Return to Article Details “Covi-Politics” and its Impact on Shaping the Future of the World and the Arab Region: A Reading of the Reality of International and Arab Scientific Research Policies in the Field of Vaccines and their Futures

"الكوفي-سياسي" وأثره في رسم معالم مستقبل العالم والمنطقة العربية: قراءة في واقع سياسات البحث العلمي الدولية والعربية في مجال اللقاحات ومستقبلاتها

“Covi-Politics” and its Impact on Shaping the Future of the World and the Arab Region: A Reading of the Reality of International and Arab Scientific Research Policies in the Field of Vaccines and their Futures

أسامة أبو الرُّب

الملخّص

ملخص:  تسلط هذه الدراسة الضوء على أهمية إدراك صناع القرار في الدول العربية لطبيعة الأزمة الحالية، وتطوراتها المتوقعة المستقبلية، ومن ثمّ، ضرورة الاستثمر في البحث العلمي في الدواء وصناعته عمومًا، واللقاحات خصوصًا. وتُحاجّ بأنه على الرغم من قتامة المشهد الحالي، فإنّ ثمة فرصة للبلدان العربية تشكّل سانحةً لبناء "النفوذ الكوفي - سياسي" عبر اللقاحات. وبناء عليه، تناقش الخيارات المتاحة والفروق بينها، والأهمية القصوى لتعزيز البحث العلمي الطبي العربي المتعلق بلقاحات فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) وعلاجه، وتوجيهه في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، وتكنولوجيا النانو، وعلم الجينوم، وتناقش أيضًا الأبعاد المستقبلية المتعلقة بإنجاز منظومةِ مراقبةٍ وتحكّم للتنبؤ بالجوائح المقبلة.

Abstract

كلمت مفتاحية:  جائحة كورونا (كوفيد 19-)، البلدان العربية، اللقاحات، البحث العلمي الطبي، "الكوفي-سياسي". Abstract:  This paper highlights the importance of being aware of the nature of the ongoing pandemic and its projected trajectory for the decision-makers in the Arab countries. Hence, there is an urgent need to invest in scientific research in the pharmaceutical industry in general, and vaccines in particular. The paper argues that despite the current bleak landscape, there is an opportunity for Arab countries to build a "Covi-political influence" through vaccines. Hence, the research discusses the available options and their differences, and the importance of promoting Arab medical scientific research related to COVID-19 vaccines and treatment, and directing it in the areas of artificial intelligence, machine learning, nanotechnology, and genomics, and discusses future dimensions related to the completion of a monitoring and control system, to predict upcoming pandemics.

الكلمات المفتاحية:
  • جائحة كورونا (كوفيد-19)
  • البلدان العربية
  • اللقاحات
  • البحث العلمي الطبي
  • "الكوفي-سياسي"
Keywords:
  • Corona pandemic (Covid-19)
  • Arab countries
  • Vaccinations
  • Medical Scientific Research
  • “Covi-politics.”

قراءة يف واقع سياسات البحث العلمي الدولية والعربية يف مجال اللقاحات ومستقبلاتها "Covi-Politics" and its Impact on Shaping the Future of the World and the Arab Region

A Reading of the Reality of International and Arab Scientific Research

Policies in the Field of Vaccines and Their Futures

Received التسلمRevised التعديل Accepted القبولDOI الرقم التعريفي https://doi.org/10.31430/VZRB4079

Medical Affairs Editor, Al Jazeera Media Network, Qatar. E-mail: abuelrubo@aljazeera.net

مقدمة

شكّلت جائحة فيروس كورونا المستجد (أو "سارس -كوف-2")، المسبّب لمرض كوفيد 19- للعالم،، صدمةً شملت بقاع الكوكب كافة. ومع أنّ هذه الجائحة سبقتها جوائح أخرى، فإنها كانت الأكبر، وأدت إلى آثار اقتصادية واجتمعية وصحية غير مسبوقة، قد تكون الأقرب إلى آثار جائحة الإنفلونزا الإسبانية التي ضربت العالم في القرن الماضي بين عامي 1918 و 1920. كم رافق الجائحة كمٌّ هائل من المعلومات المضلّلة، والحملات المناهضة للقاحات، ما استدعى تدخّل الحكومات والشركات التكنولوجية العملاقة، ك "غوغل" و"فيسبوك"، لمكافحة المحتوى المضلل. وأثبتت الجائحة أنّ العالم هشّ، وأنّ الدول عندما توضع على الحافة، فإنها تنكفئ على نفسها، وتتصرف بأنانية وانتهازية. ومن مظاهر ذلك الحالات التي رأينا فيها دولً تستولي على إمدادات طبية كانت موجّهةً إلى دول أخرى، أو في حجز الدول الغنية أغلبية مخزونات اللقاحات، وإبقاء القليل للدول الفقيرة. تؤسس هذه الدراسة لمصطلح "الكوفي-سياسي" (Covi-politics)، الذي يُفيد دراسة آثار كوفيد 19-، انتشارًا ومضاعفاتٍ ولقاحاتٍ وأدوية، في السياسة الخارجية للدول، وفي سياساتها الداخلية، لا سيم سياسات الصحة والبحث العلمي. ففي جائحة كورونا، وما نتج منها من تدافع وتنافس، ستكون الأطراف المنتصرة هي التي تصنع اللقاحات، وتسيطر على توزيعها، وتستخدم الكوفي-سياسي لصالحها؛ ذلك أنه مع عودة الإصابات بكورونا للارتفاع في العديد من الدول التي شهدت نسبًا عالية للتطعيم، وظهور سلالات جديدة متحورة، فإنّ الحقيقة هي أن هذه الجائحة قد تستمر فترةً ليست قصيرة، وعلى الأرجح فإنّ عملية تطوير اللقاحات ستكون مستمرة. ولذا، تفترض الدراسة أنّ ما يعيشه العالم حاليًا ليس تنافسًا للنجاة من كوفيد 19-، وأنّ الدول لا تحارب الفيروس فحسب، بل إنها تحارب بعضها بعضًا أيضًا. ففي عالم يتسبب فيه فيروس سارس-كوف 2- المسبب لمرض كوفيد 19- خسائر بشرية ومالية هائلة، توفر إمدادات اللقاحات طوق النجاة وتؤثر في سياسات الدول. ومن هنا، يكون واضحًا أهمية إدراك صناع القرار في الدول العربية لطبيعة الأزمة الحالية، وتطوراتها المتوقعة المستقبلية، ومن ثمّ، ضرورة الاستثمر في البحث العلمي في الدواء وصناعته عمومًا، واللقاحات خصوصًا. وقد أدى الفشل السياسي والاجتمعي الذي تعيشه العديد من الدول العربية إلى مفاقمة مضاعفات جائحة كورونا على مجتمعاتها، وأيضًا جعلها أكثر هشاشة؛ ما يسهل على الأطراف المتحكمة في اللقاحات عملية التأثير فيها، وخلق وسيلة ضغط ونفوذ عليها، نتيجة حاجة الدول العربية المعنية إلى اللقاحات. لكن على الرغم من قتامة المشهد، تحاج هذه الدراسة أنّ الوضع الحالي، عربيًا ودوليًا، فرصة تُشكّل سانحةً لبناء النفوذ الكوفي -سياسي (influence Covi-political) عبر اللقاحات، وهو أمرٌ ينبغي أن

يعيه صناع القرار في الدول العربية. وبناء عليه، تناقش الدراسة الخيارات المتاحة والفروق بينها، والأبعاد المستقبلية المتعلقة بإنجاز منظومة مراقبة وتحكم للتنبؤ بالجوائح المقبلة، وتجهيز اللقاحات المضادة.

أولً: جائحة كورونا وبروز الكوفي-يسياس

1. كرونولوجيا الجائحة

في 31 كانون الأول/ ديسمبر 2019، أبلغت اللجنة الصحية البلدية في مقاطعة هوباي في الصين، عن مجموعة حالات إصابة بالالتهاب الرئوي في مدينة‏ ووهان. وأدّى ذلك لاحقًا إلى‏ اكتشاف فيروس كورونا المستجد، واسمه العلمي "سارس-كوف"-2 (SARS-CoV-2)، ومن ثمّ تسلسلت الأحداث وفق أرشيف منظمة الصحة العالمية. وفي اليوم التالي، أنشأت المنظمة فريق دعم إدارة الحوادث، لوضع المنظمة على مسارٍ طارئ للتصدي لتفشي الوباء. وفي 4 كانون الثاني/ يناير 2020، نشرت المنظمة على وسائل التواصل الاجتمعي خبر ظهور مجموعة حالات إصابة بالالتهاب الرئوي، من دون تسجيل وفيات، في مدينة ووهان. وفي 5 كانون الثاني/ يناير 2020، نشرت المنظمة أول خبر عن الفيروس الجديد عبر صفحتها "أخبار عن فاشيات الأمراض"، وتضمّن المنشور تقييمً للمخاطر ومشورة المنظمة. وبعد خمسة أيام، أصدرت المنظمة حزمةً من الإرشادات التقنية الإلكترونية تتضمن نصائح للبلدان حول كيفية اكتشاف الحالات المحتملة وفحصها وتدبيرها العلاجي. ثم تتالت الأحداث سراعًا. ففي 12 كانون الثاني/ يناير 2020، نشرت الصين التسلسل الجيني للفيروس المسبب ‏لكوفيد 19-.‏ وفي 14 كانون الثاني/ يناير 2020، أشارت رئيسة الفريق التقني للاستجابة لدى منظمة الصحة العالمية إلى احتمل حدوث انتقال محدود بين ‏البشر لفيروس كورونا (في 41 حالة مؤكدة)، ‏بين أفراد الأسرة الواحدة على نحو أساسي، وإلى احتمل ‏حدوث فاشية أوسع نطاقًا. وفي 22 كانون الثاني/ يناير 2020، أصدرت بعثة المنظمة إلى الصين بيانًا تؤكد فيه وجود بيّنات على انتقال العدوى بين البشر في ووهان. وفي 23-22 كانون الثاني/ يناير 2020، عقد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، اجتمعًا للجنة الطوارئ لتقييم ما إذا كانت الفاشية تشكّل طارئًا من طوارئ الصحة العمومية التي تثير قلقًا دوليًا، ولم يتوصل الأعضاء المستقلون من شتى أنحاء العالم إلى توافق آراء بهذا الشأن استنادًا إلى البيّنات التي كانت متاحة في تلك المرحلة، وطلبوا إعادة انعقاد اللجنة في غضون 10 أيام بعد تلقّي المزيد من المعلومات. وفي 30‏ كانون الثاني/ يناير 2020‏، عقد المدير العام للمنظمة من جديد لجنة الطوارئ، قبل ‏انقضاء فترة الأيام العشرة المقررة، وبعد يومين فقط من

منظمة الصحة العالمية، "أرشيف كوفيد 19-: التسلسل الزمني لإجراءات المنظمة"، 2020/4/27، شوهد في 2022/1/12، في: https://bit.ly/3hlFNDg 2 المرجع نفسه.

‏صدور التقارير الأولى عن وجود انتقال محدود للعدوى ‏من شخصٍ إلى آخر خارج الصين. وتوصلت اللجنة إلى توافق في الآراء، وأشارت على غيبريسوس بأنّ "التفشي" (Outbreak) يشكّل طارئًا صحيًا عموميًا يثير قلقًا ‏دوليًا. ووافق غيبريسوس على التوصية، وأعلن أنّ تفشّ ‏فيروس كورونا المستجد 19- يشكّل بالفعل طارئًا من ‏الطوارئ الصحية العمومية التي تثير قلقًا دوليًا، وهي المرة ‏السادسة التي تعلن فيها المنظمة عن طارئ كهذا منذ ‏دخول اللوائح الصحية الدولية حيز النفاذ في عام 2005‏.‏ وفي 9 شباط/ فبراير 2020، أعلن غيبريسوس أنّ اللقاح الأول الذي يستهدف فيروس كورونا في الصين قد يكون متاحًا في غضون 18 شهرًا. وفي 11 آذار/ مارس 2020، أصدرت منظمة الصحة العالمية تقييم بإمكانية وصف تفشي كوفيد 19- بالجائحة. ولحسن الحظ، كان تقييم غيبريسوس غير دقيق؛ فعبر جهود بحثية كبيرة، وضخّ مليارات الدولارات، تمكن العلمء من الوصول إلى لقاحات فعّالة مبكرًا. وكان أبرز المطورين للّقاح شركات ومعاهد في الصين وروسيا وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية؛ إذ أجازت الصين ستة لقاحات، والولايات المتحدة ثلاثة، والاتحاد الأوروبي أربعة، في حين وافقت روسيا على ثلاثة.

2. بروز الكوفي-يسياس

تقدم هذه الدراسة مفهوم الكوفي-سياسي، وهو دراسة آثار كوفيد 19- انتشارًا ومضاعفات ولقاحات وأدوية، في السياسة الخارجية وعلاقات الدول، وفي السياسات الداخلية. وتفترض أنّ الكوفي-سياسي سيحكم جزءًا أساسيًا من العلاقات بين الدول خلال السنوات المقبلة، وسيقود قسمً من سياساتها الداخلية، وذلك على أساس حقائق عديدة. فالمؤشرات كافّة تدلّ على أنّ سنوات عدّة قد تمضي قبل التحكم في جائحة كورونا وتحولها إلى مرضٍ موسمي. ولذلك، سيستمر الوباء في تأدية دورٍ أساسي في علاقات الدول، وسيكون عامل السيطرة عليه وتقليل آثاره مفتاح التعافي الاقتصادي والاجتمعي. يُضاف إلى ذلك أنه حتى 11 أيلول/ سبتمبر 2021، تلقى 41.5 في المئة من سكان العالم جرعةً واحدة على الأقل من لقاح كوفيد 19-، ولكن تلقى 1.9 في المئة فقط من الأشخاص في البلدان منخفضة الدخل جرعة واحدة على الأقل. ولذلك، من غير المتوقع أن يتمّ تطعيم الأغلبية العظمى من سكان العالم بحلول نهاية العام، وهذا يعني أننا بعيدون عن السيطرة على الجائحة.

"Vaccine for New Coronavirus 'COVID-19' Could be Ready in 18 Months: WHO," Reuters, 11/2/2020, accessed on 12/1/2022, at: https://reut.rs/390Ftp8 4 Ibid. "Statistics and Research: Coronavirus (COVID-19) Vaccinations," Our World in Data, 11/9/2021, accessed on 13/1/2022, at: https://bit.ly/3dTTlDS

ثمّ إنّ السلالات الجديدة من فيروس كورونا تظهر باستمرار، ومن أبرزها حتى اليوم سلالة دلتا في الهند، ثمّ سلالة أوميكرون في جنوب أفريقيا. وتشكّل هذه السلالات الجديدة تحديًا لفاعلية اللقاحات المستعملة، وتتطلب الاستمرار في تعديلها لتبقى فعالة معها. كم أنه ليس واضحًا حتى اللحظة مدة المناعة التي توفرها اللقاحات؛ لذا بدأت دول عدة بوضع خطط لإعطاء جرعة معزّزة من لقاح كورونا لتمديد المدة. وعلى الأرجح ستكون هناك حاجة إلى التطعيم بانتظامٍ للحفاظ على فاعلية مرتفعة لنظام المناعة ضد فيروس كورونا. ولا توجد إلى حدّ اللحظة معطيات قاطعة بشأن النسبة الواجب تطعيمها من المجتمع للوصول إلى "مناعة القطيع". ويبدو أنّ هذه النسبة ينبغي أن تكون مرتفعةً جدًا؛ إذ إنّ دولً عديدة حققت أرقامًا عالية في التطعيم لا تزال تعاني موجات تفشٍّ لاحقة. وعلى الأرجح سوف نحتاج سنواتٍ مع جرعات تطعيم منتظمة وموسعة في المجتمعات للوصول إلى مناعة قطيع على المستويين المحلي والعالمي. وأخيرًا، مع أنّ اللقاحات شيء أساسي للسيطرة على الوباء، فإنّ العالم لا يزال يبحث عن علاجات فعالة، ولم يتوصّل بعد إلى أيٍ منها، علمً أنّ هذه العلاجات فقط في إمكانها أن تساعد في تقليل مضاعفات المرض ونسبة الوفيات بسببه، وأن تغطي الثغرات التي تشكو منها برامج التطعيم.

ثانيًا: اللقاحات محور الكوفي-يسياس

ظهرت الحالات الأولى لكوفيد 19- في ووهان في 31 كانون الأول/ ديسمبر 2019. وفي 12 كانون الثاني/ يناير 2020، نشرت الصين التسلسل الجيني للفيروس المسبب ‏للفيروس التاجي الجديد. وفي عقب أشهرٍ قليلة، ظهرت أولى اللقاحات.

1. جائحة كورونا وعملية إطلاق اللقاحات ب "سرعة الضوء"

في آذار/ مارس 2021، كتب رافائيل فيلاسانجوان، مدير التحليل والتطوير في معهد برشلونة للصحة العالمية (ISGlobal)، وعضو مجلس إدارة تحالف اللقاحات "جافي" (Alliance Vaccine The Gavi,)، أنّ "اللقاح يقدم احتملية السلاح الحاسم الذي تُعلق عليه كل الآمال باعتباره المخرج الوحيد"؛ مضيفًا: "قبل ظهور فيروس كورونا الجديد بوقت طويل، كانت اللقاحات هي الاستراتيجية الأكثر فاعلية من حيث التكلفة في مجال الصحة. بمعنى آخر، إنها أرخص استراتيجية للوقاية من الأمراض. وقد أظهرت دراسة أجرتها جامعة جونز هوبكنز في عام 2016 أنه مقابل كلّ دولار يُستثمر في التحصين في 94 دولة ذات أدنى دخل في العالم،

Rafael Vilasanjuan, "COVID-19: The Geopolitics of the Vaccine, a Weapon for Global Security," Fundación Real Instituto Elcano, 15/3/2021, accessed on 13/1/2022, at: https://bit.ly/2Vw4Zzc

وفرت أنظمتها الصحية 16 دولارًا أميركيًا. ومن دون مخاطر المبالغة، وفي غياب دراسة مفصلة، عند تطبيق هذا التحليل على كوفيد 19- والاقتصادات الأكثر تقدمًا، حيث يكون للفيروس أكبر التأثيرات، قد يُضاعَف هذا العائد بمئات أو آلاف الدولارات لكل دولار استثمر في اللقاحات. ومع الأخذ في الاعتبار تقديرات البنك الدولي للانكمش، يمثل الانكمش الاقتصادي العالمي بسبب الوباء أكثر من 5 في المئة من الناتج المحلي الإجملي، أو، من حيث المقارنة، أسوأ ركود منذ الحرب العالمية الثانية، وثلاث مرات أشد من أزمة "2008. وتجدر الإشارة إلى أنّ لقاح كورونا يمثّل سابقةً في التاريخ البشري. فهذه أول مرة في تاريخ البشرية ينجز لقاحٌ بهذه السرعة؛ إذ لم يمضِ سوى 333 يومًا بين نشر التسلسل الجيني وتلقّي البريطانية مارغريت كينان، في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2021، أول لقاحٍ غربي تمت الموافقة عليه للتوزيع. ويعتبر فيلاسانجوان أنه "لم يسبق أن تمّ تطوير لقاح في مثل هذا الوقت القصير؛ فقد استغرق الأمر 18 عامًا لتطوير أول لقاح فيروس إنفلونزا في القرن الماضي". وكانت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب قد أطلقت عملية "سرعة الضوء" (Speed Warp) بهدف إنتاج 300 مليون لقاح وتوزيعه؛ لتغطية كل سكان الولايات المتحدة. ويرى فيلاسانجوان أنّ "عملية سرعة الضوء ليست استراتيجية جديدة، وهي في الواقع نسخة مباشرة من مشروع مانهاتن الذي يعتبر مشروعًا وطنيًا للبحث والتطوير، من عام 1942 إلى عام 1946. وقد سخّر هذا المشروع معرفة كل الجهات الفاعلة العامة والخاصة في البلاد، بهدف إنتاج القنابل النووية التي انتهت بتدمير هيروشيم وناغازاكي في اليابان، وتزويد الولايات المتحدة بالقوة والهيمنة. ومن المقرر أن تكتسب اللقاحات، المنبثقة من فيروس كورونا، الأهمية الاستراتيجية نفسها للأسلحة النووية في أيامها".

2. كيف تعمل اللقاحات؟

التلقيح (أو التطعيم) هو تحصينٌ نشط، يعمل عبر تحفيز جهاز المناعة، ويتمّ من خلاله "إعطاء منتج طبي لفرد، مم يثير استجابة مناعية وقائية ضد عامل مُعد"ٍ. فعندما يتعرض جهاز المناعة لمواد أو مسببات مَرضية لم يتعرض لها من قبل، فهو يقوم ببدء سلسلة من التفاعلات لصد غزو (أو هجوم) هذه المادة أو العامل الممرض، ويشار إلى هذه الأحداث باسم الاستجابة المناعية. تعمل المناعة بعدة آليات، منها مثلً "الاستجابة المناعية الفطرية" (Response Immune Innate)، التي تشمل مسارات حمية سريعة وفورية، ولكنها قصيرة العمر.

7 Ibid. علمً أنّ لقاح "سبوتنيك في" الروسي كان قد بدأ إعطاؤه قبل ذلك، منذ آب/ أغسطس.2020 9 Vilasanjuan. 10 Ibid. 11 Joseph Domachowske & Manika Suryadevara (eds.), Vaccines A Clinical Overview and Practical Guide (Cham: Springer Nature Switzerland AG, 2021), p. 3.

تعدّ الاستجابات المناعية الفطرية خط الدفاع الأول ضد غزو مسببات الأمراض، وتشمل منعكس السعال، وإنزيمات الدموع، وزيوت الجلد، والمخاط الذي يحبس البكتيريا والجزيئات الصغيرة، والجلد، وحمض المعدة. وتشمل أيضًا آلية بروتينية كيميائية تسمى "المناعة الخلطية الفطرية" (Immunity Humoral Innate)، تشمل "النظام التكميلي" (System Complement)، وموادّ تسمى "الإنترفيرون" (Interferon)، و"الإنترلوكين" (Interleukin). أما "الاستجابة المناعية المكتسبة" (Immunity Acquired)، فهي المناعة التي تتطور مع التعرض لمستضدات مختلفة، ويبني الجهاز المناعي دفاعًا ضد هذا المستضد المحدد، عبر تكوين الأجسام المضادة. تعمل اللقاحات على تفعيل هذه الاستجابة، لإنتاج الأجسام المضادة التي تهاجم مسبب المرض وتقضي عليه؛ إذ إنها مركّبات "تحتوي على أجزاء موهّنة [أي تمّ إضعافها] أو معطلة من كائنٍ حي معين (مستضد)، تؤدي إلى استجابةٍ مناعية داخل الجسم. وتحتوي اللقاحات الحديثة على المخطط الأولي لإنتاج المستضدات بدلً من المستضد نفسه. وبغضّ النظر عم إذا كان اللقاح يتكون من المستضد نفسه أو من المخطط الأولي الذي يتيح للجسم إنتاج المستضد، فإنّ هذه النسخة الموهّنة لن تسبّب المرض للشخص الذي يتلقى اللقاح، ولكنها ستدفع جهاز المناعة إلى الاستجابة قدر الإمكان، كم لو كانت استجابته الأولى للعامل الممرض الفعلي". وقد عمل مطورو لقاح كورونا على نحو مكثف على "بروتين السنبلة" (Protein Spike)، بوصفه بروتينًا يؤدي إلى تطوير مناعة ضد الفيروس، ومن ثم استخدامه في تطوير اللقاح. ويؤدي بروتين السنبلة "دورًا رئيسًا في التعرف إلى المستقبلات وعملية اندماج غشاء الخلية. ويتكون من وحدتين فرعيتين (S1 وS2). تحتوي الوحدة الفرعية (S1) على مجال ربط مستقبلات يتعرف ويربط بمستقبل المضيف 2 الإنزيم المحول للأنجيوتنسين 2 (2 enzyme Angiotensin-converting)، بينم تتوسط الوحدة الفرعية (S2) اندماج غشاء الخلية الفيروسي عن طريق تكوين حزمة سداسية حلزونية عبر مجال تكرار ثنائي سباعي". يتم تطوير اللقاحات عمومًا باستخدام تقنيات مختلفة لكل تقنية مزاياها. وتشمل التالي:

أ. اللقاحات المعطّلة

يتمّ إنتاج اللقاحات المعط (Vaccines Inactivated) عن طريق زراعة الفيروس أو الكائن الممرض لة في المختبر، ثم تعطيل الفيروس كيميائيًا. بعدها يتمّ دمج الفيروس المعطّل مع مادة مساعدة أخرى في اللقاح لتحفيز المناعة. وعادةً ما يتم حقن هذا النوع من اللقاح في العضلات، ويتطلب إنتاج

"Innate Immunity," in: Bruce Alberts et al., Molecular Biology of the Cell, 4 th ed. (New York: Garland Science, 2002). منظمة الصحة العالمية، "كيف تعمل اللقاحات؟"، 2020/12/8، شوهد في 2022/1/13، في: https://bit.ly/3jZOwNh 14 Yuan Huang et al., "Structural and Functional Properties of SARS-CoV-2 Spike Protein: Potential Antivirus Drug Development for COVID-19," Acta Pharmacologica Sinica, vol. 41 (August 2020), pp. 1141-1149.

"لقاحات كورونا باستخدام تقنية اللقاحات المعطّلة مرافق احتواء عالية المستوى لمنع انتشار فيروس سارس-كوف 2- المعدي لعمل الإنتاج". ولا تستهدف اللقاحات المعطّلة في فيروس كورونا "البروتين الشائك" (Protein Spike) (والذي يؤدي دورًا أساسيًا في اختراق الفيروس للخلايا المضيفة) فحسب، بل أيضًا أجزاء أخرى من الفيروس. ومن الأمثلة على هذه شركة "سينوفارم" (Sinopharm) الصينية.

ب. اللقاحات الحية الموهّنة

يتمّ إنتاج اللقاحات الحية الموهّنة (Vaccines Attenuated Live) بوساطة تطوير نُسخ ضعيفة وراثيًا من الفيروس الطبيعي، ثم إعطاؤها للمتلقي لتنشيط المناعة، ولكنها لا تسبب المرض. وميزة اللقاحات الحية أنه يمكن إعطاؤها عن طريق الأنف، كم هو الحال مع لقاح الإنفلونزا الحية الموهّن، والذي يمكن أن يحفز المناعة في الجهاز التنفسي العلوي ومجرى الدم. ومع ذلك، فإنّ مخاوف السلامة مع اللقاحات الحية الموهّنة تشمل احتملية الإصابة بعدما تفقد الفيروسات توهينها والعودة إلى الفيروس الطبيعي.

ج. لقاحات البروتين المؤتلف

تتكون لقاحات البروتين المؤتلف (Vaccines Protein Recombinant) من بروتينات فيروسية تم تطويرها في خلايا من أنواع مختلفة، بما في ذلك خلايا الحشرات والثدييات وخلايا الخميرة والخلايا النباتية.

د. لقاحات النواقل

تستخدم لقاحات النواقل (Vaccines Vector) نواقل فيروسية وسيلةً لإيصال المادة الجينية من فيروس آخر إلى الخلية، ومن الفيروسات المستخدمة بوصفها نواقل الفيروسات الغدية. وإحدى مشكلات لقاحات نواقل الفيروسات الغدية أنّ المناعة الموجودة بالفعل ضد الفيروس الناقل يمكن أن تقلّل المناعة ضد الفيروس المعني؛ ما يقلّل المناعة الناتجة من اللقاح. ومن الأمثلة على هذه اللقاحات لكورونا لقاح "سبوتنيك في" (V Sputnik) الذي طوّره معهد جمليا في موسكو، ولقاح "أسترازينيكا-أكسفورد" (AstraZeneca-Oxford) الذي طوّره المختبر البريطاني أسترازينيكا وجامعة أكسفورد.

ه- لقاحات الحمض النووي "دي إن إيه"

تتكون لقاحات الحمض النووي (Vaccines DNA) من قطع صغيرة من الحمض النووي، تتم ترجمتها في الجسم إلى بروتين مولد الضد لدى العامل الممرض؛ ما يحفز الجسم على تطوير مناعةٍ ضده.

15 Kathryn M. Edwards, Walter A. Orenstein & David S. Stephens, The Covid-19 Vaccine Guide: The Quest for Implementation of Safe and Effective Vaccinations (New York: Skyhorse publishing, 2021), p. 62. 16 Ibid. 17 Ibid., p. 63.

و. لقاحات الحمض النووي المرسال "آر إن إيه"

يتكون لقاح الحمض النووي المرسال (Vaccines mRNA) من قطع صغيرة من "الحمض النووي المرسال" mRNA() محاطًا بطبقة دهنية. وتتم ترجمته في الخلايا البشرية لتكوين مولد الضد، وهو ما يحفز المناعة. وتُعدّ "لقاحات الحمض النووي الرِّيبي" جذابة؛ لأنها تُظهر خصائص "لقاحات الوحيدات" (Vaccines Subunit)، و"لقاحات النواقل المضعفة الحية" (Vectors Vaccines Live-attenuated)، بما في ذلك الإنتاج والحث المرن لكل من "المناعة الخلطية" (Humoral)، و"الخلوية" (Cellular). ومن الأمثلة على لقاحات "آر إن إيه" لقاح -"فايزربيونتك"، من تطوير شركة "فايزر" (Pfzier) الأميركية وشريكتها "بيونتك" (BioNTech) الألمانية، ولقاح شركة "موديرنا" (Moderna) الأميركية، ولقاح شركة "كيورفاك" (Curevac) الألمانية.

ثالثًا: الكوفي-يسياس ودبلوماسية اللقاحات دوليًا

1. واقع لقاحات كوفيد 19-

وفقًا لإيكارت ويرتس وروي يلينك، فإنّ "دبلوماسية اللقاحات (Diplomacy Vaccine) هي استخدام إمدادات اللقاح أداةً لتطبيق القوة الناعمة"، وقد دخل المصطلح في القاموس السياسي، وأصبح يعبّ عن وسيلة للتأثير الجيوسياسي. ذلك أن الدول يمكنها أن تستخدم دبلوماسية اللقاحات لتعزيز العلاقات بالدول الحليفة، وبفصائل أو أحزاب حليفة، ولإقامة شراكات جديدة، ولرسم صورة لها على أنها "منقذة" بالتزامن مع حملات إعلامية عبر المؤسسات الصحفية التابعة لها أو المؤيدة لها، ولإظهار الدول الأخرى المنافسة بطريقة سلبية، وإحراجها بسبب ضعف تحركها. ويرى سايمون فرانكل برات وجيمي ليفين أن وباء كوفيد 19- قد فاقم الانقسام العالمي بين الشمل والجنوب، مع تحرك الدول الغربية الغنية بثباتٍ نحو مناعة القطيع، في حين تنتظر أغلبية دول أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية وصول اللقاحات؛ ذلك أنّ دولً قليلة تنتج لقاحات فيروس كورونا الخاصة بها، في حين تعتمد بقية الدول عليها في تلقيحها، وهو ما يؤشر إلى بروز ترتيبات جيوسياسية جديدة. ويضيف الباحثان أنه "توجد بالفعل مؤشرات قوية على أن من لا يملكون اللقاح معرضون للإكراه والإغراء الدبلوماسييَن".

18 Thomas Kramps & Knut Elbers (eds.), RNA Vaccines Methods and Protocols (Totowa, NJ: Humana Press, 2017), p. 1. 19 Eckart Woertz & Roie Yellinek, "Vaccine Diplomacy in the MENA Rregion," Middle East Institute, 14/4/2021, accessed on 12/1/2022, at: https://bit.ly/3BZZPv2 20 Simon Frankel Pratt & Jamie Levin, "Vaccines Will Shape the New Geopolitical Order," Foreign Policy, 29/4/2021, accessed on 13/1/2022, at: https://bit.ly/3A5RRQm 21 Kramps & Elbers.

الجدول (1) إنتاج لقاحات كورونا بحسب الدولة (حتى تموز/ يوليو 2021)

عدد الجرعات المنتجة الكلية منذ بدء
الإنتاج
عدد الجرعات المنتجة في تموز/ يوليوالدولة
2,217,035,840541,970,550الصين
874,257,699271,631,474الاتحاد الأوروبي
533,540,350136,100,000الهند
481,623,57580,726,175الولايات المتحدة
94,184,12121,898,138سويسرا
39,500,00017,000,000كوبا
26,767,00011,548,600الأرجنتين
9,034,7706,794,770اليابان
9,586,7006,086,700تايلند
50,650,000,5000,000المملكة المتحدة
61,616,4004,976,600كوريا الجنوبية
97,586,3304,779,850روسيا
8,655,0004,400,000أستراليا
3,000,0003,000,000إيران
6,700,0001,850,000كازاخستان
2,000,0001,500,000بيلاروسيا
500,000500,000مصر

المصدر: Global Commission for Post-Pandemic Policy, "Covid-19 Vaccine Production, To July 31 st , 2021," 31/7/2021, accessed on 12/1/2022, at: https://bit.ly/3nko5E5

الجدول (2) إنتاج لقاحات كورونا بحسب نوع اللقاح (حتى تموز/ يوليو 2021)

النوعمجموع عدد الجرعات المنتجة بالمليون (تقريبًا)
سينوفاك (Sinovac) (صيني)1200
فايزر-بيونتك (Pfizer-BioNTech) (أميركي-ألماني)980
سينوفارم (Beijing/Sinopharm) (صيني)930
أسترازينكيا-أكسفورد (Oxford/AstraZeneca) (بريطاني-سويدي)800
موديرنا (Moderna) (أميركي)300
سبوتنيك في (V Sputnik)) (روسي93
جونسون أند جونسون (J&J) (أميركي)67
"بهارات بيوتك" (Bharat/ICMR/NIV) المجلس الهندي للبحوث
الطبية/ المعهد الوطني لعلم الفيروسات(هندي)
55
فنلي (Finlay) (كوبي)20
مركز الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية (CIGB)) (كوبي20
آنهوي زيفي (Zhifei Anhui) (صيني)8
كانيسنو (CanSino) (صيني)5
فكتور (Vector) (روسي)3
شفاء فارميد (Pharmed Shifa)) (إيراني3
شيمكوف فيديرال ساينتيفيك سنتر) (روسي)Chumakov Federal Scientific Center(1
آر آي (RI) (كازاخستاني)0.2

المصدر: Ibid.

ومع عدم وجود علاج فعّال للمرض، تظلّ "اللقاحات الفعالة هي العامل الرئيس في العودة إلى الحياة الطبيعية، وعدد قليل من البلدان فحسب يمكن أن ينتج اللقاحات على نطاق واسع، في حين أننا نعلم بالفعل أنّ الأمر سيستغرق سنوات للوصول إلى مناعة القطيع". لذلك، أصبحت اللقاحات شكلً من أشكال القوة الناعمة الجيوسياسية، التي تفاقم أو تعيد تصميم بنية العلاقات الدولية، ولا سيم فيم يخص نفوذ الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا.

22 Pierre Blanchet & Aurelien Strenta, "Geopolitics of the Vaccine," Cross Asset Investment Strategy (May 2021), accessed on 13/1/2022, at: https://bit.ly/3nqQJm6

وفي هذا الصدد، كتب توماس بوليكي [وآخرون] في المجلة العلمية ذا لانسيت (Lancet Teh) في حزيران/ يونيو 2021، أنّ "علم الوبائيات، وليس الجيوبوليتيك، يجب أن يقود التبرع بلقاحات كوفيد"19-، مضيفين أنه من المرجّح أن يصل العدد المحتمل لجرعات اللقاح الفائضة التي اشترتها دول مجموعة السبع إلى مئات الملايين أو أكثر، وهي إمدادات كبيرة بما يكفي للمساعدة في تلبية طلبات اللقاحات على المدى القريب، في حين يجري الاستثمر في نقل التكنولوجيا إلى البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وفي توسيع نطاق التصنيع العالمي.

2. قومية اللقاحات مقابل عالميتها

وفقًا لدراسة صادرة عن معهد راند، فقد "تؤدي قومية اللقاحات إلى التوزيع غير المتكافئ للقاحات كوفيد 19-، وتكلف الاقتصاد العالمي ما يصل إلى 1.2 تريليون دولار سنويًا من حيث الناتج المحلي الإجملي". ومع ذلك، لا يزال سلوك الدول الغنية يشير إلى أنها تقدّم مصالحها القومية، وهذا يمثّل خطرًا عالميًا على كل الدول؛ "فحتى إذا تمكنت بعض البلدان من تحصين سكانها ضد الفيروس، ما دام الفيروس ليس تحت السيطرة في كل مناطق العالم، فستستمر التكلفة الاقتصادية العالمية المرتبطة بكوفيد 19-. فحتى يتوافر لقاح متاح على نطاق واسع لكوفيد 19-، ستستمر إجراءات التباعد المادي في التأثير سلبيًا في القطاعات الرئيسة للاقتصاد العالمي، لا سيم تلك التي تعتمد على القرب المادي الوثيق بين الناس"؛ و"قد تصل التكلفة العالمية المرتبطة بكوفيد 19- وتأثيره الاقتصادي إلى 3.4 تريليونات دولار سنويًا. وبالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، سيمثل ذلك نحو 65. في المئة من الناتج المحلي الإجملي السنوي، أي 983 مليار دولار. وتبلغ الخسارة التي تكبدتها المملكة المتحدة نحو 4.3 في المئة، أي خسارة سنوية تبلغ قرابة 145 مليار دولار. وتخسر الولايات المتحدة نحو 2.2 في المئة من الناتج المحلي الإجملي السنوي، أي قرابة 480 مليار دولار". وفي الآن ذاته، هناك فوائد اقتصادية كبرى لتوفير الوصول إلى اللقاحات في كل أنحاء العالم؛ إذ "سيكلف تزويد البلدان ذات الدخل المنخفض باللقاحات 25 مليار دولار. وقد تخسر الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرها من البلدان ذات الدخل المرتفع مجتمعة نحو 119 مليار دولار سنويًا، إذا حُرمت أفقر البلدان من العرض. وإذا دفعت هذه البلدان ذات الدخل المرتفع مقابل توفير اللقاحات، فقد تكون هناك نسبة فائدة إلى تكلفة تبلغ 4.8 إلى 1 مقابل كل دولار واحد يتم إنفاقه، أي ستستعيد البلدان مرتفعة الدخل نحو 4.8 دولارات".

23 Thomas Bollyky J, Christopher JL Murray & Robert C Reiner Jr., "Epidemiology, not Geopolitics, should Guide COVID-19 Vaccine Donations," The Lancet, vol. 398, no. 10295, 10/7/2021, pp. 97-99, accessed on 14/1/2022, at: https://bit.ly/3FugAjd Marco Hafner et al., COVID-19 and the Cost of Vaccine Nationalism (Santa Monica, CA: RAND Corporation, 2020). 25 Ibid. 26 Ibid. 27 Ibid.

صحيحٌ أنّ قومية اللقاحات المتمثلة في ارتفاع معدلات التطعيم في البلدان الغنية قد تؤدي إلى السيطرة على الوباء فيها، إلا أنّ هذه السيطرة قصيرة الأمد. فعدم حصول البلدان الفقيرة على لقاحات كافية سيؤدي إلى انتشار وباء كوفيد 19- فيها؛ وهذا من شأنه أن يخلق خزانًا للفيروس، يؤدي إلى ظهور سلالات جديدة، تؤدي إلى فاشيات تنتقل إلى البلدان الغنية، وتقود إلى ظهور موجات جديدة، كم قد تقلّل فاعلية اللقاحات.

3. الفاعلون الدوليون في دبلوماسية اللقاحات

أ. الصين

وفق المعطيات العلمية الرسمية المتوافرة، الصين هي مهد فيروس كورونا المستجد. وقد استثمرت على نحو بعيد في لقاحات الفيروس وأنتجت الكثير منها، وزوّدت بها الكثير من بلدان العالم. ويمكن النظر إلى جهود الصين الكبيرة للسيطرة على المرض باعتبارها وسيلة لإصلاح الضرر الذي تعرضت له صورتها خلال بداية الجائحة، والاتهامات التي وجهت إليها حينئذ، مثل عدم الشفافية والوضوح، وعدم التعاون الكافي مع منظمة الصحة العالمية. إضافة إلى ذلك، وُجهت إليها لاحقًا اتهامات أكبر، وإن لم تستند إلى أدلة دامغة، منها أن الصين صنعت الفيروس في مختبر ووهان ذي مستوى السلامة الحيوية من الدرجة الرابعة (4 Level Biosafety)، قبل أن يتسرّب منه بعد ذلك. وقد أضحت شركة "سينوفاك" الصينية شركة لتصنيع لقاحات كوفيد 19- في العالم، على الرغم من أن لقاح فايزر-بيونتك يقترب من سدّ الفجوة. كم أنّ شركة سينوفارم الصينية أيضًا – وهي المنافس المحلي لشركة سينوفاك – تتقدم هي أيضًا بقوة، وهي التي كانت قد أعلنت عن خطط لتوسيع قدرتها لإنتاج 5 مليارات جرعة سنويًا. وستكون هاتان الشركتان الصينيتان منافستين كبيرتين للشركات الغربية الثلاث الكبرى: فايزر-بيونتك، و"أسترازينيكا"، وموديرنا، لا سيم في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وقد استخدمت الصين لقاحاتها أداةً في الكوفي-سياسي؛ "ففي إطار برنامج 'طريق الحرير الصحي'، توفر بيجين لقاحات كوفيد 19- لأكثر من 80 دولة، لا سيم في العالم النامي، والعديد منها أعضاء ومؤيدون لمبادرة الحزام والطريق [...] وقد تبرعت الصين بالفعل باللقاحات لعدد قليل من البلدان، لكن كان على الأغلبية شراء إمداداتها في بعض الحالات باستخدام القروض التي قدّمتها بيجين للقيام بذلك".

كشفت إحدى الدراسات عن وجود الفيروس في إيطاليا قبل الصين، ولكن لم يجر إلى اليوم تغيير الرواية الرسمية: Giovanni Apolone et al., "Unexpected Detection of SARS-CoV-2 Antibodies in the Prepandemic Period in Italy," Tumori Journal, vol. 107, no. 5 (2021), pp. 1-6. 29 Global Commission for Post-Pandemic Policy, "Covid-19 Vaccine Production, to July 31 st , 2021," 31/7/2021, accessed on 13/1/2022, at: https://bit.ly/3nko5E5 30 Purvaja Modak, "China's Vaccine Diplomacy, the 'Health Silk Road' and a Global Pledge," Future Directions International, 15/7/2021, accessed on 14/1/2022, at: https://bit.ly/320pPdt

فمثلً، أعلنت الصين في آذار/ مارس 2021 لوائح تأشيرة تفضيلية لأولئك الذين جرى تطعيمهم بلقاح كوفيد 19- الصيني الصنع "سينوفاك". وفي العالم العربي، يمثّل لقاح "سينوفارم" الصيني حجر الزاوية في حملات التطعيم في الإمارات العربية المتحدة والمغرب، وحقق أيضًا نجاحات في مصر والبحرين والعراق والجزائر.

ب. روسيا

جاء الإعلان عن لقاح "سبوتنيك" الروسي بطريقة لافتة، في 11 آب/ أغسطس 2020، بوصفه أول لقاح ضد فيروس كورونا في العالم. وتستخدم روسيا لقاح سبوتنيك لتعزيز نفوذها في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا. وقد جرى توزيع اللقاح في الأراضي الفلسطينية وسورية والإمارات ومصر، إضافة إلى إيران.

ج. الولايات المتحدة الأميركية

على الرغم من النجاحات الكبيرة التي حققتها اللقاحات الغربية، فايزر-بيونتك و"أسترازينيكا-أكسفورد" وموديرنا، فإنّ الدول الغربية مهتمة بالأساس بالتطعيم الداخلي داخل حدودها، ولا تولي اهتممًا كبيرًا لاستخدام لقاحاتها في الكوفي-سياسي. ونرى أنّ هذا يعدُّ مثالً على دور الوضع الداخلي للدولة في الكوفي-سياسي. فالدول الغربية الديمقراطية، ولكون قادتها منتخَبين، فإنها صبّت اهتممها على توفير اللقاحات داخليًا؛ إذ يدرك القادة والحكومات المنتخبة في هذه الدول أنّ تقصيرها داخليًا يعني سقوطها في أول انتخابات قادمة. ويمكن ملاحظة أنّ خسارة ترامب في الانتخابات الأميركية أمام جو بايدن كان أحد أسبابها ما وُصف بتهاون إدارته في تطبيق احترازات كورونا والتهوين من الفيروس؛ ما قاد إلى تسجيل الولايات المتحدة أرقامًا عالية في الوفيات مقارنةً بعدد السكان. ويختلف وضع هذه الدول الغربية عن وضع أنظمةٍ غير ديمقراطية وأقل ارتباطًا بالوضع الداخلي فيم يتعلق بالكوفي-سياسي، كبعض الدول ذات النظام الشمولي مثل الصين، أو ذات نظامٍ ديمقراطي شكلي فحسب مثل روسيا تحت حكم فلاديمير بوتين؛ إذ إنّ هذه الدول استخدمت لقاحاتها أداةً قوية في الكوفي-سياسي وأرسلتها إلى الدول الأخرى، رغم أنها كانت تواجه ارتفاعًا هائلً أيضًا في الإصابات. وقصة أوكرانيا مثال على انكفاء الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفشلهم في الكوفي-سياسي، في مقابل السياسة الفاعلة للصين وروسيا؛ فعلى الرغم من "مكانتها بوصفها حليفًا غربيًا، فإنّ حظر ترامب على

31 "Abigail Ng, Entering China is now Easier for People who have a Vaccine - But only if it's Made in China," CNBC, 17/3/2021, accessed on 14/1/2022, at: https://cnb.cx/3hHreKH "بوتين يعلن عن تسجيل أول لقاح ضد فيروس كورونا في العالم"، آر تي العربية، 2020/8/11، شوهد في 2022/1/14، في: https://bit.ly/3AaHRFO

صادرات اللقاح من الولايات المتحدة ترك أوكرانيا غير قادرةٍ على الحصول على الإمدادات المباشرة. ومع قيام الجيش الروسي بإثارة التمرد الانفصالي في المقاطعات الشرقية لأوكرانيا، لم يكن لدى حكومة كييف خيار شراء لقاح 'سبوتنيك في' الروسي؛ ولذلك أجبرت الحكومة الأوكرانية على اللجوء إلى الصين لتأمين جرعات من لقاح 'سينوفاك'، بدلً من الانتظار حتى الصيف، في حين تبدأ جميع الدول المجاورة لها في التطعيم. إنه يمثل فشلً آخر لاستراتيجية إدارة ترامب التي تخلت عن حليف لمصيرها، وثغرة أخرى في التغطية التي يجب أن يقدمها الاتحاد الأوروبي لدولة مجاورة تمر حاليًا بإحدى أصعب لحظاتها". وفي المقابل، يرسم بلانشت بيير وسترينتا أوريليان صورةً إيجابية لوضع الولايات المتحدة في دبلوماسية اللقاحات؛ إذ "تعمل شركات الأدوية الأميركية التي توزع اللقاحات المتاحة الآن على المعززات ولقاحات الجيل التالي وتجارب الأطفال، والتي ستكون أساسية للوصول إلى المناعة الكاملة. تمتلك الولايات المتحدة أفضل المنتجات، وقامت بتطعيم نسبة أكبر من سكانها، لذا فهي في طريقها للفوز في لعبة لقاح كوفيد 19- الجيوسياسية". ولكن مع ذلك، يعترف الكاتبان أنّ "الصين وروسيا تستفيدان من سدّ فجوة نقص العرض وفترات الانتظار الطويلة في العالم الناشئ، ومن ثم تعزيز العلاقات الدبلوماسية. وتعدّ الاتفاقيات الثنائية بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي الشرقية (المجر وسلوفاكيا، وربما جمهورية التشيك) للوصول إلى سبوتنيك مثالً جيدًا. والأهم من ذلك، أنها تلقي الضوء على القوة الناعمة التي يمكن أن توفرها اللقاحات. في الواقع، قد تكسب روسيا دعمً داخليًا لتقليل احتملية فرض عقوبات الاتحاد الأوروبي".

د. أوروبا والمملكة المتحدة وأسترازينيكا

بالنسبة إلى أوروبا، يمكن ملاحظة تأثير الخلافات السياسية مع المملكة المتحدة وتأثرها بأزمة كوفيد 19- وبلقاح شركة أسترازينيكا البريطانية - السويدية. ففي كانون الثاني/ يناير 2021، تصاعدت الخلافات بين الاتحاد الأوروبي وشركة أسترازينيكا بسبب تأخرها في تسليم لقاحها المضاد لفيروس كورونا، ودعت المفوضية الأوروبية الشركة البريطانية إلى توفير الجرعات الموعودة لدول الاتحاد السبع والعشرين. وكان الرئيس التنفيذي للمختبر البريطاني باسكال سوريو قد قال إنّ العقد الموقّع بين أسترازينيكا ولندن في حزيران/ يونيو 2020، قبل ثلاثة أشهر من توقيع الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي، ينص على أنّ الإنتاج "الصادر من سلسلة التوريد البريطانية سيذهب أولً إلى المملكة المتحدة"، ولا يمكن استخدامه إلا في وقت لاحق لتغطية احتياجات الأوروبيين. في حين كان المسؤولون الأوروبيون ينفون ذلك، ويؤكدون

33 Vilasanjuan. 34 Blanchet & Strenta. "تصاعد الخلاف بين الاتحاد الأوروبي والشركة البريطانية أسترازينيكا بسبب التأخر في تسليم اللقاحات"، فرانس 24، 2021/1/28، شوهد في 2022/1/14، في: https://bit.ly/3ljApSr

أحقية الأوروبيين في الحصول على الجرعات المتوقعة، وفقًا للاتفاق المبرم. وفي آذار/ مارس 2021، منعت إيطاليا تصدير 250 ألف جرعة من لقاح أسترازينيكا إلى أستراليا. وفي المقابل، شدّدت لندن على منح احتياجاتها الخاصة الأولوية. وهددت المفوضية الأوروبية بوقف صادرات لقاحات أسترازينيكا إذا لم يتلق الاتحاد الأوروبي شحناته أول.

ه. الهند

عاشت الهند موجةً ثانية قوية من كوفيد 19-، بدأت في منتصف آذار/ مارس 2021، وارتفعت بسرعة عقب ذلك، نتيجة شعور زائف بالأمان بسبب انخفاض أعداد حالات الإصابة، وعدم التقيّد بالإجراءات الاحترازية. وتزامنت هذه الموجة مع بروز سلالة دلتا التي انتشرت لاحقًا إلى كل أنحاء العالم. وبسبب حجمها الديموغرافي الهائل، واجهت الهند مشكلةً في توفير اللقاحات. فقد كان من المقرر أن يقدم معهد "سيرم إنستتيوت أوف إنديا" (India of Institute Serum) 220 مليون جرعة من "كوفشيلد" (Covishield)، وهو نسخة من لقاح كوفيد 19- الذي تنتجه أسترازينيكا، وهو ما عجز عنه. ولذا أوقفت الهند، في مواجهة هذه الموجة الثانية، تصدير اللقاح في نيسان/ أبريل 2021. وقد تركت هذه الخطوة دولً، من بينها بنغلاديش ونيبال وسريلانكا والعديد من البلدان الأفريقية، تتدافع للحصول على إمدادات بديلة. ما حدث في الهند هو مثالٌ، من بين أمثلةٍ أخرى، على الوضع الذي أحدثته جائحة كورونا، حينم تضع دولةٌ قيودًا على تصدير اللقاح إلى دول أخرى، لأنها تواجه ارتفاعًا في عدد الإصابات داخلها؛ وهذا ما يؤكد أهمية أن يكون التصنيع في الدولة المعنية نفسها، كم سنعود على ذلك في المحور التالي بالنسبة إلى الدول العربية.

36 المرجع نفسه. "أستراليا 'محبطة' بسبب منع إيطاليا تسليمها شحنة من لقاح أسترازينيكا"، دويتشه فيله، 2021/3/5، شوهد في 2022/1/14، في: https://bit.ly/393XMte "التوتر مستمر.. المفوضية الأوروبية تهدد بمنع تصدير لقاحات أسترازينيكا"، دويتشه فيله، 2021/3/20، شوهد في 2022/1/14، في: https://bit.ly/3EiQSz5 39 Udani Samarasekera, "India Grapples with Second Wave of COVID-19," The Lancet Microbe, vol. 2, no. 6 (June 2021). أعلنت وزارة الصحة الهندية التعرف إلى سلالة دلتا في أواخر آذار/ مارس 2021، وعُرفت حينها باسم (B.1.617)، ثم أصبح اسمها دلتا وفقًا لنظام التسمية للسلالات الجديدة من منظمة الصحة العالمية. ينظر: المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، "منظمة الصحة العالمية تعلن عن مسميات بسيطة وسهلة النطق لتحوُّرات فيروس كورونا 2 المثيرة للاهتمام والقلق"، 2021/6/10، شوهد في 2022/1/14، في: https://bit.ly/3k2n95f هو أكبر مصنع للقاحات في العالم، وأيضًا ينتج لقاح أسترازينيكا ويسلمه لبرنامج تطعيم كوفاكس (COVAX)، وهو مبادرة عالمية تهدف إلى الوصول العادل ل 200 دولة في العالم إلى لقاحات كوفيد.19- 42 Neha Arora & Krishna N. Das & Rupam Jain, "EXCLUSIVE: India Unlikely to Resume Sizable COVID-19 Vaccine Exports Until October," Reuters, 18/5/2021, accessed on 14/1/2022, at: https://reut.rs/391jv56

رابعًا: الكوفي-يسياس ودبلوماسية اللقاحات عربيًا

اتسمت استجابة أغلبية الدول العربية لقضية لقاحات كورونا عمومًا بالتأخر، أو الاعتمد الكامل على الخارج؛ إذ تستورد أغلبيتها اللقاحات، وهناك دول بدأت في إنتاجها بعد توقيع شراكات مع شركات اللقاحات، ولكن هذا الأمر أتى متأخرًا (في النصف الثاني من عام 2021). فقد بدأت مصر في إنتاج لقاح كورونا في تموز/ يوليو 2021، بعد أن تعاقدت في حزيران/ يونيو مع الصين على تصنيع اللقاح الصيني سينوفاك من خلال مجمع مصانع الشركة القابضة للقاحات والأمصال "فاكسيرا". وتعاقدت مصر أيضًا مع روسيا لإنتاج 40 مليون جرعة من لقاح "سبوتنيك"، عبر شركة الأدوية المصرية "مينافارم"، معلنةً عن طموحها لتحقيق الاكتفاء المحلي والتصدير في الربع الأخير من عام 2022. أما المغرب، فقد وقّعت في تموز/ يوليو 2021 اتفاقيات لتصنيع لقاح سينوفارم الصيني وغيره وتعبئته محليًا. في حين أعلنت الجزائر في نهاية أيلول/ سبتمبر عن بدء إنتاج لقاح محلي لفيروس كورونا، بشراكةٍ مع مختبرات سينوفاك الصينية. في الحصيلة، تأتي هذه الخطوات، على أهميتها، متأخرة، وهي تسعى لتغطية الحاجيات المحلية في المقام الأول، ولذلك ليس من شأنها أن تكون كافيةً لاستخدامها أداةً لبسط النفوذ الكوفي  - سياسي. في المقابل، يبرز على المستوى العربي فاعلان إقليميان رئيسان يمارسان الكوفي-سياسي ضمن سياسات واضحة، وهم قطر، والإمارات.

1. قطر

عملت قطر بمنهجية واضحة للاستثمر في لقاحات كورونا. ففي تموز/ يوليو 2020، أعلنت شركة "كيورفاك" (CureVac) الألمانية للتكنولوجيا الحيوية أنّ جهاز قطر للاستثمر استحوذ على حصة غير معلنة في الشركة، في إطار جولة تمويل بقيمة 126 مليون دولار. وستتعاون شركة كيورفاك مع شركة الأدوية البريطانية (GSK) لتطوير الجيل التالي من لقاح كوفيد 19-، في محاولة لمعالجة العديد من سلالات فيروس كورونا

ديانا شلهوب، "بمواد خام صينية.. مصر تعلن إنتاج أول مليون جرعة من لقاح كورونا"، وكالة الأناضول، 2021/7/5، شوهد في 2022/1/14، في: https://bit.ly/3jLOCHK دعاء عبد اللطيف، "مصر تعلن جاهزيتها لإنتاج 3 ملايين جرعة يوميًا من لقاح كورونا"، الجزيرة نت، 2021/6/22، شوهد في 2022/1/14، في: https://bit.ly/3ms03Gk "مصر تتعاقد مع روسيا لإنتاج 40 مليون جرعة من لقاح سبوتنيك محليًا"، فرانس 24، 2021/4/22، شوهد في 2022/1/14، في: https://bit.ly/3GVh6YF "مسؤول مغربي: تصنيع لقاحات كورونا محطة مفصلية في تاريخ المملكة (مقابلة)"، وكالة الأناضول، 2021/8/12، شوهد في 2022/1/14، في: https://bit.ly/3vWYhjI عبد الرزاق بن عبد الله، "بالشراكة مع الصين.. الجزائر تبدأ بإنتاج لقاح كورونا محليًا"، وكالة الأناضول، 2021/9/29، شوهد في 2022/1/14، في: https://bit.ly/2ZMS5Po 48 "Qatar Investment Authority Takes Stake in Vaccine-Maker CureVac," Reuters, 21/7/2020, accessed on 14/1/2022, at: https://reut.rs/38YWj7H

الجديدة بجرعةٍ واحدة. ولقاح شركة كيورفاك اسمه (CVnCoV)، وهو قائم على تقنية "الحمض النووي المرسال" (mRNA)، وقد حققت النسخة الأولى منه فاعلية بنسبة 48 في المئة فقط، وذلك وفق ما أعلنت الشركة في أواخر حزيران/ يونيو 2021. وقد كانت الفاعلية، التي تُقاس من خلال الوقاية من الأمراض المصحوبة بأعراض، أفضل قليلً عند 35 في المئة حينم جرى استبعاد المشاركين في التجربة الذين تزيد أعمرهم على 60 عامًا، وهي الفئة العمرية الأشد تضررًا، قبل أن تظهر التجارب اللاحقة على قرود المكاك أنّ الجيل الثاني من لقاح (CVnCoV) قد "تحسن كثيرًا" في الحمية من الفيروس مقارنة باللقاح الأول. ويأتي استثمر قطر في شركة كيورفاك الألمانية للتكنولوجيا الحيوية ضمن جهودها للانتقال إلى الاقتصاد القائم على المعرفة، وفق "رؤية قطر الوطنية 2030"، وأيضًا بتوافقٍ مع انتقالها، خلال العقود الثلاثة الماضية، من دولةٍ ذات تأثيرٍ محدود إلى قوة إقليمية وعالمية، مستخدمةً مجموعة واسعة من أدوات القوة الناعمة، ومنها شبكات إعلامية، كشبكة الجزيرة، وعلاقات دبلوماسية مع العدد من الفرقاء استخدمتها في تأدية دور الوساطة في العديد من الملفات. كم كان نجاح قطر في الحصول على استضافة كأس العالم 2022 علامة بارزةً في مسار هذا الحضور العالمي. مع هذه الخلفية، يمكن فهم موقف دولة قطر التي عملت خلال الجائحة على تعزيز حضورها العالمي ورسالتها الإنسانية الداعمة للشعوب. ففي حزيران/ يونيو 2021، نظمت الدوحة منتدى قطر الاقتصادي، الذي أعلن في افتتاحه أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، "تقديم قطر المساعدات اللازمة لأكثر من 80 دولة ومنظمة دولية، وتعهّدنا بتقديم الدعم لمنظمة الصحة العالمية والتحالف العالمي للقاحات والتحصين 'جافي' والعديد من المنظمت والبرامج الدولية الأخرى، على غرار برنامج 'كوفاكس' الذي يهدف إلى وصول اللقاح على نحو عادل ومتكافئ إلى أكثر من 92 دولة محتاجة للمساعدات الإنمائية الرسمية بنهاية العام الحالي".

2. الإمارات العربية المتحدة

الفاعل الآخر حاليًا في الكوفي-سياسي في المنطقة العربية هو الإمارات، وهي التي أعلنت في آذار/ مارس 2021 عن شراكة مع شركة سينوفارم لتصنيع لقاحاتها محليًا. وقد أشارت صوفي زينسر،

49 "GSK and CureVac to Develop next Generation mRNA COVID-19 Vaccines," GSK, 3/2/2021, accessed on 14/1/2022, at: https://bit.ly/32h9ikS 50 Ludwig Burger & Yadarisa Shabong, "GSK, CureVac's next-gen COVID-19 Vaccine Shows Promise in Monkey Trial," Reuters, 16/8/2021, accessed on14/1/2022, at: https://reut.rs/3lfbHT7 أسامة أبو الرب، "منظمة الصحة العالمية: عبر الدعم من قطر يمكن بناء مستقبل أكثر صحة للناس بأفريقيا والعالم"، الجزيرة نت، 2021/6/21، شوهد في 2022/1/14، في: https://bit.ly/3E7zmxw 52 المرجع نفسه. 53 "UAE Launches COVID-19 Vaccine Production with China's Sinopharm," Reuters, 29/3/2021, accessed on 14/1/2022, at: https://reut.rs/3A5uzKC

في آذار/ مارس 2021، إلى أنه بالنسبة إلى الإمارات، "تعتبر دبلوماسية اللقاحات الصينية نقطة انطلاق لطموحاتها الجيوسياسية في المنطقة. بعيدًا عن كونها مستلمً سلبيًا، تخطط الإمارات العربية المتحدة لصنع اللقاحات وتوزيعها بوصفها مركزًا إقليميًا، وتوسيع دبلوماسيتها الخاصة في مجال اللقاحات". ومع أنّ الإمارات تمتلك حصةً في شركة موديرنا، فإنه لا يبدو حتى اللحظة أنها استخدمت لقاحها لكوفيد 19- بوصفه إحدى أدوات دبلوماسية اللقاحات والكوفي-سياسي، مع العلم أنها أرسلت لقاحات إلى مصر وتونس وسقطرى وجزر القمر وبيلاروسيا وسورية والأراضي الفلسطينية. وأعلنت الإمارات في نيسان/ أبريل 2021 أنها قد تساعد في بناء مصنع لإنتاج اللقاحات في إندونيسيا.

خامسًا: سياسات البحث العلمي العربية يف مجال الصحة ومستقبلاتها

1. واقع سياسات البحث العلمي العربية في مجال الصحة

يعاني البحث العلمي في الوطن العربي أزمةً مركّبة في كل الجوانب المتعلقة به، مقارنة بالدول المتقدمة الأخرى، تتحدد معالمها في حالة الفقر العامة في أغلب المجتمعات العربية، وافتقار دولها عمومًا إلى سياسة علمية وتكنولوجية واضحة المعالم، وضعف البنية التحتية للأبحاث النظرية والتطبيقية من مختبرات وأجهزة ومكتبات علمية، وضعف الإنفاق على البحث العلمي، وهجرة العقول العربية التي تستنزف مساهمة العلمء العرب في الناتج القومي لبلدانهم، إذ يعيش الكثير منهم في نصف الكرة الأرضية الغربي، واعتمد تمويل البحث العلمي في العالم العربي على القطاع الحكومي، وضعف التعليم الأساسي فيه، والنظرة السلبية للمجتمع العربي نحو البحث العلمي، والاستبداد السياسي المتمثل بفقدان حرية الرأي وغياب الديمقراطية في مناحي الحياة العامة. وبالنسبة إلى البحث العلمي الصحي تحديدًا، يبُرز مازن الحمدي أنّ البحوث الصحية في البلدان العربية تتسم على نحوٍ عام بتدني إنتاجيتها، سواء من حيث العدد أو الجودة. ويمكن أن يعزى ذلك إلى الأوضاع

54 Sophie Zinser, "For the UAE, China's Vaccine Diplomacy is a Steppingstone to its own Geopolitical Ambitions in the Region," South China Morning Post, 5/3/2021, accessed on 14/1/2022, at: https://bit.ly/3EbJEMS 55 Cathrin Schaer, "Vaccines are Latest Regional Power Play in the Middle East," Deutsche Welle, 15/07/2021, accessed on 14/1/2022, at: https://bit.ly/3yY8NqR لتفاصيل إضافية عن واقع البحث العلمي ومستقبلاته في العالم العربي، ينظر ضمن هذا العدد: موزة بنت محمد الربان، "منظومة العلم والتقنية في الوطن العربي: الواقع والمستقبل"؛ عز الدين البوشيخي، "نحو استشراف مستقبلات البحث في العلوم والتكنولوجيا العربية في ضوء تجارب دولية رائدة". مازن الحمادي، "البحث العلمي بالقطاع الصحي في المنطقة العربية: الواقع وآليات التطوير"، آراء حول الخليج، 2019/7/11، شوهد في 2022/1/14، في: https://bit.ly/3hkyNqg

السياسية غير المستقرة، والنزاعات القائمة في العديد من هذه البلدان، وهجرة الأدمغة، ونقص التمويل، والافتقار إلى البنية التحتية المناسبة من حيث الأجهزة والمعدات. وإذا استمر هذا الواقع عربيًا، فإنه لن يساعد أبدًا في تحقيق إنجازات في مجال الصحة، فضلً عن تحقيق اختراقات في تطوير لقاحات أو علاجات لكورونا. وتعتبر هادية العود البهلول أنّ واقع البحث العلمي في الدول العربية عمومًا يتطلب إجراءات جذرية وجادة على عدة مستويات، بدءًا من الوعي بأهمية العلم والبحث العلمي في تنمية المجتمعات، ووضع المهارات الفعالة في مواقع صنع القرار، وصولً إلى الإصلاح المعمق لنظام التعليم على كل المستويات وتطوير الإدارة، وتوفير الميزانيات الكافية للبحث من خلال مشاركة القطاع الخاص في التمويل، وإنشاء آليات لتحفيز القيام بذلك، واستهداف البحث التطبيقي وأولويات التنمية في كل بلد.

2. مستقبلات البحث العلمي العربي في مجالات لقاحات كورونا وعلاجاتها

على الرغم من هذا الواقع الصعب للبحث العلمي الصحي عربيًا، فإنّ صانع القرار قادر على اتخاذ إجراءات سريعة وفعالة، عبر توفير التمويل والدعم اللوجستي والبحثي، للتعامل مع ما فرضته جائحة كورونا. وعلى وجه التحديد، تبرز في نظرنا ثلاثة مجالات رئيسة على صانع القرار تعزيز توجيه البحث العلمي الطبي المتعلق بلقاحات كورونا وعلاجه نحوها:

أ. الذكاء الاصطناعي

يكتسي الذكاء الاصطناعي أهميةً كبرى في المجال الطبي، ويُعدّ أحد أهم معالم مستقبلاته؛ "[ففي] العقد الماضي، قدمت النمذج القائمة على التعلم الآلي، والمدربة على جزيئات حيوية معينة، طرائق تنفيذ غير مكلفة وسريعة لاكتشاف علاجات فيروسية فعالة [...] إذا تمّ تقديم بيانات كافية للنموذج، فيمكن أن يساعد في البحث عن عقار أو لقاح مرشح عن طريق تحديد الأنماط داخل البيانات". ومثالعلى ذلك، طوّر العلمء في شركة "جانسين للبحث والتطوير" (Development & Research Janssen)، لقاح "جونوسن أند جونسون" المضاد لكوفيد 19-، بالتعاون مع باحثي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، بتطبيق الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي للمساعدة في توجيه جهود الشركة البحثية نحو تطوير اللقاح.

هادية العود البهلول، "واقع البحث العلمي في البلدان العربية: المعوقات ومقترحات للتطوير (حالة تونس)"، مجلة مستقبل العلوم الاجتماعية، مج 5، العدد 1 (نيسان/ أبريل 2021)، ص.86-85 59 Keshavarzi Arshadi Arash et al., "Artificial Intelligence for COVID-19 Drug Discovery and Vaccine Development," Frontiers in Artificial Intelligence, vol. 3, no. 65 (2020), p. 65. Terri Park, "Behind Covid-19 Vaccine Development: A Machine Learning Model Developed Jointly by Janssen and MIT Data Scientists Played a Key Role in the Clinical Trial Process for the Johnson & Johnson Covid-19 Vaccine," MIT News (MIT Schwarzman College of Computing), 18/5/2021, accessed on 14/1/2022, at: https://bit.ly/3lhw6Hi

ب. تكنولوجيا النانو

يُعد المجال الطبي أيضًا أحد أهمّ مجالات تكنولوجيا النانو، لا سيم في بعض المجالات "الثورية" للعلاج، مثل "المواد الهجينة الحيوية" أو "الروبوتات النانوية". وفي مجال اللقاحات، "أدّت تكنولوجيا النانو دورًا مهمً في نجاح لقاحات الحمض النووي المرسال مثل فايزر-بيونتك وموديرنا. تساعد الجسيمت النانوية (NPs) في تحسين الاستقرار من خلال حمية الحمض النووي المرسال المغلف من "الريبونيوكليز" (Ribonucleases) وتسهيل توصيل الحمض النووي المرسال السليم إلى الموقع المستهدف. يمكن أن يُعزى النجاح الساحق لهذين اللقاحين المعتمدين على الحمض النووي المرسال مع فاعلية تصل إلى 95 في المئة في التجارب الإكلينيكية في المرحلة الثالثة إلى الناقل النانوي الفريد: "الجسيمت النانوية الدهنية" ")LNPs(. أضف إلى ذلك أنّ الجسيمت النانوية الدهنية تعدّ فريدةً من نوعها، مقارنة بالجسيمت الشحمية الثنائية الطبقات، وتوفر ثباتًا محسنًا وتمتلك مورفولوجيا صلبة، وتساعد في اختراق خلوي أفضل. وهو ما يُظهر بجلاءٍ الفائدة المحتملة لطب النانو لمعالجة المشكلات الصحية في المستقبل، لا سيم ما يمكن أن يطرأ من ظواهر غير متوقعة، على غرار جائحة كورونا.

ج. علم الجينوم

منذ بداية الجائحة، كان واضحًا أنّ أجسام المرضى تستجيب بطريقة مختلفة. وهذا يتجاوز موضوع الأمراض المزمنة؛ ما قد يشير إلى دور تؤدّيه الوراثة والجينات في طبيعة ردة فعل الجسم على العدوى. وقد كشفت دراسة نشرت في مجلة نيتشر (Nature) عن عشرات المتغيرات الجينية التي لها ارتباط إحصائي قوي بفرص إصابة الشخص بفيروس كورونا، وتطور العدوى لديه إلى حالة مرضية خطيرة؛ وقد يشكل هذا الاكتشاف أيضًا نقطة انطلاق لتطوير علاج.

سادسًا: استشراف غد ما بعد جائحة كورونا يف البلدان العربية اعتمدت هذه الدراسة فرضية استمرار جائحة كورونا، واستبعاد سيناريو فقدان الفيروس قوته وشراسته تلقائيًا. فعلى الرغم من اللقاحات، من شأن ظهور سلالات جديدة أن يؤدي إلى ظهور موجات جديدة من التفشي، حتى في الدول التي سجّلت معدلات تطعيم عالية. وستظلّ الدول التي لا تصنّع اللقاحات تحت رحمة الدول المصنعة، والشركات التابعة لها. بل إنّ الدول المصنعة نفسها، التي تصنع جزءًا من

61 Amit Khurana et al., "Role of Nanotechnology Behind the Success of mRNA Vaccines for COVID-19," Nano Today, vol. 38 (June 2020). 62 Ibid. 63 Ewen Callaway, "The Quest to Find Genes that Drive Severe COVID," Nature, 8/7/2021, accessed on 14/1/2022, at: https://go.nature.com/3lcUwli

لقاحاتها على أراضي دولة أخرى ستبقى مهددةً بأن تمنع الأخيرة تصدير اللقاحات إذا واجهت نقصًا، كم حدث في سيناريو الهند الذي أشرنا إليه سابقًا.

1. شروط تصنيع لقاحات كورونا عربيًا

في ضوء ما سبق، وبالنظر إلى تعقّد مجال البحث العلمي والثورة البيوتكنولوجية التي ترافق الثورة الصناعية الرابعة، وتُعدّ أحد أسسها، يمكننا القول إنّ ما ينطبق على القنبلة النووية ينطبق على لقاحات كورونا. فحتى تمتلك دولةٌ السلاحَ النووي، ينبغي لها أن تكون لديها القدرة العلمية والمواد الخام ومنشآت التصنيع على أراضيها. وما قامت به الهند من وقف تصدير اللقاحات هو مثالٌ صارخ على ما يحدث، عندما يتمّ تصنيع اللقاح في أراضي دولة أخرى، وهو ما يمكن أن يتكرر في أي لحظة. ينبغي للدولة أيضًا أن تكون قادرةً على تجهيز المواد الخام حتى تستمر في التصنيع، وذلك حتى لو توقف توريد المواد الأولية لها من الشركة المنتجة اللقاح. وقد يكون تطبيق هذه الشروط صعبًا (مثلً حتى فايزر وأسترازينيكا تصنعان جزءًا من لقاحاتها خارج أميركا وبريطانيا)، ولكن مع ذلك يجب اعتبارها الحالة المثالية التي يتعين الوصول إليها في وقت ما. وفي هذا الصدد، ينبغي العمل عربيًا على إنتاج لقاحات كورونا محليًا، عبر مصانع موجودة داخل الدول العربية نفسها. وإن كانت تجارب البدء في تصنيع اللقاحات محليًا في مصر والمغرب، وتجارب الاستثمر في الشركات الرائدة عالميًا في هذا المجال مع قطر والإمارات، والتي أشرنا إليها سابقًا، تعدّ خطوةً في الطريق الصحيح وواعدة، فإنها تظلّ غير كافية وفي حاجة إلى استكملها من خلال وضعها ضمن منظومة متكاملة للبحث العلمي الصحي وللصناعات الصحية.

2. شروط نجاح سياسات الاستثمر العربية في اللقاحات

عبر تصنيع اللقاحات محليًا، في إمكان الدول العربية تحقيق الاكتفاء الذاتي من اللقاحات، وتحقيق معدلات تطعيم عالية تقود إلى تعافي الاقتصاد وإعادة فتح البلاد، والحصول على عائد اقتصادي عبر تصدير اللقاحات. كم أنه بالنسبة إلى الدول الخليجية، من شأن صناعة اللقاحات أن تساعدها في تنويع اقتصادها وتقليل الاعتمد على النفط، والتميز في المجال البيوتكنولوجي. وسيمكّن تصنيع اللقاحات الدول من تحقيق مكاسب في الكوفي -سياسي وتحويلها إلى تقدم جيوسياسي. فعلى سبيل المثال، تستطيع مصر عبر تصدير اللقاحات إلى الدول الأفريقية أن تحشد المزيد من الدعم في خلافها مع إثيوبيا حيال ملف سدّ النهضة. كم في إمكان المغرب أن يحوّل مكاسبه في الكوفي-سياسي إلى دعمٍ أفريقي أوسع لرؤيتها حيال قضية الصحراء. وعلى نحو أكثر تحديدًا، لنجاح سياسات الاستثمر في اللقاحات، ننبه صانع القرار العربي إلى جوانب يجب مراعاتها:

أ. الفاعلية

تكتسي فاعلية اللقاحات أهميةً كبرى؛ نظرًا إلى أنّ فاعلية لقاحات كورونا تتفاوت كثيرًا. فمثلً، تبلغ معدلات فاعلية لقاح فايزر-بيونتك وموديرنا أكثر من 90 في المئة. في المقابل، فاعلية سينوفارم أكثر من 70 في المئة، و"أسترازينيكا" 66 في المئة، و"سبوتنك في" 90 في المئة. يُضاف إلى ذلك تدنّ فاعلية لقاحات كورونا مع الزمن، وضرورة إضافة جرعاتٍ معزّزة للحفاظ عليها. وأخيرًا، من المهم أيضًا متابعة مدى فاعلية أي لقاحٍ بالنسبة إلى السلالات المستجدّة التي تظهر.

ب. الشفافية

ينبغي التأكد من مشاركة الجهة المصنّعة للقاح للمعلومات بطريقة شفافة. فعلي سبيل المثال، وافقت وزارة الصحة الروسية على لقاح سبوتنيك في آب/ أغسطس 2020، أي قبل أكثر من شهر من نشر نتائج تجربته للمرحلتين الأولى والثانية، وحتى قبل أن تبدأ تجربة المرحلة الثالثة، على الرغم من أنّ دراسات أظهرت لاحقًا فاعليته. وإلى حدّ اليوم، لم تصرح منظمة الصحة العالمية ووكالة الأدوية الأوروبية بعدُ للقاح سبوتنيك للاستخدام في حالات الطوارئ، بسبب نقص الوصول إلى البيانات الأولية من التجارب، والمخاوف بشأن الآثار الجانبية النادرة. وينطبق ذلك أيضًا على بعض اللقاحات الصينية. وهو ما يجعل مسألة الشفافية أساسية في أي استثمرات عربية مقبلة في اللقاحات، سواء بالنسبة إلى مدخلاتها، أو مخرجاتها ونتائج التجارب السريرية عليها.

ج. التوزيع

من الضروري أن تكون الشركة الأم المطورة للقاح قادرةً على تزويد المصنّع المحلي بالمواد الأولية من دون مشكلات. كم ينبغي التأكد عند استيراد المواد الخام من مطابقتها للمواصفات الأصلية نفسها.

3. خيار اللقاحات الغربية

قد يبدو أفضل التفكير في الاستثمر في اللقاحات الغربية، ولكن نعتقد أنّ هناك مشكلتين أساسيتين في ذلك. فبالنسبة إلى لقاحات فايزر، وموديرنا، و"جونسون أند جونسون"، يبدو أنّ الشركات المطورة ليست مهتمةً، على الأقل في الفترة الحالية، بتوسيع صادراتها خارج حدود أوروبا وأميركا. وقد يكون هذا ناجمً عن الانكفائية التي أضحت تصف السلوك الأميركي والأوروبي مع حلول الجائحة، ونتيجة تأمين هذه الشركات صفقاتٍ مجزية مع الدول الغربية. أما بالنسبة إلى لقاح أسترازينيكا، فعلى الرغم من رخص سعره مقارنةً باللقاحات السابقة، فإنّ المخاوف المتعلقة بالجلطات وتاريخ الخلافات مع الاتحاد الأوروبي قد تشير إلى أنه على المدى البعيد لن يكون خيارًا جذابًا. ويبدو أنّ الأوروبيين سيستغنون عنه بمجرد حصولهم على جرعات كافية من اللقاحات السابقة، وأنهم لن يطلبوا شحنات جديدة منه.

64 "EU has not Ordered AstraZeneca Vaccines beyond June - Commissioner," Reuters, 9/5/2021, accessed on 14/1/2022, at: https://reut.rs/3tArv6U

من جهته، يسير لقاح كيورفاك جيدًا وبخطى ثابتة، وهو مبنيّ على تقنية لقاحَي "فايزر" وموديرنا نفسها. ومن المتوقع، بناءً على المؤشرات الأولية التي بين أيدينا، أن تنجح الشركة خلال الأشهر المقبلة في الحصول على نتائج فاعلية مرتفعة وطرحه. وتمثل حالة دولة قطر نموذجًا مهمً في هذا الصدد؛ على اعتبار أنها استثمرت في شركة كيورفاك. ونرى أنه عليها المضيّ أبعد في هذه الشراكة، بالسعي إلى الاتفاق مع كيورفاك لإنشاء مصنع لإنتاج اللقاح في قطر. ويمكن البدء في الإنشاءات اللوجستية الآن، بحيث يكون في الإمكان عند جاهزية اللقاح البدء في تصنيعه مباشرة. وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى تعزيز القوة "الكوفي-سياسية" لدولة قطر، والمساعدة في التنويع الاقتصادي، وتنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتمد على الغاز، وفقًا لمنظور "رؤية قطر الوطنية 2030". ومع استضافة كأس العالم في أواخر عام 2022، ووفقًا للأرقام الرسمية، تتوقع قطر زيارة 1.5 مليون مشجع لحضور كأس العالم. وسيكون من المناسب أن تضع قطر هدفًا لها تصنيع 3 ملايين جرعة من لقاح كيورفاك على أرضها، لتغطي المشجعين قبل أشهر من البطولة. وفي إمكان دولة قطر أن تزود الدول التي سيصل منها مشجعون بجرعات من لقاحات كيورفاك، لتقوم بعدها بشحن هذه الجرعات إلى الدول التي سيأتي منها المشجعون، كل دولة وفق عدد المشجعين الذين اشتروا البطاقات وحجزوا منها. وهو ما من شأنه أن يعزّز مكانة قطر الدولية والجيوستراتيجية، ويزيد الشعور بالثقة لدى الجمهور العالمي حول الحمية من كورونا خلال البطولة ومن شأن التصنيع المحلي للقاح في قطر أن يساعد كذلك على توطينه، وتدريب كفاءات محلية.

4. الاستثمر في علاجات كورونا

مع أنّ العالم حقق نجاحًا مذهلً في تطوير لقاحات فعالة لكوفيد 19-، فإنّ هذا لم ينطبق على تطوير علاجات. ولذا، يُوصى صانع القرار العربي بالاستثمر في الصناعات الدوائية عمومًا، وخاصة المستلزمات الطبية المهمة لمرضى كوفيد 19-، مثل الأكسجين. وفيم يلي بعض الأدوية التي تجرى عليها دراسات وقد تحمل إمكانية أن تكون علاجًا فعالً لكوفيد 19-؛ ومن ثمّ أهمية متابعتها عربيًا بدقة، والاستثمر في تصنيعها أو أبحاثها، مع ظهور بيانات أكثر تدعم فاعليتها ضد كوفيد:19-

أ. "ريمديسفير"

ريمديسفير (Remdesivir)، وهو مضاد للفيروسات في الأصل لعلاج "التهاب الكبد الفيروسي ج" (Hepatitis C)، قبل أن يتمّ اختباره ضد الإيبولا. وفي الاتحاد الأوروبي، جرى ترخيصه لعلاج كوفيد 19- لدى البالغين

65 Julia Robinson, "Everything you Need to Know about the COVID-19 Therapy Trials," The Pharmaceutical Journal (August 2021), accessed on 14/1/2022, at: https://bit.ly/3k4RK2a

والمراهقين المصابين بالتهاب رئوي ويحتاجون إلى أكسجين إضافي. غير أنّ فاعليته لا تزال قيد الدراسة، إذ أصدرت منظمة الصحة العالمية في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 توصيةً مشروطة ضد استخدامه.

ب. مزيج "لوبينافير/ ريتونافير"

لوبينافير/ ريتونافير (ritonavir Lopinavir/) وهم من "مثبطات بروتياز الأسبارتات من النوع 1 لفيروس نقص المناعة البشرية" (Inhibitors Protease Aspartate 1 Type HIV)، المشار إليها لعلاج عدوى فيروس العوز المناعي البشري المكتسب، بالاشتراك مع الأدوية الأخرى المضادة للفيروسات القهقرية. وهو موصى به للاستخدام لعلاج كوفيد 19- في العديد من البلدان، كإيطاليا وفرنسا.

ج. "فافيبيرافير"

فافيبيرافير (Favipiravir)، وهو مضاد فيروسي مع نشاط مخبري ضد فيروسات مختلفة، بما في ذلك فيروسات كورونا. وهو مرخص في اليابان والصين لعلاج الإنفلونزا.

د. "ديكساميثازون"

ديكساميثازون (Dexamethasone)، وهو ستيرويد يقلل الالتهاب عن طريق محاكاة الهرمونات المضادة للالتهابات التي ينتجها الجسم، وهو مناسب فقط لمرضى كوفيد 19- الموجودين بالفعل في المستشفى ويتلقون الأكسجين أو التهوية الميكانيكية، ويعدّ أول دواء يظهر أنه يحسن البقاء على قيد الحياة في مرضى كوفيد.19-

ه. "بلازما النقاهة"

بلازما النقاهة (Plasma Convalescent)، وهي بلازما غنية بالأجسام المضادة لشخص تعافى من كوفيد 19-. وتوجد بعض الأدلة التي تشير إلى الفوائد المحتملة لبلازما النقاهة لدى مرضى كوفيد 19-. وقد تمت الموافقة على استخدامها لدى المرضى ذوي الحالات الحرجة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

5. منظومات التنبؤ

ختامًا، إن بناء منظومات متابعة وتنبؤ هو إحدى أولويات المستقبل لإرساء أنظمة صحية متكاملة، والغرض منها هو الحصول على تقييمت الجوائح المحتملة مستقبليًا، وأماكن ظهورها، وآثارها المحتملة. وهو ما يتطلب الاستثمر في مراكز الأبحاث، واستخدام منظومات الذكاء الصناعي للحصول على تنبؤات أكثر دقة.

66 World Health Organisation, "WHO Recommends against the Use of Remdesivir in COVID-19 Patients," 20/11/2020, accessed on 14/1/2022, at: https://bit.ly/3BZU4gQ

وينبغي كذلك دمج التنبؤ الوبائي بالتنبؤ الاقتصادي والاجتمعي؛ إذ أظهرت جائحة كورونا أنّ الآثار في الدولة لا تقتصر على الوضع الصحي، بل تتعداها إلى الآثار الاجتمعية والاقتصادية والسياسية. فمنظمت التنبؤ الاقتصادي والاجتمعي تساعد صانع القرار على تجهيز شبكات دعم اجتمعي واقتصادي، للحفاظ على تماسك المجتمع خلال الجائحة المقبلة؛ سواء عبر تقديم الدعم الاقتصادي من خلال توفير مساعدات مالية أو خدمات مدعومة، أو عبر تقديم الدعم المعنوي للسكان من خلال وسائل الإعلام ورجال الدين والمؤثرين، وغيرهم.

خاتمة

أبرزت هذه الدراسة أنّ جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) قد شكلت أزمةً يمكن مقارنتها ب "حرب عالمية ثالثة"، تقع لقاحات كورونا في قلبها. ومع أنّ الكثيرين يرون أنّ العالم إما أن ينتصر بأجمعه وإما أن يهزم بأجمعه أمام كورونا، فإنّ الحقيقة هي أنّ هناك أطرافًا ستنتصر في هذه المعركة، وأخرى ستسقط ضحيةً لضعف البنية الصحية وحاجتها إلى اللقاحات. وكل دولة عاجزة عن تأمين لقاحاتها من كورونا قد تواجه مصيرًا يمكن تشبيهه ب "هيروشيم ثانية" في هذه "الحرب العالمية الثالثة". ومن ثمّ، عكفت الدراسة على تسليط الضوء على الأهمية الحيوية بالنسبة إلى الدول العربية في الأمد المنظور، بأن تعمل على إنتاج لقاحات كورونا محليًا عبر مصانع موجودة داخل الدولة، لا سيم من خلال شركات دولية رائدة في هذا المجال؛ ما من شأنه أن يمكّنها من تحقيق الاستقرار والأمن الصحي والمعنوي لمواطنيها، من خلال تحقيق الاكتفاء الذاتي من اللقاحات، وتحقيق معدلات تطعيم عالية تقود إلى تعافي الاقتصاد، والحصول على عائد اقتصادي عبر تصدير اللقاحات، وتنويع الاقتصاد، فضلً عن تحقيق مكاسب في الكوفي-سياسي، وتحويلها إلى تقدم جيوسياسي. وسلّطت الدراسة الضوء أيضًا على الأهمية القصوى لتعزيز البحث العلمي الطبي العربي المتعلق بلقاحات كورونا وعلاجه، وتوجيهه في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، وتكنولوجيا النانو، وعلم الجينوم. وأكدت في هذا الصدد أهمية عوامل فاعلية اللقاح، والشفافية في بيانات الشركة المصنعة الأصلية، ومدى مرونة شبكات التوزيع وموثوقيتها. وربطت معالم هذا الغد المأمول للأنظمة العلمية والصحية العربية بإنشاء منظومات متابعة وتنبؤ، للحصول على تقييمت للجوائح المحتمل وقوعها مستقبلً، وأماكن ظهورها وآثارها المحتملة.

المراجع

References

العربية

البهلول، هادية العود. "واقع البحث العلمي في البلدان العربية: المعوقات ومقترحات للتطوير (حالة تونس)". مجلة مستقبل العلوم الاجتمعية. مج 5، العدد 1 (نيسان/ أبريل.)2021 الحمدي، مازن. "البحث العلمي بالقطاع الصحي في المنطقة العربية: الواقع وآليات التطوير". آراء حول الخليج. 2019/7/11:. في https://bit.ly/3hkyNqg

الأجنبية

Alberts, Bruce et al. Molecular Biology of the Cell. 4 th ed. New York: Garland Science, 2002. Apolone, Giovanni et al. "Unexpected Detection of SARS-CoV-2 Antibodies in the Prepandemic Period in Italy." Tumori Journal. vol. 107, no. 5 (2021). Arash, Keshavarzi Arshadi et al. "Artificial Intelligence for COVID-19 Drug Discovery and Vaccine Development." Frontiers in Artificial Intelligence. vol. 3, no. 65 (2020). Blanchet, Pierre & Aurelien Strenta. "Geopolitics of the Vaccine." Cross Asset Investment Strategy (May 2021). at: https://bit.ly/3nqQJm6 Bollyky, Thomas J., Christopher JL Murray & Robert C Reiner Jr. "Epidemiology, not Geopolitics, Should Guide COVID-19 Vaccine Donations." The Lancet. vol. 398, no. 10295, 10/7/2021. at: https://bit.ly/3FugAjd Callaway, Ewen. "The Quest to Find Genes that Drive Severe COVID." Nature. 8/7/2021. at: https://go.nature.com/3lcUwli Domachowske, Joseph & Manika Suryadevara (eds.). Vaccines A Clinical Overview and Practical Guide. Cham: Springer Nature Switzerland AG, 2021. Edwards, Kathryn M., Walter A. Orenstein & David S. Stephens. The Covid-19 Vaccine Guide: The Quest for Implementation of Safe and Effective Vaccinations. New York: Skyhorse publishing, 2021.

Global Commission for Post-Pandemic Policy. "Covid-19 Vaccine Production, to July 31 st , 2021." 31/7/2021. at: https://bit.ly/3nko5E5 Hafner, Marco et al. COVID-19 and the Cost of Vaccine Nationalism. Santa Monica, CA: RAND Corporation, 2020. Huang, Yuan et al. "Structural and Functional Properties of SARS-CoV-2 Spike Protein: Potential Antivirus Drug Development for COVID-19." Acta Pharmacologica Sinica. vol. 41 (August 2020). Khurana, Amit et al. "Role of Nanotechnology Behind the Success of mRNA Vaccines for COVID-19." Nano Today. vol. 38 (June 2020). Kramps, Thomas & Knut Elbers (eds.). RNA Vaccines Methods and Protocols. Totowa, NJ: Humana press, 2017. Robinson, Julia. "Everything you Need to Know about the COVID-19 Therapy Trials." The Pharmaceutical Journal (August 2021). at: https://bit.ly/3k4RK2a Samarasekera, Udani. "India grapples with Second Wave of COVID-19." The Lancet Microbe. vol. 2, no. 6 (June 2021). Vilasanjuan, Rafael. "COVID-19: The Geopolitics of the Vaccine, a Weapon for Global Security." Fundación Real Instituto Elcano. 15/3/2021. at: https://bit.ly/2Vw4Zzc Woertz, Eckart & Roie Yellinek. "Vaccine Diplomacy in the MENA Rregion." Middle East Institute. 14/4/2021. at: https://bit.ly/3BZZPv2