تعليم يليق بالمستقبل
Education Fit for the Futures
الملخّص
** كاتب ومترجم سوري.
Abstract
الرقم التعريفيDOI https://doi.org/10.31430/TGVX7675
* Ralph Mercer, "Education Fit for The Futures," Human Futures Magazine (May 2023), pp. 28-33. Syrian writer and translator.
تخيّل عالمًا يكون فيه التعليم أكثر من حفظٍ أصّم واختبارٍ موَّحَد، عالمًا يشَّجَع فيه الطلااب على استكشاف ترابط الأشياء جميعًا واعتناق مقاربةٍ للتعلّم أكثر شمولًا وأخقًا ومسؤوليّةً. وإنّها لتتّضح على نحو متزايد حقيقة أن نظامنا التعليمي لا يفي بالغرض ويحتاج إلى تغ ييرٍ جذري لمجاراة التقدّم التكنولوجي، والأزمة المناخية المتسارعة، ومتطلّبات استشراف المستقبليّات. ما الذي سيبدو عليه، إذًا، هذا الإطار التعليمي المُعاد تخُّيُله؟ أول، ا سيكون هناك انتقالٌ من المواضيع التقليدية المحدّدة المجال صوب مقاربةٍ أشمل، فيها المواضيع مترابطة، والتعلّم المتعدّد الاختصاصات. وهذا يعني أنّ الطلااب سيشَّجَعون على استكشاف العلااقات المعقّدة بين حقول المعرفة المتنوعة وفهم الترابط بين جميع الأشياء. لننظر كيف يمكن دمج مفاهيم فلسفيّة معاصرة مثل مفهوم ميشيل فوكو (Foucault Michel) "تقنيّات الذات"، والفكرة الفلسفية ما بعد الإنسانوية حول التكنولوجيا بوصفها سمة إنسانيّة1، بما في ذلك استخدام "المحِّوّل التوليدي مسبق التدريب"4- (GPT-4) كدليل تعليمي شخصي مرافق، ومفاهيم الواقعيّة الفاعليّة Agential Realism()، أن يخلق تجربةً تعليميّةً أكثر ديناميّةً. فالتعليم التقليدي عادةً ما يضع البشر في مركز الإنتاج المعرفي. لكنّ الفكر الفلسفي ما بعد الإنسانوي يسعى إلى نزع مركزيّة الإنسان، رافضًا الإنسانوية باعتبارها موضوعًا ناظمًا للتعليم، وموفّرًا وسيلةً لدمج المنظورات اللااإنسانيّة، والأكثر من إنسانية، والإنسانيّة المهمّشة في المنهاج. تطرح الواقعيّة الفاعليّة2 أنّ العالم هو عمليّة صيرورة مترابطة. وفي سياق التعليم، يجب أن يكون الطّلب مشاركين فعّالين في بناء معرفتهم، وهذا ما يشدّد على أهميّة السياق. وبتشجيع الطّلب على استكشاف المنظورات المتنوّعة والتفكير نقديًا في ما يتلقّونه من معلومات، نستطيع أن نتخطّى فكرة الحقائق الثابتة الموضوعية التي ت ضيّق نظرتنا إلى المستقبليّات. يتيح نقد فوكو للفروع أو الاختصاصات الأكاديمية3للمتعلّم أن يرى منظورًا قيّمًا في مساءلة الواقع القائم. فهو يرى أنّ الفروع الأكاديمية يبنيها بناءً من هم في السلطة وليست حقول دراسةٍ موضوعيّة. ودمج هذا النقد في التعليم يعزز
التفكير النقدي ويشجّع على مقاربةٍ أكثر تداخال بين الفروع. وتحفّز هذه النقلة الطلااب على أن ينظروا أبعد من حدود المواضيع التقليدية، وأن يستكشفوا الروابط بين الحقول المتنوعة، ما يفضي إلى فهمٍ أشمل للعالم. يُعدّ عمل سوغاتا ميترا حول بيئات التعلّم ذاتية التنظيم (SOLEs)4 أحد الأمثلة لمقاربةٍ للتعليم متداخلة الفروع تشدّد على أهمية التعلّم المدفوع بالفضول والانخراط في المعلومات من فروع متعددة، ما ينمّي فهمًا أعمق للمواضيع المعقّدة والتفكير النقدي. برفضنا الحواجز الأكاديميّة نستطيع أن نخلق بيئات تعلّم تحفّز دمج المعرفة والمهارات من مجالاتٍ مختلفة لمواجهة تحديات العالم الواقعي. ويمكن المعلمين، بإدماجهم المفاهيم المتعددة الفروع، أن يخلقوا تجاربَ تعليمية تعكس الطبيعة المترابطة لهذا العالم، ما يساعد الطلااب على رؤية الصلة بين تعليمهم وحياتهم ومهنهم المستقبلية. علااوةً على ذلك، يمكن التعليم المتعدد الفروع أن يساعد الطلااب على تطوير عقليّةٍ متنامية وهم يتعلمون أن يتأقلموا مع حقولٍ معرفيّة متعدّدة ويبحروا فيها. وهذه العقليّة أساسية في عالم اليوم المتغّير بسرعة، حيث يجب على الأفراد أن يكونوا رشيقين ألمعيين ومدركين لذاتهم. إنّ تحولًا في الإطار المفهومي السائد (البردايم) لهو ضرورٌّيٌ لدمج هذه الأفكار الفلسفية والتقنيّات الناشئة. وعلينا أن ننتقل من الاختبار الموحّد الذي تتحكّم فيه المؤسسات إلى التعلّم المدفوع بالفضول والمتعدد الفروع. وهذه المقاربة الجديدة تلحّ على أهمية السياق والتفكير النقدي وتتيح للطلااب السيطرة على بيانات تعلّمهم والتقنيات التي يستخدمونها. ويستطيع الطّلب، بالسيطرة على بياناتهم وتملّكها، أن يربطوا تعليمهم بنقاط قوّتهم وضعفهم واهتمماتهم وأساليب تعلّمهم. وتصبح بيانات التعلّم محمولة أو نقّالة يسهل نقلها بين المؤسسات وأماكن العمل، فتزيل الحواجز وتمكّن من إجراء تقويمات شاملة. وبدلًا من الاعتمد الحصري على نتائج الاختبارات الموحدة، سوف تمكّن بيانات تعلّم الطّلب الشخصية من إجراء تقويمٍ أشمل لقدراتهم التعلّمية وتقدّمهم وإنجازاتهم الفردية. يميل الاختبار الموحد إلى تقويض فاعليّة الطلااب بفرضه إطارَ عملٍ صلبًا ومسبقَ التحديد في تقويم إمكاناتهم. ويشعرون أنّهم مرغمون على الامتثال لتطلّعاتٍ محدّدة بدلًا من أن يتابعوا اهتمماتهم وضروب شغفهم. أمّا تمكين الطلااب بالسيطرة على بيانات تعلّمهم فيعزّز الشفافيّة ويشجّع التأمل الذاتي والنموّ. ويمكن الطلااب، بامتلااكهم لبياناتهم، أن يتّخذوا قراراتٍ مستنيرة حول أسفار تعلّمهم، ويحددوا المواضع التي تحتاج التحسين ويتتبّعوا تقدّمهم بمرور الوقت. إضافةً إلى ذلك، يمكن أن ينمّي تملّك البيانات هذا حًّسًا بالمسؤوليّة وتوجيه الذات كلّم أمعن الطّلب في تعليمهم. في هذا البردايم التعليمي الجديد، سوف يُستبدَل بالاختبار القياسي تقويمات بديلة تركّز على الفهم
الفردي وتطبيق المعرفة في العالم الواقعي. يُضاف إلى ذلك أنّ المتعلّمين سوف يتملّكون بيانات تعلّمهم وإمكان الوصول إلى التقنيات الأنسب لحاجاتهم وقدراتهم التعلّمية. يشير التفاعل الداخلي، وهو جزءٌ لا يتجزّأ من الواقعية الفاعلية، إلى الترابط الداخلي بين جميع عناصر نظامٍ من النظم، ويشدّد على أنّ الفاعليّة والمعرفة لا توجدان قبل تفاعلااتها الداخلية، بل تبرزان من تلك التفاعلاات. ويصف التفاعل الداخلي العلااقة المعقدة بين الطلااب والمعلّمين وبيئات التعلّم والسياق الاجتمعي الأوسع التي تساهم جميعًا في تشكيل هوية الطلااب وتجاربهم ونتائجهم التعلّمية. تطرح الواقعيّة الفاعليّة، تاليًا، أنّ فاعلية التعلّم ليست سمةً فطرية في الأفراد، بل تنشأ من خلاال العلااقات والتفاعلاات ضمن نظام. ويؤكّد التشابك، وهو مفهومٌ أساسي آخر في الواقعية الفاعلية، على فكرة أن الظواهر جميعًا شديدة الترابط، ما يطمس الحدود بين الذوات والمواضيع والمراقبين. سوف تسمح تقنيات الإدماج والتكامل التي توضع في خدمة التف لايضت الفردية بأن يصمّم الطلااب تجاربهم التعلّمية بأنفسهم، ما يعظّم انخراطهم وفاعليّتهم. يُضاف إلى ذلك، أنّه بنفاذ الطلااب إلى شتى التقنيات، يمكنهم أن يختاروا الأدوات التي تدعم أهدافهم التعلّمية أفضل دعمٍ، سواء كانت مُحِّوّالًا توليدًّيًا (GPT-4) كدليل تعلّمي شخصي، أو تقنياتٍ ناشئة أخرى تحسّن تجربة تعلّمهم. يمكن أن تعزز مقاربة التعلّم الشاملة هذه، بجمعها التعلّم المشخّص والتفكير المتعدد الفروع وتملّك الطلااب بيانات التعلّم وتقنياته، تجربةً تعليميّةً أكثر ديناميّةً وتمكينًا، فتمهّد السبيل لمتعلّمي اليوم كي يصبحوا مفكّري الغد المؤسّسين. من الجدير بالملااحظة أنّ تطبيق هذا البردايم الجديد يتطلّب إقرارًا بأنّ التعليم ل سي مجرّد نقل للمعارف، بل عمليّة اكتشاف للذات وتمكين لها. وللتكنولوجيا والتعليم أثرٌ بالغٌ في المستقبلاات الممكنة التي يمكن أن يعتنقها المجتمع. ولأنهم محرّكان أساسيان للتغي المجتمعي، فإنّهم يصوغان الطريقة التي يعيش بها الناس ويعملون ويتفاعلون فيم بينهم. ويدعو هذا البردايم الجديد إلى اعتناق تعلّم متعدد الفروع، وتحطيم الحواجز بين هذه الأخيرة، واستدخال استشراف المستقبليّات: القدرة على تخيّل مستقبتٍ بديلة واستكشافها وتحسين صنع القرار في الحاضر. ويتطلّب التحول إلى عقليّة ما بعد إنسانوية التزامًا ضروريًا بالاعتراف بأنّ قياسًا واحدًا لا يناسب الجميع وأنّ لكلّ طالبٍ حاجات واهتممات وقدرات فريدة، هي التي يجب أن تقود رحلتهم التعلّمية. وبإدخال استشراف المستقبليات في البردايم التعليمي، نشجّع الطلااب على التفكير النقدي في عواقب خياراتهم الممكنة، وعلى تهيئتهم على نحوٍ أفضل لعالمٍ غير مؤَّكَد وسريع التغّي.ر ويتوقّف تحقيق هذا البردايم التعليمي، في آخر الأمر، على جهدٍ جمعي لإعادة صوغ فهمنا للتعليم وغايته، ما يسمح للطلااب بأن يصبحوا فاعلين نشطين في تعليمهم وينمّي قدرتهم على استكشاف المستقبل والمشاركة في صنعه. ختامًا، يحتاج النظام التعليمي إلى أن يتطور ل لايقي حاجات عالمٍ سريع التغير. ولتحقيق هذا، على المعلّمين أن يستندوا إلى أفكارٍ فلسفيّةٍ معاصرة مثل ما بعد الإنسانويّة الفلسفية لدى
فيراندو، والواقعية الفاعليّة لدى باراد، ونقد فوكو للفروع الأكاديمية في الوقت الذي يدخلون تقنياتٍ ناشئة مثل المُحِّوّل التوليدي باعتبارها أدوات للتعلّم الذاتي. يشدّد هذا البردايم الجديد على أهميّة السياق والتفكير النقدي والتعلّم المتعدد الفروع، ويتطلّب تغ ييرًا في عقليّة المعلّمين وصنّاع السياسات والمجتمع. وباعتناق هذا البردايم الجديد، يمكن أن نخلق نظامًا تعليمًّيًا أكثر تشخيصًا وتنوّعًا وتمكينًا يُعِدّ الطلااب لتحدّيات المستقبل.
المراجع
Barad, Karen. Meeting the Universe
Halfway: Quantum Physics and
the Entanglement of Matter and
Meaning. Durham, NC: Duke
University Press, 2007.
Ferrando, Francesca. Philosophical
Posthumanism (Theory in the
New Humanities). New York:
Bloomsbury Publishing, Kindle
Edition, 2019.