Return to Article Details مستقبل البحث العلمي والابتكار في سلطنة عُمان: في ضوء الرؤية المستقبلية

مستقبل البحث العلمي والابتكار في سلطنة عُمان: في ضوء الرؤية المستقبلية

يوسف بن حمد البلوشي

الملخّص

ي

Abstract

Abstract: The evolution of artificial intelligence (AI) has marked a turning point for contemporary technology, and its impact has extended to include changing the features of most vital sectors, including educational, healthcare, economic, and political systems. However, several questions emerge about its strengths and weaknesses, the way it relates to humans, how to interact with it in the digital world, and what it will look like in the future. The scarcity of studies addressing the theoretical and ethical aspects of AI is more evident in the Arab world, deepening the gap between keeping pace with technological progress and critical, theoretical, and ethical analysis of AI that works to ensure it is compatible with the cultural and societal values of the Arab individual. This research presents a critical attempt to uncover some ethical and technical challenges facing intelligent systems today, to anticipate the future of AI, and to suggest ways to improve its use and development in the Arab world.

تهاني الخطيب | Al-Khatib *Tahani

الذكاء الاصطناعي يف مقابل الذكاء البشري

قراءة نقدية لتحديات محاكاة العقل البشري واستشراف مستقبلاته من منظور عربي

Artificial Intelligence vs. Human Intelligence

A Critical Reading of the Challenges of Simulating the Human Mind and

Anticipating Its Future from an Arab Perspective

القبولAccepted Received التسلمRevised التعديل

الرقم التعريفيDOI https://doi.org/10.31430/DHZH7210

مقدمة

يسعى الباحثون في مجال الذكاء الاصطناعي إلى تطوير أنظمة اصطناعية ذكية ممثلة أو مضاهية لقدرات البشر الإدراكية، من حيث امتلااكها للإرادة الحرة، والوعي الذاتي، والقدرة على التفكير المستقل، وليس بوصفها مجرد محاكاة أو تقليد للإدراك والتفكير والوعي الإنساني. وعلى الرغم مم نراه اليوم من تقدم مذهل في تصميم البرامج والخوارزميات، التي يمكنها أداء مهمت "ذكية" بنتائج ممتازة، بصفتها نتاجًا لظهور تقنيات قوية ومعقدة، على غرار الشبكات الاصطناعية العصبية في التعلم الآلي والتعلم العميق، فإنّ الذكاء الاصطناعي لا يزال يتعثر في كثيرٍ من الأحيان، ولا يقدم مخرجات مقبولة أو قريبة من طريقة تفكير البشر؛ فهو لم ينجح بعد في تقديم نموذج رياضي مقبول ومفهوم للوعي الإنساني والإرادة الحرة1. وبرامج الذكاء الاصطناعي التي تستخدم نماذج التعلم الآلي والعميق، لا تزال تعتمد أساسًا على الطرائق الإحصائية والنمذج الرياضية الاحتملية لتمثيل الارتباطات الرياضية بين البيانات، لتتمكن من بناء استنتاجات تقريبية حول النتائج2. أما أنظمة الذكاء الاصطناعي الكلااسيكية، كالأنظمة الخبيرة، فهي أيضًا تعتمد على الاستنتاجات المنطقية التي تختزل عملية الإدراك والتفكير لبناءات منطقية مجرّدة3. بيد أننا إن نظرنا في أهم النشاطات العقلية التي تجعل الذكاء البشري فريدًا ومتميزًا في عملية الإدراك، وفي قدرته على اكتساب المعرفة4، فإننا سنرى أنها لا تقتصر على عملية التعلم، بل تتعداها إلى عمليات ذهنية وإدراكية متشابكة، تتضمن فهم العلااقات السببية بين الأشياء في العالم، وليس مجرد بناء الترابطات بينها5، وتتعدّاها إلى بناء الخبرة الواعية وفهمها، والقدرة على اكتساب اللغة والمفاهيم بعددٍ قليل من الأمثلة6، والقدرة التحليلية والمنطقية للذكاء العاطفي والإبداع والابتكار والتذكر، والانخراط الواعي في العالم ومع الآخرين، إضافة إلى أصالة الإنسان ووعيه بذاته ومحيطه وإرادته الحرة في اتخاذ القرارات. ومع ذلك، فإننا نرى أنفسنا يومًا بعد يوم في حالة من الاستلااب الكامل، مأخوذين بالذكاء الاصطناعي وتطبيقاته إلى درجة الانخراط اليومي الكامل من دون شعور واعٍ ومتيقظ بالذات أو بالآخرين؛ لذلك لا بد من فهم حدوده النظرية وتطوير منظومة أخلااقية للتعامل معه. ومن أجل ذلك، تأتي هذه الدراسة محاولةً نظرية وفلسفية لتقييم واقعه اليوم وبعض جوانب قصوره، وتقدم بناءً موضوعيًا لفهم

1 David Chalmers, "The Hard Problem of Consciousness," in: Max Velmans & Susan Schneider (eds.), The Blackwell Companion to Consciousness (Malden, MA: Wiley-Blackwell, 2017), pp. 32-42. 2 Christian Janiesch, Patrick Zschech & Kai Heinrich, "Machine Learning and Deep Learning," Electronic Markets, vol. 31, no. 3 (2021), pp. 685-695. 3 Mark Coeckelbergh, AI Ethics (Cambridge, MA: MIT Press, 2020), p. 71. 4 Paul Thagard, "Cognitive Science," in: Edward N. Zalta (ed.), The Stanford Encyclopedia of Philosophy Winter Edition (Stanford: Metaphysics Research Lab/ Stanford University, 2020). 5 Coeckelbergh, pp. 90-91. 6 Anthony Elliott, Making Sense of AI: Our Algorithmic World (Cambridge, UK: Polity Press, 2022), p. 75.

  1. David Chalmers, "The Hard Problem of Consciousness," in: Max Velmans & Susan Schneider (eds.), The Blackwell Companion to Consciousness (Malden, MA: Wiley-Blackwell, 2017), pp. 32-42.
  2. Christian Janiesch, Patrick Zschech & Kai Heinrich, "Machine Learning and Deep Learning," Electronic Markets, vol. 31, no. 3 (2021), pp. 685-695.
  3. Mark Coeckelbergh, AI Ethics (Cambridge, MA: MIT Press, 2020), p. 71.
  4. Paul Thagard, "Cognitive Science," in: Edward N. Zalta (ed.), The Stanford Encyclopedia of Philosophy Winter Edition (Stanford: Metaphysics Research Lab/ Stanford University, 2020).
  5. Coeckelbergh, pp. 90-91.
  6. Anthony Elliott, Making Sense of AI: Our Algorithmic World (Cambridge, UK: Polity Press, 2022), p. 75.

إمكاناته الحالية والمستقبلية وحدودها، كم تنتقد فرضيات الذكاء الاصطناعي العام (AGI) والذكاء الاصطناعي الفائق (ASI)، التي ترى أن الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى الذكاء الإنساني أو يتجاوزه قريبًا. وتطرح الدراسة رؤيةً جديدة لكيفية تشكيل علااقة أخلااقية وتعايشية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، يكون فيها الإنسان متيقظًا بدرجةٍ كافية في أثناء انخراطه في تعامله مع هذه التقنية في حياته اليومية، فهو الطرف الواعي والمسؤول في هذه العلااقة، في حين أن الذكاء الاصطناعي هو الأداة التي تحسّن حياته ومستقبله. وتحاول الدراسة أيضًا رسم خريطة طريق للباحثين، لزيادة اهتممهم بالبحث النظري والأخلااقي لاستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطويرها في العالم العربي، للوصول إلى علااقةٍ متوازنة وفعالة وبنّاءة بين هذه التقنيات الذكية والإنسان في المجتمعات العربية. وتنتمي هذه الدراسة إلى إطار فلسفة العلوم والتكنولوجيا، وبالتحديد فلسفة الذكاء الاصطناعي، وتعتمد على المنهج الفلسفي التحليلي النقدي. وتبدأ بتأسيس نظري لمفهوم الذكاء الاصطناعي وأنواعه وأطواره. ثم تستعرض تموضعه اليوم في العالم الرقمي، وتناقش التحديات والقيود التي تحكم الخوارزميات الحالية، خاصة فيم يتعلق بالقيود التقنية الرياضية والإحصائية، والقيود الفلسفية، كمشكلة السببية والوعي والإرادة الحرة. ثم تعاين أهم الإشكاليات الأخلااقية التي لا تزال عالقةً بسبب حدوده النظرية، أو جرّاء سوء تطويره أو استخدامه. وتقارن بينه وبين الذكاء الإنساني المتفرد، وتحاول تقديم نموذج لتطوير علااقة أخلااقية يشتبك فيها الإنسان على نحوٍ مسؤول مع الذكاء الاصطناعي وأدواته المختلفة. وأخيرًا، تنظر الدراسة في تحديات دمج الذكاء الاصطناعي في المجتمعات العربية، وتقدّم ثلااثة سيناريوهات لمستقبلااته، وتقترح سبل تحسين استخدامه في العالم العربي وتطويرها.

أولًا: الأسس النظرية للذكاء الاصطناعي

1. الذكاء الاصطناعي وخط تطوره

تضم تكنولوجيا المعلومات (IT) مجالات واسعة ومتفرعة، تشمل علم الحاسوب، وأنظمة المعلومات، وهندسة البرمجيات، وغيرها من القطاعات المختلفة. ويعتبر الذكاء الاصطناعي (AI) أحد أهم فروع علم الحاسوب، ويستحوذ على اهتمم شرائح مجتمعية واسعة، على تنوع اختصاصاتهم، سواءً أكانوا باحثين في المجال العلمي، أو الطبي، أو الصناعي، أو الهندسي، أم كانوا مهتمين بتطوير أساليب التعليم باستخدام التكنولوجيا الحديثة، أو صنّاع محتوى، أو هواة، أو طلبة. وعلى الرغم من صعوبة تقييد الذكاء الاصطناعي بتعريف وحيد وشامل ودقيق، فإنه يمكن وضع إطار عام لمفهومه باعتباره "مج لًا

تكنولوجيًا حديثًا يركز على تطوير الأنظمة، أو النمذج، القادرة على محاكاة المهارات الإدراكية للبشر مثل التعلم، والاستدلال، والإدراك، وحلّ المشكلاات، واتخاذ القرار في بيئات معقدة"7. ظهر الذكاء الاصطناعي، بوصفه حقالًا علميًا مستقال، ا إبّان منتصف القرن العشرين، حينم بدأت أولى المحاولات لتصميم أنظمة قادرة على محاكاة التفكير البشري باستخدام الحوسبة. وتبلور المصطلح، أول مرة، في عام 1956 على يد الباحث الأميركي جون مكارثي الذي قدمه مع مجموعة من رواد علوم الحوسبة في مؤتمر عقد في كلية دارتموث8؛ وهو ما اعُتبُر نقطة الانطلااق لهذا المجال. وشهد الذكاء الاصطناعي صعودًا ملحوظًا في الستينيات من القرن الماضي وبداية السبعينيات بفضل التطورات في الحوسبة، وتطوير خوارزميات لحل المشكلاات، وحوسبة الألعاب، كالشطرنج مثال.ا ومع ذلك، بدأت التوقعات المبالغ فيها بشأن قدرات الذكاء الاصطناعي تتضاءل في منتصف السبعينيات حينم اصطدم الباحثون بعوائق تقنية ورياضية ومنطقية حقيقية، كضعف قدرة الحواسيب على معالجة البيانات الكبيرة، وضعف استيعاب اللغة الطبيعية؛ ما أدى إلى ما يُعرف ب "شتاء الذكاء الاصطناعي الأول" (I Winter AI). وفي بداية الثمنينيات، شهد الذكاء الاصطناعي انتعاشًا طفيفًا بعد تطوير الأنظمة الذكية الخبيرة التي تتخصص بإنجاز ناجح لمهمت محدودة، وتعتمد على مجال بحثي تطور كثيرًا حينها، "عُرف باسم "تمثيل المعرفة (Representation Knowledge. ولكن الخط البحثي في هذا المجال ما)9 لبث أن واجه انتكاسةً أخرى في منتصف الثمنينيات، عُرفت ب "شتاء الذكاء الاصطناعي الثاني". وخلاال فترات "شتاء الذكاء الاصطناعي"، تقلصت الاستثمرات وتراجع الاهتمم به بسبب خيبات الأمل المتتالية في تحقيق التطلعات الموعودة في هذا المجال. ولكنه شهد انتعاشًا جديدًا ومفاجئًا في العقدين الأخيرين بسبب الثورة في الحوسبة السحابية، وتوافر البيانات الضخمة، وتطوير الشبكات العصبية العميقة، التي أعادت إحياء الأمل في تحقيق ذكاء اصطناعي فعّال. وفي السنوات الأخيرة، حقق الذكاء الاصطناعي قفزات علمية كبيرة وإنجازات غير مسبوقة، متجاوزًا التوقعات بوتيرة متسارعة؛ ما أحدث تحولات جذرية في معظم المجالات، خاصة مع ظهور الشبكات العصبية العميقة، والتعلم الآلي، وأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي10. لكنّ التحديات الأخلااقية والتقنية بدأت تفرض نفسها بقوة على هذا المسار المحفوف بالتساؤلات والغموض؛ ما أصبح يستدعي اليوم معالجتها بجدية وباهتمم أكثر. ويوضح الرسم البياني في الشكل (1) أهم المراحل التاريخية التي مرّ بها الذكاء الاصطناعي من نشأته إلى يومنا الحالي.

7 Haroon Sheikh, Corien Prins & Erik Schrijvers, Mission AI: Research for Policy (Cham, Switzerland: Springer, 8 Stuart J. Russell & Peter Norvig, Artificial Intelligence: A Modern Approach, 3 rd ed. (Upper Saddle River, NJ: Pearson Education, Inc, 2010). 9  غزة عبد الرزاق، الأسس المفاهيمية والتقنية للذكاء الاصطناعي وتطوره: من نماذج الحوسبية إلى التعلم الآلي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024)، ص.22 10 Laurie A. Harris, "Artificial Intelligence: Overview, Recent Advances, and Considerations for the 118 th Congress," Report, Congress.gov, no. R47644 (2023), accessed on 15/3/2025, at: https://acr.ps/1L9zR5G

  1. Haroon Sheikh, Corien Prins & Erik Schrijvers, Mission AI: Research for Policy (Cham, Switzerland: Springer,
  2. Stuart J. Russell & Peter Norvig, Artificial Intelligence: A Modern Approach, 3 rd ed. (Upper Saddle River, NJ: Pearson Education, Inc, 2010).
  3. غزة عبد الرزاق، الأسس المفاهيمية والتقنية للذكاء الاصطناعي وتطوره: من نماذج الحوسبية إلى التعلم الآلي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024)، ص.22
  4. Laurie A. Harris, "Artificial Intelligence: Overview, Recent Advances, and Considerations for the 118 th Congress," Report, Congress.gov, no. R47644 (2023), accessed on 15/3/2025, at: https://acr.ps/1L9zR5G أ. الذكاء الاصطناعي الرمزي ﺗﺎرﻳﺦ اﻟﺬﻛﺎء اﻻﺻﻄﻨﺎﻋﻲ AI History اﺧﺘﺒﺎر ﺗﻮرﻳﻨﺞ 0 المصدر: من إعداد الباحثة.

GenAI

GenAI اﻟﺬﻛﺎء& Concerns
اﻻﺻﻄﻨﺎﻋﻲ اﻟﺘﻮ
AI Revolution
ﻮﻟﻴﺪي
Concerns & ﺛﻮرة اﻟﺬﻛﺎءء اﻻﺻﻄﻨﺎﻋﻲ وا Revolution AIاﻟﻤﺨﺎوف
Learning ep ﻇﻬﻮر اDee of mergence اﻟﺘﻌﻠﻢ اﻟﻌﻤﻴﻖnts
Em اﻟ
Agen ntelligent ﻟﻮﻛﻼء اﻷذﻛﻴﺎءSystems
I
أﻧﻈﻤﺔ
Hype
اﻟﺨ Expert اء
Inflated H
ment اﻟﺘAdvancem Slow ﺘﻘﺪم اﻟﺒﻄﻲءr IIAI Winte
أﻧﻈﻤﺔ
اﻟﺨﺒﺮاء Hype
اﻟﻀﺠﺔ
ﺔ اﻟﻤﺒﺎﻟﻎ ﻓﻴﻬﺎ H Inflatedh ConferenceDartmouth
اﻟﺸﺘﺘﺎء اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻟﻠﺬﻛﺎء II rء اﻻﺻﻄﻨﺎﻋﻲ Winte AI
اﻟﺸ
ﺸﺘﺎء اﻷول ﻟﻠﺬﻛ I Winter AIﻛﺎء اﻻﺻﻄﻨﺎﻋﻲ Aﻣﺆﺗﻤﺮ دارTuring Test
رﺗﻤﻮث
اﺧﺘﺒﺎر ﺗﻮرﻳﻨﺞ

2. أنواع الذكاء لاصطناعي

تصميم الأنظمة الذكية؛ وهم: الذكاء الاصطناعي الرمزي، والذكاء الاصطناعي شبه الرمزي11.

أ. الذكاء الاصطناعي الرمزي

الشكل (1) تطور الذكاء الاصطناعي منذ منتصف القرن العشرين

ﺗﺎرﻳﺦ اﻟﺬﻛﺎء اﻻﺻﻄﻨﺎﻋﻲ AI History

اﺧﺘﺒﺎر ﺗﻮرﻳﻨﺞ 0

يُصَّنّف الذكاء الاصطناعي بمفهومه الواسع إلى نوعين أساسيين، يعكس كلٌ منهم فلسفة مختلفة في

يعتمد الذكاء الاصطناعي الرمزي (AI Symbolic) أو الذكاء الاصطناعي الكلاسيكي على التمثيل الصريح للمعرفة من خلال الرموز (Symbols) والقواعد المنطقية12؛ إذ يعالج البرنامجُ هذه الرموز باستخدام القوانين التي عرّفها الإنسان13. ويتميز هذا المنهج بشفافية عالية؛ إذ يمكن تفسير قراراته بسهولة بناءً على القواعد المحددة مسبقًا؛ ما يجعله وسيلةً دقيقة تعتمد على الاستدلال الاستنتاجي والاستنتاج المنطقي لحل المشكلات. ومع ذلك، فإن هذه الدقة والشفافية تأتي على حساب المرونة وقابلية التوسع؛ إذ يعاني النظام الرمزي صرامة القواعد، وصعوبة التعامل مع التعقيدات الكبيرة أو البيانات المتغيرة14. ويكمن العائق الأساسي فيه في أنه يحتاج إلى تحديث يدوي مستمر للقواعد؛ ما يحدّ من قدرته على

11 Evangelia Ilkou & Maria Koutraki, "Symbolic vs. Sub-Symbolic AI Methods: Friends or Enemies?" Proceedings of the CIKM Workshops, vol. 2699 (2020), pp. 1-8. 12 Coeckelbergh, p. 71. 13 Ronald T. Kneusel, How AI Works: From Sorcery to Science (San Francisco, CA: No Starch Press, 2023), p. 47. 14 Ashok Goel, "Looking Back, Looking Ahead: Symbolic versus Connectionist AI," AI Magazine, vol. 42, no. 4 (2022), pp. 83-85.

  1. Evangelia Ilkou & Maria Koutraki, "Symbolic vs. Sub-Symbolic AI Methods: Friends or Enemies?" Proceedings of the CIKM Workshops, vol. 2699 (2020), pp. 1-8.
  2. Coeckelbergh, p. 71.
  3. Ronald T. Kneusel, How AI Works: From Sorcery to Science (San Francisco, CA: No Starch Press, 2023), p. 47.
  4. Ashok Goel, "Looking Back, Looking Ahead: Symbolic versus Connectionist AI," AI Magazine, vol. 42, no. 4 (2022), pp. 83-85. ب. الذكاء الاصطناعي شبه الرمزي

التعلم التلقائي15. ولذلك نجد استخدام هذا النوع منحصرًا في المهمت التي تتطلّب مهارةً واحدة، أو تحتوي على قاعدة معرفة محدودة ومتخصصة، مثل "الأنظمة الخبيرة" (Systems Expert)، و"الأنظمة القائمة على القواعد" (Systems Rule-based)، التي توفر دقةً عالية، وإمكانية تعديل واضحة، لكنها تواجه تحديات في التكيف مع البيئات المعقدة والمتغيرة16.

ب. الذكاء الاصطناعي شبه الرمزي

يعتمد الذكاء الاصطناعي شبه الرمزي (AI Sub-Symbolic)، أو الذكاء الاصطناعي المدفوع بالبيانات (AI Data-driven)، على التعلم الاستقرائي الإحصائي للبيانات؛ إذ يُنشِئ ارتباطات رياضية بتعقيد عالٍ بين المتغيرات بوساطة وظائف تربط بيانات الإدخال بالمخرجات أو المتغيرات المستهدفة. ويتيح هذا النوع الإحصائي من التعلم للذكاء الاصطناعي شبه الرمزي أن يكون أكثر مرونة وقابلية للتكيّف مع كميات كبيرة ومعقدة من البيانات17. ويتضمن طرائق التعلم الإحصائي، مثل "التعلم البايزي" (Learning Bayesian)، و"الخوارزمية العكسية" (Backpropagation)، و"الخوارزميات الجينية" (Algorithms Genetic)، ويتفرع عنه أيضًا النوع الأشهر الذي يسمى في أدبيات فلسفة الذكاء الاصطناعي "الذكاء الاصطناعي الاتصالي" (AI Connectionist)، والذي يسعى لمحاكاة الدماغ البشري وشبكته المعقدة من الخلاايا العصبية المترابطة من خلاال الشبكات العصبية الاصطناعية18. ويشمل الذكاء الاصطناعي الاتصالي "التعلم الآلي" الذي يُقسّم إلى "التعلم بالإشراف"، و"التعلم بغير الإشراف"، و"التعلم المعزّز"19. ويندرج تحت التعلم الآلي نوع متخصص يُطلق عليه "التعلم العميق Deep(" Learning)، وتستخدم أنظمة التعلم الآلي عدة طبقات متداخلة معقدة من الشبكات العصبية (Networks Neural Artificial)، حيث تتعلم المعلومات وتعالجها من دون تمثيل رمزي صريح وغير قابل للتتبع بسهولة. ويتميز الذكاء الاصطناعي شبه الرمزي بقابلية التوسع، والقدرة على التعميم بفضل اعتمده على البيانات؛ ما يجعله مثاليًا لتطبيقات التعلم العميق، والتعلم المعزز، ونماذج اللغة الكبيرة. وعلى الرغم من هذه المزايا، يعاني هذا النهج متطلبات تدريب عالية وضعف الشفافية؛ إذ غالبًا ما تكون النمذج الناتجة غامضة وصعبة التفسير.

15 Mariusz Flasi ń ski, "Symbolic Artificial Intelligence," in: Mariusz Flasi ń ski, Introduction to Artificial Intelligence (Cham, Switzerland: Springer, 2016), pp. 15-22. 16 Ibid. 17 Ilkou & Koutraki. 18 Kneusel, p. 47. 19 María Cebral-Loureda, Elva G. Rincón-Flores & Gabriela Sanchez-Antuñano, What AI Can Do (Boca Raton, FL: Chapman and Hall/ CRC, 2023), p. 266.

  1. Mariusz Flasi ń ski, "Symbolic Artificial Intelligence," in: Mariusz Flasi ń ski, Introduction to Artificial Intelligence (Cham, Switzerland: Springer, 2016), pp. 15-22.
  2. Ibid.
  3. Ilkou & Koutraki.
  4. Kneusel, p. 47.
  5. María Cebral-Loureda, Elva G. Rincón-Flores & Gabriela Sanchez-Antuñano, What AI Can Do (Boca Raton, FL: Chapman and Hall/ CRC, 2023), p. 266. المصدر: من إعداد الباحثة.

ويعتبر "الذكاء الاصطناعي التوليدي" (AI Generative) من أهم أنواع الذكاء الاصطناعي شبه الرمزي اليوم؛ ويستند هذا النوع إلى نماذج التعلم العميق التي يمكنها توليد نصوص20، وصور، وفيديوهات، وترميز، وأصوات عالية الجودة، بناءً على البيانات التي جرى تدريبها عليها من خلاال تقليد الأنماط والهياكل لهذه البيانات21. أما "نماذج اللغة الكبيرة " (LLMs Models, Language Large)، فهي نوع متخصص من نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، تركّز على مهمت معالجة اللغة الطبيعية Natural(Processing Language)، مثل توليد النص، والترجمة، والإجابة عن الأسئلة، والدردشة الآلية، والحوار22. ومن الأمثلة على الذكاء الاصطناعي التوليدي: "جيميناي" من شركة "غوغل" (Google Gemini/)، و"ميدجورني" من شركة "ميدجورني" (Midjourney Midjourney/)، و" دال-إي" من شركة "أوبن إي آي" (OpenAI Dall-E/)، ونماذج اللغة الكبيرة. ويعرض الجدول (1) بعض الأمثلة لنمذج اللغة الكبيرة والشركات المطورة لها23. الجدول (1) أمثلة لنمذج اللغة الكبيرة

الشركة المطورةالنموذج
OpenAIGPT-4.5
OpenAIGPT-4
DeepSeekDeepSeek-R1
AnthropicClaude 3.7
xAI (Elon Musk(Grok 3
MetaLlama 3.3
GoogleGemma 2

ويمتلك الذكاء الاصطناعي الرمزي والذكاء الاصطناعي شبه الرمزي، نقاطَ قوة وضعف مختلفة، تتناسب مع طبيعة التطبيق المطلوب ونطاقه. فالنظام الرمزي يكون مفيدًا جدًا في البيئات الدقيقة والقابلة للتفسير، كلعبة الشطرنج أو نظام خبير بمهمت محددة. بينم يتفوق النظام شبه الرمزي في التطبيقات واسعة النطاق والدينامية، كتوليد النصوص، والصور، والتنبؤ بالأنماط. ويستعرض الجدول (2) أهم الاختلاافات بين النوعين.

20 Sidney Dobrin, AI iQ for a Human-Focused Future (Boca Raton, FL: CRC Press, 2024), p. 138. 21 Harris. 22 Ibid. 23 إلى غاية 28 شباط/ فبراير.2025

  1. Sidney Dobrin, AI iQ for a Human-Focused Future (Boca Raton, FL: CRC Press, 2024), p. 138.
  2. Harris.
  3. Ibid.
  4. إلى غاية 28 شباط/ فبراير.2025 المصدر: من إعداد الباحثة.

الجدول (2) مقارنة بين الذكاء الاصطناعي الرمزي والذكاء الاصطناعي شبه الرمزي

وجه المقارنةالذكاء الاصطناعي الرمزيالذكاء الاصطناعي شبه الرمزي
تمثيل المعرفةيستخدم الرموز والقواعد المنطقيةيستخدم التمثيلاات الموزعة (التنشيطات في
الشبكات العصبية الاصطناعية)
ا طريقة الاستدلالالاستدلال الاستنتاجي، الاستنتاج المنطقيالتعلم الاستقرائي من البيانات
الشفافيةعالية (يتمتع بقابلية كبيرة للتفسير والتوضيح،
وأيمكن تتبع عملياته بسهولة)
منخفضة (عملياته غامضة وصعبة التفسير والتتبع؛
لأنها تتضمن تعقيدات رياضية وإحصائية داخل
الشبكات العصبية)
المرونة وقابلية
التوسع
منخفضة (يعتمد على قواعد وقوانين منطقية
صارمة تحدده بتعقيد تلك القواعد)
عالية (تكيفي ومدفوع بالبيانات الكبيرة مما يجعله
قابالًا لتعلم الأنماط الجديدة)
قدرة التعلميتعلم من خلاال التحديث اليدوي للقواعديتعلم تلقائيًا من البيانات
أ أمثلةالأنظمة الخبيرة، الأنظمة القائمة على القواعدالتعلم الآلي، التعلم العميق، التعلم المعزز، نماذج
اللغة الكبيرة
المزاياالدقة والقدرة على التفسير والتتبعقابلية التوسع، والمرونة، والقدرة على العلم
والتعميم
ر العيوبغير قابل للتوسع بسهولة، وغير مرن لتعلم
الأنماط الجديدة
نتائجه غير يقينية كما أنه لا يقدم تفسيرات لتلك
النتائج، إضافة إلى التكلفة العالية للتدريب على
البيانات الضخمة

ثانيًا: أطوار الذكاء الاصطناعي وفرضياته المستقبلية

تستند كثير من الدراسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي إلى فرضيات مستقبلية تعكس رؤى نظرية تستشرف مستقبل الذكاء الاصطناعي من خلاال الأطوار الأساسية التالية: الذكاء الاصطناعي المحدود (NAI AI- Narrow)، أو الذكاء الاصطناعي الضعيف (AI Weak)، ويتضمن بناء أنظمة ذكية تحاكي أو تُظهر قدرات معينة من الذكاء البشري، من دون أن تكون "ذكية" بالمعنى الحقيقي؛ فهي قد تتمكن من أداء مهمت محدودة بدقة، لكنها تفتقر إلى الذكاء الحقيقي والوعي. الذكاء الاصطناعي العام (AGI Intelligence, General Artificial)، أو الذكاء الاصطناعي القوي (AI Strong)، وهو يفترض أن الذكاء الاصطناعي لن يقتصر على محاكاة الذكاء البشري،

بل سيصل إلى مستوى مضاهاته. وتتوقع هذه الفرضية تطوره إلى مرحلة يصل فيها إلى ذكاء حقيقي يشمل القدرة على الفهم والتفكير النقدي، وحلّ المشكلاات، والتعلم المتكيّف عبر مختلف المجالات، وربما يصل إلى مستوى اليقظة والوعي الذاتي الذي يملكه الإنسان. الذكاء الاصطناعي الفائق (ASI Intelligence, General Artificial)، وهو ذكاء اصطناعي من شأنه أن يتفوّق (نظريًا)، بل يتجاوز كثيرًا مستوى الذكاء البشري، إلى درجة قد تجعل من الصعب أو المستحيل علينا فهمه أو التنبؤ بتصرفاته. وتتنبأ هذه الفرضية بمستوى متفوق من الذكاء الاصطناعي بحيث يكون قادرًا على تحسين ذاته على نحوٍ متكرر، وعلى إبداع تقنيات أكثر تطورًا وذكاءً بمرور الوقت بصفة ذاتية، عوضًا عن امتلااكه وعيًا كامالً بوجوده وبوجود العالم والآخر. وقد قادت فرضية الذكاء الاصطناعي الفائق إلى فرضية خيال علمي أخرى، وهي فرضية "التفرد التكنولوجي" Technological Singularity()، التي تعبر عن لحظة افتراضية في المستقبل، نظّر لها بعضهم من أمثال راي كورزويل في كتابه التفرد قريب، على اعتبار أنها ستحدث عندما يتفوق الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري؛ ما سيؤدي، بحسب ادعائه، إلى تقدمٍ علمي وتقني غير مسبوق يتجاوز قدرة الإنسان على التحكم أو التنبؤ به، وسيكون على شكل انفجار تكنولوجي يصل فيه الذكاء الاصطناعي إلى ما يسمى "الذكاء المفرط"24. وفي هذه الحالة، يمكن أن تحسن الآلة نفسها بصفة مستقلة (Systems Autonomous Full)، وبوتيرة متسارعة، وتقدم هائل في الابتكار والتطور التكنولوجي. ويلخص الشكل (2) الأطوار الثلااثة للذكاء الاصطناعي.

الشكل (2) أطوار الذكاء الاصطناعي

ويمكن النظر إلى الفرضيات الثلااث السابقة بصفتها إطارًا نظريًا محتمالًا لفهم تطور الذكاء الاصطناعي في المستقبل، كم يتنبأ به بعض الباحثين؛ حيث يبدأ هذا الإطار بوصف واقع الذكاء الاصطناعي اليوم بكونه (محاكاةً) للسلوك الإدراكي عند الإنسان في تنفيذ مهمت محدودة، وصولًا إلى السيناريوهات الافتراضية التي تصبح فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي أنظمةً فائقة القدرة، بحيث تمتلك ذكاءً مساويًا للذكاء البشري أو متفوقًا عليه.

24 Ray Kurzweil, The Singularity Is Near: When Humans Transcend Biology (New York: Viking, 2005).

  1. Ray Kurzweil, The Singularity Is Near: When Humans Transcend Biology (New York: Viking, 2005).

ولا بد من الإشارة إلى أننا ما زلنا في طور الذكاء الاصطناعي المحدود (أو الضعيف)، ولم نتجاوزه بعد إلى الطورَين الثاني والثالث، كم يظهر في الشكل (2)؛ إذ تمثل الأنظمة الذكية اليوم بشَّقّيها الرمزي وشبه الرمزي محاكاةً لبعض القدرات الإدراكية عند البشر، ولكنها لم تصل بعد إلى مرحلة الذكاء الإنساني الذي يتضمن التفكير الفعلي والإرادة الحرة والوعي بالذات وبالآخر، والإدراك الانفعالي والعاطفي. تتباين الرؤى بشأن إمكانية تطوير ذكاءٍ اصطناعي عام أو فائق في المستقبل المنظور، وتمثل هذه المراحل المتقدمة سيناريوهات محتملة لما يمكن أن يصل إليه الذكاء الاصطناعي بالمستقبل. غير أن المعطيات النظرية والبراهين الرياضية تقودنا إلى استبعاد إمكانية تحقق هاَتيَن الفرضيَتيَن، وذلك بسبب قصور الأدوات الرياضية والتقنية الحالية عن تجاوز مستوى الذكاء الاصطناعي الضعيف، ما لم يشهد المجال تطورًا نوعيًا في أدواته وتقنياته الأساسية.

ثالثًا: التحديات والقيود التي تواجه الذكاء الاصطناعي اليوم

يصطدم الباحث في مجال فلسفة الذكاء الاصطناعي بقلة الأبحاث التي تتناول إشكالياته، والقيود التي تواجه مساره. وتُقابل الدراسات القليلة، التي تُنَشر في هذا المجال، بعدم الاكتراث أو بالتشكيك أو الاتهام بالسلبية ومقاومة التطور. وفي المقابل، يجري تناول مسألة تفوق الذكاء الاصطناعي بنبرةٍ اختزالية، تنزع إلى المبالغة والتضخيم من دون تمحيص نقدي دقيق لحدود هذه التقنية؛ ما يؤدي إلى خطورة الانزلاق إلى التعصب الأيديولوجي غير المدعوم بالأدلة الكافية25، بدلًا من التوجه إلى البحث العلمي المتروّي والرصين. ففي خضم الحمس الكبير الذي يصاحب الإنجازات التي حققها الذكاء الاصطناعي، مثل تحسين الخدمات الطبية، وزيادة الكفاءة في الصناعة، يُنظر إلى الأبحاث التي تسلط الضوء على العقبات أو المخاطر التي تهدده على أنها محاولة لإعاقة مسيرة التقدم أو تشاؤم غير مبرر. وإن هذا التعامل السلبي مع الدراسات النقدية هو تبسيطٌ مخٌِّلّ للواقع؛ فالتحديات التي تواجه الذكاء الاصطناعي ليست مجرد عقبات تقنية، بل هي مجموعة قضايا متشعّبة تؤثر في طبيعة تفاعل الإنسان مع التكنولوجيا، ومع الآخرين، ومع العالم؛ وقد يمتدّ أثرها ليمسّ أمن الإنسان ومستقبل وجوده. ولذلك، فإن تجاهل هذه التحديات أو التقليل من شأنها لا يصبّ في سياق تقدم البشرية في هذا المجال، بل قد يعرضها لمخاطر جسيمة، كانتهاك الخصوصية، والملكية الفكرية، والتحيّز، والتمييز، ومفاقمة الفجوات الاجتمعية26. فبدلًا من اتهام النقّاد بالسلبية،

25 Robert Hanna, "The Myth of AI, Existential Threat, Why the Myth Persists, and What Is to Be Done About It," Borderless Philosophy, vol. 7 (2024), pp. 35-61. 26 Johannes Landgrebe & Barry Smith, Why Machines Will Never Rule the World: Artificial Intelligence Without Fear (Abingdon, UK: Taylor & Francis, 2022).

  1. Robert Hanna, "The Myth of AI, Existential Threat, Why the Myth Persists, and What Is to Be Done About It," Borderless Philosophy, vol. 7 (2024), pp. 35-61.
  2. Johannes Landgrebe & Barry Smith, Why Machines Will Never Rule the World: Artificial Intelligence Without Fear (Abingdon, UK: Taylor & Francis, 2022). أ. مشكلة عدم الاكتمل ب. مشكلة التعقيد الحسابي ج. مشكلة التمثيل المعرفي في الذكاء الاصطناعي الرمزي

ينبغي أن تسود ثقافة التروّي والحذر، والأخذ بنصائح فلااسفة التكنولوجيا بوصفها فرصة لبناء ذكاء اصطناعي أكثر أمانًا وعدل؛ ا لأن التقدم الحقيقي هو الذي يأخذ في الاعتبار جميع الجوانب والاحتملات. وتقتضي الدراسة الموضوعية تسليط الضوء على جملةٍ من القضايا الجوهرية التي تتمثل في فهم القيود والمحددات التقنية التي تواجه الأنظمة الذكية في الوقت الراهن، وما يكتنفها من تحديات أخلااقية، فضالًا عن استشراف أبعادها المستقبلية وتأثيراتها وتداعياتها وطبيعة علااقتها مع الإنسان المشتبك معها.

1. الحدود التقنية

إنّ الطفرة الكبيرة والنوعية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في السنوات القليلة الماضية دفعت الكثير من المهتمين بالتكنولوجيا إلى الادعاء بأننا قاب قوسين من الوصول إلى مرحلة الذروة التي تتفوق فيها الآلة على الإنسان. بيد أنّ هذه التوقعات تصطدم بجملة من العوائق التقنية، والنظرية، والرياضية، والمنطقية، التي تقف في وجه تطور الذكاء الاصطناعي بشقّيه الرمزي وشبه الرمزي، وتكبح تطوره وتعترض مساره.

أ. مشكلة عدم الاكتمل

مُتثّل نظرية عدم الاكتمل Incompleteness Theorems()، التي برهن عليها كورت غودل Gödel) (Kurt 1978-1906)(عام 1931 إحدى أعمق المع لاضت في تاريخ الرياضيات، وما زالت تداعياتها تُلقي بظلاالها على الفكر الرياضي والمنطقي حتى يومنا هذا؛ إذ برهنت على قصور النظُم الرياضية عن إثبات صحتها الذاتية، واستحالة اكتمل أيّ نظامٍ رياضي متناسق يتضمن نظرية الأعداد الطبيعية. ووفقًا لنظرية عدم الاكتمل لغودل، فإن أيّ نظامٍ منطقي قوي بما يكفي لتمثيل الحساب الأساسي سيكون إما "غير مكتمل" (Incomplete)، وإما "غير متسق" (Inconsistent). وهذا يعني أنه توجد حدود رياضية أساسية لقدرة الأنظمة الرمزية على تمثيل المعرفة والاستدلال.

ب. مشكلة التعقيد الحسابي

تفرض مشكلة التعقيد الحسابي (Complexity Computational) عائقًا جوهريًا آخر؛ إذ إن كثيرًا من المع لاضت التي يسعى الذكاء الاصطناعي لمعالجتها تندرج ضمن فئة "المسائل شديدة التعقيد" NP-Hard Problems()، التي يستحيل – من الناحية العملية – إيجاد حلول مُثلى لها ضمن أُطرٍ

زمنية معقولة؛ إذ يتزايد الوقت الحسابي المطلوب لحلها على نحوٍ أ سي مع كل زيادة طفيفة في حجم البيانات المُدخلة.

ج. مشكلة التمثيل المعرفي في الذكاء الاصطناعي الرمزي

تعدّ مشكلة التمثيل المعرفي (Problem Representation Knowledge) من إحدى المشكلاات الجوهرية في الذكاء الاصطناعي الرمزي؛ فمن الضروري تمثيل المعرفة تمثيالًا صريحًا، باستخدام مجموعة

محددة من القواعد المنطقية. إلا أن محاولة تمثيل تعقيدات العالم الواقعي تستلزم كمًا هائالًا من القواعد المنطقية المترابطة؛ ما يفضي إلى نظام بالغ التعقيد يحدّ من قابليته للتطوير، ويستعصي على التوسع؛ وهذا ما يُعرف في الأوساط العلمية بمشكلة "قابلية التوسيع" (Issue.Scalability)27 ويعاني الذكاء الاصطناعي الرمزي أيضًا صعوبة أو عدم القدرة على التعامل مع "البيانات غير المهيكلة" (Data Unstructured)، مثل الصور أو النصوص الطبيعية، من دون تحويلها إلى تمثيل رمزي أول.ا ثمّ إنّ تمثيل المعرفة يصطدم أيضًا بمشكلة تمثيل المعرفة الغامضة أو غير المؤكدة (Uncertainty)؛ لأن المنطق الكلااسيكي مبني على فكرة قيم الحقيقة الثنائية "صحيح، خطأ" (False True,)، ومن ثمّ، فهو غير قادر على التعامل مع القيم الاحتملية. وحتى مع وجود قدرة عالية على تمثيل المعرفة بنظام خبير جيد، فإن عملية "الاستدلال" (Inference) يمكن أن تتطلب وقتًا حسابيًا كبيرًا مع زيادة حجم القواعد المنطقية والحسابية خاصة عند محاولة استنتاج حلول لمشكلاات معقدة؛ إذ يزداد عدد الحسابات على نحوٍ أّسي مع زيادة تعقيد المشكلة28؛ ما يبُرز مشكلة التعقيد الحسابي التي ذكرناها سابقًا.

د. مشكلات التعلم الآلي والشبكات العصبية في الذكاء الاصطناعي شبه الرمزي

يعتمد الذكاء الاصطناعي شبه الرمزي على النمذج الإحصائية والتعلم من البيانات من دون تمثيل صريح للمعرفة؛ إذ يعوّل على وجود كميات هائلة من البيانات للتعلم منها، كم في التعلم العميق مثالًا29. ومع ذلك، فإن هذه النمذج تصطدم بعدة مشكلاات جوهرية، من بينها: يعتمد التعلم العميق على الإحصاءات و"الارتباطات" (Correlations)30، بدلً من المنطق الصريح أو "القوانين السببية" (Causations)؛ ما يعني أن النمذج قد تتعلم أنماطًا خاطئة أو غير منطقية إذا كانت البيانات تحتوي على "تحيزات" (Biases)، أو "ضوضاء".)Noise(مشكلة التعميم (Generalization)، وتعتبر هذه المشكلة من أشهر المشكلاات في التعلم الآلي، وتتمثل في ضعف التعميم "خارج نطاق البيانات المدربة عليها" (Overfitting)؛ أي إن أداء النموذج يكون مقبولً عند تطبيقه على البيانات التي جرى تدريبه عليها، ولكنه يتدهور عند تطبيقه على بيانات جديدة31. مشكلة التعثر بالحدّ المحلي (Optima Local): تبرز إشكالية التعثر في النقاط الحدية المحلية بوصفها عقبة جوهرية في عمل الشبكات العصبية، التي تعتمد في جوهرها على تحسين "دالة

27 Stuart Russell & Peter Norvig, Artificial Intelligence: A Modern Approach, 4 th ed. (Hoboken, NJ: Pearson, 2020). 28 Elliott, p. 74. 29 Anand Joshi, Artificial Intelligence and Human Evolution (New York: Apress, 2024), p. 129. 30 Iqbal H. Sarker, "Deep Learning: A Comprehensive Overview on Techniques, Taxonomy, Applications, and Research Directions," SN Computer Science, vol. 2, no. 6 (2021), p. 2. 31 Niklas Kühl et al., "Machine Learning in Artificial Intelligence: Towards a Common Understanding," arXiv preprint arXiv: 2004.04686 (2020), accessed on 26/3/2025, at: https://arxiv.org/abs/2004.04686

  1. Stuart Russell & Peter Norvig, Artificial Intelligence: A Modern Approach, 4 th ed. (Hoboken, NJ: Pearson, 2020).
  2. Elliott, p. 74.
  3. Anand Joshi, Artificial Intelligence and Human Evolution (New York: Apress, 2024), p. 129.
  4. Iqbal H. Sarker, "Deep Learning: A Comprehensive Overview on Techniques, Taxonomy, Applications, and Research Directions," SN Computer Science, vol. 2, no. 6 (2021), p. 2.
  5. Niklas Kühl et al., "Machine Learning in Artificial Intelligence: Towards a Common Understanding," arXiv preprint arXiv: 2004.04686 (2020), accessed on 26/3/2025, at: https://arxiv.org/abs/2004.04686 ه. القابلية للتفسير، الشفافية ومشكلة الصندوق الأسود

الهدف" (Function Objective)، باستخدام خوارزميات "الانحدار التدريجي" (Gradient Descent)؛ إذ تقع هذه الخوارزميات أسيرة القيم القصوى المحلية؛ ما يحول دون وصولها إلى "القيمة المثلى العظمى للدالة" (Optima Global)32. مشكلة اختفاء التدرج (Gradient Vanishing) في الشبكات العميقة، حيث تصبح التحديثات للطبقات الأولى صغيرة جدًا؛ ما يعوّق عملية التعلم.

ه. القابلية للتفسير، الشفافية ومشكلة الصندوق الأسود

تتدرب خوارزميات الذكاء الاصطناعي شبه الرمزي، خاصة في التعلم العميق، على بيانات كبيرة بطريقة معقدة، وهذا يساعدها في تعلم أنماط مختلفة؛ ما يقودها في بعض الأحيان إلى اتخاذ قرارات أو الوصول إلى نتائج غير مفهومة منطقيًا أو إجرائيّا، أو غير قابلة للتفسير بالنسبة إلى المطوّرين. وتتمثّل إشكالية غموض آلية عمل نماذج الذكاء الاصطناعي في عدم قابليتها للتفسير (Explainability)، و"عدم شفافية" نماذجها (Transparency)، وهذا يمثل تحديًا جوهريًا؛ إذ تعجز هذه النمذج عن تقديم تفسيرات واضحة لمنطق قراراتها ومسارات استنتاجاتها. وقد أفضى هذا القصور إلى ظهور ما يُعرف ب "الذكاء الاصطناعي الُم" (AI Untransparent or Opaque)، حيث تعمل النمذج كصناديق سوداء (Black عتِم Boxes) تحجب عن المراقب آليات عملها الداخلية ومنطق اتخاذها للقرارات والنتائج33. وتعتبر هذه المشكلة من أكبر التحديات؛ لأنها تشّك ك في عدالة الذكاء الاصطناعي وصدقيته والوثوق به، خاصة في التطبيقات التي تتطلب شفافية في عدد من المجالات المهمة مثل الرعاية الصحية، والقضاء، والتوظيف، والعدالة الجنائية.

2. التحديات والإشكاليات الأخلاقية

يعتبر التحدي الأخلااقي عقبة أمام الذكاء الاصطناعي اليوم، من حيث إشكالية أن يكون عادلًا وغير متحيّز، بحيث لا يُستخدَم في انتهاك حقوق الإنسان أو في تعزيز القرارات الظالمة أو المنحازة. ولا توجد ضمنات كافية لتفادي هذه المشكلاات الأخلااقية، ولكن الانتباه لوجود هذه المشكلاات يمكن أن يساعد على تعزيز الوعي بها، والتفكير بآليات جادة وقابلة للتطبيق للتصدي لها.

32 هذه مشكلة شائعة جدًا في التعلم الآلي. ويمكن الاطلااع على تفاصيلها الرياضية في: Aurélien Géron, Hands-On Machine Learning with Scikit-Learn, Keras, and TensorFlow, 3 rd ed. (Sebastopol, CA: O'Reilly Media, 2022). 33 Michael Proksch, Nikhil Paliwal & Wolfgang Bielert, The Secrets of AI Value Creation: A Practical Guide to Business Value Creation with Artificial Intelligence from Strategy to Execution (Hoboken, NJ: John Wiley & Sons, 2024), p. 169.

  1. هذه مشكلة شائعة جدًا في التعلم الآلي. ويمكن الاطلااع على تفاصيلها الرياضية في: Aurélien Géron, Hands-On Machine Learning with Scikit-Learn, Keras, and TensorFlow, 3 rd ed. (Sebastopol, CA: O'Reilly Media, 2022).
  2. Michael Proksch, Nikhil Paliwal & Wolfgang Bielert, The Secrets of AI Value Creation: A Practical Guide to Business Value Creation with Artificial Intelligence from Strategy to Execution (Hoboken, NJ: John Wiley & Sons, 2024), p. 169. أ. التحيز والعدالة والشمولية ب. المعلومات المضللة والهلوسة ج. إشكالية الثقة والموثوقية في الذكاء الاصطناعي

أ. التحيز والعدالة والشمولية

يظهر التحيز في نماذج الذكاء الاصطناعي، وخاصة شبه الرمزي، جرّاء وجود انحيازات مقصودة أو غير مقصودة في بيانات تدريب الخوارزمية34. فغالبًا ما يتعلم الذكاء الاصطناعي من بيانات مليئة بالتحيزات البشرية، مثل تفضيلاات أو افتراضات مسبقة تتعلق بالعرق، أو الدين، أو الجنس، أو الآراء السياسية، أو غيرها. ويتم توريث التحيز إلى نماذج الذكاء الاصطناعي من البشر أنفسهم؛ إذ تنعكس الانحيازات الموجودة في بيانات التدريب على النموذج النهائي للذكاء الاصطناعي؛ ما يجعله نموذجًا غير عادل، يرسّخ العنصرية أو التمييز والظلم من خلاال نتائجه التي تتضمن استبعاد بعض الفئات الضعيفة أو المهمشة في المجتمع أو العالم بسبب عدم تمثيل البيانات لهذه الفئات على نحوٍ منصف. وتقع مسؤولية دراسة بيانات التدريب واختيارها بصفة موضوعية وغير منحازة على عاتق مهندسي البيانات، بحيث يتم مراعاة التنوع والشمولية والتمثيل العادل لجميع فئات المجتمع، وذلك للحصول على نماذج عادلة؛ وإلا ستتجذر هذه المشكلة في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وخاصة المستخدمة في برامج وسائل التواصل الاجتمعي، وأنظمة اتخاذ القرار المالية أو العسكرية.

ب. المعلومات المضللة والهلوسة

من التحديات الأخلااقية والمعرفية في مجال الذكاء الاصطناعي، وتحديدًا التوليدي، هي ما يُعرف بظاهرة "هلوسة الذكاء الاصطناعي" (Hallucination AI)؛ إذ تُنتج النمذج الحاسوبية معلومات مغلوطة أو مضلّلة تتسم بقدر عالٍ من الإقناع. ويعود جذر هذه الظاهرة إلى طبيعة النمذج اللغوية القائمة على البيانات الضخمة، التي قد تولد استجابات تفتقر إلى الموثوقية والدقة، من دون قصد مسبق، على الرغم من احتفاظها بسمت الإقناع اللغوي الظاهري. ويشكل هذا التحدي خطرًا جديّا في أثناء انتشار المعلومات المضللة والزائفة، خاصة مع زيادة الاعتمد على الذكاء الاصطناعي في مجالات حساسة مثل الصحة، والتعليم، والإعلاام. وتتفاقم هذه المشكلة اليوم بما نراه عند المستخدمين من ثقة عمياء في نتائج الذكاء الاصطناعي؛ إذ يجري التعامل مع المخرجات على أنها مسلّمت، من دون أي مساءلةٍ أو تفكيرٍ نقدي.

ج. إشكالية الثقة والموثوقية في الذكاء الاصطناعي

تثمل العلااقة بين "الثقة" (Trust) و"الموثوقية" (Trustworthiness) إشكالية كبيرة؛ إذ يكثر الخلط بينهم رغم اختلاافهم الجوهري. فالثقة تُعبر عن اعتقادٍ ذاتي بأن نظام الذكاء الاصطناعي سيعمل وفق توقعات المستخدم، كاعتمده وثقته بسيارة ذاتية القيادة. أما الموثوقية، فترتبط بالتصميم والبناء الفعلي

34 Ibid., p. 159.

  1. Ibid., p. 159. د. المسؤولية والمساءلة

للنظام، ومدى قدرته على أداء مهمته المقصودة بكفاءة35. وتكمن المشكلة الحقيقية في أننا قد نمنح الثقة لأنظمة ذكاء اصطناعي غير موثوقة، فنفرط في الاعتمد عليها (Overtrusting)، أو نتردد في الوثوق بأنظمة عالية الموثوقية (Undertrusting). ويشكّل هذا التباين بين الثقة في النظام، والجدارة الفعلية، أو الموثوقية، تحديًا حقيقيًا، ويتطلب فهمًا أعمق للذكاء الاصطناعي، وحدود قدراته من دون الوقوع في مخاطر الإفراط أو التفريط في الثقة.

د. المسؤولية والمساءلة

من هو المسؤول عن قرارات نماذج الذكاء الاصطناعي؟ ومن نلوم عند حدوث الأخطاء أو التحيزات؟ أيمكن لوم مطور النموذج، أم ينبغي لوم مهندس البيانات الذي اشتغل على البيانات، أم مستخدم البرنامج، أم الشركة المصنعة، أم الحكومات والمنظمت المسؤولة عن التقنين، أم نموذج الذكاء الاصطناعي نفسه؟ وهل يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي فاعالًا أخلااقيًا حرًا؟36 تُطرح هذه الأسئلة بشأن تحديد الجهة التي ينبغي مساءلتها في حال حدوث أخطاء بالغة التعقيد؛ لأنها تستدعي تعريفًا دقيقًا للمسؤوليات بين الأطراف المعنية المختلفة. فمن جهة، تقع المسؤولية أحيانًا على عاتق المطورين، أو مهندسي البيانات، حين تنجم الأخطاء عن قصور في التصميم، أو نقص في اختبار النظام، وتقييم كفاءته، أو خلل في اختيار بيانات التدريب، ومن جهة أخرى، يتحمل المستخدمون نصيبهم من المسؤولية حين ينحرفون عن الاستخدام السليم للنظام، أو يغذونه بمدخلاات مغلوطة. وتضطلع المؤسسات والحكومات والمنظمت بدور محوري في هذا السياق أيضًا؛ إذ يقع على عاتقها وضع المعايير والضوابط التي تكفل سلاامة استخدام هذه الأنظمة الذكية وتطويرها وأمانها. إلا أن تعقيد هذه الأنظمة، ولا سيم في نماذج التعلم العميق التي تعمل كصناديق سوداء، يجعل من تحديد المسؤولية أمرًا بالغ الصعوبة في كثير من الحالات. فلاا يمكن تحميل طرف واحد مسؤولية الخطأ، ولا يمكن كذلك تحميل الذكاء الاصطناعي المسؤولية الأخلااقية؛ فمساءلته غير ممكنة في ظل مشكلة الصندوق الأسود الآنف ذكرها، ولأنه لا يملك إرادة حرة؛ إذ إنه محكوم بالبرمجة وبالبيانات التي جرى تدريبه عليها37. ومن ثمّ، يتم عادة توزيع المسؤولية الأخلااقية بين الأطراف المختلفة (المطورون، والمستخدمون، والجهات التنظيمية) بصفة غير واضحة؛ وهذا ما يعزّز ضرورة تطوير إطار قانوني وأخلااقي واضح لتحديد الأدوار والمسؤوليات في تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأنظمته كافة.

35 Qiang Lu et al., Responsible AI: Best Practices for Creating Trustworthy AI Systems (Hoboken, NJ: Pearson Education, 2023), p. 61. 36 "فاعل أخلااقي حر" (Agent Moral Free)؛ بمعنى أنه يتخذ القرار على نحوٍ حر. 37 Silvia Špirková, "Free Will, Moral Responsibility and Automatisms," Ethics & Bioethics, vol. 13, no. 1-2 (2023), pp. 83-94.

  1. Qiang Lu et al., Responsible AI: Best Practices for Creating Trustworthy AI Systems (Hoboken, NJ: Pearson Education, 2023), p. 61.
  2. فاعل أخلااقي حر" (Agent Moral Free)؛ بمعنى أنه يتخذ القرار على نحوٍ حر.
  3. Silvia Špirková, "Free Will, Moral Responsibility and Automatisms," Ethics & Bioethics, vol. 13, no. 1-2 (2023), pp. 83-94. ه. الخصوصية و. حقوق الملكية والسرقة العلمية ح. الإبداع والأصالة والاستبدال

ه. الخصوصية

تتمثل مخاطر الخصوصية في احتملية تسرب المعلومات السرية والحساسة من بيانات التدريب، وتتشعب لتشمل جوانب متعددة من أمن البيانات وحميتها من الاختراق أو سوء الاستخدام، ويزداد الأمر خطورة حين نتأمل حجم البيانات الشخصية والمؤسسية التي تُغذّي هذه النمذج، وما قد يترتب على تسريبها من أضرار جسيمة تمسّ الأفراد والمؤسسات، بل حتى الدول والحكومات. وتثير هذه القضية عدة مخاوف تتعلق بالضمنات التقنية والقانونية الحالية، وصدقيتها في حمية هذه البيانات، وكذلك الحاجة إلى تطوير آليات أكثر صرامة للحفاظ على سريتها وضمن استخدامها في الأغراض المصرّح بها فحسب.

و. حقوق الملكية والسرقة العلمية

تعتبر قضية ملكية البيانات وحقوق الوصول إليها إشكالية قانونية وأخلااقية حساسة، وتتفاقم هذه الإشكالية حين نتناول مسألة ملكية المحتوى الإبداعي الذي تولده نماذج الذكاء الاصطناعي بعد تدريبها على تلك البيانات؛ إذ تتشابك في هذا السياق حقوق الملكية لأطراف متعددة، مثل منشئي النمذج، ومطوري الخوارزميات، والمستخدمين الذين يوجهون هذه النمذج نحو إنتاج محتوى معين. فمن يملك المحتوى الإبداعي الذي تم توليده بالذكاء الاصطناعي بعد تدريبه على بيانات التدريب؟ أهو منشئ النموذج، أم مطوّر الخوارزمية، أم المستخدم الذي وجّه النموذج؟ وتزداد القضية تعقيدًا حين نتطرق إلى الجوانب القانونية لاستخدام المحتوى المُوَّلّد بوساطة الذكاء الاصطناعي، وما يرتبط به من التزامات تجاه حقوق الملكية الفكرية للمصادر الأصلية أو البيانات التي جرى تدريب النمذج عليها. فمن يملك هذه البيانات؟ ومن له حق الاطلااع عليها وإعادة استخدامها؟ وهل يعتبر من القانوني استخدام محتوى مُنشأ بالذكاء الاصطناعي من دون احترام حقوق الملكية الفكرية للمصدر الأصلي؟ تستدعي هذه المعضلة إعادة النظر في الأطر القانونية والتنظيمية التقليدية للملكية الفكرية، بما يتناسب مع طبيعة المرحلة وتحدياتها المستقبلية وبما يتوافق مع التطورات التكنولوجية، وذلك لحمية حقوق المبدعين ومنع انتهاك الملكية الفكرية.

ح. الإبداع والأصالة والاستبدال

أثار التطور المتسارع في قدرات الذكاء الاصطناعي على توليد محتوى إبداعي، من نصوصٍ، وصورٍ، وموسيقى، تساؤلات كثيرة بشأن مستقبل الإبداع البشري وقيمة الأصالة نفسها. فهل يمكن اعتبار العمل الذي أنتجه الذكاء الاصطناعي أصيالًا إذا كان يعتمد على بيانات وتدريبات سابقة؟ وهل يكمن أن يحلّ هذا النوع من الإبداع محلّ الإبداع البشري؟ وهل يمكن أن يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي إلى تقليص دور البشر، أو استبدالهم، سواء كان ذلك في الفنون، أو الأدب، أو العلوم، أو الفلسفة والفكر؟

تثير هذه التساؤلات عدّة هواجس تتعلق بفقدان قيمة الأصالة الإنسانية، والإبداع الحقيقي، والرغبة، والقدرة المستمرة على التعلم، مع تنامي الاعتمد على الأنظمة الذكية في العملية التعليمية والبحثية. فهناك توجس حقيقي من تراجع القدرات البشرية الأصيلة في مجال التفكير المستقل والتأمل الفلسفي العميق، والإنتاج الأدبي والفني الفريد. وهنا يُطرح سؤال فلسفي وأخلااقي محوري: كيف نحافظ على خصوصية العقل البشري وقدرته الاستثنائية على طرح الأسئلة الوجودية والتفكير النقدي في عصرٍ يتزايد فيه الاعتمد على الآلة، وما دور الإنسان الأخلااقي تجاه احترامه لذاته ولقدرة عقله المتفردة في الإبداع والتعلم والأصالة؟ يكمن التحدي الأبرز اليوم في إيجاد معادلةٍ دقيقة تُوازن بين الاستفادة من الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي وبين الحفاظ على جوهر الإنسان المتمثل في القدرة على الإبداع الأصيل، والتعلم المستمر، والتفكير النقدي المستقل. وبناءً عليه، فإن هناك حاجة ملحة إلى دراسة مستفيضة لكيفية توظيف هذه التقنيات الذكية أدوات مساعدة تثُري التجربة الإنسانية وتعززها، بدلًا من أن تحلّ محلّها أو تُقوّض أسسها.

رابعًا: العلاقة بين الإنسان والآلة: رؤية أخلاقية ومستقبلية

بعد استعراض القيود التي تواجه الذكاء الاصطناعي اليوم وتقف حائالًا دون تحقيق مستوى الذكاء الاصطناعي العام، لا بد من التفكير في طبيعة العلااقة الجدلية بين الإنسان والآلة؛ إذ يغفل الإنسان أحيانًا عن حدود الذكاء الاصطناعي، ويتعامل معه بطريقة غير مدروسة أو متوازنة. يناقش هذا المبحث أبعاد هذه العلااقة في محاولةٍ لرسم خطوطٍ عريضة لما يمكن تأسيسه في المستقبل من تفاعل بنّاء بين الإنسان والآلة.

1. تفرّد الذكاء الإنساني

يُشكّل الذكاء الإنساني جوهر النشاط العقلي للإنسان، وهو يتخطى كونه مجرد قدرة أكاديمية محدودة أو مؤشرًا رقميًا في الاختبارات التقليدية الأكاديمية38؛ إذ يمكن وصفه كملَكَة ديناميكية عامة متعددة الأبعاد تتجّلى في شتى مناحي الحياة، وتظهر في تصرفات الفرد ونشاطه، وتؤدّي دورًا عامًا في جميع العمليات العقلية بنسب متفاوتة في منظومة متكاملة من الاستعدادات النوعية عند الإنسان. ويتضمن التفكير الإنساني عدة جوانب نوعية متفاعلة، مثل الفهم، والاستنتاج، والسببية، والقصد، والخبرة الواعية. ولذا لا يمكن اختزال هذه الجوانب في نسخ رياضية إحصائية، أو إطار تجريدي بسيط في المنطق الرمزي؛ فهذا التمثيل الآلي الرياضي أو المنطقي لعمليات التفكير الإنساني، الذي يتبناه غالبًا المنهج المادي، هو معالجة قاصرة جدًا لما يمكن أن يقوم به العقل البشري.

38  غازي عز الدين، "الذكاء الاصطناعي: هل هو تكنولوجيا رمزية؟"، فكر للعلوم الإنسانية والاجتماعية (المغرب)، مج 3، العدد 6 (حزيران/ يونيو 2007)، ص.81-43

  1. غازي عز الدين، "الذكاء الاصطناعي: هل هو تكنولوجيا رمزية؟"، فكر للعلوم الإنسانية والاجتماعية (المغرب)، مج 3، العدد 6 (حزيران/ يونيو 2007)، ص.81-43

وحتى لو اعتبرنا أن الذكاء هو قدرة العقل على الاستدلال والتوقع والحفظ وحل المشكلاات والتفكير بالتجريد والاستفادة من التجارب السابقة للفرد وضبط الأفكار المعقدة، فهو يتشعب أيضًا ليشمل قدرة العقل الواسعة على فهم أشياء الكون ومنح العلااقات بين هذه الأشياء معاني خاصة، مع تصور الحلول العملية والفريدة والإبداعية لكل مسألة على نحوٍ مختلف39. ولذلك، فلاا يمكن اختزال الذكاء الإنساني في مجرد عملية تعلم محض، أو في ملكةٍ عقلية واحدة أو متعددة تعتمد فقط على المنطق الاستدلالي أو الإحصاء الرياضي أو القدرة على حل المسائل أو تحليل البيانات. ولا يمكن أيضًا أن نعتبره عملية تذكّرٍ لما تمّ تخزينه مسبقًا في الدماغ؛ بل هو مجموعة من الأنشطة العقلية الشاملة والعامة، التي تتأثر معظمها بانخراط الإنسان الواعي في عالمه ومحيطه وبيئته.

2. إمكانات الذكاء الاصطناعي

يتفوق الذكاء الاصطناعي على القدرات البشرية تقنيًا في عدة مجالات علمية وتطبيقية، بسبب سرعته الكبيرة، وإمكاناته الهائلة في معالجة البيانات الضخمة وتحليلها؛ فهو يستطيع إنجاز العمليات الحسابية المعقدة، واكتشاف الأنماط المعقدة غير المرئية للعين البشرية في البيانات الكبيرة بوقت قصير ودقة عالية40. والذكاء الاصطناعي، بفرعية الرمزي وشبه الرمزي، يمتلك إمكانات إدراكية متقدمة. فالذكاء الاصطناعي الرمزي يعتمد على القواعد الصريحة، والتمثيلاات المنظمة، والتفكير المنطقي؛ ما يعكس أساليب تقليدية لفهم التفكير البشري، ويتميز بشفافيته وقابليته للتفسير. أما الذكاء الاصطناعي غير الرمزي، الذي يشمل التعلم الآلي والشبكات العصبية، فيعمل من خلاال الأنماط والارتباطات الإحصائية، ويتفوق في معالجة كمياتٍ هائلة من البيانات. وبسبب هذه الإمكانات الضخمة، تمكّن الإنسان من توظيفه على نطاق كبير وغير مسبوق في العديد من التطبيقات والمجالات، كالمجال الطبي، من خلاال تحليل الصور الإشعاعية، والمساعدة في تشخيص الأمراض النادرة عن طريق تحليل آلاف الحالات المشابهة من البيانات41. وامتدّ استخدامه إلى مجالات المال والأعمل، كالتنبؤ بتقلبات الأسواق المالية، ورصد الفرص الاستثمرية، وتحليل مخاطر المشاريع الضخمة بشمولية تفوق قدرة المحللين البشريين في بعض الأحيان، فضالًا عن الترجمة الفورية المتعددة اللغات، وتحليل المشاعر في وسائل التواصل الاجتمعي، والتنبؤ بالظواهر الطبيعية والمناخية المعقدة. كم أنه استطاع إحداث ثورة كبيرة في مجال البحث العلمي من خلاال قدرته على تحليل الأبحاث والدراسات العلمية واستخلااص العلااقات بينها؛ ما أسهم في تسريع عجلة الاكتشافات العلمية. وكان له دور مهم في تطوير أنظمة المدن الذكية وإدارة شبكات الطاقة والمواصلاات بكفاءة عالية، إضافةً إلى تحسين جودة التعليم من خلاال أنظمة التعلم

39 المرجع نفسه. 40 Hanna. 41 Harris.

  1. المرجع نفسه.
  2. Hanna.
  3. Harris.

التكيفية التي تراعي الفروق الفردية بين المتعلمين. وفي القطاع الصناعي، أحدث نقلة نوعية في أتمتة خطوط الإنتاج، وتحسين جودة المنتجات، وتقليل الهدر في الموارد. غير أن تفوق الذكاء الاصطناعي الرياضي والتقني يظل محكومًا بحدود وضوابط جوهرية، فالذكاء الاصطناعي الرمزي يواجه صعوبات جدية في التعامل مع تعقيدات العالم الحقيقي. أما الذكاء الاصطناعي شبه الرمزي، فيفتقر إلى القدرة على التعميم المجرد، أو لا يمكنه تفسير قراراته على نحوٍ صريح. ومن ثمّ، فالذكاء الاصطناعي بنوعيه لا يمكنه استيعاب التعقيدات الكاملة للذكاء الإنساني، الذي يتميز بجوانب نوعية تتضمن الإبداع، والخبرة الذاتية، والتفكير السببي. ونرى في خوارزميات الذكاء الاصطناعي اختزلًا لجانب واحد من الذكاءات البشرية، تعتمد فيه كليّا على تمثيل سيناريوهات المشكلاات الواقعية في العالم كنمذج رياضية وإحصائية ضمن خوارزميات تعلم الآلة42. وبهذا المعنى يمثل الذكاء الاصطناعي المعرفة في العالم حسابيّا ومنطقيّا. وهذه النظرة الاختزالية للعقل الإنساني، التي تنتهجها أيضًا "العلوم الإدراكية" (Sciences Cognitive) عند دراسة الدماغ بشكله التشريحي والإدراكي43، تختلف عم يقوم به الإنسان عندما يتعامل مع السيناريو نفسه في أثناء انخراطه الواقعي في العالم. فمن بين المشكلاات الكبرى، التي تبحث فيها العلوم العصبية الإدراكية، البحث في الكيفيات التي يعمل بها عقل الإنسان وذهنه. أما "العلوم العصبية" (Neuroscience)، فتبحث في البنية الوظيفية التي تنتظم فيها المعارف في دماغ الإنسان؛ وكلااهم يبحث في كيفية اكتساب اللغة44. وهذه الدراسات لم تصل إلى إجابات نهائية قاطعة بشأن طريقة عمل العقل البشري، ومن ثمّ فلاا يمكن اختزالها في نماذج محوسبة فحسب. وإضافة إلى الإشكاليات التقنية والأخلااقية التي تواجه نماذج الذكاء الاصطناعي، كالتحيّز، والخصوصية، وعدم الشفافية، فهو يفتقر أيضًا إلى الفهم الإنساني العميق للسياقات الثقافية والاجتمعية، على الرغم من قدرته المبهرة على أداء المهمت المتكررة. وتظهر محدوديته جليةً في مواجهة المواقف غير المتوقعة التي تتطلب حكمةً وبديهةً لا يمكن برمجتها، وفي عجزه عن محاكاة الإبداع البشري الأصيل الذي يتجاوز حدود المنطق الحسابي. يُضاف إلى ذلك التحديات التقنية، كاستهلااك الطاقة الهائل الذي يتطلبه تدريب النمذج على البيانات الكبيرة، وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. وتفتقر هذه الآلات إلى التعاطف وفهم المشاعر الإنسانية المعقدة، واتخاذ قرارات أخلااقية تتجاوز التحليل الإحصائي والاحتملي للبيانات. فقد تتمكن الشبكات العصبية الاصطناعية في خوارزميات التعلم الآلي من استكشاف الأنماط وتحديدها، ومن ثم توقع النتائج المستقبلية، لكنها تفشل في استنباط

42 Russell& Norvig, 3 rd ed. (2010). 43 Tecumseh W. Fitch & Angela D. Friederici, "Artificial Grammar Learning Meets Formal Language Theory: An Overview," Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences, vol. 367, no. 1598 (2012), pp. 1933-1955. 44  فازية تيقرشة وعمر بلخير، "المعالجة اللغوية الآلية: مقاربة بين الذكاء الطبيعي والذكاء الاصطناعي"، الممارسات اللغوية، مج 10، العدد 3 (2019)، ص.87-74

  1. Russell& Norvig, 3 rd ed. (2010).
  2. Tecumseh W. Fitch & Angela D. Friederici, "Artificial Grammar Learning Meets Formal Language Theory: An Overview," Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences, vol. 367, no. 1598 (2012), pp. 1933-1955.
  3. فازية تيقرشة وعمر بلخير، "المعالجة اللغوية الآلية: مقاربة بين الذكاء الطبيعي والذكاء الاصطناعي"، الممارسات اللغوية، مج 10، العدد 3 (2019)، ص.87-74

القواعد المنطقية الدقيقة؛ لأنها تعتمد على التوافقات والارتباطات الإحصائية للبيانات؛ وهذه الارتباطات الإحصائية لا ترتقي لتحقيق مفهوم السببية الذي يدركه البشر ويفهمون العالم من خلااله45. وهو ما دفع عدة باحثين إلى اعتباره قاصرًا عن امتلااك كل القدرات والخبرات والمهارات الإنسانية التي تستند إلى الفهم السببي والحدسي، والتي من دونها لن يتمكن من اتخاذ القرارات والأحكام الصحيحة بشأن العالم46، وهذا ما يجعل فرضية الذكاء الاصطناعي العام بعيدةً عن التحقق في الوقت الحالي. والتحدي الأكبر للذكاء الاصطناعي العام يظلّ هو التحدي الفلسفي. وبتعبيرٍ آخر، هل يمكن أن تمتلك الآلة وعيًا حقيقيًا في يوم ما؟ وهل يمكن أن تكون لديها رغبات أو أهداف ذاتية أو إرادة حرة حقيقية؟ هذه الأسئلة لا تزال بلاا إجابة؛ ومن دون حلّها، سيظل الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية متقدمة، وليس كيانًا ذكيًا حقيقيًا.

3. جدلية العلاقة

تكمن الطبيعة الجدلية في علااقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي في التفاعل الديالكتيكي المستمر والمتزايد بينهم؛ إذ يكون الطرف الأول في هذه العلااقة هو الإنسان، بقدراته الإبداعية، وإنتاجاته الأصيلة، والتي تشكل بيانات التدريب للخوارزمية ومدخلااتها الأساسية، بينم تمثل نماذج الذكاء الاصطناعي بقدراتها الرياضية الهائلة الطرف الآخر. ومن تفاعلهم المستمر معًا تنبثق توليفة تتجاوز حدود كل منهم. فكم يطور الإنسان الذكاء الاصطناعي، يعيد الأخير تشكيل فهم الإنسان لذاته وقدراته؛ ما يخلق حالةً من النمو المستمر والمتبادل الذي يفضي إلى مستويات جديدة ومتقدمة من الوعي والقدرات. وتثير علااقة الإنسان بالآلة إشكالات فلسفية حول التفرد الإنساني وحدود التقنية؛ فالإنسان المتفاعل مع الأنظمة الذكية لا يدرك أحيانًا أنه الطرف الأساسي والأصيل والقوي في هذه العلااقة، ولا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تشحذ قدراته وإبداعاته، بل يتعامل معه على أنه بديل مريح وسريع ينجز أعمله عنه. وهذا ما يقود إلى اعتمد الإنسان المطلق على الآلة من دون مساءلة؛ ما يفرز منتجات روبوتية مكررة لا روح فيها ولا تجديد، بل تمتلئ أحيانًا بالمعلومات المغلوطة والتكرار والهلوسة. ومع ذلك، تضخّم وسائل الإعلاام وبعض الباحثين والهواة على حد سواء إمكانيات الذكاء الاصطناعي، إلى درجة الادعاء بأنه سيتمكن يومًا ما من تجاوز القدرات الإنسانية ليشكل خطرًا محدقًا على البشرية47. ومم يجدر ذكره هو أن هذه الادعاءات ليست وليدة اللحظة، بل بدأت مع أول بذرة ظهرت في هذا المجال في خمسينيات القرن الماضي؛ إذ جرى تضخيم ما يمكن الذكاء الاصطناعي فعله، وكيف يمكن أن

45 Judea Pearl, "From Bayesian Networks to Causal Networks," in: Giulianella Coletti, Didier Dubois & Romano Scozzafava (eds.), Mathematical Models for Handling Partial Knowledge in Artificial Intelligence (Berlin: Springer, 1995), pp. 157 - 182. 46 Hubert L. Dreyfus, What Computers Still Can't Do: A Critique of Artificial Reason (Cambridge, MA: MIT Press, 1992). 47 Max Tegmark, Life 3.0: Being Human in the Age of Artificial Intelligence (New York: Vintage, 2018).

  1. Judea Pearl, "From Bayesian Networks to Causal Networks," in: Giulianella Coletti, Didier Dubois & Romano Scozzafava (eds.), Mathematical Models for Handling Partial Knowledge in Artificial Intelligence (Berlin: Springer, 1995), pp. 157 - 182.
  2. Hubert L. Dreyfus, What Computers Still Can't Do: A Critique of Artificial Reason (Cambridge, MA: MIT Press, 1992).
  3. Max Tegmark, Life 3.0: Being Human in the Age of Artificial Intelligence (New York: Vintage, 2018). 4. تطوير علاقة أخلاقية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي: الاتجاهات المستقبلية أ. الاتجاه الأول: "تجُّنّب الذكاء الاصطناعي" ب. الاتجاه الثاني: انتظام الذكاء الاصطناعي

يكون بديالًا من البشر. ولكن تلك التوقعات انحصرت في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، عندما أدرك الباحثون قصور الخوارزميات الحاسوبية، وخاصةً عندما فشلت الأنظمة الخبيرة في تحقيق أهداف الذكاء الاصطناعي الكبرى48. واليوم، مع تقدم نماذج التعلم الآلي وخاصة التعلم العميق، تعود هذه الطموحات الكبيرة للباحثين إلى الواجهة مرة أخرى.

4. تطوير علاقة أخلاقية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي: الاتجاهات المستقبلية

لعل من أبرز التحديات التي تواجه ضبط هذه العلااقة الجدلية بين الإنسان والآلات هو ما يتعلق بالموازنة الدقيقة بين الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي من جهة، وضمن الحفاظ على دور الإنسان الأصيل والمسؤول، والذي يستدعي الحفاظ على المنظومة الأخلااقية والحقوقية والإبداعية من جهة أخرى. ويمكن أن تفتح هذه العلااقة بين البشر والآلة آفاقًا جديدة للمعرفة والابتكار، بشرط أن يتم بناؤها على ركائز وأسس واقعية ومتوازنة، بعيدًا عن السيناريوهات المستقبلية والتصورات الافتراضية المبالغ فيها. ويمكن مقارنة ثلااثة اتجاهات مستقبلية متباينة لتطوير علااقة الإنسان بالأنظمة الذكية.

أ. الاتجاه الأول: "تجُّنّب الذكاء الاصطناعي"

يرى بعض الباحثين أن الذكاء الاصطناعي يشكل خطرًا وجوديًا على الإنسان وصحته49، ولهذا يشدد الكثير منهم على ضرورة صياغة إطارٍ مرجعي لتنظيم تطويره قبل فوات الأوان. بيد أنّ آخرين يطالبون بالتوقف عن تطويره، والحدّ من استخدامه، في إجراء احترازي متشدد يستند إلى عدة مخاوف تتعلق بالتأثير السلبي المحتمل له في النسيج الاجتمعي والاقتصادي والثقافي للمجتمعات البشرية في المستقبل.

ب. الاتجاه الثاني: انتظام الذكاء الاصطناعي

يسعى هذا المسار لتطويع تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوجيهها بما يتوافق مع القيم والمصالح البشرية، وذلك من خلاال تطوير أطر أخلااقية وتشريعية تضمن توظيف هذه التقنيات بما يخدم الإنسان. ويرى هذا المسار أن الذكاء الاصطناعي سيصل يومًا ما إلى نقطة الذكاء الاصطناعي العام، ومن ثمّ فلاا بد من ترويضه والسيطرة عليه منذ اليوم لضمن استمرار تحكم الإنسان وضبطه لتطوره وتطبيقاته؛ بما يتطلب موازنةً دقيقة بين الاستفادة من إمكاناته وضمن توافقه مع المنظومة القيمية والأخلااقية للمجتمع البشري، قبل أن يطور وعيًا ومنظومة قيمية لا تتفق مع قيم الإنسان50.

48 Enrico Francesconi, "The Winter, the Summer and the Summer Dream of Artificial Intelligence in Law: Presidential Address to the 18 th International Conference on Artificial Intelligence and Law," Artificial Intelligence and Law, vol. 30, no. 2 (2022), pp. 147-161. 49 Felix Federspiel et al., "Threats by Artificial Intelligence to Human Health and Human Existence," BMJ Global Health, vol. 8, no. 5 (2023), e010435. 50 Kurzweil.

  1. Enrico Francesconi, "The Winter, the Summer and the Summer Dream of Artificial Intelligence in Law: Presidential Address to the 18 th International Conference on Artificial Intelligence and Law," Artificial Intelligence and Law, vol. 30, no. 2 (2022), pp. 147-161.
  2. Felix Federspiel et al., "Threats by Artificial Intelligence to Human Health and Human Existence," BMJ Global Health, vol. 8, no. 5 (2023), e010435.
  3. Kurzweil. ج. الاتجاه الثالث: التعايش بين الإنسان والذكاء الاصطناعي 5. التعايش بصفته خيارًا استراتيجيّا واقعًّيًا: المبادئ الضابطة والأطر الأخلاقية

ج. الاتجاه الثالث: التعايش بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

تمثل هذا الرؤية التوفيقية علااقة تكاملية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي (Coexistence Human-AI)، وذلك من خلاال بناء منظومة تفاعلية متوازنة تستثمر نقاط القوة لدى كل من الإنسان والآلة، مع الحفاظ على خصوصية الإنسان وتفوقه وتفرّده، بحيث يكون هو محور هذه العلااقة وسيدها وصانعها؛ ويكون الذكاء الاصطناعي، في المقابل، هو الأداة المعاونة للإنسان. ويتطلب هذا الاتجاه تطوير آليات تواصل وتعاون فعّالة تضمن تحقيق أقصى استفادة ممكنة من هذا التعايش، وأن يفهم الإنسان دوره المحوري في هذه العلااقة.

5. التعايش بصفته خيارًا استراتيجيّا واقعًّيًا: المبادئ الضابطة والأطر الأخلاقية

يبدو مم سبق أن مستقبل التعايش بين الإنسان والذكاء الاصطناعي هو أكثر هذه المسارات واقعية وفاعلية في أثناء التطور التقني المتسارع؛ إذ إنه يمثل خيارًا استراتيجيًا ويؤسس لمستقبل متوازن تتكامل فيه القدرات البشرية مع إمكانات الذكاء الاصطناعي. فالتعايش مع الأنظمة الذكية بصفتها أدوات نافعة لم يسهم في تطوير حياة الإنسان في مجالات التعليم51 والصحة52 والاقتصاد53 فحسب، بل تعدّى ذلك إلى تحسين قدرات الإنسان الإدراكية لمحيطه وبيئته54. والعلااقة التعايشية بهذا المعنى لا تُفضي إلى تهميش دور الذكاء الاصطناعي في مسيرة التطور التقني العالمي كم في المسار الأول، ولا تقع فريسةً للتخمينات، ولا تبالغ في التوقعات التي تتعلق بالتحكم المطلق في تطور هذه التقنيات كم في المسار الثاني، بل تُفضي إلى رفع جودة حياة البشر وكفاءتها بصفة دائمة. وعلى الرغم من ذلك، فنجاح هذا المسار يقتضي تطوير مبادئ تنظيمية ضابطة وأطر أخلااقية تضمن تحقيق التوازن بين الاستفادة القصوى من التطور التقني والحفاظ على القيم والمصالح الإنسانية الأساسية، مع الحرص على تعزيز قدرات كلاا الطرفين في إطارٍ من التعاون البنّاء والتكامل المثمر. ومن ثمّ، نقدّم فيم يلي اقتراحًا للمبادئ العامة للعلاقة التعايشية بين الإنسان والآلة، والتي من شأنها، إن جرى الأخذ بها، ضبط هذه العلااقة على نحوٍ ناجح عند تطبيقها.

51 Lin Chen, Pei Chen & Zhigang Lin, "Artificial Intelligence in Education: A Review," IEEE Access, vol. 8 (2020), pp. 75264-75278. 52 Birhanu Z. Wubineh, Fekadu G. Deriba & Mesfin M. Woldeyohannis, "Exploring the Opportunities and Challenges of Implementing Artificial Intelligence in Healthcare: A Systematic Literature Review," Urologic Oncology: Seminars and Original Investigations, vol. 42, no. 3 (2024), pp. 48-56. 53 Oihab Allal-Chérif, Victor Simón-Moya & Ana C. C. Ballester, "Intelligent Purchasing: How Artificial Intelligence Can Redefine the Purchasing Function," Journal of Business Research, vol. 124 (2021), pp. 69-76. 54 Qing Hu et al., "Can AI Artifacts Influence Human Cognition? The Effects of Artificial Autonomy in Intelligent Personal Assistants," International Journal of Information Management, vol. 56 (2021), p. 102250.

  1. Lin Chen, Pei Chen & Zhigang Lin, "Artificial Intelligence in Education: A Review," IEEE Access, vol. 8 (2020), pp. 75264-75278.
  2. Birhanu Z. Wubineh, Fekadu G. Deriba & Mesfin M. Woldeyohannis, "Exploring the Opportunities and Challenges of Implementing Artificial Intelligence in Healthcare: A Systematic Literature Review," Urologic Oncology: Seminars and Original Investigations, vol. 42, no. 3 (2024), pp. 48-56.
  3. Oihab Allal-Chérif, Victor Simón-Moya & Ana C. C. Ballester, "Intelligent Purchasing: How Artificial Intelligence Can Redefine the Purchasing Function," Journal of Business Research, vol. 124 (2021), pp. 69-76.
  4. Qing Hu et al., "Can AI Artifacts Influence Human Cognition? The Effects of Artificial Autonomy in Intelligent Personal Assistants," International Journal of Information Management, vol. 56 (2021), p. 102250. أ. مبدأ "مركزية الإنسان" ب. مبدأ معاملة الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة ج. مبدأ الاستثمر الأمثل د. مبدأ التكامل الوظيفي والتبادلية المستمرة ه. مبدأ المرونة والاستدامة

أ. مبدأ "مركزية الإنسان"

ينبغي للإنسان أن يُّرِصّ على أن يبقى في محور هذه العلااقة، بما يضمن مركزية الإنسان (Human First)، واستمرار تطور القدرات البشرية المبدعة والفريدة وارتقائها، من دون الاعتمد المفرط على الآلة.

ب. مبدأ معاملة الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة

ينبغي أن يطور الإنسان منظورًا واقعيًا للذكاء الاصطناعي، على أساس أنه أداة تقنية متطورة صُممت لخدمة الإنسان وتعزيز قدراته، وليس على أنه كيانٌ مكافئ للإنسان. فالذكاء الاصطناعي لا يمتلك وعيًا خاصًا أو إرادة حرة، ولا ينبغي النظر إليه على أنه تهديد وجودي محتمل للبشرية. وفهم هذه الحقيقة البديهية كفيلٌ بتمكين الإنسان من الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي في كل المجالات، مع الحفاظ على موقف موضوعي بعيد عن المخاوف غير المبررة، أو التوقعات المبالغ فيها بشأن قدرة الآلات ومخاطرها المستقبلية.

ج. مبدأ الاستثمر الأمثل

ينبغي أن يقوم التعايش بين الإنسان والآلة على الاستثمر الأمثل (Investment Optimal) لنقاط القوة لدى كل من العقل البشري، الذي يتميز بقدراته الإبداعية والعاطفية والحدسية، والذكاء الاصطناعي، الذي يتفوق في معالجة البيانات وتنفيذ المهمت المتكررة.

د. مبدأ التكامل الوظيفي والتبادلية المستمرة

ينبغي أن يستند التعايش بين الإنسان والآلة إلى مبدأ التكامل الوظيفي الذي يقوم على قدرة الإنسان على توجيه الأنظمة الذكية وتطويرها، وفي المقابل، يقوم على قدرة هذه الأنظمة على تعزيز القدرات البشرية وتوسيع آفاقها المعرفية والعملية. وينبغي أن يؤسس هذا النهج لعلااقة تبادلية تخدم مصالح الطرفين، حيث يستفيد الإنسان من القدرات التحليلية والحسابية للذكاء الاصطناعي، بينم تتطور الأنظمة الذكية من خلاال التفاعل المستمر مع الخبرات والمدخلاات البشرية.

ه. مبدأ المرونة والاستدامة

ينبغي أن تتميز العلااقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي بالمرونة التكيفية والقدرة على التأقلم مع التطورات المستقبلية؛ إذ ينبغي أن يظل الإنسان منفتحًا على تعديل أنماط التفاعل، وتطوير النمذج وتحسينها وفقًا للمستجدات التقنية والاحتياجات المجتمعية. ولتحقيق هذه المبادئ بفاعلية، لا بد من وضع إطار معرفي وأخلااقي متكامل يضمن توجيه التطور التقني نحو تعزيز الإنسانية وليس تقويضها، ويركز على فهم حدود الاعتمد على الآلة، وذلك للحفاظ

على مركزية الإنسان في صنع القرارات المصيرية، خاصة في المجالات التي تتطلب أحكامًا أخلااقية وفهمًا عميقًا للقيم الإنسانية. ويشمل وضع هذا الإطار المعرفي والأخلااقي السعي في مسارَين متوازَييَن: تعزيز الوعي المجتمعي بحدود الذكاء الاصطناعي والتحديات التي تواجهه. محاولة تطوير منظومة متكاملة من الأدوات التقنية والرؤى الفلسفية التي تعالج التحديات السابقة، وذلك لضمن استخدام آمن ومسؤول للذكاء الاصطناعي. يتضمن تحقيق المطلب الثاني عمليّا تحدّيًا كبيرًا ومصاعب جمّة؛ وذلك لأنه يتطلب تطوير معايير دقيقة، وآليات منهجية قادرة على معالجة المشكلاات الأخلااقية العالقة، كالشفافية، والعدالة، والمساءلة، والانحياز، والخصوصية، وملكية البيانات. ولا يمكن وضع معايير ثابتة ومعيارية وشاملة في أثناء التطور المتسارع للنمذج وتزايد مستوى تعقيدها. وفي المقابل، يمكن نظريًا تبنّي منظومة قانونية وأخلااقية عامة، بحيث تستدعي تضافر جهود المطورين والمشرعين والجهات لوضع أسس واضحة لأدوار المبرمج ومهندس البيانات والمستخدم والشركات المصنعة والحكومات والأفراد ومسؤوليات كل منهم، بما يضمن تحقيق العدالة والشفافية والمساءلة في الحد الأدنى على الأقل، وبما يتضمن المبادئ التي سبق عرضها. ويتطلب تطوير هذه المنظومة الأخلااقية العامة وتبنّيها إمكانية محاسبة "المتورطين"، سواء كانوا أفرادًا، أو مؤسسات، أو دول، ا عن آثار استخدام الذكاء الاصطناعي، سواء كانت هذه الآثار إيجابية أو سلبية، بما يشمل الأسلحة الذكية، وأنظمة التجسس55، وضرورة وجود شفافية بما يخصّ كيفية اتخاذ الأنظمة الذكية قرارات منطقية، يمكن الدفاع عنها.

خامسًا: الذكاء الاصطناعي يف المجتمع العربي

في ضوء التحول الرقمي المتنامي لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وسرعة تلقّي المجتمعات لها، ومن بينها المجتمعات العربية، تبرز إشكالية توظيف هذه التقنيات المتقدمة والاستفادة منها، مع الحفاظ على الهوية الثقافية والقيم المجتمعية؛ إذ يتطلب تحقيق التوازن بين الاستفادة من إمكانيات الذكاء الاصطناعي والحفاظ على هوية المجتمع وقيمه الأصيلة وعيًا جمعيًا بأهمية هذا التحدي، وعمالًا دؤوبًا على المستويات الأكاديمية والتقنية والمجتمعية كافةً. ويلحظ المتتبع للمشهد التقني العربي تفاوتًا بين استهلااك التقنية وإنتاجها، مم يستدعي إعادة النظر في كيفية التعامل مع هذه التقنيات في السياق العربي. فالمطلوب ليس مجرد استهلااك التقنية، بل المشاركة الفاعلة في تطويرها وتوجيهها بما يخدم مصالح الأمة العربية وقيمها. ومع ذلك، فدمج الذكاء الاصطناعي في المجتمعات العربية لا يزال يواجه عدة تحديات رئيسة مثل:

55 يمكن الاطلااع على تقرير الأمم المتحدة حول دور الذكاء الاصطناعي التدميري واستخدامه غير المسؤول في قطاع غزة، في: United Nations, "Gaza: Rights Experts Condemn AI Role in Destruction by Israeli Military," UN News, 12/4/2024, accessed on 15/3/2025, at: https://acr.ps/1L9zQBA

  1. يمكن الاطلااع على تقرير الأمم المتحدة حول دور الذكاء الاصطناعي التدميري واستخدامه غير المسؤول في قطاع غزة، في: United Nations, "Gaza: Rights Experts Condemn AI Role in Destruction by Israeli Military," UN News, 12/4/2024, accessed on 15/3/2025, at: https://acr.ps/1L9zQBA أ. السيناريو القياسي: التبني التدريجي للذكاء الاصطناعي مع التطور غير المتكافئ

تعقيد حوسبة اللغة العربية: إذ يتميز العالم العربي بفسيفساء غنية من الثقافات واللغات والتقاليد؛ ما يؤثّر كثيرًا في توطين تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي. فالثراء الصرفي للغة العربية وتنوع اللهجات العربية، على سبيل المثال، يشكّلاان تحديات كبرى لتطوير الذكاء الاصطناعي، تتطلب موارد حوسبة كبيرة وأبحاثًا لغوية متخصصة لتصميم نماذج الذكاء الاصطناعي الفعالة والمتسقة مع السياق العربي. البنية التحتية الرقمية والتعليم: في حين استثمرت بعض دول الخليج بكثافة في البنية التحتية الرقمية، لا تزال العديد من الدول العربية الأخرى متخلّفة عن الركب بسبب انخفاض معدل انتشار التكنولوجيا الرقمية، وأنظمة التعليم غير المتطورة. وتحدّ هذه التفاوتات من اعتمد تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي وتطويرها. الأطر الأخلااقية والتنظيمية: يتطلب التطور السريع للذكاء الاصطناعي إنشاء أنظمة ومبادئ توجيهية أخلااقية، بغرض معالجة قضايا مهمة، مثل التحيّز الخوارزمي، واتخاذ القرارات الآلية، والتأثير المجتمعي للذكاء الاصطناعي. ومن شأن الافتقار إلى الأطر التنظيمية الشاملة في المنطقة أن يقود إلى تفاقم هذه التحديات؛ ما يجعل الحكومات والشركات غير مستعدة للتعامل مع المع لاضت الأخلااقية التي يفرضها الذكاء الاصطناعي. الملكية الفكرية: يثير دمج الذكاء الاصطناعي أسئلةً معقدة فيم يتعلق بحقوق الملكية الفكرية؛ ما يزيد على عاتق الدول العربية مسؤولية تكييف إطارها القانوني مع هذه التحديات الناشئة. القضايا السياسية: يتضاعف تعقيد حوكمة الذكاء الاصطناعي في العالم العربي بفعل الديناميات السياسية ذات الصلة في المنطقة؛ إذ تثير قضايا مثل المراقبة الشاملة، والشرطة التنبئية، واستخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض عسكرية، تساؤلات بشأن التوازن بين متطلبات الأمن والحريات الفردية.

1. السيناريوهات الممكنة

يمكن إذًا النظر إلى مستقبل الذكاء الاصطناعي من وجهات نظر مختلفة، حيث يتقدم هذا المجال من خلاال اتباع الاتجاهات والسياسات الحالية، أو يؤدي إلى تفاقم التفاوتات والتحديات الاجتمعية والاقتصادية، أو يصبح محركًا للتحول المجتمعي والتنمية المستدامة.

أ. السيناريو القياسي: التبني التدريجي للذكاء الاصطناعي مع التطور غير المتكافئ

يفترض هذا السيناريو أن الاتجاهات الحالية ستستمر من دون حدوث اختراقاتٍ كبرى. وتستثمر الحكومات والقطاع الخاص في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، غير أنّ التحديات مثل التمويل المحدود للبحث والتطوير، وفجوات المهارات، والحواجز التنظيمية تظلّ قائمة. ويتقدم تبني الذكاء الاصطناعي على نحوٍ مطّرد، ولكن مجزأ في جميع المجتمعات العربية. وتواصل الدول الأكثر ثراء، خاصة دول الخليج،

استثمراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على الأتمتة، والمدن الذكية، والحوكمة الرقمية. وتستخدم هذه البلدان الذكاء الاصطناعي لتنويع اقتصاداتها وتقليل اعتمدها على عائدات النفط. وعلى النقيض من ذلك، تكافح دول عربية عديدة أخرى ذات موارد محدودة وبنية تحتية رقمية أضعف لمواكبة هذا التطور. وسيستمر من هذا المنظور الافتقار إلى الأدوات الملاائمة للغة العربية، وهذا يعوّق تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي المحلية؛ ما سيجبر المجتمعات العربية على الاعتمد على نماذج الذكاء الاصطناعي الأجنبية التي لا تأخذ في الاعتبار كلّ الخصوصيات اللغوية والثقافية والهوياتية للمنطقة.

ب. السيناريو الأسوأ: تفاقم عدم المساواة وعدم الاستقرار في أثناء تبنّي الذكاء الاصطناعي

في هذا السيناريو، يواجه اعتمد الذكاء الاصطناعي في المجتمعات العربية تحديات نظامية تعوّقه على نحوٍ يؤدي إلى إهدار الفرص وتفاقم التفاوتات. ويفترض هذا السيناريو مزيجًا من الركود الاقتصادي، وعدم الاستقرار السياسي، وعدم كفاية الاستثمر في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، الذي سيستمرّ بالاعتمد أساسًا على الفاعلين الأجانب، مع فرض شركات التكنولوجيا المتعددة الجنسيات حلولها على المجتمعات العربية؛ ما يعوّق تطوير نظام بيئي عربي يحتضن الذكاء الاصطناعي ويرخّص بتوطينه. ومن ثمّ، فإن الافتقار إلى التنظيم الفعال للذكاء الاصطناعي سيشجع على تمدّد المراقبة الجمعية، وإساءة استخدام البيانات الشخصية، واستغلاال الأنظمة السلطوية لهذا الذكاء لتشديد تحكّمها وتقييد الحريات الفردية.

ج. السيناريو الأفضل: الذكاء الاصطناعي بوصفه محركًا للتنمية الشاملة والابتكار

في هذا السيناريو، تستطيع المجتمعات العربية استغلاال إمكانات الذكاء الاصطناعي استغالاالًا مرضيًا، وتحقيق نتائج اقتصادية واجتمعية وثقافية تحويلية. ويفترض هذا السيناريو إرادةً سياسية قوية، واستثمرات قوية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والتعاون الإقليمي الفعال، ليصبح هذا الذكاء عامالًا رئيسًا في التحول الاقتصادي والاجتمعي والثقافي في العالم العربي. وتتطور بفعل ذلك المدن الذكية، ويشهد التعليم تحولًا كبيرًا من خلاال دمج الذكاء الاصطناعي في المناهج المدرسية والجامعية، وتتعاون الجامعات العربية مع مراكز الأبحاث العالمية لتطوير نماذج هذا الذكاء الملاائمة للغة والثقافة العربية.

2. توصيات

الذكاء الاصطناعي واستخدامه في المجتمع بالعربي:

أ. بالنسبة إلى الباحث العربي

وسائل التواصل الاجتمعي. الاحتياجات المحلية.

القائم على دراسات أكاديمية موضوعية وبالأدلة العلمية.

الوعي بها لدى المجتمعات العربية.

ب. بالنسبة إلى صناع القرار

الرقمي للتعليم.

المتقدمة والاعتبارات الثقافية والأخلااقية.

يمكننا، في ضوء هذه المشاهد المستقبلية، بلورة بعض التوصيات والاقتراحات للأطراف المعنية بتطوير

بناء منظومة أخلااقية عربية للذكاء الاصطناعي، تستند إلى القيم العربية والإسلاامية الأصيلة، وتضبط استخدام هذه التقنية بما يخدم المجتمعات العربية، مع الحفاظ على خصوصيتها الثقافية والاجتمعية. ويتطلب ذلك جهدًا جمعيًا من المؤسسات الأكاديمية والبحثية والتقنية العربية. تطوير أطر نظرية وتطبيقية تتناول تأثيرات الذكاء الاصطناعي في السياق العربي. دراسة الانحيازات المعرفية والثقافية في الخوارزميات الحالية، وخاصة المستخدمة في برامج التعاون مع المؤسسات الصناعية العربية لتطوير أبحاث عملية لتطبيقات ذكاء اصطناعي تلبّي دراسة قضية استخدام الكيان الصهيوني الذكاء الاصطناعي في العدوان على غزة، ودراسة تبعات ذلك على نحوٍ أكاديمي وسياسي، وقانوني، وإنساني، واجتمعي، لنشر الوعي وحشد الرأي العام دراسة واقع الحسابات المزيفة التي يساعد الذكاء الاصطناعي في إنشائها على منصات التواصل الاجتمعي، والتي تسهم في إذكاء روح التفرقة والكراهية بين الشعوب العربية، ورفع درجة

وضع استراتيجيات وطنية لبناء القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على تطوير القدرات والمواهب المحلية في هذا المجال، وذلك لتمكين المجتمعات العربية من توطين هذه التقنية والمشاركة الفاعلة في تشكيل مستقبلها، بدلً من الاكتفاء بدور المستهلك السلبي لمنتجات الآخرين. تشجيع إنشاء المحتوى الرقمي العربي الأصيل، وعدم الاكتفاء بالمحتوى الرقمي الغربي المستورد. مراعاة جودة المحتوى التعليمي الرقمي وتوافقه مع المنظومة القيمية العربية في سياق التحول

تقديم الدعم اللوجستي لتطوير برامج أكاديمية متخصصة في الذكاء الاصطناعي تدمج بين التقنيات

وضع آليات قانونية لمراقبة تطبيق المنظومة الأخلااقية الناظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي وتطويره.

ج. بالنسبة إلى المبرمجين ومهنديس البيانات

تطوير حلول تقنية تستجيب للااحتياجات المحلية وتراعي الخصوصية الثقافية. الاهتمم بمجالات معالجة اللغة العربية، وتطوير برامج محادثة عربية منافسة. تطوير واجهات المستخدم المتوافقة مع السياق الثقافي المحلي. عدم نسخ تجارب الآخرين بسياقاتهم وخصوصياتهم الثقافية، بل الاهتمم بالسياق العربي، وذلك من خلاال اختيار بيانات التدريب التي تعكس البيئة الثقافية العربية، مع مراعاة البقاء منفتحين على الاستفادة من جميع الحلول الممكنة. ضمن تمثيل كافٍ للمحتوى العربي في قواعد البيانات العالمية لمعالجة الانحيازات المعرفية والثقافية في البيانات التدريبية لنمذج الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلاال إنشاء قواعد بيانات عربية شاملة لتدريب هذه النمذج.

د. بالنسبة إلى مُستخدِم نماذج الذكاء الاصطناعي

الاستمرار في تعلم كل جديد في الذكاء الاصطناعي، وعدم الانكفاء على الذات ورفض التقدم المتسارع. الاستفادة من هذه التقنيات المتقدمة، مع الحفاظ على هوية المُستخدِم الثقافية وقيمه الأصيلة. فهم حدود الذكاء الاصطناعي وإمكاناته الحقيقية لتجنب المبالغة في توقع قدراته، أو التقليل من مخاطره المحتملة.

خاتمة

أحدثت الإمكانات الهائلة التي تتمتع بها تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم تحولاتٍ إيجابية كبيرة في كل مجالات الحياة، إلا أن هذه التقنيات هي أداوت قوية وداعمة في يد الإنسان لتعزز من قدرته على الإبداع والابتكار، من دون أن تحلّ محلّه، على الرغم من قدراتها المذهلة. فالذكاء البشري، بما يتسم به من تعقيد وتمايز، يظل متفردًا في خصائصه وقدراته التي تتجاوز إمكانيات المحاكاة الآلية أو التفوق الرياضي؛ فهو خليط معقد من العمليات العقلية والذهنية الواعية التي تتضمن الحدس، والإبداع، والتفكير السببي، والذكاء العاطفي والانفعالي، وكذلك الإدراك العميق للسياقات الثقافية والاجتمعية، والوعي بوجود الذات والآخر، إضافة إلى القدرة على فهم معنى الحرية والإرادة، والقدرة على التفكير غير الخطي، والربط التجريدي بين أشياء العالم المختلفة، والقدرة على التكيف مع المواقف غير المتوقعة. وهذه الخصائص الأصيلة عند الإنسان، وغيرها مم لا يتسع المقام هنا لتفصيله، تتجاوز القدرات الحاسوبية المتقدمة، وتظل عصيةً على المحاكاة الآلية الكاملة56؛ خاصة عندما يتعلق الأمر بصياغة فرضيات مبتكرة، أو فهم الأبعاد النفسية والاجتمعية للأفراد والجمعات بطريقة تتجاوز البيانات الإحصائية المتاحة.

56 Stefan Brunnhuber, The Third Culture (Cham, Switzerland: Springer Nature Switzerland, 2024), p. 58.

  1. Stefan Brunnhuber, The Third Culture (Cham, Switzerland: Springer Nature Switzerland, 2024), p. 58.

عرضت هذه الدراسة مفهوم الذكاء الاصطناعي وإشكالياته على القارئ العربي موضوعيّا، وذلك من خلاال دراسة واقع الذكاء الاصطناعي، بفَرعَيه الرمزي وشبه الرمزي، وتحليل أبعاده النظرية والأخلااقية والمستقبلية، واتجاهات علااقته بالإنسان ومساراتها. وقدمت رؤية عامة تمكّن القارئ من التمييز بين النظرة الطموحة العلمية اللاامحدودة في استكشاف آفاق الذكاء الاصطناعي التي تدفع عجلة التقدم في هذا المجال، وبين الحذر المنهجي والأخلااقي الذي ينبغي أن يرافق استخدام تقنياته وتصور إمكاناتها، وكيفية توظيفها في الواقع المعاصر وفي المستقبل. ولم يكن إبراز التحديات التقنية والأخلااقية من باب التشكيك أو التشاؤم، بل جاء في إطار تقديم مقاربة علمية تضمن توظيف هذه التقنية وتوجيه تطورها، مع فهم حدودها وإمكاناتها؛ وذلك لخدمة الإنسان، بما يوازن بين الابتكار والمسؤولية، مع الحفاظ على مركزية الإنسان ومحورية دوره، وفهم تفرد العقل البشري والذكاء الإنساني. وقدمت الدراسة عدة توصيات فيم يتعلق بضبط العلااقة بين الذكاء الاصطناعي والإنسان بإطار التعايش، من خلاال مجموعة من المبادئ الناظمة للعلااقة. ودعت كذلك إلى ضرورة تطوير منظومة أخلااقية عامة تضبط استخدام هذه التقنيات وتطويرها، وتستند إلى الموضوعية العلمية، وتعالج بالحد الأدنى مسائل الشفافية، والمساءلة، والخصوصية، في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ بما يشمل تصميم أنظمة قابلة للتفسير والوصول، فضالًا عن توعية المجتمع بإمكانات هذا المجال وحدوده. وقدمت الدراسة أيضًا قراءةً لواقع الذكاء الاصطناعي في المجتمعات العربية، مع وضع خطوطٍ عريضة لتطوير تقنياته واستخدامها على نحوٍ أفضل في العالم العربي. ومع ذلك، فإن فهم واقع الذكاء الاصطناعي في السياق العربي لا يزال في حاجة إلى مزيد من التعمق والبحث والتقييم من خلاال دراسات تحليلية ودراسات مقارنة لحالات عملية ولسياسات متبعة في المنطقة العربية تجاهه. ولهذا، فمن بين التوصيات التي قدمتها الدراسة حثّ الباحث العربي على تكريس اهتممٍ أكبر بالدراسات المستقبلية التي تركز على تطوير الخط البحثي النظري والفلسفي، إلى جانب الأبحاث التقنية والتطبيقية؛ وذلك للتمكن من صياغة نظريات فلسفية وعملية للذكاء الاصطناعي في السياق العربي، والتي يفترض أن تستمدّ رؤيتها من الخصوصية اللغوية والثقافية والمجتمعية للعالم العربي. وأخيرًا، في ظل التحديات التقنية والأخلااقية الكثيرة والمتشعبة اليوم، يبدو أن الوصول إلى ذكاء اصطناعي فائق لا يزال هدفًا معقدًا وبعيد المنال. ومن دون التغلّب على هذه العقبات، سيظل قادرًا على أداء مهمت معينة بكفاءة محصورة في إطار رياضي أو منطقي أو إحصائي محدد، وسيبقى عاجزًا عن تحقيق الفهم الحقيقي أو الإبداع الذي يميز الذكاء البشري. وبناءً عليه، فإنه قبل التعجل في الحديث عن ذكاء اصطناعي يتفوق على البشر، ينبغي أن ينصبّ التركيز أولًا على معالجة العقبات العلمية والتقنية والفلسفية التي تحول دون تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، والاهتمم أيضًا بالإطار الأخلااقي والقانوني الذي ينظم هذه التقنيات، بما يضمن توجيهها نحو خدمة البشرية وتحقيق مصالحها.

المراجع

العربية

تيقرشة، فازية وعمر بلخير. "المعالجة اللغوية الآلية: مقاربة بين الذكاء الطبيعي والذكاء الاصطناعي". الممرسات اللغوية. مج 10، العدد 3.)2019(عبد الرزاق، غزة. الأسس المفاهيمية والتقنية للذكاء الاصطناعي وتطوره: من نماذج الحوسبية إلى التعلم الآلي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2024 عز الدين، غازي. "الذكاء الاصطناعي: هل هو تكنولوجيا رمزية؟". فكر للعلوم الإنسانية والاجتمعية (المغرب). مج 3، العدد 6 (حزيران/ يونيو.)2007

الأجنبية

Allal-Chérif, Oihab, Victor Simón-Moya & Ana C. C. Ballester. "Intelligent Purchasing: How Artificial Intelligence Can Redefine the Purchasing Function." Journal of Business Research. vol. 124 (2021). Brunnhuber, Stefan. The Third Culture. Cham, Switzerland: Springer Nature Switzerland, 2024. Cebral-Loureda, María, Elva G. Rincón-Flores & Gabriela Sanchez-Antuñano. What AI Can Do. Boca Raton, FL: Chapman and Hall/ CRC, 2023. Chen, Lin, Pei Chen & Zhigang Lin. "Artificial Intelligence in Education: A Review." IEEE Access. vol. 8 (2020). Coeckelbergh, Mark. AI Ethics. Cambridge. MA: MIT Press, 2020. Dobrin, Sidney. AI iQ for a Human-Focused Future. Boca Raton, FL: CRC Press, Dreyfus, Hubert L. What Computers Still Can't Do: A Critique of Artificial Reason. Cambridge, MA: MIT Press, 1992. Elliott, Anthony. Making Sense of AI: Our Algorithmic World. Cambridge, UK: Polity Press, 2022.

Federspiel, Felix et al. "Threats by Artificial Intelligence to Human Health and Human Existence." BMJ Global Health. vol. 8. no. 5 (2023). Fitch, Tecumseh W. & Angela D. Friederici. "Artificial Grammar Learning Meets Formal Language Theory: An Overview." Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences. vol. 367, no. 1598 (2012). Flasi ń ski, Mariusz. Introduction to Artificial Intelligence. Cham, Switzerland: Springer, 2016. Francesconi, Enrico. "The Winter, the Summer and the Summer Dream of Artificial Intelligence in Law: Presidential Address to the 18 th International Conference on Artificial Intelligence and Law." Artificial Intelligence and Law. vol. 30, no. Géron, Aurélien. Hands-On Machine Learning with Scikit-Learn, Keras, and TensorFlow. 3 rd ed. Sebastopol. CA: O'Reilly Media, 2022. Goel, Ashok. "Looking Back, Looking Ahead: Symbolic versus Connectionist AI." AI Magazine. vol. 42, no. 4 (2022). Giulianella Coletti, Didier Dubois & Romano Scozzafava (eds.). Mathematical Models for Handling Partial Knowledge in Artificial Intelligence. Berlin: Springer, 1995. Hanna, Robert. "The Myth of AI, Existential Threat, Why the Myth Persists, and What Is to Be Done About It." Borderless Philosophy. vol. 7 (2024). Harris, Laurie A. Artificial Intelligence: Overview, Recent Advances, and Considerations for the 118 th Congress. Report. Congress.gov. no. R47644 (2023). at: https://acr.ps/1L9zR5G Hu, Qing et al. "Can AI Artifacts Influence Human Cognition? The Effects of Artificial Autonomy in Intelligent Personal Assistants." International Journal of Information Management. vol. 56 (2021). Ilkou, Evangelia & Maria Koutraki. "Symbolic vs. Sub-Symbolic AI Methods: Friends or Enemies?" Proceedings of the CIKM Workshops. vol. 2699 (2020). Janiesch, Christian, Patrick Zschech & Kai Heinrich. "Machine Learning and Deep Learning." Electronic Markets. vol. 31, no. 3 (2021).

Joshi, Anand. Artificial Intelligence and Human Evolution. New York: Apress, Kneusel, Ronald T. How AI Works: From Sorcery to Science. San Francisco, CA: No Starch Press, 2023. Kühl, Niklas et al. "Machine Learning in Artificial Intelligence: Towards a Common Understanding." arXiv preprint arXiv:2004.04686 (2020). at: https://arxiv.org/abs/2004.04686 Kurzweil, Ray. The Singularity Is Near: When Humans Transcend Biology. New York: Viking, 2005. Landgrebe, Johannes & Barry Smith. Why Machines Will Never Rule the World: Artificial Intelligence Without Fear. Abingdon, UK: Taylor & Francis, 2022. Lu, Qiang et al. Responsible AI: Best Practices for Creating Trustworthy AI Systems. Hoboken, NJ: Pearson Education, 2023. Proksch, Michael, Nikhil Paliwal & Wolfgang Bielert. The Secrets of AI Value Creation: A Practical Guide to Business Value Creation with Artificial Intelligence from Strategy to Execution. Hoboken, NJ: John Wiley & Sons, Russell, Stuart & Peter Norvig. Artificial Intelligence: A Modern Approach. 3 rd  ed. Upper Saddle River, NJ: Pearson Education, Inc, 2010. _______. Artificial Intelligence: A Modern Approach. 4 th ed. Hoboken, NJ: Pearson, Sarker, Iqbal H. "Deep Learning: A Comprehensive Overview on Techniques, Taxonomy, Applications, and Research Directions." SN Computer Science. vol. 2, no. 6 (2021). Sheikh, Haroon, Corien Prins & Erik Schrijvers. Mission AI: Research for Policy. Cham, Switzerland: Springer, 2023. Špirková, Silvia. "Free Will, Moral Responsibility and Automatisms." Ethics & Bioethics. vol. 13, no. 1-2 (2023).

Tegmark, Max. Life 3.0: Being Human in the Age of Artificial Intelligence. New York: Vintage, 2018. Velmans, Max & Susan Schneider (eds.) The Blackwell Companion to Consciousness. Malden, MA: Wiley-Blackwell, 2017. Wubineh, Birhanu Z., Fekadu G. Deriba & Mesfin M. Woldeyohannis. "Exploring the Opportunities and Challenges of Implementing Artificial Intelligence in Healthcare: A Systematic Literature Review." Urologic Oncology: Seminars and Original Investigations. vol. 42, no. 3 (2024). Zalta, Edward N. (ed.). The Stanford Encyclopedia of Philosophy. Winter Edition. Stanford: Metaphysics Research Lab/ Stanford University, 2020.