Return to Article Details The Science and Technology System in the Arab World: Facts and Futures

منظومة العلم والتقنية في الوطن العربي: الواقع والمستقبل

The Science and Technology System in the Arab World: Facts and Futures

موزة بنت محمد الربان

الملخّص

ملخص:  لا تزال منظومة البحث العلمي العربي تواجه تحديات بناء قدرات العلم والتكنولوجيا والابتكار، وجعلها جزءًا من المنظومة المجتمعية، ووضعها في مضمر التنافس العالمي، وهي تحتاج إلى التفكير الجاد والإرادة الصادقة والعمل الدؤوب لتغيير هذا الواقع. تتناول هذه الدراسة، بالدرس والتحليل، بعض مؤشرات مجتمع المعرفة ذات الصلة، من نسبة تمويل البحوث العلمية، أو عدد براءات الاختراع، أو عدد الباحثين من ذوي الاستشهادات العالية، أو مستوى الجامعات العربية في التصنيفات العالمية، وغيرها. بيد أننا نعتبرها جميعها نتائج وليست أسبابًا. ومن ثمّ، نسعى لتوضيح أنّ العلميين العرب لا تتوافر لهم البيئة التمكينية اللازمة للإنتاج الحقيقي والمفيد للمعرفة، وأنّ منظومة العلم والتقنية جزءٌ لا يتجزأ من المجتمع، تسوس أموره السياسة العامة للدولة، ويعكس نجاحه نجاحها وفشله فشلها. كلمت مفتاحية:  العلم والتقنية، البحث العلمي، المنظومة المجتمعية، السياسة العامة للدولة. Abstract:  Arab scientific research is still facing challenges in building science, technology, and innovation capabilities. Arab society is yet to absorb capabilities in these fields and place themselves within the global competition. Changing this reality requires serious thinking, sincere will and diligent work. This paper studies some of the relevant societal indicators of knowledge, such as funding ratios for scientific research, the number of patents, the number of highly cited researchers, the rankings of Arab universities and so on. But these are effects, not causes. Hence, this study contends that Arab scientists do not have access to an environment that enables the real and practical production of knowledge, and that science and technology is an integral part of society, whose affairs are guided by the State’s politics.

Abstract

The Arab scientific research system is still facing the challenges of building the capabilities of science, technology, and innovation, and making it part of the societal system, and placing it on the global competition scene. It needs serious thinking, sincere will and diligent work to change this reality. In this research paper, we study some of the relevant knowledge society indicators, such as the GERD, the patents, the highly cited researchers, the rankings of Arab universities... But we consider all of them as effects, not causes; Hence, we seek to clarify that Arab scientists do not have the enabling environment necessary for the real and useful production of knowledge, and that the system of science and technology is an integral part of society, whose affairs are guided by the State’s politics.

الكلمات المفتاحية:
  • العلم والتقنية
  • البحث العلمي
  • المنظومة المجتمعية
  • السياسة العامة للدولة
Keywords:
  • Science and Technology
  • R&D
  • Societal System
  • State’s Politics

Received التسلمRevised التعديل Accepted القبولDOI الرقم التعريفي https://doi.org/10.31430/GOOL5745

تحتاج إلى التفكير الجاد والإرادة الصادقة والعمل الدؤوب لتغيير هذا الواقع. تتناول هذه الدراسة، بالدرس والتحليل، بعض مؤشرات مجتمع المعرفة ذات الصلة، من نسبة تمويل البحوث العلمية، أو عدد براءات الاختراع، أو عدد الباحثين من ذوي الاستشهادات العالية، أو مستوى الجامعات العربية في التصنيفات العالمية، وغيرها. بيد أننا نعتبرها جميعها نتائج وليست أسبابًا. ومن ثمّ، نسعى لتوضيح أنّ العلميين العرب لا تتوافر لهم البيئة التمكينية اللازمة للإنتاج الحقيقي والمفيد للمعرفة، وأنّ منظومة العلم والتقنية جزءٌ لا يتجزأ من المجتمع، تسوس أموره السياسة العامة

للدولة، ويعكس نجاحه نجاحها وفشله فشلها. كلمت مفتاحية:  العلم والتقنية، البحث العلمي، المنظومة المجتمعية، السياسة العامة للدولة. Abstract:  Arab scientific research is still facing challenges in building science, technology, and innovation capabilities. Arab society is yet to absorb capabilities in these fields and place themselves within the global competition. Changing this reality requires serious thinking, sincere will and diligent work. This paper studies some of the relevant societal indicators of knowledge, such as funding ratios for scientific research, the number of patents, the number of highly cited researchers, the rankings of Arab universities and so on. But these are effects, not causes. Hence, this study contends that Arab scientists do not have access to an environment that enables the real and practical production of knowledge, and that science and technology is an integral part of society, whose affairs are guided by the State’s politics.

President of the Arab Scientific Community Organization, Doha. E-mail: mmr@arsco.org

مقدمة

خلال العقود الخمسة الأخيرة، تضاعف الإنتاج العربي من البحوث المنشورة نحو ستين مرة. وبين عام 2001 ومنتصف 2021، صدر عن الدول العربية مجتمعة نحو 688230 ورقة بحثية في مختلف التخصصات. فقد تزايدت من نحو 8000 ورقة في عام 2001 إلى نحو 100 ألف ورقة في عام 2020؛ أي إنها تضاعفت بنحو 12 ضعفًا خلال العقدين الماضيين فقط. ويدل هذا على زيادة في عدد الباحثين والجامعات والمؤسسات البحثية، وفي الإنفاق على البحث والتعليم. من المعلوم أنّ النشاطات العلمية تتأثر في أيّ بلدٍ بما ينتجه العلميون في مختلف بلدان العالم. كم أدّت وسائل الاتصال الحديثة إلى زيادة مفهوم عالمية العلم. وتبقى المنافسة الصناعية عاملً ومُحرّكًا أساسيًا في توجيه البحوث العلمية ونوعيتها في أي دولة، بحسب ما تضعه من أهداف لسياسات العلم لديها. بيد أنه لا يبدو أنّ بلداننا العربية قد وضعت وحدّدت هدفًا أو أهدافًا لسياسة العلم لديها. ومن ثمّ، تأتي هذه الدراسة التي نأمل من خلالها توضيح هذا الوضع وتبيان امتلاك الدول العربية قدرات النهوض والانطلاق في المستقبل ومقوماته، إذا هي أحسنت إدارتها حتى تحقق الفوائد المرجوّة من العلم والبحث. تُقصّ الدول التي تعتمد على الذات، والتي لديها هدف محدّد والقدرة على تحويل المعرفة المكتسبة ومخرجات البحوث إلى نواتج مفيدة، المسافة التي تفصلها عن الدول المتقدمة والسابقة في هذا المجال. لذا، هناك اليوم سباقٌ محموم بين الدول على مستوى العالم لامتلاك المعرفة، والاستثمر فيها. وتعتمد قدرة أي دولة على تحويل المعرفة إلى نواتج مفيدة على قدرتها في تعلّم إنجازات العلم في العالم في حينها، وفي فهمها واستخدامها. وتستلزم هذه العملية منظومةً واسعة من المؤسسات والقوانين والخدمات لتوفير بيئة مناسبة تمكّن العلميين من الإنتاج المفيد، وتُسهّل التواصل بينهم، وتشجع التواصل بينهم وبين المجتمع، وتربط نواتج عملهم مع الاقتصاد والحياة الاجتمعية والصحية وكل مناحي الحياة. فالقدرات الشخصية، والإمكانات التي تتوافر للباحث، مركزية وأساسية في عملية الاستفادة من نواتج العلم، مثلم التشارك والتعاون بين العلمء أمر ضروري. فالعلم عالمي، لكنه أيضًا تنافسي، وهو منظومة عالمية يتأثر كل عضو فيها بما يجري في العالم، وقد يُغيّ اكتشاف ما في مكان ما خريطة العلم والبحث في العالم. من هنا لا بد من أن يكون العلميون متواصلين ومطلعين على ما يجري أولً بأول، وقادرين على فهمه واستخدامه وتطويره، ليكونوا جزءًا من تلك المنظومة، وليسوا مستوردين لنواتجها فحسب، ومن ذلك، معرفتهم بما جدّ من حلول لمشكلات قائمة، حتى لا يستمروا في بحوث لحل مشكلات محلولة، وينتقلوا إلى غيرها. هذه السرعة ضرورية، وإلّ سينتهي الأمر بخسارة مضاعفة، والخروج من ميدان

هذا الرقم من إعداد الباحثة، بناءً على قواعد بيانات شبكة العلوم لمؤسسة "كلاريفيت أناليتيكس:" Clarivate Analytics/ ISI Web of Science, accessed on 14/06/2021, at: https://bit.ly/3CnBwb8 2 Ibid. 3 Ibid.

المنافسة. ويعتمد هذا الإمكان في التلقي والفهم ومتابعة الجديد والانخراط في منظومة البحث العالمي، على تنظيم العلميين، وعلى مواردهم وقدراتهم الذاتية، وتميّزهم العلمي. كل هذا تحكمه إرادة واعية بأهمية العلم ونواتجه وتوفير البيئة التمكينية المناسبة له، وبناء المنظومة المتكاملة لذلك. وإلّ فإنّ الأمر سيبقى مجرّد أمانٍ ومظاهر جوفاء للعلم. إنّ موضوع استشراف تحولّات العلوم والتكنولوجيا هو موضوع علىى درجة كبيرة من الأهمية والصعوبة في آنٍ معًا. فهو مهم جدًّا؛ لأن العلم وتطبيقاته التكنولوجية وغيرها وسيلة وسلاح للحياة الكريمة وضرورة لتحقيق الأمن بمفهومه الواسع، بلا شك. وهو صعب جدًّا؛ لأن واقعنا العربي، للأسف، على درجة كبيرة من التعقيد. كيف يمكن استشراف مستقبل في غياب وضوح الواقع والرؤية والهدف؟ وهل نحن نسير على الطريق الصحيحة؟ وعند النظر في منظومة العلم والتقنية في البلدان العربية، أيمكننا اعتبار الوطن العربي كيانًا واحدًا، أم دولً لا يجمعها إلّ الواقع الجغرافي الذي لا يُكنهم تغييره؟ سنتناول هذه الأسئلة وغيرها، من خلال رصد وضع منظومة العلم والتقنية في الوطن العربي، ثم قراءة التحديات التي تواجهها، لنحاول استشراف مستقبلها، ونقدم توصيات في هذا الصدد.

أولً: بيان وضع منظومة العلوم والتقنية يف الوطن العربي

يُستحسن أن نبدأ بعرض الواقع الحالي لمنظومة العلم والتقنية في الوطن العربي. وفيه سنتناول بالدرس والتحليل مدخلين أساسيين لمنظومة العلم والتقنية: نسبة الإنفاق البحثي والباحثين، ومخرجين أساسيين: المنشورات العلمية وبراءات الاختراع. وفي المبحث الثالث من هذه الدراسة، سنعرض وضع الجامعات العربية.

1. مُدخلات منظومة العلوم والتقنية في الوطن العربي

أ. مجموع الإنفاق البحثي في البلدان العربية

شهدت معظم بلدان العالم في عام 2020 تضخمً في نسبة الإنفاق الإجملي على البحث والتطوير (GERD) إلى الناتج المحلي الإجملي. غير أنّ هذا التضخم الذي لم يمثّل في بعض الحالات أكثر من الحفاظ على المستويات الحالية للإنفاق على الأبحاث، بسبب الانخفاض الملموس في الناتج المحلي الإجملي لأغلبية البلدان، يبقى مصطنعًا بسبب ظروف الجائحة.

لتفصيل وضع البحث في العلوم والتكنولوجيا العربية، مع دراسة مقارنة بتجارب دولية، يُنظر: عز الدين البوشيخي، "استشراف مستقبل البحث في العلوم والتكنولوجيا العربية في ضوء تجارب دولية رائدة"، ضمن هذا العدد من استشراف.

أما في البلدان العربية، فعلى الرغم من بعض الزيادة الطفيفة، فإنّ مؤشر الإنفاق البحثي يبقى متدنّيًا جدًا؛ فقد بلغ الإنفاق البحثي العربي على البحث والتطوير بصعوبة 20 مليار دولار في عام 2018، وهو ما لا يتجاوز نسبة 1.17 في المئة من الإنفاق العالمي على البحث والتطوير، علمً أنّ البلدان العربية تشكّل 35. في المئة من مجموع سكان العالم.

الجدول (1) اتجاهات الإنفاق البحثي في الدول العربية 2018-2014

إجمالي الإنفاق على
البحث والتطوير
لكل باحث
(بآلاف الدولارات/
تعادل القوة
الشرائية)
نصيب الفرد من
إجمالي الإنفاق على
البحث والتطوير
(بالدولارات/ تعادل
ااالقوة الشرائية)
نسبة إجمالي
الإنفاق على البحث
والتطوير من الناتج
المحلي الإجمالي
(ابالنسبة المئوية)
الحصة من إجمالي
الإنفاق على البحث
والتطوير العالمي
(إمبالنسبة المئوية)
إجمالي الإنفاق
على البحث
والتطوير (بمليارات
الدولارات/ تعادل
اإلقوة الشرائية)
109.0772.610.481.0315.332014
109.0991.150.591.1720.692018

المصدر: UNESCO, UNESCO Science Report: The Race Against Time for Smarter Development (Paris: UNESCO, 2021), p. 73, accessed on 11/1/2022, at: https://bit.ly/3tgZi6X

يعرض الجدول (1) أهم مؤشرات الإنفاق البحثي في الدول العربية، وتطوّرها ما بين عامي 2014 و.2018 وإن كان يُلحظ تحسّنٌ طفيفٌ في هذه الفترة، فإنّ أهم هذه المؤشرات، أي نسبة الإنفاق العربي الإجملي على البحث والتطوير إلى الناتج المحلي الإجملي، تبقى من أضعف النسب في العالم؛ إذ إنها لم تتجاوز 0.59 في المئة في عام 2018، في حين أنّ المتوسط العالمي هو 1.79 في المئة (تبلغ هذه النسبة 2.4 في المئة في البلدان ذات الدخل العالي، و 2.73 في المئة في أميركا الشملية، و 2.03 في المئة في بلدان الاتحاد الأوروبي ال 27، ونسبة 2.43 في المئة في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ال 38). من المبرّرات التي يجري استخدامها في بعض البلدان العربية الريعية لتسويغ انخفاض الإنفاق على البحث والتطوير أنّ الناتج المحلي الإجملي المرتفع يضمن إنفاقًا مناسبًا على النشاط البحثي، حتى مع نسبٍ متدنّية. ومع ذلك، تقابل هذه الحجج نماذج دول عدة، تتمتع بريعٍ عالٍ وبمستويات عالية

UNESCO, UNESCO Science Report: The Race Against Time for Smarter Development (Paris: UNESCO, 2021), p. 73, accessed on 11/1/2022, at: https://bit.ly/3tgZi6X United Nations, Department of Economic and Social Affairs, Population Division, World Population Prospects 2019, vol. II: Demographic Profiles (New York: United Nations, 2019), pp. 213-1204, accessed on 11/1/2022, at: https://bit.ly/3redF9w 7 UNESCO, UNESCO Science Report, p. 73.

من الناتج المحلي الإجملي، ومع ذلك تخصص نسبًا مرتفعة للإنفاق البحثي (مثلً، تنفق النرويج نسبة 2.11 من ناتجها المحلي الإجملي على البحث والتطوير)، كم تقابلها أيضًا حقيقة أن التحديات التي تواجهها المنطقة، من قبيل المياه والأمن الغذائي، والفقر الناجم عن انخفاض الدخل والتنويع الاقتصادي ونقص المهارات والفجوة الرقمية والتمسك الاجتمعي، تستلزم دعمً للبحث والتطوير أكثر بكثير مم يتم تخصيصه حاليًا.

ب. مجموع الباحثين

بلغ عدد الباحثين في الوطن العربي 201690 باحثًا في عام 2018، بما نسبته 736 باحثًا لكل مليون نسمة، أي تقريبًا نصف المعدل العالمي (وهو 1368 باحثًا لكل مليون نسمة). من المهم تدقيق النظر في هذه المعطيات؛ إذ لا يكفي النظر في العدد الاسمي للباحثين لتكوين فكرة دقيقة عن حالة البحث العلمي في الوطن العربي، بل ينبغي أن نذهب إلى أبعد من ذلك ونحلل بمنهج بنيوي مجتمع الباحثين العرب. وسنكتفي في هذا الصدد بالنظر في مؤشر فئة الباحثين ذوي الاستشهادات العالية. فمن أجل مواكبة البلدان العربية لتحولات "الاقتصاد القائم على المعرفة" و"الثورة الصناعية الرابعة"، يلزمها التمكن من التقنيات والمعارف الجديدة التي تقوم عليها (مثلً في المعلوماتية الحيوية والتكنولوجيا الحيوية والروبوتات النانوية، وغيرها)، وتطوير تقنياتها الخاصة؛ وهو ما يستلزم بدوره قدرات داخلية في كل من البحوث الأساسية والتطبيقية. تعدّ فئة "الباحثون ذوو الاستشهادات العالية" (Researchers Cited Highly) أحد أهم مؤشرات هذه القدرات الداخلية؛ وهي قائمة تنشرها سنويًا شركة (Science of Web Clarivate/)، وتضمّ الباحثين في العلوم والعلوم الاجتمعية الذين أظهروا تأثيرًا كبيرًا من خلال نشر العديد من الأوراق البحثية التي استشهد بها أقرانهم بغزارة خلال العقد الماضي. وتصنف هذه الأوراق التي تم الاستشهاد بها في أعلى 1 في المئة من حيث الاستشهادات لمجال أو مجالات وسنة النشر في شبكة العلوم، ويجري اختيار الباحثين لأدائهم الاستثنائي في واحد أو أكثر من 21 مجالً بحثيًا. وقد ضمّت قائمة عام 2020 ما يقرب من 6400 باحث ضمن فئة الباحثين الأكثر اقتباسًا في العالم.

8 Ibid., p. 310. لتفصيل هذه التحديات، يُنظر: مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية/ الأونكتاد، تقرير التكنولوجيا والابتكار: اللحاق بركب موجات التقدم التكنولوجي؛ التوفيق بين الابتكار والإنصاف (جنيف: 2021)، ص 18 وما بعدها، شوهد في 2022/1/11، في: https://bit.ly/33jkMoG 10 UNESCO, UNESCO Science Report, p. 74. 11 Clarivate/ Web of Science, "Methodology - Highly Cited Researchers 2020," accessed on 11/1/2022, at: https://bit.ly/3iQIP4d

تبقى الولايات المتحدة الأميركية، كم يوضح الجدول (2)، مهيمنة على هذه القائمة؛ إذ إنها ضمت 3650 باحثًا من بين 6389 باحثًا في العالم، أي ما نسبته 41.5 في المئة. وعلى نحوٍ عام، تُهيمن الدول الغربية على هذه القائمة؛ إذ نجدها في المراكز العشرة الأولى، مع وجود استثناء هو جمهورية الصين الشعبية التي شهدت ديناميةً علمية ملحوظة على مدار العشرين عامًا الماضية، والتي احتلت المرتبة الثانية.

الجدول (2) "الباحثون ذوو الاستشهادات العالية" بحسب البلد أو المنطقة

نسبة "الباحثين ذوي الاستشهادات
العالية" (المئوية)
عدد "الباحثين ذوي الاستشهادات
العالية"
الدولة/ المنطقةالمرتبة
41.52650الولايات المتحدة الأميركية1
12.1770جمهورية الصين الشعبية2
8.0514المملكة المتحدة3
5.4345ألمانيا4
4.8305أستراليا5
3.1195كندا6
2.8181هولندا7
2.5160فرنسا8
2.4154سويسرا9
1.6103إسبانيا10

المصدر: Clarivate/ Web of Science, "Methodology - Highly Cited Researchers 2020," accessed on 11/1/2022, at: https://bit.ly/3iQIP4d

أما بالنسبة إلى البلدان العربية، فتبقى فئة "الباحثين العرب ذوي الاستشهادات العالية" سلعة نادرة جدًا. فمن بين 6389 باحثًا، تمّ الاستشهاد بهم في جميع أنحاء العالم في عام 2020، ينتسب 112 باحثًا فقط إلى جامعات في الوطن العربي، ومعظمهم في المملكة العربية السعودية. غير أنّ أكثرهم لا يعمل بدوام كامل، و 21 فقط من بينهم ينتمون إلى المنطقة العربية. وهو ما تجسّده جيدًا السعودية التي تستحوذ جامعاتها ومؤسساتها البحثية على 104 باحثين ضمن قائمة الباحثين ذوي الاستشهادات العالية، بنسبة تناهز 93 في المئة من مجموع البلدان العربية. غير أن 13 فقط من بينهم عرب، بنسبة 12.5 في المئة (وهم على التوالي: زيد عبد الله العثمن، محمد سليم العلويني، حسام الشريف، عمر أبو عرقوب،

12 Ibid. 13 Ibid.

علي حسن بهكلي، عثمن بكر، يوسف بلمبخوت، محمد الداودي، جمل المصري، أيمن عبد الغفار، زياد مميش، عمر محمد، توفيق صالح). يُضاف إلى ذلك أنّ أغلبيتهم توجد في جامعاتهم الأصلية. أما بالنسبة إلى بقية الدول العربية المُدرَجة في هذه القائمة، فقد ضمّت قطر باحثيَن ضمن قائمة الباحثين ذوي الاستشهادات العالية، واحد منهم فقط عربي (باسم حامد)، والآخر صيني (تينغوين هوانغ)، وضمّت لبنان باحثيَن أيضًا (إيلي عقل، وألان شحادة)، وكذلك سلطنة عمن (علاء المحتسب، ومحمد فاروق)، وضمت مصر باحثًا واحدًا (علي بحراوي) [عالم رياضيات، من جامعة بني سويف، وافته المنية في عام 2017])، والإمارات العربية المتحدة باحثًا واحدًا غير عربي (الصيني لينغ شاو). أما بقية البلدان العربية، فلم تضمّ أي باحث ضمن قائمة الباحثين ذوي الاستشهادات العالية. وهو ما يُعبّ على نحوٍ جيد عن ضعف القدرات الداخلية للبلدان العربية.

2. مُخرجات منظومة العلم والتقنية في الوطن العربي

أ. المنشورات العلمية

ارتفع عدد المنشورات العلمية في الدول العربية إلى 95817 منشورًا علميًا في عام 2019، مقارنة 84475 ب منشورًا علميًا في عام.2015

الجدول (3) تطور المنشورات العلمية في البلدان العربية 2019-2015

المنشورات العلمية
لكل مليون نسمة
الحصة العالمية
(بالنسبة المئوية)
المجموع
153.492.68584472015
233.193.64958172019

المصدر: UNESCO, UNESCO Science Report, p. 75.

تحسّنت الحصة العالمية للمنشورات العلمية العربية من نسبة 2.68 في المئة إلى 3.64 في المئة، ما بين عامي 2015 و 2019. غير أنّ مؤشر المنشورات العلمية لكل مليون نسمة يبقى مُعبًّا عن ضعف المنظومة العلمية العربية. فعلى الرغم من أنه شهد تحسنًا كبيرًا، من 153.49 منشورًا علميًا لكل مليون نسمة في عام 2015 إلى 233.19 منشورًا علميًا لكل مليون نسمة، فإنه يبقى بعيدًا عن المعدل العالمي (340.90)، وخصوصًا عن المستويات الدولية الرائدة: أميركا الشملية (1568.56)، والاتحاد الأوروبي (1368.20)، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (1122.70). وكم يبرز ذلك في الشكل (1)، تجدر الإشارة هنا

14 UNESCO, UNESCO Science Report, p. 75.

أيضًا إلى أنّ الاختلافات تبقى جسيمةً بين البلدان العربية، ما بين 1320 منشورًا علميًا لكل مليون نسمة في دولة قطر التي تتبوأ الصدارة في هذا المجال عربيًا، وبضع عشرات فقط في بلدان عربية أخرى.

الشكل (1) المنشورات العلمية لكل مليون نسمة في الدول العربية (2011، 2015، 2019)

ﻣﺘﻮﺳﻂ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ اﻟﻌﴩﻳﻦ: 420

اﻟﺠﺰاﺋﺮ

اﻟﻌﺮاق

اﻟﻴﻤﻦ ﺳﻮرﻳﺔ

اﻟﺴﻮدان

اﳌﻐﺮب

ﻣﻮرﻳﺘﺎﻧﻴﺎ

المصدر: 437 p..Ibid.,

ما وراء الأرقام الكلية، من المهم أيضًا النظر في النشر بحسب التخصص للحصول على نظرة عامة دقيقة. فمن جهة، ثمة عدم توازن كبير بين البلدان العربية في النشر العلمي. فمن بين مجموع المنشورات العلمية التي أنتجها العالم العربي في عام 2019، شارك نصفها تقريبًا مؤلفون من مصر والسعودية. ولا شك في أن الزيادة الملحوظة في السعودية تُعزى إلى حد بعيد إلى توظيف باحثين من الطراز العالمي في السنوات الأخيرة، على نحوٍ افتعالي وغير متسق مع المنظومة الوطنية للبحث والتطوير، كم رأينا ذلك سابقًا في ما يخصّ فئة "الباحثين ذوي الاستشهادات العالية"، وكم سنرى ذلك لاحقًا في ما يخص الجامعات. بالنسبة إلى المجلات العلمية العربية، نصفها متخصصة في الطب والرعاية الصحية. وتحصل المجلات العلمية العربية على معدل جودة متوسط يبلغ 8.308 بحسب مؤشر هيرش (index Hirsch)، بفارق

15 SCImago Journal & Country Rank, "Arab Countries," accessed on 11/1/2022, at: https://bit.ly/3jGmCFg

ﻟﺒﻨﺎن

اﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ

اﻷردن

اﻟﺒﺤﺮﻳﻦ

اﻟﻜﻮﻳﺖ

ﻋُ ن

اﻹﻣﺎرات

شاسع عن المجلات من أوروبا الغربية (28.54) وأميركا الشملية (23.28). وتنشر الدول العربية حول الموضوعات التالية أكثر مم هو متوقع، مقارنة بالمتوسطات العالمية: تحلية المياه، تقنيات توربينات الرياح، نظام الحصاد المائي، الخلايا الكهروضوئية، معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة التدوير وإعادة الاستخدام، مقاومة الإنسان للمضادات الحيوية، السحب والإمداد المستدام للمياه العذبة، إدارة النفايات البيئية والصناعية، مواد البناء البيئية، تقنيات الشبكة الذكية، والإدارة الوطنية المتكاملة للموارد المائية. وقد نشرت المنطقة العربية ما يقرب من أربعة أضعاف متوسط الكثافة العالمية لتحلية المياه؛ إذ ارتفع الإنتاج البحثي من 1468 (2015-2012) إلى 2218 (2019-2016). وتضاعف إنتاج قطر من 90 إلى 202 منشور علمي، وارتفع إنتاج مصر من 270 إلى 462 منشورًا علميًّا. ساهمت السعودية بنحو 30 في المئة من الناتج الإقليمي حول هذا الموضوع. وتضاعف عدد المنشورات الإقليمية عن الخلايا الكهروضوئية من 2082 إلى 4537 خلال الفترة نفسها. كم تضاعف الناتج البحثي في الموضوعات الأخرى المتعلقة بالطاقة، مثل النقل المستدام وتقنيات الشبكة الذكية وكفاءة البطاريات والوقود الحيوي والكتلة الحيوية.

ب. براءات الاختراع

إلى جانب المنشورات العلمية، تُعدّ براءات الاختراع أحد أهم مخرجات منظومة العلم والتقنية، وأحد أهم مؤشرات التميّز العلمي والتقني في العالم المعاصر. ومن بينها تكتسي "براءات الاختراع الخمسية" أهميةً خاصة، على اعتبار أنها تجمع بين أهمّ خمسة مكاتب لبراءات الاختراع في العالم. يبرز الشكل (2) بجلاءٍ العجز العلمي والتكنولوجي للبلدان العربية في ما يخص براءات الاختراع الخمسية. لم تودع البلدان العربية قاطبة في عام 2019 سوى 2496 براءة اختراع خمسية (من بينها 1453 للسعودية). ويكفي أن نعرض بعض الأرقام الخاصة بالدول الرائدة علميًا على المستوى الدولي، التي سنعود إليها في المبحث الثاني، لنتبيّ شساعة البون الذي يفصل البلدان العربية عن نظيراتها الأكثر تقدمًا. ففي عام 2019، أودعت كندا، على سبيل المثال، 17172 براءة اختراع خمسية، وألمانيا 68331 براءة اختراع خمسية، وكوريا الجنوبية 139881 براءة اختراع خمسية، واليابان 248094 براءة اختراع.

16 UNESCO, UNESCO Science Report, p. 431. 17 Ibid., p. 437. 18 Ibid. "براءات الاختراع الخماسية" (IP5) هي منتدى لأكبر خمسة مكاتب ملكية فكرية في العالم، وهي "مكتب براءات الاختراع والعلامات التجارية الأميركي" (USPTO)، و"مكتب براءات الاختراع الأوروبي" (EPO)، و"مكتب براءات الاختراع الياباني" (JPO)، و"المكتب الكوري للملكية الفكرية" (KIPO)، و"الإدارة الوطنية للملكية الفكرية" (CNIPA، سابقًا SIPO) في الصين. 20 UNESCO, UNESCO Science Report, p. 145. 21 Ibid., p. 284. 22 Ibid., p. 666. 23 Ibid., p. 654.

الشكل (2) براءات الاختراع الممنوحة للمخترعين العرب 2019-2015

اﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ

ﺗﻐﻴ اﳌﻘﻴﺎس

اﻹﻣﺎرات

ﺗﻐﻴ اﳌﻘﻴﺎس

اﻷردن

ﻟﺒﻨﺎن

اﳌﻐﺮب

اﻟﻜﻮﻳﺖ ﺗﻮﻧﺲ

اﻟﺠﺰاﺋﺮ اﻟﺒﺤﺮﻳﻦ اﻟﻌﺮاق نﺳﻮرﻳﺔ اﻟﻴﻤﻦﻋُ

المصدر: 438 p..Ibid.,

ثانيًا: دراسة مقارنة لمنظومة العلم والتقنية يف الوطن العربي بنظيرتها يف دول الجوار

كم أشرنا إلى ذلك سابقًا، صدر عن الدول العربية مجتمعة، بين عام 2001 ومنتصف 2021، نحو 688230 ورقة بحثية في مختلف التخصصات. لكن، حتى نرى الصورة على نحوٍ أوضح، سوف نقارن هذه الزيادة في الإنتاج البحثي العربي بدول الجوار، ونعني بها هنا إيران وتركيا. في الفترة الزمنية ذاتها، صدر من إيران وتركيا على التوالي 12600419805 و 5 ورقة بحثية. وقد تضاعف إنتاج إيران بنحو 40 مرة، وتضاعف إنتاج تركيا نحو ثماني مرات خلال الفترة نفسها. ولتكون الصورة أكثر وضوحًا، ينبغي لنا ردّها إلى عدد السكان. فقد بلغت ساكنة الوطن العربي في عام 2019، بحسب إحصاءات شعبة السكان للأمم المتحدة، 437 مليون نسمة، في حين بلغ عدد سكان إيران للعام نفسه 82.9 مليون نسمة، وتركيا 83.4 مليون نسمة. وهو ما يبيّ بجلاءٍ ضعف الإنتاج العلمي العربي إجملً، مقارنةً بإيران وتركيا، فضلً عن الدول المتقدمة. يُبيّ الشكل (3) النمو في عدد الأوراق المنشورة من الدول العربية مجتمعةً على نحوٍ مقارن بإيران وتركيا.

الشكل (3) عدد الأوراق المنشورة في الوطن العربي وتركيا وإيران بحسب سنوات النشر

إﻳﺮان

اﻟﻮﻃﻦ اﻟﻌﺮ

المصدر: من إعداد الباحثة، بناءً على قواعد بيانات شبكة العلوم لمؤسسة "كلاريفيت أناليتيكس:" "Clarivate Analytics/ISI Web of Science," accessed on 11/1/2022, at: https://bit.ly/3CnBwb8

من إعداد الباحثة، بناءً على قواعد بيانات شبكة العلوم لمؤسسة "كلاريفيت أناليتيكس"، يُنظر: "Clarivate Analytics/ ISI Web of Science." 25 Ibid. 26 Ibid. 27 United Nations, Department of Economic and Social Affairs, Population Division, World Population Prospects 2019, pp. 213-1204, 643, 1125.

يُبيّ الجدول (4) أيضًا العلاقة بين عدد السكان والإنتاج البحثي والناتج الوطني لعدد من الدول العربية، مقارنةً بتركيا.

الجدول (4) عدد السكان والناتج المحلي الإجملي ومخرجات النشر في الدول العربية وتركيا

الإنتاج البحثي/
الفرد
الإنتاج البحثي/
الناتج المحلي
اإلإجمالي
الناتج المحلي
اإإلإجمالي/ الفرد
اإلإنتاج البحثيالناتج المحلي
اإلإجمالي
تإعداد السكان
0.420.113.9518,121169,98843,053الجزائر
0.750.0323.511,23538,5741,641البحرين
0.660.223.0266,058303,175100,388مصر
2.270.425.37188,163445,34582,913إيران
0.240.045.969,247234,09439,309العراق
8.240.1943.6474,605395,0999,053إسرائيل
0.960.224.339,67443,74410,101الأردن
1.180.0432.034,976134,7614,207الكويت
1.330.177.789,11653,3676,856لبنان
0.180.027.681,23752,0766,777ليبيا
0.330.103.2612,200118,72536,472المغرب
0.950.0615.474,72976,9834,975عمُان
4.410.0764.7812,482183,4662,832قطر
2.350.1023.1480,552792,96734,269السعودية
0.070.032.371,26940,40517,070سورية
1.970.593.3223,04638,79811,695تونس
1.890.219.04157,579754,41283,430تركيا
1.690.0443.1016,540421,1429,771الإمارات
0.050.050.951,51127,59129,162اليمن

اليمن 29,162

المصدر: Jonathan Adams et al., "Global Research Report: The Changing Research Landscape of the Middle East, North Africa and Turkey," Institute for Scientific Information/ Clarivate Analytics (April 2019), accessed on 11/1/2022, at: https://bit.ly/3bbutX0

فاقت إيران من حيث عدد الأوراق المنشورة كلًّ من تركيا ودولة الاحتلال الصهيوني، فضلً عن أيّ دولة عربية، بما فيها السعودية، وهي أكبر دولة عربية من حيث الإنتاج البحثي. ومن ثمّ أصبحت أكبر منتج للبحث العلمي في المنطقة، على الرغم مم تعانيه من عقوبات وصعوبات اقتصادية؛ ذلك أنها استفادت من العلمء الإيرانيين في الخارج، ومن "استعادة الأدمغة" (gain Brain)، وفي توجيه البحث والنشر في مواضيع ذات أهمية كبرى لها، وأغلبيتها في التكنولوجيا. ولا يخفى أن توجّه البحث العلمي الإيراني نحو

التكنولوجيا تقوده رؤية وطنية، بعكس البحوث التي لا تقودها رؤية أو مشروع وطني، كم هو الحال في معظم الدول العربية. وهو ما يبرز أيضًا من منظور التحليل المقارن للجامعات التي تكتسي أهميةً كبرى للنظر في وضع منظومة العلم والتقنية في العالم العربي. وفي هذا الصدد، أصبحت التصنيفات الدولية للجامعات، ولا سيم "التصنيف الأكاديمي للجامعات العالمية" (أو "تصنيف شنغهاي" ARWU)، تكتسي أهميةً كبرى في اقتصادات ومجتمعات معولمة على نحوٍ متزايد، وقائمة أكثر فأكثر على الأصول غير الملموسة، ولا سيم المعرفة والابتكار والبحث والتطوير، وأصبح يُنظر إلى مسألة المكانة التي تحتلها الجامعات بوصفها ضمنًا للجودة و"الامتياز". وبعد أن كان تصنيف شنغهاي يضمّ خمس جامعات وبلدين فقط (السعودية ومصر) حينم كان يشمل 005 جامعة، أصبح مع تصنيف عام 2019 الذي أضحى يشمل 1000 أفضل جامعة في العالم، يضمّ ستة بلدان عربية، و 13 جامعة عربية، انتقلت إلى 16 جامعة في عام 2021: هي السعودية (ستّ جامعات)، ومصر (ستّ جامعات)، وقطر (جامعة واحدة)، ولبنان (جامعة واحدة)، وسلطنة عمن (جامعة واحدة)، وتونس (جامعة واحدة).

الجدول (5) الجامعات العربية في تصنيف شنغهاي 2021

الدولةالجامعةالرتبة العالمية
1السعوديةجامعة الملك عبد العزيز150-101
2السعوديةجامعة الملك سعود150-101
3السعوديةجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية300-201
4مصرجامعة القاهرة500-401
5السعوديةجامعة الملك فهد للبترول والمعادن500-401
6مصرجامعة الإسكندرية700-601
7قطرجامعة قطر700-601
8مصرجامعة عين شمس800-701
9لبنانالجامعة الأميركية في بيروت800-701
10مصرجامعة المنصورة800-701
11السعوديةجامعة الملك خالد900-801
12السعوديةجامعة الطائف900-801
13مصرجامعة الزقازيق900-801
14مصرجامعة الأزهر1000-901
15عمُانجامعة السلطان قابوس1000-901
16تونسجامعة تونس المنار1000-901

16 تونس

جامعة تونس المنار 1000-901

المصدر: "2021 Academic Ranking of World Universities," Shanghairanking, The Academic Ranking of World Universities (ARWU), accessed on 11/1/2022, at: https://bit.ly/3vQdIKr

في حين حققت الجامعات الإقليمية في بعض دول الجوار نتائج جيدة مع انتقال التصنيف من 005 إلى 1000 جامعة. فتركيا التي كانت تمتلك جامعة واحدةً فقط في التصنيفات السابقة للمؤشر الذي كان يضم خمسمئة جامعة، استطاعت إدراج ما لا يقلّ عن اثنتَي عشرة جامعة من جامعاتها في تصنيف شنغهاي 2019، انتقلت إلى ثماني جامعات في عام 2021. كم حققت إيران قفزةً مهمة في مؤشر شنغهاي لعام 2019 من خلال إدراج ما لا يقلّ عن ثلاث عشرة جامعة من جامعاتها في هذا المؤشر، أصبحت إحدى عشرة جامعة في عام 2021. من ثمّ، يبدو جليًّا أن زيادة عدد الجامعات العربية يبقى ضعيفًا جدًا بالنسبة إلى وطن عربي يشمل اثنتيَن وعشرين دولة، بساكنة تُقدر ب 437  مليون نسمة، مقارنةً ببلدين من المنطقة نفسها، تبلغ ساكنة كل منهم نحو 83 مليون نسمة؛ ما يعني نسبيًا أنّ إيران تملك جامعة في تصنيف شنغهاي بالنسبة إلى كل 7 ملايين نسمة، وتملك تركيا جامعة في تصنيف شنغهاي بالنسبة إلى كل 10 ملايين نسمة، في حين يملك الوطن العربي جامعة في تصنيف شنغهاي بالنسبة إلى كل 27 مليون نسمة. وبعملية حسابية بسيطة؛ إنْ أردنا أن نكون في مستوى الجامعات الإيرانية والتركية، باعتبار ديموغرافية البلدين، ينبغي أن يكون لدينا في تصنيف شنغهاي ما لا يقلّ عن 05 جامعة.

ثالثًا: قراءة يف تحديات منظومة العلم والتقنية يف العالم العربي

إنّ نسبة تمويل البحوث، أو عدد براءات الاختراع، أو عدد الباحثين من ذوي الاستشهادات العالية، أو مستوى الجامعات العربية في التصنيفات العالمية، ونحو ذلك، مم تطرقنا إليه باقتضابٍ سابقًا، ومم اعتدناه في مثل هذه الأوراق، هي مسائل مهمة بالتأكيد، وموجودة في كثير من تقارير منظمت الأمم المتحدة، اليونسكو مثلً، أو غيرها، ويمكن الاطلاع عليها بتفصيلٍ في مصادرها. غير أننا سنتناول الموضوع من زاويةٍ مختلفة تمامًا. فعلى الرغم من أهمية هذه البيانات والإحصاءات، فإننا نجدها في بعض الحالات لا تحاكي الواقع. وبصفتنا جزءًا من منظومة العلوم العربية، سنتحدث عن وضعها من الداخل، كم نراها، ولأننا نعدّ المشكلة أعمق بكثيرٍ من قضية تمويل البحث العلمي، أو قلة الاختراعات، وهي جميعها نتائج وليست أسبابًا. وسنسعى لتوضيح أنّ العلميين العرب لا تتوافر لهم البيئة التمكينية اللازمة للإنتاج الحقيقي والمفيد للمعرفة، ومن ثمّ لا تنتج بحوثهم في معظمها أيّ فائدة تذكر لاقتصاد دولهم أو منفعةً لمجتمعاتهم، ولا تُكّنهم من المنافسة العالمية والانخراط في المجتمع العلمي العالمي.

28 "2021 Academic Ranking of World Universities," Shanghairanking, The Academic Ranking of World Universities (ARWU), accessed on 11/1/2022, at: https://bit.ly/3vQdIKr 29 United Nations, Department of Economic and Social Affairs, Population Division, World Population Prospects 2019, pp. 213-1204, esp. 643, 1125.

تحرص الدول العربية على أن يكون لها اسم وترتيب أعلى في التصنيفات العالمية للجامعات، أو في زيادة عدد البحوث، أو في نسبة ما يخصص للبحث من الناتج الوطني... إلخ. كلّ هذا جيّد، من دون شك، لكننا نراه شكليًا فحسب، لأنّ المظاهر والتفاخر ورأي الآخرين هو المهم لدى أغلبية المسؤولين العرب. في حين أنّ من يريد الإصلاح الحقيقي يجب أن يفكر بعمق، ويقول الحق ولو كان مُرًّا. لنبدأ القصة من مدارس التعليم قبل الجامعي، ومنظومة التعليم بكل أركانها من مناهج وإدارات ومعلمين وبنية تحتية، وأهمها الغاية العليا، فكلها تعاني الضعف والعشوائية، ولا تقودها رؤية وطنية وهدف أسمى. وليس هنا مجال البحث فيها، إنما تهمنا مخرجاتها، وهم الطلاب المتخرجون في تلك المدارس. فبعضهم ينخرط في سوق العمل، وغالبًا لا يكون مؤهلً، ويسجل بعضهم في جامعات عربية، أو يسافر إلى الخارج لإكمل دراسته في جامعات أجنبية، وهؤلاء يبقى معظمهم في الخارج ولا يعود إلى الوطن. أما الذين يدرسون ويتخرجون في الجامعات العربية، فبعضهم ينخرط في سوق العمل، وغالبًا ما يكون بعيدًا عن تخصصه الذي درسه في الجامعة، أو أنّ ما درسه في الجامعة بعيدٌ عن التطبيق العملي، حتى وإن كان في التخصّص نفسه، وذلك لعدم ربط الجامعات بالمجتمعات والبلديات وسوق العمل في معظم الحالات. ويُكمل بعضهم الآخر دراسته العليا في جامعته، أو يسافر إلى الخارج لإكمل دراسته هناك، ولا يعود هؤلاء غالبًا إلى أوطانهم، وقليلٌ منهم من يعود. لو تأملنا الصورة الشاملة، إذًا، فسنجد أنّ الدول العربية تنفق مليارات الدولارات على التعليم الأساسي والجامعي، غير أنّ معظمه رديء وضعيف، في حين أنها تصدّر إلى الخارج أفضل طلّبها وعقولها جاهزةً. في هذا البحث، نحن نركز على الباحثين في المجالات العلمية، سواء العلوم الأساسية أم الطب والهندسة والتقنيات المختلفة. وكم ذكرنا آنفًا، تبقى أفضل العقول العربية في الخارج لتبدع هناك في بيئة مناسبة لها؛ ومن ثمّ، فإنّ الإنتاج العلمي لهذه العقول والطاقات العربية يصبّ في خدمة مشاريع تلك الدول، ويحسب كل إنتاجهم لمؤسساتهم الأجنبية التي يعملون فيها. وهناك من يسمي هذا "هجرة العقول"، أو "نزيف الأدمغة"، وهو عملية طبيعية إلى حد ما، لها عيوبها، ولها فوائدها إذا استُغلّت على الوجه الأمثل. لكن المشكلة الكبرى هي هجرة العقول أو تعطيل العقول في الداخل. بالعودة إلى الباحثين الذين يعملون في الجامعات والمؤسسات البحثية في داخل الدول العربية، وهم الذين يُحسب عدد أوراقهم البحثية المنشورة، والذين يطالبون بزيادة الإنفاق على البحث العلمي من أجل ما ينتجون، وهم الذين يمثلون منظومة البحث العلمي في الوطن العربي، نجد أنّ كثيرين من هؤلاء يكونون ضمن شبكة بحثية خارجية، بمعنى أنّ هناك مجموعة بحثية في دولة أو دول أخرى لديها مشروع بحثي يشارك الباحث العربي معهم في هذا البحث، ومن ثمّ يكون اسمه على الورقة ضمن المؤلفين، واسم جامعته واسم دولته كذلك، وتدخل هذه الورقة ضمن إحصاءات الإنتاج العربي، على الرغم من أن المشروع برمّته يخدم جهة خارج الوطن العربي. في هذه الحالة، وهي شائعة جدًا، يتعاون الباحث بصفته الشخصية مع تلك المجموعة البحثية، وليس بوصفه جزءًا من مشروع بحثي مشترك بين

جامعته والجامعات الأخرى؛ أي إنه يُسخّر وقته وجهده، وربما أجهزة جامعته، لخدمة مشروعٍ أجنبي. والمكسب الوحيد هو تسجيل اسمه واسم جامعته ودولته في الإحصاءات، كم ذكرنا. وربما يكون هذا البحث رفيع المستوى، فتحصل الورقة على عدد كبير من الاقتباسات، ويكون اسم ذلك الباحث ضمن الباحثين الأكثر اقتباسًا. كل هذا جيّد ومفيد، لكن ماذا استفادت الجامعة والمجتمع والدولة من نتائج هذه الورقة البحثية، ما وراء مجرد الإحصاءات؟ إنّ لدى بعض الجامعات ومراكز البحوث العربية مشاريع خاصة، يعمل فيها باحثون عرب وزائرون، وتنتج أوراقًا بحثية على مستويات مختلفة، بعضها عالي المستوى؛ وتُنشر تلك الأوراق في مجلات علمية عالمية، وتدخل ضمن إحصاءات وقواعد بيانات البحوث العالمية، بأسمء الباحثين فيها ومؤسساتهم ودولهم، وهذا طبيعي وجيّد أيضًا. لكن، ماذا يحدث لتلك الورقة سوى دخولها في تلك الإحصاءات وزيادة رقمٍ في إنتاج المؤسسة البحثية؟ نعم، سوف يطّلع عليها الباحثون المهتمون في العالم، ويقتبسون منها، ويضيفون ويبنون عليها لتخدم مشاريعهم البحثية والاقتصادية في دولهم، وهذا جيّد وهو أمرٌ طبيعي أيضًا. لكن المؤسسة البحثية العربية والدولة التي تحتويها وتنفق عليها سوف تكتفي بذلك. على سبيل المثال لا الحصر، مشكلة تلوث البيئة وتلوث المياه مشكلة عالمية، ويعمل كثير من مراكز البحوث حول العالم لحلّها، وبطرائق مختلفة، منها مثلً تطوير أغشية ومواد نانوية، أو مواد متطورة لها خواص استثنائية ومفيدة. وتوجد في كثير من الدول العربية مراكز بحوث متخصصة في هذا المجال وتنفق عليها ملايين الدولارات سنويًا، وتصدر عنها أوراق بحثية عالية المستوى أيضًا. وتكتفي مؤسساتنا العلمية بتقديم هذه النتائج لمراكز البحوث العالمية والشركات المصنعة في العالم، من خلال النشر في المجلات العلمية، أو العرض في المؤتمرات العالمية، ليستفيد منها من لديه القدرة على تحويل المعرفة إلى منتج. فهل فكّرت أيّ دولةٍ عربية بتبني تلك النتائج وتطويرها لبناء محطاتٍ لتنقية المياه أو تحليتها، مثلً؟ لا، بل إنها تنتظر حتى يقوم الآخرون بذلك، ثم تشتريها منهم. لو تأملنا في هذا الوضع، فسنجد أنّ "الباحث العلمي" حقيقةً، وإن كان يعمل داخل مؤسسة علمية عربية، فهو يعمل لمصلحة منظومات العلوم العالمية، ولا تستفيد الدول العربية والمجتمعات العربية مم تنفقه على ذلك الباحث وبحوثه إلّ باليسير. ومن المؤكد هنا أننا لا نلقي باللائمة على الباحث العربي، ولا نُقلّل من دوره، ولا ندعو إلى عدم الإنفاق على البحوث، بل العكس تمامًا هو ما نعنيه. إنّ هذه الدول العربية تمتلك العقول والأدوات كي تنطلق، لكنها، للأسف، لا تريد، سواء وعت ذلك أم لم تعه. وذلك لعدم توفير البيئة التمكينية المناسبة للعلميين، وبناء المنظومة المتكاملة لذلك. إنّ عدم وجود رؤية واضحة وقناعة حقيقية لدى متّخذي القرارات وواضعي السياسات في الدول العربية بأهمية العلم للبقاء، وليس للعيش فحسب، له تداعيات كارثية على المجتمع العلمي والأمن القومي لهذه الدول. فالباحثون العرب داخل الدول العربية، خاصة المتميزين منهم، يعانون الظلم والتهميش، ما يضطر كثيرين منهم إلى الهجرة. ففي بداية المطاف، لا تربي المدارس والجامعات العربية في طلابها التفكير

الناقد والمنطقي الذي يتطلبه البحث، ولا محبة البحث العلمي وتقاليده، ولا تدرّبهم على تقنياته وأدواته؛ فهذه أمور يحتاج إليها الباحث، وهي ليست ضمن المادة العلمية التي تُدرّس له، كم هو معلوم، لكنه أسلوب ومناهج تدريبية، تبدأ بتدريب المدرسين. وعندما يتخرج الطالب المبدع في جامعته، أو في الخارج، ويعود إلى وطنه، يواجه بعقبات كأداء من كل جانب، خاصة من النظام الإداري في الجامعات الذي يحمّل الباحث من الأعباء الإدارية والتدريسية ما لا يسمح له بأي فرصةٍ لتطوير ذاته، أو متابعة البحوث العلمية العالمية، أو فرصةٍ لحضور المؤتمرات العلمية والمشاركة فيها؛ فيبقى معزولً إلى حدٍ ما، ولا تتوافر له السرعة المطلوبة في متابعة المستجدات في مجال تخصصه. وإضافة إلى هذا، يُحارب الناجح والمتميز على الصُعد كافة، لأنّ نظام التقييم في هذه الدول لا يعتمد على الكفاءة أصلً، ويحرص الجميع على تقلّد المناصب العليا، ويرى في أيّ شخصٍ متميز منافسًا له. ويعود كل هذا إلى النظام القائم والثقافة التي تحتاج إلى الكثير من الإصلاح، وإلى عدم وجود المنظومة والهدف والقوانين التي تحكم المسارات العلمية والوظيفية. هذا فضلً عن عدم توافر إمكانات البحث، وأهمها خطط استراتيجية للعلوم، وعدم وجود إنتاجٍ صناعي في هذه الدول يحتاج إلى البحث والتطوير من أجل المنافسة في السوق، أو حلّ المشكلات المحلية البيئية والصحية وغيرها؛ ما يوفر دعمً للبحث من تلك المصانع والشركات. فيجد الباحث نفسه يجتهد في البداية للحصول على ترقيةٍ بأيّ ثمن، حتى وإن كان لا يستحقها علميًا، ثم يتوقف أو يفقد الحمس. هذا، إن استمر في عمله في المؤسسات البحثية، وإلّ فإنه سوف يترك الجامعة لوجود فرصة عمل أفضل، حتى وإن كانت خارج نطاق العلوم التي أفنى زهرة شبابه في تعلمها، والتي أنفقت عليها الدولة من قوت شعبها ملايين الدولارات لإنتاج كفاءة لن تستخدمها في شيء، أو ربما تعيّنه الدولة خارج مجال تخصصه أصلً، وبعيدًا عن مجال البحث العلمي. وفي كل الحالات، إنّ تعطيل العقول والأدمغة أو هجرتها داخليًا، هو أخطر وأسوأ من الهجرة الجسدية إلى الخارج. كشفت أزمة جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) الحالية الكثير من الضعف والخلل في منظومة العلوم والبحث العلمي العربي. فعلى الرغم من وجود مراكز بحوث طبية في كثير من الدول العربية، ووجود إمكانات تقنية وفنية وعلمية، فإن دولة عربية واحدة لم تفكر في محاولة إنتاج لقاح أو علاج كبقية دول العالم، وكل بحوثها تنشرها ليستفيد منها الآخرون في تطوير أعملهم، وكأنه محرم على هذه الدول إنتاج أيّ شيء ينفعها. وعندما حدثت أزمة في عدد أجهزة التنفس في بعض الدول في العالم، أوقفت المصانع فيها إنتاجها، وحولت خطّ الإنتاج إلى صناعة تلك الأجهزة. أما دولنا العربية، حيث لا مصانع ولا تخطيط، فنجد أنّ الغنية منها "اشترت" وتبرّعت لدول أخرى بتلك الأجهزة، أما الأخرى، فلا هذا ولا ذاك. وهذا مثالٌ فحسب، وإلّ فالقائمة تطول والوضع لا يخفى على أحد. في ظل هذا الوضع الذي رسمنا معالمه، يتجلّ عدم تبني الحكومات العربية العلم واقتصاد المعرفة، بوصفه أحد أسس التنمية في البلدان العربية. ومن هنا، يحق لنا أن نتساءل عن الهدف من البحث العلمي في البلدان العربية: لماذا تُشيّد الجامعات والمختبرات، وتنفق المبالغ الضخمة على البحوث؟ أتهدف إلى أن تتسابق الجامعات العربية لتجد لها مكانًا في قوائم التصانيف العالمية، أم زيادة عدد

الأوراق البحثية المنشورة من تلك الجامعات، أم التنمية الإنسانية العربية أساسًا، والمساهمة في الاقتصاد العربي، وتحقيق الأمن بمفهومه الواسع، والاكتفاء الذاتي، ودخول ميدان التنافس العالمي المحموم في العلوم ونواتجها؟ لدى التصدي للإجابة عن هذا السؤال، يمكننا معرفة طريقنا، وهل نجحنا فيه، وما مستقبلنا المرتقب. فإن كان الهدف الذي تضعه الحكومات العربية هو الأول، فإن الكلام سيتوقف هنا. أما إن كان الهدف هو الثاني، ونرجو ذلك، فإنّ الأمر جلل، ويحتاج إلى وقفةٍ وتأمل. منذ منتصف القرن العشرين، وما أطلق عليه "الاستقلالات"، والحكومات العربية تبني المؤسسات العلمية، التعليمية والبحثية والتطبيقية، وتنفق مليارات الدولارات على التعليم والبحوث العلمية. فأين موقعنا اليوم في العالم من الناحية العلمية والبحثية؟ وأكثر من سبعين سنة، ماذا أنتجت هذه الدول؟ إنّ النتيجة الفعلية هي البرهان على مدى سداد الرؤية والسبيل، ويُبيّ استقراء الواقع بوضوح أتكون هذه هي الطريق الصحيحة، أم يجب إعادة النظر وتصحيح المسار؟ ومعلوم أنّ التعليم من دون مخططٍ تنموي شامل لا يؤدي إلى شيء. لقد زاد عدد الجامعات، وعدد الأوراق البحثية التي ينشرها الباحثون في تلك الجامعات والمؤسسات العلمية، كم بيّنا ذلك سابقًا. وقد يعود ذلك إلى اتخاذ عدد من الدول العربية قرارات بزيادة الإنفاق على البحث العلمي، انعكست زيادة ملحوظة في عدد الأوراق المنشورة، وفي معدل النمو فيها إجملً. لكن، كم هو مقدار استفادة الدول العربية نفسها من الإمكانات المتوافرة لديها في تحقيق التنمية المستدامة من خلال اعتمدها على قدرات مواطنيها من العلمء والباحثين وإمكاناتهم؟ إن زيادة عدد الأوراق العلمية المنشورة ليست غايةً في حدّ ذاتها، إذا لم تُستخدم هذه الأوراق والعقول والجهد والمال لتحقيق التنمية الحقيقية والمستدامة، وبناء مؤسسات تحوّل هذه البضاعة العلمية إلى منتجات تعود بالنفع على المجتمع؛ وهذا يستلزم تطوير التشريعات والقوانين التي تحكم كل هذا. ومم لا شك فيه، أنّ الدول العربية تمتلك الآن رأسَ مال بشريًا هائلً، وإمكانات بحثية هائلة، وليست في حاجة إلى الانتظار ثلاثين أو خمسين سنة أخرى حتى تدرّب جيلً جديدًا من العلميين في جامعات تجارية خاصة أو أجنبية لتستطيع تحقيق التنمية. ونحن نقول، لن نكون مهتمين بأنّ نسبة عدد البحوث المنشورة من البلدان العربية إلى عدد السكان ما زالت أقلّ من النسبة العالمية، أو حتى من النسبة في دول الجوار، لكن بالأحرى ماذا كان مردود أكثر من 670 ألف ورقة بحثية منشورة من البلدان العربية خلال العشرين سنة الماضية (2020-2001)، على اقتصاد تلك البلدان وأمنها؟ هل تحسنت نوعية حياة المواطن العربي بعامة، وارتفع دخله وتحسّنت صحته وبيئته (هنا طبعًا نستثني الاقتصاد

أنطوان زحلان، العلم والسيادة: التوقعات والإمكانات في البلدان العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2012 من إعداد الباحثة، بناءً على قواعد بيانات شبكة العلوم لمؤسسة "كلاريفيت أناليتيكس"، يُنظر: "Clarivate Analytics/ ISI Web of Science."

الريعي للدول النفطية)؟ وهل استطاع المجتمع في الدول العربية حلّ مشكلاته، واستطاع تحقيق الأمن المائي والغذائي والصحي والقومي والعسكري وغيره بنتائج بحوث مؤسساته البحثية؟ وهل استطاعت الدول العربية أن تكتفي ذاتيًا وتحقق لنفسها ولمواطنيها عدم الاعتمد والارتهان للغير، وأصبح قرارها بيدها؟ وهل استطاعت الدول العربية أن تبني الإنسان المتعلم الواعي الذي يمتلك القدرات التي تؤهله للبناء والتنمية واتخاذ القرار الصحيح؟ وهل حققت الدول العربية التنمية المطلوبة، كم حققتها دول أقل منها من ناحية الموارد والإمكانات، التي بدأت مسار التنمية بعد بعض الدول العربية بعقود، وهي اليوم في مقدمة الدول، مثل سنغافورة والصين وكوريا وغيرها... وليست إيران وتركيا عنا ببعيد؟ وهل يوجد تكامل وتعاون بين الدول العربية في مجال البحوث العلمية؟ أو بمعنى آخر، هل توجد خطة استراتيجية عربية وسياسة علمية متكاملة ومدروسة للبحث العلمي على مستوى الوطن العربي؟ وهل يوجد لدى الحكومات العربية مستشارون علميون يمثلون المجتمع العلمي العربي والوطني، جمعيات علمية مستقلة وقوية، لأخذ رأيهم العلمي قبل اتخاذ أي قرار أو بناء أي مشروع أو خطة تنموية؟ وهل أُسّست شركات وطنية تنتج على أسس علمية وبحثية تقوم بها بالتعاون مع الجامعات والمؤسسات البحثية العربية؟ وهل اعتمدت اللغة العربية للتعليم والبحث العلمي، الأمر الذي يُعدّ أساسًا لبناء مجتمع المعرفة في الدول العربية، وما يترتب عن ذلك من نهضةٍ حضارية شاملة؟ وهل جرى توطين العلم في أوطاننا العربية؟ وهل يعمل العلميون العرب في تواصل مع زملائهم من العلميين العرب أو المجتمع الذي ينتمون إليه؟ وهل تربط بعضهم ببعض وشائج وقنوات اتصال؟ وفي تلك الحالة، أهي قنوات عربية أم أجنبية؟ هذه أمثلة فحسب، لأسئلة يمكن أن تطرح، لمراجعة وضع التعليم والبحث العلمي في الوطن العربي ومساره. مم لا شك فيه، ومم يؤسف له أنّ معظم – إن لم يكن كلّ – الإجابات عم سبق هي بالنفي؛ ما يبيّ قتامة الصورة الحالية والمستقبلية للبحث العلمي العربي، إن لم تتخذ الحكومات العربية من جانب ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التجارية والنقابات المهنية والمصارف من جانب آخر، قرارًا جادًا ونافذًا لتوطين العلم وإعادة الاعتبار له، كم كان في عصر الحضارة العربية، أو كم هي حال الدول المتقدمة والناشئة اليوم، وتبني سياسات اقتصادية مبنية على الاعتمد على الذات. هذا، ولا ننسى أهمية ومركزية الوعي المجتمعي بالعلم، وأن يكون العلم، كم كان، جزءًا أساسيًا في ثقافة المجتمع. من المهم أن نستحضر هنا ما جاء في تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003، تحت عنوان نحو إقامة مجتمع المعرفة: "ورغم أن البلدان العربية استثمرت أكثر من 2.500 بليون دولار بين عامي 1980 و 1997، في بناء المصانع والبنية التحتية بشكلٍ أساسي، فإن معدل الناتج المحلي الإجملي للفرد قد انخفض بالفعل خلال تلك الفترة. فهذه الاستثمرات لم تؤدِّ إلى انتقال حقيقي للتقانة، لأن ما تم نقله هو وسائل الإنتاج لا التقانة ذاتها. ومن أهم المشكلات التي أدّت إلى هذا، عدم وجود نظم

يُنظر في هذا البُعد الأساسي، محمد أبطوي، "تاريخ العلوم مدخلً لنهضة العلوم العربية"، ضمن هذا العدد من استشراف.

فعّالة للابتكار ولإنتاج المعرفة في البلدان العربية، وغياب سياسات رشيدة تضمن تأصيل القيم والأطر المؤسسية الداعمة لمجتمع المعرفة. وقد عمق من هذه المشكلة الاعتقاد الخاطئ بإمكانية بناء مجتمع المعرفة من خلال استيراد نتائج العلم دون الاستثمر في إنتاج المعرفة محليًا، والركون في تكوين الكوادر العلمية إلى التعاون مع الجامعات ومراكز البحث في البلدان المتقدمة معرفيًا، دون خلق التقاليد العلمية المؤدية لاكتساب المعرفة عربيًا". وبعد ما يقارب العقدين على هذا التقرير، نلحظ أنّ هذه النظم الفعّالة للابتكار وإنتاج المعرفة، والسياسات الرشيدة التي تضمن تأصيل القيم، والأطر المؤسسية الداعمة مجتمع المعرفة، لا تزال غائبةً عن واقعنا العربي. فعلى الرغم من الكثير من التقارير الأممية والمتخصصة والكتب والندوات، ومناشدة ذوي الاختصاص من المفكرين العرب وغيرهم التي تدعو إلى تعديل الوضع الراهن، فإن أغلبية واضعي السياسات في الدول العربية لا تلتفت إليها. كم أنّ غياب الديمقراطية وحق إبداء الرأي والمشاركة الفعلية في وضع السياسات ووسائل تنفيذها، وإسناد الأمر إلى غير أهله، يحرم تلك الدول وحكوماتها ومواطنيها من ثروات ومنافع تكاد لا تحصى، بل ويسبّب مشكلات وتدهورًا في الأوضاع الاقتصادية والأمنية والاجتمعية، كم هو مشاهد اليوم. في المقابل، مم هو مشاهد حول العالم، من نمو دول وتكتلات بصورة واضحة لم تكن في موضعها الحالي قبل سنوات، بل كانت أقل من بعض الدول العربية في مؤشرات البحث والاقتصاد، ومنها على سبيل المثال الصين و"النمور الآسيوية"، فقد استطاعت هذه الدول، وبرؤيةٍ سياسية رشيدة، بناء مجتمع علمي "وطني" فيها واقتصاد "وطني"، عبر سياسات "وطنية" للتكنولوجيا، ونظام "وطني" فعّال للعلم والتكنولوجيا؛ أي بناء وتطوير المنظومة والبيئة التمكينية للمجتمع العلمي الوطني. وللأسف، لم تقم أيّ دولة عربية، أو تجمعٍ عربي، بإجراءات ممثلة، على الرغم من توافر الإمكانات وإنفاق ملايين الدولارات هباء. مم هو معلوم أنّ الشجرة لا تثمر إذا لم تكن جذورها ثابتة في أرضها، وكذلك المجتمع العلمي لن يثمر إذا لم توطن المعرفة في أرضه، وإذا لم يبنِ لنفسه وبنفسه تقاليده البحثية الخاصة به. وتوطين العلم يستلزم التعليم والبحث والتفكير باللغة العربية، كم يستلزم الانتمء إلى الثقافة والحضارة الإسلامية العربية، من خلال البحث في تاريخ وفلسفة العلوم في تلك الحضارة العظيمة، إضافة طبعًا إلى بحوثه الخاصة بحاضره ومستقبله. في هذا الصدد، من المؤسف أنّ بعض قادة الدول العربية قد استعان، عندما أراد تطوير التعليم والبحث العلمي في دوله، باستشارة خبراء وشركات أجنبية، أشاروا عليه – وهذا البعض نفّذ – بالتعليم باللغات الأجنبية، ما يعني طمس الهوية العربية الإسلامية في المدارس، بل حتى في رياض الأطفال، وأصبح التعليم، خاصة العلوم، باللغات الأجنبية، بدلً من العربية. وغير مفهومٍ تمامًا العلاقة بين التعليم

الأمم المتحدة، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003: نحو إقامة مجتمع المعرفة (نيويورك: 2003)، ص 5، شوهد في 2022/1/11، في: https://bit.ly/3FlfqGK

بالإنكليزية وفهم العلوم وتطويرها؛ إذ لا يخفى على أحدٍ أنّ اللغة هي الثقافة والفكر والانتمء والجذر الثابت؛ غير أننا لا نجد في أيّ دولةٍ عربية معهدًا لتاريخ العلوم في الحضارة العربية الإسلامية إلّ النزر اليسير والمحدود الموارد، ولا نجد أيّ اهتمم من الحكومات العربية بالمصطلحات العلمية باللغة العربية مثلً، أو تطوير التطبيقات الإلكترونية التي تخدم استخدام اللغة العربية العلمية. والذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، مجالٌ واسع لخدمة الكثير في هذا الباب، ولا ينقص الوطن العربي خبراء وباحثون فيه. من الأمور المهمة التي ينبغي ألّ نغفل عنها أيضًا، أنّ الدول العربية هي أعضاء جسد واحد، يجب أن يكمل بعضها بعضًا. فهذه الدول تتشارك في الجغرافيا والتاريخ والحضارة والثقافة واللغة والأمن، وتتشارك الماضي والحاضر والمستقبل، بل إنها تتشارك الماء والهواء، وأن التقسيمت السياسية التي تفرّقها هي مصطنعة لا غير. وفي المقابل، كلّ دولة أو مجموعة دول تتميّز وتمتلك ثروات لا تملكها الدول الأخرى. فبعض هذه الدول يمتلك المال، وأخرى تمتلك الثروة البشرية، وبعضها يمتلك الثروة النفطية، وأخرى تمتلك معادن وعناصر مهمة، وبعضها يمتلك تربةً خصبة ومياهًا، ويمتلك بعضها مراعي وثروة حيوانية، وكل منها يملك موقعًا ومناخًا وظروفًا خاصة، يكمّل بعضها بعضًا. كم أنّ مشكلاتها متشابهة، ما يجعل من الممكن أن تستفيد كلّ دولةٍ بما لدى الأخرى، من دون تكرار المكرر، وهدر الجهد والأموال. لكن اللافت ضعف – بل ندرة – التعاون العلمي والبحثي بين الدول العربية، حتى بين دول تجمعها اتحادات سياسية مثل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أو اتحاد المغرب العربي، أو تلك التي تجمعها حدود مشتركة تستلزم العمل المشترك في مواضيع مشتركة مثل بحوث المياه الجوفية أو المياه السطحية أو التلوث أو الأسمك والمراعي أو نحو ذلك. وفي هذا الصدد، يبُرز التقرير الذي أصدره "معهد المعلومات العلمية" (ISI) في عام 2019 حول بحوث دول العالم بشأن أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (الشكل 4)، ضعف التعاون البحثي بين الدول العربية، حتى في التنمية المستدامة؛ إلى درجة أنّ تعاون الدول العربية مع دول العالم أجمع، بما فيها دول أميركا الجنوبية، أكبر من التعاون بين الدول العربية. ويمكن ملاحظة التعاون بين الدول الأوروبية، على سبيل المثال، لنتبيّ البون الشاسع الذي يفصل البلدان العربية عنها في هذا المجال. كم ينبغي الإشارة إلى مستوى الباحث وقدرته على البحث المتميز؛ فالبحث العالي المستوى ينتجه باحثٌ عالي المستوى. ومن ثمّ، فالاهتمم بنوعية الباحث العربي، خاصة أولئك الذين يمتلكون قدرات متميزة، له أهمية قصوى بكل تأكيد. وهذا يتطلب الكثير من العمل والتخطيط الطويل الأمد. ونخصّ بالذكر هنا البحث في العلوم الأساسية؛ فهي القاعدة التي تنطلق منها وتُبنى عليها بقية النشاطات البحثية.

يُنظر: موزة بنت محمد الربان، "التعاون البحثي في بحوث طبقات المياه الجوفية في الوطن العربي (2017-2008)"، منظمة المجتمع العلمي العربي، 2019/1/16، شوهد في 2021/8/19، في: https://bit.ly/3ASUfdl 35 Masafumi Nakamura et al., "Navigating the Structure of Research on Sustainable Development Goals," Institute for Scientific Information/ Web of Science Group/ Clarivate Analytics (April 2019), accessed on 11/1/2022, at: https://bit.ly/3Ghkw8C

الشكل (4) مصفوفة التعاون الإقليمي للأوراق الأساسية والمقتبسة من أهداف التنمية المستدامة

أوروﺑﺎ أﻓﺮﻳﻘﻴﺎ

اﻟﺪول اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ آﺳﻴﺎ واﳌﺤﻴﻂ اﻟﻬﺎدئ

المصدر: Masafumi Nakamura et al., "Navigating the Structure of Research on Sustainable Development Goals," Institute for Scientific Information/ Web of Science Group/ Clarivate Analytics (April 2019), accessed on 11/1/2022, at: https://bit.ly/3Ghkw8C

ويخلو الوطن العربي، على سبيل المثال لا الحصر، من معهدٍ للدراسات المتقدمة، كم هو الحال في الدول المتقدمة والصاعدة. ولهذه المعاهد، حيث يتدرب الباحث على يد العلمء الكبار والمتميزين في مجالهم، أثرٌ كبير في ترقية مستوى البحث والباحث. كم تستلزم البيئة العلمية السليمة وجود كيانات للباحثين تجمعهم؛ ونقصد هنا في الأساس الجمعيات العلمية المتخصصة، الفاعلة والجادة التي يندُر وجودها في الوطن العربي. فللجمعيات العلمية دورٌ أساسي في بناء مجتمع المعرفة، والاستفادة من العلوم والربط بين مجتمع العلوم والمجتمع والدولة والسياسات العلمية. وينبغي أن تكون هذه الجمعيات التي تمثّل المجتمع العلمي مستقلةً، وتضمّ الكفاءات العلمية المتميزة. وعندما تحتاج القيادة السياسية في الدولة إلى استشارةٍ علمية مثلً، تلجأ إليها، وليس إلى مستشارين أجانب، مؤسساتٍ أو أفرادًا. غير أنّ معظم الباحثين العرب ومنظوماتهم البحثية يعيش في معزلٍ عن المجتمع من حوله؛ فلا يقوم هؤلاء الباحثون بأيّ نشاطٍ مجتمعي، مثل نشر

لا يفوتنا في هذا الصدد أن نذكّر بدور الجمعية الملكية في بريطانيا التي أُسّست في القرن السابع عشر على يد نيوتن وغيره من عظماء العلم، وغيرها من الجمعيات العلمية في أوروبا، وكيف كانت سببًا من أسباب النهضة الأوروبية الحديثة.

أﻣﻛﺎ اﻟﻼﺗﻴﻨﻴﺔ

ﺷل أﻣ ﻛﺎ

أﻓﺮﻳﻘﻴﺎ

أوروﺑﺎ

آﺳﻴﺎ واﳌﺤﻴﻂ اﻟﻬﺎدئ

اﻟﺪول اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺷل أﻣﻛﺎ أﻣ ﻛﺎ اﻟﻼﺗﻴﻨﻴﺔ

الثقافة العلمية والتوعية التي ينبغي أن تكون باللغة العربية. ولا تساهم الجامعات العربية إلّ في ما ندر، في حلّ المشكلات؛ أي إنها تعيش بمعزلٍ عن المجتمع، وهذا يضعفها بكلّ تأكيد. في المجمل، كل ما ذكرناه في الفقرة السابقة من حال المجتمع العلمي، ومنظومة العلم في البلدان العربية، هو نتيجةٌ مباشرة لعدم وجود رؤية ومشروع نهضوي حقيقي في هذه الدول، تتولد منه سياسة علمية حكيمة وفاعلة. وتتجلّ أبرز التحديات التي تعوّق وضع هذا المشروع، على الرغم من وجود قدرات علمية بشرية ومادية في هذه البلدان، في الآتي: التبعية: عندما يتحلّ المجتمع أو الدولة بثقافة مستقلة، أي غير تابعة، فإنه يمحص ويقيّم الأفكار والمبادئ الواردة من خارجه، ويُكنه تبنّيها أو رفضها بما يخدم مصلحته الذاتية، ويتوافق مع مبادئه وقيمه. وعلى العكس من ذلك، تقبل الدول التي تحمل ثقافة التبعية، أي التي ليست لديها القدرة على التقييم والاختيار والقبول والرفض، الغثّ والسمين، من دون ممنعة تذكر. وقد ضربنا لذلك مثلً قرار التعليم باللغات الأجنبية بدلً من اللغة العربية، وما نجم عن ذلك من كوارث اجتمعية واقتصادية وثقافية وعلمية. ومن أشدّ أنواع التبعية التي نحن في صددها هنا، التبعية التكنولوجية. ويمكن مشاهدة ذلك في كل ما حولنا. فعلى سبيل المثال، على الرغم من مرور نحو قرنٍ من الزمان على صناعة النفط والغاز في الدول العربية، فإنها لا تزال تابعةً كليًّا للتكنولوجيا الغربية. وكذلك الحال في تكنولوجيا تحلية مياه البحر التي تعتمد عليها، ومنذ زمن، كثير من الدول العربية. ومثالً آخر على التبعية، نذكر أنه على الرغم من الاتصال المباشر مع الغرب منذ أكثر من مئتي عام، ما زالت الدول العربية لا تمتلك مركزًا أو معهدًا أكاديميًا واحدًا بمستوى عالمي، ولا يوجد مؤشر على إيجاده، على الرغم مم يسمونها مراكز تميز للبحوث؛ وهي ليست كذلك بالمعنى الصحيح. الاستهلاك: تحكم ثقافة الاستهلاك والهدر، في مقابل الإنتاج والتطوير، بارتهان هذه الدول لغيرها. فالدولة التي لا تنتج قوتها ولباسها وعلاجها وسلاحها، فضلً عن بقية مستلزمات حياتها، لا تملك قرارها، ولا أمنها، ولا اقتصادها، ولا توفر فرص عمل لأبنائها، ولا الكرامة لهم. ويهمنا هنا أثر ذلك في منظومة العلوم؛ فالإنتاج هو المحرك للبحث والمحدد لأولوياته. ومن دون الإنتاج، يصبح البحث عشوائيًا وضعيفًا، ومن دون دافع أو تنافس أو غاية، ويفقد مموّلً مهمً له، وهو المنتج. ومرة أخرى، لا يوجد أيّ مؤشرٍ لدى أيّ دولةٍ عربية على تبنّي الإنتاج سياسةً، ودعم اقتصادها به. التفتت: إنّ التفتت والتبعثر والتشظي بين الدول العربية هو السمة البارزة لها، وآثاره المدمرة في هذه الدول وشعوبها مأساوي بكلّ معنى الكلمة. وينعكس هذا التفتت على منظومة العلوم العربية التي أصبحت مفتتة أيضًا، وتخسر الكثير من فرص التكامل والإمكانات الضخمة التي يوفّرها ذلك التكامل والتعاون. وغني عن القول إنّ هذه الفرقة هي أيضًا نتيجة طبيعية للتبعية والاستبداد السياسي في هذه الدول.

رابعًا: استشراف مستقبل منظومة العلم والتقنية يف الوطن العربي

في ضوء الصورة العامة التي وضعناها في المبحث الأول لبيان وضع منظومة العلم والتقنية في الوطن العربي، وفي ضوء التحديات التي أشرنا إليها في المبحث الثاني، سنخصص هذا المبحث لوضع معالم مستقبل منظومة العلم والتقنية في الوطن العربي. إنّ منظومة العلم والتقنية جزء لا يتجزأ من المجتمع، وتحكمه وتسيّس أموره السياسة العامة للدولة، وتحكم توجّهاته توجهاتها، ويعكس نجاحه نجاحها وفشله فشلها. ويمثل المجتمع العلمي قطاعًا مهمً وكبيرًا في الدولة، وتهميشه خسارة مركبة على مختلف نواحي الحياة الاقتصادية والاجتمعية والأمن القومي بجوانبها كافة، ويجب النظر إليه بهذه الصورة ووضعه في مكانه الصحيح، وألّ يُعتبر مكملً للصورة وتجميلً لها فحسب. وهذا لن يتحقق إلا بالإرادة الصادقة للسلطة السياسية، وبفضل الالتزام الإداري لأصحاب القرار. وهؤلاء هم النخب السياسية والاقتصادية والعسكرية والعلمية. أي إنه لن يكون هناك بحث علمي حقيقي إذا لم تتخذ هذه النخب قرارًا بربط العلم بالاقتصاد، وتبني سياسة الإنتاج بدلً من الاستهلاك، وتسخّر العلم لهذا الإنتاج، أي تعتمد سياسة الاعتمد على الذات ونبذ التبعية. ولن يكون هناك تملّك للعلم من دون هذه الشروط، بل ستكون مؤسسات وجامعات علمية لا يعبّ ظاهرها عن باطنها. كم بيّنا في المبحث السابق، نكاد لا نرى أيّ مؤشرٍ للخروج من هذا النفق. وبناء عليه، فإنّ الدول العربية، إن هي أرادت الخروج منه، ينبغي لها أن تعدّ العدة لذلك، وألّ تكتفي بالمظاهر الشكلية. وهو ما يشترط إسناد الأمر إلى المخلصين والعلمء ذوي الكفاءة في رسم منظومات العلوم الوطنية وتطويرها، وأن يربط العلم بالمجتمع والاقتصاد وكل مناحي الحياة، ليكون علمً نافعًا. وإلّ فسيكون المستقبل أشد ظلامًا، وستزداد الفجوة المعرفية بين الدول العربية والدول الأخرى. ونخشى ألّ تجد الدول العربية مكانًا لها على خريطة العالم العلمية؛ فهو صراع من أجل البقاء. انطلاقًا من العناصر التحليلية التي قدمناها سابقًا، يمكننا تقديم بعض التوصيات للنهوض بمنظومة العلم والتقنية العربية: تبنّي مشروع نهضوي عربي شامل: إنّ منظومة العلم والمجتمع العلمي ككلٍّ هي جزءٌ من كل. وما يعانيه البحث العلمي ومخرجاته تعانيه كل نواحي الحياة في بلداننا العربية، بسبب غياب الرؤية الهادفة نحو النهوض العربي الشامل. تبنّي مبدأ الاعتمد على الذات والتخلّ عن التبعية: إذ لا يقف أحدٌ إلّ على رجليه، وفق جذور راسخةٍ في التاريخ والجغرافيا، ووعائهم الحضاري، ولا يمكن إطلاقًا البناء في إطارٍ من التبعية.

تبنّي سياسات الإنتاج وربط العلم بالاقتصاد: من المهم فهم العلاقة بين البحث العلمي والتأثير الاقتصادي والمجتمعي على نحوٍ أفضل، واستخدام هذا الفهم لتحسين الاستراتيجيات الوطنية لدعم البحث. فعدم فهم تلكم العلاقة سيؤدي لا محالة إلى الهدر والإنفاق في غير محله، أو ليس في المكان الأمثل، أو قلة تمويل البحث العلمي لعدم وجود مردودٍ له. وعلى هذا، ينبغي للجامعات توجيه الاهتمم نحو إنشاء مجتمعات بحثية قوية ومتكاملة، والاهتمم بالباحثين على المستوى الشخصي، بدلً من الإنفاق في شراء صورٍ ظاهرية للإنتاج والترقي الخادع في التصنيفات العالمية. وما لم يستهدف البحث والتطوير حلّ المشكلات الوطنية، فسيظلّ يستنزف الموارد بلا مردود. توطين العلم وبناء مجتمع المعرفة: من المسلّمت أن ليس هناك نقلٌ ممكن للعلم والتقنية، بل تملّكٌ فحسب. فالبحث العلمي عملٌ مؤسسي مرتبط بنظام التعليم، ليس الجامعي فحسب، بل ما قبل الجامعي أيضًا. وهو أيضًا مرتبط بالإنتاج وحاجته إلى المعرفة العلمية. ومن هنا، لا بدّ من تطوير مناهج التعليم الأساسي والجامعي، بما يضمن إعداد الطالب والباحث على الوجه المطلوب لتحقيق المشروع النهضوي الشامل للدولة. ولا تخفى أهمية الجانب الثقافي والحضاري للأمة. ويستلزم توطين العلم اعتمد اللغة العربية لغةً للتعليم والبحث والإنتاج والتعامل. فمع التأكيد على أهمية إتقان اللغات الأجنبية وخاصة الإنكليزية للباحثين العلميين، ينبغي التركيز على تطوير اللغة العربية العلمية في منظومة البحث والتطوير العربية، بحثًا عمليًا، ونشرًا عمليًا، وتدريسًا. فهي متطلب لترسيخ الهوية الوطنية والقومية، وبناء مجتمع المعرفة الوطني، كم هو مشاهدٌ في تجارب الدول من حولنا؛ وليست دولة الاحتلال الصهيوني عنا ببعيدة. تشجيع التعاون الاستراتيجي العلمي بين البلدان العربية: موضوعٌ آخر لا يقل أهمية هو موضوع التعاون الاستراتيجي العلمي بين البلدان العربية. وقد جاء في تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003: "ولن نملّ من تكرار أنّ فرصة أيّ بلدٍ عربي، أيًا كان، في الفوز منفردًا في 'حرب المعرفة' هذه تكاد تكون منعدمة. وإنما يمرّ درب الفوز عبر تعاونٍ عربي متين يستهدف الوحدة"؛ إذ إنّ عدم وجود تنسيق بين الرؤى العربية لمستقبل البحث العلمي، أو بالأحرى عدم وجود سياسة علمية متكاملة في البلدان العربية، يجعل التعاون العلمي العربي المشترك في أوهن صوره؛ وهذا يهدر طاقات ويفوّت فرصًا هائلة على هذه الدول، بل ويضرّ بمصالحها وأمنها القومي. كم ينبغي التأكيد هنا على أهمية تطوير التعاون العربي المشترك على الصعيد المؤسسّي، وليس بين "علمء فُرادى يتعاونون فيم بينهم في مشاريع صغيرة أو بهدف إصدار بحوث مشتركة" فحسب.

الأمم المتحدة، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، ص.162 منيف الزعبي، "تفعيل منظومات العلوم والتكنولوجيا والابتكار من أجل التنمية المستدامة في العالم العربي"، دراساتالعلوم الإنسانية والاجتماعية، مج 46، العدد 1 (2019)، ص.56

خاتمة

في ضوء ما تناولناه بالدرس والتحليل، لا تزال منظومة البحث العلمي العربي تواجه تحديات بناء قدرات العلم والتكنولوجيا والابتكار في الدول العربية، وجعلها جزءًا من المنظومة المجتمعية وغير منفصلةٍ عنها، ولا تزال خارج مضمر التنافس العالمي، وتحتاج إلى التفكير الجاد والإرادة الصادقة والعمل الدؤوب لتغيير هذا الواقع. من هنا، ندعو الحكومات وأعضاء ومؤسسات المجتمع العلمي ومؤسسات المجتمع المدني وأصحاب رؤوس الأموال والشركات والقيادات بمختلف مواقعها في الدول العربية، إلى تبنّي الإنتاج بدلً من الاستهلاك، وربط البحث العلمي بالاقتصاد الوطني، ليكون رافدًا للاقتصاد، وليس العكس، وليكون الشعار هو الاعتمد على الذات والثقة بالنفس والصدق والإخلاص والبعد عن المظاهر، وتبنّي مشروعٍ نهضوي حضاري تتكامل فيه كل فئات المجتمع الثقافية والاجتمعية والاقتصادية والعلمية، وينعم أفراده وجمعاته بالعدل والحرية والأمن والسلام.

39 يُنظر: Omar Bizri, "Arab Science, Technology, and Innovation Systems: Challenges, Policy Regimes, and Future Directions," in: Omar Bizri, Science, Technology, and Innovation Policies and Institutional Landscapes (London: Academic Press, 2018), p. 506. 40 الزعبي، ص.62

المراجع

References

العربية

الأمم المتحدة، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتمعي. تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003: نحو إقامة مجتمع المعرفة. نيويورك: 2003:. في https://bit.ly/3FlfqGK الربان، موزة بنت محمد. "التعاون البحثي في بحوث طبقات المياه الجوفية في الوطن العربي (2017-2008)". منظمة المجتمع العلمي العربي. 2019/1/16:. في https://bit.ly/3ASUfdl زحلان، أنطوان. العلم والسيادة: التوقعات والإمكانات في البلدان العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2012 الزعبي، منيف. "تفعيل منظومات العلوم والتكنولوجيا والابتكار من أجل التنمية المستدامة في العالم العربي". دراسات العلوم الإنسانية والاجتمعية. مج 46، العدد 1.)2019(مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية/ الأونكتاد. تقرير التكنولوجيا والابتكار: اللحاق بركب موجات التقدم التكنولوجي؛ التوفيق بين الابتكار والإنصاف. جنيف: 2021:. في https://bit.ly/33jkMoG

الأجنبية

"2021 Academic Ranking of World Universities." Shanghairanking, The Academic Ranking of World Universities (ARWU). at: https://bit.ly/3vQdIKr Bizri, Omar. Science, Technology, and Innovation Policies and Institutional Landscapes. London: Academic Press, 2018. Nakamura, Masafumi et al. "Navigating the Structure of Research on Sustainable Development Goals." Institute for Scientific Information/ Web of Science Group/ Clarivate Analytics (April 2019). at: https://bit.ly/3Ghkw8C UNESCO. UNESCO Science Report: The Race Against Time for Smarter Development. Paris: UNESCO, 2021. at: https://bit.ly/3tgZi6X United Nations, Department of Economic and Social Affairs, Population Division. World Population Prospects 2019, vol. II: Demographic Profiles. New York: United Nations, 2019. at: https://bit.ly/3redF9w