Return to Article Details The World's Growing Population: A Curse or a Blessing?

تزايد سكّان العالم: نقمة أم نعمة؟

The World's Growing Population: A Curse or a Blessing?

هيئة التحرير

الملخّص

عنوان الكتاب: هل ينبغي أن نخاف من سكان العالم؟ المؤلف: جاك فيرون Jacques Véron. العنوان الأصلي للكتاب: Faut-il avoir peur de la population mondiale? اسم ومكان دار النشر: Seuil, Paris. سنة النشر: 2020. عدد الصفحات: 272 صفحة.

Abstract

Jacques Véron

الكلمات المفتاحية:
  • النمو الديموغرافي
  • توماس مالتوس
  • التنمية
  • البيئة
  • الاستدامة والولوج المنصف
  • الاستدامة
Keywords:
  • Demographic Growth
  • Thomas Mathus
  • Development
  • Environment
  • Sustainability

قراءة نقدية يف كتاب هل ينبغي أن نخاف من سكان العالم؟ The World's Growing Population: A Curse or a Blessing?

Faut-il avoir peur de la population mondiale?

مقدمة

كان نشر توماس مالتوس كتاب مقالة عن مبدأ السكان في عام 1798 إيذانًا بميلاد تيارٍ يُنذر بخطر نموٍسكاني سريع، من شأنه أن يهدّد مستقبل البشرية. وبعد مرور أكثر من قرنين، يبقى السؤال: "هل نحن أكثر ممّ يلزم على كوكب الأرض؟" مطروحًا بإلحاح؛ إذ لا يزال التيّار المتشائم في المسألة الديموغرافية يعدّ التزايد السكاني مسؤولً عن كل الآفات والأسقام، ويُعرّض البشرية باستمرارٍ للخطر، ولا سيّم في بلدان الجنوب، ويصُرّ على الضرورة الملحّة للتدخل لأجل الحدّ من التزايد السكاني، ومن ثمّ ضرورة استقرار سكان الأرض في أسرع وقت ممكن، أو حتى انخفاضه؛ إذ إن بازدياد سكان العالم، من هذا المنظور، يتغيّ المناخ ويزداد التلوث وتستمرّ إزالة الغابات، وتصبح الأراضي الخصبة نادرةً بسبب الزحف الحضري، وتصبح الكوارث الطبيعية أشدّ حدةً وأكثر تواترًا من ذي قبل. وفي مقابل ذلك، يحتفظ المتفائلون بإيمانٍ راسخ بأنّ الديموغرافيا ليست هي المشكلة "بحدّ ذاتها" Se Per، وأنّ المشكل يكمن، بالأحرى، أكثر في أنماط التنمية والإنتاج والاستهلاك والتراكم والتوزيع الحالية، غير المستدامة وغير المتكافئة، التي ينبغي مراجعتها جذريًا. منذ صدور كتاب مالتوس، وطوال القرنين الماضيين، التاسع عشر والعشرين، كانت الاهتممات الديموغرافية تتعلق أساسًا بالقدرة على إطعام بشريةٍ تنمو بسرعة كبيرة (1.6 مليار في عام 1900، و 6 مليارات في عام 2000، ومن شأنها أن ترتفع إلى 10 مليارات شخص بحلول عام 2050، وضمنظروفٍ معيشية مناسبةٍ لها. وأضيفت إلى هذه الاهتممات في العقود القليلة الماضية مخاوف جديدة ذات طبيعة بيئية؛ فتلبية حاجات البشرية المتنامية تعني، في الكثير من المجالات، استمرار الضغط على البيئات المعرّضة للضرر البشري، وخصوصًا أنّ النمو الديموغرافي مصحوب بزيادة في نسبة سكان الحضر؛ إذ تُقدّر نسبة عدد سكان العالم في المدن ب 54 في المئة في عام 2015، وتقدّر إسقاطاتها بنسبة 66 في المئة بحلول عام 2050 (زاد السكان الحضريون في العالم من 746 مليون نسمة في عام 1950 إلى 3.9 مليارات نسمة في عام 2015؛ وقد يصبح عدد الحضر 6 مليارات نسمة في عام 2045. كم يتّصف)التمديُن العالمي الحالي بتركيزٍ وكثافة متزايدين، ويتّسم بكثرة السكن العشوائي وتوسّعه. وقدّرت الأمم

1 Thomas R. Malthus, An Essay on the Principle of Population, Edited and with an introduction, Gilbert, G. (New York, NY: Oxford University Press, [1798] 1993). 2 هي الخلاصات التي خرج بها مؤتمر السكان في القاهرة في عام 1994. يُنظر: الأمم المتحدة، تقرير المؤتمر الدولي للسكان والتنمية، القاهرة، 5 - 13 أيلول/ سبتمبر 1994 (نيويورك: الأمم المتحدة، 1995)، شوهد في 2020/10/11، في: https://bit.ly/3nIS5Hz 3 United Nations, Department of Economic and Social Affairs, Population Division, World Population Prospects 2019, Volume II: Demographic Profiles (New York: United Nations, 2019), p. 5. 4 جوليان دامون، "المجتمعات وأنماط العيش في العالم: الاتجاهات الكبرى للتطور في أفق 2030 – 2050 "، في: استشراف للدراسات المستقبلية، العدد 2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، 249 -.250

المتحدة أنّ عدد الأشخاص الذين يقطنون السكن العشوائي تجاوز مليار نسمة في عام 2007، وأعلنت أنّ من المرجّح أن يتجاوز 1.4 مليار شخص في عام 2020، وأنهم سيتجاوز مليارين في عام 2050. وفيالوقت نفسه، أصبح عددٌ متزايد من الدول يتساءل عن شيخوختها وتدهورها الديموغرافي الحالي أو المستقبلي. وهذا ما جعل السؤال الديموغرافي، بعد فترةٍ طويلة من تجاهله، من جديد، في مركز الاهتمم على مستوى العالم ككلّ. بيد أنّ هذه الأسئلة الديموغرافية تُطرح على نحوٍ مختلف، وفق ما إذا كنّا موجودين في النصف الشملي أو الجنوبي من الكرة الأرضية؛ إذ إنّ المتغير الديموغرافي غالبًا ما يُقدّم بوصفه تهديدًا في البلدان الأقلّ نموًا في الجنوب، ومصدرًا للقلق الشديد، بينم يجري اعتباره عمومًا في بلدان الشمل رصيدًا وضمنًا للحفاظ على استمرارية نموذج التراكم والنمو القائم، على الرغم من تأثيرات سلبية متعددة: التغيّ المناخي والهجرة الدولية، إضافة إلى الأسئلة المتعلقة بشيخوخة السكان وتمويل المعاشات التقاعدية على سبيل المثال. من هنا تأتي أهمية كتاب الديموغرافي المتخصص في العلاقة بين السكان والبيئة والتنمية، جاك فيرون، الذي بين أيدينا: هل ينبغي أن نخاف من سكان العالم؟ والذي يطرح هذه الأسئلة وغيرها ويناقشها. ويؤكد فيرون فيه أنّ الزيادة المستمرة في عدد سكان العالم كانت دومًا موضع اتهام بتعريض البشرية للخطر، ولتجنّب الأسوأ، كثيرًا ما تجري التوصية باستقرار عدد سكان العالم، بل أكثر من ذلك، بضرورة انخفاضه. ويسوق فيرون حجج هذا الرأي الذي يربط التغير المناخي واشتداد التلوث واستمرار إزالة الغابات والأراضي الخصبة، التي تصبح يومًا بعد يوم شحيحة بسبب الزحف العمراني والكوارث الطبيعية التي أصبحت أكثر حدةً وأكثر تواترًا من ذي قبل، والنمو الديموغرافي غير المسبوق على مدى أكثر من قرن على نطاق الكوكب الأرضي بأسره. ويذكر فيرون أيضًا أنّ هذا الاستنفار بشأن النمو السكاني وُجد منذ ما يقرب من خمسين عامًا حينم نشُر كتابه القنبلة السكانية، وظهر تقرير نادي روما حول حدود النمو. كم لا يغيب عن الباحث عرض حجج التيار المتفائل القائمة في الأساس على إيمان لا يتزعزع بقدرة العلم والتكنولوجيا على حل أي مشكلة عند ظهورها. ويطرح في الأخير السؤال عم إذا كان لا يوجد حل وسط بين التشاؤم الراديكالي والتفاؤل السعيد.

5 المرجع نفسه، ص.251 6 آلان باران، "سكان العالم في أفق 2030 - 2050: النمو والشيخوخة"، في: استشراف للدراسات المستقبلية، العدد 2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.259 7 Martha Campbell, "Why the Silence on Population?" Population and Environment, no. 28 (2007), pp. 237 - 246. 8 Jacques Véron, Faut-il avoir peur de la population mondiale? (Paris: Seuil, 2020). 9 Paul R. Ehrlich, The Population Bomb (London: Pan Books Ltd, 1968). 10 Donella H. Meadows et al., The Limits to Growth (Washington: A Potomac Associates Book, 1972).

يطرح جاك فيرون في هذا الكتاب أسئلةً كبرى، تعبّ عن مدى تعقيد المسألة الديموغرافية، ويربط بين الأيديولوجيات السائدة وقضايا البيئة والتنمية، ويقترح، استنادًا إلى الكثير من المقاربات المميّزة، مثل مقاربات ماسيمو ليفي- باتشي أو أمارتيا صن، مقاربةً تدفع في اتجاه هذا الربط. لذا، تتمثّل القيمة المضافة الأساسية لهذا الكتاب في تجسير الأسئلة الديموغرافية مع قضايا التنمية والاستدامة؛ ما يجعل الكتاب مفيدًا للباحثين ولجمهور المهتمين بهذه القضايا بغرض تكوين رأيٍ بشأن إمكانات التوفيق بين السكان والبيئة والتنمية الاقتصادية، والتفكير في رهانات التغير السكاني في المستقبل.

أولً: المستقبل الديموغرايف للعالم

حينم نشر القس توماس روبرت مالتوس أول مرة مقالة عن مبدأ السكانفي عام 1798، أطلقالنقاش بشأن العدد الحقيقي للسكان في بريطانيا وفي العالم. وسرعان ما ستجذب أطروحته التي تفترض النمو السكاني بشكلٍ هندسي، في مقابل نمو الموارد بشكلٍ حسابي، أنصارًا شكّلوا تيارًا لا يزال قويًا إلى اليوم؛ مثلم أصبحت موضعَ انتقادات حادة، ولا سيّم بالنظر إلى مثال مالتوس عن "المأدبة الكبيرة للطبيعة" Nature of Banquet Great، حيث لا يوجد لجميع الضيوف (سكّان الأرض) مكانًا (على البسيطة). وما لم تتم ملاحظته على نحوٍ كافٍ في هذه المقاربات هو أنّ المنطق المالتوسي مدفوع في المقام الأول بمنطق "الإمكانات"، وأنّ الإمكانات الاقتصادية ستتطور خلال القرنين المواليين أكثر بكثير مم تطورت الإمكانات الديموغرافية. بلغة الأرقام، تضاعف عدد سكان الكوكب الأرضي أكثر من 7 مرات ما بين عام 1800 واليوم، حيث بلغ 7.7 مليارات نسمة في منتصف عام 2019، بعد أن أضيف مليار نسمةٍ منذ عامُ 2007، وملياران منذ عام 1994. ومن المتوقع أن يصل عدد سكان العالم إلى  8.5 مليارات نسمة في عام 2030، و 9.7 مليارات في عام 2050، و 10.9 مليارات في عام 2100، وفقًا لإسقاط المتغيّ المتوسط، مفترضًا انخفاض الخصوبة في البلدان التي لا تزال تنتشر فيها الأسر الكبيرة، وزيادة طفيفة في الخصوبة في الكثير من البلدان، حيث يكون لدى النساء أقلّ من ولادتين على قيد الحياة في المتوسط ​على مدى العمر، واستمرار انخفاض الوفيات في جميع الأعمر، كم يوضح الشكل:)1(

11 Massimo Livi Bacci, Our Shrinking Planet (Cambridge, UK; Medford, MA: Polity Press, 2017). 12 Amartya Sen, "Il n'y a pas de bombe démographique," Esprit (Novembre 1995), pp. 118 - 147. 13 سينشر مالتوس بعد ذلك الكثير من المراجعات للكتاب، وصولً إلى الطبعة السادسة والأخيرة من الكتاب التي نشُرت في عام 1826، والتي ستؤثّر بشدة في تشارلز داروين وألفريد راسل والاس في بلورة فهمهما وصوغهما النظرية التطورية القائمة على آلية "الانتقاء الطبيعي." 14 United Nations, Department of Economic and Social Affairs, Population Division, p. 5. 15 Ibid.

المصدر: Worldometer, "World Population: Past, Present, and Future," Elaboration of data by United Nations, Department of Economic and Social Affairs, Population Division, World Population Prospects: The 2019 Revision (Medium-fertility variant), accessed on 5/7/2020, at: https://bit.ly/3irns6G

المصدر: Worldometer

المصدر: United Nations, Department of Economic and Social Affairs, Population Division, World Population Prospects 2019, Volume II, p. 81.

ويواصل سكان العالم النمو، وإن كان بوتيرة أبطأ من السابق، ومن المتوقع أن تستمر بالتباطؤ حتى نهاية القرن الحالي، وذلك بسبب انخفاض مستويات الخصوبة. تتمحور النقاشات الدائرة بشأن الزيادة المتوقعة لسكان العالم حول دول الجنوب في الأساس، وبدرجةٍ كبيرة حول أفريقيا. فمع تزايدٍ متوقع بأكثر من مليار شخص، كم يوضّح الشكل (3)، يُتوقّع أن تستأثر بلدان أفريقيا جنوب الصحراء بأكثر من نصف نمو سكان العالم بين عامي 2019 و 2050، وأن يستمرّ نموّ سكان المنطقة حتى نهاية القرن الحادي والعشرين، لتبلغ ساكنة أفريقيا، وفقًا لإسقاط المتغيّ المتوسط، نحو مليارين ونصف المليار نسمة في أفق عام 2050، وأكثر من أربعة مليارات نسمة في أفق عام 2100. وستولّد هذه التغيّات الديموغرافية تحديات متزايدة لبلدان أفريقيا جنوب الصحراء، من حيث توفير التعليم والرعاية الصحية لعدد متزايد من الأطفال، وضمن توفير فرص العمل لعدد متزايد من الشباب. كم ستولد ضغوطًا قوية للهجرة نحو الضفة الشملية من البحر الأبيض المتوسط.

16 بلغ معدل نمو سكان العالم ذروته في الفترة 1965 - 1970، حينما كان يزيد بنسبة 2.1 في المئة سنويًا، في المتوسط.

يُذكّر فيرون بهذه التطورات في ساكنة العالم، كم يُذكّر بنظريات مالتوس، ويعود إلى أهم الإسهامات في الموضوع، من جوليان هكسلي، إلى غاستون بوثول وبول إرليتش وتقرير ميدوز وألبرت جاكار وباري كومونر وديفيد لام وألفريد سوفي، وصولً إلى أمارتيا صن الذي ساهم، على نحوٍ كبير، في تغيير المنظور الديموغرافي الأحادي والاختزالي إلى منظورٍ ديموغرافي إدماجي للبُعد التنموي.

ثانيًا: معضلات المستقبل الديموغرايف للعالم

من خلال تناوله إسقاطات المستقبل الديموغرافي للعالم، يتصدّى فيرون، على مدى فصول الكتاب، لأهم المعضلات التي تطرحها، وللسياسات الديموغرافية والتنموية المتعلقة بها. ويستهلّ هذه النقاشات بطرح معضلة البيئة والاستدامة البيئية. ويبُرز أنّ الخطابات بشأن قدرة الأرض على إطعام 10 إلى 12 مليار شخص تستند إلى توقعات النمو في الإنتاج الزراعي للفرد. لكن التكلفة البيئية لزيادة الإنتاجية الزراعية بعيدة كل البعد عن أن تؤخذ في الحسبان على نحوٍ منهجي؛ إذ لا يمكننا أن نتخيل أن جميع المناطق الموجودة فوق سطح البحر مزروعة، على اعتبار أنّ الكثير منها غير ملائم للزراعة (الصحاري، والجبال)؛ بينم تحتاج مناطق أخرى إلى الحمية من تحوّلها إلى مناطق زراعية، وفي مقدمها غابات الأمازون المطيرة. وينبغي التنويه هنا إلى أنّ الحديث عن الأمن الغذائي، وعن كمية السعرات الحرارية اللازمة لكل فرد ليعيش على نحوٍ لائق (من لدن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة – الفاو، مثلً)، لا يخوض في تفصيلات ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى البلدان الفقيرة، وإلى الاستدامة البيئية، كم لا يتعرّض للضغوط المالية وإكراهات العولمة والترابط الاقتصادي المتزايد بين الدول.

17 Julian Huxley, "World Population," in: Thomas Malthus, Julian Huxley & Frederick Osborn, Three Essays on Population (New York: A Mentor Book, 1960), p. 66. 18 Gaston Bouthoul, La Surpopulation dans le monde. La mutation démographique, les équilibres démo-économiques, l'ère de la surpopulation (Paris: Payot, 1958); Gaston Bouthoul, La Surpopulation. L'inflation démographique, Collection: Petite Bibliothèque Payot, no. 61 (Paris: Payot, 1964). 19 Ehrlich. 20 Meadows et al. 21 Albert Jacquard, "Préface," in: Gilles Pison, Atlas de la population mondiale (Paris: Autrement, 2009); Albert Jacquard, Cinq milliards d'hommes dans un vaisseau (Paris: Seuil, 1987). 22 Barry Commoner, The Closing Circle. Nature, Man and Technology (New York: Alfred A. Knopf, 1971). 23 David Lam, "How the World survived the Population Bomb: Lessons from 50 Years of Extraordinary Demographic History," Demography, no. 48 (2011), pp. 1231 - 1262. 24 Alfred Sauvy, "Le 'faux problème' de la population mondiale," Population, no. 3 (1949), p. 448. 25 Sen.

في ما يتعلق بمسألة التغير المناخي، يؤكد فيرون أنه ينبغي مراعاة نظام الأرض ككل في تفاعلاته المتعددة مع الأنظمة الديموغرافية (نمو سكان العالم وتوزيعه) والأنظمة الاقتصادية (أنماط الحياة ونماذج الإنتاج) والأنظمة الاجتمعية (عدم المساواة، التمييز) والأنظمة السياسية (دور الدول أو المواطنين في التنظيم، القوانين السارية) في مختلف دول العالم، ويذكر، تجسيدًا لهذا الرأي، مشكلة الكائنات المعدّلة وراثيًا (Modified Genetically Organisms) بإشكالاتها المركّبة. كم يستشهد أيضًا بقضية المياه، المرتبطة جزئيًا بالتغير المناخي، وكذلك الهدر بأنواعه كلها وتلوث الأنهار... إلخ، وبمسألة الطاقة ذات الأهمية القصوى في المستقبل أيضًا. كم يعرض فيرون لإشكالية الشيخوخة التي تُعدّ مشكلةً أساسية تهمّ السياسات العامة في البلدان المتقدمة في الشمل، ومن شأنها أن تصبح كذلك بالنسبة إلى دول الجنوب في المستقبل القريب؛ وهي قضية جرى تسليط الضوء عليها مع أزمة جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) في عام 2020.فشيخوخة السكان هي نتيجة تزايد أمد الحياة، لكن جزئيًا فقط؛ إذ هي أيضًا نتيجة الحفاظ على خصوبةٍ منخفضة. وسواء تمّ السعي لحدوث انخفاض ديموغرافي، أو ما إذا كان يحدث على نحوٍ مستقل إلى حد ما، كم هو الحال في حالة "التحول الديموغرافي الثاني" (الحفاظ على الخصوبة عند مستوى منخفض مستدام)، فإنّ شيخوخة السكان أمر لا مفرّ منه؛ والأمر مطروح أمام جميع البلدان لتدبيره واجتراح حلول مناسبة ومستدامة له. كم تطرح إشكاليةُ العيش فترةً أطول إشكاليةَ تمويل أنظمة التقاعد ومخاطر تزايد معاناة أمراض الشيخوخة المعوّقة التي تؤدي إلى فقدان الاستقلالية، وإلى حالة من "التبعية" إزاء الأسرة أو الدولة أو إزاءهم معًا، وتطرح إشكالات عويصة للتمويل. يعرض المؤلف أيضًا لمسألة الهجرة الدولية بوصفها قضية ديموغرافية وسياسية حقيقية، ويصف عناصر الجدل الأيديولوجي حول هذا الموضوع، الذي يبرز، مثلً، من خلال نظرية "الاستبدال العظيم"الرائجة في هذه الأيام، مع تزايد نعرات الشعبوية والعداء للأجانب والانكفاء على الذات وطمس الوقائع

26 تتعلّق إحدى هذه الإشكالات المستجدة باللقاحات المطورة في نهاية عام 2020 لمواجهة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) من لدُن شركتي الدواء الأميركيتين فايزر Pfizer وموديرنا Moderna؛ وهي لقاحات حمض الريبونوكليك المرسال mRNA، التي لم تُجرّب من قبل على الجنس البشري، ومن شأنها أن تؤثر في شيفرته الجينية وتجعل منه بدوره "كائنًا معدّلً وراثيًا"، مع ما يفترضه ذلك من إشكالات معقّدة في المستقبل.

27  للاطلاع على الرهانات الطاقية في المستقبل وتحدياتها، ينظر: استشراف للدراسات المستقبلية، العدد 3 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، المخصص لموضوع "استشراف مستقبل الطاقة." 28 تب هذا الكتاب قبل أزمة جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد  كُ19-)، ونشُر في حزيران/ يونيو 2020. لكن الأسئلة التي يطرحها هي نفسها التي أثارتها هذه الأزمة، ومنها مشكلات الصحة والشيخوخة والعيش عمرًا طويلً بصحة جيدة، وإشكالية الحجم المثالي لساكنة العالم والتحكم في معدلات التزايد السكاني وتأثيرات العلوم والتكنولوجيا وأنماط العيش فيها. 29 على سبيل المثال، تحاول الصين الآن الخروج من هذه المعضلة بالسماح للأزواج، منذ بداية عام 2016، بإنجاب أكثر من طفلٍ واحد من أجل إبطاء الشيخوخة في المستقبل. 30 يستحضر المؤلف أيضًا الهجرات البيئية، مبُرزًا الاتجاه التزايدي في المستقبل للنزوح بسبب التغير المناخي، من غير أن يفترض أن هذه الظاهرة ستتخذ شكل "انفجار." 31 Renaud Camus, L'abécédaire de l'in-nocence (Paris: Reinharc David, 2010).

وإرباك حقيقة أن الهجرة الدولية لعبة بمحصلة إيجابية في الأساس وليست لعبة رابح - خاسر. ولا شكّ في أنّ موضوع الهجرات الدولية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمسألة تزايد شيخوخة التركيبة السكانية في المستقبل؛ على اعتبار أنّ لتزايد الشيخوخة الديموغرافية تأثيرًا في زيادة العبء على فئة السكان الناشطين (التي يتمّ تحديدها على نحوٍ عام بين 15 و 64 عامًا). ولذلك يبدو من البدهي أن من شأن زيادة السكان العاملين من خلال الهجرة الدولية أن يساهم في درء اختلال البنية السكانية للدول المستقبِلة. يناقش فيرون أيضًا إشكالية التمدين المتسارع في العالم بترابط مع النمو الديموغرافي، على اعتبار أنه، سواء استمر عدد السكان على الأرض بالنمو أو الاستقرار أو بدأ بالانخفاض بمرور الوقت، فإن السؤال الحضري سيبقى بلا شك مركزيًا، حيث يعيش أكثر من نصف سكان العالم بالفعل في المدن، ويستمر معدل التحضر في النمو باطراد. ويعيش الناس في المدن في البلدان المتقدمة أكثر منه في البلدان النامية؛ ومن المفارقات أن الأغلبية العظمى من سكان الحضر تتركز في البلدان النامية. وسواء في البلدان المتقدمة أو في البلدان الأقل نموًا، لا تضمن المدن الازدهار لجميع سكانها. ويعرض فيرون أخيرًا لرهانات التزايد السكاني بمناقشة القضية البيئية واستدامة النموذج الحضري/ الصناعي، ويطرح أسئلة كبرى بشأن تحول المدن الكبرى إلى مدنٍ "خضراء"، وبشأن إمكان استمرار العالم الريفي في تأدية دورٍ أساسي في إطعام سكان العالم، مع استمرار ضعف تنميته، مقارنةً بالعالم الحضري، وإشكالية تكيّف أنماط حياة الريفيين مع أنماط حياة سكان المدن (نوع الطعام أو الاستهلاك، استخدام السيارة... إلخ)، وبشأن أيّ نموذج منها يمكن أن يكون مستدامًا. يناقش فيرون أيضًا سؤال العولمة، عمّ إذا كان الإفراط في العولمة لا يساهم في اضطراب العالم، وما إذا كان نمط التجارة الحرة القائمة عليه يتغذّى على حالات عدم المساواة بين البلدان. فأحد الدوافع الأساسية للعولمة، في شكلها الحالي، هو التفاوت الشديد بين سكان العالم، في الدخل وظروف المعيشة والقوى التفاوضية، سواء الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية. وينبغي إعادة التذكير بأنّ شروط التنافسية التي يقوم عليها النموذج الاقتصادي النيوكلاسيكي المهيمن تبقى طوباويةً ومتهافتةً في آنٍ معًا، ولا تساهم سوى في استدامة العولمة غير المتكافئة بوصفها تجسيدًا للسياسات النيوليبرالية القائمة. يختتم فيرون هذا العرض المستفيض بمديح "القرب"، معتبرًا أنّ أحد الأشكال المتناقضة للحداثة هو إعادة اكتشاف فضائل "القرب"، سواء على مستوى الربط المباشر بين الإنتاج والاستهلاك، أو على مستوى العلاقات الاجتمعية وحميميّتها. ويعرض لعدد من الأمثلة عن ذلك لزارعة القرب في نيويورك وباريس.

ثالثًا: مشكلة سكان أم مشكلة تنمية؟ السكان والبيئة والحق يف التنمية

كم أشرنا إلى ذلك أعلاه، من أبرز الإضافات التي يأتي بها الكتاب أنه لا يُدين النمو الديموغرافي بوصفه سببَ الآفات التي يشهدها العالم، بل على العكس من ذلك. فإذا كان استنزاف الموارد موضوعًا لا ينبغي إنكاره، فإنّ فيرون لا يعزل الموضوع عن قضايا التنمية المرتبطة به ارتباطًا وثيقًا، ويُذكّر بتقرير "ليس لدينا سوى أرضٍ واحدة" لرينيه دوبوس وباربرا وارد الذي نشُر في عام 1972؛ كم يُذكّر بقمّة ريو في عام 1992 وتقرير بروندتلاند في عام  1987. ويبُرز تعقيد نظام الأرض وتفاعلاته المتعدّدة:الديموغرافيا والاقتصاد والمجتمع وسياسات البلدان المختلفة. ويُحذّر فيرون أيضًا من مخاطر المنطق التبسيطي، والغائي في الأيديولوجيا، سواء فيم يخصّ المسائل البيئية، أو التقدم العلمي. يذكّر فيرون بمبدأ "الحق في التنمية" الذي اعترف به المجتمع الدولي منذ عام 1986، وأرسته الأمم المتحدة في عام 2000 من خلال "الأهداف الإنمائية للألفية"، وبتعريف "التنمية المستدامة" أيضًا في تقرير بروندتلاند. ويُعطي حصيلة متباينة فيم يتعلق بالأهداف الإنمائية للألفية: حصل تقدم، لكن غير كافٍ فيم يخصّ المساواة بين الجنسين، والمساواة بين الأجيال. هل ما يميل بعض الناس إلى رؤيته باعتباره مشكلة سكانية ليس في نهاية المطاف سوى مشكلة تنمية؟ هذه هي الفكرة التي يدافع عنها أمارتيا صن؛ إذ لا يؤمن الاقتصادي الهندي الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد بوجود "قنبلة ديموغرافية"، ويعتبر أنّ السؤال الديموغرافي لا يستحق أن يُعامل بمعزلٍ عن الأسئلة الأخرى، وكسبب مسبق لجميع الآفات الحالية، حيث لن يكون لتخصيص تمويلات مهمة، على سبيل المثال، لتنظيم الأسرة، على حساب التعليم والصحة، وفقًا لصن، ما يبرّره إلّ إذا كان التشخيص

32 René Dubos & Barbara Ward, Nous n'avons qu'une terre (Paris: Denoël, 1972). 33 "Déclaration de Rio sur l'environnement et le développement – Principes de gestion des forêts – Sommet planète terre," Conférence des Nations Unies sur l'environnement et le développement, Rio de Janeiro (3 - 14/6/1992), accessed on 11/11/2020, at: https://bit.ly/3kAIjnT 34 Gro Harlem Brundtland, Notre avenir à tous - Rapport Brundtland, Rapport de la Commission mondiale sur l'environnement et le développement de l'ONU (Avril 1987). 35 "الأهداف الإنمائية للألفية" MDGs Goals, Development Millennium هي ثمانية أهداف، جرى تبنّيها في عام 2000 مع "إعلان الألفية للأمم المتحدة" من 193 عضوًا في الأمم المتحدة، و دولة 23ً منظمة دولية على الأقل، وتغط ي التحديات الإنسانية الرئيسة: الحد من الفقر المدقع ووفيات الرضع، ومكافحة الكثير من الأوبئة، ولا سيمّا وباء السيدا، والحصول على التعليم، والمساواة بين الجنسين وتطبيق التنمية المستدامة. وفي عام 2015، نشُرت "أهداف التنمية المستدامة" SDGs Goals, Development Sustainable، في استمرارية هذه الحزمة من الأهداف، إلى غاية عام.2030 36 Brundtland, p. 82. 37 Sen.

القائل إنّ النمو السكاني هو أصل معظم العلل صحيحًا. بيد أنّ صن لا يعتقد أنّ هذا التشخيص خاطئ فحسب، بل ليس من شأن تقليل الإنفاق على الصحة والتعليم لتمويل تنظيم الأسرة أن يؤدي إلّ إلى نتائج عكسية. فمن دون تنمية اقتصادية واجتمعية حقيقية، قد يشهد معدل المواليد الركود في البلدان، حيث يبقى مرتفعًا، أي في أفقر بلدان العالم. وعلى العكس من ذلك، إذا شهد بلد ذو خصوبةٍ مرتفعة نسبيًا تطوّرًا كبيرًا، في مجالات الصحة والتعليم والعمل، فيمكن أن نتوقع انخفاض معدل المواليد من تلقاء نفسه. لذلك يدعو صن إلى تجاوز "النظرة الانعزالية إلى النمو السكاني" التي تتمثل في فصل قضايا السكان عن قضايا التنمية، في حين أنهم مترابطتان على نحوٍ وثيق. على النحو ذاته، يسعى فيرون على نحوٍ حثيث، في هذا الكتاب وغيره، للنظر في العلاقات بين السكان والبيئة والتنمية في إطار منظومة متكاملة، تأخذ في الحسبان الأبعاد المختلفة للتغيرات الديموغرافية والاقتصادية والاجتمعية (الخصوبة والوفيات والهجرة والسكان والتعليم والصحة والتمديُن وما إلى ذلك)، وتستعيض بالتعقيد عن الرؤى الأحادية الاختزالية. في الحصيلة، في حين لا يزال كثيرون يجادلون في أنّ النمو السكاني كان وسيبقى يمثل مشكلة، لأنّ المزيد من ساكنة العالم يستخدم حتمًالمزيد من الموارد المحدودة المُتاحة على الأرض، ومن ثمّ تقليل النمو المحتمل على المدى الطويل، مستندين في ذلك إلى النظرية المالتوسية التبسيطية القائلة بالنظر إلى وجود كمية ثابتة من الموارد، ما يعني أن النمو السكاني، سيُقلّل، في نهاية المطاف، من حجم الموارد التي يمكن لكل فرد استهلاكها، ويؤدي بالنتيجة إلى المرض والمجاعة والحرب، فإنّ هذه الأطروحة المالتوسية تبقى متهافتةً إلى حدٍّ كبير؛ ذلك أنّ مالتوس ومن ساروا على دربه لم يتنبؤوا بالتقدم التقني ثمّ التكنولوجي الذي رفع الإنتاجية، وقلّل عدد الأمراض المُعدِيَة؛ وهي التطورات التي مكّنت سكان العالم من النمو من مليار نسمة في عام 1798 إلى 7.4 مليارات نسمة اليوم. عندما تنخفض معدلات الخصوبة خلال فترة زمنية مستدامة، تزداد نسبة السكان في سن العمل (أي أكثر من 15 عامًا)، مقارنةً بالسكان المُعالين اقتصاديًا. ويوجد هذا التغيير في التركيب العمري نافذةً من الفرص، يمكن من خلالها رفع مستوى المدّخرات والاستثمرات؛ وهي الظاهرة التي تعرف باسم "العائد الديموغرافي". ودفعت هذه النتيجة إلى إعادة النظر لاحقًا في الأهمية المحتملة للحدّ من الخصوبة في السعي لتحقيق النمو؛ ما يعني أنّ فرص التنمية تظلّ هائلة بالنسبة إلى دول الجنوب، بما فيها من إمكانات ديموغرافية هائلة، شرط الإعداد لها وتوفير شروط تبلورها وتنميتها. كم يُرجّح أن تتباطأ وتيرة

38 Jacques Véron, "Population et développement: théories partielles ou théories partiales?" in: Hubert Gérard (dir.), Intégrer population et développement, Actes de la chaire Quételet, 1990 (Louvain-la-Neuve: Academia-Erasme; Paris: L'Harmattan, 1993), pp. 117 - 124.

39 Eugene Linden, "Remember the Population Bomb? It's still Ticking," New York Times: Sunday Review (June 2017), p. 4.

النمو الاقتصادي في الدول ذات الدخل المرتفع في السنوات المقبلة على نحو جزئي؛ بسبب التباطؤ الكبير للنمو السكاني في هذه البلدان. من هذا المنظور، من غير الممكن إفراد المتغير السكاني بكلّ علل العالم وآفاته؛ إذ كانت الأولوية المطلقة لتنظيم المواليد في أفقر البلدان، التي طالبت بها الدول الأكثر ثراءً خلال بعض المؤتمرات السابقة، كانت في الكثير من الأحيان مجرد القناع الذي أخفيت خلفه مخاوف المركزية الغربية الأفضل حالً ومصالحها. وإن لم تكن هناك وصفة واحدة ذات نطاقٍ كوني، فإنّ تحديات التنمية الحالية والمستقبلية تتطلّب اليوم، لا محالة، التعاون بين الشمل والجنوب، لأنها تُعبّ عن تضامن الجميع في مواجهة عولمة المشكلات المشتركة: البيئة والموارد المحدودة والتوظيف والهجرة والاستبعاد الاجتمعي. ومن ثمّ جاءت أهمية ابتداع نموذج جديد للتنمية لا يمكن اختزاله في الاستهلاك المفرط Consumerism، ويجعل من الممكن تحديد روابط جديدة داخل البلدان وفيم بينها.

رابعًا: السؤال المالتويس القديم - الجديد

يُعيد الكتاب طرح السؤال المالتوسي في العصر الحديث، نظرًا إلى أنّ إشكالية إضافيةً أُضيفت إلى مسألة التوازن بين السكان والغذاء، وهي مسألة الاستدامة البيئية للنموّ الديموغرافي، التي من شأن إسقاطاتها المستقبلية أن تُعيد إحياء القلق المالتوسي. ففي بحث نشُر في عام 1968، أنشأ عالِم الأحياء بول إرليتش رابطًا مباشرًا بين السكان والأزمة البيئية؛ إذ نقرأ في كتابه ذائع الصيت الذي اختار له عنوانًا بليغًا، القنبلة السكانية: "يمكن بسهولة تتبّع سلسلة التدهور السببية إلى مصادرها؛ سيارات أكثر من اللازم بكثير، ومصانع أكثر من اللازم بكثير، ومبيدات أكثر من اللازم بكثير. وليس هناك ما يكفي من الماء، وثاني أكسيد الكربون أكثر من اللازم بكثير. وكل ذلك يمكن أن يُعزى إلى سبب واحد: هناك من الناس على الأرض أكثر من اللازم بكثير". ويضيف إرليتش: "في هذا الوقت المتأخر، لا يمكن لشيءٍ أن يمنع حدوث زيادةٍ كبيرةٍ في معدل الوفيات العالمي [...] ففي سبعينيات هذا القرن [القرن العشرين] سوف يتعرّض العالم لمجاعات؛ ومئات الملايين من العائلات سوف تتضوَّر جوعًا حتى الموت [...] لا بد من أن نتّخذ إجراءً من أجل إدراك التدهور الذي لحق ببيئتنا قبل أن يُلحِق الضغطُ السكاني بكوكبنا دمارًا لا يمكن مواجهته. لا بد من إحداث توازنٍ بين معدل المواليد ومعدل الوفيات، وإلّ فسيذهب الجنس

40 Paul R. Krugman, Dean Baker & J. Bradford DeLong, "Asset Returns and Economic Growth," Brookings Papers on Economic Activity, no. 1 (2005), pp. 289 - 330. 41 Living Planet Report 2016: Risk and Resilience in a New Era, WWF Report 2016, Gland, Switzerland: WWW International, 2016. 42 Ehrlich.

البشري في طي النسيان". وجاءت متوافقةً مع روح العصر في الولايات المتحدة الأميركية، حيث كانت جمعات الضغط المؤثرة نفسها تؤكد منذ خمسينيات القرن الماضي، وتناضل من أجل سياسات سكانية ملزمة في بلدان الجنوب، وهو ما دافع عنه أيضًا غاريت هاردن الذي اعتبر أنّ الموارد الطبيعية خيرات مشتركة مُتاحة للجميع، لكنها محدودة، ومن ثمّ مهدّدة بالإرهاق، على اعتبار أنه شيء من شأنه أن يحدّ من الإنتاج عندما تكون التكاليف جمعية والأرباح فردية؛ ليخلص إلى أنّ خصخصة الموارد الطبيعية هي الإدارة الرشيدة والمستدامة المثلى، بقدر ما هي الإدارة المقيّدة للسكان. في هذا السياق أيضًا، أتى التقرير الشهير لنادي روما في عام 1972 (أو تقرير ميدوز) الذي طرح مسألة عدم الاستدامة البيئية للنمو الديموغرافي والاقتصادي على المدى الطويل، من حيث مخاطر استنفاد الموارد، بصيغة سؤال: كيف يمكن أن ينمو الإنتاج بلا حدود في عالم محدود؟ وكان لهذا التقرير تأثيرٌ بالغ لاحقًا؛ ما يمهد الطريق لمفهوم التنمية المستدامة. وأعطي لهذا الاتجاه تعريف "رسمي" في تقرير بروندتلاند لعام 1987. ومن هذا المنظور، إذا كان من الممكن استمرار النموّ الاقتصادي، فيجب أن يظل معتدلً؛ما يعني ضمنيًا تطورًا مضبوطًا للسكان للحدّ من الاستهلاك والإنتاج للفرد، إضافة إلى عمليات استهلاك الموارد الطبيعية وتصريفها. من المهم في هذا الصدد الإشارة إلى أنّ إشكالية الكتاب الرئيسة تناولتها أعمل بارزة أخرى في بداية سبعينيات القرن الماضي، وأعمل لاحقة أخرى، شكّكت بقوة في الإنتاج الصناعي الشامل وتقنياته الإنتاجية، وستشهد اهتممًا متجدّدًا مع الأزمة الصحية لجائحة (كوفيد 19-) في عام 2020 وما أثارته من أسئلة جوهرية بشأن نمط إنتاج النظام الرأسملي واستهلاكه وصعوبة تقنينه ومسألة استدامته، ومن حاجةٍ إلى التفكير معًا في "التأثير السكاني" و"تأثير نمط الحياة"، بوصف أحدهم مضاعفًا للآخر. ففي

43 Ibid. 44 في مقالة نشُرت في عام 2009، راجع بول إرليتش وآن إرليتش عملهما الرائد الذي بيع منه أكثر من مليوني نسخة. وهما يعتقدان أن الخطأ الرئيس في الكتاب هو "عنوانه" الذي اختاره الناشر لأغراض تسويقية، لكنه أدّى إلى التركيز شبه الحصري على عدد سكان العالم وإزاحة الاهتمام عن أهم ما في الكتاب، ينظر: Paul R. Ehrlich & Anne H. Ehrlich, "The Population Bomb Revisited," Electronic Journal of Sustainable Development, vol. 1 (2009), pp. 63 - 71. 45 Garett Hardin, "The Tragedy of the Commons," Science, vol. 162, no. 3859 (13/12/1968), pp. 1243 - 1248 46 Ibid. 47 Meadows et al. 48 Brundtland. 49 Ansley J. Coale, The Growth and Structure of Human Populations: A Mathematical Investigation (Princeton: Princeton University Press, 1972); Commoner; Nicholas Georgescu-Roegen, The Entropy Law and the Economic Process (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971). 50 Serge Latouche, Petit traité de la décroissance sereine (Paris: Mille et une nuits, 2007).

مقاربةٍ مميزة لهذه القضايا، يُجادل جيورجوس كاليس ضدّ فكرة القائلة بأن البيئة شيء ينبغي تدبيره، سواء من خلال الاقتصاد أو الإرادة السياسية، أو وفقًا للتوصيات العلمية. وعلى العكس من ذلك، يدافع كاليس عن أنّنا نحتاج من أجل معالجة المخاوف البيئية إلى تركيز إشباع الناس من خلال التقييد الذاتي للأفراد، ومن خلال الديمقراطية المباشرة، بديلً من النمو اللامحدود والاستهلاك المفرط. ومن الواضح أنّ التأثيرات البيئية لمختلف السكان غاية في التباين. فوفقًا لآخر التقديرات، سيلزم 4.8 كواكب إذا انتشرت، مثلً، طريقة حياة الأستراليين في عام 2013 على جميع سكان العالم. إن كان التاريخ الاقتصادي للقرنين الماضيين قد أظهر أنّ التقدم التقني، ثم التقدم التكنولوجي، جعلا من الممكن التفلّت من "الفخ المالتوسي"؛ إذ سمحا بالتحسين المستمر في ظروف المعيشة، يبقى السؤال قائمًا إن كان التقدم الممكن مستقبلً قادرًا على مواجهة الزيادة المتوقعة في عدد سكان العالم من دون الإضرار بالكوكب الأرضي. فقد سمحت الثورات الخضراء بزيادة المحاصيل الزراعية؛ ما جعل من الممكن القضاء على المجاعة وسوء التغذية في أرجاء عدة من العالم. فبفضل البذور الجديدة واستخدام الأسمدة ومبيدات الأعشاب وأنظمة الريّ، نما الإنتاج الزراعي نموًا كبيرًا في البلدان التي واجهت نموًّا سكانيًا مرتفعًا. بيد أنّ هذه التطورات الزراعية لم تكن خاليةً من الأضرار، ولم يعد من الممكن تجاهل التكلفة البيئية للثورات الخضراء؛ فالاستخدام المفرط للأسمدة والمبيدات يشكل خطرًا على صحة الإنسان، ويحدّ جفاف الأنهار والمياه الجوفية من إمكانات الريّ، فضلً عن أنّ "الكائنات المعدّلة وراثيًا" هي أبعد ما تكون عن أن تحظى بالإجمع. وبتعبير آخر، لا تنفكّ هذه الأسئلة تنبئ عن تغييرات عميقة في أنماط الإنتاج والاستهلاك.

على سبيل الختم

ما وراء سمة المركزية الغربية التي تسمه، والانكفاء على نحوٍ كبير على النموذج الفرنسي، فإنّ كتاب هل ينبغي أن نخاف من سكان العالم؟ ثريّ بالإفادات بشأن رهانات تزايد سكّان العالم حاضرًا ومستقبلً. فهو ليس مجرد كتاب ديموغرافي يناقش القضايا الديموغرافية من منظورٍ ضيّق، بل يخترقه – على نحوٍ تكاملي – الكثير من القضايا والمقاربات السياسية والاجتمعية والتاريخية والبيئية والاقتصادية. وبعيدًا

51 Giorgos Kallis, Degrowth: The Economy: Key Ideas (Newcastle upon Tyne: Agenda Publishing, 2018); Giorgos Kallis, Limits: Why Malthus Was Wrong and Why Environmentalists Should Care (Stanford: Stanford University Press, 2019). 52 Charlotte McDonald, "How many Earths do we Need?" BBC News, 15/6/2015, accessed on 6/11/2020, at: https://bbc.in/3fkkFeF

عن مسائل تغيّ المناخ والهجرة التي تركز الانتباه على السؤال الديموغرافي اليوم، فإن القضايا الحقيقية لهذا السؤال هي قضايا تنموية بامتياز. أكّدنا في هذه القراءة النقدية للكتاب هذا البعد التنموي المركزي، مبرزين، بدرجةٍ أساس، إمكانات التنمية التي تشملها الديموغرافيا والنمو الديموغرافي، بدءًا من الافتراض أنه لا ينبغي اعتبار القسّ والاقتصادي توماس مالتوس الأب المؤسس للمقاربة السلبية للسؤال الديموغرافي، بل بالأحرى القانوني والفيلسوف والاقتصادي جون بودان، حينم كتب: "ما من ثروةٍ أو من قوةٍ إلّ بالإنسان". بمعنى أنّ تزايد سكان العالم هو دومًا نعمة وليس نقمة، إلّ حين تأتي السياسات والتدابير وأنماط العيش والإنتاج والاستهلاك غير متّسقة؛ كم هو الحال مع النسق الرأسملي الحالي المهين الذي سلّطت أزمة جائحة (كوفيد 19-) الضوء على وصوله إلى الباب المسدود وضرورة إعادة تشكيله بالكامل.

53 Jean Bodin, Les six livres de la république, Livre V (Paris: Fayard, 1986 [1576]), Chapitre II.

المراجع

العربية

استشراف للدراسات المستقبلية. العدد 3. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018

استشراف للدراسات المستقبلية. العدد 2. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017

الأمم المتحدة. تقرير المؤتمر الدولي للسكان والتنمية. القاهرة، 5 - 13 أيلول/ سبتمبر 1994. نيويورك: الأمم المتحدة، 1995:. في https://bit.ly/3nIS5Hz

الأجنبية

Bodin, Jean. Les six livres de la république. Livre V. Paris: Fayard, 1986 [1576].

Bouthoul, Gaston. La Surpopulation dans le monde. La mutation démographique,

les équilibres démo-économiques, l'ère de la surpopulation. Paris: Payot, 1958.

_______. La Surpopulation. L'inflation démographique. Collection: Petite

Bibliothèque Payot. no. 61. Paris: Payot, Payot, 1964.

Brundtland, Gro Harlem. Notre avenir à tous - Rapport Brundtland. Rapport

de la Commission mondiale sur l'environnement et le développement de l'ONU

(Avril 1987).

Campbell, Martha. "Why the Silence on Population?" Population and

Environment. no. 28 (2007).

Camus, Renaud. L'abécédaire de l'in-nocence. Paris: Reinharc David, 2010.

Coale, Ansley J. The Growth and Structure of Human Populations: A

Mathematical Investigation. Princeton: Princeton University Press, 1972.

Commoner, Barry H. The Closing Circle: Nature, Man, and Technology.

New York: Alfred A. Knopf, 1971.

"Déclaration de Rio sur l'environnement et le développement – Principes de

gestion des forêts – Sommet planète terre." Conférence des Nations Unies

sur l'environnement et le développement. Rio de Janeiro. 3 - 14/6/1992. at:

https://bit.ly/3kAIjnT

Dubos, René & Barbara Ward. Nous n'avons qu'une terre. Paris: Denoël, 1972.

Ehrlich, Paul R. The Population Bomb. London: Pan Books Ltd, 1968.

Ehrlich, Paul R. & Anne H. Ehrlich. "The Population Bomb Revisited." Electronic

Journal of Sustainable Development. vol. 1 (2009).

Georgescu-Roegen, Nicholas. The Entropy Law and the Economic Process.

Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971.

Gérard, Hubert (dir.). Intégrer population et développement. Actes de la chaire

Quételet, 1990. Louvain-la-Neuve 2 - 5/10/1990. Louvain-la-Neuve: Academia;

Paris: L'Harmattan, 1993.

Hardin, Garett. "The Tragedy of the Commons." Science. vol. 162, no. 3859

Jacquard, Albert. Cinq milliards d'hommes dans un vaisseau. Paris: Seuil, 1987.

Kallis, Giorgos. Degrowth: The Economy: Key Ideas. Newcastle upon Tyne:

Agenda Publishing, 2018.

_______. Limits: Why Malthus Was Wrong and Why Environmentalists Should

Care. Stanford: Stanford University Press, 2019.

Krugman, Paul R. et al. "Asset Returns and Economic Growth." Brookings

Papers on Economic Activity. no. 1 (2005).

Lam, David. "How the World survived the Population Bomb: Lessons from 50

Years of Extraordinary Demographic History." Demography. no. 48 (2011).

Latouche, Serge. Petit traité de la décroissance sereine. Paris: Mille et une nuits, 2007.

Livi Bacci, Massimo. Our Shrinking Planet. Cambridge, UK; Medford, MA:

Polity Press, 2017.

Living Planet Report 2016: Risk and Resilience in a New Era. WWF Report

2016. Gland, Switzerland: WWW International, 2016.

Malthus, Thomas R. An Essay on the Principle of Population. Edited and with an

Introduction, Gilbert, G. New York, NY: Oxford University Press, [1798] 1993.

Malthus, Thomas, Julian Huxley & Frederick Osborn. Three Essays on

Population. New York: A Mentor Book, 1960.

Martya Sen, "Il n'y a pas de bombe démographique." Esprit (Novembre 1995).

Meadows, Donella H. et al. The Limits to Growth. Washington: A Potomac

Associates Book, 1972.

Pison, Gilles. Atlas de la population mondiale. Paris: Autrement, 2009.

Sauvy, Alfred. "Le 'faux problème' de la population mondiale." Population. no. 3 (1949).

United Nations, Department of Economic and Social Affairs, Population

Division. World Population Prospects 2019. Volume II: Demographic Profiles.

New York: United Nations, 2019.

Véron, Jacques. Faut-il avoir peur de la population mondiale? Paris: Seuil, 2020.