Return to Article Details History of Science as a Gateway to the Renaissance of Arab Sciences

تاريخ العلوم مدخلًا لنهضة العلوم العربية

History of Science as a Gateway to the Renaissance of Arab Sciences

محمد أبطوي

الملخّص

ملخص:  يُعدّ تاريخ العلوم رافعةً أساسية لنشر الثقافة العلمية في الأوساط التربوية والثقافية وفي وسائل الإعلام، ومن شأن تكثيف حضوره في برامج التدريس في التعليم العالي أن يؤدّي دورًا حاسمً في استحضار البعد التاريخي للمعارف العلمية والنهوض بالعلوم العربية في المستقبل. لهذه الاعتبارات، نخصّص هذه الدراسة لبسط القول في مضمون هذا الموضوع ووظيفته ومنافعه المتنوعة، ونؤرخ لنشأته واشتداد عوده مُؤسَّسِيًّا ومِهنيَّا، وبشروط الإمكان التي بفضلها نما وتمكّن. وسعيًا إلى تطعيم الثقافة العربية المعاصرة بثقافة العلم، نختم بالتنبيه إلى ضرورة العناية بتقليد العلم العربي الكلاسيكي، واستئناف بحوث المدرسة العربية في تاريخ العلوم، سعيًا إلى وضع تاريخية المعرفة العلمية في خدمة البحث العلمي، بوصفه بوابةً للنهوض بالإنتاج العلمي بالعربية في المستقبل. كلمت مفتاحية:  العلوم العربية، تاريخ العلوم، تاريخ المعرفة، الثقافة العلمية، الإعلام العلمي. Abstract:  History of science is an excellent lever for the diffusion of scientific culture in education, culture and in the media. The intensification of its presence in teaching programs in higher education would have a decisive impact in highlighting the historical dimension of scientific knowledge in the advancement of Arab sciences in the future. The present article analyzes the contents of the discipline, its multifaceted role and its various advantages, and the conditions of possibility that helped it to develop. Seeking to strengthen contemporary Arab culture with the culture of science, the paper concludes by emphasizing the crucial need to resume research in the tradition of classical science Arabic as a gateway to the advancement of science production in Arabic in the future.

Abstract

History of science is an excellent lever for the diffusion of scientific culture in education, culture and in the media. The intensification of its presence in teaching programs in higher education would have a decisive impact in highlighting the historical dimension of scientific knowledge in the advancement of Arab sciences in the future. We devote the present article to analyze the contents of the discipline, its multifaceted role and its various advantages, and the conditions of possibility that helped it to develop. With the aim of strengthening contemporary Arab culture with the culture of science, we conclude by emphasizing the crucial need to resume research in the tradition of Arabic classical science, as a gateway to the advancement of science production in Arabic in the future.

الكلمات المفتاحية:
  • العلوم العربية
  • تاريخ العلوم
  • تاريخ المعرفة
  • الثقافة العلمية
  • الإعلام العلمي
Keywords:
  • Arabic Science
  • History of Science
  • History of Knowledge
  • Scientific Culture
  • Science Journalism

Received التسلمRevised التعديل Accepted القبولDOI الرقم التعريفي https://doi.org/10.31430/LFZV8036

ووظيفته ومنافعه المتنوعة، ونؤرخ لنشأته واشتداد عوده مُؤسَّسِيًّا ومِهنيَّا، وبشروط الإمكان التي بفضلها نما وتمكّن. وسعيًا إلى تطعيم الثقافة العربية المعاصرة بثقافة العلم، نختم بالتنبيه إلى ضرورة العناية بتقليد العلم العربي الكلاسيكي، واستئناف بحوث المدرسة العربية في تاريخ العلوم، سعيًا إلى وضع تاريخية المعرفة العلمية في خدمة البحث العلمي، بوصفه بوابةً للنهوض بالإنتاج العلمي بالعربية في المستقبل. كلمت مفتاحية:  العلوم العربية، تاريخ العلوم، تاريخ المعرفة، الثقافة العلمية، الإعلام العلمي. Abstract:  History of science is an excellent lever for the diffusion of scientific culture in education, culture and in the media. The intensification of its presence in teaching programs in higher education would have a decisive impact in highlighting the historical dimension of scientific knowledge in the advancement of Arab sciences in the future. The present article analyzes the contents of the discipline, its multifaceted role and its various advantages, and the conditions of possibility that helped it to develop. Seeking to strengthen contemporary Arab culture with the culture of science, the paper concludes by emphasizing the crucial need to resume research in the tradition of classical science Arabic as a gateway to the advancement of science production in Arabic in the future.

Researcher at the Doha Historical Dictionary of Arabic, The Arab Centre for Research and Policy Studies. E-mail: mohamed.abattouy@dohainstitute.org

مقدمة

لا يخفى على أحد أنّ واقع البحث العلمي في البلدان العربية لا يرقى إلى مستوى التطلعات، كم تُبيّ ذلك بوضوح دراسات عدّة ضمن هذا العدد من استشراف. وسعيًا لتجاوز هذا الوضع، نقترح مبادرةً قابلةً للتحقيق تهدف إلى الحفاظ على شعلة العلم متَّقدةً في المجتمعات العربية، إلى أن تنشأ المنظومة العربية للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، وتُوضَع في خدمة برنامج التنمية المستقلة. ونقترح، في سبيل هذا المسعى، التركيز على نشر الثقافة العلمية من أجل ترويج ثقافة العلم، عبر إنشاء شبكة من متاحف العلوم، وتطوير الإعلام العلمي، والتدريس الكثيف لتاريخ العلوم في التعليم العالي، باستهدافٍ خاص للطلاب العلمييّن. يُقصد بالثقافة العلمية مجموع المعارف التي تفرزها العلوم وتوضع في متناول المتعلّمين والمواطنين، وتعكس تفاعل منظومة العلوم مع المجتمع من أجل تكوين ثقافة مميَّزة يشترك فيها أكبر عدد ممكن من الناس. وينتج من نشر الثقافة العلمية التشبع بالمنهجية العلمية واتخاذ موقف عقلاني في الرؤية إلى العالم يكون من أهم مكوناته استبطان قويّ للسببية. ويساير هذا السعي، بصفة محدّدة، تربية الناشئة على الفكر النقدي، وعلى المعارف العلمية في سنّ مبكرة. وتدخل سياسات نشر الثقافة العلمية في باب المبادرات المواطِنة، باعتبار أنّ تلقِّي الثقافة العلمية حقٌّ من حقوق المواطن وواجباته على الدولة، التي عليها أن تضطلع بتوعية الجمهور وتثقيفه. وبسبب أهمية الثقافة العلمية بهذا المعنى، وهو الذي يعنينا في هذه الدراسة، وضعت بلدان عدّة استراتيجيات وطنية لوضع معارف العلوم ونتائجها تحت تصرف المواطنين وللاستجابة لرغبتهم في المعرفة. تُنشَ ثقافة العلم من خلال مؤسسات ومنصّات مهيَّأة لهذا الغرض، وأهمها ثلاث منصّات مجسّدة عالميًا بوفرة، ومنتشرة على نطاق واسع، وتؤدي دورًا جوهريًا في نشر الثقافة العلمية في المجتمع. أولاها مَتاحِف العلوم، وهي مؤسسات متحفية تعرض بصفة ترفيهية النتائج العلمية، وتقرّبها من الأذهان، خاصةً لدى الناشئة والشباب لتشجيع المواهب العلمية. وقد نحت متاحف العلوم في بداياتها إلى تقديم عروض ثابتة لمعروضات تمثِّل التاريخ الطبيعي والآلات الصناعية، وباتت حاليًا تركّز على العروض التفاعلية. ومن ثم تحوّلت تسميتها إلى مراكز للعلوم ومتاحف للاكتشاف تمتزج فيها النظريات العلمية بالمنتجات التكنولوجية. وتُعلي النشاطات المنظمة في متحف العلوم من شأن المواضيع ذات

بشأن الثقافة العلمية، ينظر: خضر الشيباني، "قراءة في حال الثقافة العلميّة العربية"، في: الابتكار أو الاندثار: البحث العلمي العربي؛ واقعه وتحدياته وآفاقه. التقرير العربي العاشر للتنمية الثقافية (بيروت: مؤسسة الفكر العربي، 2018)، ص 223-203؛ Benoit Godin & Yves Gingras, "What is Scientific Culture and How to Measure It," Public Understanding of Science, vol. 9, no. 1 (2000), pp. 43-58; Guadalupe Díaz Costanzo & Diego A. Golombek, "The Quest for Scientific Culture," Journal of Science Communication, vol. 19, no. 1 (2020), pp. 1-4; ينظر أيضًا الوثيقة الرسمية الفرنسية: Ministère de l'enseignement supérieur et de la recherche (MESR), Ministère de la culture et de la communication-France, "Stratégie nationale de culture scientifique technique et industrielle, 2017," accessed on 30/12/2022, at:https://bit.ly/3Hjj5Xh

الوقع المباشر على الحياة اليومية للمجتمع، مثل الطيران والفضاء والهندسة الوراثية وتقنيات المعلومات والاتصالات. وتُقدَّم الابتكارات في هذه الميادين وغيرها، بأسلوبٍ شيّق وجذاب، لتقريب نتائج العلم والتكنولوجيا إلى الأذهان، من دون تبسيط مفرط يُخِلّ بجوهر المعرفة العلمية. ويولي متحفُ العلوم الأبعادَ التربوية والبيداغوجية اهتممًا خاصًا، لإفادة طلبة المدارس والجامعات الذين يزورونه لتوسيع فهمهم للمقررات العلمية ولدفعهم إلى الانكباب على المواد العلمية وجعل العلم النظري والتطبيقي جزءًا من هواياتهم وألعابهم المفضلة. ونذكر من المؤسسات المتحفية العربية من هذا الصنف أولً متحف العلوم بالقاهرة الذي أنشِئ في عام 1960، ومدينة العلوم بتونس المحدَثة عام 1992 ل "نشر الثقافة العلمية بكامل تراب الجمهورية وبين مختلف فئات المجتمع وخاصّة في صفوف الناشئة". وبرزت مؤخرًا بذرات لمتاحف مخصَّصة للعلوم في عدة بلدان عربية، نذكر منها القبة الفلكية، بالحي الثقافي كتارا بالدوحة، وهي تمثِّل خطوةً متقدمة لإنشاء متحف علوم بقطر؛ ومتحف العلوم والتقنية في الإسلام، بجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنيات بالسعودية، وهو يهدف إلى التوعية بإنجازات العلمء المسلمين في مجالات العلوم والتقنية. من جهةٍ أخرى، يعدّ الإعلام العلمي تخصُّصًا صحافيًا موضوعه العلم وتطبيقاته، تُفرَد له ملحقات وملفات في الصحف، وبرامج وثائقية وتلفزيونية، ودوريات تتابع ما يجري في مجالات العلوم وتبسّط المعارف والنظريات العلمية المعقّدة. ويغطي هذا الإعلام الأحداث العلمية ويتوجَّه إلى الجمهور العام، ويمثِّل أوجه التفاعل بين العلمء والصحافيين والجمهور. وإن كان لا يوجد تحديدٌ دقيق لمستوى المعرفة العلمية المتوافرة للجمهور المستهدَف بالتواصل العلمي، إذ يختلف هذا المستوى من مجموعة إلى أخرى وبحسب المواضيع، فعلى وجه على العموم، تُناط بالتواصل العلمي الموجّه إلى الجمهور مهمة توصيل المعلومات العلمية على نطاقٍ واسع، ويتجسد ذلك في الصحافة العلمية ومتاحف العلوم. وتخلص دراسة حديثة لوضع الإعلام العلمي العربي إلى أنه لا يزال دون المستوى المطلوب، وهناك حاجة ملحة إلى تطويره، من أجل تجاوز هيمنة الخبر في تقديم الأحداث العلمية من دون تحليل ولا شرح. ومع ذلك، يجدر التنويه إلى أنّ للإعلام العلمي العربي تاريخًا طويلً نسبيًا، منذ نشر مجلتي يعسوب الطبفي القاهرة عام 1865، والجنانالمتخصصة في شؤون الزراعة والبستنة ببيروت عام 1870، ثم تلتهم منذ عام 1876 مجلة المُقتطفالشهيرة التي صدرت بانتظام حتى عام 1952. وبعد ذلك، دخل الإعلام العلمي

تحتضن مدن العالم مئات من متاحف العلوم. يُنظر في ذلك: موقع جمعية مراكز العلوم والتكنولوجيا، شوهد في 2021/12/30، في: http://astc.org ينظر: الموقع الإلكتروني لمدينة العلوم بتونس، شوهد في 2021/12/30، في: http://www.cst.rnu.tn ينظر: الموقع الإلكتروني لكتارا، شوهد في 2021/12/30، في: https://tinyurl.com/3kjpa2pv ينظر: الموقع الرسمي للمتحف، شوهد في 2021/12/30، في: https://museum.kaust.edu.sa Sam Illingworth, Grant Allen, Effective Science Communication: A Practical Guide to Surviving as a Scientist (Bristol, PA: IOP Publishing, 2020), pp. 1-5. عبد الله سليمان القفاري، "الإعلام العلمي ودوره في بناء الثقافة العربية." في: الابتكار أو الاندثار، ص.519-505

العربي إلى صحيفتين عريقتين، هم الأخبار والأهرامبمصر اللتان أفردتا بدايةً من عام 1954 مساحاتٍ للأخبار البيئية والعلمية. وفي عام 1986، أطلقت مؤسسة الكويت للتقدم العلمي مجلة العلوم بالتعاون مع مجلة ساينتفك أميركان)Scientific American(. بصلةٍ بموضوع هذا العدد الخاص للكتاب السنوي استشراففي موضوع "استشراف تحولات العلوم والتكنولوجيا: بوابة العرب إلى المستقبل"، سنخصّص الدراسة لأحد مكونات هذه الثلاثية الحامِلة للثقافة العلمية، والمؤسسة بالنهوض بالعلوم العربية في المستقبل، من خلال التركيز على مبحثٍ أكاديمي يتعلق بالتدريس والبحث هو "تاريخ العلوم"، الذي يعدّ رافعةً أساسيةً لنشر الثقافة العلمية في الأوساط التربوية والثقافية والإعلامية. ومن شأن تكثيف حضور هذا المكوّن في برامج التدريس في التعليم العالي، خاصةً لطلاب العلوم، أن يؤدي دورًا حاسمً في إيصال ثقافة العلم في بعدها التاريخي، وفي النهوض بالعلوم العربية في المستقبل.

أولً: العلم والتاريخ: تلاقح متبادل

تاريخ العلوم مبحث أكاديمي يفعّل منهجية التاريخ في دراسة تاريخيّة المعرفة العلمية، وموضوعه التطوّر التاريخي للمعارف العلمية وتَفاعُلها مع البيئة الاجتمعية والثقافية، منذ الزمن القديم حتى اليوم، في جميع التقاليد الثقافية. وينصبّ الاهتمم في تاريخ العلوم بصفة حصرية على علوم الطبيعة والمنطق، ويشكِّل المبحث اليوم أحد المكوّنات الرئيسة في مجال بحث واسع ومزدهر يُعرَف بالدّراسات العلميّة (Studies Science)، كم يُجاور حقولً أكاديمية أخرى تشترك في إنتاج خطاب نقدي حول العلوم، وهي "فلسفة العلوم"، و"سوسيولوجيا العلوم". ويجمع تاريخ العلوم بين العِلم وتاريخِه؛ فموضوعه المعرفة العلمية، في تحوّلها عبر الزمن، وفي تفاعلها مع البنى الاجتمعية والأطر الثقافية المحيطة. وتربط العِلم بالتاريخ أواصر لا تنفصِم، تَشكَّلت في علاقتهم الممتدة في الزمن. ومن أجل فهم المهمة الخاصة لتاريخ العلوم، ينبغي أولً رصد معالم هذا الرِّباط الخاص الذي يُحدِّد للمبحث منهجيته ووظيفته. فالتاريخ هو الزمن الطويل الممتد الذي يؤطِّر التجربة الإنسانية، وهو أيضًا الفنّ المُركِّب للأحداث التي يعيد بناءها انطلاقًا من اهتممات الحاضر. ألا يُقَال إنه لا شيء يتغير بسرعة تفوق تلك التي يتحوّل بها الماضي السّاكِن؟ يعيد التاريخ بناء الماضي على أساس الوثائق والمعطيات المتوافرة، ويُخضِعها لتحليل نقدي بهدف تفسير الديناميات المجتمعية الماضية. وفي سياق ذلك التحليل، يسعى المؤرخ للإجابة عن أسئلة تنبثق من

ينظر: عماد بشير، "الإعلام العِلمي العربي الرقمي"، في: الابتكار أو الاندثار، ص.531-521 Alexandre Koyré, Études d'histoire de la pensée scientifique (Paris: PUF, 1966), p. 253.

انشغالات حاضره. وهذا ما يجب أن تَتنبَّه إليه كل نظرية في كتابة التاريخ، لكي تنيط بالبحث التاريخي بناء سردية تراجعية لأحداث الماضي ومعارفه تُوجِّهها وتَحكُمها انشغالاتٌ راهِنة. أما العِلم، فهو تلك المعرفة المُنظَّمة القائمة على بُرهان داخلي، وتَقبَلها الجمعة العلمية بحسب هذا المعيار، وحين تنجح في المرور من أطوار المراقبة الداخلية، تصير معرفةً مشتركة. وقد ساهَمتْ في تشييد الصَّح العلمي الشامخ جميعُ الثقافات الإنسانية، كلٌّ واحدة بحسب ظروفها المادية. وتشكّل المعرفة العلمية أيضًا السعي الإنساني الأكثر تنظيمً من أجل فهم العالَم، وهي ذلك القِسم من الثقافة المتمتِّع بأعلى درجات العمومية، والقادر على تجاوز جميع عراقيل الخصوصية والمحلّية بسهولة تفوق كلّ المحاولات الأخرى. للعِلم تاريخ طويل يعدُّه العمق الزمني للثقافات الإنسانية كافّة. ومنذ الثورة الصناعية، أصبح قويًّا مُهاب الجانب، وبات يُعدُّ في العقود الأخيرة، رفقة التكنولوجيا، عاملً رئيسًا في تحديد المصير الإنساني. وقد نما العلم تدريجيًا، واشتدّ عوده حتى صار اليوم، في حلّته الراهنة، العلامة المميزة لعصرنا، ويحتلّ موقع المركز في الحياة المعاصرة. وسواء قبلناه أو رفضناه، كلنا نحيل عليه بطريقة أو بأخرى، ويستحيل الخروج من الإطار الذي يقيمه حولنا. ولذا حينم نفكر في الماضي نستحضِ التاريخ، وحينم نفكر في المستقبل نلتفِت إلى العلم. يبني العلم على ماضيه، لكنه أيضًا يتجرّد منه بفعل قوة إنجازاته المتتالية، فيبدو كل اكتشاف كبير رديفًا لولادة جديدة. وفي هذا السياق، يُطرح السؤال بشأن موقع تاريخ العلوم ووظيفته. فقد أنتَج العِلم على مدى ثلاث ألفيات علمء ينتمون إلى مختلف التقاليد الثقافية، وسجلت اكتشافاتهم الكيفيات المتنوعة المعوَّل عليها لفهم الظواهر الطبيعية، عبر تطبيق الرياضيات وإجراء التجارب والاختبارات. وتداخلت بحوثهم منذ القديم مع مختلف النشاطات الإنسانية، من إنجاز الحسابات والإحصاءات، ومراقبة السمء لأغراض اجتمعية ودينية، إلى التجريب في المخابر وفي ورَش الحرفيين والصُّناع. وأعاد تاريخ العلوم تركيب السّديّات الواصِفة لهذا التداخل، من الأرصاد الفلكية والقياسات الهندسية في الرياضيات البابلية المحفورة في الحجر، إلى تَجارِب غاليليو غاليلي (Galilei Galileo) (1642-1564) حول حركة الأجسام، والمدوَّنة في مخطوطاته الشخصية التي يُقبِل عليها المؤرخون اليوم بشهيّة منقطعة النظير.

10 Marc Bloch, Apologie pour l'histoire ou métier d'historien (Paris: Dunod, 2020 [1952]), pp. 25-30. ينظر الدراسة التي أعدَّها مركز دراسة المخاطر الوجودية بجامعة كامبريدج: Foresight: Science for Navigating Critical Transitions (Riyadh: S20 Saudi Arabia, 2021), accessed on 24/12/2021, at: https://tinyurl.com/5y36y9cb ويُنظر البحث الذي أعدّه مركز راتنو بهولندا: Leo Zonneveld, Huub Dijstelbloem & Danielle Ringoir (eds.), Reshaping the Human Condition: Exploring Human Enhancement (The Hague: Rathenau Institute, 2008), accessed on 24/12/2021, at: https://tinyurl.com/3ufce3c7 إننا جميعًا ورثة لاختراع العلم الحديث، بحسب عبارة الفيلسوفة البلجيكية إيزابيل ستِنغرس: Isabelle Stengers, L'invention des sciences modernes (Paris: La Découverte, 1993). ويكفي استحضار السياقات الراهنة لجائحة كورونا، لتبيّ هذه المكانة المركزية للعلم الحديث في عالمنا المعاصر.

وفي العصر الحديث، كم بيّ مؤرخ العلوم جيمس سيكورد، نشأ تاريخ العلوم بأوروبا وأميركا الشملية من أجل تنظيم العالَم الجديد بعدما حدّدت معالمه الهيمنة الأوروبية، حين اكتسى العلم بعباءة مميِّزة تحدّد هويته بوصفه منتجًا للإنسان الغربي الأبيض. واختفت هذه الصورة تمامًا في العقود الأخيرة، وعوّضتها أخرى مغايرة ترى العلم ثمرةً للتفاعل الشامل وللنزاع والتبادل على مدى التاريخ الإنساني الطويل. وتنتمي الكشوف العلمية بمختلف اللغات، ونشوء الجامعات بوصفها مؤسسات رئيسة للتعلّم في العصر الوسيط، وإعادة تنظيم المباحث العلمية في العصر الحديث، وانطلاق البحث الجينومي وعلوم الحاسِب الآلي واكتشاف الموجات الثَّقَالِيَّة في بداية الألفية الثالثة، إلى التغييرات الحاصلة في نظام المعارف وإطاره الاجتمعي والمؤسَسّي، وتدخل كلها في إطار تعدّد ثقافي لا يمكن نكرانه. على قاعدة التذكير بقوة الروابط التي تجمع العِلم بالتاريخ، والتي تشكل الأساس الذي قام عليه تاريخ العلوم، يجدر أن نعرّج أيضًا على الظروف الاجتمعية والمادية المساعِدة في انبثاق التمكين الأكاديمي للمبحث، في ظروف تميزت بتنامي الدور الاستثنائي المنوط بالعلوم والتكنولوجيا في العالم المعاصر. وأول عامل يتصل بموقع العِلم في ظل الحرب الباردة، حيث إنّ اندلاع المواجهة الشاملة بين المعسكرين الرأسملي والاشتراكي بعد الحرب الأهلية الأوروبية (1945-1914) أطلَق سياسة المشاريع العلمية الكبرى في مجالات التسلح النووي والتصنيع العسكري واستكشاف الفضاء. وبالموازاة، توسَّع الدعم الموجّه إلى البحث العلمي وحصلت تغييرات جذرية في تنظيمه المؤسَسّي بخلق المؤسسات الوطنية للبحوث العلمية في البلدان الغربية، ومنها المؤسسة الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة، والمركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا، وجمعية ماكس بلانك للتقدّم العلمي بألمانيا. من الطبيعي، إذًا، أن يفرز هذا الإقبال على المعرفة العلمية وتطبيقاتها اهتممًا خاصًا بالدراسات النقدية للعلوم، وضمنها تاريخ العلوم، الذي اقتحم منذ أربعينيات القرن الماضي برامج التعليم، من باب توسيع الاطلاع على خصائص المعرفة العلمية، وعلى كيفية تأهيل الأطر البشرية الكفيلة بتشكيل قوة علمية فاعِلة. وبالنتيجة، تطور تاريخ العلوم ونما بوصفه مبحثًا مستقلً في المؤسسات الأكاديمية الغربية في إطار تعاظم النزوع نحو فهم العلم ودينامياته في سياق تاريخي، وبادرت الجامعات ومؤسسات البحوث إلى إنشاء برامج لدراسات العلوم والتكنولوجيا بمسميات مختلفة، تلتقي حول الاهتمم بالأبعاد التاريخية والفلسفية للعلوم، سرعان ما تحول بعضها إلى أقسام وبنى بحث قائمة الذات؛ فارتفع عدد الباحثين في الميدان، وتنامى عدد المنشورات، كم تُبيِّ معطيات النشرة السنوية ل "بيبليوغرافيا تاريخ العلوم" التي تنشرها مجلة آيزيس، والتي تُوفِّر دليلً ممتازًا لرصد مؤشرات النشر في تاريخ العلوم. وقد استكشف القائمون على البيبليوغرافيا بدقّة المعلومات الواردة في 600 دورية عبر العالم، وسجّلوا عددًا سنويًا إجمليًا

13 James A. Secord, "What is the History of Science?" The British Academy, 14/1/2021, accessed on 20/12/2021, at: https://tinyurl.com/54pza6vy

للإصدارات يتجاوز بقليل 4000 كتاب ومقالة في بداية التسعينيات من القرن الماضي. أما بعد عام 2000، فقد تراجع العدد السنوي للمنشورات قليلً، وبات يتأرجح تحت العتبة الرمزية ل 3000 منشور.

ثانيًا: تجديد يف المنهج والموضوع والرؤية

تُؤشِّ البحوث المعاصرة في تاريخ العلوم إلى تجديد عميق في المبحث؛ في منهجيته ومواضيعه وخلاصاته. ويجسّد هذا التجديد توجهًا هيستوريوغرافيًا ذا أساسٍ سوسيولوجي أحدث تجديدًا عميقًا في المنهجية والمواضيع، واستخلص نتائج ذات دلالة قوية ومحيِّة في بعض الحالات، حين اخترقت حدود تاريخ العلوم وتماهت مع الدراسات الثقافية، مُتجاهِلةً طبيعة العلم باعتباره نمطًا خاصًا من المعرفة. إضافة إلى أنّ اجتهادات أخرى دعت إلى توسيع المبحث وتحويل تاريخ العلوم إلى تاريخٍ للمعرفة.

1. الانعطاف السوسيولوجي ومآلاته

يمثِّل الانعطاف السوسيولوجي لحظةً فارِقة في مسيرة تاريخ العلوم، ارتبط بتبني "البنائية الاجتمعية " (Constructivism Social)، وهو برنامج أبحاث يعتمد ركنه الأساسي على تفسير أحداث التاريخ العلمي على الإطار الاجتمعي والثقافي بصفة حصرية. وقد أعلنت البنائية الاجتمعية أنّ العلم تُنتِجه مجموعات متنوعة من الأفراد، ويجري هذا الإنتاج في سياق سيرورة اجتمعية معقَّدة. وقد أفضت البحوث التي أجريت في سياق هذا البرنامج البحثي إلى مُراجَعات جذرية شملت أحيانًا بعض النتائج الأساسية في تاريخ العلوم، وأدت إلى تركيز النظر على "الممرسة العلمية" (Practice Scientific)، أي شروط إنتاج المعرفة العلمية وكيفيتها، وعلى مواضيع بقيت خارج دائرة التقصي، تتصل بانتقال المعارف بين العلمء، ومن العلمء إلى الجمهور، ومن السياق المحلي إلى سياق أوسع. وفي هذا الإطار، بات التواصل موضوعًا للبحث يشمل طيفًا واسعًا من الأسئلة: لماذا تنتشر المعارف؟ وكيف؟ وما الشروط المتحكمة في تحولها من مِلكية خاصة إلى رؤية جمعية إلى العالَم؟ كم أنّ البحث والتقصي في مجالات الإنتاج والممرسة أبرزا أهمية الثقافة المادية للعلم التي تضم التجهيزات واللوازم التقنية الضرورية لإنجاز القياسات والتجارب. وقد انبثق التيار العريض للبنائية الاجتمعية في سبعينيات القرن الماضي، وكان له تأثير واسع في بريطانيا وشمل أميركا. ويمكن إجمل مقدماته النظرية في المزج بين "البنائية" (لا شيء معطى سلفًا، ولا معرفة من دون توسّط)، و"نزعة سوسيولوجية (المعرفة إنشاء مُتأثِّر بعوامل خارجية). بعبارة أخرى، يتوقف نمو المعرفة العلمية وتطورها على الظروف المحلية والمعرفية والثقافية والسياسية؛ ولا يؤدي طريق المعرفة

14 Pat Munday, "Science, History of," in: Maryanne C. Horowitz (ed.), New Dictionary of the History of Ideas, vol. 5 (Detroit: Gale, 2005), p. 2182. 15 James A. Secord, "Knowledge in Transit," Isis, vol. 95, no. 4 (2004), pp. 654-572.

بطريقة أحادية وخطية إلى حقيقة فردية واحدة. وفي ضوء هذه الأطروحات، بات مؤرخو المعارف العلمية أكثر انتباهًا ومراعاة للممرسة العلمية من أجل تحديد شروطها وسياقها وثقافتها المادية. وعلى الرغم من أنّ تاريخ العلوم اهتم دائمًا بتسجيل التحولات التي تطرأ على منظومات المعارف، فإن البنائية الاجتمعية وفّرت أدوات جديدة لتنفيذ هذه المهمة، خاصة في إطار ما سمّي البرنامج القوي (Program Strong) لدراسة سوسيولوجيا المعرفة العلمية، الذي ارتكز على الإعلان بأنه لا توجد قواعد للعقلانية متحررة من السياق، أو تطفو فوق الثقافة. لقد غيّت هذه المقاربة الرؤية المقبولة في تاريخ العلوم حين وضعت مسلّمتين منهجيتين ينبغي الانطلاق منهم: "المعرفة العلمية تُبنى وتُشيَّد" ولا تُكتشَف؛ وعملية البناء هذه هي بالضرورة "فعل اجتمعي وجمعي". وقد تَرتَّب على هاتين الخلاصتين عواقب بعيدة الأثر في ممرسة البحث في تاريخ العلوم. وإذا كنا لا نعثر على معرفة جاهزة بالطبيعة، فلا يجب التوقع بأنّ العلم يتقدم في اتجاه حقيقة كونية عامة موضوعة قبليًا. ومن جهة أخرى، لا يمكن تقييم صدق الأقاويل المعلنَة في الماضي بوساطة ما نعتقِد حاليًا أنه صدق وحقيقة، ومن ثمّ يكون تقرير نجاح أو فشل القول العلمي محايدًا بالنسبة إلى حاضر المعرفة العلمية. أو بالأحرى، يتوقف النجاح أو الفشل على عوامل أخرى؛ اجتمعية أو سياسية أو بلاغية. وفي النتيجة، على الدّارس أن يُعامِل الفشل والنجاح بالمعيار نفسه. وقد تبنّى الكثير من المؤرخين منذ ثمانينيات القرن الماضي هذه المواقف وعرضوها في اجتهادات نظرية وخلاصات منهجية، واعتبروا أنّ الدراسة السوسيولوجية للمعرفة العلمية لا تستقيم من دونها. ومثالً على هذه المقاربة، درسوا المناظرات والخصومات العلمية باعتبارها تفاعلًاجتمعيًا، وليست جِدالً يفوز به أحد الطرفين بحسب معيار الصحّة والخطأ. لقد أثار تيار البنائية السوسيولوجية الكثير من النقد المنصبّ على رؤيته لطبيعة المعرفة العلمية، وتحديد من ينخرط في صنعها، واعتبار عمل المؤرخ رديفًا للتنقيب في التاريخ الثقافي والمثالية، وتَجاهُل طبيعة العلم والتنقيص منه بوصفه معرفة متميزة لا ينبغي النظر إليها على أنها خطاب عادي في إطار نزعة نِسبَويَّة (Relativist) تَستبدِل التفسير بالتأويل. وفي هذا الباب، يقدِّم الكتاب الجمعي قول الحقيقة حول التاريخعرضًا شاملً لمنهجية المؤرخ يمتد من الثورة العلمية حتى نهاية القرن العشرين، من المقاربة التمجيدية التي جعلت من نيوتن بطلً ثقافيًا لا يُضاهى، إلى فكر "أزمة الحداثة" المُتَمحوِر

16 Jeffrey C. Alexander & Philip Smith, "The Strong Program: Origins, Achievements, and Prospects," in: John R. Hall, Laura Grindstaff & Ming-Cheng M. Lo (eds.), Handbook of Cultural Sociology (London: Routledge, 2010), pp. 13-24; David Bloor, Knowledge and Social Imagery, 2 nd ed. (Chicago: The University of Chicago Press, 1991). 17 بشأن هذه الرؤية لتفسير المجادلات العلمية، ينظر: Sergio Sismondo, An Introduction to Science and Technology Studies (Malden, MA: Wiley-Blackwell, 2010), pp. 120-135. 18 David Kaiser, "A Mannheim for All Seasons: Bloor, Merton, and the Roots of the Sociology of Scientific Knowledge," Science in Context, vol. 11, no. 1 (1998), pp. 51-87.

حول اعتبار الحقيقة والموضوعية قناعين للخداع يختفي وراءهم من يملك السلطة. وقد سعى مؤلفو الكتاب إلى ابتكار مشروع لإعادة البناء، فجادلوا بأنّ التاريخ متجذّر في الذاكرة الإنسانية وفي التوق الذاتي المتواصِل إلى المعنى، وأعلنوا وجود حقيقة تاريخية، وأنّ واجب المؤرخين يحتِّم عليهم أن يصدحوا بها، بعيدًا عن نزعات النّسبيّة والشكّية. وعلى أساس هذا الموقف المطبوع بالتفاؤل، يبقى في الإمكان معانقة حقيقة مشتركة تحتفي بتعدد الفاعلين وتشجِّع "بحثًا أكاديميًا بنهاية مفتوحة يمكنه أن يسحق الأوهام العزيزة والأليفة".

2. من تاريخ العلوم إلى تاريخ المعرفة

من أهم مظاهر التجديد والابتكار في تاريخ العلوم حاليًا الدعوة إلى تطويره ليصير تاريخًا للمعرفة (Knowledge of History). وتنطوي هذه الدعوة على إعادة تأسيس نظرية، ونتجت من ممرسة البحث في ضوء برنامج للإبستيمولوجيا التاريخية في معهد ماكس بلانك لتاريخ العلوم ببرلين. يكمن الرّهان الأساسي لهذا التحول في سعي مزدوج؛ تخليص تاريخ العلوم من النظرة الغربية المُهيمِنة فيه حتى ستينيات القرن الماضي، وتنقيته من الرؤية البطولية والرجالية التي انتقدها سوسيولوجيو العلوم والمؤرِّخات النِّسويات. وبالفعل، أحاطت الشكوك بتاريخ تاريخ العلوم من كلّ جانبٍ في الثلث الأخير من القرن العشرين، وشرع المؤرخون يعيدون النظر في جغرافية مجالهم وفي تحقيبه الكرونولوجي، وحتى في موضوعه. وتمحورت السردية الكلاسيكية للمبحث حول أوروبا بصفة مُبالغٍ فيها، واعتبَت أنها صالحة لتفسير سبق الغرب بقية العالم باختراع العلم الحديث، وربحه رهان الحداثة. وينطوي هذا التمحور حول الغرب ومنجزاته وإهمل الثقافات الأخرى على إفقار البحث التاريخي، في حين تبُرِز البحوث المنشورة في العقدين الأخيرين ثراءً في المقاربة والنتائج تمسُّ حتى معنى العِلم ودلالته، وتعيد النظر في الشروط التي يغدو بفضلها المرء عالِمً. كم اتَّسَع المنظور وانفتحت الجغرافيا والكرونولوجيا؛ فمن فترةٍ زمنية محدودة، وبضع مدن كبرى في أوروبا الغربية - اعتبَ تاريخٌ غربيٌ ضيِّقُ النظرِ أنها كانت مركز التأسيس العلمي -  أشهر تاريخُ العلوم المُتجدِّد خَريطةً عالمية تحتضِن أجزاءً فسيحة من كل القارّات وتشمل زمنيًا منجزات مختلف الثقافات، منذ الصين القديمة والبلاد البابلية والآشورية. وانطلق هذا التجديد في تسعينيات القرن الماضي، وأجبر المؤرخين على إعادة التفكير في مسلّمتهم البحثية، وطفا على السطح السؤال التالي: إذا كان تاريخ العلوم ليس تاريخًا للعلم الغربي الحديث، ولا تاريخًا لما يُاثِله في أزمنة سابِقة وفي أمكنة مُغايِرة، إذًا هو تاريخ ماذا؟

19 Joyce Appleby, Lynn Hunt & Margaret Jacob, Telling the Truth about History (New York: W. W. Norton & Company, 1995), pp. 283, 289. 20 Lorraine Daston, "The History of Science and the History of Knowledge," KNOW: A Journal on the Formation of Knowledge, vol. 1, no. 1 (2017), pp. 131-154; Jürgen Renn, "From the History of Science to the History of Knowledge - and Back," Centaurus, vol. 57, no. 1 (2015), pp. 37-53.

الجواب هو أنّه "تاريخٌ للمَعرِفة". صحيحٌ أنّ العبارة مبهمة نسبيًا، غير أنّ فائدتها تكمن في قدرتها على دمج المعارف وتوحيدها في بوتقَة العِلم، من معارف النّبات عند السكان الأصليين لأميركا، إلى التكنولوجيا النانوية. كم أنّ عبارة "تاريخ المعرفة" تتحاشى سوء الفهم المحيط بصِفتَي "الحديث" و"الغربي"، رغم أنّ القائمين عليها لا يمنحون كل المعارف صلاحيةً متساوية. وفضلً عن أنها تزيح التمييز الأيديولوجي البغيض للعلم الحديث عم سبقه، فإن مقولة المعرفة تُجيز الاستكشاف التاريخي لكلّ أركان الخريطة المعاصرة للمباحث، وتحتضن العلوم الطبيعية والإنسانيات – المنكبّة على الفاعلية الثقافية – والعلوم الاجتمعية الدارِسة للمؤسسات والعلاقات. كم أنها تتيح ترجمة مفاهيم العلم بجميع اللغات، وتجعل من هذه الترجمة موضوعًا للبحث بعدما كان هذا المسعى مدعاة لسوء التفاهم. في الواقع، يوجد تاريخ المعرفة في بداياته المطبوعة بالتردد في وضع لا يُحسَد عليه في مقابل صرح تاريخ العلوم المشيَّد خلال قرنين. وسيكون على مبحث المعرفة أن يجتاز اختبارًا مفهوميًا مُمثِلً، وأن يتبنّى مقاربة مقارِنة تفيد من الثروة المتوافرة من الموارد والمعطيات والدراسات حول مواضيع وثقافات وحِقَب كانت مهمَّشة في تاريخ العلوم والطب والتكنولوجيا. تتم إعادة ترتيب الأوراق هذه، المؤديّة إلى إدماج تاريخ العلوم في مجال أوسع، تحت سقف انقلابٍ أعاد النظر في مفاهيم وكشوف علمية اعُتبِت إلى زمن قريب بمنزلة القلب النابض للعلم المكنّى حديثًا وغربيًّا؛ إبراز أصل البرهان الرياضي في التقليد الصيني، والكشف عن جذور نظرية مركزية الشمس في علم الفلك العربي.

ثالثًا: رؤية جنوبية متحرِّرة

يشهد تاريخ العلوم، والعلوم الاجتمعية عامة، منذ مدّة حراكًا نشطًا لإعادة الاعتبار لتقاليد العلوم والإنتاج الفكري في التاريخ الثقافي لبلدان الجنوب. وقد بدأ الأمر قبل عقود بالبحث في "العِلم والإمبراطورية"، في إطار برنامج أبحاث استكشَف كيف فاض العلم الغربي على العالَم في سياق استعمري. غير أنّ مثقفي بلدان الجنوب الكبير جذّروا المسألة ووضعوا على عاتقهم هدفًا ساميًا يهدف إلى اقتلاع المركزية الغربية، وتجفيف منابعها في وعي وثقافة مواطنيهم.

1. من دراسات ما بعد الاستعمر إلى الديكولونيالية

تصفية آثار الاستعمر في العلوم الاجتمعية حركةٌ أكاديمية دؤوبة، ذات خلفية سياسية تحتل موقعًا مُتقدّمًا في العلوم الاجتمعية على الصعيد العالمي، تهدف إلى إرساء "عدالة أكاديمية" في النظرية الاجتمعية، تأخذ في الاعتبار تعدّد الأصوات والمواقف، وتطالب بالاعتراف ب "النظرية الجنوبية"، أي

21 Karine Chemla (ed.), The History of Mathematical Proof in Ancient Traditions (Cambridge: Cambridge University Press, 2012); George Saliba, Islamic Science and the Making of the European Renaissance (Cambridge, MA: The MIT Press, 2007).

اجتهادات مجتمعات الأطراف الواقعة خارج "النظرية الشملية". وقد بدأ هذا السعي منذ عقود، وتكثّف مؤخرًا بفعل بلوغ البحوث كتلة حرجة كمًّ وكيْفًا في دراسة تراث بلدان الجنوب الكبير، وتَجسَّد مِثاله الناجح في دراسة التقاليد الثقافية غير الغربية، وخاصة تلك النّاطقة بالعربية والصينية وبلغات الهند القديمة. وينغرس التيار الأكاديمي والفكري الحامل لمشعل "الديكولونيالية" (Decoloniality) في الصّدمة التي أحدثها احتلال القارة الأميركية بدءًا من عام 1500 وما تبِعها من حملات استعمرية. وتُغطّي النظرية السياسية التي يستند إليها طيفًا واسعًا من المفاهيم، من الحالة الاستعمرية (Coloniality)، ومَفْهُوم ما بعد الاستعمر، ومقولات نقد الاستشراق، إلى "الديكولونيالية" أو "نزع الحالة الاستعمرية" (Decoloniality)، التي تسعى لاستئصال آثار الاستعمر ومناهضة إرثه المقيت بجذرية تفوق التحرر من الاستعمر المباشر عبر النضال السياسي والتدافع الفكري. وما يوحِّد المواقف السياسية ومناحي البحث الأكاديمي المنضوية في هذا التوجه هو السعي المتعدّد الأبعاد لتحرير العقول والذاكرة والوعي من بقايا الإرث الاستعمري، واختيار موقع تقدّمي ضمن سلسلة الثنائيات المنظِّمة للخطاب وللتفكير من قبيل "الغرب - باقي العالم"، و"المستعمِر - المستعمَر"، و"المركز - الأطراف"، و"الاستعمر - ما بعد الاستقلال". وبعد غروب شمس العالم الثالث، وتحقيق العديد من الأمم لاستقلالها الفعلي، تهمّ هذه الثنائيات بالدرجة الأولى بلدان الجنوب التي أخطأت موعدها مع التحول الديمقراطي والتنمية المستقلة، وبقيت أسيرةً لعلاقات التبعية مع المركز الرأسملي. في هذا الإطار، يرمي البحث الأكاديمي المندرج في هذه الدينامية الفكرية والسياسية، والمستنِد إلى موقف ديكولونيالي واعٍ ومتبصِّ، إلى تحرير المعرفة وإنتاجها من الإبستيمية المتمحورة حول أوروبا خاصة، وحول الغرب عامة. ويشمل التّحرر من تبعات الإرث الاستعمري التخلص من ثقافة "القابلية للاستعمر"، واحتضان ومعانقة مفهوم "القابلية للثورة"، كم نحته وشحنه مفاهيميًا وسياسيًا عزمي بشارة، وجعل منه العامل المُفجِّر للفعل والمحرِّر للطاقات والمؤدّي إلى الحالة الثورية.

2. نقد عقيدة العلم الغربي

مثّلت دراسات العلم وإنتاج المعرفة مجالً للبحث الأكاديمي في ضوء أطروحات الديكولونيالية من أجل التخلص من آثار الاستعمر في العقول. وفي هذا الصدد، برزت أطروحة انتمء العلم إلى الإنسانية كافة

22 Hamid Dabashi, Can Non-europeans Think? (London: Zed Books, 2015); Hamid Dabashi, Europe and its Shadows: Coloniality after Empire (London: Pluto Press, 2019). ظهر هذا المفهوم عند مالك بن نبي (1973-1905) في كتابه شروط النهضة الجزائرية الصادر بالفرنسية: Malek Bennabi, Les conditions de la renaissance algérienne (Alger: Les éditions algériennes En-Nahdha, 1949). عزمي بشارة، في الثورة والقابلية للثورة، ط 2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ينظر: "في الحالة الثورية أوالقابلية للثورة."

للكشف عن المساهمة الجمعية لكل الثقافات في تشييد صرح المعرفة العلمية. ويتعلق الأمر بترسيخ فكرة جوهرية في الأذهان، مفادها أنّ العِلم – وهو هذه المعرفة المتميّزة – إبداعٌ إنساني ساهمت فيه كل الثقافات بحسب ظروف كل واحدة منها، وتبعًا لقدراتها المادية. ويعارض هذا الموقف عقيدة العلم الغربي، باعتبارها مقولةً ناتجة من تأويل ثقافوي للتاريخ العلمي تقوم على التسليم بالهوية الغربية لقسط وفير من تاريخ العلم، وخاصة العلم الحديث وجذوره، الذي يُحسَب على بعض بلدان أوروبا الغربية تحديدًا، وتَُدُّ أصوله القديمة تعسُّفًا إلى التقليد الإغريقي. ولا يجد أصحاب هذه الرؤية حرجًا في اعتبار الرياضي أوقليدس المنتمي إلى المرحلة الهلنستية، وعاش في شرق المتوسط في نحو 300 ق. م.، والفلكي الهلنستي بطليموس (كان حيًّا نحو سنة 150 م في الإسكندرية)، من مُؤسسي "العِلم الغربي". وقد ألّف أوقليدس وبطليموس مؤلفاتهم المؤثِّرة بالإغريقية القديمة، وأهمها أصول الهندسة والمجسطي، واستقبلهم بحفاوة بالغة تقليد العلوم العربية النَّاشِئ في نحو 815 م. ونشأ عن هذا التّلقّي العربي للهندسة الأوقليدية وللفلك البطليمي إنتاجٌ علمي متميّز ترعرع وبات أحد أعرق تقاليد العلوم. أضف إلى ذلك أنّ التلاقح بين العلم المكتوب بالعربية والتقليد اللاتيني، في الفترة 1600-1100، زاد من تغليب عوامل التفاعل العلمي والتعدد الثقافي. وبعد كل هذا، نجد من يقول إنّ العلم الحديث أوروبي النشأة والطابع، وتعود جذوره إلى العصر القديم. انتشرت في أوساط المؤرخين منذ سنوات 1800 قناعةٌ فكرية ذات طبيعة أيديولوجية تمتح من انتصارات الغرب الإمبريالية وأفرزت مقولة "الانتمء الغربي للعلوم". وبحسب هذه المقولة، شهدت الحقبة الواقعة بين عامَي 700 و 1500 م ركودًا في إنتاج المعرفة، وانحصرت قيمة العلم المؤلَّف بالعربية في نقل النصوص الإغريقية التي فُقدت أصول بعضها قبل أن تُعاد ترجمتها إلى اللاتينية لاحقًا. وبذلك اكتملت الدائرة وتجدَّد الاتصال بين الماضي المجيد المفترض للغرب، المتمثل في "المعجزة اليونانية"، لتقوم معجزة ثانية هي "عصر النهضة" وإنجازاته. وفي هذا السياق المحكوم برؤية متمركزة حول الذات الغربية المتوهَّمة، إذا اعتُِف لبعض علمء العربية بشيء من الفضل، فهو أنهم كانوا أمناء لمتحف العلم القديم، وإذا ابتكر أحدهم شيئًا، فليس هذا الابتكار سوى امتداد للعلم الإغريقي أو هوامش عليه. وقد دفعت مقولة الانتمء الغربي للعلوم المؤرخين إلى حصر اهتممهم في ما اعتبروه قمتين حضاريتين هم الحضارة اليونانية والنهضة الأوروبية المُمتدّة في الثورة العلمية. غير أنّ هذا الاهتمم الحصري بالقمتين المفترضتين والقفز على الألف سنة التي تفصلهم سرعان ما أدّيا إلى ظهور تناقضات بارزة لا يمكن تجاهلها. فقد بدا رينيه ديكارت مثلً وهو يطبق هندسة أبولونيوس على الجبر – في معرض دراسته للمعادلات الجبرية من الدرجتين الثالثة والرابعة – كأنه هو الذي استلم المشعل من العالِم الإغريقي القديم الذي عاش في عام 200 ق. م.، ليُحدِث بعده بقرابة 1800 سنة تقدّمًا هائلً في الرياضيات. وحين

25 Roshdi Rashed, "The Notion of Western Science: Science as a Western Phenomenon," in: The Development of Arabic Mathematics: Between Arithmetic and Algebra (Dordrecht: Springer, 1994), p. 333.

يجهل مؤرخ الرياضيات ابتكارات المدرسة الرياضية العربية في الجبر والجبر الهندسي، من الخوارزمي إلى شرف الدين الطوسي، وبينهم الماهاني وأبو كامل شجاع بن أسلم وعمر الخيام، يجد نفسه مضطرًا، لتقريب الفجوة بين أبولونيوس وديكارت، إلى المبالغة في تضخيم مساهمة العالِم الفرنسي، وتعظيم أعمله الرياضية. كم أدى هذا الوضع إلى أخطاء حتى في طبيعة النظريات العلمية، حيث إنّ العديد من المؤرخين رأوا بداية الجبر، الذي وُلِد في كتاب الجبر والمقابلة للخوارزمي، في المقالة الثانية من أصول الهندسة لأوقليدس، وفي نظرية الأعداد الصمء في المقالة العاشرة. وقد أدى هذا الوضع إلى تضخيم محتوى العلم الإغريقي وإلى إضفاء صفة الثورية على إسهامات علمء أوروبا في القرن السابع عشر، وإلى تجاهل الحلقة الرابطة بين المرحلتين طوال ألف سنة. وأدت هذه النظرة، وفقًا لمؤرخ العلوم العربية رشدي راشد، إلى تشويه الواقع الحقيقي للعلم الإغريقي وللعلم الحديث؛ إذ "لا بد من التواء السلسلة التاريخية المتواصلة إذا ضُمَّت حلقتان متباعِدتان من حلقاتها". وفي مقابل التركيز على العلم الإغريقي والأوروبي الحديث، نبَّه عدد من مؤرخي العلوم إلى أهمية التقاليد العلمية غير الغربية. وقد توسعت في العقود الأخيرة البحوث المتنوعة في دراسة العلم غير الغربي، فشُحِذت الرؤية إلى العلوم التي أنتجتها الثقافات غير الغربية وأعيد تقييم مكانتها الرفيعة.

3. عالميّة العلم

في هذا الإطار الموسوم بالتعدُّد، انبثقت في الساحة الأكاديمية مقولة عَالَميّة العلم وكونِيّته، وهي تحيل إلى شمولية المنهج العلمي وعالميّة نتائج البحوث العلمية وفهمها وتفسيرها. وتمثّل هذه المقولة أداةً إجرائية فعّالة في دراسة تقاليد العلوم غير الغربية، كم بيّ البحث التاريخي في العقود الأخيرة حين أعاد الاعتبار إلى تقليد المعرفة العلمية الذي تطور في أحضان الثقافتين الصينية والعربية. وتجدر الإشارة في هذا الخصوص إلى بحوث مؤرخ العلوم البريطاني جوزيف نيدام (Needham Joseph) (1995-1900)، صاحب مشروع العلم والحضارة في الصينالذي صدر منه 27 مجلدًا عن مطابع جامعة كامبريدج منذ عام 1954. وقد أسّس نيدام وفريقه مشروعًا واسعًا قائمًا على الرفض التام لاعتبار تاريخ العلوم تعاقبًا لمراحل متتابعة من العلم "الغربي" من اليونانيين إلى العصر الحديث، وأبرزوا أنّ العلم الصيني تَطوّر بالتوازي مع العلم الأوروبي، خلال حِقَبٍ طويلة كان للتقليدين فيها مستويان متكافئان. كم أعلى نيدام من شأن التبادل العلمي والتكنولوجي بين الصين والغرب، وأكّد أنه لولا هذا التفاعل المثمر لما حصلت الثورة العلمية.

رشدي راشد، "مقدمة عامة"، موسوعة تاريخ العلوم العربية، ج 1، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005)، ص.14 ينظر الملفان التاليان حول المراجعات الجارية لأعمال نيدام ونتائجها: Isis, vol. 110, no. 1 (2019), pp. 91-136; Technology and Culture, vol. 60, no. 2 (2019), pp. 553-624. 28 Ibid.

ويُحقِّق استحضار منجزات الحضارات الأخرى أعلى درجات كونية العلم، باعتبار هذا الأخير نتاج السعي الجمعي للإنسانية نحو المعرفة، لا تحتكره أمة أو تختصّ به ثقافة. وفي السياق ذاته، أبرز البحث التاريخي أهمية التقليد العلمي العربي، ودوره الحاسم في إنتاج المعارف العلمية في مختلف فروع العلوم المطروقَة في العصرين الوسيط والقديم، من العلوم الرياضية والفيزيائية، إلى العلوم الطبية، في أشكالها النظرية والتطبيقية. وقد تجلّ العلم المكتوب بالعربية في ضوء الأبحاث المنشورة في العقود الثلاثة الماضية تقليدًا عريقًا أنتج بغزارةٍ معارف أصيلة يَعدُّها مؤرخو العلوم اليوم حاضنةً حقيقية لانبثاق العلم الحديث. ويعبّ عن ذلك سارتون قائلً إنّ "تاريخ العلم في العصر الوسيط هو تاريخ العلم العربي، ويحتل العلم العربي في العصر الوسيط المكانة نفسها التي يحتلها العلم الإغريقي في العصر القديم، أو العلم الغربي في العصر الحديث". وطوال عدة قرون، كان على من يريد الاطلاع على أحدث نتائج العلوم أن يتعلَّم العربية، التي تحولت إلى لغةً علمية فيم يشبه الإعجاز في فترة وجيزة، وباتت في نحو سنة 800 م قادرةً على استيعاب علوم العصر القديم تدريجيًا في عملية معقَّدة، تفاعل فيها النّقل والبحث العلمي وحاجات المجتمع. وفي مرحلة لاحقة، انتقل قسط وفير من المعارف العلمية العربية إلى أوروبا اللاتينية، في عملية واسعة لترجمة أمهات المصنّفات العربية في الرياضيات والفلك والكيمياء والمناظر والطب. وقد أثبت مؤرخ الفلسفة الألماني داغ نيكولاوس هيسه (Hasse Nikolaus Dag) (1969–) تأرجح النّخبة المثقفة الأوروبية في الفترة 1200 - 1600 بين الحب والنفور تجاه المعارف ذات المصدر العربي؛ إذ استفادت منها وشغفت بها، وعمِلت في الوقت ذاته ما في وسعها لمحو الإحالة إليها أو إخفائها، في إطار استغلال انتهازي جسّد استيلاءً واعيًا على كنزٍ معرفي. يمكن إذًا تلخيص الصورة التي تكونت لدينا اليوم عن العلم العربي بالنظر إلى أبحاث العقود الأخيرة في المحدّدات الرئيسة التالية. فقد انطلق البحث في ستينيات القرن الماضي من الموقع الهامشي الذي كان يحتله هذا التقليد العلمي، ورفعته أبحاث تاريخ العلوم إلى مصاف "علم عالمي"، بمصادره المتنوعة، وبامتداداته وتأثيره، ومن حيث امتداد المساحة الجغرافية التي مورِس عليها، وأخيرًا، من حيث لغته الموحَّدة والموحِّدة.

بشأن تقليد العلم العربي الكلاسيكي، ينظر: محمد أبطوي، تاريخ العلوم العربية الكلاسيكية: بيبليوغرافيا نقديّة مختارة (الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز،.)2007 ذُكر في: عبد الحميد صبرة، "لمحة في تاريخ العلوم عند العرب"، أصوات (القاهرة)، العدد 6 (نيسان/ أبريل 1962)، ص 92-80. 31 Mohamed Abattouy, Jürgen Renn & Paul Weinig, "Transmission as Transformation: The Translation Movements in the Medieval East and West in a Comparative Perspective," Science in Context, vol. 14, no. 1-2 (2001), pp. 1-12. 32 Dag Nikolaus Hasse, Success and Suppression: Arabic Sciences and Philosophy in the Renaissance (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2016). 33 راشد، ص.16-15

رابعًا: من أجل مدرسة عربية يف تاريخ العلوم

ذكرنا في بداية هذه الدراسة أنّ نشر الثقافة العلمية يُعدّ شرطًا لازمًا للنهوض في المستقبل بالمنظومة العربية للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، وذلك من خلال إنشاء شبكات لمتاحف العلوم، وتطوير الإعلام العلمي، وإيلاء تاريخ العلوم الأهمية اللازمة. كم أبرزنا أنّ الحديث عن تاريخ العلوم في البلاد العربية، الذي أفردنا هذه الدراسة لتفصيل القول فيه، ينتهي إلى رصد مفارقة صارخة؛ فمن بين الثقافات العالمية العريقة، وحدها الثقافة العربية تُهمل تمامًا تقليدها العلمي الكلاسيكي المتفرِّد بثراء استثنائي، ولا تعيره اهتممًا يُذكر، على الرغم من أنه يمثّل اليوم إحدى المنارات المضيئة في تاريخ العلوم العام، بعدما أعيد إحياؤه وتأهيله بصفة شبه كاملة خارج العالم العربي. ولهذا الحكم القاسي ما يبرره، وهناك استثناءات سنأتي على ذكرها. لكن هذا هو واقع الحال كم يعرفه كل مُلِمّ بأوضاع البحث الأكاديمي في معظم بلاد العرب في العقود الأخيرة. وفي جذر الأسباب المؤدية إلى هذا الوضع، نجد الإهمل التام للعلم والمعرفة العلمية وتجاهلهم، معرفةً بالظَّواهر وتاريخًا وثقافةً ودورًا في التنمية ورؤيةً فلسفيةً إلى العالَم. ما سبب هذا الوضع المؤسف؟ يفيدنا التاريخ العربي القريب بالجواب؛ وهو أنّ الإهمل الراهن للعلم في الرّبوع العربية ناتج من الانهيار والتراجع اللذين حدثا في حياة العرب منذ انكسار المشروع القومي بعد النكسة. فقبل ذلك، توافرت في الجامعات العربية نخبة أكاديمية وعلمية أنتجت بحوثًا ومعارف بمعايير عالية، ونشأت مدرسة عربية حقيقية في تاريخ العلوم تشهد عليها بحوثها ذات الجودة العالية، والمنشورة خلال عدة عقود منذ عقد ثلاثينيات القرن الماضي. فقد انطلق البحث في تاريخ العلوم في البلاد العربية على يد رواد نذكر منهم علي مصطفى مشرفة (1950-1898)، الملقَّب ب "أينشتاين العرب" لنبوغه العلمي، ومصطفى نظيف (1971-1893)، مؤرخ البصريّات الذي أحيا نظريات ابن الهيثم وكان رائدًا في نشر الثقافة العلميّة في مصر. وكان انطلاق هذه المدرسة العربية في تاريخ العلوم امتدادًا لمنجزات النهضة العربية الحديثة، حيث تزامن الاهتمم بالتاريخ العلمي في هذه الحقبة الممتدة إلى أواسط الستينيات مع غلبة السعي إلى تحديث المجتمع، والاستقلال عن القوى الأجنبية، والانفتاح على التفكير العلمي والفكر العقلاني، والإقبال على اكتساب المعارف الجديدة، وتأليف البحوث العلمية بالعربية. وقد شكّل برنامج النهوض القومي هذا خلفية البحث الرصين في تاريخ العلوم وأمدّه بدفعة قوية؛ فتعزَّز البحث بأعلام من الجيل الثاني من عدة بلدان، نذكر منهم الفلسطيني أحمد سليم سعيدان (1991-1914)؛ والتونسي محمد سويسي (2007-1915)؛ والمغربي محمد المنوني (1999-1915). ومن الجيل اللاحق، نذكر باحثين أنجزوا أبحاثهم داخل العالم العربي وخارجه، ومنهم عبد الحميد إبراهيم صبرة (2013-1924)، أستاذ

مصطفى نظيف، الحسن بن الهيثم: بحوثه وكشوفه البصرية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008 [القاهرة:.)]1943-1942 من مؤلفاته أيضًا، كتاب: علم الطبيعة: نشوؤه ورقيه وتقدمه الحديث (القاهرة: مطبعة مصر، 1927)، الذي يعدّ أول كتابٍ حديث بالعربية يبحث في تاريخ الفيزياء. 35 Mohamed Abattouy, "A ḥ mad Sal ī m Sa ʿī d ā n: A Palestinian Historian of Arabic Mathematics," in: Mohamed Abattouy (ed.), Science and Knowledge in the Intellectual History of Palestine: Selected Studies (Leiden: Brill, [forthcoming]).

تاريخ العلوم بجامعتي الإسكندرية وهارفارد؛ وإدوارد كيندي (Kennedy Edward) (2009-1912) من الجامعة الأميركية ببيروت؛ ومؤرخ التكنولوجيا الفلسطيني أحمد يوسف الحسن (2012-1925)، الذي أسَّس معهد التراث العلمي بحلب؛ ورشدي راشد (1936–)، مدير الأبحاث بالمركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا؛ وجورج صليبا (1939–)، أستاذ تاريخ العلوم بجامعة كولومبيا؛ ومؤرِّخا الفلك العربي البريطاني ديفيد كينغ (King A. David) (1941–)، والإسباني خوليو سامسو (Samsó Julio) (1942–)؛ ومؤرِّخا الرياضيات الجزائري أحمد جبار (1941–)، والهولندي يان هوخندايك (Hogendijk Jan) (1955–). وقد تطوَّر البحث في تاريخ العلوم العربية على الصعيد العالمي وحصل فيه تقدُّم كبير، وأعيدت كتابة المبحث بصفة شبه كاملة، فخرجت إلى النور كنوز كثيرة جدًا في العدد وفي المحتوى الرفيع كانت مخفيةً في المخطوطات المحفوظة في مكتبات العالم. ومن أجل دعم البحث في هذا المجال، أنشأ الاتحاد الدولي لتاريخ العلوم في عام 1988 لجنة تاريخ العلوم والتكنولوجيا في المجتمعات الإسلامية، وهي تضم اليوم 150 مؤرخًا نشطًا من نحو 30 بلدًا. بيد أننا حين ننظر إلى وضع تاريخ العلوم في العقود الثلاثة الأخيرة في العالم العربي، فإننا نجده يتميز بالضعف والهوان، وبحضور باهت وتهميش واضح في المجالين الجامعي والثقافي، بسبب التجاهل الذي تبديه الثقافة العربية تجاه المعارف العلمية وتجسيداتها الأكاديمية. لقد جسّد تأسيس معهد التراث العلمي العربي بجامعة حلب في عام 1976 انطلاق أول نواة أكاديمية وجامعية عربية متخصصة في تاريخ العلوم. وسعى المعهد إلى إعادة كتابة تاريخ العلم العربي بغية إبراز الدور الريادي للعلوم المؤلَّفة بالعربية في الحضارة الإنسانية، ونظَّم مؤتمرات وندوات عدّة، ونشر سلسلة معتبرة من المنشورات، تضمّ تحقيقات نقدية لنصوص علمية ودراسات تحليلية. كم أصدر مجلة تاريخ العلوم العربية التي كان يتسابق إلى النشر فيها كبار الباحثين. غير أنّ هذه التجربة الفريدة من نوعها عانَت الركود والتراجع منذ تسعينيات القرن الماضي. فقد كان المعهد جزءًا من دينامية واعدة تأثرت سلبيًا بانتكاسة المشروع القومي، إضافة إلى ما عاناه في العقد الأخير. كم تحتضن بلدان عربية أخرى مبادرات مؤسسية في تاريخ العلوم، نذكر منها مركز إحياء التراث العلمي بجامعة بغداد. وتأسَّس بكلية العلوم بجامعة القاهرة مركز التراث العلمي، وانطلق في الرباط مركز ابن البنا المراكشي لدراسة تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية. وأُنشِئت بداية عام 2015 مؤسسة الشارقة لتاريخ العلوم عند العرب والمسلمين، وقد نظَّمت مؤتمرات وفعاليات متنوعة. ويوحِّد هذه المبادرات الطُّموحُ لخدمة تاريخ العلوم في النسيج الأكاديمي العربي، ولكن في المجمل تبقى حصيلة ما تنجِزه هذه المؤسسات مُتواضِعة كميًّا وكيفيًّا. بيد أنّ جذوة التاريخ العلمي في البلدان العربية بقيت مُتَّقدةً بفضل إنجازات بعض الباحثين، ويمكن البناء على هذه الجهود بوصفها قاعدة انطلاقٍ مستقبلية. ويمكن أيضًا البناء على البنية التحتية والموارد البشرية

للَّجنة هيكلٌ إداري يشرف على نشاطاتها، وتُصدِر مجلة دوريةً هي سُهيلتنشرها جامعة برشلونة.

المتوافرة وتعزيزها والرفع من أدائها في كل قُطر؛ إذ يتوافر في كل البلدان العربية تقريبًا نواة مؤسسية ودارسون يبحثون ويعقدون لقاءات أكاديمية. لكن الإنتاج يخلو من الدّقة والصرامة، وتغيب مؤسسة جامِعة وذات طابع قومي تشغل وظيفة القاطِرة، وتمثِّل البحث العربي في الاتحاد الدولي لتاريخ العلوم وفلسفتها. خلاصة القول، بسبب مضمونه المتعدّد الأبعاد الذي يلتقي فيه العلم والتاريخ والثقافة، من شأن تعزيز دور تاريخ العلوم في الثقافة السارية في المجتمع، وفي منظومة التربية والتكوين على الخصوص، أن يسهم بدورٍ إيجابي في التدريس العلمي، وفي توعية الجمهور بالمعرفة العلمية. ونحيل في هذا الصدد على الدراسة التي أنجزها أحمد يوسف الحسن عن إدراج تاريخ العلوم في برامج التعليم العالي في البلدان الإسلامية؛ إذ أبرز أنّ تاريخ العلوم يملك أرضيةً خصبة في ثقافة هذه البلدان بفضل التقليد العلمي العربي الذي يشهد على جدارة العلم المكتوب بالعربية. وعلى هذا الأساس، يوفّر التراث العلمي مشروعية ثقافية للتدريس العلمي في البلاد العربية. وقد بيّنت التجارب الدولية أهمية التقاليد العلمية الوطنية في تدريس العلوم، وكان هذا العنصر من أسباب تأسيس الجمعية الأوروبية لتاريخ العلوم في عام 2003، لدعم التعاون بين الباحثين الأوروبيين في تاريخ العلوم وتعزيز حضور تاريخ العلوم في تكوين الطلاب العلميين. وعلى العموم، يُشيد خبراء التربية باستحضار تاريخ العلوم في التدريس العلمي، سواء لطلاب العلوم والطب والتكنولوجيا أو لطلاب العلوم الإنسانية والاجتمعية. ويجب تدريس تاريخ العلوم بصفة ممنهجة في تكوين المُدرِّسين، حيث تنتُج من التوعية بالتاريخ في الرياضيات والكيمياء والفيزياء في التعليم الثانوي فوائد تربوية جمّة. أضف إلى ذلك أنّ الرفع من شأن البُعد التاريخي والإنساني للعلم يُعلِ من جاذبيته لدى الطلاب، ويقدّم صورةً واقعية للمنهجية العلمية، مختلفةً عن الطريقة التقليدية المجرَّدة في التدريس العلمي. وأخيرًا، يفيد تاريخ العلوم في الوسط التربوي على صعيد القيم الإبستيمولوجية؛ إذ يُساهِم في الحدّ من آثار التفسيرات الدوغمئية للمعارف العلمية، ويكون تقديم العلم في صورة أفكار ومعارف تطوَّرت عبر الزمن ولها علاقة وطيدة بالسيرورات الاجتمعية والثقافية ترياقًا حقيقيًا ضد اليقينية المفرِطة. وتكمن الفائدة الأخيرة لتاريخ العلوم، وفلسفة العلوم أيضًا، في تيسير إشاعة الثقافة العلمية ونشر الفكر العلميوتوعية الجمهور بهم. وعلى هذا الأساس، يعتبر تاريخ العلوم أحد المداخل لنشر ثقافة العلم في المجتمع. ويزداد الأمر أهمية في الحالة العربية بسبب عزوف الثقافة العربية المعاصرة عن العِلم، وهي

37 Ahmad Y. al-Hasan, "Introducing History of Science in the Curricula of Higher Education in Islamic Countries," in: Conférence internationale sur l'introduction de l'histoire des sciences dans l'enseignement supérieur des pays arabes et musulmans (Paris: UNESCO, 2006). 38 Claude Debru, "History of Science and Technology in Education and Training in Europe," Notes and Records of the Royal Society in London, vol. 55, no. 1 (2001), pp. 145-146. 39 Graeme Gooday et al., "Does Science Education Need the History of Science?" Isis, vol. 99, no. 2 (2008), pp. 322-330.

تفتقر، في الواقع، وعلى الرغم من حيويتها التي لا تُنازَع، إلى أحد مُكوِّنات المعاصَة الحقّة التي يمثِّلُها الاهتمم بالعلم بأبعاده المختلفة. إنّ نشر الثقافة العلمية بمختلف أشكالها شرطٌ أساسي من شروط استنبات البحث العلمي في المجتمع، كم أثبتت تجارب البلدان التي كانت البارحة بلدانًا نامية وحققت اليوم من التقدّم ما يثير الإعجاب. فبواسطة الثقافة العلمية، يتفاعل المجتمع مع العِلم، وتُستَنهض الهِمَم لدى الطلاب والباحثين الشباب لخوض غمر البحث العلمي. وفي هذا السياق، يؤدي تاريخ العلوم دورًا محفّزًا في نشر الثقافة العلمية، وتهيئة الظروف لتوطين البحث العلمي. وهذا أمر حيوي نبَّه إليه منذ عقود العالم الفلسطيني الراحل أنطوان زحلان (2020-1928) حين أكَّد، عن حقّ، أنه "لا مُستقبل من دون علم".

خاتمة

سلّطنا الضوء في هذه الدراسة على الأهمية القصوى التي يكتسيها اليوم إحياء المدرسة العربية الحديثة في تاريخ العلوم، وتعزيز المكتسبات المتوافرة، والسعي لإنجاز بحوث بمعايير جودة عالية، والتوقف عن الإعراض عن المعرفة العلمية حين تكون في صلب الأبحاث التي ينجزها الباحث العربي. وأبرزنا أنّ استئناف بحوث المدرسة العربية في تاريخ العلوم، ووضع تاريخية المعرفة العلمية في خدمة البحث العلمي، من شأنهم أن يؤديا دورًا حاسمً في إيصال ثقافة العلم في بُعدها التاريخي، وفي النهوض بالعلوم العربية في المستقبل، بوصفه أحد أضلع الثلاثية الحامِلة للثقافة العلمية، إلى جانب إنشاء شبكات من متاحف العلوم في شتّى البلاد العربية، وتطوير الإعلام العلمي. وفي الحصيلة، إن كان نشر الثقافة العلمية رهينًا بالنهوض بالعلوم باللغة العربية في المستقبل، بوصفه أحد مخرجاته، فإنه في الآن ذاته يظلّ بوابةً أساسية للنهوض بالإنتاج العلمي العربي في المستقبل، وإحدى ركائزه الأساسية.

حول إهمال الثقافة العربية للعلم، ينظر: محمود عبد الغني، "محمد أبطوي: تاريخ العلوم: مادة نادرة في الجامعات العربية"، حوار حوارات، العربي الجديد، 2017/4/18، شوهد في 2022/1/31، في: https://bit.ly/3KTl9rk أنطوان زحلان، "لا مستقبل من دون علم"، المستقبل العربي، مج 17، العدد 191 (1995)، ص.82-66 نستحضر في هذا الصدد المثال المُلهِم الذي قدّمه عزمي بشارة في كتابه الدين والعلمانية في سياق تاريخي، حين لم يَتوانَ عن اقتحام مجال الأفكار العلمية في استعراضه التاريخي لنشأة وتطور نظريات العَلمَنة. ينظر: عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 1: الدين والتديّن (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013، ج)؛ عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي 2، مج 1: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)؛ عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 2: العلمانية ونظريات العلمنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ينظر خاصة ج 2، مج 1، الفصلان السادس والسابع، ص.488-357

المراجع

References

العربية

الابتكار أو الاندثار: البحث العلمي العربي؛ واقعه وتحدياته وآفاقه. التقرير العربي العاشر للتنمية الثقافية. التقرير العربي العاشر للتنمية الثقافية. بيروت: مؤسسة الفكر العربي،.2018 أبطوي، محمد. تاريخ العلوم العربية الكلاسيكية: بيبليوغرافيا نقديّة مختارة. الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز،.2007 بشارة، عزمي. الدين والعلمنية في سياق تاريخي، ج 1. الدوحة/ بيروت: المركز العربي: الدين والتديّن للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 ________. في الثورة والقابلية للثورة. ط 2. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 ________. ا 2، مج 1 لدين والعلمنية في سياق تاريخي، ج: العلمنية والعلمنة: الصيرورة الفكرية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 ________. الدين والعلمنية في سياق تاريخي، ج 2، مج 2. الدوحة/ بيروت:: العلمنية ونظريات العلمنة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 راشد، رشدي. موسوعة تاريخ العلوم العربية. ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2005 زحلان، أنطوان. "لا مستقبل من دون علم". المستقبل العربي. مج 17، العدد 191.)1995(صبرة، عبد الحميد. "لمحة في تاريخ العلوم عند العرب". أصوات (القاهرة). العدد 6 (نيسان/ أبريل.)1962 نظيف، مصطفى. علم الطبيعة: نشوؤه ورقيه وتقدمه الحديث. القاهرة: مطبعة مصر،.1927 ________. الحسن بن الهيثم: بحوثه وكشوفه البصرية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008 [القاهرة:.]1943-1942

الأجنبية

Abattouy, Mohamed (ed.). Science and Knowledge in the Intellectual History of Palestine: Selected Studies. Leiden: Brill, [forthcoming].

Abattouy, Mohamed, Jürgen Renn & Paul Weinig. "Transmission as Transformation: The Translation Movements in the Medieval East and West in a Comparative Perspective." Science in Context. vol. 14, no. 1-2 (2001). Appleby, Joyce, Lynn Hunt & Margaret Jacob. Telling the Truth about History. New York: W. W. Norton & Company, 1995. Bennabi, Malek. Les conditions de la renaissance algérienne. Alger: Les éditions algériennes En-Nahdha, 1949. Bloch, Marc. Apologie pour l'histoire ou métier d'historien. Paris: Dunod, 2020 [1952]. Bloor, David. Knowledge and Social Imagery. 2 nd ed. Chicago: The University of Chicago Press, 1991. Chemla, Karine (ed.). The History of Mathematical Proof in Ancient Traditions. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. Conférence internationale sur l'introduction de l'histoire des sciences dans l'enseignement supérieur des pays arabes et musulmans. Paris: UNESCO, 2006. Costanzo, Guadalupe Díaz & Diego A. Golombek. "The Quest for Scientific Culture." Journal of Science Communication. vol. 19, no. 1 (2020). Dabashi, Hamid. Can Non-europeans Think? London: Zed Books, 2015. ________. Europe and its Shadows: Coloniality after Empire. London: Pluto Press, 2019. Daston, Lorraine. "The History of Science and the History of Knowledge." KNOW: A Journal on the Formation of Knowledge. vol. 1, no. 1 (2017). Debru, Claude. "History of Science and Technology in Education and Training in Europe." Notes and Records of the Royal Society in London. vol. 55, no. 1 (2001). Foresight: Science for Navigating Critical Transitions. Riyadh: S20 Saudi Arabia, 2021. at: https://tinyurl.com/5y36y9cb

Godin, Benoit & Yves Gingras. "What is Scientific Culture and How to Measure It." Public Understanding of Science. vol. 9, no. 1 (2000). Gooday, Graeme et al. "Does Science Education Need the History of Science?" Isis. vol. 99, no. 2 (2008). Hall, John R., Laura Grindstaff & Ming-Cheng M. Lo (eds.). Handbook of Cultural Sociology. London: Routledge, 2010. Hasse, Dag Nikolaus. Success and Suppression: Arabic Sciences and Philosophy in the Renaissance. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2016. Horowitz, Maryanne C. (ed.). New Dictionary of the History of Ideas. Detroit: Gale, 2005. Illingworth, Sam, Grant Allen. Effective Science Communication: A Practical Guide to Surviving as a Scientist. Bristol, PA: IOP Publishing, 2020. Kaiser, David. "A Mannheim for All Seasons: Bloor, Merton, and the Roots of the Sociology of Scientific Knowledge." Science in Context. vol. 11, no. 1 (1998). Koyré, Alexandre. Études d'histoire de la pensée scientifique. Paris: PUF, 1966. Ministère de l'enseignement supérieur et de la recherche (MESR), Ministère de la culture et de la communication-France. "Stratégie nationale de culture scientifique technique et industrielle, 2017."  at:https://bit.ly/3Hjj5Xh Rashed, Roshdi. The Development of Arabic Mathematics: Between Arithmetic and Algebra. Dordrecht: Springer, 1994. Renn, Jürgen. "From the History of Science to the History of Knowledge - and Back." Centaurus. vol. 57, no. 1 (2015). Saliba, George. Islamic Science and the Making of the European Renaissance. Cambridge, MA: The MIT Press, 2007. Secord, James A. "Knowledge in Transit." Isis. vol. 95, no. 4 (2004).

Sismondo, Sergio. An Introduction to Science and Technology Studies. Malden, MA: Wiley-Blackwell, 2010. Stengers, Isabelle. L'invention des sciences modernes. Paris: La Découverte, 1993. Zonneveld, Leo, Huub Dijstelbloem & Danielle Ringoir (eds.). Reshaping the Human Condition: Exploring Human Enhancement. The Hague: Rathenau Institute, 2008. at: https://tinyurl.com/3ufce3c7