Return to Article Details Characteristics and Techniques of Future Studies most Appropriate for al-Waqf Sector

خصائص الدراسات المستقبلية وأكثر تقنياتها مناسَبة للقطاع الوقفي

Characteristics and Techniques of Future Studies most Appropriate for al-Waqf Sector

سامي الصلاحات

الملخّص

تتناول هذه الدراسة تقنيات الدراسات المستقبلية للقطاع الوقفي، مبرزةً خصائصها. وتقدم نماذج عملية خاصة بالمجال الوقفي لكلٍّ من هذه التقنيات. وبناءً على هذه الخصائص وتحليلها، تخلص الدراسة إلى ترشيح أربع عشرة تقنية من بين تقنيات الدراسات المستقبلية من شأنها أن تعزّز الفهم المشترك، والنظرة المستقبلية لفهم الوقف بوصفه صناعة لها تاريخ عريق عند المسلمين، ولها مستقبل مرجوٌّ يمكن أن يسهم في التنمية المحلية بكل مجالاتها، لا سيما الاجتماعية والاقتصادية، والتي يمكنها أن تخرج بنتائج مهمة، نظرًا إلى انسجامها وقدرتها على إدراك كنه الظاهرة الوقفية وسبر أغوارها، مع إبراز إمكانية الاستفادة من هذه التقنيات مجتمعةً أو منفردةً في دراسة مستقبل الظاهرة الوقفية.

Abstract

Abstract: this study examines the most appropriate futures studies techniques for the al-Wakf sector, highlighting their characteristics specific to the endowment phenomenon. The paper presents practical models for each of these techniques specific to the al-Waqf field. Based on examining and analysing these characteristics, the study concludes by recommending fourteen futures studies techniques for studying the al-Waqf phenomenon. These techniques are intended to enhance a shared understanding and future outlook for understanding al-Waqf as an industry with a long history among Muslims and a promising future that can contribute to local development in all its aspects, particularly social and economic. These techniques can produce results and recommendations for the al-Waqf sector, given their coherence and ability to grasp some of the ambiguity or nature of the al-Waqf phenomenon and explore its depths. The study also highlights the potential for utilizing these techniques, either collectively or individually, in studying the future of the al-Waqf phenomenon.

الكلمات المفتاحية:
  • الدراسات المستقبلية
  • الأوقاف
  • الأحكام الشرعية للأوقاف
  • مستقبل الأوقاف
  • الاستراتيجيات الوقفية
Keywords:
  • Future Studies
  • al-Wakf
  • Sharia Rules for al-Wakf
  • Future of al-Wakf

خصائص الدراسات المستقبلية وأكثر تقنياتها مناسَبة للقطاع الوقفي Characteristics and Techniques of Future Studies most Appropriate for al-Waqf Sector

مقدمة

تتجه العديد من المؤسسات الحكومية والدولية إلى دراسة المستقبل، وتضع خططها الاستراتيجية وتوجهاتها العامة على أساس قراءة المستقبل، وما يمكن أن يحتويه من مسارات ينبغي العمل على إدراكها في وقت مبكر، والاستعداد للتعامل مع تحدياتها وفرصها على نحوٍ استباقي، وقبل المنافسين والخصوم. وتعتبر المؤسسة الوقفية جزءًا واضحًا من هذا الإطار التنافسي، لا سيم أنها تُعدّ من أقدم المؤسسات الاجتمعية والاقتصادية في العالم الإسلاامي، وذات إسهامات وإضافات واضحة في بنية الفكر والحضارة على مدار التاريخ الإسلاامي؛ ما يبرز أهمية أن يكون لها استشراف خاص بها، قائم أساسًا على العلوم الحديثة من خلاال الدراسات المستقبلية، إلى جانب تعدّد الدراسات التي تتناول الظاهرة الوقفية؛ باعتبار الخصوصية الشرعية والقانونية والمالية التي تتعلّق بقطاع الوقف. وإذا جرت مراعاة هذه الخصوصية، فإنه يمكن الانفتاح على كل تقنيات الدراسات المستقبلية، مع مراعاة التقنيات الأكثر مناسَبةً للقطاع الوقفي. فهناك العشرات من التقنيات، بعضها قد يكون استخدامه وتطبيقه على الظاهرة الوقفية معدوم الفائدة، أو لا يحقق نتائج مرجوّة في الكشف عن مؤشرات مستقبلية مرجحة للأداء الوقفي المؤسسي. وربما كان من أكثر التقنيات التي يمكن التعويل عليها في هذا المسعى تقنيات العصف الذهني، والسيناريو، وتقنية دلفي، ونظرية المباراة، والتنبؤ الاستقرائي، ومصفوفة التأثير المتبادل، وتقنية دولاب المستقبلاات، وتقنية المحاكاة، وتقنية شجرة العلاائق. تبدأ الدراسة بضبط خصائص الدراسات المستقبلية التي تختص بالظاهرة الوقفية، ثم ترشيح أهم التقنيات التي من شأنها أن تعزّز الفهم المشترك، والنظرة المستقبلية لفهم الوقف بالنظر إلى أنه صناعة ذات تاريخ عريق عند المسلمين، وذات مستقبل مرجوّ أيضًا يمكن أن يسهم في التنمية المحلية بكل مجالاتها، لا سيم الاجتمعية والاقتصادية.

أولًا: خصائص الدراسات المستقبلية لقطاع الوقف

لم يعد الاهتمم العالمي بالدراسات المستقبلية مقتصرًا على الدول المتقدمة، أو المؤسسات العالمية الضخمة، بل صار يشمل الدول النامية، بما فيها من مؤسسات حكومية وخاصة؛ إذ تُعدّ الدراسات المستقبلية حاجةً ملحّة للكشف عن التحديات والفرص القادمة. ولولا هذا النوع من الدراسات لوقعت العديد من الدول والمؤسسات في مشاكل حقيقية لم يكن هناك أيّ فرصة لتقديم حلول مسبقة لها. ومن أجل هذا، يمثّل الزمن والتغيير معًا محور اهتمم الدراسات المستقبلية التي تُعنى أساسًا ب "رصد التغير عبر الزمن، حيث إنّ مستقبل أيّ ظاهرةٍ سياسية أو اقتصادية مرهون بطبيعة التغيرات التي ستصيبها عبر الزمن القادم"1؛ ما يجعل من التدبّر في استخدام آليات وتقنيات يمكن أن تساهم بحل جدلية الزمن والتغيير على نحوٍ يسهل على الراصد أو المتابع ملااحظة أي إشاراتٍ وإرهاصات كي يسجلها، حتى يرسم صورة مستقبلية لأي ظاهرةٍ يبحث فيها، أمرًا ذا أهمية.

  1. وليد عبد الحي، مدخل إلى الدراسات المستقبلية في العلوم السياسية (عمان: المركز العلمي للدراسات السياسية، 2002)، ص.26

ولكي نتمكن من دراسة الظاهرة الوقفية، فنحن ملزمون بقراءة المعرفة بكل أزمنتها، من الماضي إلى الحاضر، وجمع البيانات والمعطيات، وغربلة المعلومات على نحوٍ تقني احترافي، لا سيم من خلاال ما يلي: أولًا، "الاستقراء " (Induction): يكون استنتاج الظاهرة الوقفية قائمًا على عدة معطيات وملااحظات، ولكن يمكن أن تؤدي حقيقة غير مهمة إلى تغييرات حادة في الواقع الوقفي، ولهذا ينبغي رصد أيّ معطى أو ملااحظة قد تغير التوجه المستقبلي. ثانيًا، "التفكير الثنائي" Dichotomous(Thinking): يعني أنه إذا كان الشيء صحيحًا فسيكون حاصله صحيحًا، والعكس صحيح. وهذا الافتراض يقلّل من الجهود التحليلية وأهميتها في الدراسات المستقبلية. ثالثًا، "التخصص " (Specializationتكمن): أهميته في أن المعرفة تساعد في تبسيط تحليل الظاهرة الوقفية، وتفكيكها إلى مكونات، وتحديد اتجاهها العام2. إذا صادفت الممرسة البحثية أنماطًا مهمة في التفكير، كالمستقبل الخطي، أو المستقبل الدوري الذي يمثل الصعود والهبوط، أو المستقبل الحلزوني، كأجزاء خطية ومبنية على التقدم، وغيرها، فإنها تعجّل عمليات الكشف عن أهم الاحتملات التي من المفترض أن تحصل مستقبالًا3. وبتعبيرٍ آخر، ينبغي تحقيق نظام استبصار المعلومات الفعال وإدارته، من خلاال جمع البيانات والمعلومات، وترجمتها وصياغتها مستقبليًا، ثم تطوير الخيارات الاستراتيجية، وهذا يلزمه مشاركة العديد من مسؤولي الأوقاف في تبادل المعرفة والمعلومات، والاستعداد لممرسة استباقية بالنظر إلى نمط التفكير4، وهو أمرٌ يعتمد على توفر أدبيات المستقبل والاستشراف. وفي هذا الصدد، توجد عدة دراسات أشارت إلى الاتجاهات النظرية في مناهج الدراسات المستقبلية الحديثة، وركزت على نظريات التنبؤ، ونظريات تمثيل التطلعات المستقبلية، ونظريات تحقيق المرجو أو المرغوب فيه مستقبال، ا ونظريات فهم العمليات الاستباقية، ونظريات النقد المعرفي وغيرها5؛ وكلها نظريات يمكن تطويرها بناء على جدوى الدراسات والمواضيع المطروحة للنقاش. وتتمحور خصائص الدراسات المستقبلية الخاصة بقطاع الوقف حول بعض البنود الرئيسة التي تمثل المؤسسة الوقفية الضاربة في عراقة التاريخ الإسلاامي، والتي لها تواصل حقيقي ومؤثر في الحياة الاجتمعية والاقتصادية والسياسية والثقافية عند المسلمين. ومن ثمّ، لا يمكن أن ندرس مستقبل هذه المؤسسة وأدوارها المختلفة، من دون أن

  1. Yelena V. Muzykina et al., "Expanding Islamic Studies Epistemological Apparatus with Futures Studies," Journal of Futures Studies, vol. 28, no. 3 (March 2024), p. 33.
  2. Sohail Inayatullah, "Futures Studies: Theories and Methods," in: Fernando Gutierrez Junquera et al. (eds. & trans.), There's a Future: Visions for a Better World (Madrid: BBVA, 2013), pp. 36-66.
  3. UNDP Global Centre for Public Service Excellence, Foresight as a Strategic Long-Term Planning Tool for Developing Countries (Singapore: UNDP Global Centre for Public Service Excellence, 2014), p. 4.
  4. Matti Minkkinen, "Theories in Futures Studies: Examining the Theory Base of the Futures Field in Light of Survey Results," World Futures Review, vol. 12, no. 1 (2020), p. 21.

تكون لنا دراية بخصائصها التي ينبغي لكلّ باحث في الدراسات المستقبلية التنبه إليها، ولن تستقيم تقنيات الدراسات المستقبلية التي تدرس الواقع الوقفي في العالم الإسلاامي، أو في دولة من دوله، أو مجتمع من مجتمعاته، من دون معرفة هذه الخصائص، ويمكن أن نذكر من أهمها:

1. الحفاظ على الخصوصية الشرعية

يشكّل الوقف قربة شرعية، ونظامًا يجمع بين طياته أحكامًا تعبدية ومعاملااتية، فضالًا عن سلوك وأخلااق وقيم اجتمعية واقتصادية. ومن ثمّ، فإن أيّ دراسةٍ مستقبلية لواقع قطاع الوقف في مجتمع أو دولة ما، ينبغي أن تختار بعناية تقنياتها التي يجب أن تتوافق مع أحكام الشريعة الإسلاامية. فقد يؤدي التوسع في البحث عن الممكنات الاجتمعية والاقتصادية، من دون الولوج في الضبط الشرعي والقانوني وصيغ التمويل وغيرها، إلى أن نخرج عن الخصوصية الشرعية؛ لا سيم إذا جرى استخدام التقنيات على نحو عام بغير مراعاة لهذه الخصوصية.

2. الإحاطة والشمول

ينبغي أن تلمّ تقنيات الدراسات المستقبلية بالظاهرة الوقفية بكل أبعادها وأشكالها وأنواعها وتداعياتها، حتى نتمكن من الكشف عن رؤية شاملة ومتكاملة لمستقبل الظاهرة الوقفية؛ فلاا تهتم بالأوقاف العامة على حساب الأوقاف الخاصة، ولا تحصر دراستها في الوقف العقاري على حساب الوقف النقدي، ولا تهمل الوقف الإلكتروني وتركز على وقف المنقول فحسب، وغير ذلك من أوجه القصور في دراسة الجزئية على حساب الكلية العامة التي يُفسر بعضها بعضًا. ونحن إذ نقول هذا، فإننا نعتبر أنّ الظاهرة الوقفية أصبحت اليوم ذات بالٍ وأثرٍ في المجتمعات العربية والإسلاامية، وأصبحت تعيش حالةً من التواصل المؤسسي والتأثير المتبادل في الخدمات والمنتوجات والمشاريع، ولم يعد أمر الوقف كم كان سابقًا منحصرًا في وزارة الأوقاف، بوصفه الكيان الرسمي للوقف الذي ترعاه الدولة، بل تعدّدت عناوينه في المجتمع والدولة، وهذا كله بسبب التحول الإيجابي للوقف مجتمعيًا ودوليًا؛ ما يعني ضرورة الإحاطة والشمول في أيّ قراءة مستقبلية تبحث في الوقف وشؤونه، وهو ما يتطلب مراعاة التشابك والتعقيد في الظاهرة الوقفية، بوصفها ظاهرةً منخرطة في المجتمع بكل أشكاله ومجالاته المتنوعة. فدراستها مستقبليًا تعني التعمّق على قدر الظاهرة بطريقة صحيحة، وهو ما يستدعي أيضًا أن يكون الفريق الخاص باستشراف واقع الظاهرة الوقفية ذا قدرةٍ كبيرة على الخيال، أو ما يمكن أن نسميه "العيش في قصة خيالية" (Tale Fairy a in.Living)6

3. الموضوعية والحيادية

من الخصائص المهمة في دراسة المنظومة الوقفية أن يكون الباحث أو الخبير متحيزًا للحقيقة المطلقة، بعيدًا عن أيّ تحيّز أو ميول شخصية أو فئوية أو غير ذلك مم يجعل دراسة الأوقاف دراسة مستقبلية أمرًا متعذّرًا. وهو ما يدفعنا إلى

  1. Michio Haku, Physics of the Future: How Science will Shape Human Destiny and our Daily Lives by the Year 2100 (New York: Doubleday, 2011), p. 25. المصدر: من إعداد الباحث.

التمييز بين ثلااثة أبعاد مختلفة للمسارات بالنسبة إلى ظاهرة المسارات المستقبلية7: أ. الممكن: هو الاحتمل الذي يمكن أن تأخذه الظاهرة الوقفية، ويشتمل الواقع على مؤشرات كافية لتحققه. ب. المحتمل: هو أحد احتملات تطور الظاهرة، لكن مؤشرات هذه الاحتملات ليست كافية في الواقع. ج. المفضّل: هو الاحتمل الذي نرغب في أن تتطور الظاهرة نحوه، ولكن المقومات الموضوعية لتحققه محدودة إلى حدّ بعيد.

تضع الدراسات المستقبلية كلّ الاحتملات أمام المؤسسة الوقفية، وفي النهاية يجري ترجيح احتمل من الاحتملات على الأخرى. فالدراسات المستقبلية ينبغي أّلا تكون منحازةً مطلقًا، بل ترسم كل الاحتملات؛ ثم يأتي دور المؤسسة إنّ دراسة أي ظاهرة إنسانية بأبعادها المجتمعية أو الاقتصادية أو السياسية ينبغي أن تمتاز بالحيادية المطلقة، وأّلا يشوبها الفكر المنحاز أو الرغبة المسبقة، وينبغي أن تمتاز دراسة الظاهرة الوقفية بالحيادية كي نستطيع أن نبني عليها توجهاتنا الاستراتيجية لاحقًا8. وهذا يستدعي بناء السيناريوهات المحتملة، ثمّ رسم التخطيط الاستراتيجي لاحقًا لصناعة مستقبل مرغوب فيه للظاهرة التي تكون محل الدراسة؛ وهذا ما يمكن أن نسميه بالنبوءة الاستراتيجية التي تأتي لاحقًا بوصفها أداة متممة للأداء الاستشرافي، كم يبّين ذلك الشكل.)1(

الشكل (1) النبوءة الاستراتيجية في الدراسات المستقبلية

الوقفية في عملية التخطيط الاستراتيجي، فتحدّد غايتها ومحاورها وأهدافها. وفي هذه المرحلة، سيكون الانحياز إلى المؤسسة واضحًا. وهنا نسجل أيضًا أنّ من خصائص الدراسات المستقبلية للأوقاف أنها تساعد في مجال التعليم

  1. عبد الله العلي، "الدراسات المستقبلية في الفكر العربي: الواقع والتحديات"، المجلة العربية للإدارة، مج 45، العدد 3 (أيلول/ سبتمبر 2025)، ص.6
  2. سينثيا واغنر، الاستشراف والابتكار والاستراتيجية، ترجمة صباح الدملوجي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص.477

الذاتي ومعالجة القصور من خلاال النتائج وتحديث البيانات.

4. تعدد أساليب الدراسة الكمية والنوعية في التحليل والاستنباط

إنّ القطاع الوقفي منفتحٌ على كل الأساليب الكمية والنوعية، وسبب ذلك أن التشعب الوقفي في معظم أطراف المجتمع والدولة عميق ومتجذر؛ ما يستدعي وجود عدة أساليب وتقنيات للكشف عن كل الاعتبارات المعرفية التي تكشف استشراف الظاهرة. فالظاهرة الوقفية واقعها مثل واقع أيّ ظاهرة دينية اجتمعية اقتصادية ذات تشعّبات سياسية وثقافية ومالية وقانونية؛ ما يجعل تحديد مستويات تفاعلها قبل الخروج بتصور عن ملاامح مستقبلها أمرًا ذا أهمية، ومن أهمها ما يلي9: أ. "الحدث" (Event): يعني الوقائع والأحداث التي تقع في قطاع الوقف، سواء أكانت اقتصادية أو سياسية أو اجتمعية، وهي أساس لما بعده من مستويات. ب. "الاتجاه الفرعي " (Sub-Trendيكون،): على سبيل المثال، في تصاعد الأوقاف الخاصة بين العائلاات الغنية في مجتمعات شبه الجزيرة العربية، خفًا لتناقصها في مجتمعات عربية ذات موروث اشتراكي. فالشركات العائلية سمة واضحة في كل المجتمعات المسلمة، ولكن تأسيس الأوقاف العائلية على نحو ملحوظ في مجتمعات شبه الجزيرة العربية يمثّل توجّهًا فرعيًا. ج. "الاتجاه" (Trend): هو مجموع الاتجاهات الفرعية في قطاع الأوقاف التي يوجد بينها ترابط وتداخل، فنجد، مثال، ا تزايد الأوقاف الخاصة بين العائلاات الغنية في منطقة شبه الجزيرة العربية، ثم تزايد مراكز الاستشارات الوقفية في المنطقة، مع تنظيم القوانين والتشريعات الوقفية، وغيرها. وكلها تُظهر تزايد الاهتمم بقطاع الوقف في منطقة الخليج. د. "الاتجاه الأعظم " (Mega-Trendيعني): تشكيل مجموع الاتجاهات تحولًا واضحًا من شأنه أن يحدث تغييرًا في المستقبل. وبناءً على المثال السابق، نرى أن الصناعة الوقفية في دول شبه الجزيرة العربية أصبحت ريادية، وأصبحت تقود توجهات الأوقاف في العالم الإسلاامي. وتجدر الإشارة إلى أنّ "استقراء الاتجاه" (Trend Extrapolationقائم في كل المراحل، ويزداد) كلم انتقلنا من الأسفل إلى الأعلى، وصولًا إلى تحديد الاتجاه الأعظم.

  1. يُنظر في ذلك: وليد عبد الحي، "تكامل التقنيات المنهجية الكمية والكيفية في الدراسات المستقبلية"، في: استشراف للدراسات المستقبلية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016 ص 38)،؛ وليد عبد الحي، مناهج الدراسات المستقبلية وتطبيقاتها في العالم العربي (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2007)، ص 14؛ محمد خميس، "الخيارات المعرفية والمنهجية في بناء السيناريوهات لدى المدارس الاستشرافية"، في: استشراف للدراسات المستقبلية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016 ص) 115؛ وينظر أيضًا:، Rolf Kreibich, Britta Oertel & Michaela Wölk, "Futures Studies and Future-oriented Technology Analysis: Principles, Methodology and Research Questions," HIIG Discussion Paper Series, Discussion Paper 2012-05, October 2011, p. 10; Dana Mietzner & Guido Reger, "Advantages and Disadvantages of Scenario Approaches for Strategic Foresight," International Journal Technology Intelligence and Planning, vol. 1, no. 2 (2005), pp. 220-239.

5. قابلية الظاهرة الوقفية لكل العلوم والتخصصات في الكشف عن مستقبلها

تُعدّ الظاهرة الوقفية ظاهرةً إنسانية اجتمعية اقتصادية بحسب ملاامحها وأشكالها، وهي ظاهرة تستفيد من كل العلوم والمعارف والأدوات الإدارية؛ ما يجعل من قدرتها على الاستفادة من هذه العلوم والمعارف مدخالًا لتعزيز حاضرها بأفضل النتائج، والعمل للكشف عن مستقبلها القريب بكل العلوم والمعارف المتاحة، وهو ما يجعلنا نراعي مدى التعقيد في الظاهرة الوقفية التي تعتمد على نحو متعدد ومتباين على مجالات مختلفة، مثل المجال الديني، والقانوني، والمالي، والاجتمعي، والاقتصادي، والسياسي، وغيره؛ ما يجعل الدراسات الاستشرافية ذات قدرة على فهم هذه المجالات أو العلوم أو المعارف، باعتبارها ظاهرةً مركّبة، وليست ظاهرةً مجرّدة. يُضاف إلى ذلك أنّ القراءة المستقبلية للوقف ملزمة بفهم ماضيه وحاضره، للتمكّن من وضع مؤشرات مستقبلية له؛ ذلك أنّ بعده التاريخي أيضًا في غاية الأهمية. وهو ما يعني أنّ الدراسة الاستشرافية للوقف ينبغي أن تمتاز بنوع من "الاحتملية والقدرة على التنبؤ" (Predictability and Probability)، وهذا يستدعي مشاركةً أوسع في فهم الظاهرة وإدراكها.

6. ضرورة مشاركة الجهات الفاعلة في تطوير أعمل مؤسسة الوقف مستقبليًا

تُعدّ مؤسسة الوقف مؤسسةً متشعبةً مجتمعيًا واقتصاديًا؛ وهو ما يعني أنّ الجهات الفاعلة من داخل المؤسسة أو خارجها لها دورٌ واضح في تطوير أعملها. وقد ثبت أن نجاح العديد من مؤسسات الوقف كان يعتمد على قدرتها على إقامة الشراكات الحقيقية والاستراتيجية مع أصحاب المصالح، ولهذا فإن إمكانية مشاركة أصحاب العلااقة في رسم ملاامح مؤسسة الوقف مستقبليًا سيكون واضحًا وفع ل، ا ويعتبر إحدى خصائص الاستشراف الوقفي. وينبغي أخذ دور أصحاب العلااقة مع المؤسسة الوقفية في الحسبان؛ فهم جزء حقيقي من الشراكة مع هذه المؤسسة، ولهم دور في تحديد مستقبلها، نظرًا إلى الصلاات والأعمل المشتركة معها. وبتعبير آخر، لا يمكن أن تنجح دراسة مستقبلية من دون أن يكون البعد الجمعي متحققًا فيها، أو ما يمكن أن نسميه "التفكير الجمعي" (Group)Thinking10؛ فأصحاب المصلحة دائرة واسعة مهمة. كم أنّ رصد مؤشرات المستقبل للظاهرة الوقفية بروح الفريق الجمعي هو مؤشر مهم.

7. دينامية القراءة الاستشرافية للظاهرة الوقفية

إن الظاهرة الوقفية هي ظاهرة إنسانية متحركة؛ لذا، ينبغي أن تختصّ القراءة بالقدرة والدينامية على التطور والتكيف والتأقلم مع أيّ خصوصية وقفية في أيّ مكان وأيّ زمان، وهذا الذي يميز القراءة المستقبلية التي تنظر إلى الوقف بوصفه جهدًا إنسانيًا متغيرًا، يتطور وينتكس، ويصعد وينخفض؛ ما يجعل القراءة الاستشرافية تراعي كل هذه الأبعاد وتكون أكثر قربًا في تفسير أحداثه وتوقع ملاامح مستقبله. وأهم ما يمكن أن نلحظه

  1. وائل إسماعيل، "التخطيط العلمي لصنع المستقبل"، دراسات دولية، العدد 47 (2011)، ص.95 المصدر: من إعداد الباحث.

هنا القدرة على رصد التغييرات في بيئة العمل الوقفي؛ إذ إنّ هناك أشك لًا عدة من التغيير الملاازمة للعمل الوقفي، مثل التغير التكنولوجي، والسياسي، والاقتصادي، والاجتمعي. ويتحقق الرصد في المؤسسة الوقفية من خلاال نشوء ظاهرة

الشكل (2) دينامية المؤسسة الوقفية في رصد الظواهر المتغّيةر

وبناءً على ذلك، يكون لمؤسسة الوقف قدرةٌ على التنبؤ بالظواهر أو التحولات الجديدة، ثم القدرة على فهم تركيب الظاهرة وتعقيدها، سواء وُجدت أو اختفت، وكذلك دينامية عالية في المسارات المتوقعة، أو قدرة على إدراك المستقبلاات الممكنة أو المستقبلاات المحتملة، وتحديدًا رصد ما تريده؛ وهو المستقبلاات المرغوب فيها كي تضع خطتها الاستراتيجية وأهدافها العامة. جديدة لم تكن موجودة، أو ظاهرة كانت موجودة ثم اختفت، أو ظاهرة يجري فيها تغيير متسارع، أو وقوع التغيير في هامش الظاهرة وليس في مركزها، كم هو موضح في الشكل.)2(

وبتعبير آخر، فإنّ الدراسات المستقبلية هي "جرس إنذار مبكّر" يساعدنا على تلمّس المشاكل قبل وقوعها، والتهيؤ مسبقًا لوضع الخطط لمواجهتها أو التخفيف من آثارها؛ فمن أهم فوائد الاستشراف "أنه يُعنى بكشف المشكلاات المتوقعة قبل حدوثها، ليتمّ التهيؤ لمواجهتها، ببذل الجهود البحثية، ووضع التراتيب والخطط والسياسات المضادة لمنع وقوع تلك المشكلاات في بداياتها، أو الحدّ من آثارها بعد تقدم خطواتها"11.

  1. مالك المهدي، "مفهوم التنمية الاجتماعية: رؤية مستقبلية"، الدراسات المستقبلية، العدد 17، العدد 1 (2016)، ص.171 والاقتصادية، مج 7، العدد 1 (حزيران/ يونيو 2020)، ص.35 المصدر: من إعداد الباحث.

ثانيًا: تقنيات الدراسات المستقبلية الأكثر مناسَبة للقطاع الوقفي

نعرض في هذا القسم الثاني بعض التقنيات بما يناسب واقع نظام الوقف في الإسلاام وخصوصيته، مع أخذ كل الاحتملات والترجيحات القائمة على مناهج وأساليب علمية في الحسبان. ويُقسم علمء

الشكل (3) المناهج العامة في الدراسات المستقبلية

الدراسات المستقبلية المناهج العامة للتقنيات أو الأدوات التي يمكن استخدامها في إجراء الاستشراف أو الاستبصار المستقبلي إلى عدة أقسام، أبرزها12: 1. المناهج المعيارية أو الإرشادية: تشمل تقنيات السيناريو Scenario()، والعصف الذهني (Brainstorming)، والتدرج السببي، والتنبؤ الرجعي.

  1. عبد الحي، مناهج الدراسات المستقبلية، ص  19؛ ليلى فيلاالي، "توظيف أساليب الدراسات المستقبلية في بحوث الإعلاام والاتصال"، المعارف للبحوث والدراسات التاريخية، العدد 17 (حزيران/ يونيو 2018)، ص 191-184؛ مشاور صيفي، "استشراف المستقبل: أساليب التنبؤ بالمستقبل في التفاعلاات الدولية، السيناريو نموذجًا"، أبحاث قانونية وسياسية، مج 7، العدد 1 (حزيران/ يونيو 2022)، ص 1001؛ العلي، ص 7-6؛ حاتم شبايكي، "عرض أساليب استشراف المستقبل الأكثر استخدامًا في الدارسات المستقبلية"، معارف للعلوم القانونية

2. المناهج الكمية أو الوصفية: تشمل تقنيات دلفي (Technique Delphi)، ودولاب المستقبل، ومصفوفة التأثير المتبادل، والمنحى الجامع، وشجرة العلاائق، والسلسلة الزمنية، والإسقاط. 3. نماذج المحاكاة والمباراة: تشمل تقنية المحاكاة، وتقنية المباراة. 4. النمذجة: تشمل التنبؤ التكنولوجي، وتحليل المضمون.

وتنقسم تقنيات الدراسات المستقبلية، عادة، إلى طرائق كمية وطرائق أخرى كيفية، مع أنّ هناك تداخالًا واضحًا بين هذه التقنيات، لا سيم في مجال التحليل والتفسير والاستنتاجات، كم يوضّح الشكل.)3(

تشكّل هذه المناهج مدخالًا واسعًا وحيزًا مريحًا لتداولها على نحو يخدم القطاع الوقفي؛ فهناك عدة تقنيات يمكن استخدامها بكل سهولة ويسر، ويمكن بمجملها أن تُتيح قراءةً محتملة لمستقبل القطاع الوقفي. ولا شك في أن هذه الأدوات متعددة ومتباينة13، ولكننا سنعتمد الأكثر مناسَبةً وممرسة، علمًا أنّ بعضها ممرس فعالًا داخل أروقة بعض مؤسسات الوقف بحكم التجربة والمعرفة المؤسسية، مثل طريقة "المسح" Surveys() التي تقوم على استطلااع الآراء14، و"العصف الذهني"، وغيرهم. سنقتصر هنا على أفضل التقنيات في الدراسات المستقبلية وأكثرها مناسَبةً لخصوصية الوقف عند المسلمين، حتى إنْ كان مصدر نشأة هذه التقنيات في مجتمعات غير مسلمة. ويشير الجدول (1) إلى أهم هذه التقنيات، مع ذكر تصنيفها، وجوانب الاستفادة منها15.

  1. عبد الحي، "تكامل التقنيات"، ص 29،.34
  2. Jorn Buhring & Ilpo Koskinen, "Beyond Forecasting: A Design-Inspired Foresight Approach for Preferable
  3. عبد الحي، "تكامل التقنيات"،.37 ص Futures," Proceedings of the 2017 IASDR Congress, University of Cincinnati, Cincinnati, 2017, p. 8. المصدر: من إعداد الباحث.
الرقمالتقنيةتصنيف التقنيةالتقنيات التي توظفهاجوانب التوظيف
المسح البيئيكميفيدلفي، المسح النصي،
المشاركة، تنقيب النصوص
تساعد على تحديد الاتجاهات
2مصفوفة التأثير
المتبادل
كميبناء السيناريوتحديد المؤشرات الأكثر تأثيرا والأكثر
تأثرًا في بناء السيناريو
3تنقيب النصكيفيتحليل التدرج السببيتصنيف الخطاب الخاص بالظاهرة
طبقا لما يكشفه تنقيب النص وتحليل
المضمون
4السيناريوكممي - كيفيالتدرج السببي، والمحاكاة
والمباراة، ورسم الطريق
اختبار الفرضيات في السيناريو من
خلاال التقنيات المشار إليها
5تحليل تأثير الاتجاهكميدلفيتحديد احتمالات تحقق السيناريو
الممكن
6مصفوفة التأثيركيفينمذجة النظمتحليل تأثير الوقائع الخارجية
7السيناريوكمي - كيفيالسلااسل الزمنيةتحديد وضع المؤشرات بكيفية تساعد
على صوغ السيناريو
8حالة مؤشر المستقبلكمي - كيفيدلفي وتحليل تأثير الاتجاهتحديد التغيرات وأوزانها وقياس
تذبذبها خلاال فترة زمنية معينة

تشكّل مراحل إعداد الدراسة المستقبلية أهمية خاصة في فكر أيّ مؤسسة أو دولة ترنو إلى صناعة المستقبل؛ فالتفكير والعمل على تدبير ما تطمح إليه العقول تحٍّدٍ واضح في الإرادة والتخطيط. ولكي نتمكن من صناعة مستقبل مرغوب فيه، يجدر بنا التنبّه إلى بعض التقنيات المستقبلية، ومن أهمها جمع البيانات الخاصة بالظاهرة الوقفية من خلاال الدراسات المنشورة أو ورش العصف الذهني. ثمّ عقب تحديد مؤشرات الظاهرة الوقفية، نعمل على قياس التغير في كل مؤشر خلاال فترة مساوية

الجدول (1) أهم تقنيات الدراسات المستقبلية وأكثرها مناسبة لدراسة الظاهرة الوقفية

لفترة الدراسة، والاستفادة من بعض التقنيات، مثل تقنية دلفي، لبيان التأثير المتبادل بين هذه المتغيرات، والاستفادة من رأي الخبراء المتنوعين في هذه الظاهرة. ويوازي هذا الأمر ضبط التوقع المحتمل، ويجاريه قياس مدى الارتباط بين المؤشرات المتعددة، الأكثر تأثيرًا، والأكثر تأثّرًا أيضًا. وسنركّز هنا على بعض التقنيات، مثل دولاب المستقبل، للكشف عن المتغيرات المركزية المؤثرة، مستفيدين من التنبؤ التكنولوجي، وأدواته، مثل

أساليب المباراة الصفرية أو غير الصفرية، أو تحليل المضمون، والمحاكاة، وغير ذلك.

1. المناهج المعيارية أو الإرشادية

على خلااف المنهج الوصفي والكمي، يبدأ المنهج المعياري بالكلّيات، وينتهي بالجزئيات والفرعيات. فالقاعدة هي الأساس؛ وما يخرج عنها، أو عن الكلية، يجري تأويله على خلاافه أيضًا باعتباره استثناءً، وهو ما يتحقّق في الدراسات اللغوية والأصولية. وسنعرض بعض أهم تقنيات هذه المناهج، وهي العصف الذهني، والسيناريو، وتحليل التدرج السببي، والتنبؤ العكسي).Backcasting(

تُعد تقنية العصف الذهني من تقنيات الدراسات المستقبلية، ومن أساليب التفكير الإبداعي والابتكاري للتوصل إلى أفكار ورؤى جديدة لحلّ المشكلاات، أو تعزيز الابتكارات، على نحو جمعي. وهي تقنية قديمة جدًا تتمثّل في عملية نقاش جمعي بصوت مرتفع، بحرية مطلقة لجميع المشاركين. ويمكن استخدامها في كل مجالات الحياة، فضالًا عن الأعمل والمبادرات؛ وهي بذلك تقنية تؤدي إلى تضارب الأفكار، ومن ثمّ بقاء الصالح، والمفيد، والعملي، منها. ويفضّل أن يكون هناك إعداد أو إشراف على وضع حلقات العصف الذهني، وأّلا تكون إدارة التقنية عفوية، بل ينبغي التحضير لها بطريقة مقبولة. كم يُحبّذ أن يكون طرح الأسئلة والنقاش من دون قيود، وأّلا يجري حجب أيّ فكرةٍ مهم كانت غريبةً أو مستغربةً عن الحضور16، وينبغي أن تكون بدايات العصف الذهني خالية من أي قيد أو حكم مسبق، بل يتاح للجميع التعبير عّما يرونه من أفكار ورؤى بكل حرية17. ومن شأن العصف الذهني أن يُولّد الأفكار من "خارج الصندوق"، وليس من داخله فحسب؛ فإطلااق الخيال في التفكير، والإتيان بأفكار غريبة، يسهمن في إنشاء "ممر ابتكاري" لأفكار تحتاج إليه المؤسسة. وتجدر الإشارة إلى أنّ ثمّة طرائق لتعزيز أداء العصف الذهني، والتدريب عليه، وجعله أكثر فعالية للمؤسسة التي تؤمن بهذا الأسلوب، وتعزز إنتاجيته، من خلاال التفاعل الجمعي18. وليست هذه التقنية منحصرةً في الدراسات المستقبلية، بل يجري استخدامها في قطاع المؤسسات، ومنها المؤسسة الوقفية، لا سيم في مجال إعداد الخطط الاستراتيجية والتنفيذية؛ فهي تقنية أولية يفضّل استخدامها على نحو أّولّي قبل الولوج إلى التقنيات الأخرى، على اعتبار أنها تستكشف بيانات ومعلومات ومعطيات مهمّة يمكن استخدامها في التقنيات اللااحقة.

  1. Paul B. Paulus & Jared B. Kenworthy, "Effective Brainstorming," in: Paul B. Paulus & Bernard A. Nijstad (eds.), The Oxford Handbook of Group Creativity and Innovation (Oxford: Oxford University Press, 2019), pp. 287-305. علمًا أنه يوجد أيضًا "عصفٌ ذهني بطريقة الكتابة" (rainwritingB)، يمكن أن يكون مرادفًا للعصف الذهني الشفوي. ينظر في ذلك مثال: Paul B. Paulus & Huei-Chuan Yang, "Idea Generation in Groups: A Basis for Creativity in Organizations,"
  2. Ibid; Organizational Behavior and Human Decision Processes, vol. 82, no. 1 (2000), pp. 76-87.
  3. Paulus & Kenworthy. ب. السيناريو 18 p. Wölk, & Oertel Kreibich,؛ 48 p. Reger, &.Mietzner

ظهرت تقنية السيناريو عقب الحرب العالمية الثانية، بوصفها منهجيةً للتخطيط الاستراتيجي العسكري، ثم تطورت هذه التقنية في استشراف المستقبل منذ خمسينيات القرن العشرين19. وهي تشير إلى تصورات وبدائل مقترحة لمستقبل أي ظاهرة، وتسييرها كم هو مخطط لها؛ بمعنى وضع سيناريو تفاؤلي مرغوب فيه، ومن ثمّ تحقيق الأهداف بحسب الخطة الاستراتيجية المُعَدَّة لذلك.

ويمكن تعريف السيناريو بأنه "وصف لوضع مستقبلي ممكن أو محتمل أو مرغوب فيه، مع توضيح لملاامح المسار أو المسارات التي يمكن أن تؤدي إلى هذا الوضع المستقبلي، وذلك انطقًا من الوضع الراهن، أو من وضع ابتدائي مفترض، أي إلى مسارات وصور مستقبلية بديلة؛ فهذا هو المنتج النهائي لكل طرق البحث المستقبلي"20، كم يجري تعريفه بأنه "وصف لوضع مستقبلي ممكن أو مرغوب فيه، وتوضيح خصائص المسار أو المسارات التي تؤدي إليه، بدءًا من الوضع الراهن، أو من وضع ابتدائي مفترض"21.

ومن هذه التعريفات، نستخلص أن السيناريوهات المتوقعة تنقسم إلى ما يلي: ö السيناريو الممكن: ينقسم إلى قسمين؛ أولً: السيناريو الممكن السلبي، وتكون أغلب عوامله سلبية؛ كاحتملية ضياع الأصول الوقفية، أو إغلااق مؤسسة الوقف. ثانيًا، السيناريو الممكن الإيجابي، مثل تمكّن مؤسسة الوقف من استخدام أدوات حديثة لتسجيل أصولها الوقفية، والحصول على دعم حكومي لها. ö السيناريو المحتمل: يعتمد على عوامل موجودة وأخرى غير موجودة. ويعتمد الترجيح على الأكثر بروزًا وتأثيرًا في المصفوفة؛ فيجري ترجيح العوامل الأكثر احتملًا في الصورة. وينقسم السيناريو المحتمل أيضًا إلى سيناريو محتمل إيجابي، وسيناريو محتمل سلبي. ö السيناريو المفضل: يجري السعي لتحقيقه، وإظهاره على قدر الإمكان. ومع ظهور مؤشراته، يجري تفعيل الخطة الاستراتيجية لتحقيقه في الواقع. وتعتمد هذه السيناريوهات على قدرة المؤسسة على الربط بين التداعيات على نحو صحيح وسليم، كم يوضّح الشكل.)4(

  1. خميس 104، ص؛ محمد سعداوي، "بناء السيناريو في ضوء الدراسات المستقبلية "، رسالة ماجستير، جامعة حلوان، كلية الفنون التطبيقية، 2016، ص 64؛ رحيم الساعدي، مقدمة إلى علم الدراسات المستقبلية (الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع، 2013)، ص 123؛ المصدر: من إعداد الباحث. المصدر: من إعداد الباحث.
  2. الساعدي، ص.124
  3. سعداوي، ص.64

الشكل (4) أنواع السيناريوهات

من خصائص تقنية السيناريو أنها تتطلب إبداعًا وخي لًا عميقًا، وتستند إلى منهج علمي حقيقي، وأحداث رئيسة واقعية، ولا تتجاوز عدة احتملات، بالاعتمد على آراء خبراء يعرفون توجهات الظاهرة المراد بحثها. وهذا الأمر يبُرز أهمية هذه التقنية في توسيع دائرة التفكير الاستراتيجي، وفي المساعدة على رسم المستقبل وتحليله بما يتوافر من معطيات، ويقرب الصورة لصانع القرار، ويشجع على التفكير الإبداعي، ويعزز التفكير الجمعي؛

الشكل (5) صناعة القرار الوقفي

ولن يكون هذا الاحتمل راجحًا ما لم يجرِ المضيّ قدمًا في مراحل وضع السيناريوهات في مجال وهي فضالًا عن ذلك كلّه تعزّز الاتصال المؤسسي بين أطراف المؤسسة22. وفي حالة المؤسسة الوقفية، تساعد تقنية السيناريو في بيان كل المشاكل المطروحة، ومن ثمّ العمل على تجنّب الوقوع فيها، و/ أو تجاوز الأخطاء السابقة ما إن تُكشف الخيارات المتاحة؛ فالخيار الأكثر احتملًا سيؤثر في أعمل المؤسسة الوقفية ويصنع قرارها المؤسسي، كم يبّين ذلك الشكل.)5(

الأوقاف، وتحليلها، والتوصّل إلى أهم الاحتملات المتوقعة23، وهو ما يبيّنه الشكل).6(

  1. المرجع نفسه، ص 7، 82؛ 51 p. Reger, &.Mietzner
  2. سعداوي، ص 92؛ 59 p. Reger, &.Mietzner ج. تحليل التدرج السببي

يجدر التنبيه إلى أنّ تقنية السيناريو يمكن أن يُستفاد منها في المستقبل القريب، وفي توسيع الأدوات المتاحة للنظر إلى المستقبل الأبعد أيضًا. وربما لم تكن الأزمة المالية العالمية لعام 2008 متوقعةً بالنسبة إلى المتخصّصين في الدراسات المستقبلية؛ لأنّ بعضهم كانت نظرته تنحصر في السنوات القريبة؛ علمًا أن الأزمة المالية الكبرى التي سبقتها عام 1998 كانت تحمل بعض مؤشراتها24.

تعتبر تقنية تحليل التدرج السببي Causal() أداةً في فهم المعنى Layered Analysis, CLA وإدراك أسبابه الكامنة غير الظاهرة للعموم؛ ما يجعل الباحث المستقبلي ينظر في الأسباب الحقيقية وراء الحدث، وإن كانت مبررة، مع بيان الافتراضات والعوامل التاريخية المصاحبة لهذا الحدث، ومن ثمّ نقد أيّ سبب أو تبريرٍ يجري طرحه25، وهو ما يجعلنا ننظر إلى الحدث من خلاال تحليل خطابه، وتصنيفه سياسيًا، واقتصاديًا، واجتمعيًا، بحسب ما يقتضي الأمر. فلو فرضنا صدور قرار حكومي بالإشراف

الشكل (6) مراحل وضع السيناريوهات في مجال الأوقاف

مباشرةً على الأوقاف الخاصة وإدارتها، فإنّ هذه التقنية تسمح بفهم هذا القرار، وتحليله، وإدراك كنهه وأسراره المكنونة. وهذا ما يجري من خلاال وضع الباحث نفسه مكان صانع القرار من أجل فهم سبب إصداره؛ أهو ظهور فساد في الإدارة الوقفية، أم أن سلوك للإدارة الحكومية الجديدة فيه نوع من الاستحواذ، أم غير ذلك؟ ثم يجري، عقب ذلك، تحليل الأسباب ونقدها نقدًا موضوعيًا؛ للوصول إلى السبب الحقيقي الذي كان دافعًا إلى القرار.

يُعدّ التنبؤ العكسي أحد المناهج المعيارية أو الإرشادية. وتعود فكرته إلى أن الباحث يعتبر نفسه يعيش في المستقبل، وهو تاريخ موعد الاستشراف. فلو افترضنا أننا نودّ معرفة واقع مؤسسات الوقف في عام 2030، فإننا نعتبر أنفسنا، عمليًا، موجودين في عام 2030، ومن ثمّ ننظر إلى الوراء حتى عام 2024 كمضٍ لمستقبلنا، ونعود إلى السنوات الحاضرة، وهي 2029، و 2028، و 2027، و 2026، و 2025، على أنها جزء من الماضي؛ فالحاضر في هذه التقنية عبارة عن "ماضي المستقبل"، كم يبّين ذاك الشكل.)7(

  1. Cf. Wendell Bell, Foundations of Futures Studies. History, Purposes and Knowledge: Human Science for a New Era, vol. 1: History, Purposes, and Knowledge (New Brunswick/ London: Transaction Publishers, 2003). المصدر: من إعداد الباحث.
  2. سليمان الكعبي، موسوعة استشراف المستقبل (دبي: قنديل للطباعة والنشر، 2018)، ص.75 المصدر: من إعداد الباحث. د. تقنية التنبؤ العكسي

الشكل (7) طريقة عمل التنبّؤ العكسي

إذا نظرنا، على سبيل المثال، إلى القدر الهائل من التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، وما يمكن أن يكون له من تأثيرات في المؤسسة الوقفية حتى عام 2030، فإنه يمكن استخدام التنبؤ العكسي لرسم مسار مستقبلي منذ عام 2024 في كيفية التعامل مع الذكاء الاصطناعي، وهكذا دواليك. بمعنى أن هذه التقنية تعتمد على الخيال الواسع، وقدرة الباحث على رصد أيّ تغيير يحدث بين عامَي 2024 و 2030 وتوقعه.

2. المناهج الكمية أو الوصفية

المنهج الكمي هو مجموعة من الخطوات المستخدمة في إجراء عمليات القياس. ويجري استخدامه في الأبحاث والدراسات لاختبار الفرضيات، وتدقيق النظريات على أرض الواقع، وشرح البيانات واختبارها، واستخدام الجداول والمنحنيات البيانية بدقة، وإيجاد عوامل الترابط والربط بين المتغيرات الثابتة والمتغيرة. ومن أبرز التقنيات ذات الصلة بالمجال الوقفي ما يلي:

تقنية دلفي هي أسلوبٌ علمي وتقنية تجريبية، جرى استخدامها منذ خمسينيات القرن العشرين، من خلاال عملية استبيانات للحصول على التغذية الراجعة، وقادت هذا المشروع مؤسسة راند الأميركية. وقد جرى استخدام هذه التقنية للتعامل مع عدة أزمات في الولايات المتحدة الأميركية، مثل أزمة الصواريخ الكوبية في عام 1962، أو بعض الأعمل لمصلحة البحرية الأميركية والدفاع النووي. وكان الهدف من تطوير هذه التقنية التنبؤ في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية26. وتُعَرَّف هذه التقنية بأنها طريقة علمية لاستطلااع رأي مجموعة من الخبراء بشأن موضوع معين للدراسة واستطلااع الرأي، ويجري من خلاال ذلك مناقشة آراء الآخرين في أكثر من جولة، للوصول إلى نتائج حول مشكلة معيّنة، بحيث تكون مطروحة للنقاش بحسب كلّ الاحتملات، بما في ذلك النتائج الغريبة منها27. وتمتاز هذه التقنية بأنها تعتمد على حدس الخبراء المشاركين، مع استقلااليتهم وقدرتهم على إبداء آرائهم بكل حرية. فهي متخصّصة في تحليل المشاكل ورسم السياسات، وليست متخصّصة في اتخاذ القرار؛ لذا، فهي

  1. عبد الحي، مدخل إلى الدراسات المستقبلية، ص 74؛ عقابي خميسة، "تقنية دلفي وأهميتها في الدراسات المستقبلية"، المجلة الجزائرية للأمن والتنمية، العدد 11 (تموز/ يوليو 2017)، ص 98؛ واغنر، ص 719؛ الساعدي، ص 161؛
  2. عبد الحي، مدخل إلى الدراسات المستقبلية، ص.74 أ. تقنية دلفي Kreibich, Oertel & Wölk, p. 22.

تشكّل منهجًا لدى خبراء مراكز الخبرة والتفكير للنظر في فكرة معينة. وهي منهج لتحليل المعلومات والنظم من خلاال عدة استبيانات في مراحل بحث متعددة؛ إذ إنها تقنية منظمة متدرجة، تتضمن أسلوب التكرار لتحصيل أكبر قدر من المعلومات، وتشكل التغذية الراجعة فيها بعدًا مهمًا، فضالًا عن سرية المشاركين وحفظ حقوقهم المعنوية28. ويمكن تقسيم خطوات عمل هذه التقنية إلى عدة مراحل، من أهمها29:

. 1 صياغة الإشكالية بطريقة صحيحة، وجمع كل المعلومات والبيانات الخاصة بها، كي يجري نقاشها والتباحث في شأنها على نحو سليم. ويمكن عمل استبيان في هذه المرحلة لتوحيد الأفكار.. 2 اختيار الباحثين أو الخبراء الذين لهم قدرة على تقديم آراء مناسبة. ويجري توزيعهم على مجموعات متباينة، مع الاحتفاظ بأسمئهم لدواعي الحرية والاستقلاالية، وإشراكهم في الاستبيانات بحسب تخصصاتهم وقدراتهم.. 3 تحديد الفترات الزمنية التي يراد استشرافها، وكتابة تصورات أولية خاصّة بها.. 4 تعبئة الاستبيان من خلاال مشاركة هؤلاء المتخصّصين، وتحليله على نحو يعكس مدى التوافق أو التباين، وتسجيل الملااحظات والتصورات بوصفها نتائج لبناء سيناريو للإشكالية المراد طرحها.

ولهذه التقنية في الدراسات المستقبلية عدة خصائص، من أهمها أنها تقنية استكشافية لدراسة المستقبل، وأنها تتجاوز الحدود الجغرافية، وتمنح الخبير قدرةً على إبداء رأيه بكل حرية، فضالًا عن مساهمة التقنية في أعمل التخطيط، والمراجعة الدائمة للآراء ونتائج الاستبيانات، حتى يجري اعتمد التصور الأكثر ترجيحًا30. وإجمل، ا تنشط هذه التقنية في السلوك التنظيمي الإداري، وصناعة القرار، واتجاهات المؤسسات الاجتمعية المستقبلية، والأداء المؤسسي31.

"دولاب المستقبلاات"، أو "عجلة المستقبل" (Futures Wheel)، هي "مجموعة من آليات العصف الذهني لتحديد الآثار الأولى والثانية والثالثة المترتبة على حدوث حادثة ما في المستقبل"32؛ بمعنى التركيز على مركزية الظاهرة، وتداعي بعدٍ في البعد الآخر، وتدقيق كل تداعٍ على الذي يليه كتداعٍ فرعي. والمهم في هذه التقنية الكشف عن الآثار غير المباشرة لهذه الظاهرة التي لا يمكن التعرف إليها من دون معرفة الآثار المباشرة أولًا33. والفكرة الأساسية هنا أنّ لكلّ حدث تداعياته وآثاره؛ فالحدث يؤثر في غيره، وقد يكون في حدّ ذاته نتيجةً لحدث سبقه. ففي المجال الوقفي، على سبيل المثال، تؤدي زيادة مبيعات الخدمات الوقفية بالضرورة إلى زيادة الريع الوقفي، ومن ثمّ

  1. خميسة، ص 99 وما بعدها؛ الساعدي، ص 105، 162؛ 11 p. Koskinen, &.Buhring
  2. عبد الحي، مدخل إلى الدراسات المستقبلية، ص.75
  3. خميسة، ص.106
  4. الساعدي، ص.164
  5. سعداوي، ص.59
  6. عبد الحي، مناهج الدراساتالمستقبلية، ص.53 ب. دولاب المستقبلات المصدر: من إعداد الباحث.

تلبية احتياجات الموقوف لهم وتغطيتها، والحصول على نسبة رضًا أعلى، وهو ما يؤدي إلى تحسّن السمعة المؤسسية لمؤسسة الوقف، والحصول على دعم أكبر من المجتمع والدولة وأصحاب المصالح. ولذلك، فإنّ فكرة هذه التقنية هي التركيز على النقطة المركزية من أجل تحديد دوائر التأثير وتداعياته؛ فالتقنية هي ظاهرة مركزية، بمعنى رصد تداعي المؤثر المباشر في كلّ بُعد، وتداعي ذلك على كل مؤشر غير مباشر، مع ملااحظة تأثير النقطة المركزية34. يوضّح الشكل (8) حالة زيادة الأصول الوقفية؛ ومنها: تعزيز الشراكات، ثم معالجة الأوقاف المعطلة، ثم الشكل (8) تقنية دولاب المستقبلات في حالة زيادة الأصول الوقفية

تمنح هذه التقنية مزيدًا من الحرية في الكشف والبحث؛ إذ توضح التداعيات الإيجابية والسلبية بكل ما تؤدي إليه من آثار في النقطة المركزية، وهذا يمنح بعدًا أوسع لفكر المحلل والاستراتيجي ويفتح آفاقًا، ولا يغلقها على احتمل معين.

زيادة الاستثمرات، ثم تلبية احتياجات المستحقين. وهذه الدوائر الأولى جرت الإشارة إليها بالرقم 1، وهناك دوائر ثانية متتالية لها، منها ما سيؤدي إلى تحقيق رضا المتعاملين، جرت الإشارة إليها بالرقم 2، ثم بعد ذلك ننتقل إلى الدائرة 3 التي تخصّ تحسين السمعة المؤسسية للوقف، ثم الدائرة 4 التي تشير إلى الحصول على دعم حكومي، ثم الدائرة 5 التي تشير إلى الإعفاء من الضرائب المفروضة عل مشاريع المؤسسة الوقفية. وكل هذا التداعي جاء من النقطة المركزية، وهي زيادة الأصول الوقفية، وهكذا دواليك بالنسبة إلى كل النقاط.

من خلاال تقنية مصفوفة التأثير المتبادل (Cross Matrix Impact) يجري الكشف عن العلااقة بين المتغيرات في تطور ظاهرة معينة، وأثر ذلك في مستقبل هذه الظاهرة، من خلاال التفاعل والترابط بين هذه

  1. الساعدي، ص.154 ج. مصفوفة التأثير المتبادل

المتغيرات، باعتبار أن المستقبل ما هو إلا تفاعل بين المتغيرات المؤثرة في أي ظاهرة من الظواهر. فالمتغير أ، على سبيل المثال، يتأثر بالمتغير ب، أو المتغير ج، أو المتغير د، والعكس صحيح. وبناءً على ذلك، يجري وضع مصفوفة رياضية لهذه الظاهرة35. وتسمح تقنية مصفوفة التأثير المتبادل بالكشف عن الأداء المستقبلي لأي مؤسسة وقفية. وعلى سبيل المثال، يمكن حصر المتغيرات التي تؤثر في تطور المؤسسة الوقفية مستقبالًا بعد استخدام وسائل الكشف كالعصف الذهني وورش العمل، في عدة متغيرات، مثل الاستقرار في الدولة، والحكامة، والكفاءة البشرية، وحجم الأصول الوقفية، وتسجيل الأوقاف، وتمويل الأوقاف، وغيرها. ويجري حصر هذه المتغيرات من خلاال جدول رياضي. وفي دراسة للتقرير الاستراتيجي للأوقاف الصادر عام 2021، مثال، ا جرى استخدام تقنية مصفوفة التأثير المتبادل للكشف عن تطور الأداء الوقفي المؤسسي، كم يُبّين ذلك الشكل (9)، الذي يبرز المتغيرات الأكثر تأثيرًا في الأداء الوقفي ضمن منهجية مصفوفة التأثير المتبادل، ف "متغير الحوكمة هو المتغير الأكثر تأثيرًا في جميع المتغيرات؛ إذ يصل مجموع تأثيراته إلى 29 نقطة، ثم يليه متغير الاستقرار في الدولة، ويصل عدد مجموع تأثيراته إلى 26، وبنفس الدرجة متغير كفاءة الموارد البشرية، ويصل عدد مجموع تأثيراته إلى 26، بينم يظهر لنا أن متغير حصر وتسجيل الأوقاف، هو الأقل تأثيرًا في المتغيرات، بعدد نقاط.14 "36الشكل (9) المتغيرات الأكثر تأثيرًا في الأداء الوقفي ضمن منهجية مصفوفة التأثير المتبادل

  1. خميس.119، ص
  2. المعهد الدولي للوقف الإسلاامي، التقرير الاستراتيجي للأوقاف 021-1996 2، ط 2 (القاهرة: 2022)، ص.193 المصدر: من إعداد الباحث. المصدر: من إعداد الباحث.

يجري، بعد ذلك، الكشف عن العناصر الأكثر تأثرًا في الأداء الوقفي ضمن منهجية مصفوفة التأثير المتبادل على النحو التالي37: يمكن أن نلحظ أنّ المتغيرات العشرة الواردة في الدراسة تعّبر عن مدى قوة بعض المتغيرات الأكثر تأثيرًا في غيرها من المتغيرات، كالحكامة الشكل (10) المتغيرات الأكثر تأثرًا في الأداء الوقفي ضمن منهجية مصفوفة التأثير المتبادل مثال.ا ويظهر أيضًا مدى ضعف بعض المتغيرات الأشد تأثرًا بغيرها من المتغيرات. وهذا ما يجعلنا نرسم الإطار الحالي للكشف عن مدى المصفوفة، وتداعياتها في فهم ظاهرة تطور الأداء الوقفي المؤسسي.

  1. المرجع نفسه، ص.195 د. شجرة العلائق

يمكن تعريف شجرة العلاائق، أو شجرة تحديد الصلة Relevance Tree()، بوصفها "طريقة لتحديد ترتيب الأحداث الضرورية للوصول إلى ما تريد أن تصل إليه كهدف لك في المستقبل"38، أو "تقنية تحليلية تفتت موضوعًا معينًا إلى موضوعات فرعية صغرى، وينتج من ذلك سلسلة مترابطة من التفريعات التي تأخذ بنية تسلسلية تشير كل جزئية منها إلى وحدة فرعية"39، أو باختصار "تقنية تحليلية تفتّت موضوعًا معينًا إلى موضوعات فرعية صغرى"40.

الشكل (11) تقنية مصفوفة التأثير المتبادل في فهم تطور الأداء الوقفي المؤسسي

وقد نشأت هذه التقنية في التخطيط الاستراتيجي، وتستخدم أيضًا بوصفها طريقة من طرائق التنبؤ المعيارية التي تبدأ بالاحتياجات أو الأهداف المستقبلية، ثم تسعى لتحديد الظروف والإجراءات والتقنيات المطلوب الوفاء بها. ومن ثمّ، تظهر جميع المسارات الممكنة للوصول إلى الهدف، مع توقّع التكاليف المرتبطة بها، والمدد، والاحتملات لكلّ عنصر. وتُعد تقنية شجرة العلاائق تقنيةً استكشافية، تقوم على وضع قائمة مبسطة للبدائل على شكل خريطة تساعد على وضع نماذج اختيار من بين البدائل المتعددة، وتعتمد على البيانات؛ ما يجعل التقنية تتعامل مع شجرة ذات علاائق مرتبطة ببعضها، ومعقدة41.

  1. سعداوي، ص.59
  2. إسماعيل، ص.79
  3. عبد الحي، مناهج الدراساتالمستقبلية، ص.66
  4. الساعدي، ص.157 المصدر: من إعداد الباحث.

وفي المجال الوقفي، تسمح فكرة منهجية شجرة العلاائق بالتنبّؤ بمستقبل الظاهرة الوقفية، من خلاال الكشف عن هدف الظاهرة النهائي، ثم التركيز على حاضر الظاهرة، لرؤية كل البدائل المتاحة، ورسم صورة متوقعة للبدائل المستقبلية؛ وهو ما تسعى مؤسسة الوقف لتحقيقه. ونلحظ بذلك أن التقنية تضع مخططات للوقف من كل أبعاده وبدائله المطروحة حاليًا؛ إذ يجري الحكم على مستقبل الظاهرة الوقفية من خلاال البدائل المطروحة، ومن خلاال عمل خبراء الأوقاف، ومن ثمّ يتمّ رصد شجرة تنظيمية لهذه البدائل، وتقريب الصورة الأنسب إلى المستقبل المتوقع. فلو تعرضنا، على سبيل المثال، لسياسة الدول تجاه إدارة الأوقاف الخاصة في العالم الإسلاامي42، فإننا نرى تفاوتًا واضحًا؛ إذ إنّ بعض الدول تمارس سلطة مطلقة، وهي سلطة إشراف وإدارة في آنٍ معًا؛ وهذا ملحوظٌ في مواضع جغرافية كثيرة. وهناك سياسات لدول ترى أنه من المفترض الإشراف على هذه الأوقاف الخاصة فحسب، وترك إدارتها لمجلس النظارة المعَّين من الواقف. وإذا أردنا استشراف واقع هذه السياسات في المنظور القريب، من خلاال شجرة العلاائق، فإنه يتبين لنا إن كانت سياسة الدولة تجاه الأوقاف الخاصة تقوم على إدارتها والإشراف عليها، أو ترك إدارتها لمجالسها الخاصة. ويمكن تقريب الصورة من خلاال الشكل.)12(

  1. تنقسم عمومًا الأوقاف الإسلاامية في دول العالم الإسلاامية إلى قسمين؛ قسم يسمى مجازًا بالأوقاف الحكومية، أو الأوقاف العامة، وتشرف عليه وتديره الحكومة نفسها، وقسم آخر يسمى بالأوقاف الخاصة، وهو ما كانت سلطته إلى الواقفين الذين وقفوا هذه الأوقاف، ثم عينوا مجلس نظارة عليه. ه. السلسلة الزمنية

تتوجّه تقنية السلسلة الزمنية (Series Times) نحو "تحديد القيم التي تأخذها ظاهرة معينة خلاال فترة زمنية معينة، وتحديد الأسباب التي أدت إلى أن تكون تلك القيم على هذا النحو"43. فمن شأن القدرة على فهم الأسباب لأحداث أو فعاليات، تحديدًا في فترات زمنية متتابعة، وتقسيمها لمعرفة المعدل النسبي، المساعدة في الكشف عنها مستقبال، ا وتوقع حدوثها من خلاال التنبؤ بها؛ وهذا يجعلنا نركّز على الاتجاه العام. فلو افترضنا أننا نلحظ زيادةً في تسجيل الأوقاف في دولة معينة، وتصاعدًا في عمليات التسجيل من

الشكل (12) تقنية شجرة العلائق في فهم سياسات الدولة تجاه إدارة الأوقاف الخاصة

كل أنواع الوقف، فإن اتجاه العام هو زيادة الأصول الوقفية في دولة معينة. ومع فهم الاتجاه العام، يجدر بنا أن نفهم أيضًا التغيرات الموسمية. فمثال، ا يمكن إدراك أنّ ظاهرة زيادة الأصول الوقفية تكثر وتتصاعد في شهر رمضان وفي موسم الحج على سبيل المثال؛ فالموسم له دلالات مهمة عند المسلمين في عمليات الوقف والتبرع. وينبغي فهم حركة التذبذب الدوري؛ بمعنى أن يكون هناك تصاعد وانخفاض في الظاهرة نفسها. فقد تنخفض هذه الظاهرة؛ أي زيادة الأصول الوقفية، في حالات الأزمات المالية، أو التضخم وغيرها، إضافة إلى ضرورة مراعاة الحالات العشوائية في التعامل مع هذه الظاهرة، صعودًا أو انخفاضًا.

  1. عبد الحي، مناهج الدراساتالمستقبلية، ص 70؛ المصدر: من إعداد الباحث. Milind Kolambe & Sandhya Arora, "Forecasting the Future: A Comprehensive Review of Time Series Prediction Techniques," Journal of Electrical Systems, vol. 20, no. 2s (2024), p. 575. المصدر: من إعداد الباحث.

ولتقديم نموذج عملي متعلّق بتقنية السلسلة الزمنية، يمكن حساب تقديرنا المستقبلي لظاهرة زيادة الأصول الوقفية من خلاال إجراء محاسبي إحصائي. فلو افترضنا أننا نريد أن ندرس ظاهرة

الجدول (5) ظاهرة زيادة الأصول الوقفية من خلال تقنية السلسلة الزمنية

الملاحظاتعدد الأوقاف الجديدة المسجلةالسنة
مجموع الأوقاف الجديدة المسجلة في الفترة الزمنية
الأولى بين عامَي 2015 و2022 هو 183 وقفًا، يتم
تقسيمها على عدد السنوات الثماني، فتصل النسبة
إلى 22.87 في المئة.
112015
132016
342017
222018
232019
322020
232021
252022
مجموع الأوقاف الجديدة المتوقع تسجيلها في
الفترة الزمنية الثانية بين عامَي 2023 و2030 هو
262 وقفًا، يتم تقسيمها على عدد السنوات الثماني،
فتصل النسبة إلى 32.75 في المئة.
262023
312024
342025
332026
272027
352028
372029
392030

نلحظ أن هناك تصاعدًا واضحًا في الأوقاف الجديدة المسجلة بداية من عام 2015 حتى عام 2030؛ لذا نضع نسب المتوسط العام في منتصف زيادة الأصول الوقفية في دولة معينة ما بين عامَي 2015 و 2030، لنحدد توقعاتنا ورؤيتنا لواقع الأوقاف في عام 2025، فإنه يجدر بنا تقسيم الفترة الزمنية، وحسابها على النحو التالي:

الفترات، ثم نضع خطّا يربط بينهم، فنتبّين أنّ التوجه العام في الدولة هو زيادة تسجيل الأوقاف الجديدة التي يمكن رسمها على النحو التالي:

تظهر لنا بيانات السلااسل الزمنية أنماطًا دينامية ومتطورة من الصعب أن تقوم بها النمذج الثابتة. وهذا يستدعي تدقيق السلوكيات المتغيرة؛ فهي التي تكشف الأنماط مع مرور الوقت44.

تقنية الإسقاط (Projection) هي قريبة من تقنية السلسلة الزمنية، وتفترض أن "القوانين الحاكمة لظاهرة معينة في الزمن الماضي، والتي استقرت بشكل كافٍ في درجة تحكّمها بالمسار العام للظاهرة، ستبقى قائمة في المستقبل، ما يساعدنا على إمكانية تحديد النقطة التي ستنتهي عندها الظاهرة

الشكل (13) التوجه العام لزيادة تسجيل الأوقاف الجديدة وفقًا لتقنية السلسلة الزمنية

مستقبال"ا45. ويُعبر عنها ب "التنبؤ الاستقرائي" (Extrapolation)؛ وهي كل ظاهرة لها اتجاه خلاال الحركة. ويمكن تفسير ذلك بطريقتين46:. 1 "الاتجاه الخطي "): Linear Trend(بمعنى أنّ الظاهرة ستظلّ في الاتجاه نفسه المحدد لها، زادت أو نقصت.. 2 "الاتجاه غير الخطي " Non-Linear(Trend): يعني أن الظاهرة فيها تذبذب، ولا توجد رتابة في اتجاهها العام. وقد تكون هذه التقنية الأكثر استخدامًا في الدارسات المستقبلية.

  1. Kolambe & Arora, p. 580. أ. المحاكاة
  2. عبد الحي، مناهج الدراساتالمستقبلية، ص.76
  3. عبد الحي،  103 مدخل إلى الدراسات المستقبلية، ص؛ عبد الحي، مناهج الدراساتالمستقبلية، ص.16 المصدر: من إعداد الباحث.

إن الظواهر التي يجري دراستها من خلاال هذه التقنية يمكن البحث فيها من خلاال بُعدَين زمنَييَن؛ قريب المدى أو بعيد المدى. وأي ظاهرة يُراد دراستها من خلاال هذه التقنية، نبدأ فيها أولًا بتحديد الظاهرة نفسها، واستشراف مستقبلها، ثم بحث الاتجاه العام للدراسة خلاال فترة زمنية تساوي الفترة الزمنية التي يراد توقع مستقبلها، أو التنبؤ بها. فلو أردنا دراسة مستقبل مؤسسة وقفية في عام 2040، على سبيل المثال، فإننا نرجع إلى ال 16 عامًا التي سبقت عام 2024 (سنة إجراء الدراسة)، كي نحدد الأثر الواضح بين العاَميَن، ثم نحدد طبيعة الاتجاه العام للظاهرة الوقفية؛ أتسير في اتجاه خطي أو غير خطي؟ ونتحقق في حال السنوات القادمة للمؤسسة الوقفية؛ أهي استمرار لنمط الاتجاه السائد فيها؟ فلو افترضنا أن نسبة الريع لا تتجاوز 5 في المئة، على سبيل المثال، فإنها بحسب الاتجاه العام ستظلّ هي النسبة نفسها47.

3. نماذج المحاكاة والمباراة

تُعرف تقنية المحاكاة (Simulationبأنها) "افتعال واقع افتراضي تتشابه معطياته بأكبر قدر ممكن مع واقع فعلي موجود"48. وترتبط هذه التقنية بوظيفَتيَن: وظيفة تعليمية، يُقصد بها نمذجة المتغيرات للظاهرة الوقفية وتحديدها، مع افتراض سلسلة من الترابطات بين هذه المتغيرات، ويرصد المراقب تفاعل المتغيرات لمعرفة ما يحدث؛ ووظيفة تأويلية، من خلاال ملااحظة التغيير بقيمة متغير معين من أجل ملااحظة مدى تأثر الظاهرة به، مع الاحتفاظ بباقي المتغيرات كم هي49. فلو افترضنا حدوث احتلاال عسكري لدولة إسلاامية، فإن واقع القطاع الوقفي سيتأثّر بذلك كليًا أو جزئيًا. وهنا نرغب في دراسة واقع افتراضي عن دولة الاحتلاال؛ من ناحية تعاملها سابقًا عند دخولها إلى دول إسلاامية، كي نُحاكي ما يمكن أن تقوم به عند احتلاالها لدولة إسلاامية فيها قطاع وقفي.

بدأت تقنية نظرية الألعاب في العلوم الاقتصادية في منتصف أربعينيات القرن العشرين، ثم انتقل استخدامها إلى مجال الدراسات الاستراتيجية، والعديد من المجالات والاختصاصات الأخرى، وفكرتها أن السلوك الأفضل بالنسبة إلى الطرف المراد بحثه يعتمد على قدرة الأطراف الأخرى على توقع ما سيفعله الآخرون50. فهي تقنية عقلية افتراضية؛ وهذا يستدعي الحصول على كم كبير من المعلومات عن الطرف الآخر، ومعرفة أساليب البيئة التي تحدث فيها الدراسة وطرائقها، وتعديل الاستراتيجيات، وهي تنقسم إلى ما يلي: 1. المباراة الصفرية (Game Zero-Sum): تعني أنّ خسارة أحد الأطراف تتساوى مع مكاسب الطرف الآخر؛ فالتناسب بينهم عكسي،

  1. يُلحظ أن هذه التقنية تغفل عناصر المفاجأة التي قد تظهر، وتحدث فارقًا لم يكن متوقعًا؛ فيتغير مسار الاتجاه على نحو غير مدروس.
  2. عبد الحي، مدخل إلى الدراسات المستقبلية، ص.84
  3. المرجع نفسه، ص.85
  4. المرجع نفسه، ص.94 ب. نظرية الألعاب

ويسعى كل طرف لزيادة الفجوة مع الآخر. وفي الحالة الوقفية؛ إن افترضنا وجود مؤسسة وقفية لها صندوق وقفي للأيتام، وجمعية خيرية خاصّة بالأيتام، فإن التنافس بينهم في سوق التمويل العمومي أو الخاص يعكس مدى العلااقة بينهم في جذب الصدقات من المتبرعين. فإذا حصلت مؤسسة الوقف على نسبة 10 في المئة إضافية من التبرعات، فهذا يعني تحقيق خسارة للجمعية الخيرية بالنسبة نفسها من التبرعات. 2. المباراة غير الصفرية Non zero-sum(Game): تعني المقاربة ما بين المصالح المتعارضة من ناحية، والمصالح المشتركة من ناحية أخرى، على غرار الأحزاب المتعارضة المختلفة فيم بينها، ولكنها ذات مصالح مشتركة في إسقاط الحكومة مثالً. وهذا يعني أن الصراعات غير الصفرية تعني وجود هامش من التنسيق والتعاون، وأن المصالح المشتركة بين المتعارضين تؤدي إلى تقليل حيّز الصراع بينهم.

4. النمذجة

النمذجة هي "بناء نظري نحاكي من خلااله آلية عمل نسق معين واقعي، ونجسد من خلااله الخصائص البنيوية الرئيسية له، ويتم بناء النموذج من خلاال الجمع بين الأدوات المنهجية الكمية والأدوات الكيفية"51. وهي تنقسم إلى تقنيَّتيَن رئيسَتيَن:

تقوم تقنية التنبؤ التكنولوجي (Technological Forecasting) على أنّ التكنولوجيا محرك رئيسٌ وفاعل في المنظومة المجتمعية والاقتصادية والسياسية لأيّ مجتمع ودولة، وأن التطور فيها سيُسهم، بلاا شك، في تطور هذه المنظومة كلها؛ بما في ذلك النظام الوقفي عند المسلمين. ويجري استخدام هذه التقنية في المجال الوقفي برصد التغيرات المتوقعة في المجال التكنولوجي، وكيفية توظيفه في المنظومة الوقفية. وهنا يمكن الاستدلال بالتجربة الغربية في مجال تطوير أوقافها وأصولها المالية الخيرية. ويكفي أن نشير إلى أن العديد من المؤسسات الوقفية الغربية ساهمت، منذ عقد التسعينيات من القرن المنصرم، في الاستثمر في القطاع التكنولوجي في الولايات المتحدة؛ ما جعلها تنمو على نحو قوي ومؤثر، من جهة زيادة أصولها المالية، ومن جهة تطور البنية التنظيمية وأنظمة العمل الداخلية التي اعتمدت على التكنولوجيا وتطورها المتسارع52. ومم يجدر ذكره أن جامعات عريقة، مثل جامعة هارفارد، تخصص جزءًا من صرفها الوقفي السنوي لمراكز الأبحاث، وتعمل على تحقيق نسب من براءات الاختراع53.

  1. عبد الحي، مناهج الدراساتالمستقبلية، ص.93 مج 10، العدد 1 (2019)، ص.75-35 أ. التنبؤ التكنولوجي
  2. Lawrence E. Kochard & Cathleen M. Rittereiser, Foundation and Endowment Investing: Philosophies and Strategies of Top Investors and Institutions (Hoboken, NJ: John Wiley & Sons, Inc., 2008), pp. 3-18.
  3. سامي الصلااحات، "معايير الاستدامة المالية للمؤسسات الوقفية: أوقاف جامعة هارفارد نموذجًا"، مجلة إسرا الدولية للمالية الإسلامية،

وإنّ ما يجب على المؤسسة الوقفية إدراكه هو التكيف والانسجام مع القيم الشرعية والأخلااقية التي تمتاز بها مع مواكبة التطور التكنولوجي. ولكي نفهم هذا الأمر، من المهم العودة إلى أبعاد التنبؤ التكنولوجي54:

. 1 التنبؤ الاستكشافي: هو قدرة مؤسسة الوقف على رصد ما يمكن الاستفادة منه من التطور الواقع في التكنولوجيا، والقدرة على إدراك جدوى هذه التكنولوجيا وقدرتها على المساهمة في تطوير أعمل المؤسسة. فلو تعرضنا لتجربة مؤسسات الوقف في الانتقال من الأرشفة اليدوية إلى الأرشفة الإلكترونية، لأدركنا أن الأخيرة ساهمت في تطوير العمل الداخلي للمؤسسة الوقفية، على نحو إداري محوكم، فضالًا عن رصد القيم المالية والسوقية للأصول الوقفية، وغيرها من الفوائد التي كسبتها مؤسسة الوقف عندما قامت بهذا التحول الإلكتروني.. 2 المحددات التكنولوجية: هي حاجة مؤسسة الوقف إلى تكنولوجيا معينة بمواصفات تتوافق مع نظم عمل الوقف الداخلية؛ ما يجعلها تعمل على توفير خبراء متخصصين، وتحدد لذلك موارد مالية. وفي حال توافر الموارد المالية والبشرية المتخصصة، فإن التكنولوجيا يمكن أن تسهم في تحقيق نتائج ملموسة لمؤسسة الوقف في مستقبلها القريب أو البعيد. فإذا احتاجت المؤسسة الوقفية إلى زيادة أصولها المالية من متبرعين غير تقليديين لها، أمكن، مثال، ا أن تساهم في إنشاء منصة تمويل جمعي تعتمد على الخبراء في إدارتها، فضالًا عن الإمكانات المالية في إنشائها وإطلااقها وتحريك عملياتها.. 3 زمن الاستغراق: هو الفترة الزمنية بين التطور التكنولوجي والقدرة على الاستفادة منه، وتشغيله في أنظمة المؤسسة الوقفية. ولنضرب على ذلك مث لً، هو تقنية "سلسلة الكتل" أو "البلوكتشين" (Blockchain، التي جرى اكتشافها)55منذ أكثر من ثلااثة عقود، والتي بدأ العمل بها منذ ما يقارب عقدين من الزمن، والتي شهدت انتشارًا واسعًا في السنوات الأخيرة في العديد من المجالات، ولكنها لم تدخل حيز المؤسسة الوقفية التشغيلي لعدة اعتبارات؛ أهمها عدم وجود إجازة شرعية لها في مجامع الفقه الإسلاامي، فضالً عن غفلة بعض المؤسسات الوقفية تجاه التقدم التكنولوجي لهذه التقنية.. 4 "التنبؤ التعاضدي": المقصود به تأثير التكنولوجيا في بعضها؛ وبتعبير آخر، تداعيات ظهور تقنيات جديدة على التقنيات القديمة. ومثال ذلك آثار ظهور البريد الإلكتروني على عمل الفاكس، أو برامج الاتصال عبر التطبيقات الحديثة على الاتصال بالهاتف العادي. وبناءً عليه، يمكن

  1. عبد الحي، مناهج الدراساتالمستقبلية، ص.106
  2. سامي الصلااحات، "الوقف وتقنية البلوك تشين: قراءة شرعية في الاستثمار والتمويل"، مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة قطر، مج 41، العدد 1 (2023)، ص.166-129 ب. تحليل المضمون

قياس ذلك على أنظمة العمل بالمؤسسة الوقفية. فلو افترضنا أن المؤسسة الوقفية كانت تستخدم استقطاب الأموال الوقفية عبر استقطاع مالي عبر خدمة الرسائل، فإنه يمكن الاستفادة من الاستقطاع عبر البطاقات الائتمنية.

تسهم تقنية تحليل المضمون Content(Analysis) في الكشف عن الاتجاهات السائدة في مجتمع أو دولة ما، من خلاال مساحة ما تشغّله من أدبيات وثقافات هذا المجتمع أو تلك الدولة؛ ومنها يمكن الكشف عن الاتجاهات الفرعية التي قد تتحول إلى اتجاهات عظمى في هذه المجتمعات أو الدول. وأصل التقنية هي قراءة الأفكار (Reading.Mind)56وإذا نظرنا إلى واقع القطاع الوقفي، فإننا نرى أنه في إمكاننا استخدام هذه التقنية بحيادية في الكشف عن مضامين الاتجاهات فيها القائمة والمؤثرة في الخطاب الوقفي أو في القرارات الوقفية. فلو افترضنا أن شروط الواقفين تتوجه غالبًا نحو الأوقاف التعليمية، وأن المصارف الوقفية التعليمية تزداد بناءً على شروط الواقفين في مجتمع مسلم، لأدركنا أن التوجه الأكثر حضورًا في هذا المجتمع هو التوجه نحو الوقف التعليمي. وهذا الاستنتاج يساعدنا في فهم واقعي لمستقبل الأوقاف في هذا المجتمع. ولو أننا قسمنا جنس الواقفين في دولة معينة، ثم أدركنا أن حجم الأوقاف التي تعود إلى النساء تشكل ثلااثة أضعاف الأوقاف التي تعود إلى الرجال، لأدركنا أن النساء يؤدّين دورًا رئيسًا في خدمة القطاع الوقفي في هذه الدولة. وبعد هذا التحليل للمضمون ولمساحة انشغال أدبيات الوقف عند النساء تحديدًا، يمكن أن نرصد آثار هذه النتيجة في المستقبل. وبعبارةٍ أخرى، ينبغي أن نحدّد دلالات المضمون، ثم نحدد الاتجاه الأكثر ظهورًا وبروزًا وتأثيرًا، ثم نقوم بعملية التنبؤ مستقبال.ا

خاتمة

أثبتت الدراسة وجود مجموعة من الخصائص التي تهمّ القطاع الوقفي حال دراسته دراسة مستقبلية، من أهمها الحفاظ على الخصوصية الشرعية، وأن هذه الدراسة تتسم بالإحاطة والشمول، والموضوعية والحيادية. ثم إن تعدّد أساليب الدراسة الكمية والنوعية في التحليل والاستنباط، وقابلية الظاهرة الوقفية لكل العلوم والتخصصات في الكشف عن مستقبلها، ومشاركة أصحاب العلااقة في تطوير أعمل مؤسسة الوقف مستقبليًا، فضالًا عن دينامية القراءة الاستشرافية للظاهرة الوقفية، تُعدّ كلها خصائص لا يمكن التغاضي عنها. وقد رشّحت الدراسة عدة تقنيات في الدراسات المستقبلية لدراسة الظاهرة الوقفية بلغت أربع عشرة تقنية، تعود بمجملها إلى أربعة مناهج هي: المناهج المعيارية أو الإرشادية، وهي تشمل العصف الذهني، والسيناريو، وتحليل التدرج السببي، والتنبؤ العكسي؛ وأما تقنيات المناهج الكمية أو الوصفية، فقد شملت تقنيات دلفي، ودولاب المستقبلاات، ومصفوفة التأثير المتبادل،

  1. Haku, p. 34.

وشجرة العلاائق، والسلسلة الزمنية، والإسقاط؛ في حين شملت تقنيات نماذج المحاكاة والمباراة المحاكاة، ونظرية المباراة؛ أما تقنيات النمذجة، فشملت التنبؤ التكنولوجي، وتحليل المضمون. إن هذه التقنيات مهمة في الدراسات المستقبلية، ويمكن أن يؤدي استخدامها إلى نتائج وتوصيات في القطاع الوقفي، نظرًا إلى انسجامها وقدرتها على إدراك بعض الغموض أو كنه الظاهرة الوقفية وسبر أغوارها. ويمكن الاستفادة من عدة تقنيات مجتمعةً أو منفردةً في دراسة الظاهرة الوقفية؛ من خلاال الاستفادة من العصف الذهني والسيناريو ودلفي ومصفوفة التأثير المتبادل وغيرها، ويمكننا أيضًا الانتهاء إلى نتائج واضحة، فضالًا عن استخدام بعضها على نحو منفرد؛ وهذا كله يعود إلى فريق العمل. ومن ثمّ، ندعو أن يكون لدى المؤسسة الوقفية المعاصرة توجه حقيقي في مجالس النظارة أو الإدارات التنفيذية إلى دراسة المستقبل، واستكشاف الفرص والتحديات على نحو مبكر، كي تكون الدراسات المستقبلية عضدًا للدراسات الاستراتيجية والخطط التنفيذية. وندعو إلى تعزيز الشراكة مع مؤسسات ومراكز البحث واستشراف المستقبل في المجتمعات والدول التي توجد فيها أوقاف؛ لأنّ الوقف بصورة عامة ينطلق من مرتكز اجتمعي اقتصادي، وهذا محور قيام المجتمعات والدول. وهكذا، لا بدّ من مراعاة الواقع الوقفي فيها، لأنه أساسٌ في استشراف المستقبل.

المراجع

العربية

إسمعيل، وائل. "التخطيط العلمي لصنع المستقبل". دراسات دولية. العدد).2011(47

استشراف للدراسات المستقبلية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016

خميسة، عقابي. "تقنية دلفي وأهميتها في الدراسات المستقبلية". المجلة الجزائرية للأمن والتنمية. العدد 11 (تموز/ يوليو.)2017

الساعدي، رحيم. مقدمة إلى علم الدراسات المستقبلية. الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع،.2013 سعداوي، محمد. بناء السيناريو في ضوء الدراسات المستقبلية. رسالة ماجستير. جامعة حلوان. كلية الفنون التطبيقية..2016

شبايكي، حاتم. "عرض أساليب استشراف المستقبل الأكثر استخدامًا في الدارسات المستقبلية". مجلة معارف للعلوم القانونية والاقتصادية. مج 7، العدد 1 (حزيران/ يونيو.)2020

الصلااحات، سامي. "معايير الاستدامة المالية للمؤسسات الوقفية: أوقاف جامعة هارفارد نموذجًا". مجلة إسرا الدولية للملية الإسلامية. مج 10، العدد 1.)2019(

________. "الوقف وتقنية البلوك تشين: قراءة شرعية في الاستثمر والتمويل". مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية. مج 41، العدد 1.)2023(

صيفي، مشاور. "استشراف المستقبل: أساليب التنبؤ بالمستقبل في التفاعلاات الدولية، السيناريو نموذجًا". أبحاث قانونية وسياسية. مج 7، العدد 1 (حزيران/ يونيو.)2022

عبد الحي، وليد. مدخل إلى الدراسات المستقبلية في العلوم السياسية. عمن: المركز العلمي للدراسات السياسية،.2002

________. مناهج الدراسات المستقبلية وتطبيقاتها في العالم العربي. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.2007

العلي، عبد الله. "الدراسات المستقبلية في الفكر العربي: الواقع والتحديات". المجلة العربية للإدارة. مج 45، العدد 3 (أيلول/ سبتمبر.)2025

فيلاالي، ليلى. "توظيف أساليب الدراسات المستقبلية في بحوث الإعلاام والاتصال". المعارف للبحوث والدراسات التاريخية، العدد 17 (حزيران/ يونيو.)2018

الكعبي، سليمن. موسوعة استشراف المستقبل. دبي: قنديل للطباعة والنشر،.2018

المعهد الدولي للوقف الإسلاامي. التقرير الاستراتيجي للأوقاف 021-1996 2. ط 2. القاهرة:.2022

المهدي، مالك. "مفهوم التنمية الاجتمعية: رؤية مستقبلية". مجلة الدراسات المستقبلية. العدد 17، العدد 1.)2016(

واغنر، سينثيا. الاستشراف والابتكار والاستراتيجية. ترجمة صباح الدملوجي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009

الأجنبية

Bell, Wendell. Foundations of Futures Studies. History, Purposes and Knowledge:

Human Science for a New Era. vol. 1: History, Purposes, and Knowledge. New

Brunswick/ London: Transaction Publishers, 2003.

Buhring, Jorn & Ilpo Koskinen. "Beyond Forecasting: A Design-Inspired Foresight

Approach for Preferable Futures." Proceedings of the 2017 IASDR Congress,

University of Cincinnati. Cincinnati. 2017.

Haku, Michio. Physics of the Future: How Science will Shape Human Destiny and

our Daily Lives by the Year 2100. New York: Doubleday, 2011.

Junquera, Fernando Gutierrez (ed.). There's a Future: Visions for a Better World.

Madrid: BBVA, 2013.

Kochard, Lawrence E. & Cathleen M. Rittereiser. Foundation and Endowment

Investing: Philosophies and Strategies of Top Investors and Institutions.

Hoboken, New Jersey: John Wiley & Sons, Inc., 2008.

Kolambe, Milind & Sandhya Arora. "Forecasting the Future: A Comprehensive

Review of Time Series Prediction Techniques." Journal of Electrical Systems.

vol. 20, no. 2s. (2024).

Kreibich, Rolf, Britta Oertel & Michaela Wölk. "Futures Studies and Future-Oriented

Technology Analysis: Principles, Methodology and Research Questions." HIIG

Discussion Paper Series. Discussion Paper 2012-05. October 2011.

Mietzner, Dana & Guido Reger. "Advantages and Disadvantages of Scenario

Approaches for Strategic Foresight." International Journal Technology

Intelligence and Planning. vol. 1, no. 2 (2005).

Minkkinen, Matti. "Theories in Futures Studies: Examining the Theory Base of the

Futures Field in Light of Survey Results." World Futures Review. vol. 12, no. 1

Muzykina, Yelena V. et al. "Expanding Islamic Studies Epistemological Apparatus

with Futures Studies." Journal of Futures Studies. vol. 28, no. 3 (March 2024).

Paulus, Paul B. & Huei-Chuan Yang. "Idea Generation in Groups: A Basis for

Creativity in Organizations." Organizational Behavior and Human Decision

Processes. vol. 82, no. 1 (2000).

Paulus, Paul B. & Bernard A. Nijstad (eds.). The Oxford Handbook of Group

Creativity and Innovation. Oxford: Oxford University Press, 2019.

UNDP Global Centre for Public Service Excellence. Foresight as a Strategic Long-

Term Planning Tool for Developing Countries. Singapore: UNDP Global

Centre for Public Service.