هل يحوّل الخادم الذكي سيّده إلى غبيّ؟
Will the Smart Servant Make its Master Dumb?
- التقنية
- التعليم
- الذكاء البشري
- الذكاء الاصطناعي
- Education
- Artificial Intligence
- Human Intelligence
- Technology
هل يحوّل الخادم الذكي سيّده إلى غبيّ؟ Will the Smart Servant Make its Master Dumb?
يبّشر الذكاء الاصطناعي بتقليص عدد من المهمت الذهنية البشرية الملحّة. فم مصير قدراتنا المعرفية التي اكتسبناها بجهدٍ كبير؟ في العام الماضي، اجتاح الذكاء الاصطناعي العالم من خلاال قدرته على توليد نصوص وأعمل فنية تحاكي الذكاء البشري. وقد سلّطت هذه الإنجازات المهمّة الضوء على الذكاء الاصطناعي، واستحوذت على اهتمم الجميع. صحيحٌ أنّ بعض أشكال الذكاء الاصطناعي كانت موجودة منذ عقود، مثل نظم الخبراء وتعلّم الآلة، لكنّ الذكاء الاصطناعي التوليدي فاجأ الجمهور العريض بقدراته "الإبداعية". وتستند هذه القدرات إلى التعلّم العميق، الذي يتيح تدريب الخوارزميات على عددٍ هائل من البيانات، من خلاال استخدام الشبكات العصبية الاصطناعية. وقد أدّى هذا الأمر إلى تطوير نماذج لغوية كبيرة مثل (GPT-4)، التي يمكنها توليد نصوص تحاكي الذكاء البشري عن مجموعة واسعة من الموضوعات. وإضافةً إلى ذلك، تسمح مولّدات الفن بالذكاء الاصطناعي بتصميم قطع فنية جديدة و"فريدة"، سواء أكانت صورًا أم موسيقى أم مقاطع فيديو. ولا شكّ في أنّ الذكاء الاصطناعي سيجتاح كلّ جانب من جوانب مجتمعنا في المستقبل القريب، ما يؤدي إلى إحداث ثورة في الصناعات وتحسين الكفاءة والإنتاجية، فضالًا عن تخفيض التكاليف وزيادة الدقّة في مختلف المجالات. غير أنّ مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يوفر إمكانات غير محدودة فحسب، بل أيضًا العديد من التحديات والمخاطر. صحيحٌ أنّ سيناريوهات الخيال العلمي التي تتفوّق فيها الآلات الذكية على البشر تبدو مستبعدة، لكنّ تأثير الذكاء الاصطناعي في المجتمع والإنسانية سيكون له عواقب وخيمة. يدور نقاش حيوي بشأن المخاطر المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما فيها مسائل مثل التحيّز والمعلومات المغلوطة والتلااعب الاجتمعي، فضالًا عن المخاوف المتعلّقة بالخصوصية وإمكانية سباق تسلّح محورُه الأسلحة الذاتية التشغيل. وتتعلّق إحدى المخاوف الرئيسة بتأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، إذ ستختفي العديد من الوظائف، إما لأنّ عامالًا واحدًا سيتمكّن من القيام بوظيفة العشرات من العّما ل بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وإمّا لأنّ العّما ل ستحلّ ببساطة محلهم بدائلهم الاصطناعية. أما الجانب "المشرق" في الموضوع، فهو إمكانية توافر فرص عمل جديدة. ومن ثم، قد يؤدي النمو الاقتصادي الإجملي الذي حقّقه الذكاء الاصطناعي إلى تعزيز سوق العمل في نهاية المطاف. ومع ذلك، لا تزال المخاوف بشأن فقدان الوظائف المنتشرة على نطاق واسع قائمةً، وتحمل دلالات عاطفية قوية؛ فعلى خلااف الابتكارات التكنولوجية السابقة، لن يؤثر استخدام الذكاء الاصطناعي في العّما ل ذوي المهارات المتدنية فحسب، بل سيشمل أيضًا المهنيين الذين يتمتّعون بمستوى تعليم عالٍ، والذين يمارسون مهنًا مرتبطة تقليديًا بالذكاء البشري والإبداع. صحيحٌ أنّ مخاطر أكثر إلحاحًا ألقت بظلاالها على مسألة تأثير الذكاء الاصطناعي في القدرات المعرفية البشرية، لكنّ هذا التأثير قد يشكّل على المدى البعيد أحد أخطر التهديدات. والواقع أنّ التأثير الذي تمارسه المعلومات الرقمية وتكنولوجيا الاتصالات على عقولنا أمر مسَّلَم به على نطاق واسع. فالوصول الفوري إلى الإنترنت، الذي أصبح ممكنًا بفضل الاستخدام الواسع النطاق للهواتف
الذكية، يشّك ل فائدةً لا يمكن إنكارها. ولكنّ قضاء الناس متوسط سبع ساعات يوميًا على الإنترنت في مختلف أنحاء العالم، قد يغّير الطريقة التي تعمل بها أدمغة البشر، إذ إنّ القدرة على التفكير التحليلي والنقدي العميق تتراجع، أما القراءة فتولي الأولوية للفاعلية والسرعة. ويؤثر هذا التحوّل في قدرتنا على تفسير النصوص وإقامة الروابط الذهنية المعقّدة التي تحدث عندما ننخرط في قراءة عميقة وغير مشتتة. ولا شكّ في أنّ هذا الوضع سيتفاقم كثيرًا مع انتشار روبوتات الدردشة والمتصفحات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي؛ إذ إنّ هذه الأدوات لا توفر لنا عناء البحث في الإنترنت عن المعلومات وقراءة المحتوى من مواقع مختلفة ومقارنة النتائج، إضافةً إلى اختيار ما يكون الأكثر صلة بالموضوع المطروح فحسب، بل إنها قادرة أيضًا على تقديم نتائج العمل المنجز في نص خالٍ من الأخطاء. وعلااوةً على ذلك، ستبلغ ميزة التعرّف إلى الكلاام والصوت الاصطناعي مستويات تحاكي قدرات البشر بفضل الذكاء الاصطناعي. لذا، فإنّ تفاعلنا مع أيّ جهاز رقمي سيتغّير قريبًا، فينتقل من النصي إلى اللفظي. وبالنسبة إلى الأغلبية، قد يحدّ ذلك عملًّيًا وكلًّيًا من الحاجة إلى قراءة أو كتابة أيّ شيء أكثر تعقيدًا من المنشورات القصيرة التي تشبه التغريدات. وتصبح القدرة على التعامل مع نص واضح مهارةً تجاوزها الزمن، إذ إنّ المهمت التي يعفينا منها الذكاء الاصطناعي هي تحديدًا تلك التي تُعدّ مهارات القراءة والكتابة الأساسية: أي الفهم والقدرة على استخراج التفاصيل وفهم جوهر النص، فضالًا عن التعرّف إلى الاستدلالات وتلخيص المعلومات على نحو مُجدٍ، والتنبؤ بناءً على القراءة. وعندما يفتقر الفرد إلى هذه القدرات، فإنه يُعدّ أمّيًا وظيفيًا، على الرغم من امتلااكه بعض المهارات الأساسية في القراءة والكتابة. ومن المتوقع أن تتفاقم الأمية الوظيفية إلى حد بعيد بسبب الاستخدام الواسع النطاق للذكاء الاصطناعي. يبّشر المساعدون الشخصيون، [وهم أساس] ثورة الذكاء الاصطناعي القادمة، بفائدة بالغة الأهمية، ولكن تبنّيهم على نطاق واسع يؤدي إلى عواقب قد تكون مدمّرة. من منّا لم يحلم بالحصول على مساعدٍ مستعٍّدٍ لتلبية أيّ مطلب، وقادر على أداء مجموعة واسعة من المهمت نيابة عنه؟ إنّ الذكاء الاصطناعي مستعدّ لتحويل هذا الحلم إلى حقيقة. لن يوفر لنا المساعدون الافتراضيون سهولة الوصول إلى المعلومات والخدمات فحسب، بل سيهتمون أيضًا بمهمتنا اليومية وينظّمون جدولنا بكفاءة إلى درجة قد ينتهي بنا الأمر إلى تفويض غالبية تفكيرنا واتخاذ القرارات إليهم. فوفقًا لمصطفى سليمن، المؤسس المشارك ل (DeepMind)، وهو قسم الذكاء الاصطناعي في غوغل، سيصبح المساعدون الشخصيون الذين يعملون بالذكاء الاصطناعي حقيقةً ملموسةً في غضون السنوات الخمس المقبلة. وسيكون لدى كل فرد خادم ذكي على بيّنة بجميع معلوماته الشخصية وتفضيلااته، ويساعد في إدارة المهمت اليومية من التخطيط للإجازات إلى العثور على شقة، ومن المساعدة في العمل إلى المساعدة في تخفيف الوزن. لا شكّ في أن هذا الاحتمل مغرٍ. ولكن كم ورد في مسرحية تاجر البندقية لوليام شكسبير، "ليس كل ما يلمع ذهبًا". فالذكاء الاصطناعي ثمرة مغرية، ولكنها قد تكون سامّة؛ إذ إنّ التسهيلاات التي يوفرها قد تحرم الأدمغة البشرية من الأنشطة
التي تحتاج إليها عقول البشر لتطوير المهارات المعرفية الأساسية والحفاظ عليها. فهل ستضمر عقولنا، إذا حُرمت من الأنشطة الأساسية التي تصقل قدراتنا المعرفية؟ وهل سيتحوّل تبسيط الذكاء الاصطناعي لعملية اتخاذ القرار إلى عملية ارتدادية، فيتركنا في حيرة من أمرنا حتى أمام الخيارات البسيطة التي نتخذها بأنفسنا؟ لن يكون تأثير الذكاء الاصطناعي في القدرات المعرفية متجانسًا. إنّ كيفية استخدامنا له أمرٌ جوهريّ. ويستمرّ أولئك الذين يشغلون وظائف تتطلّب جهدًا ذهنيًا كبيرًا وانخراطًا في أنشطة فكرية مهمّة، في تنمية قدراتهم العقلية، مسخّرين إياه في تعزيز جهودهم. وسيتمكّن العلمء والمبدعون، الذين تحرّروا من ممرسة المهمت العادية، من تخصيص المزيد من الوقت للتفكير الإبداعي. وقد يعزّز الذكاء الاصطناعي العملية الإبداعية نفسها، من خلاال تمكيننا من استكشاف مجموعة كبيرة من الخيارات، ومقارنة نُهج مختلفة بلمحة واحدة، واختبار أفكار جديدة وخيارات غير مكتشفة بسرعة. ومع ذلك، قد يصبح الاعتمد السلبي على المساعدين الافتراضيين هو القاعدة بالنسبة إلى غالبية السكان. صحيحٌ أنّ الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى توفير الوقت في أثناء القيام بالواجبات اليومية، لكنّ الميل إلى الانخراط في أنشطة ذهنية محفّزة قد يتضاءل، ما يؤدي إلى ركود معرفي. وفي الأمد البعيد، لن تتمكّن غالبية الناس من قراءة النصوص الأكثر تعقيدًا وفهمها من تغريدة، وستبدو أيّ مهمة تتطلّب جهدًا ذهنيًا معتدلًا عقبة لا يمكن تجاوزها. وقد ينشأ هنا "انقسام معرفي"، إذ تعمل أقليّة من البشر بفاعلية على تنمية قدراتها العقلية وتطويرها، في حين تواجه الأغلبية تراجعًا معرفيًا. وسيتمّ اختزال المهارات الشائعة حاليًا، مثل القراءة والفهم والتلخيص والمقارنة، في قدرات بدائية لدى غالبية السكان. ونستذكر هنا القول المأثور: "استخدمها أو اخسرها!". ويشبه هذا السيناريو المحتمل، إلى حد بعيد، ما حدث في مجتمعنا بعد ظهور التشغيل الآلي. لقد أصبحت أجسادنا، التي تطوّرت على مدى الأعوام لتصبح قادرة على أداء المهمت الشاقة، تعاني قلّة النشاط البدني، بسبب الاستخدام الواسع النطاق لوسائل النقل وزيادة الوظائف التي تتطلّب الجلوس وقتًا طويال.ا وقد أفضى ذلك إلى ظهور أمراض مرتبطة بنمط الحياة الخاملة. والواقع أنّ ممرسة الأنشطة الرياضية هي الحلّ لمثل هذه المشاكل، إذ إنها تشكّل بديالًا من الجهد البدني الذي لا يقدّمه التشغيل الآلي، ما يتيح لأجسادنا القيام بالنشاط البدني المطلوب. وقد يساهم هذا الأمر في ابتكار التدابير التي يجب أن تعتمدها البشرية في المستقبل، لمعالجة إهمل استعمل القدرات العقلية بسبب الذكاء الاصطناعي. إنّ التدريبات الذهنية خلاال أوقات الفراغ قد توفّر لعقولنا النشاط الذي نفتقد إليه بسبب المساعدين الشخصيين الذين يعملون بالذكاء الاصطناعي والذين يتمتّعون بفاعلية عالية، وغيرها من الأدوات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي. ويعتمد نجاح هذا النهج على الترويج الفعّال الذي ستقوم به الهيئات العامة والخاصة، بهدف إقناع الجمهير بفكرة الأنشطة الذهنية الترفيهية؛ هذه الجمهير التي تراجعت قدراتها المعرفية بسبب تقليص الذكاء الاصطناعي لجهودها المعرفية. ومع ذلك، لن تكون هذه مهمة بسيطة. فقد يكون التغلّب على الجمود الفكري أكثر صعوبة من التغلّب على الكسل البدني.