Return to Article Details The Dialectics of Climate Change and Food Security in Morocco and Egypt: An Essay to Monitoring Future Features

جدلية التغيرات المناخية والأمن الغذائي في المغرب ومصر: محاولة في رصد الملامح المستقبلية

The Dialectics of Climate Change and Food Security in Morocco and Egypt: An Essay to Monitoring Future Features

الحسين شكراني

باسل أمين رجوب

الملخّص

تبحث الورقة البحثية في جدلية التغيرات المناخية والأمن الغذائي في المغرب ومصر، من خلال استكشاف الملامح المستقبلية لهذه الجدلية. إذ حاولت الورقة ربط الموضوع بتأثير نشاط الدولة النيوليبرالية التي عجّلت بالهشاشة المناخية وفُقدان الأمن الإنساني، ما جعل البلدين يواجهان مخاطر حقيقية ترتبط بارتفاع أسعار الغذاء وتدنّي قيمة العملة الوطنية. ومن المنتظر أن يزداد تحدّي الأمن الغذائي في سياق توالي فترات الجفاف، وانكماش الاقتصاد الوطني، بفعل تطبيق برامج التقويم الهيكلي، وزيادة التبعية، والانكشاف للسياسات الزراعية النيوليبرالية. وهو ما يتطلب إجراء تغييرات جذرية في المستقبل في سياسات توفير الغذاء وضمان جودته واستدامته، تحسبًا لإمكانية "تجدّد" القلاقل الاجتماعية المصاحبة لحالة الطوارئ المناخية والأزمات الغذائية مستقبلًا.

Abstract

Abstract:  He research paper examines the dialectic of climate change and food security in Morocco and Egypt, by exploring the future features of this dialectic. The paper attempted to link the issue to the impact of neoliberal state activity, which has accelerated climate fragility and the loss of human security, making the two countries facing real risks associated with rising food prices and the decline in the value of the national currency. It is expected that the food security challenge will increase in the context of successive periods of drought and the contraction of the national economy due to the implementation of structural adjustment programs, increasing dependency, and exposure to neoliberal agricultural policies. This requires radical changes in food provision policies and ensuring its quality and sustainability in the future, in anticipation of the possibility of "renewed" social unrest associated with the climate emergency and food crises in the future.

الكلمات المفتاحية:
  • التغيرات المناخية
  • الأمن الغذائي
  • الملامح المستقبلية
  • المغرب
  • مصر
Keywords:
  • Climate Change
  • Food Security
  • Future Features
  • Morocco
  • Egypt

جدلية التغيرات المناخية والأمن الغذائي يف المغرب ومصر: محاولة يف رصد الملامح المستقبلية The Dialectics of Climate Change and Food Security in Morocco and Egypt: An Essay to Monitoring Future Features

مقدمة

يتحقق الأمن الغذائي عندما يمتلك جميع الأفراد، وفي كلّ الأوقات، إمكانية الوصول المادي والاجتمعي والاقتصادي إلى الغذاء الكافي والآمن والصحي، الذي يلبّي حاجاتهم وتف  لايضتهم الغذائية1. ويُعدّ الأمنُ الغذائي، بذلك، مسألةً متعدّدة الأبعاد، تشمل استقرار الإمدادات الغذائية وتوافر الغذاء والإمكانيات المادية والاجتمعية والاقتصادية للحصول على طعام مأمون ومُغٍّذّ، واستخدامه. ويتّسم الأمن الغذائي الكلي/ الفردي بالهشاشة في مواجهة المتغيرات المحلية والدولية باستمرار، ويبرهن على ذلك سرعة تأرجح معدلاته استجابةً للتوترات السياسية والأزمات الصحية والتغيرات المناخية والزلازل والف ضيانات. وقد أسهمت التغيرات المناخية والنزاعات المسلحة (الدولية وغير الدولية على حدّ سواء) وأزمة جائحة فيروس كورونا (كوفيد 19-)، وغيرها، في زيادة الهشاشة في صفوف الفئات الأكثر ضعفًا2؛ إذ دفعت الجائحة 283 مليون شخص نحو انعدام الأمن الغذائي الحادّ، ويمثّل هذا الرقم ضعف المستويات المتوقعة قبل الجائحة3؛ في حين دق برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة ناقوس الخطر بشأن عدد الأشخاص ممّن هم على حافة المجاعة في 43 دولة، الذي ارتفع إلى 45 مليونًا، مع تصاعد الجوع الحاد في أنحاء العالم4. وفاقمت الجائحة وضُعف التدابير المتّخذة لاحتوائها، مستويات التضخم في أسعار الاستهلااك، نظرًا إلى الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء خلاال الجائحة، وأثّر هذا الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء، على نحو مباشر، في زيادة متوسط تكلفة الأنماط الغذائية الصحية في أنحاء العالم كلها تقريبًا5. وعطّلت الحرب الروسية – الأوكرانية، أيضًا، سلااسل إمداد الغذاء، ودفعت أسعار الحبوب والأسمدة والطاقة نحو الارتفاع. فخلاال النصف الأول من عام 2022، أسفر ذلك عن زيادات إضافية في أسعار الأغذية، وأدّت التغيرات المناخية الأكثر تواترًا وشدّة، كذلك، إلى اضطراب سلااسل الإمداد، ولا سيم في البلدان المنخفضة الدخل؛ إذ تشير التقديرات في أفريقيا إلى أن 80 في المئة من المزارع (33 مليونًا) تقل مساحتها عن هكتارين6. وقد شهد الميزان التجاري للحبوب الذي كان متوازنًا في عام 1961 عجزًا

  1. جين هاريغان، الاقتصاد السياسي للسيادة الغذائية في الدول العربية، ترجمة أشرف سليمان، عالم المعرفة رقم 465 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2018)، ص.22
  2. برنامج الأغذية العالمي، المراجعةالسنوية 2021: التعامل مع التقلبات، معالجة التعقيدات، بناء الشراكات (روما: 2021)، ص.9
  3. برنامج الأغذية العالمي، التقرير السنوي للمجلس التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي لعام 2021 المقدم إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي ومجلس منظمة الأغذية والزراعة، الدورة 43، تصدير المدير التنفيذي (روما: 7-1 تموز/ يوليو 2023)، ص.2
  4. برنامج الأغذية العالمي: عشرات ملاايين الأشخاص حول العالم يتأرجحون على حافة المجاعة"، أخبار الأمم المتحدة، 2021/11/7، شوهد في 2023/12/31، في: https://shorturl.at/orQY9
  5. الأمم المتحدة، منظمة الأغذية والزراعة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، موجز عن حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم: إعادة توجيه السياسات الغذائية والزراعة لزيادة القدرة على تحمل كلفة الأنماط الغذائية الصحية (روما: 2022)، ص.21
  6. المرجع نفسه، ص.8

متزايدًا (-10 في المئة في عام 1995، و-25 في المئة في عام 2010)، بينم زاد إنتاج الحبوب بمعامل 1.8 في 30 عامًا7، علمًا أنّ معدل اعتمد أفريقيا على القمح يبلغ 74 في المئة، وعلى الأرز 41 في المئة8. وتجدر الإشارة إلى أن أكثر من 80 في المئة من المحاصيل الزراعية في القارة الأفريقية تعتمد على هطول الأمطار بصورة ثابتة؛ نتيجة التغيرات المناخية؛ ومن ثمّ، فقد أصبحت مهدّدة بشدة بسبب انخفاض معدلات هطول الأمطار، وتَواتر حالات الجفاف المتكررة والأطول والأكثر شدّة. ويؤدي ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات هطول الأمطار إلى فقدان المياه السطحية، وتباعًا صعوبة إنتاج الغذاء. ضمن هذا المنظور، تمثل النّساء الجزء الأهم من القوى العاملة في القطاع الزراعي، ويشكّلن عموده الفقري في أفريقيا باعتبارهن مزارعات يملكن الحيازات الصغيرة التي تمثّل أكثر من 80 في المئة من المزارع كلها في القارة الأفريقية، وتساهم بما يقارب 80 في المئة من إجملي إنتاج الغذاء فيها9. يمثّل تغّير المناخ، إذًا، خطرًا على النظام الغذائي بأكمله، بدءًا من الإنتاج، فالتوزيع والاستهلااك، لذا من شأن الأنشطة الزراعية لمنتجي الأغذية أن تتأثر بشدة بسبب تغّير المناخ، لا سيم في البيئات النائية التي تعتمد على الزراعة المطرية، ما سيؤدي بدوره إلى الابتعاد عن هذا النوع من الزراعة. لا يسلم المغرب ومصر معًا من هذه الظواهر التي أشرنا إليها ومن تأثيراتها التي تؤكد التقديرات أنها ستتزايد، على الأقل، في المنظورين القريب والمتوسط المدى. فقد تضافرت مجموعة من العوامل المهدّدة للأمن الغذائي في المغرب ومصر معًا، منها بطء مشاريع استصلااح الأراضي ومحدودية مخزون المياه الجوفية والزيادة السكانية والإجهاد البيئي للمحاصيل وانتشار الأوبئة العابرة للحدود الوطنية وزيادة حاجة المحاصيل إلى المياه، في ظلّ تدّني معدل هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة ومعدلات الملوحة وغياب أنظمة زراعية وغذائية قادرة على الصمود في وجه التغيرات المناخية، وضعف مشاريع الابتكار الزراعي من أجل التعامل مع حدّة تأثير التغيرات المناخية وتداعياتها في المغرب ومصر. تمثل هذه الشواغل، إذًا، تهديدات مشتركة فرضتها آثار التغيرات المناخية/ أو تداعياتها، على الرغم من أن وطأتها ووقعها يتباينان من دولة إلى أخرى، نظرًا إلى الظروف التي تميّز كل دولة. ففي الحالة المصرية (علااوة على التهديدات سالفة الذكر)، تظهر ق يضة سد النهضة من جديد "تهديدًا مضاعفًا) Threat Multiplier(" للسيادة الغذائية في مصر، في ظل صراعها المستدام مع إثيوبيا، بينم ينفرد المغرب بكونه يشهد جفافًا متكررًا لا مثيل له منذ عام 2018، ما ولّد صدمات في الأسعار الغذائية وشحّ الحصاد وتداعيات ذلك على الاستدامة المجتمعية التي تتطلّب إرساء العدالة والإنصاف ما بين الأجيال ومجابهة الفقر والجهل والتغلّب على الهشاشة الاجتمعية وتحسين المستوى المعيشي للساكنة، خاصة القاطنين في الأرياف.

  1. المرجع نفسه.
  2. Philippe Hugon, "L'agriculture durable en Afrique," Après- Demain, vol. 3/4, no. 31-32 (2014), p. 26.
  3. Oxford Business Group/ OCP, Agriculture in Africa 2023 (December 2023), p. 20, accessed on 31/12/2023, at: https://rb.gy/lbmor8

وقد أعلنت مصر عن مشاريع مواجهة ضعف الإنتاجية الزراعية وتحقيق الأمن الغذائي، وفي مقدمها مشاريع التوسع الأفقي ومشروع "الدلتا الجديدة"، الذي يهدف إلى استصلااح مليون "فدّان" جديد10، إضافة إلى تبنّي مشاريع الريّ المتطور، واعتمدت "استراتيجية التنمية الزراعية المستدامة في أفق 2030". أما المغرب فقد بنى السدود منذ ستينيات القرن العشرين، لكنها أصبحت عرضةً لمخاطر تراكم الطّمي بسبب تجريف التربة على نحو مهول. وفي المجال الفلااحي، جرى تحويل "مخطط المغرب الأخضر" (2008) إلى نسخةٍ أطلق عليها "الجيل الأخضر" (2020 Generation, 2030-Green)11، لكن من دون تق ييم المخاطر التي نتجت من الفجوة الغذائية والمجالية والترابية للمخطط الأخضر. ففي مخطط المغرب الأخضر مثال، ا جرى توسيع الاستعمل الفردي للمياه، واستفاد العديد من المستثمرين الكبار وأصحاب رأس المال السياسي والمقاولين من دعم الدولة المغربية، وساهم نفوذهم السياسي في الهيمنة على الأراضي العامة واستغلاالها بطرائق غير قانونية، خصوصًا في زراعة النخيل التي عرفت انخفاضًا ملحوظًا في محاصيلها12؛ وهو ما لم يجرِ تق ييمه قبل وضع المخطط الجديد. يخضع الأمن الغذائي في البلدين (مصر والمغرب) لتحديات كبرى، لا سيم في المستقبل المنظور، تبعًا لمؤشرات الاستدامة المجتمعية وزيادة الهشاشة الاجتمعية والفقر. ومن ثم، تطرح هذه الدراسة سؤلًا عن كيفية تقليص هامش الأخطار الناتجة من فقدان الأمن الغذائي، وغيره من الأسئلة ذات الصلة، بشأن تك ييف إنتاج الغذاء بطريقة أفضل مع التغيرات المناخية، بتحسين الأمن المائي والطاقي وإدارة استراتيجية للااقتصاد الكّلي وإصلااح نُظم الإعانات الغذائية والحدّ من المخاطر المناخية خلاال تصنيع الأغذية وتخزينها وتوزيعها، واستخدام تكنولوجيا الريّ المتطورة، ما قد يحسّن من فاعلية تدبير الماء والطاقة، وكذا تعزيز زراعة المحاصيل الاستراتيجية وبناء القدرات وتعزيز البحوث التطبيقية وتسخير الإمكانات لمواجهة التحديات الغذائية، ومن ثم تعزيز القدرة على توفير إمدادات غذائية مستدامة وكافية للسكان في البلدين معًا. من خلاال ما سبق، سنعمد إلى النظر في تداعيات التغّير المناخي على السيادة الغذائية، لكن ل سي بمعزل عن الدور المحوري لتأثير نشاط الدولة في تبني السياسات التنموية، ومن ثمّ رفض أطروحة دولة الحدّ الأدنى، وخرافة "اليد الخفية" ومبادئ الليبرالية الجديدة التي أضرّت باستخدامات الموارد الطبيعية المحدودة مع غياب منظور الاستدامة المجتمعية والتدخلاات الاقتصادية الرشيدة في السياسات العمومية المغربية والمصرية (كدراسة مقارنة). فإن كان صحيحًا أن التغيرات المناخية تؤثر على نحو فاعل في

  1. ينظر: "مشروع الدلتا الجديدة لزراعة مليون فدان"، خريطة مشروعات مصر، شوهد في 2023/12/31، في: https://shorturl.at/bmXZ7
  2. المملكة المغربية، وزارة الفلااحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات/ قطاع الفلااحة، "الجيل الأخضر 2030-2020: ولوج الفلااحة المغربية مرحلة جديدة من التقدم"، شوهد في 2023/12/29، في: https://shorturl.at/diWZ2
  3. فوزية برج، "بيئوية الفقراء: ديناميات التكيف وممارسات العيش: مقاربة أنثروبولوجية"، عمران، مج 7، العدد 27 (شتاء 2019)، ص.91

السيادة الغذائية، فإنّ السياسات الليبرالية الجديدة في المغرب ومصر13 تعجّل الهشاشة وفقدان الأمن الغذائي، ومن ثم، تمس السيادة الغذائية للدولتين معًا. ومن المتوقع أن يفضي تغّير المناخ إلى وقوع كوارث طبيعية أشد كثافة وتواترًا، مثل الجفاف والف ضيانات التي ستؤثر في غلّة المحاصيل وإنتاجها، ما قد يؤدي إلى رفع الأسعار وتقلّبها باستمرار. ومن ثمّ، ستنتقل الدراسة إلى رصد الملاامح المستقبلية للتغّيارت المناخية في علااقتها الجدلية بالأمن الغذائي في المغرب ومصر. من المهم التأكيد على أنه توجد جدلية للتأثير الإنساني في البيئة وتأثره بها بعد التأثير فيها (علااقة عكسية)، بمعنى أن الإنسان يؤثر في بنية المنظومة الغذائية، وهو ما ينعكس من جديد على بناء الأمن الغذائي. لذا، تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن الدول، نطاق الدراسة (المغرب ومصر)، ستواجه مشكلاات حقيقية في توفير الغذاء الآمن والكافي لمواطنيها، وسيواجه مواطنو البلدين تحديات كبرى في الوصول إلى الغذاء الكافي، لا سيم في ظل ارتفاع أسعار الأغذية وتدني قيمة العملة، خاصة أنهم لا يحددان أسعار الأغذية، بل تُحَدّد لها تبعًا لتقلّبات العرض والطلب في الأسواق الدولية (في ما يُعرف بتعويم العملاات لدى البلدين).

أولًا: آثار التغيرات المناخية في الأمن الغذائي يف المغرب ومصر: الاتجاهات العامة

يتأثر الأمن الغذائي14 بالمخاطر الإقليمية والدولية، وينعكس ذلك بشدة على ارتفاع معدلات الجوع وتنامي انعدام الأمن الغذائي؛ إذ أدّت صدمات الأسواق الناتجة من التغير المناخي وتذبذب أسعار صرف العملاات وتفشي الجائحة، إلى ارتفاع معدلات الجوع عالميًا في عام 2021. فبعد أن بقي معدل انتشار نقص التغذية من دون تغّير يُذكر منذ عام 2015، ازداد من نسبة 8.8 في المئة، إلى 9.3 في المئة في الفترة

لا يمكن مناقشة آثار التغير المناخي في الأمن الغذائي في المغرب ومصر بمعزل عن التهديدات والمخاطر الأخرى التي تمثّل عقبات إضافية تحول دون (أو تُعقّد) الوصول إلى الغذاء الكافي لتلبية الحاجات المتنامية للسكان، وفي مقدمها النزاعات المسلحة والتوترات السياسية وانتشار الأوبئة، وغيرها.

  1. يمكن استثناء مرحلة الاقتصاد الموجّه في الفترة 1960-1957 في مصر؛ إذ حدثت تغييرات لمصلحة القطاع العام، وهو ما عُرف بعملية التمصير بوصفها نواة أولى لتكوين القطاع العام وإنشاء المؤسسات الاقتصادية العامة واشتداد عود التصنيع (منذ عام 1957)، وبداية تأميم بعض المصالح. للمزيد، ينظر: محمد عبد الشفيع عيسى، "الدور التنموي للدولة"، عمران، مج 1، العدد 1 (صيف 2012)، ص.80-78
  2. يعرّف سالم توفيق النجفي الأمن الغذائي العربي بتوافر المتطلبات من الغذاء، سواء من الناحية الكمية أو النوعية في الأوقات المختلفة، وعند مستوى من القدرات الشرائية السائدة في البلدان العربية. ينظر: سالم توفيق النجفي، سياسات الأمن الغذائي العربي: حالة الركود في اقتصاد عالمي متغير (رؤية للمستقبل) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013)، ص.213
  3. الأمم المتحدة، منظمة الأغذية والزراعة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية،.12 ص

وفي مواجهة ذلك، تسعى الدول لتبنّي سياسات زراعية وغذائية باعتبارها دعامات محتملة للأمن الغذائي، إّلا أن نجاعتها وفاعليتها في تحقيق الأمن الغذائي الكّلي / أو الجزئي، تبقيان في حاجة إلى مزيد من البحث للوقوف على أسباب الفجوة الغذائية في المغرب ومصر.

دعامات سياسات الأمن الغذائي وتداعيات التغ ريات المناخية في المغرب ومصر

في المغرب، يتنامى الطلب على الأغذية باستمرار باعتباره نتيجة منطقية للزيادة المطّردة في عدد السكان. وفي المقابل، يتأرجح عرض السلع الغذائية أفقيًا ورأسيًا، نظرًا إلى اضطراب سلااسل الإمداد وارتفاع تكلفة نقل الأغذية عالميًا. ويُعدّ القطاع الفلااحي قطاعًا حيويًا في البلااد؛ إذ يشغّل ما يقارب ال 40 في المئة من السكان الناشطين، ويساهم بحوالى 15 في المئة من الناتج المحلي الإجملي. ويتأثر هذا القطاع بالتغيرات المناخية، على الرغم من وجود بعض الجهود للتأقلم.15 وبسبب التغّيارت المناخية، انخفض الإنتاج الزراعي 30 في المئة16، وهو ما يمثّل تحديًا للأمن الغذائي، من المنتظر أن تزداد حدّته؛ نظرًا إلى فترات الجفاف المتكرّرة. عمومًا، تراوح سياسات الأمن الغذائي بين ثلااثة مكوّنات أساسية، يمكن أي بلد من خلاالها أن يحقق الأمن الغذائي على المستوى القومي: الإنتاج المحلي والواردات الغذائية التجارية والمعونات الغذائية. ولا يمكن أن يحقق أي بلد الاكتفاء الذاتي الغذائي القومي إّلا إذا ارتكزت استراتيجيته الغذائية، حصرًا، على الإنتاج المحلي17. وفي هذا إشارة واضحة إلى الدول التي عانت كثيرًا خلاال جائحة كورونا؛ فعلى الرغم من توفر هذه البلدان على سيولة مالية هائلة، فإنّها وجدت صعوبةً في التزوّد بالمواد الغذائية في أثناء الجائحة. يجري الاعتمد في المغرب على الأنهار الوطنية من أجل ملء السدود. وقد وفّر ذلك للبلااد استقلااليةً نسبية، مقارنةً ببعض الدول العربية. إّلا أن سنوات الجفاف الممتدة منذ عام 2018، أثّرت، على نحوٍ كبير، في منسوب السدود. وسبق للمغرب أن أعلن عن مجموعة من المشاريع لزيادة الإنتاجية وتوسيع المساحة المرويّة، منها: البرنامج الوطني للااقتصاد في المياه عن طريق الريّ، وبرنامج توسيع الري بالتنقيط، وبرنامج تطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)18. أما عن نسبة الأراضي الزراعية من مساحة الأراضي فقد سجلت البلااد في عام 2000 نسبة 68.70 في المئة، وفي عام 2010 نسبة 67.20 في المئة، وفي عام 2019 نسبة 66.30 في المئة19. لكنّه عانى، منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويلاات "برنامج

  1. L'agriculture au Maroc en 2023," AgriMaroc.ma, 24/2/2023, accessed on 1/9/2023, at: https://rb.gy/84rlpn
  2. Le Maroc compte gagner la bataille d'une agriculture durable," Institut National de la Recherche Agronomique/ Maroc, 14/4/2023, accessed on 3/9/2023, at: https://rb.gy/84rlpn
  3. هاريغان، ص.29
  4. Ministère de l'agriculture, de la pêche maritime, du développement rural et des eaux et forêts/ Maroc, "Eau et irrigation," accessed on 5/9/2023, at: https://shorturl.at/gJRU0
  5. البنك الدولي، "الأراضي الزراعية %(من مساحة الأراضي) - المغرب"، شوهد في 2023/9/10، في: https://shorturl.at/mnAS9

التقويم الهيكلي" (SAP) الذي فرضته مؤسسات "توافق واشنطن". وقد تميّزت سياسات الباب المفتوح (الانفتاح الاقتصادي)، بالميل إلى تف  يضل استيراد المنتوجات الزراعية على الإنتاج المحلي20. وعلى الرغم من أن الواردات الغذائية تمثل أحد مكوّنات استراتيجية الأمن الغذائي، فإن الاعتمد على الاستيراد من الأسواق الدولية يبقى الحلقة الأضعف في استراتيجية الأمن الغذائي، نظرًا إلى ارتباطها المباشر بمؤشرات العرض والطلب دائمة التأرجح. عمليًا، يزيد استهكُ الفلااحةِ في المغرب للمياه سنة بعد أخرى؛ فهو يتجاوز 80 في المئة، على الرغم من مخططات التنقيط، بسبب نقص هطول المياه وزيادة الطلب السكاني على الخضروات والفواكه. وقد لاحظنا وجود زيادة حفر الآبار بطرائق غير قانونية؛ ما أثر في الفرشة المائية. وللااستجابة إلى التحديات الناتجة من ندرة المياه، جرى الاتفاق، في 13 كانون الثاني/ يناير 2020، على البرنامج الوطني للتزوّد بالماء الصالح للشرب ومياه السقي خلاال الفترة 2027-2020. وتبلغ تكلفة البرنامج 115.4 مليار درهم مغربي، موزّعة على خمسة محاور أساسية: زيادة عرض المياه وتدبير الطلب وتثمين المياه وتعزيز التزوّد بالماء الصالح للشرب في المناطق القروية، وإعادة استعمل المياه العادمة والتواصل والتوعية21. إّلا أن الجفاف أصبح ظاهرةً بنيوية في المغرب، ما يشكل تحديات في المدَييَن المتوسط والبعيد. تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن بعض الدول العربية، مثل المغرب والعراق، تُعدّ من بين أبرز البلدان التي تتعرض للهشاشة بشأن التغيرات المناخية22، على الرغم من الجهد المبذول في مجال الطاقات المتجدّدة وإحداث تغييرات في مصادر الطاقات الأحفورية والتوجه نحو تنويع الطاقة وزيادة وتيرة البحث والمبادرات في حقل الطاقة المتجدّدة، واجتراح حلول لمجابهة التغيرات المناخية23. ولا بد من الإشارة إلى أن الدول العربية لم تستفد إيجابيًا من آليات بروتوكول كيوتو في عام 1997 (آلية التنفيذ المشترك والاتجار في الانبعاثات وآلية التنمية النظيفة)24، في سياق النمو غير المتناهي وتشييء البيئة ومواردها الطبيعية. تسعى الدول لتبنّي سياسات غذائية استراتيجية وناجعة، لتوفير الغذاء وتمكين المواطنين من الوصول إليه وتخفيف تداعيات تقلّبات الأسواق الدولية على توافر السلع في السوق الوطنية والحفاظ على مخزون

  1. Isin Tellioglu & Panos Konandreas, "Agricultural Policies, Trade and Sustainable Development in Egypt," FAO, ICTSD (March 2017), p. 15.
  2. للااطلااع على البرنامج، ينظر: "البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2027-2020 "، البوابة الوطنية، شوهد في 2023/12/12، في: http://tinyurl.com/5x3b87j4
  3. Mohamed Abdel Raouf Abdel Hamid, "Climate Change in the Arab World: Threats and Responses, Troubled Waters," in: David Michel & Amit Pandya (eds.), Troubled Waters: Climate Change Hydropolitics, and Transboundary Resources (Washington, DC: Stimson Center, 2009), p. 45.
  4. Ibid., p. 58.
  5. للااستزادة ينظر: الحسين شكراني، "تحديات التغيرات المناخية والرهانات المستقبلية للتحول إلى 'الوظائف الخضراء': نقد المنظور الرأسمالي"، في: استشراف للدراسات المستقبلية، الكتاب السنوي السابع (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص.38-11

استراتيجي منها لمواجهة المخاطر المستقبلية، لا سيم في أثناء وجود اضطرابات سياسية بين الدول. وتتباين السياسات الغذائية بين دولة وأخرى. ففي مصر، يجري التركيز أكثر على السياسات المرتبطة بالقطاع الزراعي، كونه يمثّل المصدر الرئ سي لتحقيق الأمن الغذائي. فقطاع الزراعة المصري يمثل دعامةً أساسية لتوفير الغذاء في مواجهة الحاجات الاستهلااكية المتزايدة، ونموّ الصادرات وانخفاض الواردات. وهو يوفّر في الآن ذاته 21.1 في المئة من فرص العمل في مصر (في عام 2019)، ويساهم في 11.4 في المئة من الناتج المحلي الإجملي، إّلا أنه يبقى القطاع الأشد تأثّرًا بالتغيرات المناخية25. وإن كان السد العالي في أسوان، في مصر، قد سمح باستصلااح حوالى 2.2 مليون فدّان (840 ألف هكتار)، في الدلتا، وعلى طول وادي النيل، ومن ثمّ زيادة المساحة الزراعية المرويّة في البلااد بمقدار الثلث؛ إذ أسهم المشروع في زراعة 385000 هكتار، من الأراضي التي كانت تُستخدم سابقًا أحواضًا لاحتجاز الف ضيانات26، فقد تبنّت الحكومة المصرية منذ ثمانينيات القرن العشرين سياسة الباب المفتوح؛ وذلك لتثني المزارعين عن زراعة محاصيل كثيرة الاستهلااك للمياه والتحوّل إلى محاصيل قليلة الاستهلااك. وتبنّت المشروع الضخم الذي يهدف إلى رّي 1.5 مليون فدّان من الأراضي الزراعية الجديدة خارج المسار الطبيعي لتدفّق نهر النيل؛ إّلا أن هذا المشروع لم يُنجَز بعد. تمثّل المياه عنصرًا مهمًا لرسم السياسات الزراعية في مصر، قصد تحقيق الأمن الغذائي، لذا يُعتبر الوصول إلى مياه النيل، تاريخيًا، مسألة أمن قومي في مصر، ومثّل بناء سد النهضة تهديدًا جوهريًا للسياسات الزراعية في مصر، ونتيجة لتدّني مستوى تدفق النهر وارتفاع معدل التبخر بفعل ارتفاع درجات الحرارة، على نحو يهدد السياسات الرامية إلى تحقيق الأمن الغذائي27. فحدّة أزمة مصر المائية تتضاعف نتيجة لتبعيتها المائية إلى الخارج؛ إذ إّن 97 في المئة من مصادر المياه فيها تأتي من الخارج28. وهذه التبعية تجعل مصر أشد تأثّرًا بالتوترات السياسية والمتغيرات الإقليمية والدولية. تتطلّب السياسات الزراعية توافر كميات كافية من المياه للتوسع الزراعي، إّلا أن المشكلة التي تواجه صنّاع القرار والسياسة في الدول العربية هي التدّني المستمر لمنسوب المياه بفعل ضعف مستوى الهطول وارتفاع درجات الحرارة. ويتضاعف الاستهلااك المائي لأغراض غير زراعية، يومًا بعد آخر. وبناءً عليه، أضحت نسبة 85 في المئة من المياه السطحية المستخرجة والمياه الجوفية في الدول العربية، تُستخدم بالفعل في الرّي29.

  1. نفين فرج إبراهيم إبراهيم، "التغيرات المناخية والأمن الغذائي في مصر"، المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة، مج 52، العدد 1 (2022)، ص.242
  2. Tellioglu & Konandreas, p. 15; Michel & Pandya (eds.).
  3. Tellioglu & Konandreas, p. 16.
  4. Ibid.
  5. البنك الدولي، منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، تحسين الأمن الغذائي في البلدان العربية (واشنطن: 2009)، ص 41، شوهد في 2023/12/31، في: https://shorturl.at/lFT12

مع انخفاض معّدلّات الهطول وارتفاع معدّل الحرارة والتبخر، ستتأثر السياسات الزراعية تأثرًا شديدًا، لا سيم تلك التي رُسِمَت بناءً على معطيات متأرجحة وغير ثابتة. ومن ثمّ، يمثّل نقص المياه وتدهور نوعيتها تحديًا رئيسًا للسياسات الزراعية في مصر؛ إذ إنّ قطاعها الزراعي يستهلك أكبر كمية من المياه المتاحة، مع حصة تتجاوز 85 في المئة من إجملي الطلب على المياه. لذلك، فإنّ أيّ نقص في الحصة المائية في مصر، سيؤثر بشدة في القطاع الزراعي، وفي رسم سياسات غذائية. فبعد بناء سد النهضة الإثيوبي، ستتقلص حصة مصر السابقة من مياه نهر النيل (55 مليار م 3)، ما يخلق تحديات إضافية للأمن الغذائي المصري والإنتاج الزراعي30. تنبغي الإشارة هنا إلى أن حوالى 90 في المئة من الأراضي الزراعية في مصر تُعدّ أراضيَ مروية31. ومن ثمّ، لا بد من العمل على تبنّي سياسات استراتيجية تأخذ في الحسبان تذبذبات كميات المياه المتوافرة، والعمل على بلورة (صوغ) سياسات زراعية ذكية ومنوعة حيويًا وبيولوجيًا، وتبنّي سياسات الزراعة المستدامة32. تمثّل ندرة الأراضي والمياه أحد أبرز التحديات البنيوية التي تواجه سياسات تطوير الأراضي والمياه والزراعة المستدامة في مصر؛ إذ إن الزراعة المصرية تعتمد اعتمدًا شبه كامل على الريّ من مياه نهر النيل. أضف إلى ذلك أنّ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة ثابتة تقريبًا، مع تزايد مستمر في عدد السكان وحاجاتهم المتعددة. وعلى الرغم من إعلاانات الحكومة المصرية المتكررة (في عامَي 1990 و 2021 ا مثال33) عن استراتيجية الاستخدام المستدام للزراعة واستصلااح المناطق الزراعية ورفع إنتاجيتها من خلاال تحسين الريّ وطرائق الزراعة والتوجّه نحو زرع المحاصيل ذات الاستهلااك القليل، فإن ذلك يصطدم في الآن ذاته بالظواهر الناتجة من التغير المناخي، مثل تملح التربة وزحف الصحراء وارتفاع معدل التبخّر للمياه السطحية وشحّ المياه الجوفية، وغيرها34. يُحتمَل أن تنقص موارد نهر النيل نتيجة تحرّك أحزمة الأمطار من فوق الهضبة الإثيوبية، التي تمثّل حوالى 85 في المئة من مصادر مصر النيلية، والهضبة الاستوائية التي تمثل 15 في المئة من موارد النيل؛ ما

  1. منى ربيع عبد الفتاح السيد، "تحديد أمن الطاقة والأمن الغذائي والمائي في جمهورية مصر العربية"، مجلة الدراسات والبحوث التجارية، العدد 4 (2019)، ص.792-791
  2. Travis J. Lybbert & Heather R. Morgan, "Lessons from the Arab Spring: Food Security and Stability in the Middle East," in: Christopher B. Barrett (ed.), Food Security and Sociopolitical Stability (Oxford: Oxford University Press, 2013), pp. 362-365.
  3. الزراعة المستدامة هي الزراعة التي تنتج كميات كافية لغذاء ذي جودة عالية، مع الحفاظ على المصادر الطبيعية، وأن تكون آمنة بيئيًا ومربحةً اقتصاديًا، وتتوافر فيها عناصر الإنصاف المجتمعي، أي التوزيع العادل على شرائح المجتمع كلها، لا سيما الفئات الهشّة منه. ينظر: John P. Reganold, Robert I. Papendick & James F. Parr, "Sustainable Agriculture," Scientific American Journal, vol. 262, no. 6 (1990), pp. 112-120.
  4. Jozimo Santos Rocha, Yerania Sanchez & Hadi Fathallah, Climate-Smart Policies to Enhance Egypt's Agrifood System Performance and Sustainability, FAO Investment Centre, Country Investment Highlights, no. 22 (Rome: Food and Agriculture Organization of the United Nations, 2023).
  5. Tellioglu & Konandreas, p. 12.. أ الفجوة الغذائية ونسب الاكتفاء الذاتي

سيؤدي إلى تدّني معدل تدفق المياه في نهر النيل بنحو 20 في المئة في عام 204035. إّلا أن حدوث هذا النقص، سيتسبب في كوارث في منطقة وادي النيل، التي تعاني عجزًا قدره 9 مليارات م 3 سنويًا، ما سيؤثر في المياه الجوفية المجتمعة في الدلتا نتيجة رشح النهر36. وتزداد ملوحة مياه الخزانات الجوفية الساحلية نتيجة ارتفاع منسوب مياه البحر، وتتعرض الخزانات السطحية للجفاف؛ لذلك، تبنّت الحكومة المصرية خطة للتنمية الاستراتيجية حتى عام 2030، بهدف زيادة إنتاجية الذرة والقمح عبر التوسع في استخدام البذور المحسّنة وتخصيص مساحات من الأراضي المناسبة لهذه الأنواع؛ ما من شأنه أن يرفع إنتاجية القمح والذرة بحوالى 3.60 - 4.20 طنًا لكل فدان، أو 6.5 - 7.7 أطنان/ هكتار37. تسعى مصر أيضًا عبر سياسة رفع الإنتاجية لتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الاستراتيجية، مثل القمح والذرة. فاستراتيجية التنمية المستدامة في أفق عام 203038، تتطلّب رفع إنتاجية المحاصيل والاستخدام الفعال للموارد الطبيعية، عبر تحسين كفاءة الريّ والتوسّع في استصلااح الأراضي وتعظيم عوائد الزراعة البعلية، عبر تحسين تقنيات الحصاد وصيانة الأراضي الزراعية من التدهور باستخدام مسوحات التربة الدورية39. واستُخدمت الأراضي الزراعية، كثيرًا، وسيلةً لدفع الإنتاجية الزراعية في مصر، وكان باكورة هذه المشاريع في شمل سيناء، حيث تبقى الأمراض والآفات من العوامل المهمة التي تؤثر سلبيًا في إنتاجية المحاصيل الزراعية. ومن المتوقع أن يتضاعف أثرها في ظل تغّير المناخ، الذي يؤثر سلبيًا في المحاصيل الاستراتيجية ومردوديتها الإنتاجية40.

. 2 الفجوة الغذائية والتغيّات المناخية في المغرب ومصر

تدفع الزيادة المطّردة في عدد السكان على المستوى العالمي وتضاعف حاجاتهم، نحو تعزيز التوقعات الراهنة بتنامي الطلب على الأغذية حول العالم، بنسبة 60 في المئة41. وهو ما يعمّق حجم الفجوة

  1. إبراهيم، ص.244
  2. المرجع نفسه.
  3. Tellioglu & Konandreas, p. 17.
  4. Ministry of Planning, Monitoring and Administrative Reform/ Egypt, Sustainable Development Strategy: Egypt's Vision 2030 (Cairo: 2020).
  5. Tellioglu & Konandreas, p. 8.
  6. Ayman Abou Hadid & Mosaad Kotb Hassanein, "Climate Change Adaptation Needs for Food Security in Egypt," Nature and Science, vol. 11, no. 12 (2013), p. 69.
  7. FAO, The State of Food and Agriculture 2016: Climate Change, Agriculture and Food Security (Rome: 2016), p. XI.

الغذائية42 المتوقعة في المستقبل، بفعل العلااقة العكسية التي تربط تدني معدل السلع المتوافرة بفعل تغّير المناخ واضطراب خطوط الإمداد وزيادة الطلب في الآن ذاته، بسبب الزيادة السكانية المستمرة. فقد واجه 2.3 مليار شخص في العالم انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد في عام 2021؛ وتشير التوقعات إلى أن أكثر من 670 مليون شخص سيبقون يعانون الجوع حتى عام 203043. ولا يمكن النظر إلى ق يضة الأمن الغذائي في المغرب، وفي مصر أيضًا، بمعزل عن ق يضة الغذاء في العالم؛ إذ إن الأوضاع الدولية تفرض تحديات كبرى على الأمن الغذائي في المغرب. عمومًا، يتطلّب سدّ الفجوة الغذائية تحقيق زيادة في الإنتاجية الزراعية. لذلك، تظهر حدّة تأثير ندرة المياه عقبةً رئيسة أمام تحقيق زيادة الإنتاجية الزراعية؛ إذ إن الزيادة في استهلااك المياه، بوصفها انعكاسًا للزيادة السكانية، قد فاقمت مشكلة ندرة المياه في البلدان العربية، حيث انخفضت حصة الفرد الواحد بنحو 75 في المئة، ومن المتوقع أن تنخفض النسبة المتبقية بنحو 40 في المئة إضافية حتى عام 205044. ويمثل الفقر الريفي إحدى أبرز مشكلاات الأمن الغذائي في البلدان العربية، ويمثل في الآن ذاته انعكاسًا للفجوة الغذائية وتدني نسب الاكتفاء الذاتي من بعض المحاصيل؛ إذ إنّ ربع المواطنين في الدول العربية من الفقراء، ويعيش 76 في المئة منهم في المناطق الريفية. وتتفاقم مخاطر ذلك نتيجة لكون معدلات الفقر تنخفض ببطء في المناطق الريفية مم هي عليه الحال في المناطق الحضرية45. ومن ثمّ، فإن الفجوة بين عدد السكان وما هو متاح من الأغذية، ستبقى قائمة في المناطق الريفية فترات أطول، ولا بد من تصميم شبكات للأمان والسلاامة الاجتمعية وبنائها؛ من أجل الوصول إلى الفقراء في الهامش. عمومًا، تسهم مجموعة من العوامل في تأرجح مؤشرات الفجوة الغذائية، مثل عامل النمو السكاني وتذبذب عرض السلع الغذائية. ومن ثمّ سيزداد الطلب على الغذاء بشدة حتى عام 2030، ولن يتناسب هذا الإنتاج الإقليمي مع هذا الطلب، لذا سيتفاقم الاعتمد على الواردات الغذائية، نتيجةً لعوامل مرتبطة بجانب العرض والطلب، وفي مقدمها النمو السكاني وزيادة الدخل والتحّضر. وتتبلور ملاامح الفجوة عبر الزيادة السكانية التي تعني زيادة الطلب على الغذاء وانخفاض الإنتاجية الزراعية على صعيد العرض. فمن المتوقع أن يصل عدد سكان منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا إلى نحو 600 مليون نسمة بحلول عام 205046. وفي المغرب، فإن قوانين استخدام الأرض والأشكال الهجينة لاستغلاال الموارد الطبيعية التي تجمع بين المحلي والعالمي تعيد إنتاج الهشاشة الاجتمعية بين الفلااحين واللاامساواة في الوصول إلى الموارد، ومن ثمّ الحصص

  1. يعرّف سالم توفيق النجفي الفجوة الغذائية بأنها قيمة الفرق في متطلّبات السلع الغذائية ونظيرتها من الإنتاج في دولة معيّنة خلاال مدة سنة واحدة. ينظر: النجفي، ص.215
  2. الأمم المتحدة، منظمة الأغذية والزراعة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، ص.12
  3. البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة، تحسين الأمن الغذائي في البلدان العربية، ص.39
  4. المرجع نفسه، ص.21
  5. المرجع نفسه.

السوقية، خاصة بعد التحّولّات التحديثية التي عرفها الإنتاج الزراعي المغربي47. وتعَُّقُد التحديات التي يواجهها المغرب، مثل التغّيارت المناخية والأمن الإنساني وندرة الموارد المائية، يؤدي إلى طرح السؤال حول مدى قدرة الأشكال التقليدية للحكامة من أجل ضمن التدبير الفعال لهذه التحديات48. ويذكر تقرير حديث للبنك الدولي (2023-2022) أنّ العالم القروي في المغرب سجّل هشاشة؛ نتيجة ضغوط التضخم، إضافة إلى نسب الفقر العالية. وهذا يرجع إلى الارتفاع المهول لأسعار السلع الغذائية، علمًا أن هذه السلع تمثّل الجزء الأكبر من ميزانية العائلاات القروية49. وغياب الثقة بين الدولة والفلااحين الصغار صعّب مهمة إنجاح ما أُطلق عليه "المخطط الأخضر" (2020-2008)50. وترى الدولة المغربية أن "المجتمع المحلي عاجزٌ عن إدارة الموارد الطبيعية، أو احتواء التدهور البيئي، في ظل بنياته ومؤسساته التقليدية"51. ويزيد هذا الوضع إشكالية التواصل السياسي بشأن الأولويات المحلية. في ظل توالي فترات الجفاف منذ عام 2018، بدأت الشكوك تحوم حول فرص نجاح المخطط الأخضر في محاربة الهشاشة الاجتمعية وتوفير الغذاء للساكنة المحلية ومساعدة الفلااحين الصغار في تجاوز مع لاضت الفقر والتهميش والإقصاء. لذلك طالبت أصوات مجتمعية بالحدّ من تصدير الخضروات والفواكه إلى خارج المغرب، فأجابت الحكومة بعدم إمكانية التنصّل من الالتزامات العقدية للتصدير وقواعد التجارة الدولية التي تؤمن بالانفتاح والاعتمد المتبادل. وقد يكون هذا النقاش مفيدًا حول الأمن الغذائي وتداعيات التغيرات المناخية على المغرب، وهو نقاش يسَّجَل ضمن سياق دولي يتميّز بالتحول (المفاجئ) والجذري من الفلااحة العائلية التضامنية إلى فلااحة المكننة، ولا شيء غير المكننة والربح وتراكم رأس المال الخاص. وإن كانت إعادة النظر في النموذج الفلااحي الإنتاجي قد بدأت مع الأزمة الغذائية العالمية في الفترة 2008-2007، ولا تزال مستمرة، فإنّ هذا النقاش يمتد ليشمل أشكال التنظيمت الاجتمعية والاقتصادية للإنتاج الفلااحي في المغرب52.

  1. برج، ص.74
  2. Présentation du programme d'études changement climatique: Impacts sur le Maroc et options d'adaptation globales," Institut Royal des Etudes Stratégiques, 20/5/2009, accessed on 15/12/2023, at: https://shorturl.at/kAMST
  3. Banque Mondiale, Région Moyen-Orient et Afrique du Nord, Rapport de suivi de la situation économique: Le Maroc face aux chocs d'offre; Hiver 2022/2023 (Washington, DC: 2023), p. IX.
  4. جرى الإعلاان في شباط/ فبراير 2020 عن نسخة جديدة تسمى "الجيل الأخضر: 2030-2020:". ينظر Ministère de l'agriculture, de la pêche maritime, du développement rural et des eaux et forêts/ Maroc, "Génération Green 2020-2030," accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/fiFM4
  5. برج، ص.86
  6. François Purseigle, Geneviève Nguyen & Pierre Blanc, "De la ferme à la firme. Agriculture en mutation," in: François Purseigle, Geneviève Nguyen & Pierre Blanc (eds.), Le nouveau capitalisme agricole. De la ferme à la firme (Paris: Les presses de Sciences Po, 2017), p. 13.

وتعاني مصر نقص الغذاء في ظل الزيادة السكانية وانخفاض نسبة الاكتفاء الذاتي من بعض السلع الأساسية53. وتمثّل ق يضة الأمن الغذائي والتحديات التي تواجهها محورًا أساسيًا في أهداف التنمية المستدامة (رؤية مصر 2030)54، وتُعدّ ركنًا أساسيًا في الاقتصاد المصري، نظرًا إلى ارتباطها بالتنمية الاقتصادية والاستقرار الجمعي من جهة، وبالقطاع الزراعي في ظل محدودية الموارد الطبيعية واستمرار الزيادة السكانية، ومن ثم، زيادة الطلب على الموارد الشحيحة55، من جهة أخرى. يمثّل سدّ الفجوة الغذائية في المستوى الجزئي في مصر مطلبًا أساسيًا لتحقيق الأمن الغذائي، لا سيم بين الفئات الهشة الأشد ضعفًا وحاجة. ويتطلّب ذلك، على المدى القصير، دعم المنتوجات الغذائية، لتوفير إمكانية أفضل للوصول إليها. إّلا أن نجاح جهود إعادة توجيه السياسات الغذائية والزراعية، تتداخل فيه السياقات السياسية والاجتمعية والحكومية واختلاالات توازن القوى وتباين المصالح والأفكار وتأثير أصحاب المصلحة وتَركّز قوى السوق وآليات تدبير الأزمات والتعامل معها56. ويبرهن انعكاس "ثورة يناير" (2011) على أسعار السلع وفرص الوصول إليها على مدى التشابك بين القطاعات والعوامل المذكورة سلفًا. لذلك، فقد تفاقمت مشكلة الفجوة الغذائية والاكتفاء الذاتي في مصر، نظرًا إلى ضعف نسبة الأراضي الصالحة للزراعة وزحف الصحراء عليها؛ إذ إن التغيرات المناخية من العوامل التي تؤدي إلى تدهور الأراضي الزراعية وتقليص إنتاجيتها وتنامي المساحات القاحلة بفضل التغيرات المناخية والأنشطة البشرية57، نتيجة تدّني نصيب الفرد من المنتوجات والموارد المائية. لا تتجاوز حصّة المواطن المصري 675 مترًا مكعبًا من المياه في السنة؛ ويوازي هذا الرقم، بحسب المعايير الدولية، حد الفقر المائي الذي تقدّره منظمة الأمم المتحدة بألف م 3 سنويًا58. وبفعل التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، يتوقع أن يتقلص إلى 500 م 3 بحلول عام 202559؛ ويمثّل هذا الرقم حد الفقر المدقع في المياه. ومن منظور استشرافي، سيكون لنقص المياه تأثيرات جمّة في الأمن الغذائي المصري وتفاقم الفجوة الغذائية، حيث يترتب على انخفاض تدفّق المياه، انخفاض إنتاج الغذاء والطاقة60.

  1. إبراهيم، ص.220
  2. يمكن الاطلااع بالتفصيل على هذه الرؤية في: "رؤية مصر 2030"، وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، شوهد في 2023/12/13، في: https://shorturl.at/lvKPZ
  3. إبراهيم، ص.223
  4. الأمم المتحدة، منظمة الأغذية والزراعة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية.26، ص
  5. إبراهيم، ص.243
  6. السيد، ص.795-794
  7. المرجع نفسه، ص.795
  8. المرجع نفسه.. ب مخصصات الأفراد من السلع الغذائية

يُعدّ معدل الفجوة الغذائية ونسب الاكتفاء الذاتي من المؤشرات الأساسية لتحديد معدل الأمن الغذائي المتحقق، وانعكاسات ذلك مجتمعيًا؛ حيث إن انعدام الأمن الغذائي المعتدل يخلق حالةً من عدم اليقين بشأن قدرة الفئات الأضعف على الحصول على الغذاء، إذّاك، تكون هذه الفئة مضطرةً إلى التنازل عن جودة الطعام الذي تستهلكه أو كميته؛ بسبب شحّ الموارد الاقتصادية61. وتُعتبر الحبوب أحد المصادر الرئيسة لتوفير السعرات الحرارية والدهون والبروتينات اللاازمة، ويبلغ متوسط نصيب الفرد من الحبوب في مصر قرابة 272.6 كلغ في العام62، بمعدل 746.8 غ، في اليوم، وتمدّ الفرد ب 2102 سعرة حرارية، بما يعادل 59.4 في المئة غرام بروتين، ما يعادل 58.5 في المئة من جملة البروتين، ونحو 9.4 غ، أي ما يعادل 17 في المئة من جملة احتياجات الدهون63. ستتفاقم مشكلاات العرض من السلع والموارد المائية في مصر مع حلول عام 2050، وستنخفض المياه المتجددة إلى ما متوسطه 500 م 3 للفرد، و 0.12 هكتار أرض صالحة للزراعة للفرد الواحد64. ومن ثمّ يُتوقع أن تنخفض الإنتاجية الغذائية بنحو 25 في المئة في عام 208065. وتتفاقم مخاطر ذلك نظرًا إلى عجز الاستراتيجيات الوطنية للتكيّف مع التغيرات المناخية عن التطور والإنفاذ بالديناميات نفسها التي تتوافر بها ظواهر التغيرات المناخية ومخاطرها وارتداداتها.

تبنّى المغرب ومصر سياسات ليبرالية في القطاعات كلّها، على اعتبار أن دور الدولة في المفهوم الليبرالي يتمثل في خدمة الغايات الفردية وتحقيقها. ونشير إلى أنّ البلدين دخلاا في منطقة التبادل الحر منذ عام 1998، من أجل التفكيك التدرّجي للرسوم الجمركية والضرائب الأخرى ذات الأثر66. ففي سياق التبادل الحر، حيث الاقتصادات شديدة الترابط، لا يمكن أن تغضّ الدول الطرف عن وضع سياسات فلااحية طموحة تضع الفلااحة ضمن أولويات استراتيجياتها. فالفلااحة في المغرب تحظى بالأولوية، لا سيم في تجلّياتها المرتبطة بالحبوب، في تطور الناتج المحلي الإجملي. فسنوات الجفاف وضعف المحاصيل بسبب التغيرات المناخية، عرقلاا مجموع القطاعات الاقتصادية، وهو ما أدى بالمغرب إلى الإعلاان منذ عام 2008

  1. الأمم المتحدة، منظمة الأغذية والزراعة، حالة التنوع البيولوجي للأغذية والزراعة في العالم (روما: 2019)، ص.5
  2. الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، التقرير السنوي 2021 (القاهرة: 2021)، ص.65
  3. إبراهيم، ص.245
  4. هاريغان، ص.53-52
  5. المرجع نفسه، ص.53
  6. المملكة المغربية، وزارة الصناعة، اتفاقية للتبادل الحر بين حكومة المملكة المغربية وحكومة جمهورية مصر العربية [د. ت.]، شوهد في 2023/12/31، في: https://shorturl.at/mpUZ0

عن برنامج تنموي "طموح"، أُطلق عليه "المغرب الأخضر"67. ومع استمرار الجفاف واستدامته في البلااد، وارتباط القرى بالفلااحة بصفة مباشرة أو غير مباشرة68، فمن المؤكد أنّ القدرة الشرائية الريفية ستكون مرتفعةً بسبب انخفاض معدل نمو الإنتاج الزراعي (الغذاء)، وضآلة تحقيق الربح في مجالات النشاط الزراعي. وبذلك يؤدي التحيّز ضد الزراعة في هذا النمط من الاقتصادات إلى الإساءة للأفراد الأشد فقرًا في المجتمع الريفي69. لا شك في أن التغيرات المناخية ستساهم حتمًا في التفاوتات المجالية وتعميق بؤر الهشاشة، وظهور اللااجئين بسبب نقص الموارد الطبيعية وندرة المياه الصالحة للشرب وغياب الشراكات التي من شأنها أن تخفف من وطأة هذا النوع من اللجوء. ويمكن أن نذكر في هذا الإطار برنامج "فرصتي" بين المغرب والوكالة الأميركية للتعاون الدولي (USAID) في الفترة 2024-2019 وتطبيقه من المنظمة العالمية للهجرة (IOM)، الذي يعزّز صمود (Resilience) الساكنة المحلية في المغرب عن طريق تعزيز المشاركة والقيام بحملاات ترويجية وتعزيز الحكامة وتشجيع المبادرات المحلية من أجل التخفيف من هشاشة الساكنة المحلية70. ولعلّ الحاجة إلى مزيد من المبادرات تبقى مطلبًا ملًّحًا، خاصة بعد الزلزال الذي هزّ المغرب، وتحديدًا في منطقة الحوز خلاال أيلول/ سبتمبر 2023، والذي بّين بوضوح المستويات المرتفعة للهشاشة في الأرياف المغربية وسوء تدبير تداعياتها. تقوم مقاربتنا على عنصر أساسي يتمثل في أنّ تنظيم الأسواق في ظلّ النيوليبرالية يقود بنيتها نحو أنماط "احتكار القلّة" لتقليل حالات المخاطرة وعدم اليقين في التعاملاات التجارية الخارجية، فضالًا عن أن سياستها الاقتصادية تتجه نحو كثافة رأس المال في مجال إنتاجها السلعي، وأن ذلك الإنتاج يميل إلى تعظيم الربح، من دون الاهتمم بمسألة توفير "الحاجات الأساسية" التي تتطلّبها أسواق البلدان النامية (العربية)، لا سيم الأقل نموًا، ومن ثمّ فإن الترابط بين الاقتصادات المذكورة سيُملي على البلدان العربية سياسات ربما لا تكون ملاائمة في إطار مراحل تنميتها ونموّها الاقتصادي، نظرًا إلى التباين الواسع في مراحل نموّ الاقتصادات المذكورة71. تبعًا لذلك، سنحاول التحقق من مدى وجود مخصصات كافية للأفراد من السلع الغذائية في البلدين (مصر والمغرب) وعلااقة ذلك بالأمن الغذائي، كم يوضح الجدول.)1(

  1. Sébastien Abis & Matthieu Brun, "Géopolitique de l'agriculture et de l'alimentation," Diplomatie, no. 102 (Janvier-Février 2020), p. 76.
  2. A Territorial Approach to Food Security and Nutrition Policy: The Case of Morocco," in: OECD/ FAO/ UNCDF, Adopting A Territorial Approach to Food Security and Nutrition Policy (Paris: OECD Publishing, 2016), p. 118.
  3. النجفي، ص.144
  4. Delivering the Basics: Enhancing Food Security and Social Assistance in Northern Morocco," USAID, 25/6/2020, accessed on 15/9/2023, at: https://t.ly/07t1-
  5. النجفي، ص.203 المصدر: Agricultural Outlook 2023-2032 (Paris: OECD- FAO, 2023), p. 90. المصدر: FAO/UNICEF/IFAD/WTO, The State of Food Security and Nutrition in the World (Rome: 2023), p. 194.

. الجدول (1) تغّير أسعار الغذاء في المغرب ومصر

نسبة مساهمة الغذاء في
التغير الإجملي للتضخم
نصيب الإنفاق على الغذاء
من إجملي الإنفاق
تغير معدل تضخم أسعار
الغذاء (على أساس سنوي)
تغير معدل التضخم
الإجملي (على أساس
سنوي)
المغرب
1.7:2022
7.0:2023
المغرب
40.4:2022
40.4:2023
المغرب
4.2:2022
17.4:2023
المغرب
4.3:2022
8.9:2023
مصر
4.1:2022
15.7:2023
مصر
32.7:2022
32.7:2023
مصر
12.5:2022
48.0:2023
مصر
7.3:2022
25.8:2023

يعرض الجدول (2) التقدم المحرز نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة وغايات التغذية العالمية، ومن ثمّ انتشار نقص التغذية وانعدام الأمن الغذائي المتوسط أو الشديد وأشكال مختارة من سوء التغذية والرضاعة الطبيعية الحصرية وانخفاض الوزن عند الولادة.

. الجدول (2) انتشار نقص التغذية وانعدام الأمن الغذائي المتوسط أو الشديد وأشكال مختارة من سوء التغذية والرضاعة الطبيعية الحصرية وانخفاض الوزن عند الولادة (النسب المئوية)

انتشار
منخفض
الوزن
عند
الولادة
انتشار
حصريًا
الرضاعة
الطبيعية
بين
الرضع
5-0(أشهر)
انتشار
فقر الدم
عند
النساء
49-15(سنة)
انتشار
السمنة
عند
البالغين
السكان
18≥(سنة)
انتشار
زيادة
الوزن في
أطفال
انتشار
التقزم
عند
الأطفال
5<(سنوات)
انتشار
الهزال
عند
الأطفال
(أقل
من 5
سنوات)
انتشار
انعدام
الأمن
الغذائي
على نحو
متوسط
أو شديد
لدى
إجمالي
ايلسكان
انتشار
الحالات
الشديدة
لانعدام
الأمن
الغذائي في
المجموع
انتشار
نقص
التغذية
لدى
العدد
الإجمالي
للسكان
الدولة
20202012202120122019201220162012201220222012201220222014
2016
2020
2022
2014
2016
2020
2022
2004
2006
2022
2022
14.816.13527.829.929.826.123.49.54.915.812.82.3----5.56/3المغرب
---52.828.3313229.315.718.826.620.4-27.828.58.48.86.47.2مصر

أصبحت المياه في قلب التغيرات المناخية، لا سيم في "السنوات الأخيرة"؛ إذ أثّرت هذه التغيرات في جوانب متعددة، منها تغيير مستويات التساقطات المطريّة وزيادة الجريان السطحي المرتبط بهطول الأمطار الجارفة، وهو ما يسبب انجراف التربة وزيادة مستوى البحار وزيادة عمليات التصحر72. بناءً عليه، فإن مخصّصات الفرد من السلع الغذائية (الاكتفاء الذاتي الجزئي)، تتأثر على نحو مباشر بآثار التغيرات المناخية؛ إذ إن سعر الحصة المخصصة للفرد، تحدّده كمية الإنتاج الغذائي، التي تتأثر سلبيًا بتداعيات التغيرات المناخية، وأثرها في تدّني الإنتاج، ومن ثمّ تدّني العرض، وانعكاس ذلك على ارتفاع الأسعار وتكلفة الحصول على حصة غذائية كافية وآمنة صحًّيًا.

ثانيًا: آثار التغيرات المناخية في الأمن الغذائي يف المغرب ومصر: محاولة استشراف المستقبل

نركز في هذا المبحث على ثلااث نقاط أساسية. تدرس النقطة الأولى فرص الوصول إلى الغذاء ومدى توافره مستقبال؛ ا وتخصّص الثانية لمستقبل الاستقرار الغذائي واستدامة خطوط الإمداد، في حين سنرصد في الثالثة الملاامح المستقبلية العامة، من خلاال المقارنة بين المغرب ومصر.

فرص الحصول/ الوصول إلى الغذاء ومدى توافره مستقبلً

أظهرت أزمة (كوفيد 19-) عمق الخطر الذي يهدّد الفئات الأشد هشاشة، وهي الفئات التي لا تمتلك مدخرات أو احتياطات كافية، لمواجهة التغيرات الطارئة، حيث ارتفع عدد الجوعى في العالم إلى نحو 828 مليون شخص من الجوع المزمن في عام 2021، واستمر هذا العدد في الارتفاع73. وتفاقمت أزمة الوصول إلى الغذاء نتيجة اندلاع النزاعات المسلحة داخل حدود الدول؛ وتباعًا ارتفعت أسعار الغذاء والنقل والوقود على المستوى العالمي. ونتج من ذلك عالم من الكوارث المتشابكة والمتتالية والمدفوعة بالمؤثرات الثلااثة: (كوفيد 19-) والصراعات والتغيرات المناخية؛ ما أسهم في ارتفاعٍ حادّ في أسعار الغذاء، وفي صعوبة وصول الفئات الهشّة إليه74. تستقطب الأسعار المرتفعة للأغذية المستثمرين والمضاربين إلى أسواق الغذاء، ما يفاقم تقلّبات الأسعار وتضطر معه الأسر، لا سيم الأشد فقرًا، إلى تقليل كميات من السعرات الحرارية التي تتناولها، استجابة

  1. Catherine Benjamin & Alejandra Giraldo Hurtado, "Quand 'l'irrigation verte' augmente la demande d'eau," Revue économique, vol. 72, no. 6 (Novembre 2021), p. 930.
  2. World Health Organization, "UN Report: Global Hunger Numbers Rose to as Many as 828 Million in 2021," 6/7/2022, accessed on 31/12/2023, at: https://shorturl.at/quF19
  3. برنامج الأغذية العالمي، المراجعةالسنوية 2021، ص.3

إلى ارتفاع الأسعار وتقلّبها، الذي يمكن أن يتسبب في أضرار صحيّة لا يمكن تداركها على المدى الطويل، نتيجةً لانتشار الفقر والجوع، لا سيم بين الأطفال75. ترتبط القدرة على الوصول إلى الغذاء بمدى توافر الموارد الاقتصادية الكافية لدفع ثمن السلع الغذائية. ففي المنطقة العربية، يقدّر أن نسبة الفقراء لا تتجاوز 5 في المئة باستخدام خطّ الفقر البالغ 1.25 دولارًا في اليوم، إّلا أن شريحةً واسعة من المواطنين تعيش وهي لا تكاد تتجاوز خط الفقر المذكور سلفًا، واستنادًا إلى خط الفقر البالغ دولارين في اليوم، فإن ما يقارب العشرين في المئة من العرب هم فقراء، حيث يعيش 76 في المئة من فقراء الدول العربية في المناطق الريفية76. هناك معياران أساسيان لقياس مدى قدرة المواطنين على الوصول إلى حاجاتهم الغذائية: الناتج القومي الإجملي والأمن الغذائي الفردي. يشير الناتج القومي الإجملي إلى توافر إمدادات غذائية لدى دولة معينة كافية لإطعام سكانها عن طريق إنتاجها المحلي، أو الواردات الغذائية، أو المعونات الغذائية، أو مزيج منها. أما الأمن الغذائي الفردي فيتحقق عندما يحصل جميع الأفراد في دولة معينة على الغذاء الكافي77. ويتضح أن القدرة على الحصول أو الوصول إلى الغذاء ترتبط بالأمن الغذائي الفردي أكثر من ارتباطها بالأمن الغذائي القومي الذي يعّبر عن إمدادات غذائية كافية على المستوى القومي، ولا يعني هذا بالضرورة أن هذه الإمدادات متاحة لجميع أفراد المجتمع. في الحالة المصرية، أثّرت مجموعة من العوامل الداخلية في قدرة المواطن المصري على الحصول على الغذاء. وفي الوقت ذاته، ترتبط هذه العوامل بالأساس بالأمن الغذائي الكلي، وفي مقدمها الاقتراض الخارجي ومنافسة أجهزة الدولة والجيش للقطاع الخاص (عسكرة السوق) وهدر المليارات على مشاريع لا تمثل أولوية للااقتصاد الوطني، إضافة إلى اضطراب الأولويات لدى صنّاع القرار والسياسة في مصر78. لذلك، فقد أثّر التضخم بشدة في قدرة المواطن المصري على الوصول إلى الغذاء؛ إذ ارتفع معدل التضخّم في مصر إلى 21.5 في المئة، مقارنة 18.7 في المئة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022. واستمر في الارتفاع ليصل ب إلى 31.9 في المئة في نهاية كانون الثاني/ يناير 2023، والتضخم الأساسي إلى أكثر من 40 في المئة، نتيجةً لديناميات الأسعار العالمية وانخفاض سعر صرف العملة واختناق سلااسل الإمداد المحلية والدولية79.

  1. هاريغان، ص.16
  2. Lybbert & Morgan, p. 365.
  3. هاريغان، ص.23-22
  4. مصطفى عبد السلاام، "أزمات مصر الاقتصادية وتداعيات الحرب الروسية- الأوكرانية"، تقييم حالة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، آذار/ مارس 2023، ص.1
  5. المرجع نفسه، ص.3

وسيؤثر هذا على نحو كبير في الأسر المصرية التي تعيش في الهامش، والتي كانت تنفق أكثر من 40 في المئة من دخلها على الغذاء80؛ إذ سيتفاقم إنفاقها على الغذاء، في ظل الكوارث المتعاقبة التي يشهدها العالم اليوم، ومن ثمّ سيسهم ذلك في ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي. أضف إلى ذلك أنّ مصر لم تكن بمعزلٍ عن ارتدادات الحرب الروسية - الأوكرانية (2022) على أسواق الغذاء العالمية. ففي نظامٍ دولي تتشابك فيه الأزمات وتتضافر المخاطر، فإن من شأن مثل هذه الحروب أن تُضعف بشدة قدرة المواطن المصري على الوصول إلى الغذاء. وقد قدّرت الحكومة المصرية تكلفة هذه الحرب عليها بنحو 465 مليار جنيه (25.5 مليار دولار)81؛ إذ إنّ فاتورة الاستيراد المصري ارتفعت إلى مستويات خطرة، عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، وبلغت 9.5 مليارات دولار شهريًا، بعد أن كانت لا تتجاوز 5 مليارات دولار شهريًا قبل هذا الغزو، ومن ثمّ ارتفعت فاتورة الاستيراد 4.5 مليارات دولار شهريًا82. وانعكس هذا على نحو فوري على مستويات التضخم وفرص الوصول إلى الغذاء. وستؤدي زيادة أسعار الغذاء في مصر بنسبة 30 في المئة إلى زيادة الفقر بنسبة 12 في المئة83. وكم هي الحال بالنسبة إلى تأثيرات هذه الحرب في الحالة المصرية، فإن الاعتمد الكبير على الخارج في الحالة المغربية يزيد من تعرّض المغرب لصدمات الأسعار الخارجية؛ إذ يعيش ما يقرب من 12 في المئة من السكان المغاربة فوق خط الفقر على نحو هامشي، في حين لا تزال أسر الطبقة الوسطى المغربية تستخدم حوالى 40 في المئة من دخلها على الغذاء84. وهذه نسب معّبةر جًّدًا، وقد تكون لها أبعادٌ سياسية واجتمعية مكلفة للحكومة. فالمساس بالغذاء قد يولّد الاحتجاجات، ومن المفيد البحث عن طرائق بديلة من أجل الحفاظ على السلم الاجتمعي. توقع تقرير للبنك الدولي أن يتسارع النمو الاقتصادي في المغرب إلى 3.1 في المئة في عام 2023؛ وذلك بفعل انتعاش القطاعات الرئيسة85. لكن لا تزال مخاطر التطورات السلبية قائمة بسبب التوترات الجيوسياسية، ومنها الحرب على أوكرانيا وتباطؤ أنشطة الشركاء التجاريين الرئيسين للمغرب في منطقة اليورو، والصدمات المناخية المحتملة "الجديدة". ويشير التقرير ذاته إلى تراجع معّدلّات نموّ إجملي الناتج المحلي الحقيقي من 7.9 في المئة في عام 2021، إلى ما يقدّر بنحو 1.2 في المئة في عام 2022، وفي

  1. Lybbert & Morgan, p. 368.
  2. عبد السلاام، ص.5-4
  3. المرجع نفسه، ص.3
  4. هاريغان، ص.130
  5. Thomas M. Hill & Martin Pimentel, "Morocco Reflects a Global South Dilemma: Water or Food? As Climate Change Deepens Drought and Displacement, the Maghreb must Confront Hunger and Thirst," Institute of Peace, 15/6/2022, accessed on 15/9/2023, at: https://shorturl.at/bBLZ7
  6. La Banque Mondiale, "L'économie marocaine subit la pression des chocs d'offres," 14/2/2023, accessed on 15/9/2023, at: https://t.ly/1t79P المصدر.UNEP, Food Waste Index Report 2021 (Nairobi: 2021), p. 60:

الوقت ذاته، ارتفع عجز الحساب الجاري من 2.3 في المئة إلى 4.1 في المئة من إجملي الناتج المحلي86. وعلى الرغم من وجود هذه الإشكاليات، فإن من المهم أن نذكر أن نسبة هدر الغذاء ستكون كبيرة في شهر رمضان؛ فنسبة 84.8 في المئة من الأسر المغربية أعلنت أن نسبة الهدر الغذائي كبيرة في هذا الشهر، ونسبة 53.3 في المئة من الأسر المغربية تهدر ما بين 6 دولارات و 50 دولارًا أميركيًا خلااله87. يمكن تلخيص الهدر الغذائي في المغرب ومصر خلاال عام 2021 في الجدولين (3.)(4) و

. الجدول (3) الهدر الغذائي في المغرب ومصر

الدولةنفايات الطعام المنزليةنفايات الطعام المنزلية
(طن/ سنة)
نسبة الثقة بالتقديرات
المغرب913 319 524منخفضة
مصر919 136 941منخفضة

من خلاال الأرقام المتوافرة إلى حدود نيسان/ أبريل 2023، يمكن الاعتمد على الجدول (4) للمقارنة بين المغرب ومصر في تدبير النفايات وعلااقتها بالهدر الغذائي88.

. الجدول (4) تدبير النفايات وعلاقتها بالهدر الغذائي في المغرب ومصر

المغربالنفايات العضوية في أفق عام 2030أعلن المغرب عن استرداد 20 في المئة منها
النفايات المنزلية في أفق عام 2030أعلن المغرب عن استرداد 20 في المئة منها
"استراتيجية" المغرب بشأن فقدان الغذاء وهدرهاستراتيجية غير محددة بدقة
مصرتدبير جمع النفايات في أفق عام 2025أعلنت مصر عن تدبير جمع 95 في المئة
جمع النفايات المستعملةأعلنت مصر عن جمع النفايات المستعملة في حدود
60 في المئة
جمع النفايات من أجل الاستعمال الطاقيجمع النفايات المستعملة من أجل الطاقة في حدود
20 في المئة
"استراتيجية" مصر بشأن فقدان الغذاء وهدرهاستراتيجية غير محددة بدقة
  1. Ibid. accessed on 15/9/2023, at: https://t.ly/Q0MAr pp. 33, 29.
  2. SDG Knowledge Hub, "Spare Food to Counter Food Waste for a Sustainable Future in Morocco," 10/8/2022,
  3. Seta Tutundjian & Dima Maroun, "Food Loss and Waste in the Arab Region," Thriving Solutions (April 2023),

مستقبل الاستقرار الغذائي واستدامة خطوط الإمداد

لم يتمكن نحو 3.1 مليار شخص من تغطية تكلفة نمط غذائي صحي في عام 2022، بزيادة قدرها 112 مليون شخص، مقارنة بعام 201989. ويعكس هذا مدى هشاشة الأنظمة الغذائية وعدم استقرارها في مواجهة الأزمات الطارئة، مثل أزمة (كوفيد 19-)، والأزمات البنيوية الممتدة، مثل التغيرات المناخية، إضافةً إلى تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية90. ويتطلب تحقيق الاستقرار الغذائي أن تكون خطوط إمداد الغذاء مستقرة، وأن يكون الإنتاج الغذائي المحلي يتطور على نحو إيجابي كي تتمكّن الدول من الاستجابة محليًا إلى الطلب المتزايد على الغذاء. ويتطلّب الاستقرار الغذائي زيادة الإنتاج الغذائي بنسبة 30 في المئة بحلول عام 2030، وبنسبة 70 في المئة بحلول عام 205091. إّلا أن المخاطر الراهنة والمتقاطعة تبرهن على تراجع إنتاج الغذاء، ما يعكس عمق الخطر المستقبلي الكامن في عدم الاستقرار الغذائي وإمداداته عبر العالم. تهدّد الاستقرار الغذائي في البلدان العربية مخاطر متعددة؛ فهذه البلدان تنتج حصة ضئيلة من الحبوب على مستوى العالم؛ إذ إنها تعتمد على الواردات الغذائية بنسبة عالية جًّدًا92. ويرتكز الاستقرار الغذائي على عنصرين أساسيين: توافر الغذاء الكافي والوصول إليه في الأوقات كلها93. فتوافر الغذاء يصطدم بحقيقة أن الطلب عليه سيزداد بنسبة تصل إلى 70 في المئة في الدول العربية بحلول عام 2030، أي ما قدره 142 مليون طن، ومن ثمّ زيادة إنتاج الحبوب في هذه الدول بنسبة 85 في المئة، أي 69-37 مليون طن94. وفي المقابل، ستزداد حصة ميزان الواردات من الحبوب بنسبة 55 في المئة، أي من 47 مليون طن إلى 73 مليون طن95. ومن المنتظر ظهور هشاشة الاستقرار الغذائي العربي، نظرًا إلى ارتباطه مستقبالًا باستقرار سلااسل الإمداد العالمية. وكم أشرنا إلى ذلك سابقًا، أثّر الغزو الروسي لأوكرانيا بشدة في استقرار أسواق الغذاء في الدول العربية، لا سيم في مصر؛ حيث كانت روسيا وأوكرانيا تُعدّان المُصدّر الأكبر للقمح والزيوت إلى السوق المصرية، فضالًا عن تضرّر قطاع السياحة المصري نتيجة تراجع عدد السيّاح الوافدين من هذين البلدين. فمصر كانت تستورد 80 في المئة من الحبوب من روسيا وأوكرانيا، وثلث سيّاحها منهم. ومع توقف أوكرانيا عن تصدير الحبوب بسبب "حصار" الجيش الروسي لموانئ التصدير الأوكرانية، ارتفعت أسعار القمح في

  1. الأمم المتحدة، منظمة الأغذية والزراعة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، ص.19
  2. من المعلوم أّن 35 في المئة من صادرات القمح على المستوى الدولي تتحكم فيها روسيا وأوكرانيا، ويهيمن البلَدان (إضافة إلى كازاخستان) على 15 في المئة من الإنتاج العالمي. والدرس المستفاد أن كل قرار جيوسياسي يمكن أن يعيد تحديد هرمية القوى المصدّرة للسلع الزراعية. ينظر: 78 p. Brun, &.Abis
  3. هاريغان، ص.12
  4. البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة، تحسين الأمن الغذائي في البلدان العربية، ص.23
  5. هاريغان، ص.24
  6. المرجع نفسه، ص.53
  7. المرجع نفسه.

الأسواق الدولية، بما في ذلك مصر؛ لذا، تضاعفت فاتورة استيراد القمح فيها من 2.7 مليار دولار في عام 2021، إلى 4.4 مليارات دولار في عام 2022، وتضاعفت تكلفة واردات النفط من 6.7 مليارات دولار عام 2021، إلى 11.2 مليار دولار في عام 202296. وأصبحت الظروف المناخية الصعبة وعدم الاستقرار السياسي والعوامل الاقتصادية، مثل البطالة وارتفاع أسعار الأغذية تؤثر في الأمن الغذائي للأفراد97. وينبغي لنا التركيز هنا، بمنظور استشرافي، على مدى تأثير التغيرات المناخية في استقرار السلع الغذائية في العالم؛ إذ إن التغيرات المناخية تعني شحّ الموارد وضعف الإنتاجية الزراعية. وعند وصول الإنتاج الغذائي في الدول المصدّرة للغذاء إلى نصاب الاكتفاء الغذائي فحسب، فإنّ هذه الدول ستعود إلى حدودها البيئية عبر تلبية حاجات مواطنيها باعتبارها أولوية، ولن تدفع بسلعها إلى الأسواق الدولية، ما يعكس عمق الخطر الذي يهدد سلااسل إمداد الغذاء إلى الدول المستوردة. وسوف ينعكس ذلك بصورة مباشرة على استقرار الاقتصاد الكّلي في البلدان التي تفتقر إلى الموارد الطبيعية. وفي ظل ضعف الاستثمر في الموارد البشرية في الدول العربية، فإن النمو السكاني يتحوّل إلى ثقل في ميزان العجز الاقتصادي وتراجع معّدلّات الأمن الغذائي. ومن المتوقع أن يزداد حجم الطلب على الحبوب في البلدان العربية من 84 مليون طن في عام 2000، إلى ما يقرب من 142 مليون طن في حدود عام 203098، علمًا أنّ معظم هذه السلع يصل من الدول المصدّرة. وفي حال تراجع الإنتاج في هذه الدول، ستعاني الدول العربية عدم الاستقرار الغذائي، ومن ثمّ عدم الاستقرار السياسي. لذا، فإنّ هناك حاجة ملحة جدًا إلى الإعانة الغذائية للسكان في بعض البلدان العربية، ولا توجد بدائل في المنطقة العربية على المديين المتوسط والبعيد، لتعزيز مصادر الغذاء الإقليمية التي تشمل زيادة الاستثمرات وتحسين إدارة الموارد البرية والمائية وتخفيف أثر التغيرات المناخية؛ وهو ما يمكن أن يحسّن الإنتاجية الزراعية ويقلّل من احتمل التعرض لتقلّبات السوق99. وفي غياب البدائل للصمود في وجه التغيرات المناخية، ستظهر، في نظرنا، مشكلاات متداخلة، ترتبط بالأمن الغذائي في الدول العربية (المغرب ومصر في هذه الدراسة)؛ إذ تشير الطبيعة المعقّدة لسوء التغذية ومحدّداتها إلى ضرورة وجود برامج متعدّدة القطاعات، وتدّخلّاات تأخذ في الحسبان العوامل السياسية والاقتصادية والاجتمعية والزراعية والبيئية والسكانية، وعوامل الصحة العامة100. وفي غياب هذه الرؤية المستقبلية، لن تنجح أي خطة بديلة من التنسيق والتعاون بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني في الدول العربية.

  1. عبد السلاام، ص.6
  2. منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، حالة أسواق السلع الزراعية، 2016-2015: التجارة والأمن الغذائي: تحقيق توازن أفضل بين الأولويات الوطنية والصالح العام (روما: 2015)، ص.19
  3. البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة، تحسين الأمن الغذائي في البلدان العربية، ص.25
  4. عبد الرحمن مصيقر [وآخرون]، "التغذية والأمن الغذائي: الوطن العربي في المرحلة الانتقالية"، في: الصحة العامة في الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية؛ الجامعة الأمريكية في بيروت، 2013)، ص.321
  5. المرجع نفسه، ص.335

إن تكلفة تدهور البيئة، مقدّرة بنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجملي، هي في المتوسط تراوح بين 2 و 5 في المئة (مثال، ا في الجزائر 3.6 في المئة، وفي مصر 4.8 في المئة، وفي لبنان 3.4 في المئة، وفي المغرب 3.7 في المئة)، ويقَّدَر أن هذه الأرقام أعلى بمقدار 1.5 إلى 2 ضعف من تلك الموجودة في البلدان الصناعية101. ففي تقرير للبنك الدولي، يحتاج المغرب إلى توفير 78 مليار دولار، بصافي القيمة الحالية من الاستثمرات الضرورية، لتعزيز المرونة/ الصمود، وتحقيق صافي الكربون (ما يسمى بصفر انبعاثات الكربون) في أفق عام 2050102. ويوضح البنك الدولي أن تأثير التحوّل يرتبط بكيفية تمويل هذه الاستثمرات، وبصورة أوسع خيارات سياسة الاقتصاد الكلي التي سيجري اعتمدها خلاال السنوات والعقود المقبلة، إلى جانب التدّخلّاات القطاعية وخلق انسجام بينها وبين الأهداف التنموية للمغرب، والطموح إلى التأقلم مع التغيرات المناخية والتخفيف منها103. وقد تكون هذه السبل أساسية لضمن الحدّ الأدنى من الأمن الغذائي في سياق هول التغيرات المناخية وتفاقمها باستمرار، لا سيم في المنطقة العربية.

. 3 رصد الملامح المستقبلية العامة: مقارنة بين المغرب ومصر

من المهم في رصدنا الملاامح المستقبلية العامة للتغيرات المناخية وتأثيراتها في الأمن الغذائي في المغرب ومصر، الإشارة إلى أن البيانات في المنطقة العربية ضئيلة، وإن وُجدت، فتحتاج إلى فحص وتدقيق للتأكد من موثوقيتها. فالدول غالبًا ما تقدم المعطيات في أرقام تخدم أجندتها السياسية والاقتصادية. أما عن التوجهات المستقبلية للربط بين التغيرات المناخية والأمن الغذائي، فقد لا تحظى بفائدة كبيرة لدى صانعي القرار السياسي في المنطقة العربية، على الأقل في الأمد المنظور. مع ذلك، سنحاول رصد بعض المؤشرات التي قد تفيد في فهم إشكالية التغيرات المناخية والأمن الغذائي مستقبالًا في المنطقة العربية (بالتركيز على المغرب ومصر)، بالارتكاز على معادلة التوفّر على الغذاء، وإمكانات الوصول إليه والاستفادة منه وضمن الاستقرار بشأنه، في ظل التغيرات المناخية. عمومًا، توجد ثلااثة سيناريوهات. يتمثل السيناريو الأول في بقاء الأمور على حالها في المنطقة العربية، وهذا الأمر مستبعد لأن الحرب الروسية - الأوكرانية أثّرت في الأمن الغذائي في المنطقة؛ ومن نتائج ذلك أن تؤثّر هذه الحرب على المديين القصير والمتوسط، إضافة إلى أن المنطقة العربية تمثّل ثلث إجملي واردات القمح العالمية104؛ وسيناريوهات مستقبلية بديلة105، حيث يمكن العمل على إيجاد بدائل وتنويع الشركاء من أجل الحصول على الغذاء الكافي من دون إهمل الجهود الوطنية في هذا الشأن؛ وسيناريو احتمل تحسين الأداء في إنتاجية الحبوب في عام 2030، إذ من المتوقّع أن يرتفع الاكتفاء الذاتي

  1. مي جردي وريم فياض وعباس الزين، "التدهور البيئي: التحدي الأساسي لاستدامة الحياة"، في: الصحة العامة في الوطن العربي، ص.161
  2. World Bank, Morocco: Country Climate and Development Report (Washington: 2022), p. XI.
  3. Ibid.
  4. الأمم المتحدة، الفاو والإسكوا، الأفق العربي 2030: آفاق تعزيز الأمن الغذائي في المنطقة العربية (بيروت: 2017)، ص.115
  5. المرجع نفسه، ص.116

في دول المغرب العربي بنسبة 35 في المئة، في حين أنّ الأثر في مجموع بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية سيقارب الصفر، بسبب التدني الشديد لمستوى قاعدة الإنتاج106. تجدر الإشارة هنا، إلى أنّ الحبوب تمثل حوالى نصف الإمدادات الغذائية للمنطقة العربية؛ وإمدادات الطاقة الغذائية المستمدة من الحبوب مرتفعة خاصة في مصر والمغرب، أكثر من غيرهم من البلدان العربية107. فقد شكّل تغّير المناخ على الدوام، أحد الإكراهات الأساسية أمام تنمية القطاع الفلااحي في المغرب. وفي هذا الصدد، تشير سيناريوهات التغيرات المناخية إلى أن مناخ المملكة المغربية سيصبح قاحالًا أكثر بسبب قلة التساقطات المطرية وارتفاع درجات الحرارة والظواهر الطبيعية الحادة المتكررة. ويؤثر هذا التوجه سلبيًا في الموارد المائية والتنوع البيولوجي، وكذا في المشهد الفلااحي. في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أنّ المغرب شهد خلاال السبعين عامًا الأخيرة عشرين موسم جفاف108. في ما يخصّ استراتيجيات مواجهة التغير المناخي، أوضحت استراتيجية مصر للتغير المناخي 2050 أن الحاجات التمويلية لمواجهة التغيرات المناخية هي كم يلي:. أ التكلفة التقديرية لبرامج التّكيف ومشروعاته، بفجوة تمويلية قدرها حوالى 94.7 مليار دولار؛ إذ تحتاج إلى مصادر دولية للتمويل من صناديق التمويل للمناخ؛.ب التكلفة التقديرية لبرامج ومشاريع التخفيف (خفض غازات الدفيئة)، بفجوة تمويلية قدرها حوالى 153.4 مليار دولار؛ حيث تحتاج إلى مصادر دولية للتمويل من صناديق التمويل للمناخ109. تعاني الزراعة المصرية فراغًا مؤسّسيًا هائال، ا وتركُ الغالبية العظمى من المزارعين من ذوي الحيازات الصغيرة في مواجهة أسواق زراعية غير تنافسية، ينطوي على الكثير من مسبّبات فشل السوق؛ إذ انعكس سلبيًا على إنتاج الغذاء. فالوضع المؤسسي للقطاع الزراعي ضعيف بصورة عامة منذ "تحرير" الزراعة في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وبقيت الهياكل المؤسسية الزراعية، كم كانت خلاال حقبة السيطرة الحكومية على قرارات الإنتاج والتسويق والتوزيع110. وقد سبق أن أشرنا إلى الملااحظة ذاتها في الحالة المغربية بشأن عدم الثقة بين الدولة والفلااحين الصغار.

  1. المرجع نفسه، ص.119
  2. المرجع نفسه، ص.64
  3. تغير المناخ والقدرة على التكيف"، وزارة الفلااحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات/ قطاع الفلااحة، شوهد في 2023/12/29، في: https://t.ly/z1BER
  4. صابر عثمان، "تأثير التغيرات المناخية على مصر وآليات المواجهة"، الملف المصري، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، العدد 99 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2022)، ص.28
  5. شريف فياض، "التغيرات المناخية والأمن الغذائي المصري الأثر وسياسات المواجهة"، السياسة الدولية، 2022/11/6، شوهد في 2023/12/15، في: https://bit.ly/3vsH5Gr

تُظهر التق ييمت، في المغرب، أنّ تغّير المناخ سيعدّل إلى حدّ بعيد أنماط الإنتاج الإقليمي، ويؤثّر بشدّة في الغّلت، ويُحدث صدمات في الأسواق تتمثّل في رفع أسعار السلع الغذائية. ويتوقع أن ينخفض الإنتاج الزراعي بنسبة تصل إلى 5 في المئة في أسوأ سيناريو. أما في مصر فيُمكن أن يؤدي تغّير المناخ إلى خفض الِغلِاال الزراعية لمعظم المحاصيل، ويُتوقّع أن تكون غلاال القمح أدنى بما يصل إلى 9 في المئة بحلول عام 2030، وبنحو 20 في المئة بحلول عام 2060111.

خاتمة

تؤكد النتائج التي توصلنا إليها فرضية الدراسة، ومفادها أن المغرب ومصر سيواجهان مشكلاات حقيقية في توفير الغذاء الآمن والكافي لمواطنيهم، الذين سيواجهون تحديات كبرى في الوصول إلى الغذاء الكافي والآمن، لا سيم في ظل ارتفاع أسعار الأغذية وتدّني قيمة العملة الوطنية، خاصة أن هذه الدول لا تحدد أسعار الأغذية، بل تحَّدَد لها تبعًا لتقلّبات العرض والطلب في الأسواق الدولية. وستكون تكلفة التغيرات المناخية باهظة للناتج الوطني الخام. أمام استفحال التغيرات المناخية وتأثيراتها المباشرة في المياه، ومن ثمّ في الزراعات المسقية، فستطرح مشكلاات معقدة في جلّ دول المنطقة العربية الأشد تضررًا من التغيرات المناخية، وبالطبع سيكون المغرب ومصر ضمن نطاق هذه التأثيرات الشديدة الخطورة. ومن أجل مجابهة آثار التغير المناخي في الأمن القومي، ينبغي العمل على ترسيم إجراءات عاجلة لمساعدة الساكنة المحلية على الصمود في وجه الهشاشة المناخية وتنفيذها، وبناء القدرات على التأقلم واستدامة الصمود/ المرونة، وكذا محاولة الحَدّ من سيطرة الأقلية على مفاصل مؤسسات الدولة. والأكيد أن مفاهيم، مثل العدالة والإنصاف الترابي، ستكون ذات أهمية قصوى في البلدين معًا محل الدراسة. وإن كانت المنطقة العربية تعاني تغيرات أساسية في تغّير المناخ وأسعار الغذاء، فمن المنتظر أن تستفحل قضايا سوء التغذية ونقص المحاصيل الزراعية وندرة المياه وانتشار الأمراض والأوبئة في حالة نقص هبوط الأمطار؛ ما يشكّل أعباء إضافية في الدول العربية التي لم تعهدها. وسيكون صانعو السياسات العامة مثقلين بالقضايا الاجتمعية الملحّة، مثل الفقر والجهل والبطالة والنزاع على الموارد الطبيعية وجودة الهواء في المدن الرئيسة. وإن كانت المنطقة العربية، ومنها المغرب ومصر، تعاني محدودية مخزون المياه السطحية والجوفية نتيجة التغيرات المناخية، إضافةً إلى الزيادة السكانية والإجهاد البيئي وانتشار الأوبئة العابرة للحدود الوطنية، فإنّ هذه الإكراهات تضاف إليها زيادة حاجة المحاصيل الزراعية إلى المياه، في ظل تدّني معدّل

  1. فيديل بيرينغيرو، "عرض للأثر المحتمل لتغير المناخ على الزراعة في بلدان عربية مختارة"، في: البيئة العربية: الأمن الغذائي، التحديات والتّوقعات، عبد الكريم صادق ومحمود الصلح ونجيب صعب (محررون) (بيروت: المنتدى العربي للبيئة والتنمية، 2014)، ص.140

الأمطار وارتفاع درجات الحرارة ومعدلات الملوحة؛ وقد تكون النتائج سلبية. وقد بدأت تتضح الملاامح الأولية للأزمات المائية في المنطقة العربية. وتفتقر الأنظمة العربية إلى أنظمة زراعية وغذائية قادرة على الصمود في وجه التغيرات المناخية، علااوة على ضعف مشاريع الابتكار الزراعي من أجل التعامل مع حدّة تأثير التغيرات المناخية وتداعياتها. في المحصلة، خلصنا في هذه الدراسة إلى أنّ المخاطر الناجمة عن التغيرات المناخية برهنت على أن استراتيجيات الأمن الغذائي والسلاامة الاجتمعية وسياسات التطوير الزراعي، لم تعد قادرةً على المعالجة الناجعة لمخاطر التغيرات المناخية، أو تذليل تداعياتها والحدّ من تفاقمها. ويُعزى هذا الأمر نسبيًا إلى بطء تطبيق السياسات الوطنية للتكيّف مع التغيرات المناخية وتداعياتها، إضافة إلى جملة من الاختلاالات الهيكلية واضطراب الأولويات لدى صنّاع القرار والسياسة في الدول مناط الدراسة. وبينّا أنه سيكون أمام المواطنين في هذه الدول ثلااثة سيناريوهات محتملة: التنازل عن جودة الغذاء أو تقليل كمية السعرات المستهلكة أو إنفاق حصة أكبر من دخلهم لتوفير الغذاء الآمن؛ إذ لا يعتبر الأمن الغذائي القومي بالضرورة مؤشرًا على توافر حصص غذائية كافية للأفراد، باعتبار أن الأمن الغذائي الجزئي/ الفردي يرتبط أساسًا بتوافر الموارد الاقتصادية لدى الأفراد للحصول على الغذاء. من نتائج هذه الدراسة أيضًا أن الحرب الروسية - الأوكرانية منذ شباط/ فبراير 2022 برهنت على أن استيراد الغذاء من الخارج هو أضعف مكونات استراتيجية الأمن الغذائي الوطني؛ ويُعزى ذلك إلى اضطراب سلااسل الإمداد على نحو فوري استجابةً إلى الأزمات الإقليمية والدولية. وأبرزنا أن مشكلاات مصر المائية والزراعية ستتفاقم نتيجةً لتراجع حصتها المائية بعد بناء سد النهضة في إثيوبيا؛ فتراجع حصّة مصر من مياه النيل بمقدار 9 مليارات م 3 سنويًا، سيدفعها نحو خط الفقر المائي. وستتأثر قدرة المواطنين في المغرب ومصر على الوصول إلى الغذاء، نتيجةً لارتفاع الأسعار بفعل سياسات تعويم العملة وانخفاض معدل صرف العملة وتراجع الإنتاج المحلي وارتفاع سعر السلع الغذائية في الأسواق الدولية. ويمثل ثبات الدخل وتبدّل ارتفاع الأسعار عقبةً حقيقية تقوّض قدرة المواطنين على الوصول إلى الغذاء، إضافة إلى أن العلااقة العكسية بين النمو السكاني السريع وتدّني الإنتاج بفعل التغيرات المناخية، ستؤثر بشدّة في ميزان العرض والطلب؛ حيث يرتفع الطلب وينخفض العرض، والنتيجة المنطقية لذلك هي الارتفاع الحادّ في الأسعار الغذائية. وأبرزنا أنّ النشاط الفلااحي يمثّل مصدرًا أساسيًا للعيش لسكان المناطق الريفية، وأنهم الفئة الأشد تضرّرًا من تداعيات التغيرات المناخية، التي ستكون مضطرةً إلى تغيير نشاطها الاقتصادي، أو اللجوء البيئي والانتقال إلى هوامش المدن الكبرى من أجل الاستقرار. انطقًا من ذلك، نطرح المقترحات التالية لمواجهة تأثيرات التغيرات المناخية في الأمن الغذائي في المغرب ومصر، وفي المنطقة العربية عمومًا: الانتقال من زراعة محاصيل شديدة الاستهلااك للمياه، إلى زراعة محاصيل منخفضة الاستهلااك، وإيجاد بدائل لتمويل السوق المحلية.

العالية وآثار التغيرات المناخية وتملّح التربة وتذبذب هطول الأمطار.

الحرارية الكافية.

تقوّض ذلك، وهي مرتبطة بتبنّي النظام الرأسملي.

مواجهة المتغيرات والمخاطر العابرة للحدود الوطنية.

السلع في السوق المحلية، ومن ثمّ إلى ارتفاع الأسعار. التركيز على زراعة المحاصيل المحسنة؛ وهي المحاصيل القادرة على مقاومة درجات الحرارة

التركيز على زراعة المحاصيل الاستراتيجية، وهي المحاصيل التي تدخل على نحو أساسي في النمط الغذائي للمواطنين محل الدراسة، مثل القمح والذرة... إلخ، والتي تزوّد الأفراد بالسعرات

السعي لإنفاذ سياسات التكيّف مع التغيرات المناخية وتح ييد الاختلاالات الهيكلية والبنيوية التي

التركيز على رفع الإنتاج المحلي وخفض معدلات الاستيراد، إذ إن الإنتاج المحلي أكثر أمانًا في

الحفاظ على مخزون قومي استراتيجي من الغذاء لمواجهة الأزمات والكوارث الطارئة. وضع قيود إضافية على تصدير السلع الغذائية إلى الأسواق الدولية. فعلى الرغم من أهمية التصدير في رفع احتياطي العملة الأجنبية، فإنه في الآن ذاته يؤدي إلى انخفاض كمية عرض

المراجع

العربية

إبراهيم، نفين فرج إبراهيم. "التغيرات المناخية والأمن الغذائي في مصر". المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة. مج 52، العدد 1.)2022(

استشراف للدراسات المستقبلية. الكتاب السنوي السابع. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022

الأمم المتحدة، الإسكوا والفاو. الأفق العربي 2030: آفاق تعزيز الأمن الغذائي في المنطقة العربية. بيروت:.2017

الأمم المتحدة. منظمة الأغذية والزراعة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية. موجز عن حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم: إعادة توجيه السياسات الغذائية والزراعة لزيادة القدرة على تحمل كلفة الأنماط الغذائية الصحية. روما.2022:

الأمم المتحدة. منظمة الأغذية والزراعة. حالة أسواق السلع الزراعية، 2016-2015: التجارة والأمن الغذائي: تحقيق توازن أفضل بين الأولويات الوطنية والصالح العام. روما.2015:

________. حالة التنوع البيولوجي للأغذية والزراعة في العالم. روما.2019:

________. نظرة إقليمية عامة حول حالة الأمن الغذائي والتغذية في الشرق الأدنى وشمل أفريقيا لعام 2022: التجارة كعامل تمكين للأمن الغذائي والتغذية. القاهرة.2023:

برج، فوزية. "بيئوية الفقراء: ديناميات التكيف وممرسات العيش: مقاربة أنثروبولوجية". عمران. مج 7، العدد 27 (شتاء.)2019

برنامج الأغذية العالمي. التقرير السنوي للمجلس التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي لعام 2021 المقدم إلى المجلس الاقتصادي والاجتمعي ومجلس منظمة الأغذية والزراعة. الدورة 43. تصدير المدير التنفيذي. روما: 7-1 تموز/ يوليو 2023.

________. المراجعة السنوية 2021: التعامل مع التقلبات، معالجة التعقيدات، بناء الشراكات. روما:.2021

البنك الدولي. "الأراضي الزراعية %(من مساحة الأراضي) - المغرب". في: https://shorturl.at/mnAS9 البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية. تحسين الأمن الغذائي في البلدان العربية. واشنطن: 2009:. في https://shorturl.at/lFT12

الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. التقرير السنوي 2021. القاهرة:.2021

مجلة الدراسات والبحوث التجارية. العدد).2019(4

بيروت،.2013

والتّوقعات. بيروت: المنتدى العربي للبيئة والتنمية،.2014

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. آذار/ مارس.2023

السياسية والاستراتيجية. العدد 99. تشرين الثاني/ نوفمبر.2022

عيسى، محمد عبد الشفيع. "الدور التنموي للدولة". عمران. مج 1، العدد 1 (صيف 2012).

2022/11/6:. في https://bit.ly/3vsH5Gr https://shorturl.at/mpUZ0: [د. ت.]. في مصر العربية للمستقبل). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2013

المعرفة رقم 465. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2018

الأجنبية

السيد، منى ربيع عبد الفتاح. "تحديد أمن الطاقة والأمن الغذائي والمائي في جمهورية مصر العربية". الصحة العامة في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية؛ الجامعة الأمريكية في عبد الكريم صادق ومحمود الصلح ونجيب صعب (محررون). البيئة العربية: الأمن الغذائي، التحديات عبد السلاام، مصطفى. "أزمات مصر الاقتصادية وتداعيات الحرب الروسية- الأوكرانية". تقييم حالة. عثمن، صابر. "تأثير التغيرات المناخية على مصر وآليات المواجهة". الملف المصري. مركز الأهرام للدراسات فياض، شريف. "التغيرات المناخية والأمن الغذائي المصري الأثر وسياسات المواجهة". السياسة الدولية. المملكة المغربية. وزارة الصناعة. اتفاقية للتبادل الحر بين حكومة المملكة المغربية وحكومة جمهورية النجفي، سالم توفيق. سياسات الأمن الغذائي العربي: حالة الركود في اقتصاد عالمي متغير (رؤية هاريغان، جين. الاقتصاد السياسي للسيادة الغذائية في الدول العربية. ترجمة أشرف سليمن. عالم

Abis, Sébastien & Matthieu Brun. "Géopolitique de l'agriculture et de l'alimentation."

Diplomatie. no. 102 (Janvier-Février 2020).

Abou Hadid, Ayman & Mosaad Kotb Hassanein. "Climate Change Adaptation Needs for

Food Security in Egypt." Nature and Science. vol. 11, no. 12 (2013).

Barrett, Christopher B. (ed.). Food Security and Sociopolitical Stability. Oxford: Oxford

University Press, 2013.

Benjamin, Catherine & Alejandra Giraldo Hurtado. "Quand 'l'irrigation verte' augmente

la demande d'eau." Revue économique. vol. 72, no. 6 (Novembre 2021).

FAO. The State of Food and Agriculture 2016: Climate Change, Agriculture and Food

Security. Rome: 2016.

Hill, Thomas M. & Martin Pimentel. "Morocco Reflects a Global South Dilemma:

Water or Food? As Climate Change Deepens Drought and Displacement, the

Maghreb must Confront Hunger and Thirst." Institute of Peace. 15/6/2022. at:

https://shorturl.at/bBLZ7

Hugon, Philippe. "L'agriculture durable en Afrique." Après- Demain. vol. 3/4, no. 31-32

La Banque Mondiale. Région Moyen-Orient et Afrique du Nord. Rapport de suivi de

la situation économique: Le Maroc face aux chocs d'offre; Hiver 2022/2023.

Washington, DC: 2023.

Ministry of Planning, Monitoring and Administrative Reform/ Egypt. Sustainable

Development Strategy: Egypt's Vision 2030. Cairo: 2020.

OECD/ FAO/ UNCDF. Adopting A Territorial Approach to Food Security and Nutrition

Policy. Paris: 2016.

Oxford Business Group/ OCP. Agriculture in Africa 2023. December 2023. at:

https://rb.gy/lbmor8

Purseigle, François, Geneviève Nguyen & Pierre Blanc (eds.). Le nouveau capitalisme

agricole. De la ferme à la firme. Paris: Les presses de Sciences Po, 2017.

Reganold, John P., Robert I. Papendick & James F. Parr. "Sustainable Agriculture."

Scientific American Journal. vol. 262, no. 6 (1990).

Rocha, Jozimo Santos, Yerania Sanchez & Hadi Fathallah. Climate-Smart Policies

to Enhance Egypt's Agrifood System Performance and Sustainability. FAO

Investment Centre, Country Investment Highlights, no. 22. Rome: Food and

Agriculture Organization of the United Nations, 2023.

SDG Knowledge Hub. "Spare Food to Counter Food Waste for a Sustainable Future in

Morocco." 10/8/2022. at: https://t.ly/Q0MAr

Tellioglu, Isin & Panos Konandreas. "Agricultural Policies, Trade and Sustainable

Development in Egypt." FAO, ICTSD (March 2017).

The World Bank. Morocco: Country Climate and Development Report. Washington: 2022.

Tutundjian, Seta & Dima Maroun. "Food Loss and Waste in the Arab Region." Thriving

Solutions (April 2023).