Return to Article Details The Gulf Crisis and the Transformations of Power Politics: A Systemic Crisis in a Political Context Marked by Weakness

أزمة الخليج وتحوّلات

The Gulf Crisis and the Transformations of Power Politics: A Systemic Crisis in a Political Context Marked by Weakness

برتران بادي

الملخّص

تسلط هذه الدراسة الضوء على تحولات مفهوم القوة في حقل العلاقات الدولية من "اتفاقية وستفاليا" في عام 1648 ، حين ساد "بردايم القوة"، وأصبح الاستقرار الدولي يعتمد على توازن القوى، في حين كانت "اللعبة الدولية" تنحصر في تنافس بين القوى، وكانت الحرب تمثل بالنسبة إليها المرحلة القصوى. وتبرز الدراسة أن القوة بدأت تفقد قدرتها، مع حلول العولمة؛ سواء على مستوى التحكّم، أو على مستوى إعادة التشكيل، وهو ما يجسّده فشل القوى العالمية، المهمّشة إن لم تكن المستبعدة من الخليج، وكذلك فشل القوى الإقليمية المحتملة، مثل المملكة العربية السعودية. وفي المقابل، تستشرف الدراسة، من خلال الأزمة الخليجية، تحولات بنية العلاقات الدولية، حيث تضحي سياسة الضعف تضطلع بإنتاج دينامية خاصة بها، ترجّح كفّة القوى الصغيرة، على غرار دولة قطر.

Abstract

ملخص:  تسلط هذه الدراسة الضوء عى تحولات مفهوم القوة في حقل العلاقات الدولية من "اتفاقية وستفاليا" في عام 1648، حين ساد "بردايم القوة"، وأصبح الاستقرار الدولي يعتمد عى توازن القوى، في حين كانت "اللعبة الدولية" تنحصر في تنافس بين القوى، وكانت الحرب تمثل بالنسبة إليها المرحلة القصوى. وتبرز الدراسة أن القوة بدأت تفقد قدرتها، مع حلول العولمة؛ سواء عى مستوى التحكّم، أو عى مستوى إعادة التشكيل، وهو ما يجسّده فشل القوى العالمية، المهمّشة إن لم تكن المستبعدة من الخليج، وكذلك فشل القوى الإقليمية المحتملة، مثل المملكة العربية السعودية. وفي المقابل، تستشرف الدراسة، من خلال الأزمة الخليجية، تحولات بنية العلاقات الدولية، حيث تضحي سياسة الضعف تضطلع بإنتاج دينامية خاصة بها، ترجّح كفّة القوى الصغيرة، عى غرار دولة قطر. كلمت مفتاحية:  الأزمة الخليجية، العلاقات الدولية، سلام وستفاليا، سياسة القوة، سياسة الضعف. Abstract:  This study sheds light on the transformations of the concept of "power" in the field of international relations. It begins with the Peace of Westphalia (1648), when the "paradigm of power" took hold and international stability became dependent on the balance of power: the "international game" was limited to competition between powers, with war representing the final stage. The study highlights that power has begun to lose its prominence with the advent of globalization, whether at the level of control or reconfiguration. This is illustrated by the failure of global powers, which are marginalized if not excluded from the Gulf, as well as of emerging regional powers such as the Kingdom of Saudi Arabia. On the other hand, through the "Gulf Crisis", the study anticipates transformations in the structure of international relations, as the "policy of weakness" begins to produce a dynamic of its own which favours small powers such as the State of Qatar.

الكلمات المفتاحية:
  • الخليج العربي
  • استشراف
  • القوة الناعمة
  • العلاقات الدولية
Keywords:
  • future of work
  • Gulf Arab States
  • Soft Power

أزمة الخليج وتحولات "سياسة القوة": أزمة نظامية يف سياق سيايس موسوم بالضعف The Gulf Crisis and the Transformations of Power Politics: A Systemic Crisis in a Political Context Marked by Weakness

مقدمة

دأبت البحوث والتحليلات في العلاقات الدولية، منذ أمد بعيد، على التقليل من أهمية عامل العولمة؛ إذ يؤدي الاستخدام المتواصل لمناهج الجغرافيا السياسية التقليدية إلى فهم الأزمات في بيئتها الخاصة، التي تُفَّسَّ نسبةً إلى المنافسة بين الدول التي تُحرّكها. وما وراء ذلك، كانت مراعاة "اللعبة التقليدية" لتدخلات الدول الكبرى تسمح بتوسيع نطاق التحليل1. وأصبحت هذه المقاربة اليوم متجاوَزةً؛ إذ مع صعود العولمة، ما عاد لها معنى متسق، بل يمكن أن تؤدي إلى نتائج خاطئة. فكلّ أزمة قد يصنّفها الحس السليم على عجلٍ بوصفها "إقليمية"، في حين أنها تأخذ تلقائيًا بُعدًا عالميًا؛ ومن ثمّ يصبح على نحو متزايد من المجازفة الحديث عن "أزمة محلية". تكتسي الأزمة العالمية ثلاث خصائص: ينبغي تحليلها باعتبارها لحظة في امتداد زمني شامل، وينبغي فهمها باعتبارها نتيجةً لتحولات الساحة العالمية الشاملة، وينبغي اعتبارها جانبًا من جوانب "البنية الشاملة للمجتمعات"؛ أي إن التفاعلات ليس بين الدول فحسب، بل أيضًا بين المجتمعات كلها التي تُهيكل النظام العالمي، وهي تكرّس على نحو ما "ثَأرًا" لعلم الاجتمع الشامل من الجغرافيا السياسية الكلاسيكية. بطبيعة الحال، للخليج خصائصه المميّزة، ولديه أيضًا تاريخ طويل، يبدو أنه بَناه في شكل نظام مستقلّ، يُولّد أزماته الخاصة. وعلى المنوال نفسه، نميل إلى اعتبار التنافس الإيراني - السعودي عمليةَ تجاذبٍ ضاربة في القِدم، تحمل في متنها العناصر الضرورية والكافية لتفسير الأحداث الحاسمة التي تجري هناك. من هذا المنظور، ننقاد على نحو اعتيادي إلى توسيع دائرة التحليل لتشمل "لعبة القوى العظمى"؛ وهو ما يؤدي، في نظرنا، إلى استنتاجات جليّة. ويصبح هذا التوهّم غير مستدام؛ إذ تجري في الواقع باستمرار إعادة تفسير "لعبة الجهات" الفاعلة المحلية وفقًا للديناميات العالمية، ولا يعود لتدخل القوى القديمة المعنى نفسه، ويصبح حصرُ المعايير في البيانات الجيوستراتيجية وحدها أمرًا مضلّلً. في الواقع، تطورت ظروف جدلية الفاعل والنظام ذاتها مع العولمة؛ فإذا كانت العولمة قد منحت الفاعل المحلي دورًا أكبر، مقارنةً بالقوى الدولية في الزمن الماضي، فإنّ الفاعل المحلي نفسه يجري تشكيله وإعادة تشكيله على نحو دائم بما يحمله تطور النظام العالمي. ومن ثمّ، لا توجد أي حتمية تاريخية في العداء الإيراني - السعودي، كم تُردّد ذلك التعليقات الصحافية والسياسية الشائعة2، بل هناك عملية مستمرة لإعادة وضع السياسات من الجانبين بحسب التحولات النظامية الشاملة. فيمَ تتمثّل هذه التحولات؟ إنها تؤشّ أولً إلى احتضار حقل "الدراسات المجالية " Area(Studies)، حيث أصبحت التفاعلات اليوم على نحو حتمي أكثر ثراءً من الأمس بين العالمي والمحلي؛ ما يزيل عن المحلي ما كان يمكن أن يُشكّل طابعه الاستثنائي في الماضي. ويُغيّ العالمي بعمق

  1. Bertrand Badie, New Perspectives on the International Order: No Longer Alone in this World (London: Palgrave Pivot, 2018).
  2. يمكن التذكير بأن عقيدة نيكسون - كيسنجر بشأن الشرق الأوسط، في سبعينيات القرن العشرين، كانت تقوم على أساس إرادة الدفع بتحالفٍ سعودي - إيراني في منطقة الخليج وما وراءها، وهو ما تجسّد في لحظة التعامل مع "أزمة ظفار".

ما كان يُطلق عليه سابقًا "اللعبة الوستفالية"3، باسم هذا النظام الدولي الأول الذي اختُع في أوروبا في القرن السابع عشر لتنظيم التعايش بين الدول التي أُنشئت حديثًا. وفي السياق الحالي، يتميز العالمي بخصائص تغيّ مجرى الأمور وتمنح منطقة الخليج اليوم وضعًا لم يسبق له مثيل؛ إذ فقدت القوة، على الأقل في تعبيرها العسكري، جزءًا أساسيًا من قدرتها في الأمس؛ فالترابطات المتبادلة السياسية والاقتصادية والاجتمعية اكتسبت ثقلً نوعيًا يزعزع مبدأ السيادة ذاته، وما عاد العالم مستقطبًا، حتى إنه أصبح ينحو نحو وضع لا يقبل الاستقطاب، واكتسب الفاعل المحلي قدرةً إضافية، حتى أصبح يتطلّع إلى دور قوة إقليمية كانت في السابق تحت وصاية قوى أصبحت اليوم عاجزة. ومن بين هذه الخصائص العالمية، تُستمدّ نتيجتان بارزتان، على نحو خاص، متى تعلّق الأمر بمنطقة الخليج. ففي مواجهة العجز المتزايد للقوة، يأتي سؤال الوضع ليغلب، على نحو متزايد، على سؤال القوة الكلاسيكي. إنّ الاعتراف بالآخر وبمرتبته يأخذ الأسبقية على فعل الهيمنة، في حين أثبتت الموارد الرمزية أنها أكثر أهمية من الموارد المادية. ولأسباب ممثلة، يُعدّ الإذلال عنصرًا رئيسًا يُلهم الاستراتيجيات الاستباقية (Strategies Proactive) التي يُصبح فيها إذلال الآخر أداةً لتأكيد الذات، والاستراتيجيات التفاعلية (Strategies Reactive) أيضًا التي يصبح من خلالها الردّ على الإذلال طريقةللعيش من جديد4. يتشارك جميع الفاعلين المعنيين هنا الشعورَ نفسه بالإذلال؛ العالم العربي بأسره الذي يعتزم التحرّر من قرنين من الهيمنة التي تكبّدها، وكذلك إيران التي تضيف إلى ذلك ثقافةً عتيقةً ومحاصرة، وما يقرب من أربعين عامًا من التهميش القسري من "المجتمع الدولي". وتردّ تركيا، أيضًا، على أكثر من قرن من الإذلال الذي عانته الإمبراطورية العثمنية، وعلى خمسين عامًا من التجاهل الذي قوبلت به رغبتها في الترشح للانضمم إلى الاتحاد الأوروبي. وترغب روسيا كذلك في الخروج من الانحطاط المهين لقوتها العظمى. في حين تشعر الولايات المتحدة الأميركية بأنها طُردت، بحكم الواقع، من المشهد في الشرق الأوسط. وماذا عن الفلسطينيين والأكراد وجميع الأقليات التي تحاول البقاء على قيد الحياة في المنطقة من دون اعتراف حقيقي؟ من ثمّ، تُفهم أزمة الخليج التي يُحدّدها اليوم التوتر المزدوج بين المملكة العربية السعودية وإيران من جهة، وقطر من جهة أخرى5، وتجمع بين التهديدات باستخدام القوة ضد أحدهم، والعقوبات ضد الآخر، على نحو أفضل، باعتبارها تأثيرًا مستمدًا من مجموعة كاملة من مواطن الضعف ("سياسة الضعف" Weakness Politics)، أكثر من كونها مظهرًا حقيقيًا للقوة. وتكشف عن هشاشات عدّة، اعتبرتها الأطراف المشاركة، على نحو متهوّر، فرَصًا ثمينة للانقضاض عليها. وهي على هذا النحو مصدر لعدم توازنات

  1. يقصد المؤلّف ب "اللعبة الوستفالية" النظام الدولي الذي جرى إنشاؤه من خلال "معاهدات وستفاليا" (أو "سلام وستفاليا") التي وقعت في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 1648. ويقوم هذا النظام على
  2. Bertrand Badie, Humiliation in International Relations: A Pathology of Contemporary International Systems (Oxford/ Portland, OR: Hart publisher, 2017). 5 تبت هذه المقالة قبل "إعلان العلُا" (اتفاق المصالحة  كُ الخليجية) في كانون الثاني/ يناير 2021. (المترجم)
  3. مبادئ الدولة - الأمة والسيادة الخارجية والداخلية وتوازن القوى بوصفها القواعد الأساس للقانون الدولي. (المترجم)

شديدة الخطورة، لا يعرف النظام الدولي كيف يتعامل معها.

تأسيس "سياسة الضعف"

كُتب تاريخ العلاقات الدولية برمّته، على الأقل منذ "سلام وستفاليا" (1648)، في ظلّ "بردايم القوة"6. وقُبِل هذا المبدأ من الجميع في الماضي، حيث كان الاستقرار الدولي يعتمد على توازن القوى، في حين كانت "اللعبة الدولية" تنحصر في تنافس بين القوى، وكانت الحرب تمثل بالنسبة إليها المرحلة القصوى. وحدها الدول التي تتمتّع بالقوة كانت تميل إلى الاعتمد عليها؛ الأمر الذي أدّى تدريجيًا إلى أن جعل "سياسة القوة" (Politics Power) المتغير التفسيري الرئيس في اللعبة الدولية7. واستنادًا إلى انتصارها على النازية، جعلت الولايات المتحدة من القوة كلمتها العليا التي أصبحت العلامة المميزة للعلاقات الدولية التي جرى الارتقاء بها حينئذ إلى تخصّص أكاديمي8. تنبع سياسة الضعف من إفلاس سياسة الاعتمد على القوة، بقدر ما تنبع من الآثار المعقّدة لثأر الضعيف. ويتعلّق البُعد الأول ذاته بكثير من العوامل؛ أوّلها العولمة نفسها التي تُعوّق الظواهر الكلاسيكية للهيمنة، من خلال تعزيزها الترابطات المتبادلة، وتُقلّل قدرة الفعل العسكري، وتُعزّز استقلالية الفاعل المحلي، وتضع على نحو متزايد القوي تحت رحمة الضعيف. كم تضع العولمة المجتمعات، من خلال إيقاظها، في ساحة دولية تصبح أكثر اضطرابًا، وتصبح السيطرة عليها أقلّ يسُرًا9؛ إذ يزيد القمع الذي يمارسه الأقوياء ضد المجتمعات المدنية، من الفوضى، ويوجِد إهانات جديدة، ومن ثمّ عنفًا جديدًا. وكانت الظاهرة واضحة، على التوالي، في البحرين، ثمّ في اليمن، وهي موجودة اليوم في تلك المحاولة الخرقاء لخنق المجتمع القطري من خلال حصار قاسٍ، يساهم، على العكس من ذلك، في تعزيز هويته. وأخيرًا، توجِد أزمة الطاقة ظاهرة سلسلة تعاقبية مهمة؛ فمن خلال تقليص قدرة القوى العظمى، تؤسس شهية جديدة للقوة الإقليمية، على غرار إيران أو السعودية، لكنها تثير مباشرةً ارتياب الفاعلين الصغار والمتوسطين ​​ إزاء هذه المخاطر الجديدة المتعلقة بالخضوع. إنّ فشل محاولة إنشاء " اتحاد دول الخليج العربية " في كانون الأول/ ديسمبر 2013 هو برهان واضح على ذلك10. من وراء هذا الفشل لسياسة القوة، تلوح في الأفق تقوية كبرى لقدرات الضعفاء، حيث تجعل الترابطات المتبادلة الناجمة عن العولمة من نظرية "الحلقة الضعيفة في السلسلة" عنصرًا تفسيريًا

  1. Hans J. Morgenthau, Politics among Nations. The Struggle for Power and Peace (New York: A.A. Knopf,
  2. Richard Little, The Balance of Power in International Relations (Cambridge: Cambridge University Press, 2007).
  3. Martin Wight, Power Politics (London: Royal Institute of International Affairs, 1946).
  4. Jan Aart Scholte, Globalization: A Critical Introduction (New York: Palgrave Macmillan, 2000).
  5. اتحاد دول الخليج العربية"، فكرةٌ طرحها الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز على قادة دول مجلس التعاون في القمة التي عقدت في الرياض في كانون الأول/ ديسمبر 2011، ليحلّ محلّ أمانة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مستندًا إلى تعاون اقتصادي وسياسي وعسكري وثيق بين الدول الست. (المترجم)

رئيسًا للأزمات الدولية. ففي الماضي، كانت الأجندة الدولية تُبنى على إيقاع المنافسة على القوة، أما اليوم فهي مرتهنة بنشوب أزمات هامشية تسحب من الفاعلين الدوليين والإقليميين جزءًا حاسمً من مبادراتهم. وكان هذا صحيحًا خلال أمد طويل جدًّا بالنسبة إلى الأزمة الفلسطينية، وهو لا يزال كذلك بنسبة كبرى، ويحدث اليوم مع انهيار اليمن، أو تمحلّات الحياة السياسية اللبنانية التي توجِد التأثير نفسه؛ فالانتفاضة الفلسطينية أو ثورة الحوثيين أو "اللعب الاستباقي" لحزب الله، تضع كلها إكراهات أكثر من إكراهات استراتيجية "الوحوش الباردة". في الوقت نفسه، تتجسّد سياسة الضعف في ثلاثة مستويات مختلفة: ضعف الدولة، وضعف الأمة، وضعف الارتباط الاجتمعي؛ وهي ثلاثة اعتلالات تقود على نحو متزايد الأجندة الدولية المعاصرة. فالاعتلال الأول يتوافق مع "الدول قيد الانهيار" (States Collapsing) (أو حتى "الدول المنهارة" States Collapsed) التي تحلّ محلّ الدول - القوى كفواعل حقيقية، أو كعوامل الصراع، على غرار اليمن أو الصومال. وعلى النقيض من منطق "قيام الدولة - قيام الحرب" (- State Making War Making) المشهور11، يبرز منطق "انهيار الدولة- قيام الحربState collapsing -(" making War) في الأزمنة المعاصرة. أما الاعتلال الثاني، فيتمثّل في انفراط (أو غياب تعزيز) العقد الاجتمعي، وتفتيت النسيج الوطني؛ إذ تبقى الدولة قسرية على الأقل، وإن لم تكن قوية، كم هي الحال في سورية أو العراق أو البحرين. وأما الاعتلال الثالث، فهو مرتبط بتنمية بشرية ضعيفة لا تسمح بازدهار التضامن الأفقي، ومن ثمّ، بعدم ازدهار المجتمعات المدنية؛ ما يجعلها تؤجج النزاعات المزمنة، ويجعلها أسبابًا قوية للعنف والصراع. وفي هذا السياق، تُعدّ أفغانستان واليمن والصومال وجمهورية أفريقيا الوسطى، ومجتمعات الساحل عمومًا، الأمثلة التوضيحية لذلك والأكثر دموية. ما عاد في الإمكان التحكّم في مواطن الضعف هذه بوساطة آليات القوة التقليدية. ومن ثمّ، يجري التكفّل والتلاعب بها من "ممتهني العنف" الذين يأملون أن يجنوا الأرباح من خلال تقوية عملائهم، ومن خلال قدرتهم على التعبئة والفعل والإزعاج. ويُعدّ تنظيم "القاعدة"، ثم تنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق والشام "داعش"، أو "القاعدة في جزيرة العرب"، أشهر الجهات الفاعلة في منطقة الخليج. وتستفيد هذه التنظيمت، بدورها، من تدخل القوى ضدّها. ولا يجعل هذا التغيير في طبيعة الفاعلين اللعبة أكثر تعقيدًا فحسب، بل يسمح أيضًا ببروز استراتيجيات جديدة يصعب على الدول تنظيمها والتحكم فيها؛ ما يجعلها تفقد جزءًا كبيرًا من السيطرة على أوضاع تقع على عاتقها، في منطق سياسة القوة، على نحو شبه حصري. وهكذا يستفيد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب من النزاع اليمني؛ مثلم تجلب زعزعة استقرار دول الخليج كثيرًا من ممتهني العنف إلى لعبة أصبحت على هذا النحو خارج السيطرة.

  1. Charles Tilly, "War Making and State Making as Organized Crime," in: Peter Evans, Dietrich Rueschemeyer & Theda Skocpol (eds.), Bringing the State Back (Cambridge: Cambridge University Press,

الهشاشة واغتنام الفرص

في الوقت نفسه، يوجِد هذا المنطق للإضعاف فرصًا غير متوقعة بالنسبة إلى الفاعلين؛ ما يزيد من عدم استقرار اللعبة ويجعلها غير متوقعة في تطورها. وتؤثّر ثلاثة أنواع من الضعف هنا: فشل "نزع الاستعمر الثاني"، وفشل "الربيع العربي"، وعدم استقرار "الاستراتيجيات المنحرفة". ومن خلال عبارة "نزع الاستعمر الثاني"، نروم الانسحاب القسري للقوى التقليدية التي استُبعدت تدريجيًا من لعبة ما بعد الاستعمر التي اندسّت فيها في أعقاب الاستقلال. وهذه الظاهرة للانسحاب أقوى في منطقة الشرق الأوسط منها في أيّ مجال بعد استعمري آخر معروف، في الغالب، وذلك بسبب حدّة الصراعات التي طرأت فيها، والتي ما زالت رحاها تدور إلى اليوم. استوعبت الولايات المتحدة الدرس بالطريقة الصعبة؛ فعدم قدرة الأميركيين على القيام بدور منظِّم للنزاعات، ومشاركتهم القوية والمستمرة تقريبًا إلى جانب إسرائيل، وفشلهم في العراق، والعداء الناجم عن تدخّلهم، وعدم قدرتهم على إيجاد حلفاء حقيقيين بين الجهات الفاعلة المحلية (خارج إسرائيل)، هي كلها عوامل قادتهم إلى موقف معبّ للانسحاب من ساحة الشرق الأوسط. وجرى التفكير في هذا الانسحاب برصانة في ظلّ رئاسة باراك أوباما الذي كان يستعمل بحذر بطاقة "الريادة من الخلف" (Behind from Leadership). ومع ذلك، فرض نفسه بصفته مصدرًا حادًّا للإحباط لدى خليفته الذي حاول كبحه من خلال كثير من المبادرات الأحادية الجانب، بما في ذلك قصف القاعدة السورية "الشعيرات"، في نيسان/ أبريل 2017، بعد استخدام جيش النظام أسلحة كيميائية. بيد أنّ النتائج لم تكن مقنعةً على نحو يكفي للحديث عن عودة أميركية إلى المنطقة. مبدئيًا، كان يمكن أن يفيد هذا الانسحاب الأميركي روسيا، لكن هذا الأمر لم يحدث؛ إذ يبدو أنّ النجاحات الروسية في المنطقة محدودة على نحو مضاعف. فمن ناحية، تُعد هذه النجاحات محصورةً في المجال العسكري الكلاسيكي؛ إذ إن هزيمة داعش على الأرض ليست كافيةً للمطالبة بدور ريادي إقليمي، كم يتضح ذلك بالفعل من صعوبات ترجمة الصراع العسكري إلى نصر دبلوماسي. ومن ناحية أخرى، تُدرج روسيا ضمن منطق استراتيجيات الإمبراطوريات: الفوز في الهوامش من دون السعي إلى التمدّد أبعد من ذلك. ومن ثمّ، فمحدودية نفاذها في جنوب سورية، وفي المنطقة المغاربية، وحتى في العراق، تجعلها خارج المنافسة الحقيقية للهيمنة في "الشرق الأوسط الكبير". كانت تركيا تُفكر في استئناف التقليد المهيمن المنبثق من عقيدة "العمق الاستراتيجي" القديمة للإمبراطورية العثمنية، الذي أشاد به أحمد داود أوغلو12، لكن كان للربيع العربي قدمُ السبق على طموحاتها، في حين لا يزال تصلّب تركيا بشأن القضية الكردية يتركها بعيدةً من عدد من الرهانات. وبالانفلات مرةً أخرى من وصاية الإمبراطوريات الثلاث، الأميركية والروسية والعثمنية، فتح فراغ القوة فرصةً أولى بالنسبة إلى السعودية، وبالنسبة إلى إيران أيضًا. وبذلك، من

  1. Jana Jabbour, La Turquie: L'invention d'une diplomatie émergente (Paris: Editions du CNRS, 2017), p. 35 ff.

الواضح أنّ ضعف "الكبار" يعمل بوضوح لمصلحة أولئك الذين هم "من عيار أقل". يخضع فشل الربيع العربي للمنطق نفسه؛ إذ ولّد مواطنَ ضعف جديدة وأكثر حسمً. وأشّ الغزو الأميركي للعراق، وثورات عام 2011، إلى سقوط الخلافات الثلاث التي اقتسمت، على مدى قرون طويلة، قيادة المنطقة، وهي - على التوالي - بغداد والقاهرة ودمشق، فقد فقدت كل واحدة مكانتها السابقة، وهو إضعافٌ ملحوظٌ ومتزامن تقريبًا عزّز حالة الفراغ الموجودة. وفي الآن نفسه، ساهم ضعف القدرة على الاستجابة للدول القائمة التي واجهتها تحديات هذه الهزّات الاحتجاجية في إضعاف عام لأنظمة المنطقة، بما فيها النظام السعودي نفسه. ووجدت حالة الفراغ هذه صداها في استراتيجية سعودية تفضّل المغامرة الخارجية والتدخل في شؤون جيرانها من أجل البقاء على قيد الحياة. إضافة إلى ذلك، يصبّ هذا الإضعاف المشترك للأنظمة القائمة وللبنى المهيمنة، فضلً عن عجز المجتمعات المدنية في مواجهة الاحتجاج، في مصلحة ممتهني العنف، ومصلحة النزعات الانفصالية كلها، ومصلحة النزعة الانفصالية للأكراد في المقام الأول. ولا ينجم عن ذلك التجزئة المتفاقمة في المنطقة و"الطائفية" المعزّزة فحسب، بل أيضًا إيجاد لعبة تتكاثر فيها الاستراتيجيات المنحرفة والاستراتيجيات فوق الدولاتية، إلى حدّ توليد سياسة الضعف التي لا تستطيع أي قوة التحكّم فيها. لذا، لا تُقاس انتصارات تنظيم داعش أو هزائمه بقدرته على الفوز أو الخسارة في الأقاليم، بل بأهليته الناجحة بشأن إضعاف السياسي في كلّ مكان وجعله نظامًا بنيويًا للضعف.

آثار عدم اليقين

نحن، إذًا، بعيدون كلّ البعد من النموذج الوستفالي للعلاقات الدولية، وبعيدون من التنافس على القوة كم كنّا نفهمها خلال فترة القطبية الثنائية. وعلى مستوى الصراع، نحن أيضًا بعيدون كليًّا من نموذج كلاوزفيتز) Clausewitzian Model("" الذي يصف شروط الحرب الكلاسيكية13. ولذلك، فإنّ احتملية الخطأ كبيرة في إيجاد الحلّ حالما يجري الإصرار على اعتقاد مفاده أن لا شيء تغيّ على نحو جوهري في عالمنا؛ فبالإصرار على الخطأ، قد يصبح العلاج أسوأ من الداء. لذا، ينبغي أن نأخذ في الحسبان أربع عواقب، تُخيّم أوجه عدم اليقين فيها على مستقبل الخليج والمنطقة، هي: تغيّ خطوط الانقسامات والاستقطابات، ومفهوم جديد للأمن، وغموض هائل في استخدام مفهوم القوة الإقليمية، وبروز صراعات من نوع جديد. يقطع التعقيد المتزايد للانقسامات والاستقطابات مع التحالفات والاصطفافات الكاملة الموصوفة في "نموذج شميت14 الذي يُنظّم العلاقات الدولية من خلال التمييز بين الأصدقاء والأعداء، وافتراض أنّ الانقسامات والاستقطابات بُنيت ورُتّبت واستقرّت تدريجيًا في شكل تحالفات غالبًا ما تكون طويلة الأمد15. إنّ هذا النموذج الذي يبقى محوريًا في

  1. كارل فون كلاوزفيتز (1831-1780) هو جنرال ومؤرخ حربي بروسي. من أهم مؤلفاته كتاب عن الحرب Vom Kriege الذي كان له أثر بليغ في المجال العسكري في البلدان الغربية. (المترجم)
  2. يعتبر كارل شميت (1985-1888) أنّ سيادة الدولة إما أن تكون مطلقةً أو لا تكون، وأنّ استقلالية الدولة تقوم على إمكانية الحفاظ على الدولة لنفسها، خارج نطاق القاعدة القانونية، عبر فعلٍ يثبت هذه السيادة. (المترجم)
  3. Carl Schmitt, The Concept of the Political (Chicago: The University Press of Chicago, 1996

ثقافة القوى القديمة ما عاد يعمل، أو إنّ تأثيره يقلّ أكثر فأكثر في الشرق الأوسط، حيث العلاقات هشّة ومتقلّبة وضمنية، وهو بذلك يوجِد، على نحو ملحوظ، عدم اليقين وعدم الاستقرار. وتركيا حاليًا أقرب إلى روسيا منها إلى الولايات المتحدة التي تُعدّ مع ذلك الحليف المؤسسي لها. ولا تقاتل روسيا، وهي المتحالفة تاريخيًا مع الأكراد عدوّهم الرئيس، أي حكومة تركيا التي تتحالف معها، على العكس من ذلك، عن طيب خاطر. وحين تعيّ التنظيمت الجهادية، ولا سيّم داعش، بوصفها عدوها الرئيس، فإنّ القوى الغربية لا تعتبر إيران مع ذلك صديقةً لها، حتى لو كانت إيران نفسها تقاتل مباشرةً هذه التنظيمت. وتسعى تركيا لأن تكون لها علاقات طيبة بدولتَي قطر والسعودية على حدٍّ سواء، في حين تتأرجح العلاقات بين قطر وإيران بين المودّة والخصومة. يقود الخطأ نفسه إلى المبالغة في تقدير الترجمة الدينية أو الطائفية للنزاعات، التي تُقدّم غالبًا بوصفها نتيجة "الصدام الأزلي بين الشيعة والسُنّة". وبصرف النظر عن حقيقة أنّ ذلك لا يتوافق مع التاريخ الطويل، نتساءل: هل يمكننا أن نضع في الخانة نفسها الحوثيين اليمنيين والبعثيين العلويين، وهم العلمنيون تمامًا، والإيرانيين الشيعة الاثني عشرية، وسنّة حمس المقرّبين من طهران، والوهابيين القطَريين الذين يقتربون منها. إنّ الرموز الدينية هي، في الواقع، أدواتٌ أكثر منها عوامل، وتسطّر التحالفات نفسها صفحةً جديدة من تاريخ هشاشةٍ فائقة تذكّرنا ب "التحالفات العسكرية الإغريقية" (Symmachies) في الحروب البيلوبونيزية، تلك التحالفات الظرفية والبراغمتية المرتبطة بهدف محدد، والمتغيرة باستمرار، من دون أهمية بنيوية16. وفي هذا الإطار، ما عادت الأزمة الخليجية واضحة المعالم. يُصبح مفهوم الأمن في حدّ ذاته متغيرًا في هذه الظروف. وتُعيد عودة الفاعل المحلي بناء الأمن أكثر فأكثر إلى المستوى الإقليمي، في حين أنّ عواقبه واندماجه الدولي موضع تقدير على نطاق عالمي؛ فالمحلي هو "المنتج"، والعالمي هو "المستهلك". ولكن حتى وقت قريب، كان العكس هو الصحيح. وإضافة إلى ذلك، يأتي دور انخراط القوى القادمة من خارج المشهد لتعقيد اللعبة، ودمج عناصر التباس في الأزمة الأصلية. ومن هذا المنظور، ينبغي أن نفهم أنّ معطيات النزاع الجديدة تستدعي الاعتراف الكامل بالقوى الإقليمية وضمن حقوقها. وهكذا، تعود فكرة القوة الإقليمية إلى قلب المشهد، مرهونةً بتناقض في منتهى القوة. فمن ناحية، تمنحها المعطيات الجديدة للعبة الدولية مزيدًا من الثقل، وتحفّز حاجتها إلى الاعتراف على نحو متزايد من يطالبون بها. ومن ناحية أخرى، فإن القوى التقليدية حذرة، وتعرقل قدومها إلى الساحة الدولية، وخصوصًا الاعتراف بها؛ فهي تُقبل بوصفها قوى تابعة فحسب، أو حتى قوى عميلة، ولا يمكن أن تُقبل بوصفها قوى كبرى إلّ بصعوبة بالغة. وفي الواقع، يرتاب العالم الوستفالي القديم من "إضفاء المنطق الوستفالي" على العالم المعاصر، حالما يُفلت من سيطرته. هذا هو الأساس الأول لأزمة الخليج التي لا يجري فيها ترك السعودية تتبوّأ دور القوة الإقليمية إلا بقدر ما يمكن وضعها

  1. Richard Crawley Thucydides, History of the Peloponnesian War (London: J.M. Dent; New York: E.P. Dutton, 1910).

تحت الوصاية. في حين أنّ إيران، التي لا يوجد اطمئنان لإمكان السيطرة عليها، تُحرم من الوضع نفسه. وقد رُفض في أوانه، أيضًا، هذا الوضع بالنسبة إلى مصر إبّان حكم الرئيس المنتخب، محمد مرسي. تؤدي هذه المجموعة من المعطيات حتمً إلى نزاعات من نوع جديد. فلا هي نزاعات ناشبة بين الدول على نحو صارم، ولا هي مبنية على تحالفات واصطفافات صلبة، ولا هي خاضعة لسيطرة القوى الإقليمية كليًّا. يتحدى هذا الشكل الجديد من النزاعات القوانين التقليدية للجيوستراتيجية، في حين يميل معظم الفاعلين، وخصوصًا القوى التقليدية، إلى الاستجابة وفق نمط في منتهى التقليدية. فأكثر من أي وقت مضى، تفرض "حركية المجتمعات" نفسها على منظومة العلاقات بين الدول الوستفالية. إنّ الحركات الاجتمعية الملتفّة حول القضية الفلسطينية، في ظل اعتراف دونالد ترامب بالقدس عاصمةلإسرائيل17، والإحباطات والإهانات التي تلقّتها الساكنة السُّنية في المناطق التي استرجعتها الحكومتان السورية والعراقية، إضافة إلى تعقيدات الحرب الأهلية اليمنية، كلها عوامل تشكّل البيئة التي تتشابك فيها خيوط أزمة الخليج. في حين تمثّل التحولات العميقة في المجتمع السعودي، والعلاقات الصعبة لفئة شبابه الواسعة والناشطة بنظام سياسي واقع في شراك التقاليد وحكم القلّة، وعدم اليقين الذي يعصف بالمجتمع الإيراني الواقع في منتصف الطريق بين التوتر القومي، أو حتى الطائفي، وإغراء النزعة الاستهلاكية الغربية، عواملَ اجتمعية مركزية للأزمة تتجاوز كثيرًا الاستراتيجيات الحكومية المتلمّسة طريقها، من هذا الجانب ومن ذاك. يقترن هذا التداخل البيني الاجتمعي، الأقلّ استقرارًا والأقلّ قابلية للتنبؤ به من التداخل البيني بين الدول، بعدم يقين فيم يتعلق بالتحالفات والاصطفافات؛ فدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بعيدة كلّ البعد من الإجمع، عندما نعلم حدّة النزاع الدائر بين قطر وجارتها السعودية، وارتياب سلطنة عُمن من السعودية، ونزعات الكويت الحيادية. وخارج هذا النطاق الخليجي، فإنّ تموضع تركيا معقّد، كم هي الحال مع باكستان. وعلى الصعيد العالمي، باستثناء إسرائيل والولايات المتحدة، فإن القاعدة هي الحرج والالتفاف والغموض. وفي مقابل ذلك، تبرز نقطتان على الأرجح؛ فمن جهة، تواجه القوى العالمية صعوبةً كبرى في السيطرة على لعبة لا تستطيع ببساطة سوى تأجيجها، على غرار الولايات المتحدة؛ ما يؤشّ إلى قطيعة حادّة نسبةً إلى النظام الدولي السابق. ومن جهة أخرى، يكون "ممتهنو العنف" هم الرابح الأكبر في هذه اللعبة؛ كم عرف تنظيم القاعدة، ثمّ داعش، كيف يربحان جوانب قوّة في الصراعات كلها في المنطقة، في أفغانستان، أو العراق، أو سورية، أو اليمن، وكذلك في ليبيا، أو مالي... إلخ؛ لأنهم موجودان سلفًا في السعودية، ومتمركزان في المناطق الإيرانية السُنّية، كم هي الحال في سيستان أو بلوشستان؛ إذ يمكنهم بسهولة جني الأرباح في حالة اندلاع النزاع في منطقة الخليج.

  1. عقب تأسيس إسرائيل، عارضت الولايات المتحدة إعلان إسرائيل القدس عاصمة لها في عام 1949، وحافظت الإدارات الأميركية اللاحقة على السياسة نفسها إلى حد 6 كانون الأول/ ديسمبر 2017؛ حين اعترفت إدارة الرئيس دونالد ترامب رسميًّا بالقدس عاصمةً لإسرائيل. (المترجم)

في الواقع، تكشف أزمة الخليج، كم جرى تحليلها هنا، عن القوة الحقيقية للضعف. فمن قبلُ، لم يكن الضعف يظهر على الأجندة الدولية سوى في شكل فرصة يمكن أن تنتهزها القوى الكبرى. وهكذا، فإنّ الإمبراطورية العثمنية التي وُسمت، في القرن التاسع عشر، في أوروبا ب "الرجل المريض"، غذّت في الواقع قوة الدول الأوروبية الرئيسة، في حين أنها غرقت في الانحطاط. واليوم، يشهد الضعف إدماجًا عكسيًّا على الساحة الدولية.

استنتاجات

in بدلً من أن يستفيد القوي من الضعف، يصبح الضعف - في حدّ ذاته - مبدأ ديناميًا للعبة الدولية، يُضعف القوى الكبرى. ويجتمع عاملان لشرح هذا الانعكاس؛ فمن جهة، تفقد القوة من قدرتها، سواء على مستوى التحكّم أو على مستوى إعادة التشكيل، بحيث لا يمكنها التحكّم في النزاعات الجديدة، ولا في إعادة تشكيلها لمصلحتها. ويشهد فشل القوى العالمية المهمّشة، إن لم تكن المستبعدة من الخليج، بصحة ذلك، وهو ما يؤكّده فشل القوى الإقليمية المحتملة، مثل المملكة العربية السعودية. ومن جهة أخرى، أضحت "سياسة الضعف" تضطلع بإنتاج دينامية خاصة بها ترجّح كفّة القوى الصغيرة؛ على غرار الكويت، أو عُمن، أو قطر، وهو ما يثير استراتيجيات للإزعاج يحملها ممتهنو العنف، مثل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، الذي يُرسي قواعد اللعب الخاصة به، ويشكّل بنية الأجندة الإقليمية بطريقته الخاصة؛ ما يضاعف عدد الفاعلين على الساحة، ويجعل الأنماط التقليدية لتسوية النزاعات غير فاعلة. بعد أن كانت القوة، في الماضي، ذات طبيعة استباقية، أصبحت تفاعليةً. في حين يولّد الضعف لعبةً تمتد طبيعتها النظامية إلى ما هو أبعد من المجال الإقليمي، لتصل، وفقًا لدرجة كثافتها، إلى المجال العالمي بأسره. ومن الواضح أنه لا يمكن الإجابة عن هذه الجوانب الجديدة إلا عبر سياسة خارجية مُعادة التصميم على نحو كليّ، وأنه ما عاد في قدرتها، كم كانت الحال في الماضي، أن تستلهم "السياسة القديمة للقوة".

المراجع

Badie, Bertrand. Humiliation

International Relations: A Pathology of Contemporary International Systems. Oxford/ Portland, OR: Hart publisher, 2017. ________. New Perspectives on the International Order: No Longer Alone in this World. London: Palgrave Pivot, 2018. Jabbour, Jana. La Turquie: L'invention d'une diplomatie émergente. Paris: Editions du CNRS, 2017.

Little, Richard. The Balance of Power in International Relations. Cambridge: Cambridge University Press, 2007.

Morgenthau, Hans J. Politics among Nations: The Struggle for Power and Peace. New York: A.A. Knopf, 1948.

Schmitt, Carl. The Concept of the Political. Chicago: The University Press of Chicago, 1996 [1932].

Scholte, Jan Aart. Globalization: A Critical Introduction. New York: Palgrave Macmillan, 2000.

Thucydides, Richard Crawley. History of the Peloponnesian War. London: J.M. Dent; New York: E.P. Dutton,

Evans, Peter, Dietrich Rueschemeyer & Theda Skocpol (eds.). Bringing the State Back. Cambridge: Cambridge University Press, 1985.

Wight, Martin. Power Politics. London: Royal Institute of International Affairs, 1946.