السياسات السكانية بين نظرية مالتوس ونظريات المؤامرة
Population Politics between Malthus' Theory and Conspiracy Theories
الملخّص
مالثوس القديمة وحلول المالثوسية الجديدة
قراءة يف كتاب السياسة الدولية وزيادة السكان: بن نبوءة
Abstract
Population Politics between Malthus' Theory and Conspiracy Theories
- السياسة الدولية
- النمو الديموغرافي
- التنمية
- المالتوسية الجديدة
- International Relations
- Demographic Growth
- Development
- Neo-Malthusianism
السياسة الدولية وزيادة السكان: بن نبوءة مالثوس القديمة وحلول المالثوسين الجدد
اعتقَد توماس مالتوس (1766 - 1834) أنّ عدد سكان الأرض يتزايد بمتوالية هندسية سريعة، في حين تتزايد الموارد الغذائية بمتوالية عددية بطيئة، معتبرًا التزايد السكاني معضلةً تؤدي إلى تناقص الغذاء، نظرًا إلى عدم قدرة الأرض على إنتاج ما يكفي لإطعام مليارات البشر مستقبلً. وتقوم رؤيته لحلّ مشكلة تزايد السكان على ضرورة تدخّل عوامل خارجية لإحداث توازن بين قدرات الطبيعة وحاجات الإنسان، مشيرًا إلى دور الحروب والمجاعات والأوبئة في تقليص عدد السكان، باعتبارها "موانع إيجابية"1. وفي هذا الإطار، اتّجهت دول كبرى منذ الحرب العالمية الثانية إلى صوغ سياسات تهدف إلى الحدّ من الزيادة السكانية من خلال الحدّ من النسل والتحكم في أسعار الغذاء. يُدرج كتاب ناجي الهتاش السياسة الدولية وزيادة السكان: بين نبوءة مالثوس القديمة وحلول المالثوسية الجديدة في هذا السياق، محاولً إثبات مسؤولية الدول الغنية عن المشكلات المترتبة على تزايد السكان، إلى جانب مسؤولية الدول الفقيرة. ويُقسم الكتاب أربعة أقسام، تتوزّع بين تحديد المفاهيم ومناقشة السياسات الدولية في مواجهة معضلة الزيادة السكانية، والبحث عن حلول لها، مبُرزًا أنّ المشكلة السكانية تكمن في ارتفاع عدد السكان في المناطق قليلة الموارد، وانخفاضه في المناطق كثيرة الموارد؛ كم ترتبط بمدى قدرة الحكومات في هذه الدول على تدبير الموارد المُتاحة لتلبية حاجات السكان، بغضّ النظر عن وفرة هذه الموارد أو قلّتها (ص. 53) يعتقد المالتوسيون الجدد، أمثال إيدوين كانان cannan Edwin صاحب كتاب الثروة (1914)، ووليام فوغWilliam Vogt صاحب كتاب الطريق إلى النجاة (1948)، وبول إيرليش Ehrlich R. Paul صاحب كتاب القنبلة السكانية (1968)، أنّ الزيادة السكانية تؤدي إلى تناقص الغذاء، ومن ثمّ إلى الجوع والتخلّف، وربما يؤدي التكاثر السكاني غير المرغوب فيه إلى زيادة الاحتجاجات الشعبية ضدّ تلوّث البيئة ونضوب الموارد. ويعتقدون أيضًا أنّ الحروب والأوبئة تساهم في الحد من الزيادة السكانية، إلى جانب وسائل أخرى، مثل عقم النساء والرجال وإباحة الإجهاض. ولما انتشر هذا الفكر بعد الحرب العالمية الثانية، بادرت دول عدة إلى اتّخاذ خطوات للحدّ من النسل2. وفي السياق ذاته، أبدى نادي روما في تقريره حدود التنمية الصادر في عام 1972 تشاؤمًا بوقوع كارثة قد تؤدي إلى انهيار النظام العالمي في حال استمرار النمو السكاني بوتيرة أكبر من قدرة الأرض على إنتاج الغذاء، وطالب التقرير بالحدّ من
النسل لتلافي الكارثة3. وعلى العكس من ذلك، صدرت تقارير عن جهات اقتصادية أخرى، تؤكد قدرة الأرض على إنتاج الغذاء لعدد من السكان قد يصل إلى 9 أو 12 أو حتى 15 مليار نسمة، في ظروف اقتصادية وسياسية ملائمة (ص. 71) ويجدر التنويه هنا إلى أنّ تزايد عدد سكان العالم بوتيرة سريعة ألهب توقعات الباحثين في هذا المجال، حيث ذكر تقرير التنمية البشرية، الصادر عن الأمم المتحدة في عام 2009 أنّ عدد سكان العالم بلغ في عام 1990 نحو 5 مليارات و 290 مليون نسمة، وارتفع في عام 2007 إلى 6 مليارات و 670 مليون نسمة4. وذهبت تقديرات وسطية إلى أنّ عدد سكان العالم سيصل بحلول عام 2030 إلى 8.5 مليارات نسمة، في حين توقعت تقديرات عالية أن العدد سيصل إلى 10 مليارات نسمة5. ولا شك في أنّ هذه الزيادات السكانية ستمثّل عبئًا ثقيلً على معدّل النمو الاقتصادي ومستويات التنمية في الدول الفقيرة التي تعرف معدلّات مرتفعة من نسبة الخصوبة6. يبقى السؤال الرئيس في هذا النقاش: هل زيادة السكان تؤدي إلى انتشار الفقر وتلوّث البيئة وضعف النمو وقلّة الغذاء، أم أنّ هذه المشكلات أحداث طبيعية لا تتأثر بالضرورة بازدياد عدد السكان؟ وفي هذا الصدد، يبُرز الهتّاش أنّ الآراء في معالجة هذه المشكلة قُسِمَت بين مالتوسيين متشائمين واقتصاديين متفائلين؛ إذ يجد المتشائمون في الزيادة السكانية أساسًا للكثير من المشكلات الاقتصادية، خصوصًا مشكلة تناقص الغذاء، ما استدعى اهتمم منظمت دولية بالأمر وأخذه مأخذ الجد، حيث راحت ترى في التزايد السكاني مشكلةً حقيقية تستدعي عقد المؤتمرات ونشر الدراسات بشأنها لزيادة الوعي بمخاطرها، فزيادة الفقر في الدول النامية تُعمّق الفجوة الاقتصادية بينها وبين الدول الصناعية الغنية، وتزيد من احتمل عدم الاستقرار في النظام الدولي بسبب الاضطرابات التي قد تطرأ فيها. كم يمكن أن يؤدي فشل الدول النامية في إقامة تنمية ناجحة ومستدامة تنهض بواقع شعوبها إلى الأفضل، إلى هجرة الأطر المدربة واستنزاف الإمكانات الاقتصادية وتفاقم الديون. وهناك من يعزو هذا الفشل، أساسًا، إلى تفاقم المشكلة
السكانية، ما ينذر بحدوث نقص في الغذاء ومجاعات وصراع حول المياه، على الرغم من زيادة إنتاج الغذاء في الدول المصنعة التي ما فتئت تتحكم في أسعاره حفاظًا على هامش مرتفع من الأرباح. كم يُنذر أيضًا من تداعيات أزمة الغذاء والمياه وارتفاع عدد السكان في الدول الفقيرة إقبال فئات الشباب على الهجرة غير القانونية إلى الدول الغنية التي يسيطر فيها ربع سكان العالم على 80 في المئة من ثرواته، مع ما يستتبع ذلك من هيمنة اقتصادية وسياسية وعسكرية على دول ضعيفة لا تملك إطعام سكانها (ص. 74). وفي المقابل، يساهم تزايد النشاط الصناعي والاقتصادي في الدول المتقدمة على نحوٍ ملموس في تفاقم المشكلات البيئية التي يعانيها كوكب الأرض، مثل الاحتباس الحراري وارتفاع منسوب مياه البحر وازدياد العواصف والأعاصير المدمرة وانتشار الأمراض والأوبئة، خصوصًا في الدول الفقيرة، إضافة إلى أنّ الفرد في الدول المتقدمة يخلِّف من النفايات غير الصناعية أكثر بأضعاف مم يُخلّفه الفرد في الدول الفقيرة، بسبب انتشار ثقافة الاستهلاك والإسراف في الغذاء (ص. 60). كم أدّى تحويل الغذاء في الدول الغنية إلى وقود حيوي إلى زيادة أسعار بعض المنتوجات، مثل القمح والذرة وقصب السكر. وأدّت الحاجة إلى مضاعفة الإنتاج في هذه الدول إلى استخدام طرائق حديثة في تعديل المحصولات وراثيًا، ما قد يشكل خطرًا على الصحة، خصوصًا أن كميات كبرى منها تُصدّر إلى الدول الفقيرة من أجل سد حاجاتها من الغذاء المنخفض الثمن. كم يرى أصحاب هذا الرأي أن من غير المُنصف المساواة في الاستهلاك المضرّ بالبيئة بين سكان الدول الغنية والفقيرة؛ إذ إنّ متوسط عمر الإنسان في الأولى أكثر منه في الثانية، ما يعني أن استنزاف الموارد الطبيعية يجري بوتيرة أسرع في الدول الغنية (ص. 62). وقد تزيد النسبة إذا أخذنا في الحسبان حياة الرفاهية والبذخ التي تعيشها فئات عريضة من سكان الدول الغنية، مقارنة بالدول الفقيرة، ما يعني ذلك من زيادة حجم النفايات الضارة بالبيئة وتلويث الهواء والمياه والمساهمة في زيادة مستوى الاحتباس الحراري ومخاطر وقوع فيضانات وأعاصير تصيب الدول الغنية والفقيرة على السواء. أما بالنسبة إلى الاتجاه المتفائل، فيلحظ الهتّاش أنّ أصحابه يؤكدون ازدياد قدرة الأرض على إنتاج الطعام، على الرغم من ازدياد عدد السكان؛ لذا فإنّ التداعيات ليست بالطريقة التي يصوّرها المالتوسيون. وهناك حقائق كثيرة تدعم هذا التفاؤل، منها ارتفاع إنتاج الغذاء بنسبة أعلى من نسبة ارتفاع عدد السكان، وتضاعف الإنتاج الصناعي منذ الثورة الصناعية عشرات المرات، في حين لم يتضاعف عدد السكان سوى مرات محدودة. ومعنى هذا أنّ نظرية مالتوس، بحسب هذا الرأي، لم يكن لها أساس استقرائي صائب، خصوصًا في ادّعائها أن الحاجة إلى الغذاء تزيد بمتوالية هندسية. ويرى المتفائلون أنّ زيادة السكان لا تعني بالضرورة انتشار الفقر والمجاعة. ففي بعض الدول، مثل الصين والولايات المتحدة، أدّت هذه الزيادة إلى تحقيق نموٍّ اقتصادي كبير، استفادت منه فئات عريضة من السكان، في حين قد ينتشر الفقر والمجاعة في دول قليلة العدد، مثل الصومال. كم تُساهم بعض الدول المنتجة للغذاء في تكريس
هذه المشكلة من خلال إتلاف كميات من الفائض، حفاظًا على مستوى مرتفع من الأسعار. وفي المقابل، يمكن أن تُساهم عملية استصلاح الأراضي واستخدام التكنولوجيا الحديثة في الزراعة، على نحو جيد، في التقليل من مشكلة الغذاء في الدول الفقيرة (ص. 72) ومن الخلاصات المهمة التي يخرج بها الهتّاش في هذا الكتاب أنه يجب النظر إلى تأثير الزيادة السكانية في البيئة من زاوية نوعية السكان ومستوى العيش لديهم، على اعتبار أنّ الزيادة السكانية تبقى مرتفعةً في الدول الغنية حتى لو ذكرت الإحصاءات انخفاضها إلى ما دون 2 في المئة، لأنّ مواطني الدول الغنية يرتفع لديهم متوسط العمر المتوقع عند الولادة مقارنةً بالدول الفقيرة. كم أنّ الدول الغنية أكثر استهلاكًا لموارد الطبيعة واستنزافًا لمصادر الطاقة وتلويثًا للبيئة؛ إذ يعيش العدد القليل من سكان الدول الغنية أكثر ويستهلك أكثر ويُلوّث أكثر من العدد الكبير لسكان الدول الفقيرة (ص. 79) بيْد أنّ القول بوجود مشكلة سكانية في الدول الفقيرة لا يعني أنّ مصدر المشكلات الاقتصادية يكمن بالضرورة في هذه الدول. وذهب الباحث في هذه الدراسة إلى أن الدول المتقدمة تتحمل قسطًا كبيرًا من المسؤولية عن تدهور الأوضاع الاقتصادية في الدول الفقيرة، من خلال استنزاف ثرواتها والتسبب بانبعاث مفرط لغازات الدفيئة نتيجة أنشطتها الصناعية، ينتج منه احتباس حراري وتصحّر وارتفاع منسوب المياه في البحار بسبب ذوبان ثلوج القُطبين. إضافة إلى ذلك، تتعرّض الدول الفقيرة لضغوط وإغراءات من أجل استقبال النفايات الصناعية من الدول الغنية لدفنها في أراضيها أو إعادة تدويرها، وهي نفايات ضارّة بالبيئة، قد ينتج منها تلوّث المياه الجوفية وانتشار الأمراض. وعلى الرغم من أن عددًا من الاتفاقات الدولية يمنع تصدير هذه النفايات، فإن بعض الشركات العاملة في هذا المجال تقدم رشاوى لموظفين في الجمرك للسمح بمرورها. كم يبُرز الهتّاش أنّ الدول الفقيرة لجأت في العقود الأخيرة، إدراكًا منها أن تناقص عدد السكان قد يؤدي إلى تقليص الضغط على الموارد الطبيعية والبنية التحتية والخدمات العامة، إلى برامج تنظيم النسل. وأبانت تقارير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة تراجعًا ملحوظًا في مستوى الخصوبة لدى المرأة في هذه الدول، من 6.7 أطفال لكل امرأة، بين عامي 1990 و 1995، إلى 4.6 أطفال بين عامي 2010 و 2015؛ كم تناقص عدد سكان الكثير من الدول الفقيرة بسبب انتشار المجاعات والحروب والأمراض والأوبئة7. كم يطرح الباحث مقترحات قد تساهم في التقليل من تداعيات زيادة السكان، مثل التوسع في إقامة مشاريع الطاقة المتجددة وتدوير النفايات واستصلاح الأراضي واستغلالها في إنتاج غذاء موجّه إلى الاستعمل البشري، وعدم هدر الغذاء في استخراج الوقود الحيوي (ص. 117)
كم يرى الباحث أن عدم تدخّل مجلس الأمن والدول الكبرى لإيقاف الحروب في دول العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية، أو منع اندلاعها، سياسة مقصودة من أجل تقليص عدد السكان في هذه الدول. ولذلك لم يتم اتخاذ قرار من الأمم المتحدة بوقف الحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1988) إلّ بعد مضي ست سنوات عليها، ولم تتوقف الحرب الأهلية في الكونغو (1997 - 1999) إلّ بعد أن أودت بحياة ما يزيد على خمسة ملايين شخص. كم أدّت الحروب الأميركية في العراق، باسم تحرير الشعب العراقي، إلى مقتل مئات الآلاف من الأشخاص (ص. 92). وكانت الولايات المتحدة منذ العقد السابع من القرن الماضي تنظر إلى التزايد السكاني في الدول النامية باعتباره تهديدًا قد يحرمها من الاستفادة من الموارد الطبيعية في تلك الدول، لذا، تُشجّع برامج الحدّ من النسل في هذه الدول، وقد تستخدم الغذاء سلاحًا لفرض هذه السياسة. وفي سعيها لحمية مصالحها الاقتصادية وفرض هيمنتها الاستراتيجية، ترفض الولايات المتحدة الالتزام بالكثير من المعاهدات الدولية المتعلقة بالحدّ من انبعاث الغازات المسببة للتلوّث البيئي والاحتباس الحراري. لا يغيب عن الباحث في هذا الصدد الإشارة أيضًا إلى انتقادات المالتوسية الجديدة بأنّ صنع الفيروسات ونشرها يدخلان أيضًا في إطار مساعي الحدّ من تكاثر السكان؛ إذ تداولت بحوث أميركية وروسية وألمانية ما يُشاع عن مسؤولية برنامج الفيروسات الأميركي في صنع فيروس المناعة المكتسبة (الإيدز) ونشره منذ عام 1969، وإعداده ليكون سلاحًا بيولوجيًا يمكن استخدامه من الجيش الأميركي الذي لم يتورّع عن استخدام أسلحة وغازات سامة في حروبه في فيتنام والعراق وأفغانستان. كم أدّى استخدام الولايات المتحدة اليورانيوم المخضب في حرب الخليج الثانية إلى انتشار أمراض سرطانية بين فئات السكان في المناطق الملوّثة باليورانيوم، إضافة إلى ارتفاع عدد الولادات المشوّهة. وعلى الرغم من تطعيم الجنود الأميركيين ضد تأثير الغازات السامة، فإن ذلك لم يمنع من إصابتهم بأمراض مختلفة. وعلى الرغم أيضًا من انتشار الإيدز في الولايات المتحدة، فإنه انتشر بطريقة أكبر في الدول الأفريقية الفقيرة ذات العدد السكاني المرتفع، حيث توفي في هذه الدول ما يفوق على 70 في المئة من مجموع ضحايا هذا المرض في العالم8. لا يخفى أيضًا أنّ السياسات التي يدافع عنها المالتوسيون الجدد، باختلاف مواقعهم في دوائر السلطة، تتخذ عند بعضهم صفة "المؤامرة"، باعتبارها تُحاك في سرّية تامّة من دائرة صغرى من الفاعلين الذين يصعب كشفهم. ومع انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) في عام 2020، عاد صدى هذه "المؤامرة" بقوة إلى التحذير من سياسات غامضة تهدف إلى تقليص عدد سكان العالم. وغذَّت المؤامرات التي كُشف عنها شكوكَ كثيرين من الناس اليوم بشأن إمكان وجود مؤامرة أخرى وراء ظهور فيروس
كورونا المستجد وانتشاره؛ إذ هناك من يعتقد أن هذا الفيروس صُنع في مختبر صيني في مدينة ووهان lab P4 Wuhan، وأن عدد الإصابات والوفيات المعلن عنه من الحكومات لا يعكس حقيقة الجائحة، خصوصًا بعد صدور تصريحات مؤيدة لذلك عن باحثين مرموقين في هذا المجال، مثل الفرنسي لوك مونتانيي montagnier Luc مكتشف فيروس الإيدز في عام 1983 والحائز على جائزة نوبل في الطب في عام 20089. كم انتشرت تصريحات في بعض وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتمعي مفادها أن شركات الأدوية الكبرى قد تكون وراء انتشار الفيروس، كونها ستحقق أرباحًا طائلة من بيع الأدوية واللقاحات. ولما تأخرت اللقاحات، هناك من ظن أن الهدف المبيَّت من الفيروس هو التخلّص من العدد المتزايد من السكان، خصوصًا من كبار السن الذين أصبحوا يمثّلون عبئًا اقتصاديًا في بعض الدول. وعلى الرغم من الكَمِّ الهائل من الأموال التي ضُخّت لإيجاد لقاح للفيروس، فإن شكوكًا لا تزال تحوم اليوم حول وجود نيّات مبيّتة لإصدار لقاح يتسبب بمقتل فئات عريضة من السكان، بهدف التخفيف من الوطأة الاقتصادية للزيادة السكانية، وهذا ما يُفسّ انتشار دعوات كثيرة في وسائل التواصل الاجتمعي إلى عدم الخضوع للتلقيح. غير أن من الصعب تصوّر وجود مؤامرة دولية تشترك فيها مؤسسات10 أو حكومات العالم لقتل المواطنين وجعلهم مرضى من أجل أن تحقق شركات الأدوية عوائد مادية طائلة، أو أن تتمكّن الحكومات من تقليص عدد السكان بهذه الطريقة غير الأخلاقية. في الحصيلة، ونظرًا إلى وجود ساكنة عالمية كثيرة جدًا اليوم، ولأنّ ردات الفعل الدولية كانت سريعةً جدًا، وعلى مستويات غير مسبوقة، لن يكون في الغالب لجائحة كوفيد 19- سوى تأثير محدود في النوع البشري، من حيث الوفيات المتوقعة على نحوٍ إجملي، ومقارنة ببداية القرن الماضي، مثلً، حين كان يمكن أن يتسبّب وباء كبير واحد بانخفاض عدد السكان على المستوى العالمي11، ولكن ما عادت هذه هي الحال اليوم. لكن، في المقابل، ستُغيّ هذه الجائحة على نحو كبير حجم تحركات السكان والهجرة الدولية ووجهاتها، ما يعني أنّ السياسات السكانية ستبقى تراوح بين نبوءة مالتوس القديمة وحلول المالتوسية الجديدة.