: UNU Press/ Unesco/ Sang de la Terre, 1993).
  6. يُنظر: الحسين شكراني، "مقاربة إديث براون ويس في شأن العدالة الجيلية"، المستقبل العربي، العدد 458 (نيسان/ أبريل 2017)، ص 116 -.132 أ- الدينامية السكانية في المنطقة العربية

يُلقي استهلاك الموارد (ذات القيمة العالية) بكثافة بظلاله على الأجيال المقبلة. استهلاك الموارد التي لم يكشف النّقاب بعد عن قيمتها من قبل الجيل الحالي. ö اندثار الموارد يؤدي إلى نقصها الحاد49. أما نظرية الإنصاف ما-بين الأجيال50، فتجد مصدرها في القانون الدولي، وديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حين تمّ الاعتراف ب "توريث/ أو انتقال" الكرامة والمساواة والحقّ في الأسرة الإنسانية بصفتها قاعدة أساسية للحرية والعدالة والسّلم؛ إضافة إلى مجموعة من الوثائق الدولية كميثاق الأمم المتحدة، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقية الدولية للطّفل. وتتمحور نظرية الإنصاف حول امتلاكنا البيئة الكونية المشتركة في الماضي والحاضر والأجيال المقبلة، وإمكانات استعملها لمنفعتنا، مع واجبات صيانتها؛ فالإنصاف يشكل معيارًا رابطًا بين الأجيال الحالية والمقبلة51.

ثانيًا: التحولات الديموغرافية والحفاظ على الموارد الطبيعية لفائدة الأجيال العربية المقبلة

1. التحولات الديموغرافية في البلدان العربية

شهدت المنطقة العربية خلال العقود الستة الماضية تحولات ديموغرافية سريعة ومنتظمة نتجت منها زيادات كبيرة في أعداد السكان، وتغيرات مهمة في خصائصهم وبنيتهم الهيكلية. فاعتمدًا على البيانات الإحصائية لشعبة السكان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، يتضح أنّ عدد سكان المنطقة العربية تضاعف تقريبًا أربع مرات منذ بداية العقد السابع من القرن العشرين؛ إذ بلغ 429 مليون نسمة سنة 2019 مُقابل 123 مليون نسمة سنة 1970 (الشكل 1)؛ ويزداد هذا العدد بمعدل سنوي يزيد على 6 ملايين نسمة52.

  1. Weiss, p. 4.
  2. Edith Brown Weiss, "Our Rights and Obligations to Future Generations for the Environment," The American Journal of International Law, vol. 84, no. 1 (January 1990), pp. 200 - 201.
  3. Edith Brown Weiss, "The Changing Structure of International Law," in: Michel Prieur, Claude Lambrechts & Alexandre Charles Kiss, Les hommes et l'environnement: Quels droits pour le vingt-et-unième siècle? Études en hommage à Alexander Kiss [Mankind and the Environment: What Rights for the Twenty-first Century? Studies in Honour of Alexandre Kiss] (Paris: Frison-Roche, 1998), pp. 9 - 10.
  4. United Nations, Population Division, Department of Economic and Social Affairs, World Population Prospects 2019 (New York: August 2019), accessed on 15/4/2020, at: https://bit.ly/333eSFP الشكل (1) تطور حجم سكان العالم العربي (مليون نسمة) المصدر: من إعداد الباحثين بالاعتماد على البيانات الإحصائية لشعبة السكان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة: United Nations, Population Division, Department of Economic and Social Affairs, World Population Prospects 2019 (New York: August 2019), accessed on 15/4/2020, at: https://bit.ly/333eSFP

وتتميز كل الدول العربية بنسب عالية من النمو السكاني، بلغت في معدلها السنوي 2.58 في المئة بين سنتي 1970 و 2019، وهو معدل مرتفع يعادل تقريبًا ما هو عليه في دول القارة الأفريقية (2.6 في المئة)، وفي منطقة أميركا اللاتينية (2.67 في المئة)53، ويفوق معدلات القارة الآسيوية (1.5 في المئة). وعلى الرغم من هذه الزيادة المطردة في حجم سكان المنطقة العربية، فإن معدل التزايد عرف انخفاضًا مستمرًا خاصة خلال العشرية الأخيرة، إذ انتقل من 34.96 في المئة، بين سنتي 1970 و 1980 إلى 26.90 في المئة بين سنتي 2000 و 2010 قبل أن يتراجع إلى 20.50 في المئة خلال الفترة 2010 -.201954وتُخفي هذه البيانات نوعًا من التفاوت بين مختلف المناطق المتجانسة المكونة للمنطقة العربية. فدول المشرق العربي تضم وحدها 42 في المئة من مجموع سكان الوطن العربي، تليها دول المغرب العربي بنسبة 23 في المئة، ثم مجموعة الدول العربية الأقلّ نموًا بنسبة 22 في المئة، وأخيرًا دول الخليج العربي بنسبة 13 في المئة فقط55.

  1. من حساب الباحثين اعتمادًا على البيانات الإحصائية لشعبة السكان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة:.Ibid
  2. Ibid.
  3. حساب الباحثين اعتمادًا على البيانات الإحصائية لشعبة السكان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة:.Ibid الشكل (2) المتوسط السنوي لمعدل النمو السكاني في العالم العربي خلال الفترة 1970 - 2019 دول المغرب العربي دول الخليج العربي دول المشرق العربي بقية الدول العربية المصدر: من إعداد الباحثين بالاعتماد على المرجع نفسه.

وكم يبين الشكل (2)، فقد سجّلت دول الخليج العربي أسرع معدلات النمو السكاني في المنطقة العربية بنسب تراوح بين 3.6 في المئة في الكويت، و 7.9 في المئة في الإمارات العربية المتحدة. وقد جاءت هذه المعدلات أعلى بنحو مرتين من نظيرتها المسجلة في دول المغرب العربي. وباستثناء الأردن وجيبوتي، سجلت بقية الدول العربية نسب نمو معتدلة راوحت بين 2 و 3 في المئة، لكنها تبقى مع ذلك مرتفعة56.

ومعلوم أنّ الزيادات السكانية مرتبطة بعاملين أساسيين؛ الأول طبيعي وهو ناتج من الفرق بين معدل المواليد ومعدل الوفيات؛ والثاني ناجم عن الهجرة الخارجية. وقد أدّى هذان العاملان دورًا بارزًا في النمو الديموغرافي المطّرد الذي عرفه العالم العربي. وكم يبين الشكل (3)، فقد سجّلت نسبة المواليد انخفاضًا

  1. يعود ارتفاع معدل النمو السكاني في الأردن (3.7 في المئة) إلى تدفق اللاجئين السوريين. أما في جيبوتي، فيعزى معدل النمو السكاني المرتفع (3.75 في المئة) إلى ارتفاع معدل الخصوبة وتوافد المهاجرين القادمين من القرن الأفريقي، وخاصة الصومال:.Ibid الشكل (3) تطور معدل المواليد ومعدل الوفيات في العالم العربي خلال الفترة 1970 - 2018 المصدر: من إعداد الباحثين بالاعتماد على البيانات الإحصائية للبنك الدولي، "مؤشرات التنمية العالمية"، شوهد في 2020/4/20، في: World Bank, "Taux de naissance, brut (pour 1000 personnes) - Arab World," accessed on 8/10/2020, at: https://bit.ly/303r9bl; World Bank, "Taux de mortalité, brut (pour 1000 personnes) - Arab World," accessed on 8/10/2020, at: https://bit.ly/3mQbLZq

منتظمً منذ 1970، يقابلها انخفاض ممثل في نسبة الوفيات. وبلغت نسبة المواليد 2.51 في المئة سنة 2018، مقابل 4.48 في المئة سنة 1970، وهو ما يمثل انخفاضًا بنحو النصف على مدى 48 سنة. أما نسبة الوفيات، فقد استقرت في 0.54 في المئة سنة 2018 مقابل 1.56 في المئة سنة 1970، أي بمعدل انخفاض يقارب الثلثين. وعلى هذا الأساس، فإنّ نسبة النمو السكاني الطّبيعي في العالم العربي (المواليد ناقص] -[الوفيات) تبقى عمومًا مرتفعة نظرًا إلى التوازن الجزئي الذي يتحقق بين المتغيرين. وإذا أخذنا في الاعتبار عامل الهجرة الخارجية، ومن دون اعتبار الحالة السورية نظرًا إلى طابعها الاستثنائي؛ نجد أنّ المنطقة العربية سجلت صافي هجرة (الوافدون ناقص -[] المغادرين) ناهز مليون شخص خلال الفترة 2015 -.202057تخفي النتائج تباينًا واسعًا بين مختلف الدول العربية نظرًا إلى ارتباطها بمؤشرات التنمية، وكذا التطور التاريخي لكل بلد. وتبعًا لذلك، تظهر البيانات الإحصائية لمنظمة الأمم المتحدة أنّ متوسط معدل المواليد ومعدل الوفيات منخفضان على نحوٍ واضح في بلدان الخليج، مقارنة بمتوسط ما هو عليه الوضع في المنطقة العربية كلّها. فقد بلغ معدل المواليد في قطر، مثلً، أقلّ من واحد في المئة سنة 2018 بعدما

  1. United Nations, Population Division, Department of Economic and Social Affairs, World Population Prospects 2019, accessed on 22/4/2020, at: https://bit.ly/33THoZz ب- التحول في البنية العمرية للسكان

ناهز 4 في المئة في بداية سبعينيات القرن الماضي58. أما معدل الوفيات، فلم يتجاوز 0.12 في المئة، مقابل 0.52 في المئة خلال الفترة نفسها59. وتأتي الدول المغاربية وبعض دول المشرق العربي (الأردن، ولبنان) في المرتبة الثانية بمعدل مواليد ومعدل وفيات أقل بقليل من المتوسط العربي (2.5-2.0 في المئة سنويًا بالنسبة إلى المواليد و 0.4 - 0.54 المئة بالنسبة إلى الوفيات)، وهي تمر بمرحلة انتقالية مهمة نحو تحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتمعية. أما بقية الدول العربية، فسجلت معدلات مرتفعة تجاوزت المتوسط العربي؛ ما يعني أنها فشلت إلى حد ما في تقليص مشكلاتها ذات الطابع الديموغرافي.

تُعدّ البنية العمرية للسكان من أكثر المحاور أهميةً في مجال علم السكان، إذ إنها تقدّم صورةً مسهبة للمجتمع السكاني بحسب فئات العمر، مع ما يترتب على ذلك من تأثيرات في معدل الإعالة وإمكانية تحقيق مكاسب اقتصادية مهمة. ومن خلال قراءة الشكل (4)، يلُاحظ أنّ التركيبة العمرية في المنطقة العربية شهدت تغيرات مهمة خلال الخمسين سنة الأخيرة؛ إذ تراجعت نسبة فئة صغار السن (الأفراد الذين تقلّ أعمرهم عن 15 سنة) من 44.82 في المئة سنة 1970 إلى 32.56 في المئة سنة 2020، في حين ظلّت نسبة السكان من الفئة العمرية الشابة (الأفراد الذين تراوح أعمرهم بين 15 و 24 سنة) شبه ثابتة. وفي المقابل، ازدادت نسبة السكان ممن هم في سن العمل (من 25 إلى 64 سنة) بوتيرةٍ أسرع مقارنةً ببقية الفئات العمرية، إذ انتقلت من 33.28 في المئة سنة 1970 إلى 45.79 في المئة سنة 2020. وأخيرًا، وعلى الرغم من الدينامية الديموغرافية وتطور الأنظمة الصحية في الدول العربية، لم تسجّل نسبة كبار السن (ممن تصل أعمرهم إلى 65 سنة فم فوق) سوى ارتفاعٍ ضئيل قُدّر بنقطة مئوية واحدة خلال الفترة نفسها (4.76 في المئة سنة 2020، مقابل 3.64 في المئة سنة 1970)60. وقد كان من نتائج هذه التحولات في البنية العمرية لسكان المنطقة العربية أن تآكلت قاعدة الهرم السكاني قليلً، مقابل اتساع وسطه نتيجة النمو المتسارع لعدد الأفراد الذين تراوح أعمرهم بين 25 و 64 سنة، القادرين فعليًا على المساهمة في الإنتاج (الشكل 5). ومن المعلوم أنّ الزيادة النسبية في عدد

  1. البنك الدولي، "معدل المواليد، إجمالي (لكل 1000 شخص) - Qatar"، شوهد في 2020/10/5، في: https://bit.ly/34aSMAz
  2. البنك الدولي، "معدل الوفيات الأولي (لكل 1000 شخص) - Qatar"، شوهد في 2020/10/5، في: https://bit.ly/3nknOP6
  3. حساب الباحثين اعتمادًا على البيانات الإحصائية لشعبة السكان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة: United Nations, World Population Prospects 2019. الشكل (4) توزيع سكان العالم العربي بحسب الفئات العمرية الرئيسة خلال الفترة 1970 - 2020 المصدر: من إعداد الباحثين بالاعتماد على البيانات الإحصائيةلشعبة السكان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة: United Nations, Population Division, Department of Economic and Social Affairs, World Population Prospects 2019, accessed on 23/4/2020, at: https://bit.ly/2FZpDjr

السكان البالغين سنّ العمل تمثل فرصةً واعدة للنمو الاقتصادي المطّرد. فمن جهة، ينتج من هذه الزيادة رفع عرض قوة العمل على نحوٍ تلقائي، وهذا من شأنه خلق الظروف المناسبة للإنتاج. ومن جهة ثانية، تساعد هذه الحالة على انخفاض معدل الإعالة الأسرية والإنفاق العام (انفتاح النافذة الديموغرافية)، مع ما يترتب على ذلك من ارتفاع مستوى الادخار الضروري لتمويل الاستثمر61. غالبًا ما يُصطلح اقتصاديًا على هذه الظاهرة "الهبة الديموغرافية" (Gift Demographic) أو "العائد الديموغرافي" (Dividend Demographic). وطبقًا للتعريف الذي تبنته منظمة الأمم المتحدة، فإن بروز "الهبة الديموغرافية" يتطلب استيفاء شرطين أساسيين، وهم أن تقلّ نسبة السكان دون سن 15 سنة عن 30 في المئة، وألّ تزيد نسبة كبار السن (65 سنة فأكثر) على 15 في المئة من إجملي عدد السكان62؛ وهذان الشرطان لا يتوافرن حاليًا سوى في تسع دول عربية مرتبة بحسب الأفضلية، هي: قطر، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والكويت، وسلطنة عمن، والسعودية، وتونس، والمغرب.

  1. إبراهيم المرشيد، "الهبة الديموغرافية في العالم العربي: نعمة أم قنبلة موقوتة؟ المغرب أنموذجًا"، عمران، مج 6، العدد 21 (صيف 2017)، ص.58
  2. Ian Pool, "Demographic Turbulence in the Arab World: Implications for Development Policy," Journal of Peacebuilding & Development, vol. 7, no. 1 (May 2012), p. 45. الشكل (5) الهرم السكاني العربي لعام 2020 المصدر: من إعداد الباحثين بالاعتماد على البيانات الإحصائية لشعبة السكان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة: United Nations, World Population Prospects 2019, accessed on 23/4/2020, at: https://bit.ly/3kLgWs0; https://bit.ly/3iYkbvG ج- التمدّن السّيع

اﻹﻧﺎث

وبما أنّ مسلسل انخفاض معدل الخصوبة مستمر في مختلف الدول العربية، وإن على درجات ومستويات مختلفة، فإنّ العقود المقبلة ستشهد انفتاحًا أكبر للنّافذة الديموغرافية؛ ما يتطلب استعدادًا جيدًا للدّخول في هذه المرحلة المهمة التي لا تتكرر إلا مرة واحدة ولمدة زمنية محددة. بيد أنّ الهبة الديموغرافية لا تضمن مكاسب اقتصادية بشكل تلقائي؛ إذ يشكّل الاستثمر في رأس المال البشري من خلال الارتقاء بالخدمات الصحية الأولية والاهتمم بجودة التعليم، وكذا اعتمد سياسات اقتصادية ناجعة، شرطًا ضروريًا للاستفادة من هذه الفرصة التاريخية المؤقتة63.

تُعدّ ظاهرة التمدن واحدة من تجليات الانفجار الديموغرافي الذي تشهده المنطقة العربية. فالساكنة الحضرية التي كانت تشكل 31.2 في المئة سنة 1960 انتقلت إلى 53 في المئة سنة 2000، قبل أن تستقرّ

  1. المرشيد، ص.61 الشكل (6) تطور سكان المناطق الحضرية في العالم العربي (النسبة المئوية من إجمالي عدد السكان) المصدر: من إعداد الباحثين بالاعتماد على البيانات الإحصائية للبنك الدولي، "مؤشرات التنمية العالمية"، شوهد في 2020/4/27، في: La Banque Mondiale, "Population urbaine (% du total) - Arab World," accessed on 5/10/2020, at: https://bit.ly/3j4FHig

عند نسبة 59.2 في المئة سنة 2019 (الشكل 6). وبناءً على هذه الأرقام، يتضح أنّ نسبة التمدّن في المنطقة العربية تضاعفت في مدة زمنية قياسية لا تتجاوز ستة عقود. وعلى الرغم من ذلك، سجّل معدل النمو السكاني العام انخفاضًا محسوسًا على مدى العقود الستة الماضية، إذ انتقل من 5 في المئة سنة 1960 إلى 2.4 في المئة سنة.201964وكان لغياب التخطيط الحضري في بناء السياسات الحكومية في مختلف الدول العربية خلال السنوات الأولى لبداية الاستقلال أثرٌ واضح في تحديد ملامح تطور التوزيع المجالي للسكان. فمن جهة، ساهمت ظاهرة الهجرة الداخلية بمختلف أشكالها (الهجرة الريفية، والهجرة من المدن الصغيرة نحو المدن الكبرى)، والهجرة الخارجية الوافدة التي هَمّت أساسًا دول الخليج، في رسم خريطة الحواضر العربية الكبرى. وهكذا شهدت المدن التي يبلغ تعداد سكانها أكثر من مليون نسمة تطورًا ملحوظًا؛ إذ تحتضن وحدها ما يزيد على ربع سكان المنطقة العربية (26.6 في المئة سنة 2019) بعدما كانت هذه النسبة لا تتجاوز

  1. La Banque Mondiale, "Croissance de la population urbaine (% annuel) - Arab World," accessed on 15/10/2020, at: https://bit.ly/3dBRJxF الشكل (7) تعداد السكان في التجمعات الحضرية العربية أكثر من مليون (النسبة المئوية من إجمالي تعداد السكان) المصدر: من إعداد الباحثين بالاعتماد على البيانات الإحصائية للبنك الدولي، ينظر: البنك الدولي، "تعداد السكان في التجمعات الحضرية أكثر من 1 مليون %(من إجمالي تعداد السكان) - World Arab"، شوهد في:2020/4/27، في https://bit.ly/3kIPJWB

14.4 في المئة في بداية ستينيات القرن الماضي (الشكل 7). ومن جهة ثانية، أدى التطور الطبيعي والسريع لكثير من القرى والبلدات الريفية في المنطقة العربية إلى ظهور مدن صغيرة تنعدم فيها المواصفات الوظيفية للمدن السليمة من تجهيزات أساسية وشبكة صرف صحي. وتطرح ظاهرة التمدن السّيع عدة تحديات، من أهمها التحدي البيئي؛ ذلك أنّ التوسع العمراني يشكل ضغطًا كبيرًا على استغلال الموارد الطبيعية من أراضٍ زراعية وغطاء غابيٍّ ومياه صالحة للشّب. كم يشكّل عبئًا ثقيلً على الأنظمة البيئية من حيث إنتاج النفايات، ومخلفات الصرف الصحي، وانبعاث الغازات السامة الناجمة عن الحركة الصناعية ووسائل النقل. وقد ساعد مسلسل تشكيل معظم المدن العربية الكبرى على تفاقم هذه المخاطر. فقد ارتبط التمدن السّيع ببروز مجموعة من الشّوائب، من أهمها إنشاء مناطق صناعية غير منظمة، وتعقّد النّظم الحضرية والتعدّي على جملية الأحياء العتيقة وتوسع الأحياء السكنية على نحوٍ أخطبوطي مع ظهور أحزمة هامشية أو صفيحية.

2. تجليات فشل استدامة الموارد الطبيعية في المنطقة العربية

بحسب بيانات منظمة الأمم المتحدة، من المتوقع ارتفاع عدد سكان المنطقة العربية بحلول 2050 إلى حوالى 671 مليون نسمة، مقابل 429 مليون نسمة سنة 2020. وفي ضوء هذا النمو السكاني السريع،65ستجد الدول العربية نفسها أمام تحديات كبرى، كندرة بعض الموارد الاستراتيجية، مثل المياه والطاقة والميراث البيئي المشترك، أو نضوبها. في ما يخص الموارد المائية، تتمتع المنطقة العربية بأقل من اثنين في المئة من المياه العذبة العالمية، بينم يمثل سكانها حوالى 5.5 في المئة من سكان المعمورة. ولا يتجاوز نصيب الفرد العربي من مجموع الموارد المائية العذبة المتجددة 575 مترًا مكعبًا في السنة؛ وهي كمية أقل بكثير من "خط الفقر المائي" الذي يعادل 1000 متر مكعب للفرد، وأكثر بقليل من "خط الفقر المائي المدقع" المحدد عند مستوى 500 متر مكعب سنويًا66. وكم يوضح الشكل (8)، باستثناء العراق، وبنسبةٍ أقلّ السودان ومصر والمغرب، تعاني بقية الدول العربية الثمني عشرة ندرة المياه؛ بينم لا تحصل الدول الواقعة في شبه الجزيرة العربية على أكثر من 200 متر مكعب للفرد في السنة. وتشهد بلدان شبه الجزيرة العربية ضغطًا كبيرًا على موارد المياه المتجددة من خلال اتساع الفجوة بين إمدادات العرض والطلب. فالإمارات العربية، مثلً، تستخدم 1708 في المئة من احتياطي المياه المتجددة لديها، مقابل 833 في المئة في السعودية، و 432 في المئة في قطر67. وعلى الرغم من هذا العجز المهول، يسير معدل نُضوب موارد المياه في أغلب الدول العربية بوتيرة أكبر من إعادة تغذيتها؛ إذ تعاني بعض أجزاء المنطقة العربية وتحديدًا شبه الجزيرة العربية إجهادًا مائيًّا شديدًا، مع العلم أنّ بقية الدول العربية ليست أحسن حالً مقارنة بالمتوسط العالمي (الشكل 9). وتجد هذه الحالة تفسيرها في تناقض المعادلة المائية العربية. فمن جهة، نلُاحظ تراجعًا كبيرًا في مستوى التّساقطات المطرية، واستنزافًا حادًّا لمخزون المياه الجوفية، وبطئًا شديدًا في تعبئة المياه العادمة واستخدامها، ونقصًا متزايدًا في تدفّق مياه الأنهار العابرة للحُدود، ومن جهةٍ أخرى، نلُاحظ زيادة مطردة في مستوى استهلاك الموارد المائية نتيجة زيادة التضخم السكاني، والتّمدن السّيع، وضعف ترشيد الاستعمل المنزلي، وعدم كفاءة استخدام المياه في الزراعة.

  1. United Nations, World Population Prospects 2019.
  2. المجلس العربي للمياه، تقرير المنتدى العربي الثالث للمياه (القاهرة: 9 - 2014/12/11)، ص.4
  3. منظمة الأغذية والزراعة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، "نظام المعلومات العالمي بشأن المياه والزراعة (AQUASTAT)"، شوهد في 2020/5/4، في: https://bit.ly/33SWLBC الشكل (8) نصيب الفرد الواحد من مجموع الموارد المائية المتجددة (متر مكعب للفرد في السنة) اﻷردن المصدر: من إعداد الباحثين بالاعتماد على البيانات الإحصائية لنظام المعلومات العالمي لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) بشأن المياه والزراعة في: FAO, "AQUASTAT," accessed on 4/5/2020, at: https://bit.ly/3iZZaAt الشكل (9) الإجهاد المائي في بعض الدول العربية اﻷردن المصدر: من إعداد الباحثين بالاعتماد على البيانات الإحصائية نظام المعلومات العالمي لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) بشأن المياه والزراعة (AQUASTAT)، شوهد في 2020/5/4، في: https://bit.ly/33SWLBC

وعلى نقيض الموارد المائية، تتمتع المنطقة العربية بموارد طاقية مهمّة، ولا سيم الوقود الأحفوري (النفط والغاز)؛ إذ يبلغ مجموع احتياطي الدول العربية من الهيدروكربونات (النفط والغاز) ما يزيد على تريليون برميل مكافئ من النفط68، وهو ما يخولها احتلال المرتبة الأولى عالميًا بمعدل 42.4 في المئة و 41.6 في المئة من الاحتياطي العالمي للنفط والغاز على التوالي69. وخلال العشرين سنة الماضية، سَجّل الاحتياطي العربي المؤكد من النفط نموًا ضعيفًا (0.7 في المئة سنويًا) مقارنةً بالنمو العالمي (1.6 في المئة سنويًا)؛ إذ انتقل من 604.19 ألف مليون برميل سنة 1990 إلى 746.12 ألف مليون برميل سنة 2018، في حين انتقل الاحتياطي العالمي من 1099.8 ألف مليون برميل إلى 1729.7 سنة 201870. وتتركز الاحتياطات العربية في أربعة بلدان، هي السعودية ب 297.7 ألف مليون برميل، والعراق 174.2 ألف مليون برميل، والكويت ب 101.5 ألف مليون برميل، والإمارات العربية ب 97.8 ألف مليون برميل71. تنطبق الملاحظة نفسها تقريبًا على الغاز الطبيعي؛ إذ نما الاحتياطي العربي بحوالى 1.3 في المئة سنويًا بين سنتي 2000 و 2018، في الوقت الذي سجّل فيه النمو العالمي نسبة 2 في المئة (الشكل 11). وتمتلك قطر وحدها ثالث أكبر احتياطي عالمي بمقدار 24.7 تريليون متر مكعّب، تليها السعودية والجزائر72. والواضح أنّ نمو الاحتياطات العربية من الموارد الطاقية التقليدية (النفط والغاز) لم يوازِ مستوى النمو الذي سجله الحجم السكاني خلال الفترة نفسها والمقدّر ب 2.3 في المئة. ومن شأن هذا التفاوت أن يؤثّر سلبيًا في العمر الافتراضي لهذين الموردين الاستراتيجيين، ومن ثمّ إمكانية تأمين استغلالهم من الأجيال المقبلة. إضافةً إلى ذلك، سَجّلت وتيرة استخدام الطّاقة نموًا سريعًا مقارنةً بالنمو العالمي (الشكل 12. فقد)73انتقل معدل الاستخدام من 408 كغم مكافئ نفط لكل فرد سنة 1971 إلى 1964 كغم مكافئ نفط لكل فرد سنة 2015، في الوقت الذي انتقل فيه المعدل العالمي من 1337 كغم مكافئ نفط لكل فرد إلى 1924 كغم مكافئ نفط لكل فرد خلال الفترة نفسها. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنّ

  1. جامعة الدول العربية، الاستراتيجية العربية للطاقة المستدامة 030 2 (بيروت: كانون الثاني/ يناير 2019)، ص 32، شوهد في 2020/5/18، في: https://bit.ly/3iMOGo0
  2. BP, BP Statistical Review of World Energy, 68 th ed. (June 2019), accessed on 20/5/2020, at: https://on.bp.com/2FSvnel
  3. Ibid., p. 14.
  4. Ibid.
  5. المرجع نفسه.
  6. بحسب قاعدة بيانات البنك الدولي، يشير استخدام الطاقة إلى استهلاك الطاقة الأولية قبل تحويلها إلى أنواع وقود المستخدم النهائي الأخرى؛ وهو ما يعادل الإنتاج الأصلي مضافًا إليه الواردات والتغيرات على المخزونات، ومقتطعًا منه الصادرات وكميات الوقود التي يتم توريدها إلى السفن والطائرات التي تشتغل بنشاطات النقل الدولية. الشكل (10) تطور الاحتياطي العربي المؤكد من النفط (ألف مليون برميل) اﻟﻌﺎ المصدر: من إعداد الباحثين بالاعتماد على قاعدة: BP, BP Statistical Review of World Energy , 68 th ed. (June 2019), accessed on 19/5/2020, at: https://on.bp.com/2FSvnel الشكل (11) تطور الاحتياطي العربي المؤكد من الغاز الطبيعي (تريليون متر مكعب) اﻟﻌﺎ المصدر: من إعداد الباحثين بالاعتماد على المرجع نفسه. اﳌﻨﻄﻘﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ اﳌﻨﻄﻘﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ

سنة 2014 تُعَدّ نقطة تحول رئيسة؛ إذ تجاوز المعدل العربي أول مرة المعدل العالمي، مم يعكس الضّغط المتزايد على الاستغلال، ومن ثمّ تقويض الجهود المبذولة لتحقيق استراتيجية مستدامة للطّاقة في المدييَن المتوسط والبعيد. ومقارنةً بالمعدل العالمي، لا يزال نصيب الفرد العربي من استهلاك الطّاقة ضعيفًا نسبيًا (الشكل 13)؛ إلا أن هذا الضّعف يُخفي تباينًا كبيرًا بين مختلف البلدان المكونة للمنطقة العربية، إذ تمّ تسجيل معدلات استهلاك عالية جدًا في دول الخليج. ويمكن إرجاع الاستهلاك المفرط إلى هيمنة العمليات ذات الكثافة المرتفعة للطاقة، كالصناعات البتروكيموية، وتحلية المياه، ووسائل النقل بمختلف أنواعها، وارتفاع طلب الأسَ والإدارات نتيجة الظّروف المناخية الصّعبة وتدنّ الأسعار. وليست وضعية بقية الموارد الطبيعية أحسن حالً من الموارد الطاقية التقليدية (النفط والغاز)؛ ونخصّ بالذكر منها بقية الموارد المعدنية كالفوسفات والحديد والموارد البيئية. وإذا أخذنا مساحة المناطق المحمية البرية والبحرية في المنطقة العربية مثلً، فإننا نلاحظ أنّ مساحتها ضيقة جدًا، إذ لم تتجاوز 5 في المئة من إجملي المساحة الإقليمية سنة 2018، في حين أنّ المعدل العالمي ناهز 15 في المئة في السنة نفسها74. ويعدّ المغرب والإمارات العربية من أكثر البلدان العربية اهتممًا بالتنوع البيولوجي والنّظم البيئية، حيث بلغت المساحة المخصصة لحمية هذا الميراث 18.5 و 15 في المئة على التوالي من مجموع المساحة العامة.

وعيًا منها بالضغط المستمر الممرس على الموارد الطبيعية وخاصة النابضة منها، في إطار التزاماتها الدولية المتعلقة بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، التجأت العديد من الدول العربية إلى الاستثمر في الموارد البديلة. ففي المجال المائي، تمّ تدريجيًا إدخال تقنية تحلية مياه البحر. وقد قطعت دول الخليج أشواطًا مهمة في هذه العملية؛ إذ اعتمدت منذ عدة سنوات على المياه المحلاة لسدّ جزءٍ كبير من احتياجاتها، والتحقت بها مؤخرًا – ولو على نحوٍ محتشم – دول أخرى تعرف إجهادًا مائيًا أقلّ، مثل مصر والمغرب وتونس. صحيح أنّ هذا المورد البديل ساهم مساهمة كبيرة في سَدّ العجز المائي، غير أنّ التكنولوجيا التي تستعملها معظم المحطات (التحلية الحرارية) تبقى مُكلّفة وتستهلك كميات معتبرة من الطاقة، كم أنّ أضرارها

  1. World Bank, "Zones protégées à l'échelle nationale (% du territoire total) - Arab World," accessed on 15/5/2020, at: https://bit.ly/306o1vg; World Bank, "Zones protégées à l'échelle nationale (% du territoire total) – World," accessed on 15/5/2020, at: https://bit.ly/2Ev14u9

البيئية مرتفعة نظرًا إلى المخلفات الشديدة الملوحة التي تُرمى في البحر، مع ما يترتب على ذلك من تلوث الحياة البحرية، بما فيها الأسمك والطحالب. وفي المجال الطاقي، ما زالت معظم الدول العربية تعتمد على الموارد التقليدية (الطاقات الأحفورية) مقارنةً بالطاقات المتجددة. فإضافة إلى طابعها النّاضب، تتسم هذه الموارد بتأثيرها المباشر والشديد في البيئة. فضرورة استدامة الموارد وانتقالها المنصف بين الأجيال يُطرحان بحدة؛ كم أنّ "تحقيق العدالة أيضًا يتطلب مراعاة مصالح أجيال الغد حمية لها من تبعات ما يقوم به جيل اليوم أو يمتنع عنه. ففي استنزاف الموارد الناضبة وتلويث كوكب الأرض ظلم على الأجيال المقبلة وخطر محتوم يهدّد فرصها في العيش الكريم"75. وعلى الرغم من أنّ المنطقة العربية تستحوذ على إمكانيات واعدة من الطاقات المتجددة مكونة أساسًا من الطاقة الشمسية والرّيحية والنووية، ونسبة من الطاقة الكهرومائية، فإنّ استغلالها ظلّ محتشمً. وبحسب بيانات البنك الدولي، بلغت نسبة استخدام هذه الموارد الطاقية البديلة في المنطقة العربية 0.4 في المئة سنة 2015، مقابل معدل عالمي يزيد بقليل على 13 في المئة (الشكل 14). وفي سنة 2018، بلغ مجموع الإنتاج العربي من الطاقات المتجددة 23.3 تيراواط ساعة، وهو ما يمثل أقل من واحد في المئة من الإنتاج العالمي المقدر ب 2408.4 تيراواط ساعة76. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنّ الدول العربية لم تستطع بعد تحقيق الانتقال الطاقي واستدامة الموارد للأجيال المقبلة، رغم الاستثمر في هذا المجال. وتختلف الاستراتيجيات المتبعة باختلاف الإمكانات الإنتاجية من الموارد الطاقية التقليدية التي تتوفر عليها كل دولة. فالدول المنتجة للنفط والغاز ما زالت تؤمن بمحورية تصدير الطاقات الأحفورية لأجل التطور الاقتصادي؛ فهي تعتمد موازنات مبنية على واردات التصدير.

وعلى الرغم من الأهمية الاقتصادية والبيئية لمصادر الطاقة المتجددة بوصفها خيارًا مستقبليًا للتنمية، فإن عملية التحول من مصادر الطاقة الناضبة (البترول والغاز الطبيعي) إلى المصادر غير الناضبة (الطاقات المتجددة) ليست بالأمر السهل اقتصاديًا، وماليًا وتكنولوجيًا وحتى سياسيًا بالنسبة إلى بعض الدول77؛ "[من] ناحية إيرادات النفط، تمثّل الخلل الإنتاجي بعدم استعمل أغلبية هذه الإيرادات النفطية كرأسمل عام يستثمر كثروة عامة في أنشطة إنتاجية متنوعة لتتكاثر قيمة هذه الثروة بناء على مبدأ تراكم رأس المال العام"78.

  1. الظّلم في العالم العربي، ص.50
  2. BP, p. 52.
  3. Ibid., p. 88.
  4. عمر هشام الشهابي، تصدير الثروة واغتراب الإنسان: تاريخ الخلل الإنتاجي في دول الخليج العربية، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2019)، ص.461 الشكل (14) الطاقة المتجددة في المنطقة العربية (النسبة المئوية من إجمالي استخدام الطاقة) المصدر: La Banque Mondiale, "Énergie alternative et nucléaire (% de l'utilisation totale d'énergie)," accessed on 15/10/2020, at: https://bit.ly/3lPz1p9; La Banque Mondiale, "Énergie alternative et nucléaire (% de l'utilisation totale d'énergie) - Arab World," accessed on 15/10/2020, at: https://bit.ly/33Z9Bzg

عُمومًا، يبدو الانتقال الطاقي مرتك زا قائمًا بذاته للانتقال البيئي، فضلً عن كونه أساسًا للاستدامة الاقتصادية والاجتمعية79. ولذا فهو مركز اهتمم صانعي السياسات العامة لوضع نموذج طاقي أكثر تنوعًا وتوازنًا وتشاركية. وقد أصبح مفهوم الانتقال الطّاقي خلال السّنوات القليلة الماضية يأخذ تدريجيًّا الحيز الذي كان يشغله موضوع الاحتباس الحراري. لكن السؤال يظلّ مطروحًا في المنطقة العربية: هل تستطيع دولها الانتقال من الطاقات الأحفورية إلى الاقتصاد الأخضر الذي يتطلب إحداث قفزة نوعية في أنماط العيش، و"التخلّ" عن اقتصاديات الريع؟ فالأمر يتطلب إرساء شروط الخروج من نموذج النمو القائم، لتحويل الاقتصادات الخليجية مثلً من اقتصادات ريعية تعتمد على الاستخراج والاستقطاع والتوزيع، إلى اقتصادات تعتمد على العمل والإنتاج، وتنويع النشاطات والصادرات، وتحويل الموارد الطبيعية الناضبة إلى أصول يتولّد منها النمو المستدام80. أما بالنسبة إلى الدول العربية غير النفطية، فالأمر يزداد تعقيدًا بسبب "ضعف" الموارد "وتعدد" الأولويات المرصودة في الميزانية؛ كم أنّ الانفتاح على القطاع الخاص في إطار ما يُعرف بالشراكة بين

  1. رشيد البزيم، "استشراف مستقبل الانتقال الطاقي في العالم العربي: دراسة حالة النموذج المغربي"، في: استشراف للدراسات المستقبلية، العدد 3 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.155
  2. خالد بن راشد الخاطر، "استشراف آفاق التنويع الاقتصادي والاستدامة في الاقتصادات الخليجية في ضوء تحديات انهيار أسعار النفط"، في: استشراف للدراسات المستقبلية، العدد 3 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.53 ج- تعثر مسلسل استدامة المدن

القطاعين العام والخاص (PPP Partnership, Public-Private)، لن تكون نتائجه معمّمة، بل يستخدم المصالح الضيقة للخواص. لذلك تطرح إشكالية تمويل الطاقات المتجددة ومدى استجابتها للمنفعة العامة، أي سؤال دور الدولة في هذه التمويلات في سياق موجة العولمة والنيوليبرالية. ومن المعلوم أنه منذ نهاية الثمنينيات من القرن الماضي، شهدت دول جنوب المتوسط بروزًا وتعزيزًا لدور الفاعلين الخواص ذوي العلاقة مع الرأسملية الدولية، على حساب التنظيمت التي تنتمي إلى الدولة81. وقد أدت شرعية إزالة الضوابط عن السوق في سياق التنافس في الولوج إلى الموارد "دينامية" في سيطرة القطاع الخاص على الموارد وتحويلها؛ وتمّ تبرير ذلك بتخفيض النفقات العمومية، وبحجة تعزيز الفاعلية الاقتصادية، أو خلق فُرَص العمل؛ ما ولّد تركيزًا للموارد والثروة. وبصفة عامة، توجد رغبة في الانتقال والبحث عن موارد بديلة، إلا أنّ هذه الرغبة غير واضحة عمليًا في سياق الأنظمة الليبرالية؛ إذ يلاحظ بطء في مسلسل الانتقال. ففي المغرب مثلً، يوجد مشروع كبير في مدينة ورزازات للطاقة الشمسية (محطّة نور) التي تسحب كميات هائلة من المياه من سد منصور الذهبي بورزازات؛ ما حرم الساكنة المتاخمة للمشروع من المياه والاهتمم بالفلاحة82. كم عجز المغرب عن مواجهة الطلب على الطاقة؛ فهو ينتظر أن يتضاعف الطلب على الطاقة بحلول سنة 2020. هذا مع العلم أنّ المغرب قدّم نسخة مُحيّنة من المساهمة التي ينوي الالتزام بها أمام المنتظم الدولي (أمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ UNFCCC)؛ وبناء عليه، التزم المغرب بتخفيض الاستهلاك الطاقي (الأحفوري) ب 15 في المئة في أفق.203083

سجّلت المدن العربية نموًا سريعًا خلال العقود الستة الماضية؛ إذ أضحت تضمّ اليوم حوالى 60 في المئة من الساكنة العربية84. وبحكم طبيعة تشكلها، فهي تستهلك قدرًا كبيرًا من الموارد الطبيعية، خاصة

  1. Tarik Dahou, Mohamed Elloumi & François Molle, "Appropriations et conflits autour des régimes d'accès aux ressources renouvelables: introduction," Études rurales, Appropriations des ressources naturelles au sud de la Méditerranée, no. 192 (Juillet-Décembre 2013), p. 12.
  2. صلاح الدين عابر، "محطة 'نور' ورزازات.. الطاقة الشمسية على حساب الماء والفلاحة؟"، اليوم 24، 2019/12/3، شوهد في 2020/5/13، في: https://bit.ly/33B8pRm
  3. بصفة عامة، يوجد التزام طوعي والتزام مشروط بشأن الغازات الدفيئة، فقد التزم المغرب طوعيًا بإنقاص غازات الدفيئة ب 17 في المئة في أفق 2030؛ أما التزامه المشروط فيتمثل في إنقاص غازات الدفيئة 25 - 42 في المئة، في حالة حصوله على الدعم الدولي من أجل تمويل مشاريعه والمقدّر عمليًا ب 50 مليار دولار أميركي خلال الفترة 2010 -:2030 Royaume du Maroc, NDC Maroc, Contribution déterminée au niveau national dans le cadre de La CCNUCC (Rabat: Septembre 2016), pp. 10 - 11, accessed on 19/5/2020, at: https://bit.ly/2ScCoJS
  4. World Bank, "Population urbain (% du total)-Arab World," accessed on 20/5/2020, at: https://bit.ly/3jdDi57

الطاقة والمياه والغذاء والهواء؛ وتشك ل أيضًا مصدرًا رئيسًا للانبعاثات الدفيئة. ومن شأن هذه الضغوط أن تثير مخاطر هائلة على مستقبل الأجيال العربية المقبلة. وبهدف معالجة هذه الشّوائب وغيرها، انخرطت الدول العربية بدرجات مختلفة وفي فترات زمنية مختلفة في وضع سياسات عمومية خاصة بالتوسع الحضري المستدام والشامل للجميع وتنفيذها. وقد شملت هذه السياسات الجانب التشريعي والمؤسسي والتحسيسي؛ كم تمّت مراجعتها بانتظام بغرض تجويدها ومواءمتها للالتزامات الدولية، ولا سيم أهداف التنمية المستدامة التي اعتمدتها منظمة الأمم المتحدة في سنة.2015 وبالرغم من المجهودات المبذولة، لم تستطع الدول العربية الالتحاق بالركب العالمي لاستدامة المدن. وبحسب مؤشر مؤسسة أركاديز (ARCADIS) المتخصصة في التصميم والبناء لعام 2018، غابت المدن العربية عن لائحة المئة مدينة الأكثر استدامة عالميًا85؛ مع العلم أنّ خمس مدن عربية احتلت مراكز محترمة في مؤشر 2015، هي: دبي، وأبوظبي، والدوحة، وجدة، والرياض86. أما مؤشر المدن المتحركة Cities in Motion Index() لقياس استدامة المدن جودة حياة الأفراد87، فقد وضع 11 مدينة عربية في مؤخرة لائحة تضم 174 مدينة عالمية شملها التصنيف (الشكل.)15 وقد حصلت 10 مدن عربية من أصل 11 الممثلة في العينة على نقط تقلّ عن المعدل، أي 50 نقطة، بينم حصلت مدينة دبي على نقطة متوسطة قدرها 52.92. وإذا اعتمدنا المؤشر الفرعي المتعلق باحترام88المعايير البيئية، وباستثناء العاصمة التونسية (المرتبة 76)، فبقية المدن العربية المعنية، جاءت في مراتب متدنية لاستدامة المدن. وهكذا احتلت الرياض المرتبة 173 (ما قبل الأخيرة) مباشرة بعد القاهرة (المرتبة 170)، وأبوظبي (المرتبة 169)، والمنامة (المرتبة 167. ويمكن القول إنّ الأسباب الكامنة وراء تعثر)89مسلسل الانتقال نحو المدن المستدامة في المنطقة العربية ترجع بالأساس إلى إهمل أو تأخر في إنجاز البرامج المتعلقة باحترام المعايير الدولية، بما في ذلك حصة الطاقات المتجددة، وإدارة النفايات، وتلوث الهواء، والمناطق الخضراء، ومعالجة الصرف الصحي والتنقلية، والتعرض للكوارث الطبيعية، وانبعاثات غازات الدفيئة. وتتباين هذه الأسباب بحسب طبيعة الظروف المناخية والإمكانات المادية المتاحة.

  1. ARCADIS, Citizen Centric Cities: The Sustainable Cities Index 2018, accessed on 22/5/2020, at: https://bit.ly/35SZMUW
  2. Ibid.
  3. والذي يعتمد على 9 مؤشرات فرعية مكونة من 96 متغيرًا تتعلق ب: الاقتصاد، والموارد البشرية، والاتساق الاجتماعي، والبيئة، والحوكمة، والتخطيط الحضري، والتوعية الدولية، والتكنولوجيا، والنقل والتنقلية.
  4. تتقدم لندن الترتيب العالمي ب 100 نقطة، بينما تتذيله كراتشي الباكستانية ب:4.57 نقطة Cities in Motion, "IESE Cities in Motion Index 2019," IESE, 10/5/2019, accessed on 19/9/2020, at: https://bit.ly/32J9Spk
  5. Ibid. الشكل (15) أداء أهم المدن العربية بحسب مؤشر المدن المتحركة المصدر: من إعداد الباحثين بالاعتماد على بيانات: ARCADIS, "Citizen Centric Cities: The Sustainable Cities Index 2018," accessed on 22/5/2020, at: ttps://bit.ly/35SZMUW

فمدن الخليج العربي، مثلً، تعاني قسوة الطبيعة. وبالرغم من الموارد المالية الهائلة، فقد سجلت تأخرًا في الانتقال إلى مصاف المدن المستدامة. وما زالت هذه المدن تعاني ارتفاعًا مهولً في معدلات استهلاك الطاقة الأحفورية مع ما ينتج من ذلك من تسارع معدل نمو الانبعاثات. فمتوسط الفرد من انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون في الإمارات العربية والسعودية، مثلً، يفوق 20 طنًا متريًا؛ بينم لا يتجاوز المعدل العالمي 5 أطنان مترية90. كم أنّ النظام الإيكولوجي البحري يعاني ظاهرة التلوث الناجمة أساسًا عن التدفقات النفطية نتيجة مرور ناقلات النفط، وكذا مخلفات محطات تحلية المياه. وقد تعرضت شواطئ كثير من المدن لتعديات جسيمة نتيجة مشروعات التنمية العقارية والفندقية والأعمل المنظمة لردم الخليج. صحيح أنّ حكومات دول الخليج قامت باستثمرات هائلة في أُفق سَدّ العجز المتعلق باستدامة المدن، سواء من خلال مشاريع تحويل المدن القديمة إلى مدن ذكية (المنامة والرياض مثلً) أو إنشاء مدن

  1. البنك الدولي، "انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون (متوسط نصيب الفرد بالطن المتري)"، شوهد في 2020/5/22، في: https://bit.ly/3cEy9k5
  2. علي عبد الرؤوف علي، "الإسلام والعروبة: مأزق الهوية وفخ العولمة: تحديات وتحولات عمارة وعمران المدينة الخليجية المعاصرة"، مجلة لونارد، العدد 3 (آذار/ مارس 2001)، ص.11

جديدة (مصدر في أبوظبي، والمدينة المستدامة في دبي، ومشيرب في قطر، ومشروع نيوم في السعودية)، إلا أن هذه الاستثمرات تتطلب وقتًا طويلً ومهارات متخصصة وتحولات عميقة في الاقتصاد والمجتمع. أما مدن شمل أفريقيا، فهي تُعاني أساسًا مشكلات تنظيمية كالحركية الحضرية والانتشار الواسع لوسائل نقل شديدة التّلويث، وصعوبة التخلص من النفايات المنزلية وضعف شبكات الصرف الصحي؛ علاوة على غياب ضوابط التّوسع العمراني الذي غالبًا ما يتم على حساب الأراضي الزراعية الخصبة، وضعف النّجاعة الطّاقية، وتبذير المياه المرتبط بالنشاطات السياحية (القاهرة، ومراكش، وشرم الشّيخ، والحممات... إلخ). وفي كثير من الأحيان، تحوّل مفهوم المدن المستدامة في شمل أفريقيا إلى مجرد شعار تسويقي أو إعلان حسن نية، في غياب الشروط المادية وزيادة الصعوبات التقنية (محدودية المهارات والكفاءات) والسياسية (قوة نفوذ أصحاب المصالح). وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنّ غالبية المدن الموجودة في هذه المنطقة لن تستطيع مواكبة الوتيرة المتسارعة للنمو الديموغرافي وتوفير بيئة عمرانية آمنة ونظيفة، بما يضمن استمراريتها للأجيال المقبلة.

خاتمة

تناولت هذه الدراسة بالبحث والتحليل قضايا استدامة الموارد الطبيعية للأجيال العربية المقبلة، في سياق دينامية الضغوط الديموغرافية، وزيادة الضّغوط على الثروات المتوافرة واستنزاف الكثير منها. ولأجل توضيح عناصر الدراسة، حاولنا تبيان التّابط الحاصل بين التّحولات الديموغرافية ومستويات استنزاف الموارد الطبيعية وقضايا اللامساواة في الولوج إلى هذه الموارد من جهة، وتحديد الإطار النّظري المحدد لمدى حمية واستدامة الموارد الطبيعية من منظورات الفلسفة والاقتصاد والقانون من جهة أخرى. وقد بينت الدراسة أنّ التحولات الديموغرافية المتسارعة التي تشهدها المنطقة العربية، بما فيها ارتفاع معدل النمو السكاني وحدوث تغيرات في البنية العمرية واتساع نطاق التّمدن المتسارع، كان لها آثار سلبية في وتيرة استغلال الموارد الطبيعية، ومن ثمّ حمية الحقوق الشرعية للأجيال المقبلة. ولم تغفل الدراسة مناقشة بعض تجليات هذه الآثار، وخاصة تراجع الموارد المائية، وتوسع المدن على حساب الأراضي الزراعية، والاستخدام المفرط للموارد الطاقية التقليدية، والفقدان المستمر للتنوع البيولوجي. كم تمّ التطرق إلى التّفاوت في مستويات الاستدامة البيئية في المنطقة العربية؛ ويمكن أن يكون هذا التّفاوت حاسمً في المستقبل المنظور، إذا جرى تغييب المدى البعيد في سياسات تدبير الموارد الطبيعية وصيانتها. ويمكن استخلاص أربعة دروس من هذه الوضعية غير السليمة:

أولً: نؤكد أنّ التحدي الكبير الذي يواجهه الوطن العربي في بداية هذا القرن يتمثل في ربح معركة التنمية المستدامة. ولأجل رفع هذا التحدي، ينبغي الاهتمم بموضوع الإنصاف ما-بين الأجيال وفقًا لمقاربة شمولية تستحضر البعد الفلسفي والاقتصادي والقانوني، والانفتاح على التجارب الدولية الناجحة مع مراعاة خصوصيات المجتمع العربي. ثانيًا: إننا واعون بأنه كان في إمكان الدول العربية، وإن بدرجات مختلفة، الاستفادة من التّحولات الديموغرافية من خلال تثمين العنصر البشري، وجعله قادرًا على إنتاج الثّوة عبْ الإبداع المعرفي والمسؤول. غير أنّ هذه الفرصة التنموية لم يتمّ استغلالها على نحوٍ أفضل، كم هو الحال في معظم دول جنوب شرق آسيا، نظرًا إلى اعتمد سياسات اقتصادية غير مجدية. ثالثًا: يمكن أن تساعد منهجية الذّكاء الاقتصادي على التحكم المعقلن في الموارد الطبيعية العربية المتاحة، عبر إنشاء خلايا علمية على صعيد كلّ بلد تهتم بجمع المعطيات التقنية وتحويلها إلى معلومات مفيدة تتمّ معالجتها قصد إنتاج معارف تساعد على اتخاذ القرارات الصّائبة. ومن شأن مثل هذه التّدابير وغيرها إزالة الأحكام المسبقة لمخاطر تدبير الموارد الطبيعية وحميتها من الاستغلال غير العادل. رابعًا: سيمكّن تجاوز المنظور النيوليبرالي- لا محالة - من حمية الموارد الطبيعية للأجيال العربية المقبلة؛ فالمنظور النيوليبرالي يحتكم إلى آليات السوق لأجل تسعير الطّبيعة ومواردها باعتبارها موارد اقتصادية محضة ولامحدودة في مخزونها، وهو ما يتنافى مع المقاربة الإيتيقية التي تضع حدودًا لآليات السوق باعتبار أنّ الموارد الطبيعية موارد اجتمعية بالدرجة الأولى.

المراجع

العربية

البستاني، باسل. جدلية نهج التنمية البشرية المستدامة: منابع التكوين وموانع التمكين. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2009

البنك الدولي. "انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون (متوسط نصيب الفرد بالطن المتري)". في: https://bit.ly/3cEy9k5

_______. "معدل المواليد، إجملي (لكل 1000 شخص) - Qatar:". في https://bit.ly/34aSMAz https://bit.ly/3nknOP6:". فيQatar -) شخص 1000 _______. "معدل الوفيات الأولي (لكل

استشراف للدراسات المستقبلية. العدد 3. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018

جامعة الدول العربية. الاستراتيجية العربية للطاقة المستدامة 030 2. بيروت: كانون الثاني/ يناير. 2019 ف:ي https://bit.ly/3iMOGo0 زكي، رمزي. المشكلة السكانية وخرافة المالتوسية الجديدة. سلسلة عالم المعرفة 84. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1984

سالم، أحمد علي [وآخرون]. شكراني الحسين وعبد الرحيم خالص (إشراف وتنسيق). الإنسان والبيئة: مقاربات فكرية واجتمعية واقتصادية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2017

شكراني، الحسين. "مقاربة إديث براون ويس في شأن العدالة الجيلية". المستقبل العربي. العدد 458 (نيسان/ أبريل.)2017

________. حقوق الأجيال المقبلة بالإشارة إلى الأوضاع العربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018

الشهابي، عمر هشام. تصدير الثروة واغتراب الإنسان: تاريخ الخلل الإنتاجي في دول الخليج العربية. ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2019

الظلم في العالم العربي والطريق إلى العدل. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2018

العبيدي، عبد الحميد. "محاولة في فهم تقاطعات الخطاب البيئي مع مسَار نقد الحداثة". عُمران. مج 8، العدد 31 (شتاء.)2020

علي، علي عبد الرؤوف. "الإسلام والعروبة: مأزق الهوية وفخ العولمة: تحديات وتحولات عمرة وعمران المدينة الخليجية المعاصرة". مجلة لونارد. العدد 3 (آذار/ مارس.)2001

علي، علي عبد القادر. "ملاحظات استكشافية حول النمو المستدام والتنمية في الدول العربية." عمران. مج  1، العدد 1 (صيف.)2012

لجنة إدارة شؤون المجتمع العالمي. جيران في عالم واحد. ترجمة مجموعة من المترجمين. مراجعة عبد السلام رضوان. سلسلة عالم المعرفة 201. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1995 المجلس العربي للمياه. تقرير المنتدى العربي الثالث للمياه. القاهرة.2014/12/11 - 9:

المرشيد، إبراهيم. "الهبة الديموغرافية في العالم العربي: نعمة أم قنبلة موقوتة؟ المغرب أنموذجًا". عمران. مج 6، العدد 21 (صيف.)2017

منظمة الأمم المتحدة. المجلس الاقتصادي والاجتمعي. تقرير موجز عن رصد السكان في عام 2: 001 السكان والبيئة والتنمية. نيويورك.2001/4/6 - 2:

الأجنبية

Alhayane, Said. "Sécurité alimentaire et politique agricole au Maroc." Doctorat en

Droit Public et Sciences Politiques. Université Cadi Ayyad de Marrakech (2017).

Arbour, Jean-Maurice et al. Droit international de l'environnement. 3 ème ed.

Montréal: Editions Yvon Blais, 2016.

ARCADIS. Citizen Centric Cities: The Sustainable Cities Index 2018. at:

https://bit.ly/35SZMUW

Bodansky, Daniel, Jutta Brunnée & Ellen Hey (eds.). The Oxford Handbook of

International Environmental Law. Oxford and New York: Oxford University

Press, 2007.

Bourg, Dominique & Kerry Whiteside. Vers une démocratie écologique: Le

citoyen, le savant et le politique. Paris: Seuil, 2010.

BP. BP Statistical Review of World Energy. 68 th ed. (June 2019). at:

https://on.bp.com/2FSvnel

Cantillon, Richard. An Essay on Economic Theory. Auburn, Alabama: Ludwig

von Mises Institute, 2010 [1755].

Cleaver, Kevin & Gotz Schreiber. Reversing the Spiral: The Population,

Agriculture and Environment Nexus in Sub-Saharan Africa. Washington D.C.:

World Bank, 1994.

Dahou, Tarik, Mohamed Elloumi & François Molle. "Appropriations et conflits

autour des régimes d'accès aux ressources renouvelables: introduction." Études

rurales, Appropriations des ressources naturelles au sud de la Méditerranée.

no. 192 (Juillet-Décembre 2013).

Ehrlich, Paul R. & Anne H. Ehrlich. "Population, Resources, and the Faith-

Based Economy: The Situation in 2016." BioPhysical Economics and Resource

Quality. vol. 1, no. 1 (2016).

Ehrlich, Paul R. The Population Bomb. New York: Ballantine Books, 1968.

FAO. "AQUASTAT." at: https://bit.ly/3iZZaAt

Goldstone, Jack A. "The New Population Bomb: The Four Megatrends that Will

Change the World." Foreign Affairs. vol. 89, no. 1 (January/ February 2010).

Gollier, Christian. "Ecological discounting." Journal of Economic Theory.

vol. 145, no. 2 (March 2010).

Henry, Claude. "Efficacité économique et impératifs éthiques: L'environnement

en copropriété." Revue économique. vol. 41, no. 2 (Mars 1990).

Hickey, Colin, Travis N. Rieder & Jake Earl. "Population Engineering and

the Fight against Climate Change." Social Theory and Practice. vol. 42, no. 4

(October 2016).

Hotelling, Harold. "The Economics of Exhaustible Resources." Journal of

Political Economy. vol. 39, no. 2 (April 1931).

Howarth, Richard B. & Richard B. Norgaard, "Intergenerational Resource Rights,

Efficiency and Social Optimality." Land Economics. vol. 66, no. 1 (February

La Banque Mondiale. "Croissance de la population urbaine (% annuel) - Arab

World." at: https://bit.ly/3dBRJxF

_______. "Énergie alternative et nucléaire (% de l'utilisation totale d'énergie)."

at: https://bit.ly/3lPz1p9;

_______. "Énergie alternative et nucléaire (% de l'utilisation totale d'énergie) -

Arab World." accessed on 15/10/2020, at: https://bit.ly/33Z9Bzg

_______. "Population urbaine (% du total) - Arab World." at: https://bit.ly/3j4FHig

Malthus, Thomas R. An Essay on the Principle of Population, Geoffery Gilbert

(ed. & intro.). New York: Oxford University Press, 1993 [1798].

Meadows, Donella et al. The Limits to Growth. New York: Universe books, 1972.

Pool, Ian. "Demographic Turbulence in the Arab World: Implications for Development Policy." Journal of Peacebuilding & Development. vol. 7, no. 1 (May 2012).

Prieur, Michel, Claude Lambrechts & Alexandre Charles Kiss. Les hommes

et l'environnement: Quels droits pour le vingt-et-unième siècle? Études en

hommage à Alexander Kiss [Mankind and the Environment: What Rights for

the Twenty-first Century? Studies in Honour of Alexandre Kiss] Paris: Frison-

Roche, 1998.

Rabie, Mohamed. A Theory of Sustainable Sociocultural and Economic

Development. Verlag: Palgrave Macmillan, 2016.

Ramsey, Frank. "A Mathematical Theory of Savings." Economic journal. vol. 38,

no. 152 (December 1928).

Royaume du Maroc. NDC Maroc. Contribution déterminée au niveau national

dans le cadre de La CCNUCC (Rabat: Septembre 2016). at: https://bit.ly/2ScCoJS

Sands, Philippe et al. Principles of International Environmental Law. 2 nd ed..

Cambridge: Cambridge University Press, 2003.

Schoenbaum, Thomas. "Fairness in International Law and Institutions." The

Cambridge Law Journal. vol. 58, no. 1 (March 1999).

Sen, Amartya. Un nouveau modèle économique: Développement, justice,

liberté. 2 ème ed. Paris, Ed Odile Jacob, 2003.

Shelton, Dinah (ed.). The Oxford Handbook of International Human Rights

Law. Oxford: Oxford University Press, 2013.

Solow, Robert. "Intergenerational Equity and Exhaustible Resources." Review of

Economic Studies. vol. 41, no. 5 (1974).

United Nations. Population Division. Department of Economic and Social

Affairs. World Population Prospects 2019. New York: August 2019. at:

https://bit.ly/333eSFP

________. World Population Prospects 2019. at: https://bit.ly/33THoZz

Weiss, Edith Brown. "Our rights and Obligations to Future Generations for

the Environment." The American Journal of International Law. vol. 84, no. 1

(January 1990).

________. Justice pour les générations futures. Paris: UNU Press/ Unesco/ Sang

de la Terre, 1993.

Weitzman, Martin L. "Why the Far-distant Future Should be Discounted at its

Lowest Possible Rate." Journal of Environmental sEconomics and Management.

vol. 36, no. 3 (November 1998).

World Bank. "Population urbain (% du total)-Arab World." at: https://bit.ly/3jdDi57

­_______. "Taux de naissance, brut (pour 1000 personnes) - Arab World." at:

https://bit.ly/303r9bl

­________. "Taux de mortalité, brut (pour 1000 personnes) - Arab World." at:

https://bit.ly/3mQbLZq

_______. "Zones protégées à l'échelle nationale (% du territoire total) - Arab

World." at: https://bit.ly/306o1vg

_______. "Zones protégées à l'échelle nationale (% du territoire total) – World."

at: https://bit.ly/2Ev14u9

Wrigley, E. A. & David Souden (eds.). The Works of Thomas Robert Malthus.

London: Pickering/ Chatto Publishers, 1986.