Return to Article Details Climate Change Challenges and Future Challenges for the Transition to

تحديات التّغيرات المُناخية والرهانات المستقبلية للتحول إلى

Climate Change Challenges and Future Challenges for the Transition to

الحسين شكراني

الملخّص

تسعى هذه الدراسة لاستكشاف معادلة "التغيرات المناخية" ورهانات التّحول إلى الوظائف الخضراء، اعتمادًا على نقد المنظور الرأسمالي لهذه المعادلة. ومن أجل ذلك، تحاول الدراسة إعادة فحص مخاطر الممارسة الرأسمالية الاعتيادية ومأزق تحويل الوظائف والآليات المعتمدة للتسويق لمقاربة النمو المستدام. فقد فرضت العولمة الاعتماد على نحوٍ مكثف على الوقود الأحفوري، من دون الاهتمام بالمتطلبات الاجتماعية والاستدامة، ومن ثمّ تأجيل "خلق" الوظائف الخضراء والاستدامة المجتمعية، بل تكريس تراكم رأس المال، وتعزيز "دعْه يعمل دعْه يُلوث الطبيعة". بمعنى أنّ "خلق" الوظائف الخضراء في سياق التغيرات المناخية ومحاولات التأقلم معها باعتماد آليات بروتوكول كيوتو وتعديلاته لا يعدو أن يكون أيديولوجيا للمُدافعين عن "الاقتصاد الأخضر". تخلص الدراسة إلى توضيح المفارقة بين الخيارات الاقتصادية المتاحة للرأسمالية المعولمة والمتطلبات الاجتماعية للشعوب والمجتمعات المحلية.

Abstract

ملخص:  تسعى هذه الدراسة لاستكشاف معادلة "التغيرات المناخية" ورهانات التّحول إلى الوظائف الخضراء، اعتمدًا عى نقد المنظور الرأسملي لهذه المعادلة. ومن أجل ذلك، تحاول الدراسة إعادة فحص مخاطر الممرسة الرأسملية الاعتيادية ومأزق تحويل الوظائف والآليات المعتمدة للتسويق لمقاربة النمو المستدام. فقد فرضت العولمة الاعتمد عى نحوٍ مكثف عى الوقود الأحفوري، من دون الاهتمم بالمتطلبات الاجتمعية والاستدامة، ومن ثمّ تأجيل "خلق" الوظائف الخضراء والاستدامة المجتمعية، بل تكريس تراكم رأس المال، وتعزيز "دعْه يعمل دعْه يُلوث الطبيعة". بمعنى أنّ "خلق" الوظائف الخضراء في سياق التغيرات المناخية ومحاولات التأقلم معها باعتمد آليات بروتوكول كيوتو وتعديلاته لا يعدو أن يكون أيديولوجيا للمُدافعين عن "الاقتصاد الأخضر". تخلص الدراسة إلى توضيح المفارقة بين الخيارات الاقتصادية المتاحة للرأسملية المعولمة والمتطلبات الاجتمعية للشعوب والمجتمعات المحلية. كلمت مفتاحية:  التغيرات المناخية، الوظائف الخضراء، الرأسملية، الاستدامة. Abstract:  This paper intends to explore the correlation between the issue of climate change and the shift towards green jobs from a critical capitalist approach. It seeks to re-examine the risks of conducting "business as usual" and the impasse of transforming jobs and instruments adopted as part of the sustainable growth approach. Indeed, globalization has involved intense dependence on fossil fuels with a disregard for social demands and sustainability. Such globalization has deferred the creation of green jobs, maintained the accumulation of capital, and allowed unchecked labour to pollute the environment. The creation of green jobs in the context of climate change and adaptation to its impacts, by reference to Kyoto Protocol mechanisms and subsequent amendments, remains fundamentally ideological. Finally, the study illustrates the paradox between economic alternatives to capitalism and the social imperatives of local communities and peoples.

الكلمات المفتاحية:
  • التغيرات المناخية
  • الوظائف الخضراء
  • الرأسمالية
  • الاستدامة
Keywords:
  • Climate Change
  • Green Jobs
  • Capitalism
  • Sustainability

"الوظائف الخضراء": نقد المنظور الرأس املي Climate Change Challenges and Future Challenges for the Transition to "Green Jobs": Criticism of the Capitalist Perspective

مقدمة

قد يُقدّم المستقبل حوافز للتغير الجذري في حقول معرفة "التغيرات المناخية"1، ونقص مخزون النفط، والتمرد على الوضع القائم، والحاجة الملحّة إلى أنماط حياة أكثر استدامة؛ ويمكن أن تؤدي هذه القوى مجتمعةً أو منفردةً إلى تكوين مجتمعات ستتحول بسرعة فائقة2. ولذا، ستكون التكنولوجيا في الموعد مع الحدث المناخي والتقلبات/ التحولات المناخية. "اخضرار العالم"، و"تخضير الاقتصاد" (Economy Greener)، و"تخضير المنتجات والخدمات"، و"المبادرات الخضراء" (Initiative Green)، و"تخضير الجيوش الوطنية/ القومية" من أجل ممرسة وظيفة التدخل عندما تكون مخاطر مناخية شديدة التطرف، و"تعزيز الأسواق الخضراء"، و"التكنولوجيا الخضراء"، و"الدولة الخضراء"3... إلخ، هي مفاهيم تستلزم الانتقال من التركيز على الناتج الوطني الخام4 إلى استحضار رفاهية الشعوب في سياق تبدّل/ تغيّ الظروف البيئية5. فالناتج الوطني الخام يجب أن يتضمن عناصر جديرة بالاهتمم، كمؤشرات التنمية المستدامة، وحساب الموارد الطبيعية6. ولا يمكن التركيز فقط على إدماج كل الإنتاج وكل النفقات في الناتج الوطني الخام، لأن ذلك يتضمن الإنتاج المضرّ والمُهدد للبيئة7؛ إذ ينبغي إيجاد الأدوات المالية والاقتصادية الملائمة من أجل معالجة الإنتاج المضرّ بالبيئة.

  1. توضع عبارة "التغيرات المناخية" (changes Climate) بين علامتي تنصيص (في الإشارة الأولى من هذه الدراسة) لوجود صعوبات كثيرة في المفهوم ذاته، ولارتباطه بمفاهيم مُشابهة كالتغيرية المناخية (Variability Climate)، والتحولات المناخية، والاحتباس الحراري، والاحترار العالمي (Warming Global)... إلخ. كما يشكّك العديد من الباحثين في هذا المفهوم، باعتبار أنّ الإنسان الغربي يُحدد لنا المفاهيم الأساسية من أجل خدمة أجندات معيّنة. لذا، حريّ بمجامع اللغة العربية في الوطن العربي نزع الطابع الأيديولوجي عن هذه المفاهيم والإسهام في صوغ منظور مفاهيمي عربي ينسجم مع ثقافتنا بشأن البيئة والمحيط.
  2. Richard Donkin, The Future of Work (London: Palgrave MacMillan, 2010), p. 15.
  3. لا تعني "الدولة الخضراء" ببساطة الدولة الديمقراطية الليبرالية التي تُديرها حكومة حزب أخضر برزمة من الأهداف البيئية المحدّدة، على الرغم من أن المرء قد يتوقع في ذلك أن تكون الدولة الخضراء هي أقرب أنماط الحكم إلى التحول إلى دولة ليبرالية أو دولة ديمقراطية اجتماعية. فعلى العكس من ذلك، تعني الدولة الديمقراطية التي تتوفر على نواظم وإجراءات ديمقراطية تستمدها من الديمقراطية الإيكولوجية بدلً من الاهتداء بنواظم الديمقراطية الليبرالية وإجراءاتها؛ لذا يمكن فهم هذه الدولة بوصفها دولة ما بعد ليبرالية (Postliberal State)، تعزز العمل الجماعي للدفاع عن حماية البيئة والعدالة البيئية مع الأخذ في الاعتبار المسؤولية (الفردية والمتعددة الأطراف) من أجل تفادي نقل التكلفة الاجتماعية والإيكولوجية خارج ترابها الوطني أو في المستقبل. ينظر: Robyn Eckersley, The Green State Rethinking Democracy and Sovereignty (Cambridge, MA: MIT Press, 2004), pp. 2, 13.
  4. الناتج الوطني الخام هو قيمة إنتاج البلد + قيمة الإنتاج المحصل عليه من خارج الحدود الوطنية - إنتاج المواطنين غير القاطنين في البلد. أما الناتج الداخلي الخام فهو قيمة الإنتاج المحصل عليه داخل البلد بغضّ النظر عن جنسية المنتِج.
  5. Angela Wilkinson, "Using Strategic Foresight Methods to Anticipate and Prepare for the Jobs-scarce Economy," European Journal of Futures Research, vol. 4, no. 12 (2016), p. 7.
  6. Joseph Stiglitz, Amartya Sen & Jean-Paul Fitoussi, Richesse des nations et bien-être des individus (Paris: Odile Jacob, 2009), p. 326.
  7. Serge Latouche, Survivre au développement: De la décolonisation de l'imaginaire économique à la construction d'une société alternative (Paris: Editions Mille et Une Nuit, 2004), p. 83.

تتميز الثورة الرقمية بتزايد الأتمتة واستخدام الروبوت والذكاء الاصطناعي؛ ما أدّى إلى تحول بنية الشغل واختفاء بعض مناصب الشغل ونهاية الشغل الدائم. فبحسب إحدى الدراسات الحديثة، ابتلعت استخدامات التكنولوجيا الحديثة 39 في المئة من مناصب الشغل في ألمانيا، في حين وصلت هذه النسبة إلى 47 في المئة في الولايات المتحدة الأميركية8. ومن ثمّ، سيكون سؤال الاستدامة البيئية (وقد يكون محطةً لبلوغ الاستدامة المجتمعية) بالتأكيد أحد أبرز تحديات المستقبل، بسبب حدّة ظاهرة التغيرات المناخية، وتأثيراتها الكبرى في جميع المستويات (العالمية، والوطنية، والإقليمية). وهذا سؤال يفتح في الآن ذاته آفاقًا جديدة لأنماط الإنتاج والاستهلاك معًا، ومن ثمّ، يفتح الباب أمام فرص عملٍ ووظائف "خضراء" عديدة، ينبغي التحضير لها. ولا شكّ في أن "خلق" الوظائف الخضراء أو تعزيز النمو الأخضر يعني تحولً جذريًا للعنصر البشري في مواجهة تحديات التغيرات المناخية وتداعياتها، والاستفادة من الفرص الجديدة التي تنجم عن رفع هذه التحديات. فهل يستطيع العامل تطوير مؤهلاته من أجل المساهمة في الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر؟ وهل يمكن أن يوفر ربّ العمل بيئة آمنة ويصقل مهارات العامل الأساسية، ومن ثم يضمن تحوّلً في الوظائف (Shift Job)، قصد ضمن انسيابية في مسلسل التحول، والحفاظ على "مكتسبات" العقد الاجتمعي للعمل في سياق انقراض وظائف معينة وظهور وظائف جديدة؟ من أجل بناء تحليل علمي حول مدى قدرة المجتمعات على "خلق" الوظائف الخضراء بشأن "مجابهة" التغيرات المناخية وتداعياتها، سنحاول تفكيك الموضوع الذي يركز على "خلق" الوظائف الخضراء بوصفه آلية تساعد على المساهمة في الجهود الدولية "للحدّ" من التغيرات المناخية، والإبقاء على درجة حرارة أقلّ من 1.5 درجة مئوية ضمن منظور اتفاق باريس للتغيرات المناخية لعام 2015، من جهة أولى. وقد يكون الأمر مجرد أيديولوجيا في يد سلطة الأنثروبوسين (Anthropocene من أجل تجديد شرعية)9الكابيتالوسين (Capitalocene)10 الغربي، من جهة ثانية. وهل يُؤخذ في الاعتبار العنصر البشري في التّحول من الاقتصاد الأحفوري إلى "الاقتصاد الأخضر"11، من جهة ثالثة؟ تأتي في هذا السياق ضرورة تبديل أنماط الإنتاج ومعاييره (الإنتاج الخطي اللامتناهي) والاستهلاك ("أتسوّق، إذًا أنا موجود" am I therefore Shop I)، وإعادة توجيه المبادلات بحسب المتطلبات البيئية والاستدامة المجتمعية. وفي هذا دعوة إلى الإبداع واستعمل الخيال العلمي لتجاوز الأزمات وتفكيك آليات العولمة

  1. Wilkinson, p. 11.
  2. الأنثروبوسين" هي حقبة جيولوجية جرى اقتراحها لتأريخ بداية التأثير البشري الكبير في البنية الجيولوجية والبيئية لكوكب الأرض، لا سيما تأثيرات التغير المناخي.
  3. في مقابل تسمية "الأنثروبوسين" ذات الطيف الواسع، اقترح بعض المدافعين عن البيئة تسمية "الكابيتالوسين" لتعيين العصر الجيولوجي الحالي الذي يبدأ مع تطور النظام الرأسمالي، بغرض التأكيد على أن النظام الرأسمالي هو السبب الأساسي للأزمة البيئية، وليس البشر عمومًا.
  4. نشير إلى أن مفهوم الاقتصاد الأخضر هو مفهوم ليبرالي لا يخرج عن معادلة النمو الاقتصادي والهيمنة النيوليبرالية. وقد سارت تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) في هذا الاتجاه. ولذا ينبغي أن نأخذ في الاعتبار هذا النقد في هذه الدراسة.

(جاك سابير12، والمهدي المنجرة13، وإخضاع "خلق" الوظائف الخضراء في سياق التغيرات المناخية لمنطق التفاوتات في سوق العمل وتقسيم العمل بين الإنسان والآلة، وعواقب ذلك على السياسات الاجتمعية والسياسات العمومية.فصعوبة الانتقال (ونقصد به التحول النوعي) تبيّ بوضوح أنّ المقاولات/ الشركات تعيش المنزلة بين المنزلتين؛ أي الاعتمد على الوظائف بالمفهوم التقليدي، وإبداء "حسن النية" في تعزيز الوظائف الخضراء من أجل تحسين صورتها وتجميلها أمام المنتفعين.)Stakeholders(من الصعوبة حصر موضوع التغيرات المناخية وعلاقته ب "خلق" مناصب الشغل الخضراء؛ ولذا نشير إلى أن قطاعات كثيرة (كالطاقات المتجددة، وحمية الأنظمة الإيكولوجية والتنوع البيولوجي، والتدوير، وتدبير النفايات، والنقل، والتكنولوجيا، وقطاع الأعمل، والإدارات... إلخ) تساهم في الجهود الدولية المناخية؛ ما يُصعّب من مهمة الإلمام بها جميعًا. ومن أجل تفادي هذه المعضلة، سنقوم بتحليل اشتغال بعض القطاعات من أجل فهم العلاقة بين التغيرات المناخية وتعزيز سُبل الانتقال النوعي، ومن ثم "خلق" الوظائف الخضراء.

أولً. هول التغيرات المناخية ومخاطر ممرسة الرأسملية الاعتيادية

1. النمو الاقتصادي "الأخر" ومأزق تحويل الوظائف

يمكن تفسير العلاقة بين القوة العاملة ومصادر الطاقة المتجددة بآليات متعددة، أهمها مفهوم "الوظائف الخضراء". فهذا المفهوم أحدثته الدول التي بدأت تُعنى بتدبير الطاقات المتجددة والاستثمر فيها، وبتعزيز "التنافسية"14 الاقتصادية العالمية بالاستثمر في مصادر الطاقات المتجددة. ومنطلقها في ذلك أن التوجهات الجديدة للتجارة (أو الأعمل) وفاعليتها ستتعمق، ومن ثمّ ستتمخض عن ذلك فوائد على المستويين القريب والبعيد المدى15.

  1. Jacques Sapir, La démondialisation (Paris: Le Seuil, 2011).
  2. المهدي المنجرة، عولمة العولمة، سلسلة منشورات الزمن 18 (الرباط: منشورات الزمن،.)2000
  3. من المفيد تحليليًا أن نُخضع مبدأ "حرية المنافسة" للنقد؛ ذلك أنّ مجرد الترجمة إلى اللغة العربية لكلمة (Concurrence) باللغة الفرنسية تحمل دلالات مشوّهة على مستوى الفهم. فمفهوم المنافسة هو مفهوم ليبرالي بامتياز، أ رِيد منه التغطية على الاحتكار والهيمنة في استخراج المواد الأولية وتسويقها وتصديرها. وفي عالم الاقتصاد والتجارة والاستثمار، لا توجد أيّ صورة من صور التنافس وفقًا لقواعد مجتمعية أو قانونية واضحة؛ فالغلبة للأقوى، والسوق ("اليد الخفية" عند آدم سميث) هي المحدد لشروط "المنافسة" وضوابطها. أما تدخّل الدولة والمجتمع لتنظيم آليات السوق، فهي قضايا غير مرغوب فيها من وجهة نظر ليبرالية ونيوليبرالية على حدّ سواء. وانطلاقًا من هذا التحليل، يمكن القول إن "حرية المنافسة" تعني المزاحمة والاحتكار وتحرير الاقتصاد من "قبضة الدولة"، ومن ثمّ الهيمنة وتوجيه الاقتصاد نحو خدمة الفرد، وليس المجتمع، وغزو الأسواق الدولية، وضمان استدامة الهيمنة الرأسمالية. ينظر: الحسين شكراني، تناقضات القانون الدولي: مدخل تحليلي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2019)، ص.281
  4. Mehmet Akif Destek, Ferda Nakipoglu Ozsoy & Asli Ozpolat, "Investigation on the Job Creation Effect of Green Energy in OECD Countries," in: Muhammad Shahbaz & Daniel Balsalobre-Lorente (eds.), Econometrics of Green Energy Handbook: Economic and Technological Development (Cham, Switzerland: Springer, 2020), p. 33.

يتطلب نجاح الرّخاء الاقتصادي وازدهار التجارة (الأعمل) النمو الاقتصادي، لكن يمكن القول إن صيانة البيئة الطبيعية تستلزم وضع حدّ للنمو الاقتصادي، بل تقليص "سلطة" المقاولة الاقتصادية، مع كل ما يترتّب على ذلك من تداعيات وعواقب، كنقصٍ في الوظائف، وفي حجم الاستثمرات الدولية، و"تبدّل" في معايير المعيشة التي تَعوّدنا عليها باعتبار ذلك نوعًا من التفكير الجديد16. فالدولة المستسلمة للسوق لا قدرة لها على تحقيق توزيع أكثر عدالة للخيرات، حتى وإن طالبتها بذلك الأكثرية الساحقة من المواطنين17. ومن المعلوم أن التغيرات المناخية ساهمت في تشكيل الطلب على الوظائف وتغييره. ومن ثمّ، حاولت أغلبية الشركات ضمن القدرة على "التكيف" مع الصدمات الخارجية، واتخذت الإجراءات الملائمة لذلك، على غرار التكيف الذي قامت به لمجابهة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في النصف الأول من عام 2020، من خلال اتباع طرائق متعددة ومبتكرة لتنظيم التجارة18. بيد أنّ الحلول المطروحة من المنظور الرأسملي للتغيرات المناخية، المتجسدة في أنماط الإنتاج والاستهلاك، تظلّ غير كافية، لا سيم في عالم الشمل؛ إذ يوجد تناقض بين فكرة النمو الشّامل، والأنماط الحالية للنمو في القارة الأفريقية التي تتميز بدرجة عالية من عدم التكافؤ على أساس استخراج الموارد الطبيعية من أجل تعظيم الربح وانتشار الحلول الليبرالية الإقليمية، التي تقودها السوق لتحقيق النمو19. من المهم، إذًا، وضع الإشكالية البيئية وطرائق معالجتها في إطارها العام (والصحيح). فالاقتصاد العالمي ينتمي إلى ما يمكن أن نسميه "ما بعد المركزية البشرية" (Post-anthropocentric)؛ إذ إنه يوحّد جميع الأنواع في نهاية المطاف تحت حتمية السوق، وتهدّد تجاوزاتُه استدامةَ كوكبنا برمّته20. ونحن نعيش في "مجتمع المخاطر " (Society Risk) بكلّ المقاييس؛ ف "مجتمع المخاطر يحاول الإجابة عن: كيف أن المخاطر والتهديدات التي وقع إنتاجها منهجيًا ونسقيًا على طول مسار التّحديث، يمكن أن تزول أو تتنحّى، أو على الأقل أن نحدّ من فاعليتها حتى لا تتجاوز المستوى المسموح به بيئيًا وصحيًا ونفسيًا واجتمعيًا؟"21. ولا شكّ في أن هذه المخاطر الناتجة من التكنولوجيا تتجاوز بالتأكيد "خلق" الوظائف الخضراء من أجل تعزيز الاستدامة المجتمعية وحقوق الأجيال

  1. Lisa H. Newton, Business Ethics and the Natural Environment (Oxford: Blackwell Publishing, 2005), p. 5.
  2. هورست أفهيلد، اقتصاد يغدق فقرًا: التحول من دولة التكافل الاجتماعي إلى المجتمع المنقسم على نفسه، سلسلة عالم المعرفة 335 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2007)، ص.285
  3. Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD), Business Priorities for the Future of Work Policy Recommendations to OECD and Member Governments (Paris: OECD Publishing, 2021), p. 5, accessed on 3/5/2022, at: https://bit.ly/3cuJfvR
  4. Leon Tikly, Education for Sustainable Development in the Postcolonial World: Towards a Transformative Agenda for Africa (New York: Routledge, 2020), p. 142.
  5. Rosi Braidotti, The Posthuman (Cambridge, UK/ Malden, MA: Polity Press, 2013), p. 63.
  6. عبد الحميد العبيدي، "محاولة في فهم تقاطعات الخطاب البيئي مع مسار نقد الحداثة"، عمران، مج 8، العدد 31 (شتاء 2020)، ص.133

المقبلة التي تتطلب القيام بجهود إضافية وتوجيه الاهتمم نحو مقاربة المدى البعيد وتعزيز التربية على البيئة وحقوق الإنسان. تُبين معظم الدراسات عدم وجود أيّ إنقاص صَافٍ للعمل نتيجةً لتطبيقات السياسة البيئية، أو وجود إنقاص/ نقص صغير فحسب، ولكن غالبًا ما يرتبط بالمعايير البيئية وقراراتها، في حين تميل دراسات أخرى إلى وجود آثار جذرية تُحدثها فرص العمل الناتجة من التنمية المستدامة22. فقد تعرّض العمل الشباب لمخاطر اضطراب أوسع خلال العشرية الماضية، وتضمّن ذلك الاستقطابات السياسية والاضطرابات الجيوسياسية ومخاطر بشأن التغيرات المناخية، إضافة إلى تداعيات الأوبئة وعواقبها. وهو ما يجعل حياة الشباب موسومةً بمستويات عالية من الغموض والارتباك وعدم اليقين23. إن الانتقال (التحول النوعي) إلى "الاقتصاد الأخضر"24 يتطلب مهارات وكفاءات نوعية للوظائف الجديدة، وتطويرًا للوظائف الحالية. لذا، سيكون الانتقال مستحيلً من دون وُجود تدريب مُستدام وملُائم. فقد تم التحذير من فجوة المهارات بوصفها إجراءً معطّلً للعديد من القطاعات، منها الطّاقات المتجددة، وقطاع البناء، والخدمات البيئية، والتصنيع؛ وتتجلى الفجوات "الموجودة والمحتملة معًا" في المهارات المتصلة بتخفيض الكربون على نحو أساسي في الدول النامية. ولذا، فإن توفّر العمل والشركات على مهارات ملائمة للوظائف الخضراء لا يؤدي دورًا حاسمً للانتقال إلى الاقتصاد الأخضر فحسب، ولكنه يمكّن من الانتقال العادل الذي يضمن ظروف الإدماج الاجتمعي وشروط العمل الملائم أيضًا25. وتجاوز الفجوات على هذا النحو هو مسؤولية الدولة والشّكات والشركاء الاجتمعيين. من منظور مفاهيمي أوسع، ما دام الاقتصاد موجّهًا نحو "استدامة أكبر"، فسيتأثر الشّغل بأربعة توجهات26: في بعض الحالات، سيجري "خلق" فرص الشغل الإضافية، كم هو الحال في تصنيع الأجهزة التي تراقب التلوث، علاوةً على المعدات التجهيزية الموجودة.

  1. Mathew Forstater, "Green Jobs: Public Service Employment and Environmental Sustainability," Challenge, vol. 49, no. 4 (July-August 2006), p. 59.
  2. Andrew Schwedel et al., The Working Future: More Human, not Less: It is time to change How We Think about Work (Boston, MA: Bain & Company: 2022), p. 53, accessed on 3/5/2022, at: https://bit.ly/3B9e8jT
  3. عرّف برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) "الاقتصاد الأخضر" بأنه الاقتصاد الذي يولّد تحسينًا للرفاهية البشرية والمساواة الاجتماعية من جهة، والإقلال بصورة ملحوظة من المخاطر البيئية وندرة الموارد الإيكولوجية من جهة أخرى. ينظر في ذلك: United Nations Environment Programme (UNEP), "Green Economy," accessed on 26/10/2022, at: https://bit.ly/3sxYKYy
  4. Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD), "Making the Green Recovery Work for Jobs, Income and Growth," 6/10/2020, accessed on 17/5/2022, at: https://bit.ly/3cu7GJG
  5. United Nations Environment Programme (UNEP), Green Jobs: Towards Decent Work in a Sustainable, Low- Carbon World (Nairobi: UNEP, 2008), p. 43.

سيجري إحلال بعض الوظائف في الطاقات الأحفورية (النفط والغاز والفحم) بوظائف في الطاقات المتجددة؛ أو سيجري الانتقال من تصنيع الشاحنات إلى تصنيع خطوط السكك الحديدية؛ أو من دفن النفايات وحرقها إلى وظائف في مسلسل التدوير. قد تُلغى بعض الوظائف من دون تعويضها مباشرة، كم هو الحال في تثبيت مواد التغليف أو حظرها أو وقف إنتاجها. يبدو أن وظائف مثل السّباك والكهربائي وعُمل المعادن والعاملين بالبناء سيُعاد تحديدها من جديد، بوصفها مهارات يومية وأساليب عمل تتضمن "مهارات خضراء". لكن ثمة إشكالات للحسم تتمثل في أن المهارات الخضراء يمكن توثيقها وتحليلها، والأصعب من ذلك توقّع آثارها وتداعياتها. يشكّل إنشاء ما يُسمى الوظائف الخضراء عامل جذبٍ لصانعي السياسات، من أجل تشجيع تطوير الطاقة المتجددة، وهذا يمثّل حقيقة قائمة (ينظر الجدول (1)) في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، يتطلب توسيع الطاقة المتجددة تعديلات اقتصادية مهمة في قطاعات توليد الطاقة الكهربائية، و"خلق" تنافسية مع قطاعات الفحم والغاز الطبيعي. وسيؤدي التخلي المباشر عن مصادر توليد الكهرباء إلى نقص في الوظائف في القطاعات التي تعرّضت للضّر، وستكون تداعيات هذا النقص في مسار/ مسلسل سلاسل التوريد27. وقد يبدو الأمر واضحًا؛ إذ تجري حمية 30 في المئة من الأراضي في الأعوام الثمنية المقبلة، وحمية الغابات من أجل امتصاص ثاني أكسيد الكربون، وبناء محطات الطاقات المتجددة، بصورة أسرع من المعهود. لكن يجب أن نتذكر أن الناس لهم وظائف في الاقتصاد المعتمد على الوقود الأحفوري، ولذا يمكن استخلاص الدروس من عملية عدم الانتقال العادل وعدم دعم السّلم في تاريخ يغلب عليه التقلب/ التغير ومحاولات للحمية المفروضة، والوقود الحيوي وسدود الطاقة الكهرومائية28. فالمعلومات التي يوفرها المكتب الأميركي للإحصائيات بشأن الشغل (Statistics Labor of Bureau) تدلّ على أن الوظائف الخضراء تمثّل نسبًا متدنية في مجال الشغل في الولايات المتحدة الأميركية. ومث لً على ذلك، يُوجَد في قطاع الخدمات، الذي يُثل نصف الساعات الإجملية للعمل في الاقتصاد الأميركي، 2 في المئة فقط من المُشغّلين في قطاع الخدمات المصنّفة ضمن "النمو" الأخضر؛ وتُشير التقديرات في بلدان أخرى إلى أن العمل الأخضر لا يمثل سوى 2 - 3 في المئة من مجموع العملة (Employment Aggregate.)29وبين عامي 2001 و 2010، مثّلت ساعات العمل في القطاعات الأكثر "اخضرارًا" الثلث فقط من تجميع/ مجموع ساعات العمل في القطاعات "الخضراء" في الاقتصاد الأميركي30.

  1. Yaqian Mu et al., "Employment Impacts of Renewable Energy Policies in China: A Decomposition Analysis Based on a CGE Modeling Framework," Applied Energy, vol. 210 (2018), p. 257.
  2. Richard Black et al., Environment of Peace: Security in a New Era of Risk (Stockholm: Stockholm International Peace Research Institute, SIPRI, 2022), p. 44.
  3. Olivier Deschenes, "Green Jobs," IZA Policy Paper, no. 62, Institute of Labor Economics (IZA) (May 2013), pp. 372-373, accessed on 6/6/2022, at: https://bit.ly/3IVkIwg
  4. Ibid. أ. آليات بروتوكول كيوتو (1997): التكنولوجيا والفشل في التأقلم

وفي المقابل، يجب تنظيم الحدّ من النّمو، ليس من أجل حمية البيئة فحسب، ولكن من أجل إعادة النظر في بنية العدالة الاجتمعية أيضًا. ومن دون ذلك، سيظلّ الكون محكومًا بالانفجار؛ ذلك أن البقاء الاجتمعي والبقاء البيولوجي يرتبطان أشَدّ الارتباط. فحدود الميراث الطبيعي لا تطرح مشكل الإنصاف بين الأجيال لاقتسام الحصص الموجودة، لكن المشكل يكمن في التوزيع بين الأعضاء الموجودين حاليًا31. إن الاستجابة للتغيرات المناخية هي استجابة كونية تتعلق بالاختيارات التي نعتمد عليها في مجالات "التنمية"، و"النمو"32، ونوع المجتمع الذي نطمح إلى تحقيقه، والفرص التي يمكن أن تستفيد منها الأجيال الحالية والمقبلة33. وقد تبيّ أن جميع أشكال الرأسملية وأنماطها خلال القرنين التاسع عشر والعشرين عملت من دون ضمن استدامة قاعدة الموارد الطبيعية. فقد نُظر إلى العالم الطبيعي والعالم الفيزيائي، بوصفهم عالمين مستقلين عن الاقتصاد، ومن ثمّ ضمن التحول الأقصى لهذه الموارد34. ولذا تُطرح العلاقة بين الإنسان والآلة؛ إذ "ترى النظرية النسقية أن الإنسان آلة تتجدد ذاتيًا، وتُحيل إلى ذاتها بذاتها، وتحافظ ذاتيًا على توازنها الداخلي، ومحكومة بالبنية المحددة لها ومغلقة. أما الاتجاه الآلي، فيعتبر أن الجسد آلة كبرى لا تختلف في تركيبها عن تركيب الساعة اليدوية، على خلاف الاتجاه الحيوي الذي يلحّ على استقلالية الجسم العضوي عن البيئة الفيزيائية المحيطة، وعلى وجود قصدية ذاتية تحرّكه. وتطل من قلب التاريخ الفلسفي فكرة ديكارت عن 'الآلة الوحش'. وتشبيه العالم الحي وغير الحي بالآلة، استعارة تُضفي نوعًا من التّسويغ على النظرة البرجوازية للعالم. فالآلة هنا هي التي اتخذت نموذج الإنسان الحي، وليس العكس؛ إذ إن الآلة صارت رمزًا مميّزًا للعلاقات الإنتاجية البرجوازية، مثلم كان الكيان الاجتمعي رمزًا للمجتمع الإقطاعي"35.

2. بردايم سوق الكربون و"خلق" الوظائف الخراء

تُعدّ آليات بروتوكول كيوتو (المرنة) بمنزلة تطبيق تقني لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للتغيرات المناخية (UNFCCC) لعام 1992. وبناء عليه، سنرى مدى إمكانية الاعتمد على آلية الاتجار في الانبعاثات

  1. Serge Latouche, Décoloniser l'imaginaire: La pensée créative contre l'économie de l'absurde (Lyon: Parangon/ Vs, 2005), p. 16.
  2. إن التنمية الاقتصادية هي مقدمة للانتقال من حالة التخلف الاقتصادي بكل أبعاده إلى حالة التقدم الاقتصادي بمفهومه الشامل. إذّاك، يختلف مفهوم "التنمية المستدامة" عن مفهوم "النمو الاقتصادي"؛ حيث إنها تنطوي على إجراءات معيّنة وتعمل على تحولات جوهرية في النظام الاقتصادي والبناء الاجتماعي والنسق الثقافي لتشمل جميع أبعاد المجتمع. ينظر: عبد الله القرطبي، "في سبيل الفهم السوسيولوجي للأسس العلمية والرهانات المجتمعية للتنمية المستدامة"، في: الإنسان والبيئة: مقاربات فكرية واجتماعية واقتصادية، إشراف الحسين شكراني وعبد الرحيم خالص (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2017)، ص.131
  3. John Urry, Climate Change and Society (Cambridge, UK/ Malden, MA: Polity Press, 2011), p. 10.
  4. Ibid., p. 117.
  5. عمار علي حسن، المجاز السياسي، سلسلة عالم المعرفة 486 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2021)، ص -114 الاتجار في الانبعاثات التنفيذ المشترك

(ET)، وآلية التنفيذ المشترك (JI)، وآلية التنمية النظيفة (CDM) في "خلق" الوظائف الخضراء وتحقيق الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر.

تُطبّق هذه الآلية في الدول الصناعية. ففي أنظمة التجارة، يُفضّل أصحاب الصناعات استخدام أنظمة "ائتمنية" من أجل تقليص التلوث. وتحصل مصادر التلوث (محطات توليد الكهرباء على سبيل المثال) على ائتمنات (Credits) أو مخصصات بصورة أساسية في صورة تراخيص تُستعمل لإنتاج كمية معينة من التلوث خلال فترة زمنية محددة على سبيل المثال (طن من غاز NOX في سنة معينة). وإذا كانت المنشأة أقل تلويثًا من ذلك، يمكنها أن تبيع بعضًا من مُخصصاتها إلى محطة أكثر تلويثًا تحتاج إليها، ومن ثمّ يحصلان معًا على حافز مالي من أجل تحقيق نظام تجاري نظيف والإبقاء على ذلك36. والاتجار في الانبعاثات منصوص عليه بمقتضى المادة (17) من بروتوكول كيوتو، وهو نظام للحصص القابلة للتداول يعتمد على الكميات المحددة التي تُحسب من الالتزامات المدرجة في البروتوكول والخاصة بخفض الانبعاثات والحدّ منها37.

تنصّ عليه المادة (6) من بروتوكول كيوتو، وهي آلية مفعّلة بين الدول الصناعية من أجل مجابهة التغيرات المناخية. وفي هذا الإطار، يُذكر أن الاتحاد الأوروبي يقوم بتحديد استراتيجيات أساسية لهجر الطاقة الأحفورية (النفط والغاز والفحم)، لكن الشركات الأوروبية تُحاول نقل نشاطاتها إلى خارج الاتحاد بوصفه تجمعًا إقليميًا. ولذا، لا يمكن أن تساهم هذه الشركات في إنقاص البصمة الإيكولوجية والكربونية خارج الاتحاد الأوروبي. ويكفي أن نذكر الاحتجاجات الكثيرة للسكان المحليين في دلتا النيجر، بالتعاون مع منظمة العفو الدولية (International Amnesty)، ومنظمة أصدقاء الأرض في هولندا) Netherlands - Friends of the Earth International(ضد شركة البترول "شل" (Shell) الهولندية - البريطانية؛ والترافع ضدها أمام المحاكم الوطنية في هولندا. وبخصوص الوظائف الخضراء، فقد أقدمت شركة شل للبترول، على العكس من ذلك، في 30 أيلول/ سبتمبر 2020 على إلغاء 9000 وظيفة بسبب التداعيات الاقتصادية لجائحة (كوفيد 19-)، وأعلنت عن إعادة النظر في بنية الشركة38.

  1. Newton, p. 129.
  2. عبد المنعم مصطفى المقمر، الانفجار السكاني والاحتباس الحراري، سلسلة عالم المعرفة 391 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2012)، ص.232
  3. Royal Dutch Shell," Stringfixer, accessed on 11/6/2022, at: https://bit.ly/3IPT4k8 آلية التنمية النظيفة ب. تعديلات الدوحة 2012 لبروتوكول كيوتو (1997)

وهي الآلية الوحيدة التي أُقرت لإشراك الدول النامية في جهود المجتمع الدولي لتخفيض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. ومن خلال هذه الآلية، يمكن أن تقيم دولة صناعية مشروعات الحدّ من الانبعاثات في إحدى الدول النامية، بحيث تتكفل بتمويل المشروع ونقل التكنولوجيا المناسبة له، وتدريب الكوادر المطلوبة لإدارته، نظير إضافة ما تحقق من خفض إلى رصيد الدولة الصناعية لمساعدتها في تحقيق التزاماتها في إطار البروتوكول39. تتضمن وثائق تحليل الآثار السوسيو - اقتصادية للمشاريع الآثار التي تتجاوز الحدود الوطنية بشأن التّشجير أو إعادة التّشجير في إطار آلية التّنمية النظيفة. ويجب أن تتضمن هذه الوثائق أيضًا جملة من المعلومات عن المجتمعات المحلية، والسكان الأصليين، وامتلاك الأراضي، و"خلق" الوظائف على المستوى المحلي، وإنتاج الأغذية، والمواقع الثقافية والدينية، والوصول إلى الخشب بقصد التدفئة والمنتجات الغابوية الأخرى40. تظلّ التكنولوجيا اللازمة لتغيير غازات الدفيئة معوقًا أساسيًا وأكثر انتشارًا، كم أن تطويرها سيكون أكثر صعوبة. فقد حاول بروتوكول كيوتو إرجاع نسب انبعاثات غازات الدّفيئة إلى مستويات عام 1990 (بوصفه عامًا مرجعيًا) في البلدان المتقدمة، بينم أبقت الأمم الأقل تقدمًا على معيار مختلف يُتيح لها تطوير قدرتها الصناعية41. وبناء عليه، فإنّ ذلك يعدّ بمنزلة "فشل في التأقلم " (adjust to Failure)، ما دامت الانبعاثات الكربونية لم تتوقف عن الارتفاع التدريجي، وما زالت تشكّل خطرًا داهمً على البشرية، ويكفي في هذا الصّدد مراجعة تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) للاستدلال على هول التغيرات المناخية وتداعياتها المستمرة على الإنسان والنباتات والوحيش42.

يُطلق على تعديلات الدوحة الالتزام ببروتوكول كيوتو في نسخته الثانية في عام 2012، والتأكيد على إرادة المجموعة الدولية الحفاظ على التزاماتها الأساسية في مجال "محاربة" التغيرات المناخية عن طريق التعاون المتعدد الأطراف. وقد جرى اعتمد تعديلات الدوحة من أجل مساعدة الدول النامية ذات الانبعاثات

  1. إبراهيم عبد الجليل، "التغيرات المناخية وقطاع الأعمال: الفرص والتحديات"، عالم الفكر، مج 37، العدد 2 (2008)، ص.133
  2. United Nations Framework Convention on Climate Change (UNFCCC), Conference of the Parties Serving as the Meeting of The Parties to the Kyoto Protocol: Report of the Conference of the Parties Serving as the Meeting of the Parties to the Kyoto Protocol on its first Session (Montreal: 28/11-10/12/2005), accessed on 16/5/2022, at: https://bit.ly/3PEVc05
  3. Newton, p. 190 (with adaptation).
  4. ينظر مثلً: Intergovernmental Panel on Climate Change (IPCC), IPCC Sixth Assessment Report: Climate Change 2022: Mitigation of Climate Change (Geneva: IPCC, 2022). ج. اتفاق باريس للتغيرات المناخية (2015)

الغازية القليلة؛ بيد أن هذه الدول تعاني صعوبات في الولوج إلى المساعدات المالية بهدف تعزيز جهودها للتكيف مع آثار التغيرات المناخية وتداعياتها43، وهو ما سينعكس على إحداث الوظائف الخضراء. ومع ذلك، فإن الظروف التي عززت التعاون الدولي والمسؤولية جعلت معظم النمو الحاصل في العالم النامي أكثر نقاءً واخضرارًا. ففي أفريقيا، توجد جهود حثيثة لدعم الطاقة الشّمسية، وأحرزت مبادرات، مثل "مبادرة ديزيرتيك" (Initiative Desertec) بقصد تكثيف الكهرباء لإمداد شمل القارة الأفريقية وجنوب القارة الأوروبية عبر الكابلات، نجاحًا مذهلً. ووفقًا لتقديرات المبادرة، سيكون مصدر معظم الكهرباء في الدول المغاربية في أفق عام 2025 من محطات ضخمة للطاقة الحرارية، مع إمكانيات لتصديرها أيضًا، و"خلق" ما يسمى الوظائف الناتجة من الطاقة الشمسية (Jobs Sun) التي تقلص ثاني أكسيد الكربون44. يبقى السؤال: كيف يمكن أن تنجح الشركات المتعددة الجنسيات في "خلق" المناصب الخضراء ما دامت تستثمر في مجالات اقتصادية وتجارية تتميز بالريع والفساد؟ فقد "حاولت هذه الشركات توجيه استثمراتها المباشرة نحو أقاليم نامية تُحَقّق فيها معدلات مرتفعة من العائد على الاستثمر، مع العمل على تنويع وتغيير النشاطات لتحقيق مزيد من الأرباح والعوائد"45. فخطة هذه الشركات تظل عمومًا هي تحقيق أقصى الأرباح، وهو ما يعني بالنسبة إليها أن الاستثمر في الدول النامية يخضع فقط لمنطق "خلق" الوظائف (التقليدية، وليس الخضراء) لساكنة هذه الدول المستضيفة للاستثمر، من دون التفكير في "خلق" الوظائف الخضراء. ومن ثمّ، أهمية استكمل القوانين والمقررات القائمة لمزيد من التحفيز لهذه الشركات للالتزام بهذه الأهداف.

تحثّ المادة (4) من اتفاق باريس لعام 2015 في فقرتها الثانية جميع الأطراف التي لم تُقدم تعهّدًا بعد في مجال التّخفيف46 في إطار "اتفاقات كانكون " (Agreements Cancun) على أن تقدّمه وتنفّذه. وقد أطلق على هذه التعهدات المساهمت المحددة وطنيًا (Determined Nationally

  1. Newton, p. 190.
  2. The Rockefeller Foundation & Global Business Network, Scenarios for the Future of Technology and International Development (May 2010), p. 29, accessed on 11/10/2022, at: https://bit.ly/3Em7nMV
  3. أحمد منير النجار، "دور الاستثمار الأجنبي المباشر في تنمية الدول العربية: الواقع والتحديات"، عالم الفكر، مج 42، العدد 160 (2014)، ص.58-57
  4. فيما يخص التخفيف، تتركز التمويلات في الدول التي لها انبعاثات غازية معتبرة. ففي عام 2011، مثلً، حصلت 10 دول على 74 في المئة من مجموع التمويلات لا سيما المكسيك والمغرب وجنوب أفريقيا والهند وإندونيسيا؛ في حين استفادت الدول الأقل نموًا من تمويلات ضعيفة. ينظر: Sandrine Mathy, "Pour la création d'un dispositif de financement Pauvreté-Adapation-Atténuation dans le Fonds Vert Climat," in: Agathe Euzen, Bettina Laville & Stéphanie Thiébault (dir.), L'adaptation au changement climatique: Une question de sociétés (Paris: CNRS Editions, 2017), p. 226.

NDCs Contributions,). وتُعدّ هذه المساهمت القلب النابض في اتفاق باريس للتغيرات المناخية الذي أولى "أهمية خاصة لقطاعات الطاقة والفلاحة وتشجير الغابات وحجز الكربون وتخزينه، ما قد يخلق وظائف وفرصًا خضراء"47. وبدوره، أكد مؤتمر الأطراف (COP26) بغلاسكو (2022) على الحاجة إلى دعم التدريب في سياق تحقيق الانتقال العادل والحصول على الوظائف الخضراء48. وما دامت الوظائف الخضراء تُساهم في إنقاص تأثير نشاطات الشركات في البيئة، وإنقاص تداعيات القطاعات الاقتصادية على البيئة، فذلك بالتأكيد يساهم في مستويات معينة من الاستدامة. وأخيرًا، تجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أنّ منظمة العمل الدولية ركزت في تعريفها للوظائف الخضراء على قطاعات الفلاحة والصناعة والخدمات والإدارة، للمساهمة في حمية البيئة أو العمل على استعادة نوعية/ جودة البيئة49.

ثانيًا: التغيرات المناخية: عولمة التجارة الطاقية وأقلمة فرص العمل

1. الحفاظ على الطاقات الأحفورية أم تعزيز المسؤولية الاجتمعية للمقاولة؟

عملت البشرية منذ الثورة الصناعية الأولى في إنكلترا في نهاية القرن الثامن عشر على تكثيف استعمل الوقود الأحفوري وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وهو ما شكّل تهديدًا للبشرية فيم بعد، لا سيم فيم يعرف بمجتمع المخاطر، كم رأينا سابقًا؛ حيث البشرية ملزمة بتوزيع المخاطر بدلً من توزيع المنافع. ومن أهم التأثيرات المُتوقعة، نتيجة الالتزام ببروتوكول كيوتو، هجر الصناعات الكثيفة لاستخدام الطاقة إلى الدول النامية، خاصة تلك التي تتمتع بمصادر جيدة من الوقود الأحفوري. وقد يُشكل ذلك فوائد اقتصادية للدول النامية في المديين القريب والمتوسط، من حيث "خلق" مزيد من فرص العمل والاستثمر ونقل التكنولوجيا، لكنّه في المدى البعيد قد يؤدي إلى تأثيرات بيئية محلية سالبة، خاصة عند عدم فاعلية التشريعات البيئية في الدول النامية أو التّاخي في تطبيقها50.

  1. International Labour Organization (ILO), World Development Social Outlook 2018: Greening with Jobs (Geneva: ILO, 2018), p. 41.
  2. United Nations Framework Convention on Climate Change (UNFCCC), Conference of the Parties Serving as the Meeting of the Parties to the Paris Agreement: Nationally Determined Contributions under the Paris Agreement, Revised Synthesis Report by the Secretariat, Third Session (Glasgow: 31/10-12/11/2021), accessed on 11/10/2022, at: http://bit.ly/3F9pCUV
  3. UNEP, Green Jobs, p. 5.
  4. عبد الجليل، ص.137

يتوقف مستقبل الجنس البشري ورخاؤه وازدهاره على كيفية تعامل دول العالم مع تحديَيّن مرتبطين بالطاقة: أولهم تأمين إمدادات ثابتة من الطاقة بأسعار معقولة؛ وثانيهم التحول إلى مصادر الطاقة المنخفضة الكربون أو الطاقة المتجددة (النظيفة)، كطاقة الرياح أو الطاقة الشمسية أو طاقة جريان الماء51. ومن البديهي أن نتحدث في هذا الصدد عن المسؤولية الاجتمعية للمقاولات، ومدى تمكّنها من التوفيق بين النمو الاقتصادي وحمية البيئة واحترام حقوق الإنسان، ومدى قدرتها على "خلق" فرص شغل (مباشرة وغير مباشرة) لائقة وخضراء منسجمة مع التوجهات الجديدة لبيئة المقاولة. ويمكن الجزم أننا لم نتجاوز بعد خلفيات ظهور مفهوم المسؤولية المجتمعية للمقاولات، لا سيم52: ظهور مشكلات بيئية عابرة للحدود الوطنية، كالتلوث والأمطار الحمضية، وثقب طبقة الأوزون، والتصحر، والصراع على الأنهار الدولية. تحكّم الشركات المتعددة الجنسيات في الاقتصاد العالمي؛ ما يعني مزيدًا من تدمير للبيئة، وانتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، وتجاوز سيادة الدول الوطنية. تزايد ضغط المنظمت غير الحكومية على الشركات عبر الوطنية، كشركات "نايكي" و"شِل" و"توتال"، وردّ هذه الشركات على المطلب الأخلاقي لكي تنقذ صورتها ومنتجاتها.

2. استفحال التغيرات المناخية والفرص الخراء للطاقات البديلة

تحتاج الدول المعتمدة على الطاقات الأحفورية إلى إدماج إجراءات في خططها. وأمام استفحال التغيرات المناخية وتداعياتها على الاقتصادات الوطنية على نحو ملموس، تطوّر استعمل مصادر الطاقات البديلة (أي الطاقة المستخدمة من مصادر غير الوقود الأحفوري)، وتعزّز الاستثمر فيها تدريجيًا. وقد بدأت العديد من البلدان النامية في بلورة سياسات في مجالات الطاقة الخضراء53. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى المساهمت المحددة وطنيًا والاستراتيجيات الطويلة الأجل للتنمية والانبعاثات المنخفضة (LT-LEDS) التي تُساهم في الانتقال إلى إنتاج الطاقات المتجددة من أجل تعزيز "الانتقال العادل" للعمل والمجتمعات المحلية، وكلّ من يعتمد على الطاقات الأحفورية54. وينص مرفق اتفاق باريس (2015) في المادة (15)، في الفقرة الأولى، على تشارك الأطراف في رؤية طويلة الأجل

  1. المقمر، ص.148
  2. الحسين شكراني، "المسؤولية المجتمعية للمقاولات: مدخل عام"، بحوث اقتصادية عربية، العددان 55 - 56 (صيف-خريف 2011)، ص.217
  3. Destek et al., p. 132 (with adaptation).
  4. Zoha Shawoo & Cleo Verkuijl, "Building Back Better through Climate Plans: How NDCs and LT-LEDS can Address Fossil Fuel Production and Support a Just and Sustainable Recovery," SEI Brief, Stockholm Environment Institute (May 2020), p. 1.

بشأن أهمية تحقيق هدف تطوير التكنولوجيا ونقلها لتحسين القدرة على تحمّل التغير المناخي وخفض انبعاثات الدّفيئة. وعندما نفكر في الانتقال الطّاقي، من بين أهم السّبل التي قد تعتمدها الحكومة من أجل بلوغ أهداف الاقتصاد الأخضر، نذكر التأطير القانوني البيئي (Regulation Environmental؛ إذ لا يمكن مناقشة)55الانتقال الطاقي من دون وُجود ترسانة قانونية منظمة لتفاصيل مسلسل الانتقال. وفي هذا الصّدد، طرح جوزيف مارشان سؤلً أساسيًا هو: "هل سيتم تحويل الطاقة من اللون البني (Energy Brown Job) [أي من الاقتصاد الأحفوري] إلى اللون الأخضر [أي الاقتصاد الأخضر]"؟ ومن أجل الإجابة عن السؤال، اعتمد الباحث على المقارنة بين الوظائف التي يحدثها النفط والغاز، والوظائف في قطاع الفحم، والوظائف في قطاع الطاقات الشمسية، ووظائف طاقات الرياح56، مشيرًا إلى أن الإحصائيات والتوقعات الحالية تؤكد أن الإجابة لا تزال بالنفي57. وأمام جشع الشركات المتعددة الجنسيات، يُطرح أيضًا التساؤل بشأن البعد الاجتمعي المتّبع من أجل التوظيف، وإن كانت السياسات المناخية و"خلق" الوظائف الخضراء تأخذ في الاعتبار ظروف العمل ونوعية الوظائف، وهل هذه الوظائف لائقة بالإنسان المشغَّل؟58ثمة، إذًا، أهمية في إدماج الأبعاد الاجتمعية و"الشروط الخضراء" في المفاوضات الجمعية. فأجندة الاستدامة الخضراء لن تكون ذات صدقية إلّ إذا جرى تطبيق المساواة في معالجة الظروف على الجميع. ولن تكون هناك أيّ مساواة في حالة حرمان مليارات من الناس من الغذاء والتعليم والصحة، ولن يحدث "الاخضرار" من دون إنصاف59.

3. الممرسات الطاقية الأحفورية وتأجيل الفرص الخراء

أعلنت العديد من الدول رغبتها في الانتقال الطاقي والتخلي عن الطاقات الأحفورية. لكن الواقع العملي يدلّ على وجود صعوبات سياسية واقتصادية ومالية كثيرة من أجل ضمن الانتقال. فحتى الدول الصناعية التي قطعت شوطًا مهمً في الحفاظ على البيئة كألمانيا، لم تستطع تجاوز معضلة الطاقة الأحفورية. ومن جهتها، فشلت الدول النامية في اختيار مسلك الطاقات المتجددة؛ ففي المغرب مثلً،

  1. Applying the Scientific Method to Labour Markets," Future Energy Systems, University of Alberta, 29/1/2020, accessed on 17/5/2022, at: https://bit.ly/3zh5Gxx
  2. Joseph Marchand, "Don't it Make my Brown Jobs Green? What Renewable Energy Means for Jobs and Job Quality," Perspectives on Work, vol. 21 (2017), pp. 24-29.
  3. Ibid., p. 29.
  4. Lene Olsen, "The Social Dimension: Are Green Jobs Decent Jobs?" International Union Rights, vol. 17, no. 1 (2010), p. 5.
  5. Ibid., p. 7. أ. البيئة والاقتصاد والمجتمع: علاقة متوتّرة

يوجد تناقض صريح بين الخطاب الرسمي المتجه نحو الاقتصاد الأخضر والممرسة العملية التي تكرّس الاعتمد على المحطات الحرارية للنمو الاقتصادي60. وينبغي التأكيد مجددًا هنا أنّ الطبيعة عصيّة على قوانين السوق الحديثة، ومواردها اللازمة لإنتاج السلع وخدمات دعم الحياة الأساسية (مثل المياه وتكوين التربة وتنظيم المناخ والمحافظة على التنوع البيولوجي وتطوره، وتوافر الطاقة ودورة المواد) تنتج أنماطًا اجتمعية أكثر تعقيدًا من منطق نظام السوق61. وفي هذا السياق، تذكّر منظمة العمل الدولية أن الوظائف الخضراء تسمح بتعزيز التدريب المهني، لا سيم في الدول النامية، وأنه ينبغي أن يتبوأ الحوار الاجتمعي مكانة أساسية في المناقشات بشأن الاقتصاد الأخضر في سياق التنمية المستدامة والحَدّ من الفقر، على اعتبار أن ذلك مرتبط بتعزيز الاندماج الاجتمعي و"خلق" فرص للعمل اللائق (الجيد)62. كم توصي المنظمة ب "دعم تنظيمت الشغيلة والعمل، لأن الحوار الاجتمعي هو عنصر جوهري ل 'تخضير الاقتصاد' الوطني"63. بيد أن ذلك يستلزم تدبير الندرة ورفع الضغوط السوسيو - اقتصادية ومواجهة تحديات التكيف والتأقلم والصمود.

ثالثًا: الاستدامة البيئية للوظائف أم الاستدامة المجتمعية

1. الوظائف الخراء: متطلبات اجتمعية أم خيارات اقتصادية؟

لا يمكن أن يختار العالَم بين "خلق" فُرص العمل والحفاظ على البيئة. فمن جهة، الاستدامة البيئية أمر لا بد منه، ويتضمن ذلك سوق العمل كم يرى المدير العام لمنظمة العمل الدولية، غاي رايدر64. وفي المقابل، يُركز الفهم السوسيولوجي على الاستدامة الاجتمعية، الذي يتطلب تحليل التّفاعلات القائمة بين المستويات الثلاثة: البيئة، والاقتصاد، والمجتمع. بتعبير آخر، من أجل صياغة مفهوم إجرائي للاستدامة الاجتمعية، يجب ألّ يقتصر الاهتمم بآثار الخيارات الاقتصادية على المستوى الاجتمعي، بل يجب

  1. الحسين شكراني والحسن العوان، "قراءة نقدية للسياسة الطاقية بالمغرب"، المجلة المغربية للتدقيق والتنمية، العدد -2021(51 2022)، ص.55
  2. فوزية برج، "بيئوية الفقراء: ديناميات التكيف وممارسات العيش، مقاربة أنثروبولوجية"، عمران، مج 7، العدد 27 (شتاء 2019)، ص.96
  3. Organisation internationale du Travail (OIT), Cinquième question à l'ordre du jour: Développement durable, travail décent et emplois verts Rapport de la Commission sur le développement durable, le travail décent et les emplois verts, Conférence internationale du Travail, 102e Session (Genève: Juin 2013), accessed on 15/10/2022, at: http://bit.ly/3BcUuT9
  4. Ibid., pp. 5, 7.
  5. Guy Ryder, "World of Work Critical to Greening the Economy," International Labour Organization (ILO), 17/7/2014, accessed on10/5/2022, at: https://bit.ly/3aZxFIy ب. البيئة والاقتصاد والمجتمع: تجارب وطنية متناثرة النتائج

الوقوف بالدرجة الأولى عند الخيارات (أو القرارات) الاجتمعية وتداعياتها على مستوى البناء الاجتمعي للمجتمع برمته65. إن ما يجب استدامته هو الحياة الإنسانية، وما البيئة الطبيعية إلّ وسيلة لمثل هذه الاستدامة، وليست غاية66. فالمعضلة البيئية معضلة اجتمعية، وليست تكنولوجية في الأساس. ولذا فإنّ تكامل/ اندماج التطورات التكنولوجية غير مقبول إلّ بشرط ألّ يؤثر ذلك في البيئة والشغل (العمل). لكن هذه التطورات تتُرجم على العكس من ذلك في إنقاص ساعات العمل، وزيادة الدفعات المالية وتطوير نوعية الحياة67، والنظر في الضوابط الاجتمعية والشروط (الخضراء) للعقود الاستثمرية. ويشكّل التهديد المناخي ذو المصدر البشري مخاطر على الحياة البشرية والأنظمة الإيكولوجية أيضًا؛ ويُثل هذا التهديد أصعب التحديات إلى حدود اللحظة. وفي حالة إذا ما تمكنت البشرية من تجاوز هذا المشكل، فإننا في حاجة إلى وضع قيود صارمة وصريحة على كميات التلوث الهوائي العالمي68؛ ما يعني حتمً ممرسة الضغوط القصوى على الشركات المتعددة الجنسيات، لكن النظام الرأسملي غير مصمم وغير قادر على تثبيت نفسه مدافعًا عن النمو المستدام. فالفرضيات الأساسية التي يشتغل بها النظام النيوليبرالي تجعله غير قادر على إحداث أثر أو تصحيح في التغيرات المناخية69.

من المعلوم وجود صعوبة في الانتقال من الوظائف التقليدية إلى الوظائف الخضراء. ومم لا شك فيه أن "الصراع من أجل تحقيق اقتصاد أخضر يصطدم بعقبة فقدان الوظائف الموجودة حاليًا. فالانتقال سيكون صعبًا بالنسبة إلى بعض العمل المشتغلين في الخدمات العامة"70. وقد تكون التكلفة عالية، نتيجة الافتقار إلى التخطيط وضعف البنى التحتية والخدمات الصحية، لا سيم في الدول النامية. علاوةً على ذلك، يتطلب مسار التحول التخلي عن نشاطات اقتصادية ذات تكلفة عالية. ولذا نودّ أن نشير إلى بعض التجارب الوطنية من أجل النظر في مدى إمكانية تحقق هذا التحول في علاقته بالمشاريع التي تروم تخفيض الغازات الدفيئة.

  1. القرطبي، ص.136
  2. علي عبد القادر علي، "ملاحظات استكشافية حول النمو المستدام والتنمية في الدول العربية"، عمران، مج 1، العدد 1 (صيف 2012)، ص.26
  3. Latouche, Décoloniser l'imaginaire, p. 158.
  4. Jonathan T. Park, "Climate Change and Capitalism," Consilience, no. 14 (2015), p. 2.
  5. Ibid., p. 2.
  6. John Bluedorn & Niels-Jakob Hansen, "Les politiques adéquates du marché du travail peuvent faciliter la transition vers des emplois verts," IMF Blog, 13/4/2022, accessed on 11/6/2022, at: https://bit.ly/3PFVTq3

ففي جنوب أفريقيا مثلً، لا يُعدّ تخضير الاقتصاد أولوية، على الرغم من أن الدولة أدخلت سياسات بيئية متعدّدة واستراتيجيات متنوعة للتغيرات المناخية؛ إذ تضمّن ذلك الطاقة المتجددة والاستراتيجية الوطنية للتغيرات المناخية، وسيناريوهات المدى البعيد بشأن التخفيف من هذه التغيرات71. وفي المغرب، لا توجد إحصائيات بشأن مدى إسهام الاستراتيجية الوطنية في تقليص النفايات وتثمينها في مجال "خلق" الفرص الخضراء. فقد جاء تقرير مُحَيّ عن المساهمت المحددة وطنيًا بمعلومات عامة، وهي على النحو التالي: "إن هذه الاستراتيجية 'تخلق' فرص العمل الخضراء، لا سيم في مواقع دفن النّفايات وتثمينها، والتّشجيع على إحداث وحدات للتدوير وتكثيف الاتفاقيات بين القطاع العام والخاص"72. ولم تتعرض الاستراتيجيات الأخرى كم جاء في هذا التّحيين لعام 2021 (وهي الاستراتيجية الوطنية الطاقية، والاستراتيجية الوطنية للّوجستيك، والبرنامج الوطني للتصفية وتطهير المياه المستعملة، ومخطط المغرب الأخضر، واستراتيجيات المخطط الأخضر في صيغته الجديدة 2020 - 2030، واستراتيجية الغابة في المغرب)73 ل "خلق" مناصب الشّغل. وفي مثال تطبيقي، تساءل السكان في مدينة ورزازات والمنظمت غير الحكومية عن أهمية مشروع إنتاج الطاقة الشمسية، فالمهم بحسبهم هو تأثير المشروع في فُرص العمل المُتاحة للسكان المحليين74. وعلى الرغم من أهمية هذه المشاريع النفعية والربحية للقطاع الخاص، فإنها تتجاهل المعارف والتطلعات المحلية، ومن ثم تضع المجتمعات المحلية في خانة التّهميش بدلً من أن تكون هي المستفيدة من المشاريع والفُرص الخضراء. على المستوى الإقليمي لمنطقة ما يسمى بالشرق الأوسط وشمل أفريقيا (MENA)، يوجد صندوق الطاقة النظيفة (Fund Energy Clean). وقد حدّد هدفه في تعزيز استثمرات القطاع الخاص في المنطقة المذكورة، وتركّز اهتممه في الأردن على الطاقات المتجددة، ومشاريع البُنى التحتية، والشركات المتوسطة الحجم. إن الهدف هو دعم إمدادات الطاقة، وتعزيز الزيادة في العملة، والإيرادات الضريبية وتعزيز الاستقرار75. لكن هذه الأهداف لم تُحدّد بدقة عدد مناصب الشغل التي ستحدثها هذه

  1. Belynda Petrie, "Green Jobs: Access to Clean Energy can Create Employment in South Africa," Briefing, International Institute for Environment and Development (December 2013), p. 3.
  2. Royaume du Maroc, Ministère de l'Energie, des Mines et de l'Environnement, Département de l'Environnement, Contribution déterminée au niveau national actualisée (Juin 2021), p. 18, accessed on 11/10/2022, at: https://bit.ly/3ylm1Ap
  3. Ibid., pp. 18-19.
  4. United Nations Framework Convention on Climate Change (UNFCCC), CDM – Executive Board, "Project Design Document Form for Cdm Project Activities," Version 04.1 (October 2012), accessed on 19/5/2022, at: https://bit.ly/3CD6aj3
  5. United Nations Human Settlements Programme (UN-Habitat), Local Climate Action in the Arab Region: Lessons Learned and Way Forward (Giza, Egypt: UN-Habitat, 2019), p. 77.

المشاريع. وبالرّجوع إلى مُؤشرات نواتج صندوق الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة الأردني (JREEEF)، استفاد 850000 شخص من حلول كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة76.

2. السوق أم الدولة؟ دعْه يعمل، دعْه "يخلق" الوظائف الخراء

يُؤكد التّحليل الاقتصادي أن نظام السوق يتسم بقصور واضح يتأىتّ من أن كل واحد من الناشطين في داخل هذا النظام يتصرف بناءً على منطقه الخاص، وأن المجموع الكلي لهذه التصرفات لا يؤدي إلى وضع اجتمعي كلّ يتصف بالرشد والعقلانية. فكل واحد من هؤلاء الناشطين اقتصاديًا من حقّه، بل من واجبه، أن يتصرف على النحو الذي يخدم مصلحة شركته أو تطلعاته؛ أي أن يتخذ القرارات التي تُحقق مصلحته الذاتية في المقام الأول77. وفي هذا الإطار، يُطرح السؤال الكلاسيكي: أنحتاج إلى التدخل الحكومي، أم أن الشركات تستطيع "خلق" الوظائف الخضراء اعتمدًا على سعيها المتوالي لتحقيق مصالحها الذاتية، ومن ثمّ الإسهام في حمية البيئة والحفاظ على سلامة الموارد الطبيعية؟ لكن يجب أن يؤخذ في الاعتبار أنّ "أغلب المناقشات في الدول الغربية تنظر في تداعيات التكنولوجيا على هذه الدول، في حين أن الصحيح هو ضرورة تجاوز هذه النافذة الضيقة للنظر في تداعيات التكنولوجيا في العالم أجمع"78. فهل للسّوق أم للدولة الدور في تعزيز المهارات الخضراء؟ تبيّ أن "الشركات تكافح بكل قوة من أجل معالجة مشكل إيجاد عمل ذوي مهارات جيدة للاقتصاد الأخضر"79. وحتى الدول المتقدمة مثل "إسكتلندا، لم تُبدِ الاهتمم الكافي بنمو المهن الخضراء والجديدة والناشئة، والمهن التي جرى تعزيزها والمهن الخضراء في الصناعات المتطورة"80. صحيح أنّ الشركات تحتاج إلى مدّة طويلة من أجل ضمن التأقلم، لا سيم في عصر "دعْه يعمل دعْه يلوّث"؛ فسوق الكربون تسمح ب "الحق" في التلوث، كم سنرى في الجزء التالي، وهو ما يولّد ضغطًا إضافيًا على المجتمعات المحلية التي تعاني اندثارَ مواردها البيئية. لذا، فإن "دعْه يعمل دعْه يمرّ"، لا "يخلق" الوظائف الخضراء مقارنة بحجم التلوث بكل أشكاله.

  1. Jordan Renewable Energy and Energy Efficiency Fund (JREEEF), "JREEEF Outcome Indicators, (2015-2019)," accessed on 19/5/2022, at: https://bit.ly/3ryFpWT
  2. أفهيلد، ص.225
  3. Robert C. Allen, "Lessons from History for the Future of Work," Nature, vol. 550, no. 7676 (2017), p. 322.
  4. Ryder.
  5. Nick Sofroniou & Pauline Anderson, "The Green Factor: Unpacking Green Job Growth," International Labour Review, vol. 160, no. 1 (2021), p. 25.

3. تراكم رأس المال المعولم أم اقتصاد خالٍ من الكربون لتعزيز الوظائف الخراء

من "المرجّح أن يؤدّي نظام منظمة التجارة العالمية إلى تفاقم الوضع، لأنه يُزيل تقريبًا جميع الضوابط الاجتمعية التي تحول دون أن يدمّر رأس المال الغابات والموارد المائية"81. وفي هذا السياق، "يُكن قياس الزيادة في الإنتاج والتلوث المصاحب لتحرير التجارة، وما له من تأثير سلبي على البيئة"82. وقد تكون الضغوط الاجتمعية كبيرة في المجتمعات النامية، إذ إن فرضية "ملَاذ التّلوث تقترح أن البلدان تحاول جذب الصناعات الملوثة على أساس السياسات البيئية الضعيفة عن قصد إذا ما قُورنت مع السياسات البيئية للشّكاء التجاريين"83. ونتيجةً لذلك، وفي ظل فرضية ملاذ التلوث، لا يمكن أن تفكر الشركات التي تفوز بالصفقات التجارية الاستثمرية في الدول النامية في إحداث مناصب الشغل الخضراء. فالإنتاج الرأسملي يركّز على اختيار أماكن تكون فيها اليد العاملة رخيصة، إضافة إلى إمكانية تشغيل الأطفال دون السن القانونية؛ ومن ثمّ لا يُوجد أيّ تفكير في إحداث المناصب الخضراء أو التنافسية من خلال الاعتمد على الاستراتيجيات الخضراء، إذ "هناك انتقادات للاستهلاكية نفسها التي يُنظر إليها كمدمّر للعلاقات الاجتمعية والبيئة الطبيعية. تنجح الاستهلاكية بتحويلها الرغبات إلى حاجات، مشجعة بعد ذلك الناس على أنهم يستطيعون وينبغي عليهم تحقيقها"84. وقد عملت المنظمت الفاعلة في السوق على تعطيل مبادرات الانتقال إلى "تخفيض الكربون" (Decarbonization) على المستويين الوطني والدولي، في حين تقدّم النظرية الاقتصادية مقترحات لتسعير الكربون بوصفه حًّلًّ للتغيرات المناخية85. ومن المعلوم في الولايات المتحدة الأميركية، مثلً، أن لوبيات الفحم والنفط والغاز ولوبيات الصناعات الفلاحية الموجودة في الكونغرس تعطّل كلّ التشريعات البيئية الهادفة إلى تخفيض الغازات الدفيئة86 (كثاني أكسيد الكربون والميثان). ولا شكّ في أن السوق الرأسملية تطمح إلى النمو اللامتناهي والاستغلال غير المحدود؛ ف "النمو

  1. أميا كومار باغتشي، العبور الخطر: الجنس البشري والصعود العالمي لرأس المال، ترجمة عمر سليم التلّ (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.587
  2. تشارلز س. بيرسون، الاقتصاد وتحدي ظاهرة الاحتباس الحراري، ترجمة هيثم غالب الناهي (الكويت: مؤسسة الكويت للتقدم العلمي والمنظمة العربية للترجمة، 2014)، ص.244
  3. المرجع نفسه، ص.245
  4. أنتوني غيدنز وفيليب صاتن، مفاهيم أساسية في علم الاجتماع، ترجمة محمود الذوادي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.129
  5. Charles Perrow & Simone Pulver, "Organizations and Markets," in: Rilley E. Dunlap & Robert J. Brulle (eds.), Climate Change and Society: Sociological Perspectives (Oxford: Oxford University Press, 2015), p. 65.
  6. Ibid., pp. 72-73.

الاقتصادي هو دين العالم المعاصر، الإكسير الذي يخفّف ألم الصراعات الاجتمعية، والوعد بتقدّم لا مُنْتَهٍ"87. يسيطر القطاع الخاص على نحو 86 في المئة من التدفقات المالية الدولية. ومن أجل "تخضير" هذه التدفقات وضمن تعزيزها بدلً من تقويضها، تتعرض التنمية المستدامة و"خلق" الوظائف الخضراء لانتقادات أساسية88. ومثل بقية آليات حمية البيئة، لا تملك الأسواق حلً سحريًا؛ فهي لا تزال في الصناعات البيئية عرضة للهشاشة والفشل. وقد يؤدي السلوك القائم على الربح (باستمرار) إلى إرساء الوافدين (الأوائل) إلى السوق حواجز تحول دون الولوج إليها، أو اعتمد بدائل أو خيارات رخيصة أو قذرة. وقد لا تكون الأسواق دائمًا حلً لإعادة التدوير89. ومن النتائج الأساسية لهذا التحليل أن السعي نحو "الضبط الذاتي" (Regulation Self) لما يُسمى "السوق الخضراء" (Market Green) قد لا يكون في مستوى تطلعات أنصار البيئة. في هذا الصّدد، يورد الفيلسوف مايكل ساندل (Sandel Michael) مث لً على النتائج السلبية لتسليع نشاطات تقع في صميم الواجبات الأخلاقية التي يتعيّ الالتزام بها في المجتمعات الوطنية والمجتمع الدولي على حدّ سواء؛ وهي المتعلقة بالمحافظة على البيئة، ويلاحظ أن هذا التسليع لجهود المحافظة على البيئة يُبخس القيمة الأخلاقية للمحافظة على البيئة، بدلً من أن يقوّيها، ويقع ضمن التردّي الأخلاقي الذي أدّت إليه "عنجهية السوق" (Triumphalism Market)90. قد يكون تراكم رأس المال المعولم وزيادة غازات الدفيئة الحل السحري للرأسملية التي تتجه نحو المزيد من الربح والنمو الخطي اللانهائي والإنتاج الضخم، على الرغم من وجود علاقات وطيدة بين الشّغل (الوظائف التقليدية) وتدهور المنظومة البيئية والتداعيات السلبية لهذه العلاقات. وتتضح هذه الأخيرة من خلال المعطيات التالية91: يرتبط العمل بمختلف القطاعات باستعمل الموارد الطبيعية، ومن ثمّ زيادة نفث الغازات الدفيئة. يرتبط العمل بالخدمات التي تقدّمها الأنظمة الإيكولوجية (مثال ذلك فرص العمل في الزراعة وفي الصيد، وفي المجالين الغابوي والسياحي). يرتبط العمل ونوعيته/ جودته باختفاء الضّر البيئي (ومثال ذلك تلوث الهواء)، وصيانة الاستقرار الإيكولوجي (كالتنبؤ بنمط توجه التّساقطات).

  1. عثمان عثمانية، "قراءة في كتاب 'الرغبة اللامتناهية في النمو'"، عمران، مج 8، العدد 32 (ربيع 2020)، ص.206
  2. UNEP, Green Jobs, p. 55.
  3. Robyn Eckersley (ed.), Markets, the State and the Environment: Towards Integration (London: Macmillan International Higher Education, 1995), p. 215.
  4. طاهر حمدي كنعان، "الفضاءات الثلاثة في دولة الإنتاج"، عمران، مج 1، العدد 1 (صيف 2012)، ص.68-67
  5. ILO, World Development Social Outlook 2018, p. 17.

في بعض الحالات، يمكن أن تُحدث فرص العمل اللائقة ظروفًا معيّنة تُساهم في اندثار البيئة (ومثال ذلك الرعي المُفرط والاستغلال المكثف للأراضي اللذان يُؤثران في الأمن الغذائي والأمن الطاقي والدخل/ المردود). تميل المخاطر المرتبطة بتدهور البيئة إلى التأثير في النساء والعمل الأكثر هشاشة، بما في ذلك العمل المهاجرون والفُقراء والشّعوب الأصلية والفئات الأخرى المحرومة. وتختلف هذه التأثيرات بحسب البلدان والأقاليم، ما يولّد عدم المساواة بين هذه الفئات. ولا شك في أن المجموعات القروية ترتبط ارتباطًا مباشرًا وآنيًا بالموارد الحية؛ إذ تتمسك بحدود بقائها على قيد الحياة. علاوةً على ذلك، عندما يبدأ النظام الإيكولوجي في التدهور، فهذه الفئات الهشة هي التي تتعرض للضغوط ولا تستطيع هجر أماكن عيشها92. ولذا يصعب القول إننا سنحاول تغيير الفرص الموجودة لدى هذه الشعوب الأصلية في ارتباطها بالأرض إلى فُرص خضراء، بل يجب أن نتعلم من ثقافتها التي تُركز على التناغم بين الإنسان والطبيعة. ولذا، فإنّ تراكم رأس المال والربح السريع ورأس المال الخطّي وتطوير التكنولوجيا وتعزيز الزراعات الكثيفة هي مفردات غريبة عن هذه الشعوب.

خاتمة

لم يكن القصد من هذه الدراسة فحص العلاقة بين التغيرات المناخية والتحول إلى الوظائف "الخضراء" وفهمها وتحليلها فحسب، بل أيضًا النظر من خلال ذلك نقديًا إلى المنظور الرأسملي الذي يقوم بتسليع الطبيعة وتشييئها، ومن ثمّ عدم قدرته على الرفع من مردودية العمل، أو صقل مهاراتهم لضمن الانتقال السّلس من الوظائف التقليدية إلى الوظائف الخضراء في استجابة حقيقية لتداعيات التغيرات المناخية، وتأثيراتها المتعددة في القطاعات الاقتصادية المتعددة. فالقطاع الخاص الذي يسيطر على جلّ التدفقات المالية الدولية يقوّض فرص الاستدامة المجتمعية للجيل الحالي والأجيال المقبلة، لذا فهو يتعرّض لانتقادات كبيرة من المنظمت والحركات المدافعة عن حقوق الإنسان والبيئة. ويبدو أساسيًا معالجة الموضوع من مدخل فلسفي استشرافي يُعيد النظر في العلاقة السببية بين التغيرات المناخية والفرص الخضراء؛ ما من شأنه أن يسمح لنا بدحض هذه العلاقة، وتبيان محدودية المنظور الرأسملي الربحي. من أجل فهم الموضوع، حاولنا بحث ثلاث نقاط أساسية. فحصت الأولى العلاقة بين تداعيات التغيرات المناخية وممرسة التجارة كالمعتاد، والتشديد على استعمل الفرص الخضراء غطاءً للنمو غير المستدام من خلال مأزق تحويل الوظائف، وتفكيك بردايم سوق الكربون في علاقته بهذه الوظائف في سياق الإشكالية الكبرى: الدولة أم السّوق؛ عن طريق إجراء مسح عام للآليات المعيارية لبروتوكول كيوتو

  1. Edith Brown Weiss, Justice pour les générations futures (Paris: Editions Sang de la terre, 1993), p. 25.

(1997) وتعديلاته، ثم مقتضيات اتفاق باريس للتغيرات المناخية (2015)، مع تنويع البحث بالتركيز على مسلسل الانتقال الطاقي من أجل تفادي فواتير التلوث الضخمة الناجمة عن الاعتمد المكثف على الطاقات الأحفورية. وشملت النقطة الثانية النظر في مدى وجود ارتباط أو قطيعة بين التغيرات المناخية وعولمة التجارة من جهة، وأقلمة فرص العمل من جهة أخرى. ولتوضيح ذلك، حاولت الدراسة تفكيك تداعيات التغيرات المناخية وآثارها في تأجيل الفرص الخضراء في المنظور الرأسملي. أما النقطة الثالثة من الدراسة، فقد ناقشت التناقض الحاصل بين زاوية الاستدامة البيئية للمنظور الرأسملي وزاوية الاستدامة المجتمعية التي تتجاوز هذا المنظور. ولذا حاولت الدراسة توضيح المتطلبات (أو العوائق) الاجتمعية والخيارات الاقتصادية للوظائف الخضراء. وفي سياق متصل، حاولت الدراسة اختبار معادلة تراكم رأس المال أم تحييد الكربون في إحداث/ تعزيز الوظائف الخضراء. في الحصيلة، إننا نعيش مجتمع المخاطر بامتياز، وبذلك أدت التكنولوجيا والمعرفة الإنسانية إلى عالم عدم اليقين وعدم قدرة الدول القومية على مجابهة التغيرات المناخية، لا سيم في الدول النامية. أما "خلق" الوظائف الخضراء لتلافي عواقب التغيرات المناخية وتداعياتها، فليس مسلكًا لتغيير نمط الإنتاج الرأسملي، لأن الاستهلاك مبنيّ على "خلق" الحاجات باستمرار من أجل الحفاظ على اليد الخفية للسوق وتكريس عدم المساواة في المجتمع. لا يشكّل "خلق" الوظائف الخضراء أولويةً أو خيارًا للفئات الهشة التي تتعرض للضّغوط تلو الأخرى؛ فالنظام الرأسملي غير مهيّأ عمليًا ولن يكون كذلك في المستقبل القريب والمتوسط المدى لامتصاص البطالة في سياق تطبيق مقاربة دولة الحدّ الأدنى وسيادة الإنسان على الطبيعة. وفي نطاق أرحب، إن تسليع نشاطات تقع في صميم الواجبات الأخلاقية التي يتعيّ الالتزام بها في المجتمعات الوطنية والمجتمع الدولي على حدّ سواء، هو جُرْم في حق المجتمع؛ فتسليع الموارد الطبيعية وتشييء الطبيعة (الأداتية الدكارتية) يؤديان إلى عنجهية السوق وهيمنة أخطبوط الشركات الكبرى. أما التحول إلى الاقتصاد الأخضر، وهجر الطاقات الأحفورية، و"خلق" الوظائف الخضراء، فهي آمال لن تتحقق في المنظورين القريب والمتوسط على الأقل؛ لأن الرأسملية ترفع دائمًا شعار دعْه يعمل دعْه يمرّ، والأولوية للفرد على المجتمع. ولذا يبدو أساسيًا الحدّ من سلطة النّمو غير المتناهي، ليس من أجل حمية البيئة وصيانة الموروث المشترك للإنسانية فحسب، ولكن من أجل إعادة النظر في بنية العدالة الاجتمعية وتعزيز اللّحمة والتمسك الاجتمعي أيضًا. إن فلسفة اللاقيد واللاتنظيم على الفعل الاقتصادي لا تخدم البشرية، ومن ثمّ فإن تطوير آليات اقتصادية لضمن التحول إلى الاقتصاد الأخضر و"خلق" الوظائف الخضراء لن يساهم في التقليل من آثار المعضلة البيئية، بل سيعمّق الفوارق الاقتصادية بين الشمل والجنوب، والفوارق الاجتمعية بين الأفراد في الإقليم الواحد.

الملحق

النهجالوصفالمقاربةالآثارالمدة الزمنية
عامل التوظيف من
خلال مقاربة تحليل
المدخلات والمخرجات)IO Analysis(
بناء على الدراسات السابقة
والأدوات الاستقصائية
من الأسفل إلى
الأعلى
مباشرةقصيرة ومتوسطة المدى
بناء على تحليل متعدد
القطاعات للاقتصاد الكلي
من الأعلى إلى
الأسفل
مباشرة
غير مباشرة
مستحثّة (Induced)
قصيرة ومتوسطة المدى
نموذج التوازن العام
المحسوب الهجين
نموذج ديناميكي للاقتصاد
الكلي
من الأعلى إلى
الأسفل
غير مباشرة
مستحثّة
متوسطة وطويلة المدى
مزيج بين تقدير العالم
الفعلي والاقتصاد الكلي
من الأسفل إلى
الأعلى + من
الأعلى إلى الأسفل
مباشرة
غير مباشرة
مستحثّة
قصيرة ومتوسطة وطويلة
الأمد

المراجع

العربية

بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2017

الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019

مج 7، العدد 27 (شتاء.)2019

منهجية تحديد التأثير في الشغل/ العمل في قطاع الطاقة

أفهيلد، هورست. اقتصاد يغدق فقرًا: التحول من دولة التكافل الاجتمعي إلى المجتمع المنقسم على نفسه. سلسلة عالم المعرفة 335. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2007

الإنسان والبيئة: مقاربات فكرية واجتمعية واقتصادية. إشراف الحسين شكراني وعبد الرحيم خالص. باغتشي، أميا كومار. العبور الخطر: الجنس البشري والصعود العالمي لرأس المال. ترجمة عمر سليم التلّ. برج، فوزية. "بيئوية الفقراء: ديناميات التكيف وممرسات العيش، مقاربة أنثروبولوجية". عمران. بيرسون، تشارلز س. الاقتصاد وتحدي ظاهرة الاحتباس الحراري. ترجمة هيثم غالب الناهي. الكويت: مؤسسة الكويت للتقدم العلمي والمنظمة العربية للترجمة،.2014

حسن، عمر علي. المجاز السياسي. سلسلة عالم المعرفة 486. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2021

شكراني، الحسين والحسن العوان. "قراءة نقدية للسياسة الطاقية بالمغرب". المجلة المغربية للتدقيق والتنمية. العدد 51.)2022-2021(

شكراني، الحسين. "المسؤولية المجتمعية للمقاولات: مدخل عام". بحوث اقتصادية عربية. العددان 55 - 56 (صيف-خريف.)2011

________. تناقضات القانون الدولي: مدخل تحليلي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2019 عبد الجليل، إبراهيم. "التغيرات المناخية وقطاع الأعمل: الفرص والتحديات". عالم الفكر. مج 37، العدد 2.)2008(

العبيدي، عبد الحميد. "محاولة في فهم تقاطعات الخطاب البيئي مع مسار نقد الحداثة". عمران. مج 8، العدد 31 (شتاء.)2020

عثمنية، عثمن. "قراءة في كتاب 'الرغبة اللامتناهية في النمو'". عمران، مج 8، العدد 32 (ربيع.)2020 علي، علي عبد القادر. "ملاحظات استكشافية حول النمو المستدام والتنمية في الدول العربية".. عمران. مج 1، العدد 1 (صيف.)2012

غيدنز، أنتوني وفيليب صاتن. مفاهيم أساسية في علم الاجتمع. ترجمة محمود الذوادي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018

كنعان، طاهر حمدي. "الفضاءات الثلاثة في دولة الإنتاج". عمران. مج 1، العدد 1 (صيف.)2012

المقمر، عبد المنعم مصطفى. الانفجار السكاني والاحتباس الحراري. سلسلة عالم المعرفة 391. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2012

المنجرة، المهدي. عولمة العولمة. سلسلة منشورات الزمن 18. الرباط: منشورات الزمن،.2000

النجار، أحمد منير. "دور الاستثمر الأجنبي المباشر في تنمية الدول العربية: الواقع والتحديات". عالم الفكر. مج 42، العدد 160.)2014(

الأجنبية

Allen, Robert C. "Lessons from History for the Future of Work." Nature. vol. 550,

no. 7676 (2017).

Andrew Schwedel et al., The Working Future: More Human, not Less. It is time to

change How We Think about Work (Bain & Company: 2022). at: https://bit.

ly/3B9e8jT

"Applying the Scientific Method to Labour Markets." Future Energy Systems.

University of Alberta. 29/1/2020. at: https://bit.ly/3zh5Gxx

Black, Richard et al. Environment of Peace: Security in a New Era of Risk. Stockholm:

Stockholm International Peace Research Institute, SIPRI, 2022.

Bluedorn, John & Niels-Jakob Hansen. "Les politiques adéquates du marché du

travail peuvent faciliter la transition vers des emplois verts." IMF Blog. 13/4/2022.

at: https://bit.ly/3PFVTq3

Braidotti, Rosi. The Posthuman. Cambridge, UK/ Malden, MA: Polity Press, 2013.

Dell'Anna, Federico. "Green Jobs and Energy Efficiency as Strategies for Economic

Growth and the Reduction of Environmental Impacts." Energy Policy. vol.

149 (February 2021).

Deschenes, Olivier. "Green Jobs." IZA Policy Paper. no. 62, Institute of Labor

Economics (IZA) (May 2013). at: https://bit.ly/3IVkIwg

Donkin, Richard. The Future of Work. London: Palgrave MacMillan, 2010.

Dunlap, Rilley E. & Robert J. Brulle (eds.). Climate Change and Society: Sociological

Perspectives. Oxford: Oxford University Press, 2015.

Eckersley, Robyn (ed.). Markets, the State and the Environment: Towards Integration.

London: Macmillan International Higher Education, 1995.

________. The Green State Rethinking Democracy and Sovereignty. Cambridge,

MA: MIT Press, 2004.

Euzen, Agathe, Bettina Laville & Stéphanie Thiébault (dir.). L'adaptation au

changement climatique: Une question de sociétés. Paris: CNRS Editions, 2017.

Forstater, Mathew. "Green Jobs: Public Service Employment and Environmental

Sustainability." Challenge. vol. 49, no. 4 (July-August 2006).

Intergovernmental Panel on Climate Change (IPCC). IPCC Sixth Assessment Report:

Climate Change 2022: Mitigation of Climate Change. Geneva: IPCC, 2022.

International Labour Organization (ILO). World Development Social Outlook 2018:

Greening with Jobs. Geneva: ILO, 2018.

Jordan Renewable Energy and Energy Efficiency Fund (JREEEF). "JREEEF Outcome

Indicators, (2015-2019)." at: https://bit.ly/3ryFpWT

Latouche, Serge. Survivre au développement: De la décolonisation de l'imaginaire

économique à la construction d'une société alternative. Paris: Editions Mille et

Une Nuit, 2004.

________. Décoloniser l'imaginaire: La pensée créative contre l'économie de l'absurde.

Lyon: Parangon/Vs, 2005.

Marchand, Joseph. "Don't it Make my Brown Jobs Green? What Renewable Energy

Means for Jobs and Job Quality." Perspectives on Work. vol. 21 (2017).

Mu, Yaqian et al. "Employment Impacts of Renewable Energy Policies in China: A

Decomposition Analysis Based on a CGE Modeling Framework." Applied Energy.

vol. 210 (2018).

Newton, Lisa H. Business Ethics and the Natural Environment. Oxford: Blackwell

Publishing, 2005.

Olsen, Lene. "The Social Dimension: Are Green Jobs Decent Jobs?" International

Union Rights. vol. 17, no. 1 (2010).

Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD). "Making

the Green Recovery Work for Jobs, Income and Growth." 6/10/2020.

at: https://bit.ly/3cu7GJG

________. Business Priorities for the Future of Work Policy Recommendations

to OECD and Member Governments. Paris: OECD Publishing, 2021.

at: https://bit.ly/3cuJfvR

Organisation internationale du Travail (OIT). Cinquième question à l'ordre du

jour: Développement durable, travail décent et emplois verts Rapport de la

Commission sur le développement durable, le travail décent et les emplois

verts. Conférence internationale du Travail. 102e Session. Genève: Juin 2013.

at: http://bit.ly/3BcUuT9

Park, Jonathan T. "Climate Change and Capitalism." Consilience. no. 14 (2015).

Petrie, Belynda. "Green Jobs: Access to Clean Energy can Create Employment in

South Africa." Briefing. International Institute for Environment and Development

(December 2013).

Royaume du Maroc, Ministère de l'Energie, des Mines et de l'Environnement,

Département de l'Environnement. Contribution déterminée au niveau national

actualisée (Juin 2021). at: https://bit.ly/3ylm1Ap

Sapir, Jacques. La démondialisation. Paris: Le Seuil, 2011.

Schwedel, Andrew et al. The Working Future: More Human, not Less: It is time to

change How We Think about Work. Boston, MA: Bain & Company: 2022. at:

https://bit.ly/3B9e8jT

Shahbaz, Muhammad & Daniel Balsalobre-Lorente (eds.). Econometrics of

Green Energy Handbook: Economic and Technological Development. Cham,

Switzerland: Springer, 2020.

Shawoo, Zoha & Cleo Verkuijl. "Building Back Better through Climate Plans: How

NDCs and LT-LEDS can Address Fossil Fuel Production and Support a Just and

Sustainable Recovery." SEI Brief. Stockholm Environment Institute (May 2020).

Sofroniou, Nick & Pauline Anderson. "The Green Factor: Unpacking Green Job

Growth." International Labour Review. vol. 160, no. 1 (2021).

Stiglitz, Joseph, Amartya Sen & Jean-Paul Fitoussi. Richesse des nations et bien-être

des individus. Paris: Odile Jacob, 2009.

The Rockefeller Foundation & Global Business Network. Scenarios for

the Future of Technology and International Development (May 2010).

at: https://bit.ly/3Em7nMV

Tikly, Leon. Education for Sustainable Development in the Postcolonial World:

Towards a Transformative Agenda for Africa. New York: Routledge, 2020.

United Nations Environment Programme (UNEP). "Green Economy."

at: https://bit.ly/3sxYKYy

________. Green Jobs: Towards Decent Work in a Sustainable, Low-Carbon World.

Nairobi: UNEP, 2008.

United Nations Framework Convention on Climate Change (UNFCCC).

Conference of the Parties Serving as the Meeting of The Parties to the Kyoto

Protocol: Report of the Conference of the Parties Serving as the Meeting of the

Parties to the Kyoto Protocol on its First Session. Montreal: 28/11-10/12/2005.

at: https://bit.ly/3PEVc05

________. CDM – Executive Board. "Project Design Document Form for Cdm

Project Activities." Version 04.1 (October 2012). at: https://bit.ly/3CD6aj3

________. Conference of the Parties Serving as the Meeting of the Parties to the

Paris Agreement: Nationally Determined Contributions under the Paris

Agreement. Revised Synthesis Report by the Secretariat. Third Session. Glasgow:

31/10-12/11/2021. at: http://bit.ly/3F9pCUV

United Nations Human Settlements Programme (UN-Habitat). Local Climate

Action in the Arab Region: Lessons Learned and Way Forward. Giza, Egypt:

UN-Habitat, 2019.

Urry, John. Climate Change and Society. Cambridge, UK/ Malden, MA: Polity Press,

Weiss, Edith Brown. Justice pour les générations futures. Paris: Editions Sang de la

terre, 1993.

Wilkinson, Angela. "Using Strategic Foresight Methods to Anticipate and Prepare for

the Jobs-scarce Economy." European Journal of Futures Research. vol. 4, no. 12