Return to Article Details Recent Publications

منشورات جديدة

Recent Publications

هيئة التحرير

Zhiyong Fu, Anna Barbara & Peter Scupelli (eds.), Digital Futures in Human-Computer Interaction: Design Thinking for Digital Transformation (Abingdon, Oxon: CRC Press, 2025), 263 p.

في سياقٍ عالمي موسوم بالتطور المتسارع للاابتكار التكنولوجي، وحيث أصبحت قضية التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر تكتسي أهمية كبرى، يأتي كتاب المستقبلات الرقمية في التفاعل بين الإنسان والحاسوب: التفكير التصميمي للتحول الرقمي، ليكشف عن تكامل التفكير المستقبلي في التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر، وليقدم إطارًا استشرافيًا للتحول الرقمي للتجارب البشرية والأنظمة والمجتمعات. ومن خلاال تركيز الكتاب على ما يسميه "التصميم التكهّني" Speculative Design()، و"التثقيف بالمستقبل" Futures Literacy()، ومنهجيات التصميم المتمحورة حول الإنسان، يوفر خريطة طريق للباحثين والمصممين وصناع السياسات الحريصين على التعامل مع الآثار الطويلة الأمد للاابتكار الرقمي. ومن ثمّ، فهذا الكتاب هو أكثر من مسح للااتجاهات الحالية للتحولات الرقمية؛ إنه دعوة صريحة لإعادة تصور دور "التفكير التصميمي" في تشكيل مستقبل رقمي مستدام وأخلااقي وشامل للجميع.

يتناول الكتاب التقاطع بين التفكير التصميمي والتفكير المستقبلي، بصفته وسيلة للتنقل بين عدم اليقين والفرص التي يقدمها التحول الرقمي. ويتكون من أربعة أقسام تقدم تحليلاات متكاملة للااتجاهات المستقبلية في مجال التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر، ومعرفة المستقبل، وتطبيقات التصميم العملية، والآثار المجتمعية الأوسع لهذه الديناميات الناشئة. تؤسس الفصول الافتتاحية للكتاب لفهم كيفية إحداث التحول الرقمي اضطرابات في بعض القطاعات، مثل التمويل، والرعاية الصحية، والتعليم. وتسلّط الضوء على التأثير الشامل للتكنولوجيا في الأشكال الثقافية والتفاعل البشري، وتؤكّد أهمية الاستشراف في التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر، بوصفه أداةً لاستكشاف بدائل المستقبل، ومعالجة العواقب الطويلة الأمد للتقدم التكنولوجي السريع. وتتناول الأقسام اللااحقة مسألة "التثقيف بالمستقبل"؛ وهو مفهوم يدافع عنه المحررون باعتباره ضروريًا لتوقّع التحولات في النمذج المجتمعية والتكنولوجية. وفيها يجري استكشاف منهجيات مثل "بناء السيناريوهات" (Scenario-building)، و"التصميم التكهّني"، و"تخطيط المستقبل" (scaping Future)، وتأكيد أنّ هذه الأساليب من شأنها أن توجّه الممرسين إلى تشكيل مستقبتٍ أفضل. وتقدم هذه الفصول العملية أدوات واستراتيجيات لدمج الذكاء الاصطناعي، والواقع المعزز، والتصميم المتمحور حول الإنسان، في أنظمة تفاعلية تمنح الأولوية لقابلية الاستخدام من جهة، وللااعتبارات الأخلااقية من جهةٍ أخرى. ويختتم الكتاب بمناقشة مستقبلية للتأثيرات المجتمعية الأوسع نطاقًا للتفاعل بين الإنسان والكمبيوتر والتحول الرقمي. وتؤكد موضوعات مثل الاستدامة، والتفكير البيئي، والرفاهة الرقمية، الحاجة الملحة إلى مواءمة الابتكار التكنولوجي مع الاحتياجات البشرية والكوكبية. ومن خلاال التعامل مع هذه الموضوعات، يدعو المحررون إلى عقدٍ اجتمعي جديد في العصر الرقمي؛ وهو عقد يولي الشمول، والمرونة، والاستدامة الطويلة الأجل الأولوية. من بين أهم السمت التي تميّز الكتاب دمجه بين التفكير التصميمي والتفكير المستقبلي؛ وهي المقاربة التي تتحدى المنهجيات التقليدية للتفاعل بين الإنسان والكمبيوتر، من خلاال تشجيع موقف استباقي تجاه المستقبل. ويحاجّ محرّرو الكتاب في أن أطر حلّ المشكلاات التقليدية غير كافية للتنقل عبر تعقيدات التحول الرقمي. وبدلًا من ذلك، فهم يدافعون عن مقاربة تصميمية تكهّنية تعزز الابتكار، وتراعي الاعتبارات الأخلااقية والاجتمعية والبيئية. فعلى سبيل المثال، يسلط فصل "منهجيات مستقبل التصميم" الضوء على الكيفية التي يمكن أن تمكّن بها المصنوعات التكهنية) Speculative Artifacts("" الأطراف الفاعلة من استكشاف آثار التقنيات الناشئة، في سياقٍ خيالي متحكّمٍ فيه. وتكتسي هذه المقاربة أهميةً خاصة في عصر الذكاء الاصطناعي و"الميتافيرس" (Metaverse)، حيث تصبح الحدود بين العالمين الافتراضي والمادي غير واضحة على نحوٍ متزايد. ويتميّز الكتاب بسمة أخرى، هي تركيزه على الاستشراف ومعرفة المستقبل. ففي فصل "التفكير في المستقبل ومعرفة المستقبل"، يقدم المؤلفون حجة مقنعة لدمج التفكير الطويل الأجل في ممرسات التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر، ويناقشون الركائز الست للتفكير في المستقبل، وهي: التخطيط، والتنبؤ، والتوقيت، والتعميق، وخلق مستقبلاات بديلة، والتحول، بوصفها أدوات للتنقل بين عدم اليقين

والتعقيد. وتتجّلى هذه المقاربة في مناقشة مسألة تعاطف الذكاء الاصطناعي في الميتافيرس؛ حيث يستكشف المؤلفون كيف يمكن أن تحاكي الخوارزميات المتقدمة الاستجابات العاطفية؛ ما يثير أسئلة عميقة بشأن التواصل البشري في البيئات الافتراضية. ومع ذلك، لا يخلو الكتاب من بعض أوجه القصور؛ في حين أن مناقشاته النظرية قوية، فإن تطبيقاته العملية تفتقر أحيانًا إلى التحديد. فعلى سبيل المثال، يقدم الفصل الخاص بالتفكير البيئي في التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر مفاهيم قيّمة، مثل "التصميم الموجه نحو الاستدامة"، غير أنه لا يقدم سوى دراسات حالة محدودة لإثبات كيفية تنفيذ هذه المبادئ في مشاريع العالم الحقيقي. وقد كان من الممكن في هذا الصدد تعزيز مسألة استكشاف الأمثلة الناجحة على نحوٍ أكثر تفصيال، ا مثل استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين استهلااك الطاقة في المدن الذكية. وثمة مجالٌ آخر قد يفيد من المزيد من الاستكشاف، وهو إمكانية الوصول إلى منهجيات التفكير في المستقبل. فعلى الرغم من أنّ الكتاب يقدم نظرةً شاملة حول أدوات مثل بناء السيناريوهات، والتصميم التكهّني، فإن هذه المفاهيم قد تشكل تحديًا للقراء غير الملمين بهذا المجال. وقد كان من الممكن أن يجعل وجود مسردٍ للمصطلحات التخصصية استيعاب هذه المنهجيات أكثر سلااسة بالنسبة إلى الممرسين الجدد في مجال الدراسات المستقبلية. ويظلّ الجانب الأكثر إقناعًا في كتاب المستقبل الرقمي في التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر، هو وضعه رؤيةً للتفاعل بين الإنسان والكمبيوتر، تتجاوز مجرد قابلية الاستخدام والوظائف، وتؤكّد إمكاناته في معالجة التحديات النظامية مثل التغير المناخي، والتفاوتات الاجتمعية، والصحة العقلية. ويدعو المؤلفون إلى دمج استراتيجيات التقييم العاطفي في تصميم التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر؛ ما يمكّن الأنظمة من التكيّف مع الحالات العاطفية للمستخدمين وتعزيز التغيير السلوكي الإيجابي. ويتناول أحد فصول الكتاب، المثيرة للتفكير على نحوٍ خاص، دور الذكاء الاصطناعي في تشكيل مستقبل التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر. ويناقش المؤلفون كيف يمكن أن تعزز الأنظمة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي التخصيصَ والقدرةَ على التكيف؛ ما يتيح تفاعلاات أكثر بديهية واستجابة. ومع ذلك، فإنهم يحذّرون أيضًا من مخاطر الاعتمد المفرط على الذكاء الاصطناعي، مثل تآكل استقلاالية المستخدم، وإمكانية التحيز الخوارزمي. ومن خلاال الدعوة إلى مبادئ التصميم القائم على وضع الإنسان في الحلقة (Design Human-in-the-Loop)، يؤكد الكتاب أهمية الحفاظ على الرقابة البشرية والمساءلة في الأنظمة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي. يحفّز الكتاب التفكير النقدي في مستقبل التكنولوجيا وتأثيراتها في المجتمع. ومن خلاال دمج التفكير التصميمي مع التفكير المستقبلي، يقدم إطارًا شامالًا للتعامل مع عدم اليقين في التحول الرقمي، مع منح الرفاهية البشرية والبيئية الأولوية. وبالنسبة إلى شخص يسعى لفهم أفضل لمستقبل التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر، يعدّ هذا الكتاب موردًا أساسيًا. فهو لا يزوّد القرّاء بالأدوات اللاازمة لتوقّع التغيير التكنولوجي وتشكيله فحسب، بل يلهمهم أيضًا لتصور مستقبل تخدم فيه التكنولوجيا تطلعاتٍ مشرقة للبشرية.

لم تفتأ الثورة الرقمية تحظى بالإشادة، بوصفها ثورةً عظيمة في تاريخ البشرية، وقوةً دافعة هائلة للتقدم والرفاه والديمقراطية والمساواة. بيد أنّ كتاب أنيتا ساي تشان البيانات المفترسة: تحسين النسل في شركات التكنولوجيا الكبرى وكفاحنا من أجل مستقبل مستقليأتي ليقوّض هذه الصورة المشرقة، وليكشف عن حقيقة أشدّ قتامة؛ وهي أن ما وراء وعود الابتكار التكنولوجي تكمن استمرارية مقلقة للممرسات الاستغلاالية والتفاوتات البنيوية. ومن خلاال رسم خط مباشر بين الحركات المناصرة لتحسين النسل في القرنين التاسع عشر والعشرين، والعمليات الحديثة لشركات التكنولوجيا الكبرى، تكشف المؤلفة كيف تستمر الممرسات المتجذرة في استخراج البيانات Anita Say Chan, Predatory Data: Eugenics in Big Tech and Our Fight for an Independent Future (Berkeley, CA: University of California Press, 2025), 262 p. في تشكيل الحاضر ورهن المستقبل برهانات ربحية وهيجيمونية. فهذا الكتاب هو بدرجة أولى اتهام لاقتصاد البيانات السائد، وخريطة طريق لمقاومة ميوله الأحادية؛ وهو يدعو بدلًا من ذلك إلى اتباع مقاربةٍ تعددية للتكنولوجيا، ولخلق معرفة متمحورة حول الإنسان والمجتمع. يتمثّل جوهر كتاب البيانات المفترسة في دعوته إلى إعادة التفكير في أصول اقتصاد البيانات المعاصر وعواقبه. وتقوم أطروحته على تأكيد أن التقنيات والأيديولوجيات التي تدعم مؤسسات البيانات الضخمة اليوم ليست جديدة، ولكنها مستمدّة بصفة كبيرة من الإرث الفكري والعملي لعلم تحسين النسل (Eugenics). ومن خلاال تأطير صعود اقتصاد البيانات في سياقٍ تاريخي، تسلّط

تشان في هذا الكتاب الضوء على كيفية توفير أدوات علم تحسين النسل، للمراقبة والتصنيف والتنبؤ، الأرضية للأنظمة الخوارزمية الحديثة. يتألف الكتاب من ستة فصول، يتناول كل منها جوانب مختلفة من هذا الاستمرار التاريخي والمفاهيمي، يستهلّها باستكشاف كيفية استخدام علمء تحسين النسل في القرن العشرين للبيانات لبناء سرديات التسلسل الهرمي البشري. ثم يحلّل كيفية إعادة توظيف شركات التكنولوجيا الكبرى لهذه المنهجيات، وكيف أثمرت العديد من المخرجات، التي تتجلى مثالًا في "الشرطة التنبئية" (Policing Predictive)، أو في "التحيز الخوارزمي" (Bias Algorithmic)، وتؤكّد تشان من خلاالها أن ممرسات البيانات المعاصرة تديم أنظمة عدم المساواة والاستبعاد تحت ستار الحياد والكفاءة. ومن النقاط البارزة، على نحوٍ خاص، في الكتاب مفهومه "البيانات المفترسة" (Data Predatory)، التي يُعرفها بأنها الاستغلاال الاعتيادي للسكان المهمشين، من خلاال جمع البيانات وتحليلها. وهو بذلك يفترض أن هذا الاستغلاال ليس عرضيًا، بل إنه بنيوي وضروري لمنطق اقتصاد البيانات القائم على الربح. ومن خلاال التركيز على الجنوب الكبير، والجمعات المهاجرة، وغيرها من المجموعات المهمّشة و/ أو المحرومة تاريخيًا، تكشف تشان كيفية عمل شركات التكنولوجيا الكبرى على تضخيم أوجه عدم المساواة القائمة، بينم تسوق ممرساتها على أنها ثورية وتقدمية. إسهام تشان في هذا الكتاب هو تنقيب تاريخي في جذور تحسين النسل، بقدر ما هو نقد للحداثة. ففي تتبعها لجذور ممرسات البيانات المعاصرة، التي تعود إلى بداية علم تحسين النسل، تواجه القراء بحقيقة مزعجة مفادها أنّ الأنظمة التي تعتمد على البيانات هي غالبًا متورطة بصفة كبيرة في تاريخ القمع. فعلى سبيل المثال، تؤكد المؤلفة، من خلاال مناقشتها قواعد البيانات الحيوية في أوائل القرن العشرين، واختبارات الذكاء، واستطلااعات الأخلااق، أنه قد تم استخدام هذه الأدوات لتبرير الفصل العنصري، والتعقيم القسري، وغيرها من السياسات التي تهدف إلى تهميش السكان "غير المرغوب فيهم". ومن خلاال ربط هذه الممرسات بالتطبيقات الحالية، مثل تكنولوجيا التعرف على الوجه، والتحليلاات التنبئية، تكشف عن استمرار فكرة تحسين النسل في العصر الرقمي. ويتناول أحد أكثر أقسام الكتاب إقناعًا كيفية عمل منصات التكنولوجيا الكبرى على تضخيم العنف السياسي والتمييز. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى تحليل تشان لدور فيسبوك في نشر خطاب الكراهية والمعلومات المضللة أثناء الانتخابات في الهند وميانمار. وهي تشرح بالتفصيل كيف سهلت "عن غير قصد" خوارزميات المنصة، المصممة لتعظيم المشاركة، حملاات الإبادة الجمعية والعنف الجمعي. ويبّين هذا المثال بوضوح أطروحتها بأن الأنظمة التي تعتمد على البيانات ليست محايدة، ولكنها سياسية بطبيعتها، وتتشكل وفقًا لأولويات أولئك الذين يصممونها وتحيزاتهم. وتنتقد تشان أيضًا "السردية المستقبلية الأحادية" التي تروّج لها شركات التكنولوجيا الكبرى، والتي تضع التقدم التكنولوجي في إطار حتمي ومفيد للعالم بأسره، وتؤكّد أن هذه السردية تمحو الرؤى البديلة للمستقبل، وخاصة تلك المتجذرة

في ممرسات البيانات المتمحورة حول المجتمع، والموجهة نحو العدالة. وتقدم مناقشتها ل "تعددية البيانات" (Pluralism Data)، وهو مفهوم يؤكد المقاربة المتنوعة والمحلية لحوكمة البيانات، بصفتها وجهةَ نظر مضادة قوية. ومن خلاال تسليط الضوء على أمثلة لمبادرات البيانات التي تقودها النسويات والسكان الأصليون والمهاجرون، تثبت أن النمذج البديلة ليست ممكنة فحسب، بل إنها موجودة بالفعل في الممرسة العملية. هناك جانبٌ آخر مقنع في كتاب البيانات المفترسة هو رؤيته لمستقبلٍ مستقلّ وتعدّدي؛ ذلك أنّ دعوة تشان إلى "البنى التحتية العلاائقية" (Relational Infrastructures) - وهي شبكاتٌ لإنتاج المعرفة قائمة على الرعاية، والمساءلة، والعدالة - تقدم إطارًا تحويليًا لإعادة التفكير في حوكمة البيانات. وهي تؤكد أنه من خلاال التركيز على تجارب الجمعات الأهلية والمجتمعات المهمشة وخبراتها، يمكننا تطوير أنظمة تمنح الرفاهة الجمعية الأولوية على حساب الربح، وتتحدى بنجاح هيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى. ومن أبرز الأمثلة التي يعرضها الكتاب مناقشة "عيادة بيانات الجمعة الأهلية" (Data Community Clinic)؛ وهو مشروع يجمع بين الناشطين والباحثين وخبراء التكنولوجيا من أجل التعاون في ابتكار حلول بيانات مصممة لتلبية الاحتياجات المحلية. ويجسد هذا المشروع مبادئ التعددية في البيانات، ويوضح كيف يمكن أن يتحدى النهج التشاركي المنطق الاستخراجي لشركات التكنولوجيا الكبرى. ومن خلاال تسليط الضوء على مثل هذه الأمثلة، يكتسي الكتاب بعدًا ملهمًا لتصور مستقبل، حيث تعمل التكنولوجيا أداةً للتمكين بدلًا من الهيمنة. ويشكّل الفصل الختامي للكتاب، وعنوانه "تعددية البيانات ودليل الدفاع عن العوالم غير المحتملة"، صرخةً حاشدةً ودليالًا عمليًا في الآن ذاته. فهو يحدد الخطوات العملية اللاازمة لمقاومة ممرسات "البيانات المفترسة"، من الدعوة إلى فرض لوائح تنظيمية أقوى، إلى تعزيز التعاون بين التخصصات المختلفة. ومن الأهمية القصوى في هذا الصدد تأكيد تشان أن هذا العمل ليس مجرد عمل تقني، بل إنه عمل سياسي عميق، ويتطلب التزامًا جمعيًا بتخيل مستقبل بديل وبنائه. وعلى الرغم من أن كتاب البيانات المفترسة يزخر بمفاهيم معقدة في دراسات البيانات النقدية، أو في مجال تحسين النسل، مثل "ممرسات البيانات Necropolitical Data(الميتة" السياسية Practices)، أو "البتر التكنولوجي" (Technological Amputation)؛ ما يجعل مقروئيته أحيانًا غير سلسة بالنسبة إلى الجمهور الأوسع، فإنه يشكّل مساهمةً حيوية في مجال دراسات البيانات النقدية والأخلااق الرقمية. فمن خلاال كشفه عن الجذور التاريخية لممرسات البيانات الحديثة، وعن أضرارها المستمرة، تدعو تشان القراء إلى مواجهة الجانب المظلم للتقدم التكنولوجي. وفي حين أنّ نقدها حاد وحازم، فإنه في الآن ذاته مُفعم بالأمل بأنه من خلاال العمل الجمعي، والمقاومة الخيالية، يمكننا رسم مسار نحو مستقبل رقمي أكثر عدالة وشمولًا للجميع. وفي عالم تتشكل ملاامحه على نحوٍ متزايد بوساطة الخوارزميات والبيانات، يذكرنا كتاب البيانات المفترسة بأن المسارات البديلة ممكنة، في حال تملّكنا الجرأة على تخيلها.

Rajeswari Pillai Rajagopalan & Sameer Patil (eds.), Future Warfare and Critical Technologies: Evolving Tactics and Strategies (New Delhi: Observer Research Foundation, 2024), 215 p. في عالم متّسمٍ على نحوٍ متزايد بالتغيرات التكنولوجية، وعدم اليقين الجيوسياسي، يقدم كتاب الحرب المستقبلية والتكنولوجيات الحيوية: التكتيكات والاستراتيجيات المتطورة استكشافًا معمّقًا لكيفية تكيف الحرب مع المسيرة المتواصلة للاابتكار. ويجمع هذا الكتاب الجمعي، الصادر في عام 2024، بين دفّتيه مجموعةً من الدراسات التي تتناول تأثير التقنيات الناشئة في التكتيكات والاستراتيجيات والعقائد العسكرية، وتتعمّق في كيفية إعادة الدول والجهات الفاعلة غير الحكومية تشكيل نهجها في الحرب، مدفوعةً بالتقدم في الذكاء الاصطناعي، والقدرات السيبرانية، وتقنيات الفضاء، والتطبيقات التكنولوجية الحيوية. ويقدم الكتاب حجةً مفادها أن مستقبل الحرب ستحكمه "البايتات" (Bytes) والخوارزميات، بقدر ما تحكمه القنابل والرصاص. يبدأ الكتاب بمقدمة تتضمن تأطيرًا للحرب، بوصفها مج لًا متطورًا باستمرار، حيث تعمل التحولات التكنولوجية بصفة متكررة على تعطيل المفاهيم التقليدية للقتال وإسقاط القوة. ويضع المحرّرون بذلك الموضوع ضمن الإطار الأوسع ل "أجيال الحرب"، ويتتبعون الانتقال من الجيل الأول من المواجهات التي تتطلب قوة بشرية كثيفة إلى الجيل الخامس من الحرب، والتي تسعى للتلااعب بالإدراكات واستغلاال الاستمرارية الافتراضية المادية. إذًا جوهر الكتاب هو درس الأبعاد الأربعة الرئيسة للحرب المستقبلية: "من؟"، أي من سيكون طرفًا في الصراع؟ و"أين؟"، أي أين سيجري الصراع؟، و"كيف؟"، أي كيف سيجري الصراع؟، و"متى؟"، أي متى سيجري الصراع؟ ويؤكد مؤلفو الكتاب أن الحدود غير الواضحة للمجالات المادية والافتراضية في المستقبل، إلى جانب انتشار الأنظمة المستقلة،

والقدرات السيبرانية، والتكتيكات الهجينة، تتطلب إعادة معايرة التفكير الاستراتيجي. ويشرح الكتاب في فصوله الثلااثة عشر، التي كتبها خبراء في مجال الحرب والنزاعات، موضوعات متنوعة، مثل أسراب الطائرات من دون طيار، والواقع الافتراضي، والذكاء الاصطناعي التوليدي، وتسليح الفضاء. ويبحث كل فصل في تقنية أو مفهوم محدد، ويستكشف آثاره في الاستراتيجية العسكرية، والفاعلية التشغيلية، والاعتبارات الأخلااقية. ومن بين نقاط القوة العديدة في الكتاب قدرته على تقديم رؤية بانورامية للتكنولوجيات المؤثرة في الحرب المستقبلية، مع قدرته على الحفاظ على عمقٍ تحليلي. ويسلط زاكاري كالينبورن، في فصل "الطاعون يلوح في الأفق: حول انتشار أسراب الطائرات من دون طيار"، الضوء على الطبيعة المتعددة الأوجه لهذه التكنولوجيا الناشئة. ويقدم كالينبورن مزايا هذه التكنولوجيا الناشئة، مثل قابلية التوسع، والفعالية من حيث التكلفة، والتنوع، مع التحذير من تحديات الموثوقية والحوكمة الأخلااقية. ويضرب الفصل على ذلك، مثال، ا استخدام إسرائيل سربًا من الطائرات من دون طيار في سيناريو قتالي في عام 2021؛ ما يوضح كيف أنّ هذه التكنولوجيا لم تعد مجرد تكهنات، بل أصبحت قابلةً للتطبيق من الناحية التشغيلية. ومع ذلك، فإن تحذير كالينبورن من أن أسراب الطائرات من دون طيار قد تتحول إلى "أسلحة دمار شامل" إذا أساء الخصوم التعامل معها، أو خرّبوها، يشكل تذكيرًا مرعبًا بإمكانياتها المزعزعة للااستقرار. ويدرس أكشات أوبادياي في فصلٍ عنوانه "الواقع الافتراضي والمعزز والحرب: خوض الحرب كلعبة كمبيوتر؟" استخدام الواقع الافتراضي والواقع المعزّز في الحرب. ويعقد الفصل مقارنةً مثيرة بفيلم "ماتريكس"1، ويستكشف كيف تعمل تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز على إحداث ثورة في منهجيات التدريب والتخطيط العملياتي. ويشير أوبادياي إلى الاعتمد المتزايد على بيئات الواقع الافتراضي ل "التدريب الغامر " Immersive(Training)، مثل محاكاة ظروف ساحة المعركة التي تكون خطرة للغاية أو غير عملية لإعادة إنشائها ماديًا. ومع ذلك، ينتقد أوبادياي قيود أنظمة الواقع الافتراضي الحالية، بما في ذلك عدم قدرتها على تكرار الضغوط المعرفية والعاطفية للقتال الحقيقي على نحوٍ كامل. وهذا يؤكد موضوعًا متكررًا في الكتاب: في حين يمكن أن تعزز التكنولوجيا القدرات البشرية، إلا أنها لا تستطيع أن تحلّ محل العنصر البشري كليّا. ويجسد فصل أموها باسرور عن الذكاء الاصطناعي التوليدي، بعنوان "تقييم التطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي التوليدي"، النفَس الاستشرافي للكتاب. ويستكشف هذا الفصل الطبيعة المزدوجة الاستخدام للذكاء الاصطناعي التوليدي، ويوضح إمكاناته في أتمتة تحليل الاستخبارات، والتنبؤ بالسلوك العدائي، وإنشاء محاكاة واقعية لألعاب الحرب. ويتعامل الفصل مع المع لاضت الأخلااقية التي تفرضها الأنظمة التي يقودها الذكاء الاصطناعي، مثل قابليتها للتحيّز، وخطر التصعيد غير المقصود بسبب الأخطاء الخوارزمية. ومن ثمّ، يدعو إلى وضع

  1. ماتريكس" (Matrix)، أو "المصفوفة"، هو فيلم أميركي صدر سنة 1999، يصوّر مستقبالًا بائسًا (Dystopia) حيث الواقع كما يدركه معظم البشر هو محاكاة افتراضية من خلاال الاتصال ب "المصفوفة"، التي أنشأتها آلات ذكية، بهدف استعباد البشر، من دون علمهم، واستخدام الحرارة والنشاط الكهربائي لأجسامهم مصدرًا للطاقة. ويكتشف بطل الفيلم ومبرمج الكمبيوتر "نيو" (Neo) هذه الحقيقة

أطر حوكمة قوية، ومعايير دولية متسقة مع الواقع الجديد الموسوم، في الغالب، بتفوّق النشر السريع للذكاء الاصطناعي على الرقابة التنظيمية. وتجدر الإشارة إلى فصل "تكنولوجيا الفضاء والفضاء المضاد في الحرب المستقبلية" الذي تستكشف فيه فيكتوريا سامسون تقنيات الفضاء والفضاء المضاد والمنافسة المتزايدة في الفضاء الخارجي. وتوضح كيف تعمل دول مثل الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا على تطوير قدرات الفضاء المضاد لتعطيل الأقمر الصناعية أو تدميرها. ويناقش الفصل طبيعة "الاستخدام المزدوج" لتقنيات الفضاء، من حيث قدرتها على خدمة الأغراض المدنية والعسكرية في آنٍ معًا، ويقدم منظورًا دقيقًا حول عسكرة الفضاء. وفصول الكتاب على تنوعها، يجمع بينها خيط رابط، يتمثل في اهتممها بالتداعيات الأخلااقية والسياسية للتكنولوجيات الحيوية؛ إذ تؤكّد الفصول مجتمعةً أنّ الانتشار السريع لهذه التكنولوجيات يستلزم تطورًا موازيًا في المعايير الدولية والأطر القانونية. فعلى سبيل المثال، تحذر شروتي شارما في فصل "التكنولوجيا الحيوية وعودة الحرب البيولوجية" من إساءة استخدام تقنيات "التحرير الجيني" (Gene- Editing)، مثل كريسبر (CRISPR)، لتطوير أسلحة بيولوجية جديدة. وتؤكد دعوة شارما إلى تعزيز تدابير الأمن البيولوجي، وتعزيز التعاون الدولي، الأجندة المعيارية للكتاب. وعلى نحو ممثل، يشكّل فصل "'لقد كان حادثًا': آثار الذكاء الاصطناعي في القدرة على التمييز بين الحوادث 'الحقيقية' وانتهاكات القانون الإنساني الدولي"، حول تأثير الذكاء الاصطناعي في القانون الإنساني الدولي، تأمالًا جادًا في التحديات التي تفرضها المساءلة في الحروب المستقلة. وتفترض فيه لورا بروون أن الاعتمد المتزايد على أنظمة الذكاء الاصطناعي من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم "ضباب الحرب" (War of Fog) من خلاال جعل التمييز بين الانتهاكات المتعمدة والعرضية للقانون الإنساني الدولي أكثر صعوبة. وتتوافق دعوتها إلى ضمنات "شاملة للإنسان" (Human- in-the-Loop) بقوة مع المخاوف الأوسع نطاقًا بشأن الحفاظ على الرقابة الأخلااقية في عصر استقلاالية الآلات. كتاب الحرب المستقبلية ليس مجرد أطروحة بشأن قدرات التقنيات الناشئة، بل إنه دعوة واضحة إلى إعادة التفكير في الكيفية التي ستشكّل بها هذه الابتكارات المشهد الجيوسياسي في المستقبل. وتكمن إحدى أهم نقاط قوة الكتاب في مقاربته المتعددة الاختصاصات، التي تنسج على وجهات نظر متعددة، من العلوم العسكرية، والعلااقات الدولية، والأخلااق، ودراسات التكنولوجيا، لترسم صورةً شاملة للتحديات والفرص التي تنتظرنا في المستقبل. ويقدم بذلك هذا الكتاب، بالنسبة إلى صناع السياسات والاستراتيجيين العسكريين والباحثين، رؤى قيّمة بشأن الخطوط المتغيرة للحرب الحديثة. ويضع القرّاء في مواجهة أسئلة عويصة، تتعلق بالمع لاضت الأخلااقية والاستراتيجية والوجودية التي تفرضها التكنولوجيات التي يمكنها، في الآن ذاته، أن تمكّن البشرية أو أن تعرّضها للخطر؛ ما يجعله موردًا مهمًا لأيّ شخص يسعى لفهم مستقبل الصراع في عالم سريع التطور، حيث تتلااشى الحدود بين المادي والافتراضي والأخلااقي على نحوٍ متزايد.

يركّز برنامج الأمم المتحدة للبيئة، في استكشاف آفاق جديدة: تقرير استشرافي عالمي حول صحة الكوكب ورفاهية الإنسان، الصادر في عام 2024، على استكشاف مستقبل صحة الكوكب ورفاهة الإنسان، مع تأكيد أهمية الاستشراف الاستراتيجي في التعامل مع عالم متزايد التعقيد والترابط. ويقدم التقرير رواية متعددة الاختصاصات عن كيفية استعداد المجتمع العالمي لمستقبل تشكله التحولات البيئية والتكنولوجية والاجتمعية، وعن الحلول الاستباقية المتجذّرة في الذكاء الجمعي ومنهجيات الاستشراف. United Nations Environment Programme, Navigating New Horizons: A Global Foresight Report on Planetary Health and Human Wellbeing (Nairobi: United Nations Environment Programme, 2024), 107 p. في صميم التقرير نجد مفهوم "الأزمات المترابطة المتعددة الأبعاد"2، الذي يعمل بمنزلة إطار لفهم الترابطات المعقدة للأزمات العالمية الحديثة، ويصف تشابك الأحداث المعزولة ظاهريًا، كالتغير المناخي، وفقدان التنوع البيولوجي، والتلوث، والتوترات الجيوسياسية، وحالات الطوارئ الصحية العامة، على نحوٍ سببي؛ ما يخلق حلقات ردود فعل تعمل على تضخيم تأثيرها الكّلي. وتتمثل بذلك الأطروحة المركزية للتقرير في أن معالجة هذه الأزمات المتشابكة تتطلّب نهجًا شامالًا واستباقيًا، مستنيرًا بالاستشراف، ومسترشدًا بمبادئ الاستدامة والمساواة والمسؤولية بين الأجيال.

  1. الأزمات المترابطة المتعددة الأبعاد" (Polycrisis) مصطلحٌ قدّمه إدغار موران في عام 1993 للإشارة إلى الترابط بين الأزمات المتعددة، Edgar Morin, Terre-patrie (En collaboration avec Anne-Brigitte Kern) (Paris: Éd. du Seuil, 1993).

وينقسم التقرير إلى ثلااثة أقسام شاملة، تروم تقديم فهمٍ معمّق للتحديات والفرص التي تواجه المستقبل. يتناول الجزء الأول الموسوم ب "السياق العالمي الجديد" مشهد الاضطرابات العالمية، مثل الأزمة الكوكبية الثلااثية المتمثلة في التغير المناخي، والتلوث، وفقدان التنوع البيولوجي، ويطرح مفهوم "الأزمات المترابطة المتعددة الأبعاد"، مؤكدًا الحاجة إلى أن تصبح أطر الحوكمة العالمية أكثر قدرةً على التكيّف والشمول. ويؤكد هذا القسم على الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في أنظمة الحوكمة التقليدية، التي أصبحت غير كافية على نحوٍ متزايد في معالجة التحديات العالمية المترابطة. وُيبُرز القسم الثاني، وعنوانه "التحولات والإشارات والاضطرابات المحتملة"، منهجيات الاستشراف التي يعتمد عليها التقرير. ويحدد القسم ثمانية تحولات حاسمة، وثماني عشرة إشارة إلى التغيير لديها القدرة على تغيير مسار صحة الكوكب ورفاه الإنسان إلى حدّ بعيد. وتشمل هذه التحولات والإشارات التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي، والتأثير المتزايد لمقاومة مضادات الميكروبات، والنزوح القسري الجمعي بسبب التغير المناخي، والتوسع السريع في النشاط الفضائي. ويتم تحليل كل إشارة من حيث احتملية حدوثها، وتأثيرها، والجدول الزمني المحتمل؛ ما يمنح إطارًا منظمًا وقابالًا للتنفيذ لتوقع هذه التغييرات ومعالجتها. ويركّز القسم الأخير من التقرير، "إدارة التغيير وبناء المرونة"، على الحلول الممكنة، ويحدّد المسارات لتحقيق "تعدّد الاستقرار" (Polystability)؛ وهي الحالة التي تتمتع فيها الأنظمة المترابطة بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات ومنع الفشل المتتالي ويؤكد هذا القسم أهمية المساواة بين الأجيال، والحوكمة المرنة، ودمج عملية صنع القرار القائمة على البيانات مع أنظمة المعرفة التقليدية. ويدعو التقرير أيضًا إلى عقدٍ اجتمعي جديد، يتمشى مع الأولويات العالمية واحتياجات الأجيال المقبلة. وتجدر الإشارة في التقرير إلى التزامه بالاستشراف بصفته أداةً لاتخاذ القرارات الاستراتيجية. فعلى النقيض من التنبؤ الذي يعتمد في كثير من الأحيان على توقعات خطية تستند إلى بيانات سابقة، فإن الاستشراف يحتضن حالة عدم اليقين، ويستكشف مستقبلاات محتملة متعددة. ويتضح هذا النهج بوضوح في القسم الخاص ب "إشارات التغيير"، الذي يناقش الاضطرابات المحتملة التي تراوح بين الميكروبات القديمة التي يطلقها ذوبان التربة الصقيعية، ونشر تقنيات تعديل الإشعاع الشمسي. ولا تُقَّدّم هذه السيناريوهات، بوصفها نتائج حتمية، بل بوصفها احتملات تتطلب اليقظة والاستعداد. فعلى سبيل المثال، يسلط التقرير الضوء على الكيفية التي قد يؤدي بها صعود أنظمة الأسلحة المستقلة، التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، إلى تفاقم عدم الاستقرار الجيوسياسي؛ ما يستدعي فرض تنظيم دولي فوري للتخفيف من المخاطر. يركز التقرير على الترابطات النظامية، موضّحًا أنّ ديناميات التدهور البيئي، والابتكار التكنولوجي، والتفاوت الاجتمعي، تتشابك في ما بينها بعمق. فعلى سبيل المثال، يبحث الفصل الخاص بندرة الموارد الحيوية كيف يمكن الطلب المتزايد على المعادن الأرضية النادرة، الضرورية لتقنيات الطاقة النظيفة، ولتقنيات الدفاع، وللعديد

من الاستخدامات اليومية، أن يؤدي إلى المزيد من التوترات الجيوسياسية، والتدهور البيئي، والتفاوت الاجتمعي. وهذا المنظور الشامل هو تذكير قوي بأنّ الأساليب المنعزلة لحل المشكلاات غير كافية في عالمٍ أصبحت فيه الأزمات مترابطةً على نحوٍ متزايد. ومن بين أكثر أقسام التقرير تبلورًا مناقشته إشكالية "النزوح القسري الجمعي"، ودرسه التأثيرات المتتالية للهجرة الناجمة عن التغير المناخي. ويستشهد التقرير بمثال الفيضانات في منطقة القرن الأفريقي، حيث نزح الملاايين بسبب الأحداث الجوية الحدّية التي تفاقمت بسبب التغير المناخي. ولا يقتصر هذا التحليل على المخاوف الإنسانية المباشرة، بل يمتد إلى الآثار الطويلة الأجل على التخطيط الحضري، وتخصيص الموارد، والتمسك الاجتمعي. ويُختتم هذا القسم بالدعوة الملحّة إلى تبنّي سياسات استباقية لمعالجة "المساحات غير الصالحة للسكن". وعلى المنوال نفسه، ينسج القسم المخصص لمقاومة مضادات الميكروبات باعتبارها تهديدًا عالميًا للصحة، ليقدّم وصفًا صادمًا لكيفية مساهمة الإفراط في استخدام المضادات الحيوية في الزراعة والرعاية الصحية في تسريع تطور مسبّبات الأمراض المقاومة للأدوية. ويدعو التقرير إلى اتباع مقاربة "الصحة الواحدة"3الذي يدمج صحة الإنسان والحيوان والبيئة لمكافحة مقاومة مضادات الميكروبات. وتستند هذه التوصية إلى بيانات مفصّلة، وتقدم رؤى عملية لصناع السياسات. وأخيرًا، تجدر الإشارة إلى مناقشة التقرير لتكنولوجيات "تعديل الإشعاع الشمسي" التي تسهم في التخفيف من الانحباس الحراري العالمي، محذّرًا في الآن ذاته من عواقبه غير المقصودة، مثل الاضطرابات في أنماط الطقس، والمع لاضت الأخلااقية المرتبطة بالهندسة الجيولوجية. ويؤكد هذا التحليل المتوازن الحاجة إلى حوكمة دولية قوية للإشراف على البحوث والنشر المحتمل لمثل هذه التكنولوجيات. في المحصّلة، يمكن اعتبار التقرير الأممي استكشاف آفاق جديدة تقريرًا تاريخيًا، من جهة كونه يتحدى القراء والباحثين والمهتمين وصنّاع القرار للتفكير نقديًا في مستقبل كوكبنا والأنظمة التي تدعمه. وما يجعله موردًا قيّمًا لصناع السياسات والأكاديميين وأي شخص مهتم بمسار صحة الكوكب ورفاه الإنسان، هو تركيزه الكبير على الاستشراف والحوكمة الاستباقية. والرسالة الأساسية للتقرير واضحة: المستقبل ليس محددًا سلفًا، لكن الاختيارات التي نتخذها اليوم ستشكّله. فمن خلاال تبنّي الاستشراف وبناء القدرة على التكيّف والمقاومة، يمكن أن تتغلب البشرية على تعقيدات "الأزمات المترابطة المتعددة الأبعاد"، وأن تنحو تجاه عالمٍ أكثر استدامة وعدالة.

  1. نشأت مبادرة "الصحة الواحدة" (Health One) في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بغرض تعزيز نهجٍ متكامل ونظامي وموحد للصحة العامة والحيوانية والبيئية، على المستويات المحلية، والوطنية، والعالمية. وجرى تطوير المفهوم على نطاق أوسع، في عام 2022، من جانب ائتفٍ يضمّ منظمة الصحة العالمية، والمنظمة العالمية لصحة الحيوان، ومنظمة الأغذية والزراعة، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، بوصفه نهجًا متكامالًا وموحدًا يهدف إلى تحقيق التوازن وتحسين صحة الناس والحيوانات والنظم البيئية على نحوٍ مترابط فيما بينها

Norliza Katuk, Roberto Vergallo & Tito Sugiharto (eds.), The Future of Human-Computer Integration: Industry 5.0 Technology, Tools, and Algorithms (Abingdon, Oxon: CRC Press, 2024), 169 p. إنّ كتاب مستقبل التكامل بين الإنسان والكمبيوتر: تكنولوجيا الجيل الخامس للصناعة وأدواتها وخوارزمياتها بمنزلة خريطة طريق للتنقل في مسارات تحول العلااقة بين البشر والتكنولوجيا، وهو يقدم استكشافًا مستقبليًا ل "الثورة الصناعية الخامسة"، حيث تتبوّأ مسألة التعاون بين البشر والآلات الأهمية القصوى. ومن خلاال مقاربات هذا الكتاب الجمعي المتعددة الاختصاصات، وتركيزه على التطوير التكنولوجي المتمحور حول الإنسان، يوفر وصفًا تفصيليًا ل "الجيل الخامس للصناعة"، ليس بوصفه حلمًا بعيد المنال، وإنما بوصفه واقعًا سريع التطور يعِد بإعادة تعريف الصناعات والابتكار والحياة اليومية. ويفترض الكتاب أن الجيل الخامس للصناعة ليس تقدمًا خطّيًا يلي الجيل الرابع فحسب، بل هو أيضًا تحول بردايمي؛ ففي حين ركّز الجيل الرابع للصناعة على الأتمتة، والبيانات الضخمة، وإنترنت الأشياء، يهدف الجيل الخامس للصناعة إلى إعادة العنصر البشري إلى المعادلة. وهذه الرؤية متجذّرة في عملية جديدة لإنشاء تكنولوجيات تعمل على تمكين الإبداع البشري واتخاذ القرار البشري، مع الاستفادة من القدرات الحسابية للذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، وسلسلة الكتل/ البلوك تشين، والواقع المعزز. يتألف الكتاب من اثني عشر فصال، ا كلّ فصلٍ مخصّص لاستكشاف تقنية أو منهجية حاسمة تشكل الجيل الخامس للصناعة، من الذكاء الاصطناعي، إلى البلوك تشين، إلى الواقع المعزز، إلى إنترنت الأشياء. ويدرس الكتاب كيف تسهم هذه الأدوات في نظام بيئي تعاوني بين الإنسان والآلة، ويتعمّق في الأسس التقنية للجيل الخامس للصناعة، بما في ذلك الخوارزميات الحسابية، وتكامل الجيل

الخامس للااتصالات، والبنى التحتية الرقمية الآمنة، مثل الشبكات التي تدعم البلوك تشين.

وفي الفصل المعنون "الذكاء الاصطناعي في الجيل الخامس للصناعة"، يستكشف المؤلفون الإمكانات التحويلية للذكاء الاصطناعي في مزامنة التعاون بين الإنسان والكمبيوتر. ويبرز الفصل أنه من خلاال الاستفادة من التعلم الآلي ومعالجة اللغة الطبيعية، لا يعزز الذكاء الاصطناعي الإنتاجية فحسب، بل يعزّز الإبداع البشري أيضًا. ويتضمن الفصل دراسة حالة لدور الذكاء الاصطناعي في التصميم التوليدي، حيث تولد الخوارزميات حلولًا مبتكرة يصقلها المهندسون. وتجسد هذه العملية التكرارية جوهر فلسفة الجيل الخامس للصناعة؛ إذ يعمل البشر والآلات على نحوٍ تكافلي لتحقيق نتائج لا يمكن أن يحققها أيّ منهم بمفرده.

وعلى نحوٍ ممثل، يسلّط الفصل، الخاص بتقنية البلوك تشين، الضوء على تطبيقها في إدارة الأصول داخل قطاعات مثل النفط والغاز. وتتوافق قدرة تقنية البلوك تشين على ضمن الشفافية، وتأمين تبادل البيانات مع مبادئ الثقة والموثوقية، في الجيل الخامس للصناعة. ويتناول فصل بارز آخر التقاطع بين تقنية الجيل الخامس للااتصالات وإنترنت الأشياء في مجال الرعاية الصحية، حيث يسلط الضوء على تطبيقات واقعية مثل مراقبة المرضى عن بعد، والتشخيص بمساعدة الذكاء الاصطناعي؛ إذ لا تعمل هذه التقنيات على تحسين الكفاءة فحسب، بل تعمل أيضًا على تعزيز التخصيص وإمكانية الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية. وتجدر الإشارة إلى أهمية تركيز الكتاب على الواقع المعزز، وخاصة في تطبيقه على التراث الثقافي، وتجارب المستخدم الشخصية. فمن خلاال دمج الواقع المعزز مع الذكاء الاصطناعي، يوضح المؤلفون كيف يمكن أن تخلق التكنولوجيا تجارب غامرة ومخصصة، سواء في التعليم، أو السياحة، أو التدريب الصناعي. وتجسّد بذلك الإمكانات التي تتمتع بها تقنية الواقع المعزز في ربط العوالم المادية والافتراضية الرؤية المتمحورة حول الإنسان في الجيل الخامس للصناعة. ويركّز الكتاب على التطبيقات في العالم الحقيقي، التي تجعل مناقشاته الاستشرافية مؤسّسة على حقائق عملية. فعلى سبيل المثال، يسلط الفصل الخاص ب "رموز الاستجابة السريعة" (Codes QR) الضوء على التقدم المحرز في سعة البيانات؛ ما يجعلها لا غنى عنها لتطبيقات مثل إدارة المخزون، ومراقبة الجودة. وعلى نحو ممثل، يؤكد النقاش بشأن التوقيعات الرقمية دورها في ترسيخ الثقة داخل المعاملاات الرقمية؛ وهي ركيزة أساسية للنظم البيئية المترابطة للجيل الخامس للصناعة. وتظلّ المساهمة الأبرز للكتاب هي استكشافه الأبعاد المستقبلية للتكامل بين الإنسان والكمبيوتر؛ إذ يتصور الجيل الخامس للصناعة عالمًا لا تكون فيه الآلات مجرد أدوات، بل هي شريكة تعاونية. ويخلّف هذا التحول آثارًا عميقة في ديناميات القوى العاملة؛ إذ تجري أتمتة المهمت المتكررة، ويركّز البشر على الإبداع، والتفكير النقدي، واتخاذ القرار. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤدي دمج الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز في التدريب الصناعي إلى إحداث ثورة في كيفية اكتساب العمل مهارات جديدة. فبدلًا من إعدادات التدريبات التقليدية، يمكن أن ينخرط الموظفون في محاكاة تفاعلية في العالم الحقيقي مصممة لتناسب احتياجاتهم التعليمية. وعلى نحو ممثل، مُتكّن "التوائم الرقمية" (Twins Digital)، وهي النسخ الافتراضية للأنظمة المادية، المهندسين من تجربة الابتكارات في بيئة خالية من المخاطر؛ ما يؤدي إلى تسريع وتيرة التطوير، مع تقليل التكاليف إلى أدنى حد. ويسلط النقاش حول الاستدامة الضوء على إمكانات الجيل الخامس للصناعة في معالجة التحديات

البيئية، من عمليات التصنيع الموفرة للطاقة، إلى تحسين سلسلة التوريد التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وفي إمكان التقنيات التي يستكشفها الكتاب أن تساعد الصناعات في تقليل بصمتها البيئية. ويتمشى هذا التركيز على الاستدامة مع الجهود العالمية الرامية إلى تحقيق التوازن بين التقدم التكنولوجي والرعاية البيئية. تبقى الإشارة إلى أنّ جلّ مقاربات الكتاب تفترض مستوى من الجاهزية التكنولوجية وتوافر الموارد، التي تكون أكثر قابلية للتطبيق على الشركات الكبرى، في حين تفشل في استيعاب الشركات الصغيرة والمتوسطة في نقاشاتها. ونظرًا إلى أنّ الأخيرة تشكّل العمود الفقري لجلّ الاقتصادات، المتقدمة والنامية، فإن الاستكشاف المتعمق لكيفية مشاركتها في الجيل الخامس للصناعة

Vikas Khullar et al. (eds.), Artificial Intelligence and Society 5.0: Issues, Opportunities, and Challenges (Abingdon, Oxon: CRC Press, 2024), 293 p. تزايد في الآونة الأخيرة الاهتمم بموضوعة تقاطع الذكاء الاصطناعي والتحول المجتمعي، بقدر تزايد كان يمكن أن يعزز شمولية الكتاب وأهميته. وهو ما ينطبق أيضًا على العديد من دول العالم التي لا تزال تعاني "الفجوة الرقمية" في أبعادها المادية وغير المادية. في المحصّلة، تقدم المقاربات المتعددة الاختصاصات في كتاب مستقبل التكامل بين الإنسان والكمبيوتر دليالًا عمليًا لكلّ من يسعى لفهم المرحلة التالية من التطور الصناعي، في عالمٍ يتأرجح على أعتاب تغّير تكنولوجي غير مسبوق. فمن خلاال تأطير التكنولوجيا، بوصفها أداةً لتعزيز القدرات البشرية بدلًا من استبدالها، يقدم الكتاب رؤيةً متفائلة للمستقبل. وهو يدعو القارئ إلى إعادة التفكير في إمكانيات التعاون بين الإنسان والكمبيوتر، ويلهمه المشاركة في تشكيل عالمٍ تخدم فيه التكنولوجيا الإنسانية، وليس العكس.

تأثيرات الذكاء الاصطناعي في المجتمع، وعلى جميع المستويات. ويأتي كتاب الذكاء الاصطناعي

ومجتمع الجيل الخامس: القضايا والفرص والتحدياتليقدّم رؤية مستقبلية لتقاطع الذكاء الاصطناعي والتحول المجتمعي؛ رؤية متمحورة حول الإنسان، وتدمج التقنيات المتطورة من أجل معالجة التحديات العالمية المستجدّة. ويستكشف الكتاب، المستوحى من مبادرة "مجتمع الجيل الخامس" (5.0 Society) التي جرى تطويرها في اليابان في عام 2016، الأطر والبنى والتطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي في مجالات مجتمعية متنوعة، مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والمدن الذكية، والبنية التحتية. يتناول هذا الكتاب بالتفصيل استخدام تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي بصفتها ركائز أساسية لمجتمع الجيل الخامس، سواء منها البيانات الضخمة، أو الأنظمة السيبرانية الفيزيائية، أو الروبوتات، أو الواقع الافتراضي المعزز، أو الأمن السيبراني، أو أتمتة العمليات الروبوتية، أو توليد اللغة الطبيعية، أو أتمتة دعم القرار، وغيرها من الجوانب التي تقدم رؤية شاملة للقطاعات المختلفة المتأثرة بالذكاء الاصطناعي، وتعرض لبعض التحديات أو الفرص التي نشأت جزءًا من هذه الدينامية السريعة. تتمثّل أطروحة الكتاب المركزية في أنّ "مجتمع الجيل الخامس" يمثّل تطورًا، يتجاوز "صناعة الجيل الرابع" (4.0 Industry)، التي يجري فيها دمج المساحات الرقمية والمادية. وعلى عكس الجيل المجتمعي السابق، الذي يركز في المقام الأول على التحسين التكنولوجي والصناعي، يتميّز مجتمع الجيل الخامس، فضالًا عن هذا الدمج، بتأكيده رفاه الإنسان، والمساواة، والمسؤولية البيئية، في آنٍ واحد. وتُعدّ هذه المقاربة المتمحورة حول الإنسان، والتي تؤكد أهمية مواءمة الابتكار التكنولوجي مع القيم المجتمعية، الخيطَ الرابط لكلّ فصول الكتاب. ويتمحور الكتاب حول ثلااثة أقسام مترابطة. يضع القسم الأول الأساس المفاهيمي، ويستكشف مبادئ مجتمع الجيل الخامس واعتمده على تقنيات الذكاء الاصطناعي. ويقدم هذا القسم أفكارًا رئيسة، مثل دمج الأنظمة السيبرانية الفيزيائية والبيانات الضخمة وإنترنت الأشياء داخل أطرٍ متمحورة حول الإنسان. فعلى سبيل المثال، يوضح المؤلفون كيف تمكّن نماذج التعلم الآلي والتعلم العميق من التحليلاات التنبئية في مجالات مثل الرعاية الصحية، وإدارة الطاقة، ومن ثمّ تعزيز الكفاءة وإمكانية الوصول. وإن كانت بعض أجزاء هذا القسم تقنية، فإنها تظلّ سهلة الوصول للقارئ، وتوازن بين الرؤى النظرية والتطبيقات في العالم الحقيقي. وينتقل القسم الثاني إلى دراسات الحالة والتطبيقات، موضحًا كيف يمكن أن يسهم الذكاء الاصطناعي في معالجة التحديات العالمية الملحّة. وتبرز على نحوٍ خاص في هذا القسم الفصول الخاصة بالرعاية الصحية، والتعليم، والمدن الذكية. ففي مجال الرعاية الصحية مثال، ا يسلط الكتاب الضوء على الابتكارات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مثل منصات الطب عن بعد، وأجهزة إنترنت الأشياء التي يمكن حملها، والتي تراقب صحة المرضى على نحوٍ آني. ويصف الكتاب كيف يمكن أن تحلل الخوارزميات التنبئية بيانات المرضى لتوقع حالات الطوارئ الطبية؛ وهو التطور الذي يحمل وعدًا كبيرًا في تلبية احتياجات السكان

المسّنيّن على سبيل المثال. وبالمثل، يستكشف القسم الخاص بالمدن الذكية كيف تعمل الأنظمة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي على تحسين تدفق حركة المرور، وتقليل استهلااك الطاقة، وتعزيز السلاامة العامة. ويتناول القسم الثالث التحديات الأخلااقية والتنظيمية والتنفيذية المرتبطة بمجتمع الجيل الخامس. ويجري هنا التعامل مع تعقيدات موازنة التقدم التكنولوجي مع الاعتبارات الأخلااقية. فعلى سبيل المثال، يستكشف أحد فصول القسم مخاطر احتكار البيانات والتحيز الخوارزمي، مؤكدًا الحاجة إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي الشفافة والخاضعة للمساءلة. والمناقشة حول الخصوصية والأمن السيبراني مقنعة إلى حدٍ ما؛ لأنها تعالج مصفوفةً واسعة من المخاوف بشأن زيادة جمع البيانات المطلوبة لاتخاذ القرارات القائمة على الذكاء الاصطناعي. ومن أبرز إضافات الكتاب تأكيده "التعددية التخصصية"؛ إذ يستمدّ المساهمون في الكتاب أفكارهم من مجالات متنوعة مثل علوم الكمبيوتر، والتخطيط الحضري، والرعاية الصحية، والأخلااق؛ ما يخلق سردًا متعدد الأبعاد يؤكد الطبيعة المترابطة لمجتمع الجيل الخامس. فعلى سبيل المثال، يسلط الفصل الخاص بالتقنيات الجغرافية المكانية الضوء على كيفية الجمع بين الاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي لمعالجة التحديات البيئية، مثل إزالة الغابات، والتغير المناخي. وعلى اعتبار أنّ الكتاب مستوحى من رؤية اليابان لمجتمع الجيل الخامس، يجدر التنبيه إلى أنّ مسألة قابلية التطبيق العالمي لإطار مجتمع الجيل الخامس لا تحظى بالاهتمم الكافي في الكتاب لتغطية سياقات اجتمعية واقتصادية متنوعة. فعلى سبيل المثال، لم يجر فحص جدوى نشر تقنيات المدن الذكية، أو استخدام وسائل إنترنت الأشياء في المجال الطبي، والتي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، في البلدان النامية ذات البنية التحتية المحدودة. مع ذلك، يظل المنظور الاستشرافي للكتاب أحد أهم نقاط قوته، لا سيم الفصول الختامية التي تقدم رؤيةً لمستقبل يعمل فيه الذكاء الاصطناعي، وغيره من التقنيات المتقدمة، محفزات للتنمية المستدامة والمساواة الاجتمعية. وتأتي دعوة المؤلفين البراغمتية إلى مزيد من التعاون بين الحكومات والصناعات والمؤسسات الأكاديمية في الوقت المناسب، من جهة المرحلة التي وصل إليها تبلور تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجتمع، الذي يقتضي منذ اليوم تضافر الجهد الجمعي لتحقيق وعد مجتمع الجيل الخامس في المستقبل القريب. في المحصّلة، يستكشف كتاب الذكاء الاصطناعي ومجتمع الجيل الخامس، على نحوٍ طموح ومثير للتفكّر المستقبلي، قدرةَ الذكاء الاصطناعي على تشكيل مستقبل أكثر شمولًا واستدامة. وبفضل مقاربات الكتاب المتعددة الاختصاصات وتركيزه على التطبيقات في العالم الحقيقي، ومراعاته الاعتبارات الأخلااقية، يمكن عدّه موردًا قيّمًا للأكاديميين، وصناع السياسات وقادة الصناعة، وخريطةَ طريق ودعوةً إلى العمل لبناء مستقبل أفضل.

غالبًا ما يُنظر إلى الوتيرة المتسارعة لتطوير الذكاء الاصطناعي على أنها سباقٌ نحو مستقبلٍ غامض، تحلّ فيه الروبوتات والخوارزميات تدريجيًا محلّ الإنسان، ويفقد فيه الإنسان قدرته على التحكّم. ويأتي كتاب إيريكا أورانج الذكاء الاصطناعي + الحدود البشرية الجديدة: إعادة تصور مستقبل الزمن والثقة والحقيقة ليقدم منظورًا متمحورًا حول الإنسان، يستعيض به عن المستقبلاات الديستوبية الرائجة. فهو لا يقدم الذكاء الاصطناعي بوصفه كيانًا منفصال، ا بل بوصفه قوة تحويلية تعيد تشكيل كيفية إدراكنا للوقت، وبناء الثقة، والسعي وراء الحقيقة. وتتعمّق المؤلفة في معنى أن تكون إنسانًا في عالم متشابك على نحوٍ متزايد مع التقنيات المتقدمة، متوخيةً على مدى صفحات الكتاب التوازن بين التفاؤل والحذر بينم ترسم خريطة هذه الحدود. Erica Orange, AI + the New Human Frontier: Reimagining the Future of Time, Trust + Truth (Hoboken, New Jersey: John Wiley & Sons, 2024), 298 p. تركز أطروحة الكتاب على ثلااث ركائز مترابطة: الزمن، والثقة، والحقيقة؛ وهي المفاهيم التي تؤكد أورانج أنها تتعرض للهجوم في العصر الذي يحرّكه الذكاء الاصطناعي. وتضع هذه الركائز باعتبارها أساسية لفهم التحديات والفرص التي يقدمها الذكاء الاصطناعي والتعامل معها. ومن خلاال فحص التأثيرات المتتالية للتغير التكنولوجي من خلاال هذه الأبعاد الثلااثة، يسعى الكتاب لتجاوز السرديات التبسيطية بشأن مستقبلاات التحولات التكنولوجية اليوتوبية أو الديستوبية، ليتعامل بموضوعية وتوازن مع التعقيدات والمفارقات في علااقتنا المتطورة باستمرار بالذكاء الاصطناعي، كم يبرز ذلك مثالًا من خلاال التأثيرات الهائلة التي أحدثها إدخال الذكاء الاصطناعي "شات جي بي تي" (ChatGPT) في عام 2023، أو "ديب سيك" (Seek Deep) في عام.2025

وتسعى أورانج في كتابها لتبسيط أطروحتها، من خلاال إجراء مقابلة مجازية بين الذكاء البشري والذكاء الآلي، وتنسج حكايةً تتضمن تأملاات ابنها الصغير حول إن كان البشر أو الروبوتات "أكثر ذكاءً". وتدعو هذه النقطة الافتتاحية السهلة والجذابة القراء إلى التأمل في طبيعة الذكاء نفسه، وتداعياته على مستقبل البشرية. وتؤكد الفصول الافتتاحية، التي تؤطر صعود الذكاء الاصطناعي بصفته نقطة تحول حضارية، ضرورة إعادة تعريف التقدم والابتكار، بطريقة تولي القيم الإنسانية الأولوية. ويبرز الموضوع الرئيس الأول للكتاب، الزمن، من خلاال عدسة ما تسميه أورانج "الانهيار الزمني" Templosion(). ونجدها تؤكّد في هذا الصدد أن تسارع التكنولوجيا قد أسهم في ضغط الزمن؛ ما خلق وتيرةً محمومة تعيد تشكيل السلوك البشري، واتخاذ القرار، وحتى إيقاعات الحياة اليومية. ومن خلاال أمثلة حية، من قبيل التبني السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية على غرار "تشات جي بي تي"، توضح المؤلفة كيف جرى اختزال الأطر الزمنية اللاازمة للاابتكار والتكيف بصفة كبيرة. ومع ذلك، فإن تحليلها يمتد إلى ما هو أبعد من الملااحظات السطحية؛ فهي تنتقد التأثيرات المجتمعية والنفسية لهذا التسارع. فعلى سبيل المثال، نجدها تستكشف كيف يؤدي الضغط ل "مواكبة" التغيير التكنولوجي إلى تفاقم التوتر والقلق، خاصةً بين الأجيال الشابة. ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة في السياق الراهن، حيث يكافح الأفراد والمؤسسات للتكيف مع الانتشار السريع للأدوات والمنصات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي. في القسم المخصص للثقة، تدرس أورانج تآكل الثقة بالمؤسسات التقليدية، وبروز ديناميكيات ثقة جديدة بوساطة الذكاء الاصطناعي. وتقدم مفهوم "الإقطاع الخوارزمي " Algorithmic(Feudalism)، الذي تمارس فيه شركات التكنولوجيا الكبرى سلطةً غير متناسبة، من خلاال التحكم في الخوارزميات التي تشكّل تفاعلااتنا مع العالم الرقمي. وهذه الاستعارة مستفزة للقارئ؛ لأنها تبُرز حقيقة ضعف المواطنين والمجتمعات أمام قوة شركات التكنولوجيا الكبرى، لكنها مفيدة لأنها تسهم في تعزيز الوعي بشأن مركزية البيانات وصنع القرار. ولذا فإن انتقاد المؤلفة ل "الخوارزميات الشاملة " Omni-(Algorithms)، وهي الأنظمة التي تحكم جوانب واسعة من حياتنا على نحوٍ متزايد، مقنع إلى حدٍ ما. وأخيرًا، تحذر من مستقبلٍ تجري فيه الاستعانة بمصادر خارجية للثقة لأنظمة غير شفافة؛ ما قد يؤدي إلى تآكل الروابط الشخصية والمجتمعية. ويجدر في هذا القسم المخصص للثقة التنويه بتحليل أورانج لفجوات الثقة بين الأجيال. فهي، من خلاال الاستعانة بأمثلة من وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) وظهور المعلومات المضلّلة (Misinformation)، تسلّط الضوء على كيفية تعامل الفئات العمرية المختلفة مع الثقة الرقمية بطرائق متباينة. وتلااحظ أنّ الأجيال الأصغر سنًا أكثر ميالًا إلى الثقة بأدوات الذكاء الاصطناعي والمؤثرين الرقميين، في حين تظلّ الأجيال الأكبر سنًا متشكّكة إزاءها. وهي تحاجّ في أنّ هذا التباين يؤكد الحاجة إلى مقاربة متدرّجة لتعزيز الثقة بالعصر الرقمي؛ وهي المقاربة التي

تأخذ في الاعتبار الاختلاافات بين الأجيال، وتؤكد الشفافية والمساءلة. ولعل الركيزة الثالثة للكتاب - وهي الحقيقة - تمثّل البعد الذي يكتسي عمقًا فلسفيًا أكبر فيه. ذلك أن أورانج تتناول التحديات التي يفرضها المحتوى الاصطناعي، والتزييف العميق، وظاهرة "انحلاال الحقيقة" Truth Decay() الأوسع نطاقًا. وتعرض في هذا الصدد فكرة "عائد الكذاب" (Dividend Liar's)، التي تعني أنّ مجرد وجود "التزييف العميق"4 يمكن أن يقوّض تصديق المحتوى الأصيل، لتذكّر بالمخاطر التي تنطوي عليها معركة الحقيقة في العالم الجديد. والواقع أن نقاش الكتاب لترادف "انحلاال الحقيقة بانحلاال الثقة" حاٌّدٌ على نحوٍ خاص؛ إذ يبُرز الصلاات بين التقدم التكنولوجي والتفتت المجتمعي الذي يمكن أن يؤدي إلى تفاقمه. ويشكّل اقتراح المؤلفة المجازي "لقاحات المناعة ضد التزييف العميق" (Vaccines Immunity Deepfakeبمعنى)، الأنظمة المصممة لمساعدة الأفراد على تمييز الأصالة، فكرةً مثيرة للااهتمم تستحق المزيد من الاستكشاف. ومن المهم الإشارة إلى تركيز الكتاب على استكشاف التفاعل بين التكنولوجيا والإنسانية، بدلًا من التعامل معهم بصفتهم مجالين منفصلين. فعلى سبيل المثال، يعيد الفصل الخاص بالذكاء المعزّز صياغة سردية الذكاء الاصطناعي، من سرديةٍ للااستبدال، أي استبدال الذكاء الاصطناعي بالذكاء البشري، إلى سردية للتحسين، أي تحسين الذكاء البشري بفعل استخدام الذكاء الاصطناعي. وتؤكّد المؤلفة أن التأثير الأعمق للذكاء الاصطناعي لن يكون في أتمتة المهمت، ولكن في تعزيز الإبداع البشري والحدس واتخاذ القرار، وتقدم على ذلك أمثلة لأدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في مجالات مثل الرعاية الصحية، والتعليم، حيث يجري تضخيم الخبرة البشرية بدلًا من استبدالها. وهذا المنظور متفائل وواقعي، ويقدم رؤية للذكاء الاصطناعي، بوصفه شريكًا في التقدم البشري، وليس منافسًا. وفي الفصول الختامية للكتاب، تؤكد المؤلفة أهمية الخيال ورواية القصص في تشكيل المستقبل، وتحثّ القراء على تبني أدوارهم مشاركين نشطين في التطور المشترك للإنسانية والذكاء الاصطناعي. وهي تدعو إلى إعادة اكتشاف "فن الملل المفقود" (Boredom of Art Lost)، في مواجهة الوتيرة المتسارعة للحياة الحديثة، وتسلط الضوء على الحاجة إلى التأمل والقصدية في عصر السرعة والتحفيز المستمر. ويختتم الكتاب بتقديم رؤية "حدود إنسانية جديدة"، حيث يعمل الذكاء الاصطناعي محفزًا لإعادة اكتشاف وإعادة تصور ما يعنيه أن تكون إنسانًا. وتشدد المؤلفة في هذا الصدد أن الذكاء الاصطناعي لن يجعل الذكاء البشري متقادمًا أو متجاوزًا، بل سيعمل بدلًا من ذلك على تضخيم قدراتنا الفريدة؛ ومن ثمّ أهمية تجاوز الخوف واللاامبالاة، ورؤية المستقبل مساحةً من الإمكانات وليس حتميةً.

  1. التزييف العميق" (Deepfake) تقنية لتوليف الوسائط المتعددة، تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وتُستخدم لتركيب ملفات الفيديو أو الصوت الموجودة على ملفات فيديو أخرى (على سبيل المثال تغيير وجه شخص في مقطع فيديو) أو ملفات صوتية (على سبيل المثال إعادة

Sachi Nandan Mohanty, Preethi Nanjundan & Tejaswini Kar (eds.), Artificial Intelligence in Forecasting Tools and Techniques (Abingdon, Oxon: CRC Press, 2024), 364 p.

في عصر الابتكار التكنولوجي المتسارع، لم يعد التنبؤ يعتمد على الحدس أو الأساليب الإحصائية التقليدية فحسب، بل أصبح أيضًا علمًا مدفوعًا بالخوارزميات والذكاء الاصطناعي. ويتعمق كتاب الذكاء الاصطناعي في التنبؤ: الأدوات والتقنيات في هذا التقاطع التحويلي بين الذكاء الاصطناعي والتنبؤ، ويقدم فحصًا مفصالًا لأدواته ومنهجياته وتطبيقاته عبر الصناعات. ويمثّل بذلك هذا الكتاب شهادة على إمكانات الذكاء الاصطناعي لإعادة تعريف التنبؤ، وأيضًا لقيوده وتداعياته الأخلااقية. وتضع الفصول الافتتاحية للكتاب التنبؤات المدعومة بالذكاء الاصطناعي باعتبارها تقدمًا ثوريًا في مجالات عدّة، تراوح بين التمويل وعلم المناخ. ويؤكّد محرّرو الكتاب أنّ القدرات الحسابية غير المسبوقة للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى قدرته على التعلم من مجموعات البيانات الضخمة، سمحت له بمعالجة تحديات التنبؤ التي لم تستطع الأساليب التقليدية مواجهتها. وهكذا برز الذكاء الاصطناعي حليفًا قويًا في صنع القرار القائم على البيانات من التنبؤ باتجاهات سوق الأوراق المالية، أو بتوقع تأثيرات التغير المناخي، أو غيرها. تتلخّص أطروحة الكتاب الرئيسة في أنّ قوة الذكاء الاصطناعي لا تكمن في قدرته على تحليل البيانات التاريخية فحسب، بل أيضًا في قدرته على نمذجة العلااقات المعقدة غير الخطية، وقدرته على التنبؤ في بيئات دينامية وغير مؤكدة. ويستند كل فصل من الكتاب إلى هذه الفرضية، لاستكشاف تطبيقات محددة للتنبؤ بالذكاء الاصطناعي، مع تسليط الضوء على التحديات الفنية والأخلااقية والتشغيلية التي تصاحب تبنّيه.

وتتمثل إحدى أهم نقاط القوة في الكتاب في اتساع نطاقه. فقد قسّم المحررون النص إلى فصول موضوعية، تتناول تطبيقات مختلفة للذكاء الاصطناعي في التنبؤ. وتقدم الفصول التأسيسية للقراء أدوات الذكاء الاصطناعي الشائع استخدامها في التنبؤ، مثل "الشبكات العصبية" (Networks Neural)، و"تحليل الانحدار" (Analysis Regression)، و"أشجار القرار" Decision Trees()، و"التعلم العميق " Deep(Learning). فعلى سبيل المثال، يسلط الفصل الأول الضوء على وعود التنبؤ المدعوم بالذكاء الاصطناعي وقيوده، ويدعو إلى مزيد من الشفافية والأخذ بالاعتبارات الأخلااقية في نشره. ويؤكد المساهمون في الكتاب أنه على الرغم من أن تقنيات التعلم الآلي مثل الانحدار، وأشجار القرار، فعّالة في تحديد الأنماط والعلااقات، فإنها ليست محصّنة ضد التحيزات، خاصة إذا كانت مجموعات البيانات التدريبية غير مكتملة أو بها تحيّزات. ويستكشف فصل آخر في الكتاب استخدام الشبكات العصبية المتعددة الطبقات للتنبؤ بهطول الأمطار. وتوضح دراسة الحالة هذه كيف يمكن أن تتنبأ نماذج الذكاء الاصطناعي بالظواهر الجوية، من خلاال تحليل بيانات هطول الأمطار والأرصاد الجوية التاريخية. وتشير نتائج الدراسة إلى أن النمذج القائمة على الذكاء الاصطناعي تتفوق كثيرًا على الأساليب التقليدية؛ إذ تقدم تنبؤات أكثر دقة وفي الوقت المناسب. ومع ذلك، يحذر المساهمون من أن هذه النمذج تتطلب تقييمًا صارمًا، لتجنب الإفراط في التجهيز، وضمن الموثوقية في التطبيقات في العالم الحقيقي. وتركّز عدة فصول من الكتاب على تطبيق الذكاء الاصطناعي في التنبؤ المالي، وخاصة في التنبؤ باتجاهات سوق الأوراق المالية. وتُستخدم تقنيات مثل "آلات المتجه الدعم"5، والشبكات العصبية، وتحليل المشاعر لبيانات وسائل التواصل الاجتمعي، لنمذجة سلوك السوق. ومن الأمثلة البارزة لذلك استخدام تحليل المشاعر للتنبؤ بأسعار الأسهم، بناءً على الرأي العام المُعّبر عنه على منصات مثل إيكس/ تويتر؛ إذ يبُرز الكتاب أنه من خلاال تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على مجموعات بيانات التغريدات، تمكّن الباحثون من الكشف عن الارتباطات بين المشاعر العامة وحركات السوق، وتحقيق دقّة تنبئية مذهلة. ويؤكد هذا القسم الإمكانات التي يتمتع بها الذكاء الاصطناعي لإحداث ثورة في التنبؤ المالي، ولكنه يثير أيضًا أسئلة بالغة الأهمية بشأن استخدامه الأخلااقي. فعلى سبيل المثال، يثير الاعتمد على بيانات وسائل التواصل الاجتمعي مخاوف بشأن الخصوصية، والتلااعب المحتمل بالرأي العام للتأثير في اتجاهات السوق. ويتميّز الكتاب أيضًا باستكشافه استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال التنبؤ البيئي. وتوضح الفصول الخاصة بالتنبؤ بالطقس ونمذجة المناخ كيف يمكن أن يحلل الذكاء الاصطناعي مجموعات البيانات الضخمة من الأقمر الصناعية، وأجهزة الاستشعار، والسجلاات التاريخية، لتوقع الأحداث الجوية المتطرفة واتجاهات المناخ الطويلة الأجل. ولهذه التوقعات تطبيقات في الاستعداد للكوارث، والتخطيط الزراعي، والحفاظ على البيئة. فعلى سبيل المثال، يوضح أحد فصول الكتاب كيف يمكن أن تتنبأ نماذج الذكاء الاصطناعي بدرجة الحرارة الفعالة، من خلاال دمج متغيرات مثل الرطوبة ودرجة الحرارة؛ ما يوفر رؤى قابلة للتنفيذ للصناعات ولصنّاع السياسات. ويناقش المؤلفون أيضًا القيود التي يفرضها الذكاء الاصطناعي في هذا المجال، وخاصة الآثار الأخلااقية والقانونية المترتبة على استخدام نماذج

  1. آلات المتجه الداعم" (SVMs Machine, Vector Support) مجموعة خوارزميات تعلّم الآلة الخاضعة للإشراف (تكون البيانات

المناخ. وتشمل هذه المخاوف إساءة استخدام البيانات التنبئية لتبرير التقاعس، أو السياسات التي تؤثر على نحوٍ غير متناسب في المجتمعات المهمشة. ولعل الجانب الأكثر إثارة للااهتمم في الكتاب هو مناقشته التداعيات الأخلااقية والاجتمعية للتنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ويركز في هذا الصدد أحد فصول الكتاب على التفاوت بين الجنسين في مجال الذكاء الاصطناعي، مسلطًا الضوء على الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها التحيزات اللااواعية، في تصميم البيانات والخوارزميات، إلى إدامة التفاوتات النظامية في العالم الحقيقي. ويبحث فصل آخر في الاعتبارات الأخلااقية والقانونية للتنبؤ بالمناخ، ويحثّ المطورين وصناع السياسات على منح المساءلة والعدالة الاجتمعية الأولوية. وتضيف هذه المناقشات عمقًا للكتاب، من خلاال تذكيرها بأن الذكاء الاصطناعي، على الرغم مّما يقدمه من قدرات هائلة، ليس حالًا سحريًا في مجال التنبّؤ؛ على اعتبار أنّ نماذج التنبّؤ لا تكون محايدةً إلا بقدر البيانات التي يتم تدريبها عليها، ولا بد من التدقيق في القرارات التي تتخذها لمعرفة تأثيرها المجتمعي الأوسع. ومن ثمّ دعوة الكتاب إلى مزيد من الشمولية في تطوير الذكاء الاصطناعي؛ أي حضور العنصر البشري في كلّ مرحلةٍ من مراحل اتخاذ القرار، والأخذ بوجهات نظرٍ متنوعة، لضمن توزيع فوائد التنبؤ على نحوٍ منصف. وبغضّ النظر عن محدودية بعض جوانب الكتاب، مثالًا في ما يخصّ تقديم توصيات قابلة للتنفيذ، أو في التعمّق في التحديات الأخلااقية الكبرى المرتبطة بالتنبؤ بوساطة الذكاء الاصطناعي، فإنه يتميز باستكشافه الأبعاد المستقبلية للتنبؤ بالذكاء الاصطناعي، وبتفاؤله بشأن إمكانية هذا الذكاء في دفع الابتكار وتحسين عملية اتخاذ القرار عبر الصناعات. ويتصور الكتاب مستقبلاات لا تكون نماذج التنبؤ فيها أكثر دقة فحسب، ولكن أيضًا أكثر شفافية وأخلااقية وشمول.ا ومن ذلك الفصل المخصص لمفهوم "نماذج التنبؤ الهجينة") التي تجمع بين Hybrid Forecasting Models(الذكاء الاصطناعي والخبرة البشرية. فمن خلاال دمج نقاط القوة في التعلم الآلي مع المعرفة السياقية لخبراء المجال، تعِدُ هذه النمذج بتقديم تنبؤات أكثر قوة وموثوقية. ويؤكّد المساهمون في الكتاب أن مثل هذه الأساليب الهجينة يمكن أن تخفّف من بعض التحيزات والقيود المتأصلة في الذكاء الاصطناعي؛ ما يوفر مسارًا متسقًا للتنبؤ الأخلااقي والفعال. يأتي بذلك كتاب الذكاء الاصطناعي في التنبؤ في وقته تمامًا، ليقدّم فحصًا شامالًا لأدوات الذكاء الاصطناعي وتقنياته وتطبيقاته في مجال التنبّؤ، مع التعامل أيضًا مع التحديات الأخلااقية والاجتمعية التي تصاحب استخدامه. ويفلح الكتاب في استكشاف الأبعاد المستقبلية للتنبؤ، ويوفر رؤيةً للذكاء الاصطناعي ليست مبتكرةً فحسب، بل إنها أيضًا شاملة وأخلااقية. ويمثّل بذلك، بالنسبة إلى المهنيين والباحثين في مجالات مثل التمويل وعلوم المناخ وتحليلاات البيانات، موردًا ثمينًا بالنظر إلى أنّ دراسات الحالة التفصيلية والرؤى الفنية التي يقدمها من شأنها أن تسهم في إلهام العمل المستقبلي في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي، مع الحرص في الآن ذاته على التركيز على الأخلااقيات والشمولية في التذكير بأن التقدم التكنولوجي ينبغي أن يسترشد بالالتزام بالمسؤولية الاجتمعية. وفي عالم تتشكل ملاامحه على نحوٍ متزايد من خلاال الخوارزميات التنبئية، يتحدانا الذكاء الاصطناعي في التنبؤ للتفكير النقدي بشأن دور هذا الذكاء في تشكيل مستقبلااتنا، وللتساؤل عّما يمكن أن يفعله، وعّما ينبغي له فعله، من أجل التأسيس لعصرٍ للتنبّؤ أكثر عدالةً واستدامة.

مع التطور الأّسي الذي شهده الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة، أصبح بعضهم يصفه بأنه مستقبل الحضارة الإنسانية، في جميع المجالات، المدنية منها والعسكرية. بيد أنّ دوره في إعادة تشكيل المشهد العسكري يثير في الآن ذاته مخاوف كبرى، وأسئلةً أخلااقية واستراتيجية وتقنية عديدة. ويأتي كتاب الحرب الذكية: آفاق التطور العسكري في عصر الذكاء الاصطناعيليعرض لتطور النمذج العسكرية في سياق التقدم التكنولوجي السريع للذكاء الاصطناعي، من خلاال تحليل دقيق وأمثلة ملموسة، يتنقل عبرها مؤلف الكتاب مينغكسي وو بين إمكانات المستقبل العسكري الذي يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي ومخاطره، ويصوغ سردية Mingxi Wu, Intelligent Warfare: Prospects of Military Development in the Age of AI, Qichao Zhu & Chaowei Pang (trans.) , (Abingdon, Oxon: Routledge, 2023), 454 p. تراوح بين الأمل في مقاربة تسمح بتحكّمٍ أكبر وإدارة أكثر إنسانية للصراع، والحذر من الهيمنة التكنولوجية الجامحة. يبدأ الكتاب بوضع أساس تاريخي ونظري يتتبع تطور الحرب، من الميكنة التقليدية، وصولًا إلى المراحل الناشئة من "إضفاء سمة الذكاء الاصطناعي"6. وتؤطّر هذا السياق الافتتاحي الأطروحة المركزية للكتاب: أن الحرب الذكية، مع الذكاء الاصطناعي في جوهرها، ستعيد تعريف البنى التشغيلية، ونماذج القيادة، وحتى طبيعة القتال. ويزعم المؤلف أنّ هذا التحول لن يؤدي إلى تحديث الحرب فحسب، بل من المحتمل أن يبشر ببردايم جديد يصبح فيه التفوق الخوارزمي المحدد النهائي للنصر.

  1. إضفاء سمة الذكاء الاصطناعي" (Intelligentization) مصطلحٌ يستخدمه المؤلف لوصف التحول الذي يقوده الذكاء الاصطناعي

يتناول الجزء الأول من الكتاب، المخصص للجوانب النظرية للحرب الذكية، كيف تتقارب مختلف الاتجاهات العالمية، والتكنولوجية، والاقتصادية، والجيوسياسية، لجعل الذكاء الاصطناعي أولويةً استراتيجية للجيوش في جميع أنحاء العالم. ويسلّط تحليل مينغكسي وو الضوء على عوامل مثل إعادة تشكيل المناظر الطبيعية الاستراتيجية الدولية، والدور المتزايد للأنظمة غير المأهولة، وظهور ساحات المعارك الافتراضية. وتعمل بعض الأمثلة التي يضربها، مثل حرب الطائرات من دون طيار، وقد شوهدت نجاعتها في الحرب الروسية - الأوكرانية التي بدأت في عام 2022، وفي صراع ناغورنو كاراباخ في عام 2023، والضربات الدقيقة التي استهدفت شخصيات مثل قاسم سليمني في عام 2020، على توضيح التأثيرات المباشرة لهذه التطورات، مع التنبؤ بعواقبها الطويلة الأجل. ويبرز هذا الجزء القسم المخصص للعمليات غير المأهولة، لتطور الطائرات من دون طيار والأنظمة الروبوتية، موضحًا إمكاناتها في استبدال العمليات المأهولة كليّا في الصراعات المستقبلية. ويتوقع المؤلف تقدمًا من الأنظمة غير المأهولة التي يتحكم فيها الإنسان إلى عمليات مستقلة تمامًا، حيث تشارك الآلات في القتال بناءً على خوارزميات مبرمجة مسبقًا. فعلى سبيل المثال، يصف مينغكسي وو "تقنيات الحشد" (Technologies Swarming)، حيث تعمل مئات الطائرات من دون طيار بصفة متمسكة لإرباك الدفاعات. ويضرب على ذلك مثال معرض تشوهاى الجوي الصيني، الذي يضم مركبات جوية من دون طيار متطورة مثل "وينغ لونغ 2" (2 Loong Wing)، و"رينبو "7 (Rainbow-7)، ليؤكّد أنّ سباق التسلح العالمي في الأسلحة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي ماضٍ قدُمًا. ويثري المقاربة نقد مينغكسي وو لهياكل القيادة وصنع القرار التقليدية؛ حيث نجده يؤكد أن الحرب الذكية ستتطلب التحول من أنظمة القيادة الهرمية المتمحورة حول الإنسان إلى نماذج صنع القرار اللاامركزية التي يقودها الذكاء الاصطناعي. ويتجلى هذا الادعاء من خلاال حلقة "المراقبة - التوجيه - اتخاذ القرار - التصرف" (Observe–Orient– OODA Decide–Act,)، وهو مفهوم أساسي في الاستراتيجية العسكرية. ويؤكد المؤلف أنّ قدرة الذكاء الاصطناعي على معالجة كميات هائلة من البيانات في الوقت الفعلي يمكن أن تضغط على هذه الحلقة؛ ما يتيح اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة. ومع ذلك، تثير احتملية تعطل أنظمة الذكاء الاصطناعي، أو تفسير البيانات على نحوٍ خاطئ، أو التصرف غير المتوقع، مخاوف أخلااقية وتشغيلية بالغة. وينتقل النصف الثاني من الكتاب إلى التركيز على التطبيقات الاستراتيجية والتكتيكية، واستكشاف مجالات مثل عمليات الفضاء الإلكتروني، والمواجهات الأسرع من الصوت، والحرب الإدراكية. وتجدر الإشارة هنا على نحوٍ خاص إلى تحليل مينغكسي وو للحرب الإدراكية بوصفها المجال الذي يجري فيه استخدام الذكاء الاصطناعي للتأثير في الرأي العام، والتلااعب بالمعلومات، وحتى إجراء العمليات النفسية. ومن خلاال الاستشهاد بأحداث واقعية عديدة، مثل دور وسائل التواصل الاجتمعي في زعزعة الاستقرار السياسي والدعاية، يؤكد أن ساحة المعركة لم تعد محصورةً في الفضاءات المادية، أو حتى الافتراضية، ولكنها توسعت إلى العوالم الإدراكية والعاطفية للتجربة الإنسانية.

وفي حين أن الأفكار التي يقدمها الكتاب مقنعة في بعض جوانبها، تظلّ بعض افتراضاته تقريبية. فعلى سبيل المثال، يبدو التفاؤل بشأن "الحرب المتحضرة" Civilized Warfare()، حيث تُدار الصراعات أساسًا بوساطة الآلات، في بيئات افتراضية أو غير مأهولة، مثاليًا للغاية. ويتصور المؤلف مستقبلاات يمكن أن تقلل فيها الأنظمة الذكية الخسائر البشرية، من خلاال حصر القتال في محاكاة افتراضية أو اشتباكات آلية. وتستند هذه الرؤية إلى افتراض أن جميع الأطراف ستلتزم بمثل هذه الأطر الأخلااقية، وهو افتراض أبعد ما يكون عن واقع الحال الذي تثبته التجارب التاريخية. ثمّ إنّ إمكانية وجود جهات "مارقة"، أو تهديدات غير متكافئة، أو إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي برعاية الدولة، تثير تساؤلات بشأن جدوى مثل هذا السيناريو المتناغم. علااوةً على ذلك، يحجب أحيانًا تأكيد المؤلف الإمكانات التحويلية للذكاء الاصطناعي البُعد الإنساني للحرب. كم أنّ الكتاب يميل أحيانًا أخرى إلى التعامل مع هذه المخاوف المنبثقة من الحاجة إلى ضمنات أخلااقية باعتبارها ثانوية، مقارنةً بالتقدم التكنولوجي. فعلى سبيل المثال، يركز النقاش حول الأسلحة المستقلة على كفاءتها التشغيلية أكثر من المع لاضت الأخلااقية، المتمثلة في تفويض قرارات الحياة والموت إلى الخوارزميات والروبوتات الذاتية التشغيل. وتقدم الفصول الختامية للكتاب تأمالًا في مستقبل الاستخبارات العسكرية وسباق التسلح العالمي. ويحذر مينغكسي وو في هذا الصدد من أنه في غياب التعاون الدولي والتدابير التنظيمية الصارمة، قد يؤدي انتشار التقنيات العسكرية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي إلى سباق تسلح ذي عواقب كارثية. ويقترح مفهوم "زر الإنهاء" (Termination Button)، بوصفه آلية أمان لمنع أنظمة الذكاء الاصطناعي من الخروج عن السيطرة، ضمنة حاسمة. ومع ذلك، نجده يعترف بالتحديات المتمثلة في تنفيذ مثل هذه التدابير في مشهد دولي تنافسي، حيث يرتبط التفوق التكنولوجي ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي. في المحصّلة، يشكّل كتاب الحرب الذكية توليفةً جيدة للتحليل التاريخي، والاستكشاف التقني، والتنبؤ بمستقبل الحرب الذكية. وتخلق قدرة مينغكسي وو على نسج المناقشات النظرية مع أمثلة من العالم الحقيقي سرديةً متمسكة. ويقدم استكشاف الكتاب لإمكانات الذكاء الاصطناعي في تحويل الحرب، رؤى قيّمةً لصناع السياسات والاستراتيجيين العسكريين والأكاديميين. وفي الوقت نفسه، تعمل نبرته التحذيرية تذكيرًا بالتحديات الأخلااقية والاستراتيجية التي تصاحب مثل هذا التحول، على الرغم من عدم تعمّقه فيها مقارنةً بالجوانب التقنية والتكنولوجية.

George Rzevski, The Future is Digital: How Complexity and Artificial Intelligence will Shape Our Lives and Work (Cham, Switzerland: Springer, 2023), 107 p.

يعرض جورج رزيفسكي تعقيدات المستقبل في كتاب المستقبل رقمي: كيف سيشكل التعقيد والذكاء الاصطناعي حياتنا وعملنا، ويقدم استكشافًا طموحًا لكيفية تحول علم التعقيد والذكاء الاصطناعي إلى سمت مميزة للعصر الرقمي. فبعيدًا عن الجوانب التقنية، يتعمق الكتاب في الأبعاد البشرية، والمجتمعية، والاقتصادية، للذكاء الاصطناعي والتعقيد، ويحاجّ في أنها أساسية لفهم المستقبل والتنقل فيه. وبذلك يقدّم سرديةً متمسكة ل "التطور المشترك " (Coevolutionوهو)؛ مصطلح يستخدمه لوصف التفاعل بين التقدم التكنولوجي والتحول المجتمعي. أطروحة الكتاب بسيطة، ولكنها عميقة، ويمكن تلخيصها على النحو التالي: يمثل العصر الرقمي، الذي تحركه التعقيدات والذكاء الاصطناعي، القفزةَ الاجتمعية التكنولوجية العظيمة التالية، بعد طفرَتي الزراعة والتصنيع. ولا يعمل هذا التحول على إعادة تشكيل الصناعات فحسب، بل نجده أيضًا يعيد تعريف نسيج أنظمتنا الاجتمعية والاقتصادية. ويؤكد رزيفسكي أن تبنّي التعقيد والاستفادة من الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا، بل إنه ضرورة للاازدهار في عالم متقلب ومترابط على نحوٍ متزايد؛ لأنّ من سيفشل في التكيف سوف يغمره الارتفاع الهائل في التعقيد الذي يميز عصرنا. يبدأ تحليل رزيفسكي بعرض السياق التاريخي لتطور التقدم التكنولوجي والتحول المجتمعي، ويرسم رحلة البشرية عبر ثلااثة تحولات اجتمعية وتكنولوجية رئيسة: من مجتمع

الصيد والجمع إلى مجتمع الزراعة، ثمّ من مجتمع الزراعة إلى مجتمع الصناعة، واليوم من مجتمع الصناعة إلى المجتمع الرقمي. ويؤكدّ المؤلف أنّ كلّ تحولٍ من هذه التحولات يتميّز بزيادة الاتصال والتعقيد. فعلى سبيل المثال، عملت الثورة الصناعية على زيادة مركزية الإنتاج، وخلق أنظمة هرمية صارمة (من أهمها النظام التايلوري - الفوردي)، في حين يعمل العصر الرقمي على تفتيت هذه المركزية وتحويل هذه الهياكل إلى أنظمة لامركزية قابلة للتكيف. ومن الأفكار الرئيسة الداعمة لهذا الطرح أن الأدوات الرقمية، وخاصة الذكاء الاصطناعي، لا تحلّ المشكلاات فحسب، بل إنها لاوًاالح بلطتت ديقعتلا نم ةديدج لا كشأ دلوّت متطورة بالقدر نفسه. وعلى اعتبار مركزية علم التعقيد بالنسبة إلى أطروحة الكتاب، يقدم رزيفسكي مقاربته لمفهوم التعقيد، ليس بوصفه مفهومًا مجردًا، وإنما بصفته إطارًا عمليّا لفهم الديناميات غير المتوقعة للأنظمة الحديثة، ويصف نشأته من تفاعلاات الفاعلين المستقلين، أشخاصًا، أو آلات، أو منظمت، داخل أنظمة مترابطة. ويؤدي هذا التعريف إلى وجود سلوكيات ناشئة، وحالة ثابتة من التغير. فعلى سبيل المثال، يستخدم المؤلف مثال سلااسل التوريد العالمية، التي أصبحت في العقود القليلة الماضية مترابطةً إلى حد أن الاضطراب في جزء واحد من هذه السلااسل يمكن أن ينتشر عبر النظام بأكمله؛ ما يخلق عواقب غير متوقعة. ويجري هنا الاستشهاد بالمثالين البارزين على ذلك، وهم الأزمة المالية لعام 2008، وجائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) في عام 2020، بوصفهم من المظاهر الحقيقية لهذه الديناميات المعقدة. وتجدر الإشارة إلى تميّز الكتاب في مناقشته للذكاء الاصطناعي؛ إذ لا يتعامل معه رزيفسكي بوصفه مجرد أداة، بل قوة تحويلية قادرة على إعادة تعريف القدرات البشرية والتنظيمية. وهو يقارن بين نوعين من الذكاء الاصطناعي: أنظمة التعلم الآلي التي تعتمد على بيانات التدريب، والذكاء الاصطناعي الناشئ الذي يمكنه، على غرار الدماغ البشري، تنظيم نفسه والتطور. وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ لأنه يسلط الضوء على إمكانات الذكاء الاصطناعي الناشئ في معالجة التحديات المعقدة والتكيفية. ومن الأمثلة على ذلك أنظمة صنع القرار التي يقودها الذكاء الاصطناعي، والتي يجري استخدامها في إدارة سلسلة التوريد؛ إذ يمكن أن، تعيد الخوارزميات جدولة الإنتاج على نحوٍ مستقل، استجابةً للااضطرابات في الوقت الفعلي. ويزعم المؤلف أن هذه القدرة على التكيف هي ما يميز الذكاء الاصطناعي، بوصفه حجر زاوية العصر الرقمي. ومع إبراز الكتاب هذه الجوانب المنيرة للذكاء الاصطناعي، لا يغفل رزيفسكي عن بعض جوانبه القاتمة. ففي فصل "الذكاء الاصطناعي: صديق أم عدو؟"، يعرض لمع لاضت أخلااقية ومخاطر وجودية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ويحذر من مخاطر تفويض القرارات عالية المخاطر إلى الآلات، وخاصة في مجالات مثل الحرب والحوكمة؛ حيث تكون المخاطر وجودية. فعلى سبيل المثال، يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في الأسلحة المستقلة تساؤلات بشأن المساءلة

والمسؤولية الأخلااقية. وعلى نحو ممثل، ينتقد المؤلف التحيزات المتأصلة في بيانات التدريب، التي يمكن أن تؤدي إلى إدامة التفاوتات الاجتمعية عند ترميزها في خوارزميات، في مجال التوظيف على سبيل المثال.

ويجدر التنويه بالمنظور الاستشرافي لكتاب المستقبل رقمي؛ فالفصول اللااحقة تقدم رؤيةً للااقتصاد والمجتمع الرقميين، مع تأكيد مركزية المعرفة، بوصفها موردًا اقتصاديًا رئيسًا. ويتوقع رزيفسكي أنّ الانتقال من المجتمع الصناعي إلى المجتمع الرقمي سوف يتميز بتراجع الهياكل الهرمية التقليدية لمصلحة نُظمٍ لامركزية تكيفية. وهو يتصور مستقبلاات تصبح فيها الخدمات القائمة على المعرفة، المدعومة بالذكاء الاصطناعي، المحركات الأساسية للنشاط الاقتصادي. ويؤكد أنّ هذا التحول سوف يتطلب عقلية جديدة، يسميها "عقلية التعقيد " Complexity(Mindset)، التي تحتضن عدم اليقين، وتعزّز القدرة على التكيف، وتولي التعاون الأولوية. لاحقًا، يستكشف الكتاب النظم البيئية الرقمية، ويصف كيف يمكن أن تنتقل المنظمت من الهياكل الجامدة الهرمية إلى أنظمة متكيفة لامركزية، تشبه النظم البيئية الطبيعية. فعلى سبيل المثال، يناقش رزيفسكي تحول الشركات التقليدية إلى نظم بيئية رقمية ذكية قادرة على تنظيم نفسها والتطور والاستجابة للااضطرابات. وتتجسد هذه الفكرة، من خلاال دراسات الحالة للشركات التي نجحت في دمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها؛ ما خلق قدرًا أكبر من المرونة والابتكار. يبقى أنّ هذا المنظور يظلّ موصولًا بواقع الدول المتقدمة أساسًا، ومنفصالًا إلى حٍّدٍ بعيد عن واقع البلدان الأقلّ تقدمًا، بفعل الفجوة الرقمية واحتكار شركات التكنولوجيا العملااقة للبيانات، وقيود تبيئة النظم البيئية الرقمية، سواء المادية منها أو غير المادية. ويظلّ تحليل رزيفسكي للتعقيد والذكاء الاصطناعي مرتبطًا بمستويات كلية (Macro) أساسًا، ولا يلاامس كيفية تأثير هذه القوى في مستوى الأفراد (Micro) إّلا على نحوٍ محدود، وخاصة من حيث التوظيف، والتمسك الاجتمعي. فعلى سبيل المثال، يجري في الكتاب الإتيان على ذكر تهجير العمل بسبب الأتمتة التي يقودها الذكاء الاصطناعي، ولكن لا يجري التعمّق أكثر في مفاعيل هذه الدينامية وعواقبها. وقد كان من الممكن أن يعزّز الفحص الأكثر تفصيالًا لكيفية استعداد المجتمعات لهذه التأثيرات، والتخفيف من حدتها، من أهمية الكتاب العملية. وهذا لا ينفي مع ذلك أنّ كتاب المستقبل رقمي يشكّل مساهمةً ملحوظة في النقاش الدائر حول الذكاء الاصطناعي والتعقيد، بالنسبة إلى صنّاع السياسات، وروّاد الأعمل، والأكاديميين، لا سيّم من خلاال رسالة التمكين التي يوجهها رزيفسكي في ختام الكتاب: من خلاال تبنّي عقلية التعقيد والاستفادة من الإمكانات التحويلية للذكاء الاصطناعي، يمكن أن تتغلب البشرية على عدم اليقين في المستقبل، وتشكّل مجتمعًا أكثر مرونةً وقدرة على التكيف. وبينم نقف على أعتاب تحولات كبرى يحملها العصر الرقمي، فإنّ الرؤى التي يقدمها المؤلف تمثّل تذكيرًا يأتي في وقته بأنّ المستقبل ليس محددًا مسبقًا، بل إنه ملكٌ لنا جميعًا لتشكيله.

يستكشف كتاب التفرّد أقرب: عندما نندمج مع الذكاء الاصطناعيالتحول المتسارع نحو "التفرّد التكنولوجي"، من خلاال سردية تدمج السياق التاريخي، والتحليل العلمي، والتأمل الفلسفي. ويعدّ هذا الكتاب تطويرًا للأفكار التي قدّمها راي كورزويل في كتابه التفرد يقترب الذي صدر في عام 2005، مع أخذٍ في الاعتبار لتسارع التحولات7التكنولوجية، والحاجة الملحّة إلى تحديد المسارات المؤدية إلى هذا التحول الجذري للبشرية. يستهلّ كورزويل الكتاب بإعادة تأكيد الفرضية الأساسية لرؤيته، التي طرحها منذ تسعينيات القرن الماضي وبلورها في كتابه السابق في عام 2005؛ وهي أنّ البشرية تتحرّك نحو حالةٍ من التفرّد، هي نقطة يتسارع فيها التقدم التكنولوجي Ray Kurzweil, The Singularity Is Nearer: When We Merge with AI (New York: Viking, 2024), 657 p. بسرعة كبيرة إلى حدّ أنه يحوّل حياة الإنسان ومحيطه على حدٍ سواء. ويتوقع المؤلف حدوث هذا التحول في حوالى عام 2045، بدفعٍ من تقارب تقدم الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، وتكنولوجيا النانو، والذي سيبلغ ذروته في دمج البيولوجيا البشرية مع الآلات. ويتبع هذا التحول في نظره مسارًا أسيًا يسميه "قانون العائدات المتسارعة).Law of Accelerating Returns(" ينقسم الكتاب إلى ثمانية فصول، يعرض كلٌ منها لجانبٍ من المسار نحو التفرد الذي يفترضه كورزويل. وينطلق العرض من وضع السياق الأوسع الذي يعرضه وفقًا لستة عصور تاريخية للتطور، آخرها العصر الخامس الذي ينبثق من ظهور الذكاء البيولوجي والتكنولوجي، والذي

  1. Ray Kurzweil, The Singularity Is Near: When Humans Transcend Biology (New York: Viking Books, 2005).

يفضي إلى ظهور العصر السادس، حيث يندمج البشر على نحوٍ مباشر مع الذكاء الاصطناعي، وينتشر الذكاء البشري الآلي في جميع أنحاء الكون. وتعتمد رؤية كورزويل للمستقبل كثيرًا على الاختراقات التكنولوجية التي بدأت تلوح في الأفق. ويشير إلى النمو الهائل في قوة الحوسبة، والذي يتجلى في الأهمية المستمرة لقانون مور والتقدم السريع في قدرات الذكاء الاصطناعي، مثل نماذج اللغة وأنظمة التعرف إلى الصور. ويسلط الضوء على كيفية عمل تقنيات مثل الشبكات العصبية ونماذج اللغة الكبيرة، على غرار "تشات جي بي تي" (ChatGPT)، على إعادة تشكيل علااقتنا بالآلات. ويتوقع المؤلف أنه بحلول ثلااثينيات القرن الحادي والعشرين، ستسمح واجهات الدماغ والحاسوب للبشر بتوسيع قدراتهم المعرفية مباشرة إلى "السحاب الحوسبي" (Cloud Computing)؛ ما من شأنه أن يؤدي إلى تعزيز الذكاء البشري الطبيعي بقوة حسابية تكاد تكون غير محدودة. يتصور كورزويل عالمًا يمكن أن يتغلّب فيه البشر بفاعلية على القيود البيولوجية، مثل الشيخوخة والمرض، من خلاال التكنولوجيا الحيوية المتقدمة، وتكنولوجيا النانو. وهو يقدّم على ذلك العديد من الأمثلة التفصيلية، منها استخدام الروبوتات النانوية لإصلااح الخلاايا، وتعزيز أنظمة المناعة، وحتى تغيير تسلسل الحمض النووي لمنع الأمراض الوراثية. ويضرب أيضًا المثل بانخفاض تكلفة تسلسل الجينوم، التي انخفضت بنسبة 99.997 في المئة منذ بدء مشروع الجينوم البشري8. وبالمثل، يشير إلى التقدم في تقنيات "كريسبر" (CRISPR) و"تحرير الجينات " (Gene-Editingالتي)، قد تسمح للبشر بالقضاء على الاستعدادات الوراثية لحالات مثل الزهايمر والسرطان. ويؤكّد أنّ هذه التطورات، عندما تقترن بالرؤى الطبية التي يقودها الذكاء الاصطناعي، تَعِد بإطالة عمر الإنسان على نحوٍ جذري، وتحسين نوعية الحياة. ويذهب إلى حدّ الجزم الفلسفي بأنّ هذا المستوى من السيطرة على البيولوجيا البشرية من شأنه أن يبّشر بعصرٍ من "التسامي"، بحيث يمكن أن يتولى البشر مسؤولية تطورهم. وإن كان يُحسب للكتاب، على تفاؤله اللاامحدود بشأن تأثيرات التقدم التكنولوجي في حياة الإنسان وفي محيطه، أنه يتناول أيضًا المخاطر المحتملة لهذا المستقبل، ويخصص فصالًا للمخاطر الأخلااقية والوجودية التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، وتكنولوجيا النانو، وإمكانية حدوث عواقب غير مقصودة في هذه التكنولوجيا القادرة على التكاثر ذاتيًا، والاضطرابات المجتمعية الناجمة عن الأتمتة الواسعة النطاق، فالتناول النقدي لهذه القضايا يظلّ قاصرًا على أكثر من صعيد. وتأكيد كورزويل لأهمية التخطيط الدقيق والإشراف الأخلااقي في مواجهة هذه التحديات والتخفيف من حدة هذه المخاطر، يظلّ كذلك قاصرًا إزاء درجة تعقيدها وخطورتها على البشرية جمعاء. ثمّ إنه كثيرًا ما يرفض الحجج المضادة التي تشكّك في جدوى إدارة مثل هذا التغيير

  1. انخفضت تكلفة تسلسل الجينوم البشري كثيرًا، منذ بدء مشروع الجينوم البشري في عام 1990، الذي جرى الانتهاء منه في عام 2003؛ إذ انتقلت من حوالى 14 مليون دولار في عام 2006، إلى أقلّ من 1500 دولار بحلول أواخر عام 2015، إلى حوالى 600 دولار بدايةً من عام

السريع والعميق، كاحتمل وقوع أحداث "البجعة السوداء"9 الكارثية مثال، ا أو يقلّل من أهميتها. وفي حين يعترف المؤلف بهذه الاحتملات، فإنه يميل إلى الاعتمد على قانونه الخاص بالعوائد المتسارعة ليبرّر تفاؤله شبه اللاامحدود بقدرة البشرية على إيجاد الحلول في الوقت المناسب. ولعل السمة الأكثر لفتًا للاانتباه في كتاب التفرّد أقرب، هي تركيز كورزويل على الخطوات المباشرة المؤدية إلى التفرد. فخفًا لكتابه السابق التفرّد يقترب، الذي رسم رؤيةً واسعة للمستقبل، يركز هذا الكتاب أكثر على التطورات العملية التي تعيد تشكيل المجتمع. وفي هذا الصدد، يتوقع المؤلف أنه بحلول ثلااثينيات القرن الحادي والعشرين، سوف يصل الذكاء الاصطناعي إلى مستوى الذكاء البشري، وبحلول منتصف أربعينيات القرن الحادي والعشرين، سوف يتجاوزه كثيرًا. وتتضمن خريطة الطريق، التي وضعها كورزويل نحو التفرد، تطوير الذكاء الاصطناعي القادر على التحسين الذاتي، ودمج الواجهات العصبية، والتطور المستمر للتكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا النانو. وهو يتصور عالمًا يتعاون فيه البشر والآلات بسلااسة؛ ما يخلق حضارة الوفرة والابتكار. في المحصلة، كتاب التفرّد أقرب، هو عمل جريء ومحفز فكريًا لإعادة التفكير في معنى أن تكون إنسانًا في مواجهة التغيير التكنولوجي التحويلي. ثمّ إنّ تفاؤل كورزويل شبه اللاامحدود بشأن المستقبل، وتوقعاته التفصيلية الدقيقة، متسقة ذاتيًا لدعم حتمية سيناريو التفرّد، سواءٌ كنا نتفق مع مضامينها ومع جدولها الزمني، أو كنا نجدها موسومة بالطموح وغير واقعية على نحوٍ مفرط. ومن ثمّ، فإنّ الكتاب يكتسي أهمية أكيدة بالنسبة إلى كلّ المهتمين بالتقاطع بين التكنولوجيا والفلسفة والحالة الإنسانية، وبالتفكير في الاتجاه الذي تتجه إليه البشرية.