Return to Article Details Futures of AI-Powered Human Rights Governance Surveillance, Control, and Digital Freedoms in the Arab Region

مستقبلات حكامة حقوق الإنسان المدعومة بالذكاء الاصطناعي: المراقبة والتحكّم والحريات الرقمية في المنطقة العربية

Futures of AI-Powered Human Rights Governance Surveillance, Control, and Digital Freedoms in the Arab Region

هيئة التحرير

الملخّص

تتسارع عملية دمج الذكاء الاصطناعي في حكامة حقوق الإنسان؛ إذ تتدخل الخوارزميات ونماذج التعلم الآلي، على نحوٍ متزايد ومعقّد، في عمليات صنع القرار؛ ما يوضّح ملامح التحول البرادايمي في منظومة حقوق الإنسان. وتتجلى أهمية ذلك في تحسين الحكامة من خلال تمكين التواصل الشبكي والتحليل التنبُّئي وتخصيص الموارد والنمذجة التنبُّؤية واتخاذ القرارات الآلية. غير أنه ثمة تحديات كبرى بشأن اتخاذ القرارات الخوارزمية ومخاطر التحيز وتآكل المساءلة البشرية. تستكشف هذه الدراسة العواقب طويلة الأمد للحكامة المستندة إلى الذكاء الاصطناعي على الحريات العامة والحريات الرقمية والتحول الديمقراطي، وتبحث في كيفية تسخير هذه التقنية لتحسين الشفافية والمساءلة في الحكومة والمؤسسات، وتستشرف مشاهد مستقبلية لتوطيد الذكاء الاصطناعي في حكامة حقوق الإنسان في المنطقة العربية.

Abstract

Abstract: The rapid integration of artificial intelligence (AI) into human rights governance is precipitating a paradigmatic transformation within the broader human rights system. The increasing deployment of algorithms and machine learning models in complex decision- making processes underscores both the potential and the challenges of this technological shift. While AI offers significant opportunities to enhance governance through advanced networking, predictive analytics, resource optimization, and automated decision-making, it simultaneously raises critical concerns regarding algorithmic bias, transparency, and the potential erosion of human accountability. This paper critically examines the long-term implications of AI-driven governance on public freedoms, digital rights, and democratic transformation. It investigates how AI can be leveraged to foster greater transparency and accountability within governmental and institutional frameworks. Furthermore, the study explores prospective scenarios for the consolidation of AI in human rights governance, with a specific focus on the Arab region, offering insights into the evolving interplay between technology, governance, and human rights.

الكلمات المفتاحية:
  • الذكاء الاصطناعي
  • الحوكمة
  • حقوق الانسان
  • المراقبة
  • العالم العربي
Keywords:
  • Arab World
  • Governance
  • Artificial Intligence
  • Human Rights
  • Surveillance

مستقبلات حكامة حقوق الإنسان المدعومة بالذكاء الاصطناعي المراقبة والتحكّم والحريات الرقمية يف المنطقة العربية Futures of AI-Powered Human Rights Governance

Surveillance, Control, and Digital Freedoms in the Arab Region

مقدمة

والتحكّم السلطوي في المنطقة.

حكامة حقوق الإنسان في المنطقة العربية.

التي تعمل على نحو جمعي لدعم معايير حقوق الإنسان وقواعدها. أدى التقدم السريع لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي إلى دخول عصر جديد من الحكامة على جميع المستويات؛ المؤسّسية والمحلية والوطنية والدولية. وعلى الرغم من أن هذه التكنولوجيا توفر مزايا مهمة من حيث إسهامها في تعزيز الأمن والكفاءة، فإنها تشكل أيضًا تهديدات كبرى؛ وتبرز هذه المخاطر على نحوٍ خاص في مجال حقوق الإنسان والحريات المدنية. ويمثل الإدماج السريع للذكاء الاصطناعي في بنيات الحكامة في المنطقة العربية تفاعالًا معقدًا بين التقدم التكنولوجي والمراقبة وحقوق الإنسان؛ ففي حين يوفر الذكاء الاصطناعي فرصًا لتحسين الخدمات العامة والنمو الاقتصادي، فإن استخداماته في المراقبة والشرطة التنُّبُئية والرقابة وحملاات التضليل، تثير مخاوف كبرى بشأن مستقبل الحريات المدنية

وبناءً عليه، تتناول هذه الدراسة استخدامات الذكاء الاصطناعي في الحكامة في المنطقة العربية، مع التركيز على آثاره في مجال حقوق الإنسان. ثمّ تستكشف العواقب الطويلة الأمد لذلك على الحريات العامة والحريات الرقمية والتحول الديمقراطي. وتبحث في كيفية تسخير الذكاء الاصطناعي لتحسين الشفافية والمساءلة في الحكومة والمؤسسات، وتستشرف مشاهد مستقبلية لتوطيد الذكاء الاصطناعي في

أولًا: التأثيرات البنيوية للحكامة القائمة على الذكاء الاصطناعي

تشير الحكامة إلى العمليات والبنيات والتقاليد، التي يجري من خلاالها ممرسة السلطة واتخاذ القرارات داخل المنظمت أو المؤسسات أو المجتمعات1. وهي تشمل الآليات التي تستخدمها الأطراف الفاعلة، لا سيم الحكومات والشركات والمجتمع المدني، للتعبير عن مصالحها، وحلّ نزاعاتها، وممرسة حقوقها والتزاماتها، وتنسيق العمل الجمعي لتحقيق الأهداف العامة. وتشير حكامة حقوق الإنسان إلى الأطر والمؤسسات والعمليات التي يجري من خلاالها ضمن حمية حقوق الإنسان وتعزيزها على المستويات المحلية والوطنية والدولية. وتضمن تفاعالًا معقدًا بين الأطراف الفاعلة، سواء كانت دولاتية أو غير دولاتية، لا سيم الحكومات والمنظمت الدولية والمجتمع المدني وشبكات حقوق الإنسان عبر الوطنية،

ويمكن إرجاع الأسس النظرية للحكامة المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى تقاطع العلوم الاجتمعية الحاسوبية والإدارة العامة، فقد جرى تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي، التي تعمل بخوارزميات التعلم الآلي، لمعالجة كميات هائلة من البيانات، وتحديد الأنماط، وتوليد رؤى قابلة للتنفيذ. وقد تطورت هذه الأنظمة منذ منتصف القرن العشرين على نحوٍ تصاعدي، قبل أن تتسارع وتيرتها على نحو لافت

  1. Jon Pierre & B. Guy Peters, Governance, Politics, and the State, 2 nd ed. (London: Red Globe Press, 2020).

في السنوات القليلة الماضية، لا سيّم من خلاال التركيز المفرط على تطوير "الذكاء الاصطناعي الشبيه بالإنسان" (AI Human-Like)، الذي يحاكي القدرات البشرية بدلا من تعزيزها2. وفي سياق الحكامة، تتيح هذه القدرات أتمتة المهمت الروتينية، وتجويد تخصيص الموارد، وتحسين عمليات صنع القرار3. وهكذا أصبحت الحكومات في جميع أنحاء العالم تتبنّى أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة الخدمات التي تقدمها، وخفض تكاليفها، وتعزيز جودتها4. ويؤدي دمج الذكاء الاصطناعي في حكامة حقوق الإنسان إلى إحداث تحول بردايمي في منظومة حقوق الإنسان؛ إذ تتدخل الخوارزميات ونماذج التعلم الآلي، على نحوٍ متزايد ومعقّد، في عمليات صنع القرار، فدمج الذكاء الاصطناعي في الحكامة ليس بالأمر الهّين، بل إنه يتطلّب إعادة تقييم التصميمت المؤسسية التقليدية. وغالبًا ما تواجه البنيات البيروقراطية التقليدية صعوبةً في التكيّف مع سيولة أنظمة الذكاء الاصطناعي وتعقيدها؛ إذ تتطلّب الحكامة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي مؤسسات هجينة تحقق التوازن بين الرقابة البشرية والاستقلاالية التكنولوجية، وينبغي لهذه المؤسسات الهجينة إنشاء بروتوكولات واضحة لإدارة البيانات والشفافية الخوارزمية وإشراك الأطراف الفاعلة. ويمكن أن تحسّن هذه الأدوات الرقمية الحكامة من خلاال تمكين التواصل الشبكي، أو ما يسمّى "العقدية" (Nodality)، والسلطة التنظيمية، والتحليل التنبئي، وتخصيص الموارد5. وبهذا، يعمل الذكاء الاصطناعي على إعادة تعريف معالم الحكامة، من خلاال تقديم قدرات غير مسبوقة لتحليل البيانات والنمذجة التنُّبُئية واتخاذ القرارات الآلية. لكن ثمة تساؤلات بشأن شرعية السلطة الخوارزمية وإمكانية التحيز النظامي الكامن فيها؛ ذلك أنّ دمج الذكاء الاصطناعي في بنيات الحكامة لا يخلو من العديد من التحديات؛ فغموض عملية اتخاذ القرارات الخوارزمية، ومخاطر التحيز، وتآكل المساءلة البشرية، تشكّل جميعها مع لاضت أخلااقية وعملية كبيرة.

1. التحولات البنيوية في صنع القرار

يعدّ التحول من عملية صنع القرار المتمحور حول الإنسان إلى عملية صنع القرار المتمحور حول الخوارزمية من أهم التحولات التي أحدثتها الحكامة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. ويجري في هذا الصدد استخدام هذه التكنولوجيا على نحو متزايد لإرشاد قرارات السياسات العامة، وتخصيص الموارد،

  1. ما يعزّز ما يسميه إيريك برينجولفسون "فخ تورينغ" (Trap Turing)، حيث تتضاعف مخاطر تفلّت الذكاء الاصطناعي من السيطرة البشرية، وتتركّز السلطة والثروة في أيدي أولئك الذين يتحكمون في التكنولوجيا: Erik Brynjolfsson, "The Turing Trap: The Promise & Peril of Human-Like Artificial Intelligence," Daedalus, vol. 151, no. 2 (2022), p. 274.
  2. Helen Margetts, "Rethinking AI for Good Governance," Daedalus, vol. 151, no. 2 (Spring 2022), pp. 360-371.
  3. Shoshana Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power (New York: PublicAffairs, 2019).
  4. Christopher Hood & Helen Margetts, The Tools of Government in the Digital Age (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2007).

وحتى التنبؤ بنتائجها الاجتمعية. فعلى سبيل المثال، تُستخدم خوارزميات الشرطة التنُّبُئية لتحديد بُؤر الجريمة، في حين تحدد أنظمة الرعاية الاجتمعية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي الأهلية للحصول على المزايا الاجتمعية. وتسلّط بذلك هذه التطبيقات الرقمية الضوء على إمكانات الذكاء الاصطناعي في تحسين كفاءة الحكامة ودقتها ونجاعتها، بيد أنها تبُرز في الآن ذاته مخاطر التحيّزات الخوارزمية، وتقلّص هامش المساءلة، والتفلّت من الرقابة البشرية. ويؤدي الافتقار إلى الشفافية في عمليات صنع القرار المتعلقة بالذكاء الاصطناعي إلى مفاقمة الوضع؛ إذ لا يتمكّن المواطنون في كثير من الأحيان من فهم القرارات الخوارزمية و/ أو الطعن فيها.

2. إعادة تشكيل المؤسسات

يتطلب دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة الحكامة إعادة تشكيل مؤسسية كبيرة؛ إذ يجري استخدام أنظمة دينامية تعتمد على البيانات، بدلًا من البنيات البيروقراطية التقليدية، التي تتسم باتخاذ القرارات الهرمية والإجراءات الموحدة. وهذا التحول له آثارٌ في أدوار المسؤولين العموميين ومسؤولياتهم، الذين يتعّين عليهم التعامل مع تعقيدات الأنظمة الذكية، مع ضمن المساءلة والشفافية. ويثير استخدام هذه الأنظمة تساؤلات بشأن قدرة الأطر التنظيمية القائمة على معالجة التحديات الناشئة، مثل خصوصية البيانات، والمساءلة الخوارزمية، والأمن السيبراني6.

3. الآثار المجتمعية

تتعدّد التأثيرات المجتمعية للحكامة القائمة على الذكاء الاصطناعي؛ منها: أول، ا القدرة على تمكين المواطنين من خلاال تحسين الوصول إلى الخدمات العامة وتعزيز الحكامة التشاركية؛ فيمكن أن تسهّل المنصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي مشاركة المواطنين من خلاال تحليل التعليقات العامة، والتعريف بالقضايا الناشئة في المجتمع لدى صانعي القرار. ثانيًا، إمكانية إدامة التفاوتات القائمة أو تفاقمها؛ فالجمعات الأهلية المهمّشة، على وجه الخصوص، معرّضة للتحيّزات المضمّنة في أنظمة الذكاء الاصطناعي، التي يمكن أن تؤدي إلى إدامة التمييز والإقصاء اللذَين يَسمن الواقع7. وتؤدي الفجوة الرقمية القائمة على مستوياتٍ عديدة إلى تفاقم هذه التحديات؛ إذ إنّ عدم المساواة في الوصول إلى التكنولوجيا يحدّ من قدرة بعض الفئات المجتمعية على الاستفادة من الحكامة القائمة على الذكاء الاصطناعي.

  1. Zuboff.
  2. Virginia Eubanks, Automating Inequality: How High-Tech Tools Profile, Police, and Punish the Poor (New York: St. Martin's Press, 2018).

4. الاعتبارات الأخلاقية والتنظيمية

تشكّل التحديات الأخلااقية والتنظيمية التي تفرضها الحكامة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بُعدًا رئيسًا في تأثيراتها البنيوية؛ فغموض هذه التقنية، الذي يشار إليه غالبًا باسم مشكلة "الصندوق الأسود"، يحجب عمليات صنع القرار، ويعرض الشفافية والمساءلة للخطر8. ولحلّ هذه المشكلة، جرى اقتراح تطوير أنظمة "الذكاء الاصطناعي القابلة للتفسير" (XAI AI, Explainable)، التي توفر معلومات بشأن عمليات اتخاذ القرار في الخوارزميات9. يُضاف إلى ذلك الحاجة الماسّة إلى أطرٍ تنظيمية قوية لضمن التزام هذه الحكامة بمبادئ العدالة والإنصاف والمساءلة.

ثانيًا: العواقب على حقوق الإنسان والحريات المدنية

تتمتع تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي بالقدرة على تعزيز حكامة حقوق الإنسان من خلاال تحسين الوصول إلى العدالة، وتعزيز تقديم الخدمات العامة، ومعالجة التمييز المنهجي، فعلى سبيل المثال، تستطيع خوارزميات التعلم الآلي تحليل مجموعات كبيرة من البيانات لتحديد أنماط التحيز في ممرسات التوظيف، أو الإدانات الجنائية، تعجز القدرات البشرية عن معالجتها؛ ما يدعم الجهود الرامية إلى تحقيق المساواة أمام القانون. كم يمكن أن تساعد الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي المنظمت الإنسانية في رصد انتهاكات حقوق الإنسان في مناطق الصراع، من خلاال توفير البيانات على نحوٍ آني لإعلاام التدخلاات الخارجية اللاازمة10. ومع ذلك، يثير دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة الحكامة العديد من الأسئلة والمخاوف بشأن تأثيراته السلبية في حقوق الإنسان. فحقوق الإنسان، كم وردت في الصكوك الدولية، وفي مقدمتها الإعلاان العالمي لحقوق الإنسان، هي كونية، وغير قابلة للتجزئة، وغير قابلة للتصرف11. ولذلك فإنّ أنظمة الذكاء الاصطناعي، القائمة على خوارزميات تعتمد على البيانات لاتخاذ القرارات، قادرة على تقويض هذه الحقوق، بقدر ما هي قادرة على تعزيزها. ومن ثمّ، يتمثل التحدي الرئيس في ضمن أن تكون الحكامة متسقةً مع مبادئ حقوق الإنسان، لا سيّم المساواة، والشفافية، والمساءلة، وعدم التمييز، والخصوصية، وحرية التعبير. بيد أنّ غموض أنظمة الذكاء الاصطناعي وتعقيدها غالبًا ما يعرّضان هذه المبادئ للخطر؛ ما يخلق توترات بين الحاجة إلى توظيف التطورات التكنولوجية المتسارعة، وضرورة حمية حقوق الإنسان.

  1. Frank Pasquale, The Black Box Society: The Secret Algorithms That Control Money and Information (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2015).
  2. Finale Doshi-Velez & Been Kim, "Towards A Rigorous Science of Interpretable Machine Learning," arXiv (2017), accessed on 15/3/2025, at: https://acr.ps/1L9zR5u
  3. Thomas Davenport, Jeanne G. Harris & Robert Morison, Analytics at Work: Smarter Decisions, Better Results (Boston: Harvard Business Review Press, 2020).
  4. الأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 (نيويورك.)2015:

1. الذكاء الاصطناعي والحق في المساواة

تنطوي الحكامة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي على احتمل أن يؤدي التحيز الخوارزمي إلى تقويض الحق في المساواة، فعلى اعتبار أنّ هذه الأنظمة غالبًا ما يجري تدريبها على البيانات التاريخية، والتي قد تعكس التحيزات وعدم المساواة الموجودة في الواقع، عندما يتمّ دمج هذه التحيزات في الخوارزميات، فمن شأنها أن تؤدي إلى إدامة التمييز ضد الفئات المهمّشة، مثل الأقليات العرقية، والنساء، والفئات ذات الدخل المنخفض12. وتعمل بذلك محركات البحث وخوارزميات التوصية، على ترسيخ الصور النمطية حول الفئات المهمّشة؛ ما يعزّز التفاوتات النظامية في الواقع13. وعلى المنوال نفسه، أظهرت بعض الدراسات أن أنظمة صنع القرار الآلية في بعض المجالات مثل توزيع الرعاية الاجتمعية، ومعالجة الهجرة، تضر بالفئات الضعيفة والمهمّشة، وتنتهك حقوقها في الإجراءات القانونية الواجبة والمعاملة المتساوية14. فعلى سبيل المثال، تعرضت خوارزميات الشرطة التنبئية لانتقادات عدّة بسبب استهدافها على نحو غير متناسب للجمعات الأهلية الموصومة في المجتمع؛ ما يؤدي إلى تعزيز الاستبعاد الاجتمعي والعنصرية المنهجية. وعلى نحوٍ ممثل، تبّين أن أنظمة التوظيف المدعومة بالذكاء الاصطناعي تمارس التمييز ضد النساء والمترشحين من الأقليات، كم هو الحال تمامًا على أرض الواقع15.

2. الذكاء الاصطناعي والمراقبة والحق في الخصوصية

المراقبة، كم عرّفها ميشيل فوكو، هي آلية سلطة تعمل من خلاال مراقبة الأفراد و"ضبطهم"16. ويعمل الذكاء الاصطناعي على تعزيز هذه السلطة من خلاال تمكين التجميع والتحليل والتفسير الآلي لكميات هائلة من البيانات. وتعمل هذه القدرة على تحويل المراقبة من أداة تفاعلية إلى أداة استباقية قادرة على التنبؤ بالسلوك وتحديد التهديدات المحتملة17. وبذلك تثير الطبيعة الشاملة وغير الشفافة للمراقبة التي تعتمد على الذكاء

  1. Ruha Benjamin, Race After Technology: Abolitionist Tools for the New Jim Code (Cambridge: Polity Press, 2019); Eubanks.
  2. Safiya Umoja Noble, Algorithms of Oppression: How Search Engines Reinforce Racism (New York: NYU Press, 2018).
  3. Eubanks.
  4. Kyra Wilson & Aylin Caliskan, "Gender, Race, and Intersectional Bias in Resume Screening via Language Model Retrieval," arXiv (2024), accessed on 15/3/2025, at: https://acr.ps/1L9zQNO; من أشهر الحالات في السنوات الأخيرة لقيام الذكاء الاصطناعي بإعادة إنتاج التمييز المدرج في قواعد بيانات التدريب الخاصة بها هي حالة شركة "أمازون" (Amazon)، التي طورت في عام 2014 أداة توظيف تعتمد على الذكاء الاصطناعي، لتدرك أن الخوارزمية المستخدمة تنطوي على تحيز جندري؛ ما أدى إلى استبعاد السير الذاتية للنساء على نحو منهجي، قبل أن تتوقف أمازون عن استخدام أداة التوظيف المتحيزة هذه. يُنظر في ذلك: Jeffrey Dastin, "Amazon Scraps Secret AI Recruiting Tool That Showed Bias Against Women," in: Kirsten Martin (ed.), Ethics of Data and Analytics: Concepts and Cases (Boca Raton: Auerbach Publications, 2022), pp. 296-299.
  5. Michel Foucault, Surveiller et punir: Naissance de la prison (Paris: Gallimard, 1975).
  6. Mark Andrejevic, Automated Media (New York: Routledge, 2020).

الاصطناعي أسئلةً كبرى بشأن تأثيرها في الخصوصية والاستقلاالية والحريات المدنية؛ إذ أضحت هذه المراقبة تُستخدم في مجالاتٍ مختلفة، مثل إنفاذ القانون، والأمن القومي، ومراقبة الشركات. ففي مجال إنفاذ القانون، على سبيل المثال، يجري استخدام تقنيات التعرف إلى الوجه لتحديد المشتبه بهم، ومراقبة الأماكن العامة، في حين تحلل خوارزميات الشرطة التنبئية بيانات الجريمة لتخصيص الموارد ومنع الجرائم18. وفي مجال الأمن القومي، يجري نشر أنظمة الذكاء الاصطناعي للكشف عن التهديدات، ومراقبة الاتصالات، وتحليل الأنماط السلوكية19. كم تستخدم الشركات المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لمراقبة الموظفين، وتتبع سلوك المستهلكين، وتحسين استراتيجيات التسويق20. تُضاف إلى ذلك الآثار الكبيرة المحتملة لانتشار تكنولوجيات المراقبة في الحق في الخصوصية، مثل التعرف إلى الوجه، والتحليلاات التنبئية له. ولذا تنتقد جهات إنفاذ القانون، على وجه الخصوص، تقنية التعرّف إلى الوجه بسبب تمكينها للمراقبة الجمعية، ومسّها بالحريات المدنية.

3. الذكاء الاصطناعي والحق في حرية التعبير

تؤثر الحكامة القائمة على الذكاء الاصطناعي أيضًا في الحق في حرية التعبير. فمن جهة، يمكن الذكاء الاصطناعي تحسين الوصول إلى المعلومات، وتسهيل النقاش العام من خلاال تحليل المحتوى ونشره. ومن جهةٍ أخرى، تعرضت أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في تعديل المحتوى على منصات التواصل الاجتمعي لانتقادات بسبب قمعها للخطاب المشروع، وتضخيم المحتوى الضار21. ويزيد الافتقار إلى الشفافية في خوارزميات تعديل المحتوى من تعقيد الأمور؛ إذ لا يتمكن المستخدمون في كثير من الأحيان من فهم القرارات أو الطعن فيها. ومن شأن تكنولوجيات المراقبة هذه أن تخلق ثقافة المراقبة المستمرة وتبثّها في المجتمع، لتصبح ضمنيةً ومستبطنةً لدى المواطنين؛ ما يؤدي إلى تآكل الثقة والاستقلاالية. ولذا من الممكن أن يؤدي التطبيع مع هذه المراقبة الشاملة والمستمرة إلى تولّد الرقابة الذاتية لدى الأفراد والمجموعات، والقيود الذاتية على حرية التعبير، بحيث يعدّلون من تلقاء أنفسهم سلوكهم لتجنب المراقبة22.

4. الذكاء الاصطناعي والتضليل والسيطرة السلطوية

أصبحت خلاال السنوات القليلة الماضية حملاات التضليل أداةً قوية للسيطرة السلطوية، ليس في السياقات السلطوية فحسب، بل أيضًا في السياقات الديمقراطية، لا سيّم مع صعود اليمين المتطرّف

  1. Andrew Guthrie Ferguson, The Rise of Big Data Policing: Surveillance, Race, and the Future of Law Enforcement (New York: NYU Press, 2017).
  2. Andrejevic.
  3. Zuboff.
  4. Tarleton Gillespie, Custodians of the Internet: Platforms, Content Moderation, and the Hidden Decisions That Shape Social Media (New Haven: Yale University Press, 2018).
  5. Ibid.

والشعبوية؛ إذ إنها تسمح للأنظمة بالتلااعب بالرأي العام، وقمع المعارضة، وتعزيز سلطتها. فمن خلاال نشر معلومات كاذبة أو مضلّلة عبر المنصات الرقمية، يمكن الحكومات السلطوية تشويه الواقع، وإثارة الارتباك، وتقويض الثقة في وسائل الإعلاام المستقلة والمؤسسات الديمقراطية. وغالبًا ما تستغلّ هذه الحملاات البنية الخوارزمية لوسائل التواصل الاجتمعي، والتي تمنح الأولوية للتفاعل، على حساب الدقّة أو الصدقية، لتضخيم الدعاية، واستهداف جمهير محدّدة برسائل مخصّصة23. فعلى سبيل المثال، خلاال الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016، وكذلك خلاال استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكسيت) في العام ذاته، استخدمت بعض الجهات الفاعلة المعلومات المضلّلة لاستقطاب بعض الفئات المجتمعية والتأثير في نتائج الانتخابات24. كم شهدت بعض السياقات السلطوية، مثل روسيا والصين، نشر المعلومات المضللة على نحو منهجي لإضفاء الشرعية على النظام السلطوي، وتشويه سمعة حركات المعارضة، وقمع الروايات البديلة من الرواية الرسمية25. ويزيد صعود تقنيات التزييف العميق وتوليد المحتوى المعتمد على الذكاء الاصطناعي من تعقيد المشهد، ومن مخاطره المستقبلية، سواء في السياقات الديمقراطية أو السلطوية؛ ما يجعل من الصعب – على نحوٍ متزايد – التمييز بين المعلومات الأصلية والمزيفة. وفي حين تستغلّ حملاات التضليل انفتاح الفضاءات الرقمية والمنصّات الرقمية للتلااعب بالرأي العام وزعزعة استقرار حركات المعارضة، فإن تأثيرها يمتدّ إلى ما هو أبعد من الفضاء الإلكتروني؛ إذ يؤدّي ذلك أيضًا إلى تآكل المجتمع المدني، ومن ثمّ إضعاف أحد أهم أسس الحكم الديمقراطي، كم بّين ذلك ألكسيس دو توكفيل26.

  1. Yochai Benkler, Robert Faris & Hal Roberts, Network Propaganda: Manipulation, Disinformation, and Radicalization in American Politics (Oxford: Oxford University Press, 2018).
  2. Nathaniel Persily, "The 2016 U.S. Election: Can Democracy Survive the Internet?" Journal of Democracy, vol. 28, no. 2 (2017), pp. 63–76. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى "فضيحة فايسبوك-كامبريدج أناليتيكا" (scandal data Analytica Facebook–Cambridge) في عام 2018، التي كشفت استخدام البيانات الشخصية ل 87 مليونًا من مستخدمي فيسبوك لمعرفة الاختيارات الانتخابية لهؤلاء والتأثير فيها، وإرسال رسائل مؤيدة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (Brexit) وانتخابات دونالد ترامب في عام 2016:. ينظر Nicholas Confessore, "Cambridge Analytica and Facebook: The Scandal and the Fallout So Far," The New York Times, 4/4/2018.
  3. Rebecca MacKinnon, "Liberation Technology: China's 'Networked Authoritarianism'," Journal of Democracy, vol. 22, no. 2 (2011), pp. 32-46; Gary King, Jennifer Pan & Margaret E. Roberts, "How the Chinese Government Fabricates Social Media Posts for Strategic Distraction, Not Engaged Argument," American Political Science Review, vol. 111, no. 3 (2017), pp. 484-501.
  4. Alexis de Tocqueville, De la démocratie en Amérique, Tome Premier , 12 ème ed. (Paris: Imprimerie Claye et Taillefer, 1848 [1835]; Alexis de Tocqueville, De la démocratie en Amérique, Tome Deuxième, 12 ème ed. (Paris: Imprimerie Claye et Taillefer, 1848 [1840].

5. الذكاء الاصطناعي في مكافحة الإرهاب

فسح الذكاء الاصطناعي المجال للجمعات الإرهابية لاستخدام تقنياته في تهديد الأمن بطرائق جديدة27، وكذلك جرى دمج هذه التقنيات في عمليات مكافحة الإرهاب في المراقبة وتحليل البيانات، أو الشرطة التنبئية، أو أنظمة الأسلحة المستقلة. فعلى سبيل المثال، تستطيع خوارزميات التعلم الآلي تحديد أنماط السلوك المشبوهة التي قد تشير إلى التخطيط أو التنسيق للأنشطة الإرهابية28؛ وهو ما يثير العديد من القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان. فكم هو الحال مع تطبيقاته في مجالاتٍ أخرى، يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في مكافحة الإرهاب العديد من قضايا حقوق الإنسان، كانتهاك الخصوصية والمراقبة الشاملة والمنهجية للمواطنين والتمييز والمساءلة عن القرارات التي تُفضي إلى قتل المشتبه فيهم بالتحضير لأنشطة إرهابية أو بارتكابها. وفي هذا المجال كم في سواه، تحقيق التوازن بين الأمن والحرية ليس بالأمر الهّين.

ثالثًا: العواقب على حقوق الإنسان والحريات المدنية يف المنطقة العربية

تثير تأثيرات الذكاء الاصطناعي في منظومة حقوق الإنسان قلقًا أكبر في سياق المنطقة العربية، على اعتبار أنّ العديد من دول المنطقة لديها موروث ثقيل من السلطوية، وثقافة محدودة للحريات المدنية؛ ما يرشّحها لاستخدام الذكاء الاصطناعي على نحو أكبر لتعزيز السيطرة السلطوية، ويشكّل تهديدًا كبيرًا لآفاق التحول الديمقراطي في المنطقة؛ فنشر أنظمة المراقبة القائمة على الذكاء الاصطناعي، والشرطة التنبئية، وتكنولوجيات الرقابة، من شأنها جميعًا أن تقوّض الحق في الخصوصية، وحرية التعبير، والحقّ في محاكمة عادلة، وغيرها من الحقوق الأساسية، على نحوٍ يفوق غيرها من السياقات الدولية؛ ذلك أنّ استخدام الذكاء الاصطناعي في حملاات التضليل يؤدي لا محالة إلى تآكل الثقة في المؤسسات الديمقراطية، ويهدد قدرة المواطنين على المشاركة في العملية الديمقراطية؛ ما يقوّض آمال التحول الديمقراطي في المنطقة في المهد، ويرخّص باستدامة الأنظمة السلطوية.

1. الذكاء الاصطناعي والمراقبة في المنطقة العربية

أصبحت تقنيات المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تشكّل حجر الزاوية في الحكامة في العديد من الدول العربية في السنوات القليلة الماضية، فقد اعتمدت العديد من الحكومات على أنظمة مراقبة

  1. ياسر الصافي، "استعمالات الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على حقوق الإنسان والحريات العامة"، مجلة القانون الدولي للدراسات البحثية، مج 5، العدد 16 (تموز/ يوليو 2024)، ص.157
  2. Erik Brynjolfsson & Andrew McAfee, The Second Machine Age: Work, Progress, and Prosperity in a Time of Brilliant Technologies (New York: W.W. Norton & Company, 2017).

متطورة، غالبًا ما تقدمها شركات التكنولوجيا العالمية، لمراقبة أنشطة المواطنين عبر شبكة الإنترنت وخارجها. كم اعتمدت هذه الحكومات تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز آليات المراقبة والسيطرة الحكومية، على سبيل المثال، عبر تقنية التعرف إلى الوجه، وجمع البيانات البيومترية، ومبادرات المدن الذكية لمراقبة تحركات المواطنين وتنظيم سلوكهم29. وبذلك تسمح هذه التكنولوجيات للدول بممرسة رقابة صارمة على سكانها؛ وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى الإضرار بالخصوصية وحرية التعبير. ولا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض المراقبة على الجوانب المادية؛ إذ أصبحت المراقبة الإلكترونية منتشرة على نطاق مجتمعي واسع، من خلاال استخدام العديد من الحكومات العربية لخوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل كميات هائلة من البيانات الرقمية. كم اعتمدت بعض الدول العربية أنظمة المراقبة هذه لتتبع المواطنين، غالبًا بدعوى الحفاظ على الأمن القومي30، فالتكنولوجيات مثل التعرف إلى الوجه، ومنصات "المدينة الذكية"، وبرامج التجسس مثل "بيغاسوس"، تتيح إمكانية التتبع في الوقت الحقيقي للناشطين والصحافيين والمعارضين31. وتعمل هذه الأنظمة على تطبيع المجتمعات والأفراد مع المراقبة الشاملة، والتحكّم في المعارضة، وتعزيز سلطة الأنظمة القائمة. ويؤثر هذا الشكل من المراقبة الرقمية سلبيًا في حرية التعبير؛ إذ يخشى المواطنون التعبير عن آرائهم المعارضة أو النقدية عبر شبكة الإنترنت.

2. الشرطة التنبئية والرقابة القائمة على الذكاء الاصطناعي

اكتسبت الشرطة التنبئية، التي تستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالنشاط الإجرامي، شعبية كبيرة في المنطقة العربية. وعلى الرغم من أنّ هذه الأنظمة تهدف – من حيث المبدأ – إلى تعزيز السلاامة، فإنها تعتمد في كثير من الأحيان على بيانات قد تعكس التحيزات القائمة في هذه المجتمعات؛ ما يؤدي إلى ممرسات تمييزية ضد الجمعات الأهلية المهمّشة. ولذا تثير أنظمة الشرطة التنبئية مخاوف بشأن الإفراط في مراقبة الشرطة، والتمييز العنصري، وانتهاكات الحقوق الأساسية للمواطنين.

  1. على سبيل المثال، عمّمت الإمارات العربية المتحدة اعتماد أنظمة التعرف إلى الوجه المدعومة بالذكاء الاصطناعي في الأماكن العامة، ومراقبة نشاط وسائل التواصل الاجتماعي، بما ينطوي عليه ذلك من تحيزٍ عنصري متأصل في بنية العلااقات الاجتماعية العرقية. يُنظر في ذلك: Rafeef Ziadah, "Surveillance, Race, and Social Sorting in the United Arab Emirates," Politics, vol. 44, no. 4 (2021), pp. 605-620.
  2. في مصر، على سبيل المثال، استخدمت الحكومة الذكاء الاصطناعي لمراقبة منصات التواصل الاجتماعي وتحديد هوية الأفراد المشاركين في الاحتجاجات المناهضة للحكومة، للحيلولة دون وقوع "ميدان تحرير" جديد. يُنظر في ذلك: Akin Ünver, Artificial Intelligence (AI) and Human Rights: Using AI as a Weapon of Repression and Its Impact on Human Rights, European Union In-Depth Analysis (Brussels: European Union, 2024), p. 38.
  3. بيّنت دراسة مختبر "سيتيزين لاب" بجامعة تورنتو برنامج التجسّس "بيغاسوس" من شركة "إن إس أو" الإسرائيلية أنّ ما لا يقل عن ستة بلدان في العالم سبق أن استخدمت برنامج بيغاسوس على نحو سيّئ لاستهداف المجتمع المدني، من بينها أربعة بلدان عربية، هي: المغرب، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والبحرين. يُنظر: بيل ماركزاك [وآخرون]، "لعبة الغمّيضة: تتبع عمليات برنامج بيغاسوس من شركة NSO في 45 دولة"، سيتيزين لاب/ جامعة تورنتو، 2018/9/18، شوهد في:2025/3/3، في https://acr.ps/1L9zQSe

وقد نفذت العديد من الدول العربية أنظمة الشرطة التنبئية لتحديد التهديدات الأمنية المحتملة32. وتسهم التعتيمت الخوارزمية المضمّنة في هذه الأنظمة في حمية السلطات من المسؤولية القانونية؛ إذ تفتقر القرارات إلى الشفافية أو إمكانية الطعن فيها. كم أنّ عدم وجود عمليات تدقيق مستقلة يزيد من هذه المخاطر. يُضاف إلى ذلك مصدر قلقٍ آخر يتعلق بالرقابة الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، فالعديد من الحكومات في المنطقة العربية استخدم الذكاء الاصطناعي للسيطرة على تدفق المعلومات عبر شبكة الإنترنت33. ويؤدي هذا الشكل من الرقابة إلى قمع حرية التعبير، وتقييد الوصول إلى المعلومات.

3. حملات التضليل والسيطرة السلطوية

يُستخدَم الذكاء الاصطناعي سحًا في حملاات التضليل التي تهدف إلى التلااعب بالرأي العام، والحفاظ على السيطرة السلطوية، فقد استخدمت العديد من الحكومات العربية تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنشاء الأخبار الكاذبة ونشرها، مستهدفةً في كثير من الأحيان المعارضين السياسيين والناشطين. ويشكّل استخدام المحتوى الذي جرى إنشاؤه بوساطة هذه التقنيات لنشر معلومات مضللة والتأثير في الانتخابات مصدر قلقٍ على نحوٍ خاص، فحملاات التضليل هذه تؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات، وتقويض قدرة المواطنين على اتخاذ قرارات مستنيرة. كم أصبح استخدام مقاطع الفيديو المزيفة لأغراض سياسية أمرًا شائعًا في السنوات الأخيرة، مع التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي الذي مكّن من إنشاء محتوى سمعي بصري مزيّف، ولكنه فائق الواقعية. وتشكل تقنية التزييف العميق، التي تتلااعب بالصور والأصوات لتصوير الأفراد وهم يقولون أو يفعلون أشياء لم يقولوها أو يفعلوها، تهديدًا للعمليات الديمقراطية من خلاال تقويض الثقة في وسائل الإعلاام

  1. على سبيل المثال، حدّثت إمارة أبوظبي سيارات دوريات الشرطة بنظام التعرف البيومتري المباشر على الوجوه. ويستخدم نظام "عيون" الأمني في دبي شبكة من 300 ألف كاميرا موزعة في جميع أنحاء المدينة لتحليل البيانات و"الكشف عن المشتبه بهم:" James Lynch, "Iron Net: Digital Repression in the Middle East and North Africa," European Council of Foreign Relations, 29/6/2022, accessed on 3/3/2025, at: https://acr.ps/1L9zQNi
  2. تُعدّ المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من أكبر البلدان التي استثمرت بكثافة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لأغراض المراقبة، لا سيما من خلاال تكثيف التعاون مع الصين وإسرائيل. وتعمد البلدان إلى استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي للكشف عن المحتوى الذي يُعتبر ناقدًا للحكومة، ولتصفية المحتوى الذي ينتهك قوانين الأمن السيبراني الصارمة: Ibid.؛ وفي إطار الحملة على المجتمع المدني المصري في عامي 2016 و 2017، استُهدفت سبع جماعات حقوقية، كانت جميعها قيد التحقيق في "القضية "173، 90 مرة في ثلااثة أشهر باستخدام برامج ضارة (Malwares) متطوّرة، صُمّمت على شكل وثائق مشتركة تحتوي على معلومات آنية وذات صلة، وجاءت من مزودين شرعيين، مثل "غوغل" (Google)، و"دروبوكس" (Dropbox:)، ينظر.Ibid.

وتشويه الخطاب العام34. ولذا فإن إمكانية تسبب التزييفات العميقة في تفاقم الاستقطاب السياسي وتآكل مصداقية المؤسسات مثيرة للقلق على نحوٍ خاص؛ لأنها تستغل التحيزات المعرفية والقدرة على الانتشار السريع لمنصات التواصل الاجتمعي. ولا يقتصر استخدام الدول العربية الذكاء الاصطناعي في حملاات التضليل على سياستها الداخلية. فقد استخدمت بعضها الذكاء الاصطناعي أيضًا للتأثير في الرأي العام في دول أخرى. ويحمل هذا الشكل من التدخل الرقمي آثارًا مدمّرة في الاستقرار الإقليمي والعلااقات الدولية.

4. الرقابة والرقابة الذاتية

ينتهك دمج الذكاء الاصطناعي في السلطويات على نحوٍ منحرف عن استخداماته الأصلية الحقوق الأساسية المنصوص عليها في القانون الدولي، فالمراقبة الجمعية تنتهك الخصوصية (المادة 12 من الإعلاان العالمي لحقوق الإنسان)، في حين تعمل الشرطة التنبئية على تقويض الحق في محاكمة عادلة (المادة 10). وتنتهك الرقابة والتضليل الإعلاامي حرية التعبير (المادة 19)؛ ما يقلّل من مساحة المعارضة. وتتعرض بعض الفئات المجتمعية، لا سيّم فئات الصحافيين والأقليات، لخطر متزايد، كم يتضح من استهداف الناشطين عبر برامج التجسس التي تنتجها مجموعة "إن إس أو" (.NSO)36من جهة أخرى، تؤدي المراقبة المستمرة على نحو شبه آلي إلى توليد الرقابة الذاتية لدى الأفراد، فالأمر يتجاوز الرقابة الخارجية في حدّ ذاتها، ليرتبط على نحوٍ أكبر (وأكثر نجاعة) بالرقابة الذاتية.

5. القمع عبر الحدود

يتعدّى استخدام الذكاء الاصطناعي الحدود الوطنية، ليُسهم في تسهيل القمع عبر الحدود، كم يتضح من تصدير برامج التجسس. فقد كشف تقرير صادر عن المختبر المتعدد الاختصاصات في جامعة تورنتو الكندية "سيتيزين لاب" (Lab Citizen) في عام 2023 أنّ برنامج التجسّس "بيغاسوس" (Pegasus)

  1. خلاال الاحتجاجات السودانية عام 2023، نشرت قوات الدعم السريع مقاطع فيديو مزيفة تم إنشاؤها بوساطة الذكاء الاصطناعي لتشويه سمعة الناشطين، في حين أدى إغلااق شبكة الإنترنت، مباشرةً بعد بدء الانقلااب في أواخر عام 2021، إلى شلّ تنسيق المعارضة: Mohamed Suliman, "The Deepfake is a Powerful Weapon in the War in Sudan," African Arguments, 23/10/2024, accessed on 11/3/2025, at: https://acr.ps/1L9zQqt; Lynch.; وتجدر الإشارة إلى أنّ النساء أكثر عرضةً للااستهداف من حملاات التزييف العميق. فعلى سبيل المثال، تعرضت الصحافية ديما صادق، أثناء تغطيتها على حسابها على تويتر لاحتجاجات لبنان عام 2019، لبرنامج مكثف ومنسق من المضايقات الإلكترونية، بما في ذلك مشاركة صور:مُزيفة مُخزية، أدتّ إلى إصابة والدتها بسكتة دماغية.Lynch 35 ماركزاك [وآخرون].

جرى استخدامه أيضًا لاستهداف المعارضين المنفيين في أوروبا؛ ما يوضح استخدام الأنظمة السلطوية الذكاء الاصطناعي بوصفه أيضًا سحًا عابرًا للحدود37. وتشكل كل هذه الديناميات السلبية والمناوئة مجتمعةً تحديات كبيرة أمام تعزيز حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية في المنطقة.

رابعًا: استشراف العواقب والمستقبلات البعيدة الممدى للحكامة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي يف المنطقة العربية

1. العواقب البعيدة المدى للحكامة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية

تبدو العواقب البعيدة المدى للحكامة القائمة على الذكاء الاصطناعي على الديمقراطية والحرية في العالم العربي مثيرةً للقلق الشديد، فمع تزايد دمج تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي في أنظمة الحكامة، فإن خطر إساءة استخدامها من الأنظمة السلطوية، في ظلّ غياب الأطر الأخلااقية والتنظيمية، واختلاال موازين القوى الوطنية والدولية، من شأنه أن يتزايد مستقبال.ا بل إنّ استخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة المواطنين والسيطرة عليهم من شأنه أن يزيد من درجة السلطوية في هذه البلدان، مع بروز "السلطوية الرقمية"، الموسومة باستخدام الحكومات التكنولوجيا لقمع المعارضة وحفاظها على السلطة إلى أجل غير مسمى. وقد يؤدي هذا إلى مزيد من تآكل المُثل الديمقراطية، وترسيخ الحكم السلطوي في المنطقة. ومع ذلك، يجدر التذكير بأن الذكاء الاصطناعي يمتلك أيضًا القدرة على تحسين الشفافية والمساءلة في الحكامة، على سبيل المثال، من خلاال تحليل بيانات الحكامة، وتحديد أنماط الفساد أو عدم الكفاءة. لكن لكي يكون ممكنًا استغلاال إمكانات الذكاء الاصطناعي لتحقيق نتائج حكامة إيجابية، من الضروري إنشاء أطر تنظيمية قوية، تحمي حقوق الإنسان، وتضمن المساءلة. وفي غياب الشروط الذاتية في المنطقة العربية لانبثاق هذه الأطر، تؤدي المنظمت الدولية، على غرار الأمم المتحدة، دورًا حاسمًا في هذا الصدد، من خلاال تطوير المعايير العالمية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الحكامة. وعلااوة على ذلك، من المهم تأطير عمل شركات التكنولوجيا العالمية الكبرى، وتمكين منظمت المجتمع المدني في المنطقة العربية من مراقبة استخدام الحكومات للذكاء الاصطناعي.

  1. Marwa Fatafta, "Transnational Digital Repression in the MENA Region," in: Marc Lynch (ed.), Digital Activism and Authoritarian Adaptation in the Middle East (Washington, DC: Project on Middle East Political Science, 2021), pp. 41-47. أ. دور المنظمت الدولية في تعزيز الحكامة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي

تؤدّي المنظمت الدولية دورًا حاسمًا في تعزيز الحكامة الأخلااقية للذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية. وقد كانت الأمم المتحدة، على وجه الخصوص، في طليعة الجهود الرامية إلى تطوير معايير عالمية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الحكامة. ففي عام 2021، اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قرارًا يدعو إلى فرض وقفٍ مؤقت لاستخدام تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي التي تشكل خطرًا على حقوق الإنسان38. وفي حزيران/ يونيو 2024، أنشأت مفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان مركز الابتكار والتحليل بهدف الاستفادة من التحول الرقمي والبيانات والتحليلاات والابتكارات، وإيجاد حلول مستدامة تعزز حقوق الإنسان وتحميها39. كم تجدر الإشارة إلى "اللاائحة الأوروبية بشأن الذكاء الاصطناعي" التي سنّها الاتحاد الأوروبي في آب/ أغسطس 2024، والتي توفّر إطارًا قانونيًا بشأن الذكاء الاصطناعي، ينصّ على قواعد محدّدة من المخاطر لمطوري الذكاء الاصطناعي ومستخدميه، وقد اعتبرت منظمة العفو الدولية هذه اللاائحة نموذجيةً لباقي العالم40. بيد أن هذه الخطوات المعيارية المهمة نحو إرساء معايير دولية للااستخدام الأخلااقي للذكاء الاصطناعي في الحكامة، يلزم استكملها بخطواتٍ عملية، أي بإنفاذها. فمسألة الإنفاذ تكتسي أهميةً كبرى؛ إذ غالبًا ما تكون فاعلية المنظمت الدولية في تعزيز الحكامة الأخلااقية للذكاء الاصطناعي محدودةً بسبب الافتقار إلى آليات التنفيذ، من معايير قابلة للتنفيذ، وتدابير عملية للمساءلة، وليس فقط قواعد إرشادية بلااغية لحمية حقوق الإنسان41. فعلى الرغم من أن الأمم المتحدة قادرة على إصدار القرارات والمبادئ التوجيهية، فإنها لا تتمتع إلا بسلطة محدودة في فرض هذه المعايير على الدول الأعضاء. وتسلّط هذه المسألة في السياق الدولي المعاصر الضوء على الحاجة إلى آليات دولية أقوى لضمن الامتثال لمعايير حكامة الذكاء الاصطناعي الأخلااقية42.

  1. الأمم المتحدة، مجلس حقوق الإنسان، الحقّ في الخصوصية في العصر الرقمي (جنيف.)2021:
  2. مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، "دعوة إلى البرمجة: حلول الذكاء الاصطناعي تعزز حقوق الإنسان"، 2024/12/17، شوهد في 2025/3/13، في: https://acr.ps/1L9zQzd
  3. ديفيد نولان وهاجرة مريم ومايكل كلااينمان، "تنظيم الذكاء الاصطناعي: مهمة مُلحة ولكنها صعبة"، منظمة العفو الدولية، 2024/1/23، شوهد في 2025/3/3، في: https://acr.ps/1L9zQIO
  4. Sakiko Fukuda-Parr & Eli Gibbons, "Emerging Consensus on 'Ethical AI': Human Rights Critique of Stakeholder Guidelines," Global Policy, vol. 12 (2021), pp. 32-44.
  5. تجدر الإشارة إلى اقتران دور المنظمات الدولية بدور المنظمات الإقليمية في تعزيز الحكامة الأخلااقية للذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية. ونشير في هذا الصدد إلى بعض المبادرات المهمة مثل مبادرة "مبادئ أخلااقيات الذكاء الاصطناعي"، يُنظر: الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (الإصدار الأول) (الرياض: سدايا، 2023). إّلا أن السؤال الحقيقي، ما وراء هذه التشريعات المعيارية، يكمن، هنا أيضًا، في مسألة الاندماج الإقليمي في المنطقة العربية، وإنفاذ أنظمتها ومقرّراتها. ب. دور شركات التكنولوجيا العالمية

يُضاف إلى ذلك ضرورة التنسيق والشمول؛ فمن جهة، لا يمكن أن يؤدي تشتّت الجهود إلى نتائج ملموسة. فحاليًا، توجد أكثر من 160 مجموعة من أخلااقيات الذكاء الاصطناعي ومبادئ الحكامة43، ولكن لا توجد منصة مشتركة أو آليات موحّدة تجمع هذه المبادرات المختلفة. ومن جهةٍ أخرى، يمكن ملااحظة نشأة معظم هذه المبادرات والتنسيقيات والقواعد الإرشادية التي تنتج منها من دول الشمل الكبير، التي أغلبها أعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بينم لا تزال آراء دول الجنوب الكبير ضعيفة التمثيل، مع وجود مخاطر بأن يفضي ذلك إلى "نيوكولونيالية خوارزمية" جديدة44. وفي هذا الصدد، يؤكّد التقرير الأخير للأمم المتحدة "حوكمة الذكاء الاصطناعي من أجل الإنسانية" على الحاجة الماسّة إلى حكامةٍ عالمية للذكاء الاصطناعي، تتلاافى فخّ الفجوة الرقمية بين الشمل الكبير والجنوب الكبير45. ويقدم التقرير عددًا من المقترحات العملية، تتمثّل في إطلااق فريق علمي دولي معني بالذكاء الاصطناعي لمراقبة التطورات وتحليل المخاطر والفرص، وإنشاء حوار سياسي دولي يجمع الحكومات وأصحاب المصلحة لمناقشة أفضل ممرسات الحكامة، وتأسيس منبر لمعايير الذكاء الاصطناعي لتوحيد المعايير العالمية وتعزيز القابلية للتشغيل البيني، وإقامة شبكة عالمية لتنمية القدرات لدعم الدول النامية في تبني الذكاء الاصطناعي، وإنشاء صندوق عالمي للذكاء الاصطناعي لتمويل المشروعات الهادفة إلى تسخير الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية المستدامة، ووضع إطارٍ عالمي لبيانات الذكاء الاصطناعي لتعزيز توافر البيانات وتحقيق الشفافية والمساءلة في استخدامها، وأخيرًا تأسيس مكتب للذكاء الاصطناعي داخل الأمم المتحدة لتنسيق الجهود الدولية ودعم تنفيذ المبادرات المقترحة46.

لا يمكن إغفال دور شركات التكنولوجيا العالمية، بوصفها فا علا رئيسًا في هذه الديناميات، في توفير تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي للحكومات العربية. فقد تورطت شركات مثل "هواوي" (Huawei)، أو "بالانتير" (Palantir)، أو "إن إس أو" (NSO)، في توفير أدوات المراقبة للأنظمة السلطوية في المنطقة47. وغالبًا ما تعمل هذه الشركات في ظلّ قدر ضئيل من الرقابة؛ ما يسمح للحكومات بنشر تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي بطرائق تنتهك حقوق الإنسان من دون مساءلة. ويثير تواطؤ شركات التكنولوجيا العالمية في انتهاكات حقوق الإنسان أسئلةً أخلااقية عديدة بشأن مسؤوليتها في حكامة الذكاء الاصطناعي.

  1. أنيتا جورومرثي [وآخرون]، ما وراء مفترق الشمال والجنوب في الطريق نحو إدارة الذكاء الاصطناعي: خطة عمل من أجل توزيع ديمقراطي ونزيه (باريس: منتدى باريس للسلاام، 2022)، ص.9
  2. Shakir Mohamed, Marie-Therese Png & William Isaac, "Decolonial AI: Decolonial Theory as Sociotechnical Foresight in Artificial Intelligence," Philosophy & Technology, vol. 33 (2020), pp. 659-684.
  3. الأمم المتحدة، حوكمة الذكاء الاصطناعي من أجل الإنسانية (التقرير النهائي) (نيويورك.)2024:
  4. المرجع نفسه.
  5. Zuboff. ج. تأثير الذكاء الاصطناعي في الجمعات الأهلية الهامشية د. دور المجتمع المدني في مكافحة السلطوية المدعومة بالذكاء الاصطناعي

فحتى اليوم، ظلّت الجهود المبذولة لتنظيم تصدير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي إلى الأنظمة السلطوية محدودةً للغاية. وعلى الرغم من أن بعض البلدان فرضت ضوابط تصديرية على تكنولوجيات المراقبة، فإن هذه التدابير غالبًا ما تكون غير كافية و/ أو غير مطبقة على نحو جيد، و/ أو يجري تجاوزها بطرائق ملتوية عديدة48. ومن ثمّ، تبرز الحاجة الملحّة إلى تعزيز القواعد الدولية لمنع إساءة استخدام تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي من الأنظمة السلطوية في المنطقة العربية. وقد يشمل ذلك إنشاء معاهدة دولية تحدد معايير واضحة لتصدير تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي واستخدامها في الحكامة.

يثير تأثير الحكامة القائمة على الذكاء الاصطناعي في الجمعات الأهلية الهامشية في المنطقة العربية قلقًا خاصًا في ظل استمرار سيادة الطائفية والتفكّك المجتمعي والسياسي. فغالبًا ما تعكس خوارزميات الذكاء الاصطناعي تحيزات مُنشئيها؛ ما يؤدي إلى استهداف غير متناسب للأقليات. ويؤثر استخدام الذكاء الاصطناعي في الشرطة التنبئية أيضًا على نحو غير متناسب عندما يتعلّق الأمر بالجمعات الأهلية المهمّشة. وتؤدي هذه الممرسات إلى تفاقم التفاوتات الاجتمعية القائمة، والاستبعاد الاجتمعي، وتقويض الجهود الرامية إلى تعزيز العدالة الاجتمعية في المنطقة.

تؤدي منظمت المجتمع المدني دورًا حيويًا في مكافحة الآثار السلبية للحكامة القائمة على الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية، في ظلّ استمرار اتساع الفجوة بين المواطن والدولة49. وكثيرًا ما تكون هذه المنظمت في طليعة الجهود الرامية إلى حمية حقوق الإنسان وتعزيز الحكم الديمقراطي50. بيد أنّ هذه المنظمت تواجه تحدياتٍ كبيرة في جهودها الرامية إلى مكافحة السلطوية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. فقد طبقت العديد من الحكومات قوانين تقييدية تحدّ من أنشطة منظمت المجتمع المدني؛ ما يجعل من الصعب عليها العمل على نحو فعال. وعلااوة على ذلك، غالبًا ما تفتقر منظمت المجتمع المدني إلى الخبرة التقنية اللاازمة لفهم استخدام الحكومات لتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي ومواجهتها.

  1. Steven Feldstein, The Global Expansion of AI Surveillance (Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace, 2021).
  2. Intissar Fakir & Sarah Yerkes, "Governance and the Future of the Arab World," Carnegie Endowment for International Peace (October 2018), accessed on 3/3/2025, at: https://acr.ps/1L9zRlB
  3. Anwar Mhajne, "The State of Civil Society in MENA after the 2011 Uprisings," Arab Center Washington DC (April 2024), accessed on 3/3/2025, at: https://acr.ps/1L9zQZv

2. مستقبلات الذكاء الاصطناعي وحكامة حقوق الإنسان في المنطقة العربية

من المرجح أن يتشكل مستقبل الذكاء الاصطناعي والحكامة في المنطقة العربية من خلاال عدد من العوامل، تشمل التقدم التكنولوجي، والتطورات السياسية، والضغوط الدولية. ومع استمرار تطور تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي في أبعاد غير معروفةٍ اليوم حدودها، فإن خطر إساءة استخدامها من الأنظمة السلطوية سوف يتزايد. ومع ذلك، توجد أيضًا فرص لاستخدام الذكاء الاصطناعي بطرائق تعزّز الشفافية والمساءلة والحكامة الديمقراطية. أحد السيناريوهات المستقبلية المحتملة هو تعزيز "السلطوية الرقمية"، حيث تستخدم الحكومات تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز سيطرتها الصارمة على شعوبها. وفي هذا السيناريو، ستصبح تقنيات المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والشرطة التنبئية، والرقابة، أكثر تطورًا؛ ما سيسمح للحكومات بقمع المعارضة، وإزاحة المشاريع البديلة للتغيير، والبقاء في السلطة إلى أجل غير مسمى. ومع تزايد تطور تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، قد تتمكن الأنظمة العربية القائمة في هذا السيناريو من استباق المعارضة من خلاال التحليلاات التنبئية؛ ما يؤدي إلى مزيدٍ من تآكل المكوّن المدني. كم أنّ خصخصة تقنيات المراقبة قد تؤدي أيضًا إلى تأجيج القمع عبر الحدود51. وقد يؤدي هذا إلى مزيدٍ من تآكل المُثل الديمقراطية وترسيخ الحكم السلطوي على نحوٍ أكبر في المنطقة العربية. وفي المقابل، يظلّ السيناريو المستقبلي لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الشفافية والمساءلة في الحكامة يحتفظ بمشروعيته. وفي هذا السيناريو، سيتم استخدام هذه التقنيات لتحليل بيانات الحكامة، وتحديد أنماط الفساد أو عدم الكفاءة. ومن شأن ذلك أن يساعد على بناء الثقة في المؤسسات والمُثل الديمقراطية، وتعزيز فرص الانتقال الديمقراطي. ويمكن أن يستفيد الذكاء الاصطناعي في هذا المشهد المستقبلي من البيانات المفتوحة، وعمليات التدقيق العامة القائمة على تقنية البلوك تشين، لتحسين شفافية الحكامة. ومع ذلك، يتطلب هذا السيناريو إنشاء أطرٍ تنظيمية قوية لضمن استخدام تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي بطريقة تحترم حقوق الإنسان، وتعزز القيم الديمقراطية. ومن هذا المنظور، وعلى الرغم من أن التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي والحوسبة الكمومية قد يؤدي إلى تفاقم التضليل الإعلاامي، فإنه من المرجح أيضًا أن يعمل على تمكين المقاومة اللاامركزية.

  1. كما يتضح من تصدير برامج التجسس من الإمارات إلى السلطويات الأخرى في المنطقة: Freedom House, Freedom on the Net 2022: Countering an Authoritarian Overhaul of the Internet (Washington, DC: Freedom House, 2022).

ويرتهن كلاا المشهدين المستقبليين إلى حد بعيد بدرجة "الحكامة العالمية الاستباقية والتعاونية والمتمركزة حول الإنسان"52 التي سيجري إرساؤها، لضمن التحول العادل والمفيد لاستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يصبّ في مصلحة تعزيز حقوق الإنسان على المدى الطويل.

خاتمة

تمنح المقاربة المتمحورة حول الإنسان في حكامة الذكاء الاصطناعي الأولوية لكرامة الأفراد واستقلااليتهم ورفاههم على الكفاءة التكنولوجية، وهو ما يتطلب إشراك مختلف الأطراف الفاعلة، لا سيم منظمت المجتمع المدني، والأوساط الأكاديمية، والجمعات الأهلية المتضرّرة، في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي وتنفيذها. ويمكن أن تساعد نماذج الحكامة التشاركية هذه في مواجهة تركيز السلطة في أيدي عددٍ قليل من شركات التكنولوجيا، وضمن أن يخدم الذكاء الاصطناعي المصلحة العامة. ويعدّ التعليم وبناء القدرات عناصر أساسية في المقاربة المتمحورة حول الإنسان؛ إذ يحتاج صناع السياسات والهيئات التنظيمية والممرسون إلى تطوير فهم عميق لتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي ومبادئ حقوق الإنسان للتعامل بفاعلية مع تعقيدات هذا التقاطع. وتُظهِر في هذا الصدد مبادرات مثل منصة الأمم المتحدة "الذكاء الاصطناعي من أجل تحقيق الخير" (Good for AI)، الإمكانات الكامنة للجهود التعاونية الرامية إلى تسخير الذكاء الاصطناعي لتحقيق تأثير اجتمعي إيجابي. وفي الحصيلة، يطرح استخدام الذكاء الاصطناعي في الحكامة في المنطقة العربية فرصًا وتحديات عدّة؛ ففي حين أن استخدامات الذكاء الاصطناعي المتمحورة حول الإنسان تمنح القدرة على تحسين السلاامة والكفاءة، فإن استخداماتها في المراقبة، والشرطة التنبئية، والرقابة، وحملاات التضليل تظلّ هي الغالبة، لتشكّل تهديدًا كبيرًا لحقوق الإنسان والحريات المدنية في المستقبل. ومن ثمّ، تبدو العواقب الطويلة الأمد للحكامة القائمة على الذكاء الاصطناعي على الديمقراطية والحرية في العالم العربي مثيرة للقلق؛ لأنّ خطر إساءة استخدامها من الأنظمة السلطوية يظلّ كبيرًا. ومع ذلك، يظل الذكاء الاصطناعي يحتفظ بالقدرة على تحسين شفافية الحكامة والمساءلة، شريطة إنشاء أطر تنظيمية قوية لحمية حقوق الإنسان، وضمن إنفاذها. تقف المنطقة العربية بذلك اليوم عند مفترق طرق؛ إذ يمكن أن يعمل الذكاء الاصطناعي على تعميق السيطرة السلطوية أو تحفيز الانتقال الديمقراطي وتعزيز احترام حقوق الإنسان. ويتطلب ضمن تحقيق هذا الهدف

  1. Organisation de Coopération et de Développement Économiques, (OCDE), Les avenirs de la gouvernance mondiale de l'IA: Concevoir ensemble une approche à l'appui de la transformation des économies et des sociétés (Paris: OCDE, 2024).
  2. International Telecommunication Union (ITU), AI for Good Global Summit Report (Geneva: ITU, 2020).

إعادة النظر في نماذج الحكامة لإعطاء الأولوية لحقوق الإنسان، وتعزيز المشاركة المدنية، ومحاسبة السلطة؛ ومن دون اتخاذ إجراءات عاجلة من اليوم، قد يصبح المستقبل الرقمي أداةً للقمع وليس للتحرّر.

المراجع

العربية

الأمم المتحدة، مجلس حقوق الإنسان. الحقّ في الخصوصية في العصر الرقمي. جنيف.2021:

الأمم المتحدة. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948. نيويورك.2015:

________. حوكمة الذكاء الاصطناعي من أجل الإنسانية. التقرير النهائي. نيويورك.2024:

جورومرثي، أنيتا [وآخرون]. ما وراء مفترق الشمل والجنوب في الطريق نحو إدارة الذكاء الاصطناعي: خطة عمل من أجل توزيع ديمقراطي ونزيه. باريس: منتدى باريس للسلاام،.2022

ماركزاك، بيل [وآخرون]. "لعبة الغمّيضة: تتبع عمليات برنامج بيغاسوس من شركة NSO في 45 دولة". سيتيزين لاب/ جامعة تورنتو. 2018/9/18:. في https://acr.ps/1L9zQSe

مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان. "دعوة إلى البرمجة: حلول الذكاء الاصطناعي تعزز حقوق الإنسان." 2024/12/17:. في https://acr.ps/1L9zQzd الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي. مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي. الإصدار الأول. الرياض: سدايا،.2023

الصافي، ياسر. "استعملات الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على حقوق الإنسان والحريات العامة". مجلة القانون الدولي للدراسات البحثية. مج 5، العدد 16 (تموز/ يوليو.)2024

الأجنبية

Andrejevic, Mark. Automated Media. New York: Routledge, 2020.

Benjamin, Ruha. Race After Technology: Abolitionist Tools for the New Jim Code.

Cambridge: Polity Press, 2019.

Benkler, Yochai, Robert Faris & Hal Roberts. Network Propaganda: Manipulation,

Disinformation, and Radicalization in American Politics. Oxford: Oxford

University Press, 2018.

Brynjolfsson, Erik & Andrew McAfee. The Second Machine Age: Work, Progress,

and Prosperity in a Time of Brilliant Technologies. New York: W.W. Norton &

Company, 2017.

Brynjolfsson, Erik. "The Turing Trap: The Promise & Peril of Human-Like Artificial

(2022). 2 no. ٫151 vol. Daedalus. Intelligence."

Davenport, Thomas, Jeanne G. Harris & Robert Morison. Analytics at Work:

Smarter Decisions, Better Results. Boston: Harvard Business Review Press,

Doshi-Velez, Finale & Been Kim. "Towards A Rigorous Science of Interpretable

Machine Learning." arXiv (2017). at: https://acr.ps/1L9zR5u

Eubanks, Virginia. Automating Inequality: How High-Tech Tools Profile, Police,

and Punish the Poor. New York: St. Martin's Press, 2018.

Fakir, Intissar & Sarah Yerkes. "Governance and the Future of the Arab

World." Carnegie Endowment for International Peace (October 2018).

at: https://acr.ps/1L9zRlB

Feldstein, Steven. The Global Expansion of AI Surveillance. Washington, DC:

Carnegie Endowment for International Peace, 2021.

Ferguson, Andrew Guthrie. The Rise of Big Data Policing: Surveillance, Race, and

the Future of Law Enforcement. New York: NYU Press, 2017.

Foucault, Michel. Surveiller et punir: Naissance de la prison. Paris: Gallimard,

Freedom House. Freedom on the Net 2022: Countering an Authoritarian Overhaul

of the Internet. Washington, DC: Freedom House, 2022.

Fukuda-Parr, Sakiko & Eli Gibbons. "Emerging Consensus on 'Ethical AI': Human

Rights Critique of Stakeholder Guidelines." Global Policy. vol. 12 (2021)

Gillespie, Tarleton. Custodians of the Internet: Platforms, Content Moderation, and

the Hidden Decisions That Shape Social Media. New Haven: Yale University

Press, 2018.

Hood, Christopher & Helen Margetts. The Tools of Government in the Digital

Age. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2007.

International Telecommunication Union, ITU. AI for Good Global Summit

Report. Geneva: ITU, 2020.

King, Gary, Jennifer Pan & Margaret E. Roberts. "How the Chinese Government

Fabricates Social Media Posts for Strategic Distraction, Not Engaged Argument."

American Political Science Review. vol. 111, no. 3 (2017).

Lynch, James. "Iron Net: Digital Repression in the Middle East and North Africa."

European Council of Foreign Relations. 29/6/2022. at: https://acr.ps/1L9zQNi

Lynch, Marc (ed.) Digital Activism and Authoritarian Adaptation in the Middle

East. Washington, DC: Project on Middle East Political Science, 2021.

MacKinnon, Rebecca. "Liberation Technology: China's 'Networked

Authoritarianism'." Journal of Democracy. vol. 22, no. 2 (2011).

Margetts, Helen. "Rethinking AI for Good Governance." Daedalus. vol. 151, no. 2

(Spring 2022).

Martin, Kirsten (ed.). Ethics of Data and Analytics: Concepts and Cases. Boca

Raton: Auerbach Publications, 2022.

Mhajne, Anwar. "The State of Civil Society in MENA after the 2011 Uprisings."

Arab Center Washington DC. (April 2024). at: https://acr.ps/1L9zQZv

Mohamed, Shakir, Marie-Therese Png & William Isaac. "Decolonial AI: Decolonial

Theory as Sociotechnical Foresight in Artificial Intelligence." Philosophy &

Technology. vol. 33 (2020).

Noble, Safiya Umoja. Algorithms of Oppression: How Search Engines Reinforce

Racism. New York: NYU Press, 2018.

Organisation de Coopération et de Développement Économiques (OCDE.). Les

avenirs de la gouvernance mondiale de l'IA: Concevoir ensemble une approche

à l'appui de la transformation des économies et des sociétés. Paris: OCDE,

Pasquale, Frank. The Black Box Society: The Secret Algorithms That Control

Money and Information. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2015.

Persily, Nathaniel. "The 2016 U.S. Election: Can Democracy Survive the Internet?"

Journal of Democracy. vol. 28, no. 2 (2017).

Pierre, Jon & B. Guy Peters. Governance, Politics, and the State. 2 nd ed. London:

Red Globe Press, 2020.

Suliman, Mohamed. "The Deepfake is a powerful weapon in the war in Sudan."

African Arguments. 23/10/2024. at: https://acr.ps/1L9zQqt

Tocqueville, Alexis de. De la démocratie en Amérique, Tome Deuxième. 12 ème  ed.

Paris: Imprimerie Claye et Taillefer, 1848 [1835].

________. De la démocratie en Amérique, Tome Premier. 12 ème ed. Paris:

Imprimerie Claye et Taillefer, 1848 [1840].

Ünver, Akin. Artificial Intelligence (AI) and Human Rights: Using AI as a Weapon

of Repression and Its Impact on Human Rights. European Union In-Depth

Analysis. Brussels: European Union, 2024.

Wilson, Kyra & Aylin Caliskan. "Gender, Race, and Intersectional Bias

in Resume Screening via Language Model Retrieval." arXiv (2024).

at: https://acr.ps/1L9zQNO

Ziadah, Rafeef. "Surveillance, Race, and Social Sorting in the United Arab

Emirates." Politics. vol. 44, no. 4 (2021).

Zuboff, Shoshana. The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human

Future at the New Frontier of Power. New York: PublicAffairs, 2019.