"الرأي" و"العام" في مسوحات الرأي العام مراجعة لمشروع قياس الرأي العام العربي
الملخّص
تهتم هذه الورقة بتوفير إطار عمل للبحوث النوعيّة لقياس الرأي العامّ على المستويين الوطني والقومي. وتستند على مقاربة استكشافيّة، تهدف إلى توفير تحليل سوسيولوجي أوّلي للرأي العامّ على مستويات مختلفة، وتقديم مقترحات في المنهجية، وفي رسم خريطة مفاهيميّة يمكن أن يفيد منها مشروع "المؤشر العربي" في المركز العربي لقياس الرأي العامّ العربي في تطوير برامجه المستقبليّة.
- الرأي العام العربي
- المؤشر العربي
- المناهج الكمية
- المناهج الكيفية
العربيّأي العامّمراجعة لمشروع قياس الر
مسوحات الرأيّا يمكن القول إنّتًاريخي
حمّ قد ولدت في بدايتها خارج الرّالعام
الأكاديمي، وبالذسّات في إطار استقصاءات القّو
وتحقيقات الصحف ووسائل الإعلام الأخرى.
ة فلم يبدأّة في العلوم الاجتماعيّا المراكز الأكاديميّأم
رّاهتمامها بهذا الحقل من البحث الميداني إلا إبان توت
ةّالأوضاع الدولية وتحت نذير اندلاع الحرب العالمي
الثانية وما آلت إليه فيما بعد، إذ أفرزت سلسلة متسارعة من التغيالاجتماعيّر ات ةّ-السياسي ةّ
ةّة بالغة الأثر على حياة المواطن اليوميّوالاقتصادي
ة اتّوعلى عمليّخ اذ القرار.
يولة في النظام الدوليّ حالة عدم اليقين والسّوفي ظل
ياسيّآنذاك راجت الكتابات في علم الاجتماع الس
لرصد الت بعات المحتملة لحالة ما بعد الحرب
وانعكاساتها على الأوضاع الحياتيعامّة بشكل
وتناولت بالتحليل صناعة المستقبل وبدائله، ودعت جوع إلى المواطن وإلىّبشكل واضح إلى ضرورة الر
ل وسبر آرائهّة التحوّ وإشراكه في عمليّالرأي العام
بشأن ذلك. عنىُة تّة أكاديميّل مجلّ ولادة أوّوبإمكاننا أن نعد
ببحوث الرأي العام (1937) في الولايات المتةّحد
املةّ المسوحات الشّة بداية الاعتراف بأنّالأميركي
على مستوى المجتمع قد أخذت مكانها في العلوم
الاجتماعييّة التطبيقدّة وفي مناهج البحث العلمي، فق
دّة ما يؤكّل من تلك المجلّمة العدد الأوّجاء في مقد
س المجتمع الأكاديمي في تلك الفترة الحرجة منتّحس
ا جديدةً هناك أوضاعّالتاريخ السياسي المعاصر أن
بدأت تبرز في العالم وبأبعادٍ مختلفة ا يستدعيّم
ق منّشديد على دور البحث العلمي في التحقّالت
ة للمواطنّزعات والمواقف الذاتيّالظواهر ومن الن
ومن خصائص الجماعات الاجتماعية المختلفة التي
تشكّل الرأي العاملّ، يساعد في ذلك زيادة التعينّم ب
ن المطّالعموم بشرائحهم على اختلافها والتحسّ رد في
وسائل الإعلام عةّة المسوحات الموسّل عمليّا يسهّم
والوصول إلى المواطن. على مستوى النظرييّة الاجتماعةّة، كان ذلك بمنزل
من قبل الحقولّل في مفهوم الرأي العامّالتحو
دة والاعتراف بوجوده وبإمكان قياسهّة المتعدّالمعرفي
وربطه بالفعل والاحتكام إليه بوصفه الأساس ارلأخلاقي والشيّعي لعملرّة صنع القرا، ىّا أدّم
إلى الابتعاد عن القناعات القديمة التي كانت تعتقد
كها أنماط السلوك الجمعي وتحيد عنّة تتملّ العامّأن
العقلانينّة في الفعل والأحكام، الأمر الذي لا يمك
معه الاعتداد برأيها. وبمراجعةٍ سريعة، يمكن لأحدنا أن يلاحظ أن ةّة بدأت منذ أعقاب الحرب العالميّالدول الديمقراطي
خمةّات الضّ يومنا هذا في رصد الميزانيّالثانية ولحد
لإجراء مسوحات الرأي العاميّ، وهناك تقارير دورةّ
ة ومقاييس تصدر بانتظام وتغطّوسنويّ ي الجوانب
الحياتيمّة للفرد، وتستطلع الرأي العايّ بشأن نوعةّ
الخدمات العامتّة وطبيعة تقييمه لها، وبشأن المشكلا
الاجتماعيةّة المختلفة وقضايا البيئة، إضافتً إلى الخيارا
السياسييّة والاقتصادلةّي على المستوى الكرّ، وباعتبا
ذلك كليّه ضرورة من ضرورات المساءلة المجتمعةّ. على الطّرف الآخر، تجدر الإشارة إلى أنتّ مسوحا الرأي العام قد شهدت رواجواضحًا خارجًا
صيف 2012
ات القرنّا من سبعينية بدءّات الغربيّالديمقراطي
الماضي، وبالأخص التحوّبعد لات السياسيفيّة
أميركا اللاتينينّة وأفريقيا، ولكدّها تعاظمت بالتأكي
إثر سقوط حائط برلين، وازدادت أهمينّتها بالاّسبة إلين
كعرب بعد سقوط حائط قرطاج إن صحتّ اليرّعب. واسعة لتنفيذةّات إمكانيوّرقد أتاحت تلك التغي
ةّ إقليميَأسيس لمراكزّة المقارنة والتّالبحوث المسحي
لاتّة عملت بشكل بارومترات لرصد التحوّودولي
وقيمه وانطباعاتهّوقياسها في مواقف الرأي العام
وتوقّعاته تجاه عمليات الانتقال الد يمقراطيّ
والإصلاح السيّياسي والاقتصادي والاجتماع. ه في الوقت الذي بدت فيه للعديدّه إلى أنّبقي أن ننب
من تلك المراكز أن أدوات البحث الميداني، ومضامين
ق من قيم المواطنين واتّالتحقّج اًّاهاتهم متشابهة عالمي
ويمكن اقتباسها وتطبيقها محلينًّا، فإيّ لنا رأفًا مخالا
في ذلك سنعود لمناقشته تفصيالً في الورقة لاحقا، إذ إنيّ طبيعة الأوضاع الاجتماعفيّة، وموقع الفرد
إطار الجماعة، وتركيبة البنية السياسيةّة، وأنماط الثقاف
الساّائدة، والعلاقة بين المواطن والدولة في بلدانن
ةّا عن نظيراتها في البلدان الديمقراطيّتختلف جذري
بمنزلة المهد لتطوير مناهج العلومّة التي تعدّالغربي
وأدواتهاّة التطبيقية ومسوحات الرأي العامّالاجتماعي
ووضع المقاييس بشأن ذلك. وعليه، لا نتردنّد في القول إمّ الغالب الأعنّ م
التيّالدراسات التطبيقية ومسوحات الرأي العام
أوروبا وبلدان الاتّشهدتها بلدان شرقيّح اد السوفييتي
ات الانتقالمّحاولتها لفهم عملي رت فيّا قد تأثسًابق
ة إلى الحكم الديمقراطي بفكر ماّمن الأنظمة الشمولي
يسمرَّى الموجة الثالثة لنشأة الديمقراطيات، والذي يق
ةّة وقواعد وخطوات كونيّ هناك جملة قيم ليبراليّبأن
ةّجارب الديمقراطيّة من التّعميم مشتقّثابتة وقابلة للت
السابقة يجب استخدامها كمحكّ ات والعمل بها كمعايير لتحقيق الانتقال الآمن نحو الديمقراطيةّ.
«الرّأي» و«العامّ» في مسوحات الرّأي العامّ
وفي حالة نكوص الرأي العامّ عنها، يتمّ تصنيف البلد
المعنيّ بين البلدان ذات العجز في الديمقراطيّة. وقد تبلورت هذه المقاربة إلى الحدّ الذي أطلق عليها
تسمية " علم الانتقال " الذي يحمل بطبيعته صفتي التعميم والتنبّؤ، ويستند في خصائصه ومبرّراته على
ما يأتي: (1) إمكانية بناء نظريّة كونيّة وتوحيد المواقف
والقيم بشأن عمليّة الدّمقرطة يتمّ من خلالها تطوير
القدرة على تفسير الرأي العامّ وعمليات الانتقال
الديمقراطي في سياقات اجتماعيّة مختلفة (2) القناعة
بأنّ عمليّة الدّمقرطة هي حركة با اهٍواحد وصيرورة
تدريجيّة وفق مراحلَ متعدّدة (3) التأكيد على أن
العامل الأكثر حسامً في عمليّة الانتقال الديمقراطي
هو قرار النّخبة وليس الخصائص البنيويّة)4(
الاعتقاد المعياري ذو الطبيعة النيوليبرالية أنّ الترسيخ المؤسسّي للانتخابات والاحتكام لصندوق الاقتراع
وتفعيل الإصلاحات المؤسسيّة اللصيقة بذلك قادر
وحده على أن يعمل على تشييد عمران الدّولة الفاعلة
والقادرة على تحقيق مهامّ الانتقال الديمقراطي. إنّ من يمعن النّظر في هذه المقاربة يرى بوضوح
أ ا حياديّة تاريخيًّا تجاه النّظر لخصوصيّة البلدان
النّامية، وبالنتيجة فقد أفرزت التّقييمات العلميّة فشل
تصوّراتها وتطبيقاتها، وأكّدت بديال عن ذلك على
ضرورة أخذ السّياق السّياسي والاجتماعي والثقافي
بعين الاعتبار عند تقرير محتوى استبيانات مسوحات
الرأي العامّ، وأن تأخذ بالخصوصية المحلّية وتحرص
على تحوير المعايير الأكاديميّة للبحوث المسحيّة في
الديمقراطيات الغربيّة الرّاسخة. ولعلّ الأهمّ من
ذلك أنّ استطلاعات الرأي العامّ والتعرّف على
الحقائق الذاتيّة والعامّة ومواقف المواطنين بشرائحهم
المختلفة وأنماط قيمهم وا اهاتهم يجب اشتقاقها من
أطر مفاهيميّة ونظريّة للفضاء العامّ والواقع المعيش
في البلد المعنيّ، كي تفيد في عملية التحليل والتركيب،
مع الأخذ بالاعتبار وجود مؤّات كونيّة لغرض
المقارنة في معاييرَ محدّدة.
في سياق مثل هذا النقاش المحتدم، شهد عام 2010 ولادة المشروع الإقليمي لقياس الرأي العام
العربي، معلنًا في ورقة العمل الأساسيّة التزامه برؤية
وأجندة عربيّة مستقلّة من حيث تحديد الأولويّات
وصياغة الأسئلة. ولا يخفى على المختصّ أنّ الوطن العربي يعدّ الأكثر
تخلّفًا مقارنةً بمجموعات بلدان العالم الثالث الأخرى
في مجال البحوث في العلوم الاجتماعيّة عمومًا
والتطبيقيّة منها بوجه الخصوص. وعليه فإنّ مشروعًا
كهذا سيسدّ فراغًا معرفيًّا هائالً، ويمثّل بداية انطلاقة
طال انتظارها منذ زمنٍطويل لانفتاح المؤسّسات
البحثيّة العربيّة على المحيط، وتعزيز الوظيفة الأدائيّة
للبحث العلمي في تطوير المجتمعات العربيّة، إضافة
إلى دورها النّقدي الذي يغذّي عمليّة التبّ الذّاتي
للبناء المفاهيمي والنّظري، ويعزّزها. جديد هذا المشروع، كما نتصوّره، هو ما يمكن أن
يوفّره، وبنوع من الابتكار المنهجي، لتطوير الفضاء
العامّ العربي ومداولاته، كما أنّ اعتماده المواطن العربي،
بكلّ شرائحه الاجتماعيّة ومستويات وعيه، كوحدة
أساسيّة للتحليل، جدير بدحض الكثير من القناعات
عن الواقع السّياسي العربي، والتي غالبًا ما تعتمد
معايير ثقافيّة أو مسلمّات أيديولوجيّة، اختزاليّة في
مقارباتها، وتعمّم وفق مسلمات خاطئة بأنّ ا اهات
الإنسان العربي يمكن توقّعها وتفسيرها والتنبّؤ بها
من خلال الرّجوع إلى القراءة الأنثروبولوجيّة للثقافة
العربيّة الإسلاميّة. من جانب آخر، هناك عددٌ هائل من البحوث
النظريّة من مساهمين عرب وأجانب، تناولت
بالتشخيص والتّحليل الشخصيّة العربيّة والعقل
العربي والاستثناء العربي العصيّ على التغ السّياسي
يجب اختيار مسلمّاتها وفرضيّاتها على محكّات الواقع
الأمبريقي والبيانات الوصفيّة والتحليليّة التي
تعكس سلوك الناس الذين تتحدّث عنهم بشكل
رمزي وقناعاتهم.
وعلى الرّغم من أنّ هناك بعض المبادرات لقياس
الرأي العامّ العربي كانت قد تبنّتها جامعات أجنبيّة
منذ منتصف العقد الماضي (مشروع البارومتر العربي الذي أنشأته جامعة شيكاغو كجزء من شبكة البارومتر العالمي)، إلا أنّ المشروع العربي الوليد
يختلف من حيث أهمّيته، وخاصّةً بعد التغ ات
الهيكليّة السياسيّة التي شهدها العالم العربي خلال
العامين الماض نيْ، ومازال في انتظار المزيد. ونردف بالقول إنّ تأكيدنا على أهمّية المشروع الجديد لقياس الرّأي العامّ العربي للنهوض بالعلوم
الاجتماعية التطبيقية لا يعني أنه سيبدأ من فراغ فالوطن العربي زاخر بالقدرات والمهارات وبالبنى المؤسسيّة الأكاديميّة للقيام بتلك البحوث الميدانيّة
بطريقةٍ علميّة ومنظّمة، إلا أنّ ما يمنعه من ذلك هو
هذا الحلف غير المقدّس بين المثقّف والسّلطة أو بين
الباحثين والحكومات (غالبيّة الباحثين موظ فون لدى
الدولة وجامعاتها) وغياب مناخ الحرّيات الأكاديميّة
في الجامعات وفي مراكز البحث العلمي والذي فرض
نوعًا من الرّقابة الذاتيّة على الباحث كفردٍ وعلى
المؤسّسات في عدم الخوض في المحظور خوفًا من
قطع الأرزاق، أو قطع الأعناق في بعض الحالات. وقد أدّت ثقافة الخوف هذه على مدى العقود الماضية
وانحسار مساحة بحوث الرأي العامّ وقياساته إلى أن
مؤسّسات أجنبيّة (بيت الحرية House) أو (المسح
العالمي للقيم Survey) قد عملت على ملء الفراغ وأصبحت في مقاييسها مرجعًا للباحث العربي الذي
يريد أن يتحقّق من مستوى الحرّيات في البلدان
العربية، بل وصل الأمر إلى أنّ التقرير العربي الأوّل
للتنمية الإنسانيّة (2002) دل على وجود العجز في
الديمقراطية في الوطن العربي بالاعتماد على معايير بيت الحرّية ومقاييسها التي تضع إسرائيل على قمّة
قائمة الدول التي تحترم الحرّيات وحقوق الإنسان. حاليًّا، لا يختلف اثنان في القول إنّ ثقافة الخوف
صيف 2012
قد اختفت في بلدان الثورات كما لم تعد موجودة بالفضاضة المعهودة في الدول العربيّة التي لم تشهد
ثورات، إن لم نؤكّد أ ا بدأت تبحث عن نقطة
التعادل والغلبة نتيجة اتّساع رقعة المساحات التعبيريّة
للمواطن، وبروز قنوات موازية فاعلة للمشاركة السياسيّة والفعل السّياسي أدّت إلى تبلور ما يمكن أن
نطلق عليه ب " المواطنة النّشطة "، أو الديمقراطيّة من
أسفل والتسلطية من أعلى. تأسيسًا على هذا، نعتقد أنّ البحوث الميدانيّة التطبيقية
واستطلاعات الرأي العامّ وتحليل التغ ات
السياسيّة والاجتماعيّة التي تشهدها البلدان العربيّة
وفق إطار مفاهيمي مجتمعي محدّد واختيار فرضيّاته
ميدانيًّا جديرة بأن تساهم في إرساء الأرضيّة الصّلبة
للنّهوض بعلوم اجتماعيّة أداتيّة ونقديّة تتجاوز
الاستشراق والاختزال، ولا تقارن بين العرب
والغرب ضمن معايير ص ء وجامدة وتستشعر عن
بعد بأن لدى الأوّل عجزًا مقارنةً بالثاني، ولا تطبّق
نظريّات اجتماعية على العرب تمّ صياغتها في بقاع
أخرى، بل تعمل على استحداث نظريّة اجتماعيّة
ترفد الفكر المعاصر، ويشارك في كتابتها المفك رون العرب، كي يساهموا، ولأوّل مرّة، في التراث العالمي
للعلوم الاجتماعيّة. بقي أن نذكر بأنّ العلوم الاجتماعية كما نعلم، حسّاسة
بطبيعتها للمفاصل التاريخيّة والخصوصيّة الثقافية
والبنى الاجتماعيّة وسمات الشخصية وتفاعلاتها
الاجتماعيّة. وعليه فإنّ النظريّة الاجتماعية التي
ندعو لها تساهم في تحليل ذلك وتفسيره ضمن قدرةٍ منهجيّة عالية وكونيّة التوجه وقادرة على تطوير
مدرسة جديدة تؤسّس لفكر اجتماعي عمراني جديد،
يتدارس في إطار لمحيّ وعولمي كيفية تشكّل الظواهر الاجتماعية والأنماط الجديدة للمشاركة السياسيّة
التي بدأت تعتمد أكثرَ فأكثر على الديمقراطيّة بالاتجاه
الصاعد وعلى مسألة المساحات المحرّرة للتعبير
«الرّأي» و«العامّ» في مسوحات الرّأي العامّ
السياسي التي استطاع المجتمع المدني أن يفتكّها من الحكومات، وأخيرًا على أهمّية التشبيك في تشكل
الهويّات الجماعية والفعل الجماعي، ومن ثمّ المساهمة
في التغ الاجتماعي والسّياسي.
الرأي العامّ: البحث عن إطار للدلّالة
في مسوحات الرأي العامّ هناك مقاربتان، أولاهما
تأخذ بالتقليد الشّائع لاستطلاعات الرّأي، نظريًّا،
تفترض هذه المقاربة أنّ السلوك البشري بكلّ تعقّداته يمكن تحديد معالمه والإمساك بمفاتيحه عن طريق قانون الاحتمال والسببيّة، إذ تساعد
استخداماته في تفسير التباينات التي تفرزها نتائج المسوحات والتوزيعات التي يمكن استخلاصها
للشرائح الاجتماعيّة المختلفة عند نقطةٍزمنية
محدّدة، مع استخدام التقنيات الإحصائيّة ومعالجة
البيانات وتبويبها كإطار منهجي للتحقّق من الاحتمالات الممكنة. وتفرّق المسوحات التي تلتزم بهذه المقاربة بين الرأي
العامّ والرأي الخاصّ. الأوّل يعني توزيع الآراء
المقاسة وفق خصائصَ محدّدة (الخلفيّة التعليميّة،
المهنة، العمر، الجنس، الخلفيّة الاقتصاديّة،..إلخ)،
أمّا الثاني فيتمثّل في مواقف الفرد وقيمه الذاتية كما
يع عنها المستجيب. مثل هذه المقاربة تأخذ بها عادةً المسوحات الموسّعة
لقياس الرأي العامّ، ومن ضمنها المسح الأوّل
للمشروع العربي لقياس الرأي العام.ّ خلافًا لذلك، نجد أنّ المقاربة الثانية لمسوحات الرأي العامّ تفترض نظريًّا أنّ الرأي الفردي والفعل
الإنساني ينبع أساسًا من دافعيّة محدّدة ومن تصوّر
إبستمولوجي محدّد للظّواهر يحكم بالأساس نوعيّة
موقفها تجاه ذلك (نظرة الإنسان لنفسه، للآخر
الاجتماعي، وللمتغ ات والظواهر التي تحيط به
طبيعيّة كانت أم اجتماعيّة وثقافيّة). كما تفترض هذه
المقاربة أنّ فهم المواقف للشرائح الاجتماعيّة المختلفة
حيال ذلك والتعرّف على ديناميتها وتوزيعاتها لا يتم
إلا من خلال اختبار سياق الرأي والفعل، وذلك
يتطلّب أساليبَ منهجيّة معمّقة سنعود لمناقشتها في
الصّفحات القادمة. وتحاول مثل هذه المقاربة في عديد الحالات أن تتزاوج مع المقاربة الأولى (التزاوج بين النّوعي والكمّي)
لقياس الرأي العامّ، من خلال توفير فرضيّات
القياس الكمّي وتأطيره ضمن تصوّر مفاهيمي
لعمليّة الاختبار من أجل تحقيق صدقيّة أفضل
للنتائج التي يفرزها الاستطلاع الميداني للرّأي العام،ّ
ومن أجل إثراء عمليّة تحليل تلك النتائج وتفسيرها
وعدم الاكتفاء بالجانب الوصفي. ولكن، بغضّ النظر عن المقاربة المتّبعة لنتساءل
أواّلً: بأيّ معنى يمكننا الحديث عن هذا (الرأي
العامّ) الذي نحاول قياسه والذي ترصد له الدول
والمؤسّسات الميزانيّات الضّخمة لمحاولة التعرّف على
مواقفه وتلمّس أبعاده؟ ما الذي يعنيه هذا المصطلح؟
ألا ينبغي أن نفهمه قبل أن نعمل على قياسه؟ في حقول الفكر الاجتماعي عمومًا، وبالأخصّ الفكر
السّياسي، نلاحظ أنّ المصطلح الأكثر استخداما
من غيره والأقلّ فهامً هو مصطلح الرأي العام.ّ
وفي الوقت الذي يشكّل فيه أحد المفاهيم الأساسيّة
للنظريّة الديمقراطيّة إلا أنّه من الصّعب إيجاد تعريفٍ
جامع وشامل له. إذا أخذنا بمعنى الرأي العامّ كمضمونٍرمزي، فهو
من دون شكّ مصطلح ألسني/ لغوي بحت، ولكن له شرعيّة سياسيّة واسعة. وفي الوقت الذي نسلّم فيه بأنّه ليس بحاجة ملموسة،
إلا أنّنا لا نذهب بعيدًا لنعني نفي وجوده كما يوحي
بذلك عالم الاجتماع الفرنسي، إذ إنّ مثل هذا
التسليم لن يساعدنا على فهم ما يجري. بديال عن ذلك نؤيّد المدرسة الفكريّة التي تعتقد أنّ الرأي العام
ظاهرة اجتماعيّة ومعمار اجتماعي إضافةً إلى كونه
إنشاءً ذهنيًّا..، وهو واقع يتج بما يقوم به الناس
ولا يوجد مستق عن الفعل الإنساني. نبقى في المضمون الرّمزي للرأي العامّ كي نتساءل ما
الذي يمنحه هذه القوّة؟ الجواب هو هذا الاستخدام
اللغوي الشّائع والمدركات المصاحبة له والتي تجعل
منه واقعًا لا يمكن التّغاضي عنه، وبهذا تسمع من
يقول إنّ الرأي العامّ مهتمّ بهذا، ويفضّل ذاك، ويدعم
هذا الا اه، وله مواقف صريحة من حدثٍ مع، أو
هّنو ضدّ ما تقوم به الحكومات من إجراء معي. كلّ ذلك يعطي الرأي العامّ صفة رأس المال
الرّمزي في المجتمع المعنيّ. ولكن مثل هذا التحليل
لن يساعدنا كثيرًا في التأطير النظري وعمليّة
المفهمة لمعنى الرأي العامّ الذي نحاول قياسه قبل
النزول إلى الميدان، وهذا ما نحاول توفيره في إطار المشروع العربي. في اعتقادنا، يجب أن تنحوَ عمليّة المفهمة المنحى
السوسيولوجي، وتبدأ في تفكيك مفردتي الرأي العام
كلّ على حدة وفي فهم العلاقة بين المفردتين، ومن ثمّ إعادة تركيبهما من جديد، " الرأي " و "ّالعام " في
مصطلح الرأي العام.ّ لنبدأ بمعنى " الرأي " فهو كما نراه؛ يقف على ساقين،
إحداهما فكرة " القدرة على التفكير بشكل مستقل
وبقدر عال من التحكّم في القرار " وأن يكون للفرد أفكاره الخاصّة ورؤيته الكونيّة، أو كما يرى العالم. أمّا
الأخرى فهي متمحورة حول فكرة " الاختيار "، وأن يكون للفرد أفضليّاته وقدرته في الحكم على الأشياء
والظواهر بطريقةٍ أو بأخرى، أو أن يأخذ موقفًا من
بين مواقفَ متعدّدة تجاه قضايا خلافيّة، بحيث يحكمه
في ذلك موقعه الاجتماعي وشبكة علاقاته وطبيعة وعيه بالظواهر.
صيف 2012
أمّا مصطلح "ّعام " ومعناه في إطار الرأي العام،ّ
فهو مأخوذ بالأساس من اللاتينيّة وبمعنى " الناس "
أو " المواطنين "، ولكنّه يأخذ كذلك معنى الصّفة
لموصوف، وبمعنى الفضاء المتاح للجميع، على
عكس الخاصّ. وبالنسبة إلى علماء الاجتماع ومنظّري
المجتمع فإنّ (العامّ) في الرأي العامّ هو ما نراه وما
نفعله تحت العين الفاحصة للآخرين. وهو بذلك نقيض (الخاصّ) الذي يكتسي الفعل فيه خصوصيّة
الفرد داخل الأسرة أو المعارف. ومن خلال إعادة تركيب مفرديتَ المعنى الذي
قدّمناه للمصطلح يصبح معنى "ّالرأي العام " بمنزلة
الرّديف لمعنى (الفضاء العامّ) أو (الفضاء العمومي
بلغة الباحثين في بلدان المغرب العربي)، وبكلّ ما يحوي ذلك من ديناميّة اجتماعية للمصطلح، إذ
يعني التفاعل وإبداء الرأي والمواقف وفق الخلفيات والمصالح المختلفة. وبتعبير أدقّ يبقى (الرأي العامّ) بعيدًا عن كونه إنشاء
ذهنيًّا، فهو يتج من خلال المواطنين المتفاعلين
جماعيًّا في إطار الحوار والتداول مشكّلين بذلك
الفضاء العامّ الذي يعدّ بمنزلة الرّحم الذي يولد فيه
الرأي العامّ بتجلّياته المختلفة، وهو فضاء مفتوح يتأثّر
ببنية الفضاءات الخاصّة والموازية والمضادّة، ومتاح
لجميع المواطنين بشكل نظامي أو غير نظامي. لكن بقدر ما استطعنا أن نزيل الغموض عن مصطلح (الرأي العامّ) وأن نضعه في السّياق المجتمعي، فإن
مصطلح (الفضاء العامّ) هو الآخر في حاجة إلى
ذلك، فهناك حديثٌ متواصل عنه، ولكن القليل الذي يحدّد من هو هذا (العامّ) في الحيّز العامّ، إذ
يبدو من خلال مراجعة الاستخدامات السّائدة هو
الأخذ به كمفهوم محايد، متغافلة بذلك عن ديناميّة
"ّالعام " باعتباره مجموعات اجتماعيّة وقوى اجتماعية
محدّدة بوظائفَ محدّدة، وبوعي محدّد، ومختلفة في
طبيعة علاقتها بالدولة وفي طبيعة تبّها الذاتي
«الرّأي» و«العامّ» في مسوحات الرّأي العامّ
على مستوى الخطاب، وفي رؤيتها الكونيّة ومنظورها
لعمليّة التغيير. تأسيسًا على ذلك، يبقى السّؤال
الذي نطرحه أمام القائمين على بحوث الرأي العام
ومسوحاته هو كيفيّة التعرّف مسبقًا وبقدر من
التّحليل المعمّق والبحث النّوعي عن الفاعلين في
الفضاء العامّ في المجتمع المدروس، وما الذي يحدث
لذلك (العامّ) من تفاعلات وتطوّرات ومواقف من
منظور علاقات القوّة ومعادلتها المتغ ة. وفي ذلك
دعوة إلى الابتعاد عن التسليم بأنّ الجميع يتمتّعون
بالحقوق نفسها في ذلك الفضاء العامّ، فذلك منظور
معياري لما يجب أن يكون عليه الأمر، وقد يصلح، مثلما تصوّره Habermas Jurgen للمجتمعات
الغربيّة ذات الديمقراطيّات الراسخة والتمثيليّة
العالية، ولكن الأمر مختلف بالنسبة إلى المجتمعات غير المستقرّة كمجتمعاتنا التي لا يزال الفضاء العام
فيها غير نظامي، وهنالك خلافات وتفاوتات وتحالفات وتناقضات متحرّكة بين الجماعات
المختلفة، وخاصّةً في ظلّ التغ ات السياسيّة الحاليّة
في الوطن العربي. من هنا، نجد ضرورة في التّنبيه إلى أنّ هذا (العام)ّ
لا يكفي قياسه من خلال تقسيمه بحسب الخلفيّة
الاقتصادية والتعليمية والعمر والجنس، إذ إنّه أعمق من ذلك بكثير، وموجود في شكل طبقات وجماعات مصالح وفروق اجتماعية وتنظيمات مجتمع مدني وقنوات تعبيريّة مختلفة علينا أن نتعرّف عليها. ويعترف الباحثون في أكثر من مكان، بأنّ مسوحات الرأي العامّ، قد جاءت بانتشارها الواسع على حساب
تراجع فكرة (العامّ) وتلاشيها، والسّبب في ذلك أن
الجميع أصبح يبدي اهتمامًا بالنتائج الإجماليّة الوصفيّة
لتلك المسوحات، ولكن من دون مناقشات نظريّة، إذ
أصبحت الاستطلاعات ممُأْسسة في السّياسة، ا أفقد
الرأي العامّ، بالمعنى السوسيولوجي، ديناميّته وحراكه. في الجملة، نودّ أن نختم هذا الجزء من الورقة بالقول
إنّنا في مناقشاتنا هذه لا نبغي التقليل من شأن المسوحات الكمّية للرأي العامّ، بل نسعى لتعظيم
عوائدها، ولكننا نعيد التأكيد على ضرورة التّزاوج
بينها وبين المسوحات والأبحاث النوعية، ولسنا من المتحمّسين لإحدى المقاربتين دون الأخرى،
ففي اعتقادنا أ ما تكملّان بعضهما بصورةٍ عضويّة.
كما أنّ الخبرة الطويلة في العمل الميداني قد علّمتنا أنّه
ليس هناك منهجٌ علميّ كميّ صافٍ، إذ يوجد معه
العمل النوعي ولو بنسب متفاوتة في مراحل الإعداد وفي مراحل التحليل، فالعمل العلمي الرّصين هو
الذي يتمكّن من تفكيك الرأي العامّ وإعادة تركيبه
وقياسه للخروج بمعرفةٍ جديدة تُضاف إلى رصيد المعرفة القائمة. وبالشّكل الذي ندعو له دائامً، فإنّ مسوحات الرأي العامّ ذات التوجّه الكمّي يجب أن تصمَّم بناءً على
جملة فرضيّات تنحو با اه معرفة السّبب والنتيجة
ومن ثمّ القيام بعمل التعميمات والتوقّعات، في حين
أنّ البحوث النوعيّة تحاول فهم التفاعلات الاجتماعيّة
التي تولد الرأي العامّ، وتعمل على تفسيرها. وفي مجال تحليل البيانات ينحو التوجّه الكمّي إلى
تحديد العلاقات الإحصائيّة في حين أنّ المدخل
النوعي يعمل على تشخيص الأنماط والمظاهر
والثيمات قيد الدرس. ويتج الاختلاف بين المقاربتين بشكل أكثر وضوحًا في مسألة جمع البيانات،
إلا أنّ ذلك من وجهة نظرنا يمكن أن يخضع للتوافق وإيجاد منهج مشترك عن طريق العيّنات الفرعيّة التي
يجري اشتقاقها من العيّنة الكلّية للمسح لإجراء
التحليل المعمّق للظّواهر المدروسة بجانبيها الكمّي
والنوعي. وإذا ما كان الكمّي متمسّكًا باعتماد
معايير قياسيّة محدّدة وباستخدام أساليبَ علميّة
مقنّنة لتطبيق الاستبيانات وجمع البيانات الخاضعة
لمعيارَي الصّدق والثّبات، فإنّ المسح النوعي يفضّل
جمع البيانات عن طريق تدوين الملاحظات الميدانيّة
ودراسة السّلوك والمواقف في البيئة الطبيعية أو من
خلال الملاحظة عن طريق معايشة الجماعة المبحوثة، أو عن طريق منهج دينامية الجماعة وإجراء المقابلات
الشخصية بصورةٍ جماعيّة وتفاعليّة للخروج بالآراء
المختلفة للرأي العامّ وشرائحه المختلفة. وأخيرًا
عن طريق استجواب الأفراد بواسطة استبيانات
مفتوحة الط.ّرف وباختصار إذا كان هدف المسوحات الكمية للرأي
العام هو (وصفٌ وتوضيحٌ وتوقّع) فإنّ هدف
المسوحات النوعيّة هو (التحقّق والاستكشاف
وإنشاء العمران المعرفي). وهنا يبرز التكامل في أجلى صوره، فالبحث النّوعي من خلال مقاربته التحققيّة
والاستكشافيّة للسلوك البشري باعتباره ديناميًّا
وحينيًّا واجتماعيًّا وفردانيًّا يستطيع أن يؤسّس لرؤى
نظريّة وفرضيّات يجري اختبارها من خلال البيانات
المقنّنة لعيّنة ممثّلة من المجتمع، كي يتمّ تعميمها على
مجموع المجتمع الأصلي. وبتعبير أدقّ، فإنّ مثل هذا التوجّه يوفّر تب ا
في الدينامية الاجتماعية للرأي العامّ، وفي السّياق
المجتمعي للأسئلة التي تحاول الاستبيانات التحقّق منها، ويعيد للرأي العامّ حيويّته في إطار تصوّر
واضح للتفاعلات الجارية في الفضاء العام والقوى
الاجتماعية المؤثّرة في ذلك، والتي يجب إخضاعها للاختبار من خلال العمل الميداني.
المشروع العربي لقياس الرأي العامّ: البحث عن إطار للعمل
من أجل ترجمة التصوّرات المعياريّة أعلاه إلى واقع
إجرائي، نودّ أن نقف في هذا الجزء من الورقة على
أمرين من أجل المساهمة في مراجعة المشروع العربي لقياس الرأي العامّ وتقويم أدائه وطرح بدائل لتطوير
صيف 2012
عمله والمشاركة في وضع برنامج عمله المستقبلي. الأمر الأوّل، هو مراجعة نتائج المسح الأوّل
للرأي العامّ العربي الذي تمّ نشر تقريره الأولّي
أخيرًا والوقوف على كيفية النّهوض بأداء مثل
هذه المسوحات الكمّية وتعزيز مردودها والتأكّد
من معياري الصّدق والثّبات في عمليّات الإعداد
والتّنفيذ وتحليل النتائج والتّعميم. أمّا الأمر الثّاني فيتجسّد في محاولتنا تحديد أولويّات
البحوث والمسوحات النوعيّة التي يمكن أن يقوم
بها المشروع العربي لتكون بمنزلة التغذية الراجعة للمسوحات الكمّية. ولكن قبل أن نعرض لذلك، نجد نفسنا أمام سؤال بالغ الأهمّية يحتاج إلى إجابة: ما هي أوجه الانتفاع بمثل هذا المشروع المسحي الضّخم؟ وما هي طبيعة العلاقة بين منتجي البيانات وبين مستخدمي تلك البيانات؟ ومن هي تلك الجهات المستخدمة لنتائج المسوحات الميدانية للرأي العامّ العربي، أو المستفيدة
منها؟ ولتوفير إجابة عن هذه الأسئلة، كيف يمكن أن نحدّد إطار عمل للمشروع العربي؟ لا أحدَ يعترض على أنّ الانتفاع بنتائج البحوث له علاقة بمفهوم ومنظور التغ الاجتماعي والحراك
السّياسي في البلد المعين وبطبيعة العلاقة الموجودة بين
البحث والتطوير كمحرّكات أساسيّة للتقدّم. وفي كل الأحوال، هناك ثلاثة أنماط للانتفاع الذي قد تحدثه أعمال المشروع العربي لمسوحات الرأي العام،ّ
أولّها أداتي، وثانيها مفاهيمي، وثالثها رمزي. الانتفاع الأداتي بنتائج المسوحات هو في إطار الاستخدام المباشر للمعرفة البحثيّة، وتشير عادةً إلى
التطبيقات الملموسة في السّياسات العامّة أو القطاعيّة،
والتي قد تتج في شكل قرارات محدّدة بالاعتماد على
معطيات المسوحات، أو في شكل معرفة مساعدة تفيد في تحسين كفاءة التدخّل لتطوير الخدمات أو إعادة
«الرّأي» و«العامّ» في مسوحات الرّأي العامّ
النظر في العلاقة بين المواطن والدولة أو إيلاء الفئات
المحرومة برامجَ خاصّة...إلخ. وبتعبير أدقّ، فإن
الأداتيّة في الانتفاع هي بمنزلة ترجمة البحث الميداني
ونتائجه إلى شكل مادّي وقابل للاستخدام. وقد تكمن العثرة الرّئيسة في هذا التصوّر من خلال
طرح التّساؤل المشروع عن حجم الاتّساق بين
السّياسات الحكوميّة في بلداننا العربيّة ونبض الرأي
العامّ ومداه. من المألوف في الحكومات الديمقراطيّة المنتخبة أن
المساءلة العموديّة هي أساس الشرعيّة، وعليه من
المفترض أن تكون هناك درجة عالية من التفاعل الإيجابي بين الحكومة والرأي العامّ. إلا أنّ الدلائل
الأمبريقية على ذلك تبقى مختلفة، فالبعض من الدراسات أوضح أنّ هناك اتّساقًا بين السياسات الحكوميّة ومواقف الأغلبيّة التي يع عنها الرأي
العامّ، في حين تشير دراساتٌ أخرى إلى وجود درجة
متدنّية في مثل هذا الاتّساق. ولكن، لا يعني ذلك أن الحكومات الديمقراطيّة تتجاهل الرأي العامّ، ولكن
من المحتمل أن يولي السياسيّون اهتمامًا بموقف
الرأي العامّ من خلال قنواتهم الخاصّة ولا يثقون
بنتائج مسوح الرأي العامّ كمؤّات ذات صدقيّة
لا اهات المواطنين ومواقفهم، وقد يفضّلون أنماطًا أخرى للتحقّق من توجّهات الرأي العامّ، كالاعتماد
على آراء النّخبة في إطار ديمقراطيّة التّداول والحوار
في الفضاء العامّ أو بالاعتماد على آراء النّاخبين في
دوائرهم الانتخابيّة أو من خلال استخدام العيّنات
القصديّة لاستقصاء آراء العارفين بالشأن العام.ّ وبالنّسبة إلى الوطن العربي وأنظمة الحكم فيه، فإن
القوّة غالبًا ما تكون مركزيّة، وأنّ الرأي العامّ لا قول
له في إقرار السّياسات الحكوميّة، بل إنّ المواطنين لا
خيارَ لهم فيما يتعلّق بمن يحكم وكيف يتمّ حكم البلاد. وقد يكون مثل هذا التحليل صائبًا إلى حدّ الماضي
القريب، إلا أنّ تلك المعادلة للقوّة لم تعد قائمة
بشكلها الكامل، بل تزعزعت بعد موجة الثورات والاحتجاجات العربيّة، وبعد بروز القنوات الموازية
للمشاركة السياسيّة من خلال شبكات التّواصل
الاجتماعيّة وتعاظم دور قوى الضّغط للمجتمع المدني. من هنا نرى أنّ للمشروع العربي لقياس الرأي
العامّ دورًا بالغ الأهمّية في توفير فهْم أفضلَ للعلاقة
القائمة حاليًّا بين الرأي العامّ العربي والسياسات
العامّة للدول العربيّة في إطار المقطع التاريخي الذي
يمرّ به الوطن العربي، وأن يستكشف أمبريقيًّا كيف
يفهم راسمو السّياسات ومتّخذو القرار العرب
معنى الرأي العامّ، هل يعرفونه بمعنى المسح لمواقف
الّائح الاجتماعيّة المختلفة؟ في المقابل ما هو الدّور
أو الثقل الذي يعطيه متّخذ القرار لآراء النّخبة خارج
الحكم في الحيّز السّياسي أو المدني؟ وهل يعدّون ذلك
ممثاّلً للرّأي العامّ؟ هل أنّ متّخذي القرار يعرفون
الرأي العامّ من خلال اعتبارات أخرى مبنيّة على
الانتماءات الفرعيّة (دون الوطنيّة) القائمة على
الولاءات والاعتبارات القبليّة والأثنيّة والجهويّة
وعلى جماعات المصالح؟ تلك أسئلة نقترحها على المشروع العربي لقياس الرأي العامّ ليجيب عنها، ويحدّد حجم الفائدة ومدى
التأثير الذي تحدثه نتائج المسوحات الميدانيّة في تقرير
السياسات العامّة. أمّا أوجه الانتفاع المفاهيمي التي تحصل من جرّاء
استخدام نتائج مسوحات الرأي العامّ العربي، فهي
تلك التي نراها على مستوى تعميق التبّ، والتي
تجهّز البحث العلمي ومراكزه بالنتائج المتقدّمة كي
تساعد على تعميق البحوث التطبيقيّة، ووضعها
في سياقات مجتمعية كلّية كما تساهم في تطوير البناء النّظري للعلوم الاجتماعيّة في الوطن العربي. والعلاقة
بالانتفاع في هذه الحالة هي إدراكيّة وللاستخدام
التحليلي والتّنفيذي وللتّوظيف في إثبات الفرضيّات
أو دحضها، ودعم القدرة على تفكيك الظ واهر وتحليلها وتركيبها. من الناحية العمليّة، وفي سبيل تحقيق أقصى قدر ممكن
من الانتفاع المفاهيمي والمعرفي من نتائج مسوحات الرأي العامّ للمشروع العربي، فإنّ فكرة إقامة
قنوات حوار مع مراكز البحوث للعلوم الاجتماعيّة
في البلدان العربية تصبح ذات جدوى، وذلك من أجل إنشاء علاقة مباشرة بين منتجي البيانات وبين مستخدميها الرّئيسين، والتعرّف من خلال التفاعل
على كيفيّة تحقيق أقصى قدر ممكن من التّنسيق، وعلى
الأولويّات التي توليها مراكز البحوث العلميّة أهمّية
من دون غيرها من بحوث الرأي العامّ، والأهمّ من
ذلك، توزيع العمل ووضع خطط مشتركة تقوم من خلالها تلك المراكز بإجراء البحوث النوعيّة التي
تغذّي المسح الإقليمي للرأي العامّ العربي وتؤطّر له
مفاهيميًّا في مراحل التّصميم، كما تعمل على إجراء
التحليلات المعمّقة لنتائجه. باختصار، إنّ الرصيد المتراكم من البيانات المقارنة
التي سيتمكّن المشروع العربي من توفيرها سيحقّق تقدّمًا ملموسًا في تزويد حركة البحث العلمي في
العلوم الاجتماعيّة بالبيانات الأساسيّة ويساعدها
في التّقليص قدر الإمكان من الاعتماد على البيانات
الإجماليّة الثانويّة والتقديرات الخارجيّة التي
تسيء إلى رصد واقع الرأي العامّ وأوضاع الفرد
بتجلّياتها المختلفة السياسيّة والاجتماعية -
الاقتصاديّة والثقافيّة. وفي إطار المقطع التاريخي الرّاهن الذي يمرّ به
العمران السّياسي والمجتمعي العربي وما شهده من
تحولّات جذريّة وهيكلية حادّة لا تزال عصيّة على
التحليل النظري، فإنّ نتائج مسوحات الرأي العام
العربي ستساعد في توفير مؤّات لمدى نجاح مسار التحوّل الديمقراطي أو إخفاقه في البلدان العربيّة
ذات العلاقة، ومدى إمكانيّة ترسيخ دعائم ذلك
صيف 2012
الانتقال وتثبيتها با اه حكم ديمقراطي حقيقي
يضمن التّداول على السّلطة والتّداول على الكلام في
آنٍواحد. كلّ ذلك يمكن أن يساهم في تعميق البحوث في
العلوم الاجتماعيّة لاستخراج معاييرَ تفيد في عمليّات
البناء النظري في قضايا محوريّة للمجتمع الديمقراطي
كالتسامح واحترام التعدديّة والمسؤوليّة الاجتماعيّة
للقوى السياسيّة والاقتصاديّة ومدى تمتّع النّخب
العربية بالقيم الديمقراطية وقوّة التنظيم الاجتماعي -
السياسي للمجتمع المدني العربي، وتشخيص العوامل
التي تدفع با اه تعزيز تلك القيم في المجتمع المع أو
تلك التي تعمل ككوابح أمام تنامي تلك القيم. ولعلّ الأهمّ من ذلك كلّه هو ما يمكن للمشروع العربي
أّين يقوم به من دور مستقبلي حين يصبح بإمكانه تول
مهام " المرصد الإقليمي " لمراقبة التطوّرات السياسية
والاقتصادية - الاجتماعية والثقافية وتقييمها، بحيث
يُبنَى على نسق من المؤّات الكمّية والنوعيّة كي يحلّ
محلّ المراصد الأجنبيّة التي تتو قياس التطوّرات في
الوطن العربي من دون درايةٍ كافية في غالب الأحيان. ويفيد المرصد الإقليمي كذلك في إجراء المقارنات
بين البلدان العربيّة وتوفير مقياس INDEX للانتقال
الديمقراطي والحرّيات والحَوْكمة يطوّره فريق من
الخبراء العرب في التخصّصات ذات العلاقة في
العلوم الاجتماعيّة والإحصاء. تلك بعض العلامات على إمكانية الانتفاع المفاهيمي
لمسوحات الرأي العام العربي، أمّا وجه الانتفاع
الثالث فهو الانتفاع الرمزي الذي يفيد في عمليّات
إنتاج المعنى، إذ بإمكان جماعات الضّغط في المجتمع
المدني توظيف نتائج المسوحات كأداة سياسيّة،
فالمعلومات عن الا اهات السياسيّة والأحوال
المعيشيّة ونمط القيم والسلوك السّائد وأوجه المعاناة
والإقصاء الاجتماعي تساعد إجماالً في توفير دلالات
رمزيّة تساهم في توسيع مساحة النقاش في الحيّز العام،ّ
وتعمل على تعزيز دور القنوات الجديدة للمشاركة
«الرّأي» و«العامّ» في مسوحات الرّأي العامّ
السياسيّة عبر التّواصل الاجتماعي وزيادة مساحات
التّعبير عن آراء المواطنين وحاجاتهم على اختلاف
شرائحهم (رجاال ونساءً)، وإغناء المساهمة في إبداء
الرأي في الأداء الحكومي وأداء الأحزاب وتنظيمات المجتمع المدني وفي العلاقة بين الدين والدّولة والدين والسّياسة. كلّ ذلك جدير بأن يساهم في إنشاء قنوات
جديدة تعمل على تعزيز دور رأس المال الرمزي في التّواصل السّياسي وإجبار الحكومات على الإنصات
لصوت مواطنيها عند صياغة السّياسات والبرامج،
وباختصار توسيع قاعدة المساءلة المجتمعيّة. وفي اعتقادي، يجب أن يأخذ المشروع العربي أوجه الانتفاع الثلاثة المشار إليها أعلاه بعين الاعتبار، وأن لا يقتصر في تحديده للانتفاع المعرفي بنتائج مسوحات الرأي العام عن طريق حصرها في الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية كما توضّح أدبيّاته ذلك، إذ نعتقد
أنّ هذا التوجّه على الرّغم من أهمّيته، كما أوضحنا،
هو توجّه أحادي يغفل إمكانات الانتفاع الأخرى. وغايتي من ذلك التأكيد على ضرورة إيلاء الجانبين الأداتي والمعياري المؤدّي إلى البناء النظري والفكر
النقدي المكانة نفسها، ويعني هذا المساهمة في إنشاء علاقة جديدة بين البحث والتطوير على مستوى
السياسات العامّة، والضغط با اه خلق علاقة ندّية
بين الباحث العربي ومتّخذ القرار، وبين قوى الضّغط
الاجتماعي والحكومات، والدّفع با اه ا اذ قرارات على أسس موضوعيّة تستند على الاختيار العقلاني
للتّوظيف الأمثل للموارد والعدالة في التوزيع. ويتطلّب ذلك كلّه أن يتمتّع المشروع العربي بصدقيّة
من خلال التأكيد على جانب (النوعيّة) في البحث
العلمي والمسوحات التي يعمل على تنفيذها كي يكتسب صفة المرجعيّة الإقليميّة لبيانات العلوم
الاجتماعيّة، وذلك ما نحاول تبيانه أدناه.
المسوحات الكمّية
نحاول بقدر شديد من الإيجاز التعرّض في هذا الجزء
من الورقة بالتحليل والنّقد للإنجاز الوليد للمشروع
العربي والمتمثّل في المسح الإقليمي للرأي العام
العربي الذي أجراه في عدّة دول عربية وقام بنشر
تقريره الأولّي أخيرًا. وستنحصر ملاحظاتنا بالجوانب الفنّية من أجل
تعزيز مبدأَي التحكّم في النوعيّة والتأكّد من النوعيّة
وضمان العلميّة في المنهج والموضوعيّة في الطّرح
والدقّة في الاستنتاج والاستفادة من ذلك في الجولات المسحيّة القادمة.
وبمزيدٍ من التدقيق، نلاحظ أنّ العناصر الثلّاثة
المترابطة في المسوحات الميدانيّة التي تستحقّ المراجعة
هي اختيار العيّنة وجمع البيانات، والتقديرات. ومن المتعارف عليه أنّ حجم العيّنة ومدى تمثيليّتها
أمران متّصلان، ولكنّهما مختلفان، إذ إنّ قدرة عيّنة
المسح لتمثيّل المجتمع الأصلي تعتمد أساسًا على إطار
الاشتقاق الذي يجب أخذه بالاعتبار، وبدقّة، تجنّبًا
للتحيّز في الاختيار، ومن ثمّ الفشل في تمثيل جميع
فئات المجتمع المستهدف مما يعيق عمليّة التّعميم
وتمثيليّة المجتمع الأصلي. في مسألة اختيار العيّنة، لن نناقش مجال التمثيليّة
في الاشتقاق، فقد تمّ، كما توضّحه مقدّمة التقرير
الأولّي للمسح، اعتماد المنهج العلمي والتحك م في
النوعيّة في اختيارها كعيّنة عنقوديّة متعدّدة المراحل
وبهامش خطأ %3.5 وبحجم تمّ تحديده (وفق
معايير متعارف عليها في العمل الإحصائي) بنحو
16.173 مستجيب لتمثيل المجتمع الك في البلدان العربيّة التي شملها المسح (الجزائر، ومصر،
والعراق، والأردن، ولبنان، والمغرب، وفلسطين -
الضفّة الغربيّة وغزّة، والمملكة العربيّة السعوديّة،
والسودان، وتونس واليمن). ونقترح على المشروع
العربي مستقبالً أن يتمّ نشر تقرير إستراتيجيّة اشتقاق
وتطبيقات العيّنة بالتوازي مع نشر التقرير المعني
بالنتائج، وكما هو مألوف في الأعمال المسحيّة المشابهة. ما نودّ مناقشته بدالً عن ذلك، هو مسألة التأكّد من
النوعيّة Quality Assurance، وضرورة إجراء
الاختبارات للتأكّد من تمثيليّة العيّنة بعد الانتهاء من
العمل الميداني وجمع البيانات. وفي العادة، فإنّ اختبارات التأكّد من النوعيّة تكتسب
أهمّية إضافيّة عندما يكون المسح إقليميًّا ويشمل
أكثر من عيّنة ويتمّ تنفيذه عن طريق أكثر من فريق
عمل، وذلك لضمان الصّدق والثّبات في اختيار
العيّنة والتحقّق من المجاميع التي تم استجوابها
وإذا ما كانت على جانب عال من الاتّساق مع
التوزيع الحقيقي في إطار مجموع السكّان للمجتمع الأصلي، ونقوم باختبار الخصائص الأساسيّة للعيّنة
(العمر، الجنس، الخلفيّة التعليميّة) من أجل تصحيح
الخصائص والنّسب الديموغرافيّة، وإذا لم تفلح
واحدة من تلك الخصائص في اجتياز الاختبار وفق الأوزان التي تعطى للبيانات، فمعنى ذلك أنّ هناك
خطأً في اختيار العيّنة، ويجب التّعديل وجعلها مرّة
أخرى ممثّلة للمجتمع الأصلي. ومن بين الاختبارات
الإحصائيّة المتّبعة في التأكّد من النوعيّة اختبارات
مربع كاي التي يعرفها المختصّون. ومن المتعارف
عليه أنّ مثل هذا التقليد الإحصائي للتأكّد من نوعيّة العيّنة يجري توضيح نتائجه في مقدّمة تقارير
مسوحات الرأي العامّ المنشورة كي تتمّ طمأنة القارئ
على مدى صدقيّة العيّنة ومحدوديّة هامش الخطأ فيها،
ومن ثمّ الصدقيّة العالية في النّتائج. إلا أنّ ذلك لم
يحدث في حالة التقرير العربي. ولعلّ المجال الآخر الذي يستحقّ منّا مناقشة
معمّقة هو ذلك المتعلّق بجمع البيانات وتصميم
استبيانات مسح الرأي العامّ، والذي يرتبط بمدى
دقّة التقديرات وتحليل النتائج إذ سنبدي جملة من
صيف 2012
الملاحظات بهذا الشأن نأمل أن يأخذ بها المشروع العربي في مسوحاته القادمة. الملاحظة الأولى هي تلك المتّصلة بتصميم
الاستبيانات والتي يجب أن يسبقها، في نظرنا، العديد من أوراق العمل للتحليل السوسيولوجي والنفسي والسّياسي للشخصيّة العربية وللفرد العربي من
منظور مدى امتلاكه للشخصية المستقلّة المتحكّمة
وكذلك Autonomous Personality في قرارها
مدى الوعي بالقضايا المطروحة والعلاقات التي
ييودّ أن يتضمّنها الاستبيان، إضافةً إلى كيفيّة تجل
تلك القضايا في المجتمع، وما هي الأبعاد التي يجب الاستقصاء بشأنها، وكيف يمكن أن ينسحب ذلك
كلّه على بناء الاستبيانات. ففي حالة استقصاء الرأي العامّ العربي بشأن الانتقال
الديمقراطي أو الحوكمة والأداء المؤسسّي على سبيل
المثال، وهي قضايا تشغل الفضاء العامّ يوميًّا، يجب
أن يأخذ المشرفون على تصميم الاستبيانات بالاعتبار أنّ خصوصيّة السّياق السياسي والاجتماعي لعمليات
التحوّل أو الإصلاح تعني أنّ الغرض من المسح ومن
ثمّ محتوى الاستبيانات سيختلف بصورةٍ جذريّة
عن المعايير الأكاديميّة للبحوث المسحيّة المشابهة في
الديمقراطيات الغربيّة. ويعني ذلك من بين ما يعنيه ضرورة طرح أسئلة تحاول
التحقّق أواّلً وقبل كلّ شيء من أبعاد التحولّات
الجارية. فبدالً من أن نسأل المستجيب عن رأيه في: كيف تسير عملية التحوّل الديمقراطي، ومدى رضاه
عن ذلك في بلده أو في الوطن العربي، نفضّل أن
نطرح عليه السّؤال التالي: ما الذي يحدث سياسيًّا في
نظرك؟ ثمّ ندرج ثلاثة أو أربعة احتمالات ليختار من
بينها، وبعد أن كنّا قد استقينا تلك الاحتمالات من
أوراق العمل الممهّدة لوضع الاستبيانات. ولا جدال في أنّ مثل هذه الأسئلة البديلة ستساعدنا
على أن نقف على تطوّرات التحولّات أدقَّ وقوف،
«الرّأي» و«العامّ» في مسوحات الرّأي العامّ
ومعرفة رأي الّائح الاجتماعيّة المختلفة وموقفها
من ذلك. وبتعبير أدقّ فإنّ هذه الأسئلة البديلة ستفرز الديناميّة القائمة وتعطي أهمّية ل (السياسي)
وأثره في تشكيل الأوضاع المؤسسيّة والاقتصاديّة
والاجتماعيّة، على عكس الأمر في الديمقراطيات
المستقرّة، عندما يكون السّياسي تابعًا للمؤسسّي
والاقتصادي والاجتماعي. ولعلّ الأهمّ من ذلك هو ضرورة أن نطرح على
أنفسنا في مرحلة إعداد الاستبيانات تساؤلات أساسيّة من قبيل: كم يعرف عامّة الناس في
المجتمعات المدروسة؟ وما الذي يدركونه عن الديمقراطيّة والسّياسة؟ فمن المنظور السوسيولوجي نلاحظ أنّ شرائح
عريضة وواسعة في المجتمعات العربية، وخاصّة
الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل من الطبقة المتوسّطة،
ترى السّياسة الحياة وإستراتيجيّة البقاء والتّعامل
مع اليومي وغلبة الذاتي على الموضوعي، في حين
أنّ منظور السّياسة قد يكون مختلفًا لدى شرائح
اجتماعيّة أخرى. إنّ الإجابة عن هذه التّساؤلات تدفعنا إلى أن
نقترح على مصمّمي الاستبيانات للمسح العربي
للرّأي العامّ أن يقوموا بتحوير الأسئلة التي
تتضمّنها بنود الاستبيانات والمصمّمة بالأساس
لاسترجاع معلومات لدى المستجيب عن المؤسّسات
والسياسات والأبعاد الأخرى للحكم ولعلاقة
الفرد والدولة، كي يتمك ن المسح الميداني من القياس الدّقيق لحجم المعرفة السياسية لدى الشرائح المختلفة
والتي يمكن تقديرها في رأينا من خلال إضافة مصفاة filter لأسئلة الاستبيانات التي تتعامل مع إبداء الرأي بالشّأن العام.ّ فعلى سبيل المثال، إذا كان السّؤال هو: في رأيك هل أن
الحكومة تتعامل إيجابيًّا أم سلبًا مع تنظيمات المجتمع
المدني؟ نضيف على ذلك " أم لم تتح لك الفرصة
للتحقّق من ذلك "؟ أو " أنّك لا تكترث بذلك ". والمتأ عن هذا بطبيعة الحال، هو إعطاء الحرّية لمن
لا رأي لهم بشأن البند المع الإفصاح عن ذلك
وتشجيعهم على إبداء رأيهم الحقيقي، إذ إنّ عقلانيّة
الأفراد مرتبطة بما لديهم من معلومات وبالمحدوديّة
الإدراكيّة للتمثّل والاسترجاع الذّهني. ولا جدالَفي القول إنّ مثل هذا التحوير في الاستبيانات الذي يأخذ واقع الخصوصيّة ويطابق
الواقع العربي سيزيد في مساحة الإجابة ب (لا أدري)،
إلا أنّنا سنتعامل معها في عمليّة التحليل بطريقةٍ
مختلفة. ففي الوقت الذي يوفّر هذا النّسق من الأسئلة
زادًا معرفيًّا للباحثين في العلوم الاجتماعيّة ومتّخذي
القرار ومنظّمات المجتمع المدني بخصوص حجم رأس المال السياسي ورصيده في المجتمعات العربيّة
أو المخزون الشعبي والوعي بالظّواهر السياسيّة، فإنّه
سيساعد كذلك في النّظر إلى الاستجابات الواردة في
حقل (لا أدري)، إمّا كبيانات ناقصة أو كاستجابات
حقيقيّة تأخذ مكانها في مدرج الاستجابات وتخضع
لعمليّة التّحليل والتّفسير. ولا يقلّ أهمّيةً عن ذلك ضرورة تطعيم الاستبيانات بأسئلة لاستشراف المستقبل لدى المستجيب، إذ إن معظم المواقف والقرارات التي يأخذها الفرد بالنّسبة
إلى القيم غير المستقرّة تتضمّن حالةً من عدم اليقين،
وعليه فهي لا تقتصر على الخيارات الآنيّة كما تحاول
أن تستقصيه مسوحات الرأي العامّ، بل على توقّعات
العوائد المستقبليّة، وهي احتمالات وتوقّعات
مستبطنة يجب استكشافها وفهمها لدى الفرد العربي، وتفيد في التحليل السوسيولوجي والاقتصادي - الاجتماعي والسياسي إلى جانب أهمّيتها في رسم
السّياسات العامّة. وعليه فإنّ أسئلةً من قبيل الآتي
تصبح ذات دلالة (ماذا تتوقّع، هل سيتحسّن دخلك
مستقبالً، يبقى على حاله، أم سيكون أسوأ)، والأمر ينسحب كذلك على نواحي الأسئلة الأخرى التي
تستقصي الرأي الفردي في الأوضاع العامّة. ولكي نحتاط من تنزيل مفاهيم على الفرد العربي لا
تتطابق مع واقع مواطنته وما توفّر له من استطاعةٍ أو وهن، فنقترح ركوب الدّرب الصّعب والعمل
على دراسة الخصائص السيكولوجيّة للاستجابة
وأخذ المواقف لدى الفرد العربي في مرحلة تصميم الاستبيانات ووضع الأسئلة، إذ إنّ هامش الخطأ في القياس المسحيّ ننظر له عادةً من خلال الفرق بين
العائد الملاحظ من سلوك المستجيب وبين القيمة الحقيقيّة للمعلومات التي يحاول أن ينتجها ويقدّمها. وإذ نعرض لهذا الإشكال، نحاول أن نلخّص موقفنا النظري بالآتي: إنّ استقلاليّة الفرد التي تفترضها
بحوث مسوحات الرأي العامّ كأساس للحكم في
المواقف والقيم التي سيختارها المستجيب نابعة أساسًا من تصوّر إبستمولوجي مع للشخصية
المتحكّمة في قرارها، كما أسلفنا، ونابعة من فهم مع للمواطنة التي لها علاقة بحقوق الخصوصيّة
التي ضمنها القانون والتي تحمي حرّية المواطنين في
اختيار ما يريدون أداءَه من فعل أو الامتناع عنه أو
أخذ موقف محدّد منه من دون ضغط مواقع القوّة
في المجتمع أو تأثيرها أو تدخّلها، وفي إطار ثقافة
الثقة وثقافة حقّ الاختلاف.نستنتج من هذا الط رح
النظري أنّ الاستقلال والتحكّم في القرار وإبداء الرّأي هي بأجمعها نمط سلوكي واستجابة طوعيّة
تسكن عادةً في لا شعور الفرد وتنبع منه. وإذا ما كانت تلك هي ملامح الشخصيّة في البلدان
الديمقراطيّة التي نشأت في رحمها مسوحات الرأي
العامّ وتفترض في مواطنيها وجود الاستقلاليّة، فبأي
معنى يمكننا تشخيص الفرد العربي عند شروعنا في وضع الأسئلة في الاستبيانات؟ سيكولوجيًّا، يمكننا القول إنّ الشخصيّة العربية لا
تزال حدود (الفردانية) فيها هشّة، وهناك جانب لا
يمكن إغفاله من ذوبان الفرد في الجماعة، وتداخل
صيف 2012
النظامي وال نظامي في حياته، إضافةً إلى التشوّه
الذي تحدثه سيكولوجية القهر والتي تفرض الرقابة الذاتيّة للفرد على نفسه نتيجة العقود المتراكمة
من آثار العنف الرمزي والمادّي الذي مارسته
الحكومات عليه. من هنا نجد ضرورة التّنبيه إلى التحسّب لمعالجة تلك
الاحتمالات إحصائيًّا، إذ إنّ نسبة قد لا يُستهان بها
من الإجابات ستقف عند حدود " عتبة المقبولية " اجتماعيًّا أو سياسيًّا، والتي يفضّل المستجيب عدم
تجاوزها بدالً من " تعظيم الاختيار " في الإجابة كما
تدلي عادةً الشخصية المستقلّة والمتحكّمة في قرارها،
وفي محاولةٍ منها لإيجاد الخيار المنطقي الأفضل من بين ما هو مطروح. وذلك ينبع عادةً من قناعاتها الذاتيّة،
ومن خلال ما يتوفّر لها من معلومات أو ا يتمّ عرضه
عليها أثناء المقابلة الشخصيّة. والمتأ عن هذا العجز في الاستقلاليّة والتحكّم في
القرار لدى الفرد العربي في سياق شرائح اجتماعيّة
معيّنة، أو ثقافة محلّية معيّنة، ونموذج تحديثي/ تقليدي
مع، إنّ المستجيب قد يبدأ في اختيار إجابته في إطار
من (العقلانيّة بمقدار) ووفق ما تفرضه حسابات
الرّبح أو الخسارة الظرفيّة عند الإجابة، وتكاليف
الاختيار المحتملة المبنيّة على التعظيم في الإجابة. من جانب آخر تؤثّر (عتبة المقبولين الاجتماعية) في الصّدق في النتائج عندما يبدأ المستجيب في توفير
أجوبةٍ تتماشى والميل العامّ، بدالً من أن يوظّف الجهد
الذهنيّ المطلوب لاختيار الإجابات المثلى التي يؤمن
بها للأسئلة المتتابعة. ولا بد من الإشارة بهذا الصدد أن الأمر قد يزداد تعقيدًا في الاستبيانات المطوّلة، والتي تستغرق
بالمعدّل أكثر من نصف ساعة، إذ تتضاءل درجة الدقّة
نتيجةً لتراجع عمليّة التركيز بشكل تدريجي، ويزداد
معها مستوى الخطأ العشوائي. وبمعنى آخر، فإن
درجة الصّدق ستختلف من مرحلةٍ إلى أخرى أثناء
«الرّأي» و«العامّ» في مسوحات الرّأي العامّ
المقابلة الشخصيّة المطوّلة، ومن بند إلى آخرَ بحسب
تسلسله في الاستبيان. ولا يخفى على المختصّ أنّ هناك أساليب إحصائيّة
من أجل التحقّق من كلّ ما ورد أعلاه من احتمالات نابعة من الخصوصيّة العربية ولا مجال لذكرها
تفصيالً في هذه الورقة، ولكن بالتأكيد يجب القيام بها من أجل الحكم على درجة الاتّساق الداخلي للإجابات i " ودرجة الثّبات بين البنود " - inter
. item reliability
البحوث النوعية
يهدف المشروع العربيّ لقياس الرأي العام إلى توفير
بيانات موحدة وقابلة للمقارنة بين البلدان العربية، وبلدان العالم المختلفة في بعض جوانبها بشأن نوعية حياة الفرد العربيّ، ومستوى رفاهه الاجتماعي،
ومواقفه من مسائل الشّأن العام المختلفة، وقضايا الأداء المؤسسي للدولة والحكومة والسّياسات
الاجتماعيّة والاقتصاديّة، ويوضح المشروع في تقريره
الأول بأنه سوف لن يقتصر على ذلك في خطة عمله المستقبليّة، وسيقوم بإنجاز سلسلة من البحوث
المعمقة (النوعية منها والكمية) للتحقق من الظواهر الاجتماعيّة التي تؤثر على مواقف الرأي العام،
وتؤدي إلى تقرير طبيعة الفضاء العام ومدى ديناميته على المستويين الوطنيّ والعربي.ّ وفي هذا السياق، نود أن نؤكد من جانبنا على أن البحوث التطبيقيّة في ميادين العلوم الاجتماعيّة لا
تكتفي بمعرفة آراء المواطنين بشأن القضايا الذاتيّة
والموضوعيّة المختلفة التي تمس حياتهم اليوميّة،
ولكنها تتعدى ذلك إلى الاهتمام بتوفير الأطر النظرية، وتعمل على دراسة السياق المجتمعي،
وتشخيص العوامل التي تحدد تلك الاتجاهات والقيم. كما تساعد في تفسير اختلاف أفراد المجتمع
والجماعات الاجتماعيّة في وجهات النظر والرؤية
الإبستيمية للظاهرة الاجتماعيّة المعينة، وما الفرق
بين وجهات نظر القوى الاجتماعيّة الفاعلة المختلفة،
ووجهات نظر النخبة ومواقع القوة والسلطة مقابل ما يراه عموم المجتمع، وكيف يمكن توحيد وجهات النظر تلك أو تقريبها في إطار مشروع مجتمعيّ يشارك
فيه الجميع؟ وبهذا المعنى، فإن ما نقترحه في الجزء المتبقي من الورقة هو أن يعمل المشروع العربي على القيام ببحوث ميدانية معمقة، لا تعزل الرأي العام عن قاعدته وعن الفضاء العام الذي يتفاعل ويتبلور في إطاره، فال "ّعام " الرمزيّ لا يمكن فهمه إلا من
خلال الفضاء التواصليّ، إذ يستمد مصداقيته من ذلك. أكثر من هذا، يمكن لمثل هذه المقاربة أن تعطي
الرأي العام بعده الاجتماعيّ والسياسيّ والثقافيّ،
وأن تمكننا من قياسه من خلال تشخيص مواطن وديناميات الّاع والتّوافق، وليس من خلال حصر
ذلك في مواقف وقيم الأفراد، والتي تبقى مجردة ومقطوعة عن الحياة اليوميّة وتفاعلاتها الاجتماعيّة. وفي سبيل توفير الأطر النظرية والمفاهيميّة لمشروع
قياس الرأي العام العربيّ، فنحن مطالبون -أولا
وقبل كل شيء - بتطوير معنى الفضاء العام الوطنيّ، والفضاء العام العربيّ، وتباين تفاعلاتهما،
باعتبارهما الحاضنة للرأي العام والمصدر الأساسي
الذي يزودنا بالبيانات الإمبريقية ويساعدنا في اشتقاق الفرضيات والأسئلة التي يمكن أن تتضمنها الاستبيانات الميدانية. وعلى هذا، فإن التّصور النظري الذي نقترحه لدراسة
الفضاء العام وتفكيك أبعاده، يقوم على أساس النظر
إلى المجتمع المدروس والفرد في إطاره، كونه قائامً على
مكونين؛ أولهما النسق الك، وثانيهما عالم الحياة، إذ
يتضمن كلٌّ منهما فضاءين، أحدهما خاص والآخر عام. والمتأتي عن هذا يصبح الفضاء الخاص للفرد
في إطار النّسق الكلي، وهو الشأن الاقتصادي وتدبير
العيش، ومحاولة الارتفاع بنوعية الحياة والاهتمام بما هو ذاتيّ. أما الفضاء العام داخل هذا النّسق بالنسبة
إلى الفرد فهو الدولة وطبيعة عقدها الاجتماعيّ مع
المواطن، وصور تدخلها لإدارة الشأن العامّ، وتوفير
الخدمات العامة وهويّة نظامها السياسيّ. ويتمثّل الفضاء الخاص للفرد في العلاقات الأسرية
والصداقة الحميمة، في حين يتسع الفضاء العام ليشمل مساحة التواصل مع العموم. وبتعبير أدق، فإن الفضاء العام في هذا الحيز من عالم الحياة يسمح
للفرد -وفقًا لموقعه النسبيّ في معادلة القوة - أن ينشط
في إطار الخطاب العام، وأن يجد مكانه في التنظيم
الاجتماعيّ السياسيّ للمجتمع المدنيّ، وأن يؤثّر فيه،
بما يؤدّي إلى إمكانية التأثير في النظام السياسيّ. وللفضاء العام هذا، مقومات وأبعاد أساسيّة، وهي
ثلاثة: الهيكليّ والتمثيليّ والتفاعليّ. وتلك محاور رئيسة على مشروع قياس الرأي العام العربي تدارسها بإمعان، وبمنهجية نوعية، من أجل اشتقاق المحاور الرئيسة وإعطائها الأوزان النسبية، ومن ثمّ إدراجها
في استبيانات استقصاء الرأي. ويمكن القول - وبثقة - إن مثل هذا العمل الأمبريقي متعدد المداخل لدراسة الفضاء العام، نادر الوجود، إن لم يكن منعدمًا في المساهمات البحثيّة العربيّة، ومن
الضروري أن يجد مكانة في بحوث الرأي العام. فإذا ما كانت المسوحات الميدانيّة تعمل على قياس القوة
الديناميّة في السياسة (رأي المواطن)، فإنّ اشتقاق
ذلك من تحليل الفضاء العام، يضعها في إطار القوة البنيويّة في السياسة، وباعتبار ذلك أساس العمران
المجتمعيّ، والهيكل الارتكازي للديمقراطية،
والمحرك الأساسي لعملية الدّمقرطة. من دون شك، فإنّ هنالك علاقة عضويّة بين قوة
المجتمع المدنيّ، والتنظيم الاجتماعي - السياسيّ في
البلد المعين وقوة الفضاء العام، إذ إنّ متَأ سُس المجتمع
صيف 2012
المدني يتطلب منه - آليًا - البحث عن فضاء عام
لطرح تصوراته، واستخدامها كقوة ضغط اجتماعي
في إطار المساءلة المجتمعيّة، وأنّ الفضاء العام الحر
والمنفتح يتيح لحركاته الاجتماعيّة وتنظيماته، أن يكون
لها صوت مسموع ومؤثر في العموم وفي السياسات العامة، وأن تتمكن من بلورة الرأي العام، ومن ثمّ المساهمة في صنع التغيير. وهذا يعني أنّ القدرة
على بلورة الرأي العام المستقل والمتحكَم في قراره، ترتبط - بصورة وثيقة - بوجود مجتمع مدنيّ دينامي
وحيويّ، قابل للتطور من دون قيود أو محددات. ومن هنا، نؤكد أن فكرة " الفضاء العام " هي فكرة معياريّة، فنحن نتحدث عن فضاء عام ديمقراطي
وليس تسلطيًّا. وعلى الرغم من أن استبيانات مسح الرأي العام العربيّ بشكلها الحالي توحي بتصور معياريّ للفضاء
العام العربيّ، وتسعى إلى التحقق من إمكانية
تبلوره لدى الشرائح المختلفة للمجتمعات العربيّة،
يبقى من غير الواضح مدى وظيفته وفاعليته، وكيف يبدو للعيان، وما هي المقاييس المعياريّة
والمدخلات المطلوبة للتحقق منه كصيرورة وكعملية جارية، وليس فقط كعائد نهائي جاهز كما تصوره أسئلة الاستبيانات. وبالنتيجة، فإن المدخلات النظرية التي اقترحنا ملامحها، وتلك التي يجب أن يطوّرها القائمون على
المشروع العربيّ، يمكن أن تول د فرضيات معياريّة
مختلفة، ومن ثمّ أسئلة مختلفة يجري تطعيمها في
استبيانات قياس الرأي العام. ويتطلب ذلك في نظرنا أن تخطط إدارة المشروع العربي
لتشكيل لجنة علميّة من علماء الاجتماع والسياسة
والاقتصاد العرب، تعمل على وضع برنامج لإصدار سلسلة من أوراق العمل تُعنى ببلورة الأطر النظرية والمفاهيميّة، وإنجاز البحوث النوعيّة. ولكن الأهم
من ذلك، هو التّخطيط لعقد سلسلة من المقابلات
«الرّأي» و«العامّ» في مسوحات الرّأي العامّ
مع المجموعات البؤرية Group Focus في البلدان المشمولة بالمسح. ولا تفيدنا مثل هذه المقابلات التي تعتمد أسلوب دينامية الجماعة في معرفة الوقائع فحسب (كما هي الحال مع منهجية المسوحات التي تعتمد المقابلات الفردية)، إنما تساعدنا أيضا في أن نتعلم المعاني التي تقف وراء تلك الوقائع ونتعرف عليها، أو بتعبير أدق: إنتاج التب عن ما يجري
تداوله في الفضاء العام لدى البلد العربيّ المعين. ومن خلال خبرتنا الميدانيّة، يمكننا أن نؤكد أن
المقابلات عن طريق جلسات الحوار العام، تحقق مردودا عاليًا في نوعية البيانات، إذا ما جرى التّحكم
في إدارتها وجرى التحضير والإعداد لها بصورة
علميّة، فالمشارك عادة يدلي برأيه آخذ ا في الاعتبار
أن يكون عرضة للمساءلة أمام الآخرين، وأن يواجَه بالرفض أو بالتأييد، ويسعى لتوظيف مواقفه
ومعتقداته في الحوار محاولة منه لإقناع الآخرين بوجهة نظره. وتلقاء هذا، فإنّ الخلاف الحاسم بين الآراء العامة والآراء الفرديّة، يصبح واضحًا وجليًا. ومن منظور
علم النفس الإراديّ، لا تقبع الآراء العامة عادةً في
مخيّلة أحدنا، بل تتأتى وتتبلور من خلال تفاعلاتنا
مع الآخرين، ومن خلال التّحقق من توقعاتنا،
واستكشاف كيف أنّ الآراء التي يتبناها الآخرون ذات صلة بما نعتقده. هكذا إذًا يتكون الرأي العامّ السياسيّ الذي نسعى
إلى استقصائه من خلال مثل هذه المقابلات المفتوحة، والذي تجري تعبئته من خلال التّفاعل في إطار
دينامية الجماعة، وليس من خلال مقابلة الأفراد كل على حدة، كما تأخذ به مسوحات الرأي العام. ومن الأفضل أن تُعقد لقاءاتٌ متعددة في كل بلد
خاضع للمسح وبالتعاون مع المؤسسات البحثيّة
المحلية، لجمع بيانات عن خصائص الفضاءات العامة التواصليّة، وأن تكون وحدة الملاحظة هي
الفواعل الاجتماعيّة والسياسيّة، ومن خلال التفاعل
في ما بينها، إذ تضم جماعات التفكير، والأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية، والفاعلين في الحقل الإعلامي والأفراد - بالصفة الشخصية - ممن لهم تأثير في الفضاء العام. وفي نظرنا، فإنّ عقد اللقاءات لمجموعات متجانسة ذات خبرات وخلفيات مختلفة تؤدّي إلى مردود
أفضل، إذ إن الاجتماعات البؤرية لمجاميع متباينة تقلل من نوعية النّقاش، ومن العائد من البيانات؛
فالأفراد - وكما هو مألوف - يفرضون على أنفسهم الرقابة والتخبط في إبداء الرأي بحضور أفراد آخرين يختلفون عنهم في المكانة والخلفية التعليميّة، أو مدى
حضورهم في الحياة العامة. ويتطلب الإعداد المحكم لمثل هذه اللقاءات أن يقوم المشروع العربيّ لمسوحات الرأي العام بإعداد
أدلة عمل منهجية لإدارة الجلسات وتأطير الحوار ووضع أهدافه، وتصميم الأسئلة على نحو متسلسل منطقيًا (من العام إلى الخاص)، والنابعة أساسًا من
إطار مفاهيميّ واضح، تكون قد وفّرته الدراسات
النوعيّة. وقد يتخلل تلك اللقاءات توزيع أوراق
عمل أو عرض أفلام فيديو، أو استعراض مقالات موجزة من الصحف أو استعراض نتائج مسوحات ميدانيّة، وإعطاء المشاركين الوقت الكافي لتبيان ردود
الفعل والتفاعل، ومن ثمّ الخروج بالآراء العامة.
ويقوم عادة فريق العمل المشرف على تنشيط هذه اللقاءات وإدارتها بجمع ردود الفعل التلقائية، والتحقق من مصادر المعلومات التي تعتمد عليها الردود، وتجميع البدائل التي يقترحها المشاركون وتصنيفها للتحقيق من الظاهرة المدروسة بشكل أفضل، وتشخيص تبعاتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة
والسياسيّة، وتبيان السياسات الحكومية والبرامج
التي تعالج الظاهرة، وجمع التعليقات والتقييمات. ولعل المهمة الأصعب في اعتماد مثل هذا الأسلوب
من المقابلات، هي كيفية معالجة البيانات واستخراج الإجماعات، واستنتاج الأهمية النسبيّة
للعوامل، وإعطائها الأوزان المناسبة، ووضعها في تجمعات عنقودية. ولا نملك إلا أن نعترف - ومنذ البداية - بأن الغرض من لقاءات المجموعات البؤرية ليس تحديد ما إذا كانت لدينا في البلدان العربيّة فضاءات عامة
وفق المنطق الديمقراطي أم لا، فليس من الضروري أن نأخذ بصيغ النماذج المثالية كنقطة انطلاق. في وضع الديمقراطيات الراسخة - وكما هو مألوف-
هنالك اتفاقٌ عام بضرورة اعتماد قنوات متعددة من التواصل والتوسط بين الفواعل الاجتماعية في الفضاءات الوسيطة للمجتمع المدنيّ من جهة،
والسلطات من جهة أخرى لضمان شرعية الحكم وفاعليته. وفي هذا السياق، يصبح وجود خطاب
عام (منفتح، تعددي، ونقدي) وتجذّره في المداولات اليومية وفي وسائل الإعلام المستقلة أمرًا ضروريًا
لتوفير فضاء للمواجهة بين الدولة والمجتمع في الخيار الديمقراطي؛ وباختصار، يصبح ذلك الفضاء العام نظاميًا. وفي الوقت الذي يمكن لنا أن نتحسس وجود بوادر
لتشكل فضاء عام نظاميّ انتقاليّ في بعض الدول
العربية التي شهدت الثّورات والتّحولات السياسيّة
البنيويّة الحادة، فإن الفضاء العام (أو الفضاءات
العامة) في غالبية الدول العربية الأخرى لا تزال تقع في خانة "ّغير النظامي ". وبنظرنا، فإنّ تلك
الفضاءات العامة - من الناحية السياسية- لا تتعدى في أقصاها استكشاف الفرص لوضع الأجندات والتحالفات والاهتمامات المشتركة للعمران السياسي
الجديد، والذي أصبح بالإمكان أن يشهده البلد
المعين مستقبلا، ومتأثرًا بالمناخ العام السياسي الذي
يعم المنطقة العربيّة برمتها. ولا جدال في أنّ على المشروع العربيّ لمسح الرأي العام
صيف 2012
استكشاف أهم أبعاد القناعات والمداولات التي تجري في إطار هذه الفضاءات العامة غير النظاميّة،
ففي إطارها يتشكّل الرأي العام ويأخذ قالبه وشكله استعدادًا للدخول إلى مرحلة لاحقة تصبح
فيها تلك الفضاءات نظامية عندما تكتمل مأسسة العملية الديمقراطية، ويصبح الفضاء العام متضمنًا
المشروعية وممثلي الشعب المنتخبين، وتتحدد قواعد المشاركة السياسيّة للمواطنين بتراتيب وإجراءات
يضمنها القانون، بحيث أن نتائج الحوار والمداولات في الفضاء العام هي تشريعات نافذة أو تأتي في شكل طرق نظامية مهيكلة لتنفيذ ما هو متفق عليه باعتباره إرادة العموم وانعكاس الرأي العام. ولا شك في أنّ مثل هذا العمران المجتمعي يصبح بنية صلبة نتيجة لتراكمه جرّاء الممارسة الديمقراطية،
ويولّد عادة حلولاتظافريّة للأسئلة السياسيّة
والاجتماعيّة والاقتصاديّة. وقد نجازف بالقول إنّ شيئًا جنينيًا مشابهًا لهذا قد
بدأ يتشكّل عربيًا، وهو ما نسعى للتحقق من أبعاده،
واستكشاف القضايا والمشكلات التي تطرحها المداولات في الفضاءات العامة لكل بلد عربي،ّ
وطبيعة الفهم الذاتيّ لمتطلبات الانتقال الديمقراطيّ،
وأن نتعرف على أنماط الهويّات الجماعيّة قيد التشك، ل
وشكل العلاقات المتصورة للبنية السياسيّة الجديدة
والعلاقة التعاقديّة بين الفرد والدولة، وكيفية فهم
الحاجات الأساسية للمجتمع ومفصلتها وتنفيذها وطرح بدائل إشباعها. وبمعنى آخر، فإنّ قدرة المشروع العربيّ على تشخيص
الآراء والأطروحات الأساسية التي يجري تداولها في
هذه الفضاءات العامة، تول د فرصًا للتبصر الذاتيّ في
المشروع الديمقراطيّ، وتشكّل إطارًا للحوار السياسيّ
المتبادل، إذ إنّ العمران الديمقراطي الحقيقيّ لا يقوم
إلا من خلال إيفاء هذه الوظائف حقّها، والتمكن من
بلورة الرأي العام وتشكّل الإرادة الجماعية بشأنها.
«الرّأي» و«العامّ» في مسوحات الرّأي العامّ
وباختصار، لا يمكن المرور إلى مرحلة ترسيخ الفضاء العام النظاميّ من دون المرور بالمرحلة غير
النظاميّة التي تقوم بوظيفة المبلور للرأي العام،
والممهد لهيكلية الفضاء العام السياسي وتأسيسه. من جانب آخر، فإنّ لقاءات المجموعات البؤريّة
والأنماط البحثيّة الأخرى لتحليل الخطاب، يمكن
أن توضّح لنا الفروق بين رأي النخب السياسيّة
بخلفياتهم الفكريّة والأيديولوجية المختلفة من
جهة، ورأي المواطن العادي بشرائحه المتباينة من جهة أخرى. وتقارن مثل هذه الاستطلاعات في المجتمعات المستقرة ديمقراطيًا عادة نسق القيم
والمعتقدات والمواقف من القضايا المجتمعية المحددة بين المجموعتين (العامّة والنخبة)، باعتبارهما مؤشرين
على نوعية " التمثيليّة " في الحكم. وفي نظرنا، فإنّ مثل
هذه المقارنات تكتسي أهمية أكثر دلالة في الوطن العربيّ، وخاصة في البلدان التي تمر بمرحلة الانتقال
الديمقراطيّ، إذ من المفترض أن تضيق الفجوة بين
آراء المجموعتين في مرحلة الإقلاع، وتتطابق إلى حد بعيد أنساق القيم والأفضليات في الحكم على قضايا مجتمعية معينة، وأن ترى كل من المجموعتين ترابطات وتشابكات متشابهة بين المثيرات السياسيّة
المختلفة. والأهم من ذلك، أن يشتركا في فهم إنشائي
للحقيقة الاجتماعيّة - السياسيّة وللنظام القيميّ. ولا شك في أنّ نتائج مثل هذا التحقق ستتباين من مجتمع عربيّ إلى آخر، وفق طبيعة الثقافة السياسيّة
والبنية السياسيّة القائمة، وأخيرًا، وفق العمق
التاريخيّ للمجتمع المدني.ّ ويمكن لجهد المشروع العربيّ في هذا الصدد أن يوضّح
لنا الفروق في الاتجاهات السياسيّة بين المجتمعات
والدول العربية قيد الانتقال الديمقراطي، وتلك التي لم تشهد ذلك التحول بعد، وإن تخللتها بعض الإصلاحات في هذا الصدد. وفي حالة البلدان قيد التّحول، سيكون من الأفضل
أن نتعرّف إلى أي حد تتضح القيم المتوجهة نحو
الترسيخ الديمقراطيّ بين المواطنين، واتجاهاتهم
نحو طبيعة الممارسة الديمقراطية من عدمها. فمن الملاحظ في الفضاءات العامة لبعض تلك البلدان، أن التّعبئة الرمزيّة تسود حاليًا، وهو ما يؤدّي عادة
إلى الاستقطاب في النّقاش وإلى التّواصل على خطوط
ومحاور أيديولوجية في الأساس، تصل أحيانًا إلى حد الصراع على هويّة المشروع المجتمعيّ. ويحدد
نوعية ذلك التواصل بطبيعة الحال، طبيعة الموروث في الثقافة السياسيّة، ومدى نضج وعقلانية المجتمع
السياسيّ والمجتمع المدني.ّ وقد نرى في الإطار النسبيّ والمقارن، أنماط ا مغايرة
للفضاء العام في بلدان عربيّة أخرى قد تشهد
استقطابًا أيديولوجيًا هي الأخرى، ولكنه يبقى في
حدود " الاختلاف " من خلال الإجماع على القواسم الوطنيّة، ومدنية الدولة، والاحتكام إلى الرأي العام
في الحوار والتداول. وأخيرًا، في بعض الحالات العربيّة للبلدان قيد
التّحول، يشهد الفضاء العام تداولات تفضي إلى
أنّ هناك نصوصًا مجتمعية جديدة يعمل التأريخ على
كتابتها، بمعنى أنّ الفواعل السياسيّة والاجتماعيّة
لا تأخذ بمسلمّاتها السابقة وهوياتها كمعطى ثابت،
وبأن هنالك تفاعلا ثريًا، قد يؤدي إلى بروز أنماط
حداثية جديدة قد تأخذ بجوانب النّفع العام،
والمسالك المفضلة للفعل السياسيّ ووفق رؤية
كونيّة واضحة وواعية لطبيعة المقطع التاريخيّ الحالي
والآفاق المستقبليّة. وفي رأينا، كلما تعرّضت الرؤية المجتمعيّة والسياسات
العامة وعلاقة الدولة بالمجتمع إلى المراجعات في
الفضاء العام الانتقاليّ، تراجعت الأيدولوجيات
بالتدريج لتحلّ محلها التّعبئة الاجتماعيّة حول
القضايا المشتركة المتعلقة بالنفع العام وإيجاد الحلول للمشكلات التي تهم حياة المواطن وتحقيق العدل
الاجتماعيّ، ومن ثمّ زيادة حظوظ إقامة ديمقراطية
تؤطّر الاختلاف من خلال الإجماع على علو المصلحة الوطنية وتغليبها على المصالح والولاءات الفرعيّة دون الوطنية. عندئذ يصبح الفضاء العام
بمنزلة العمران الأخلاقي والقيمي وحقل العقلنة والتعامل مع النسبيّ. والأهم من هذا، أن يصبح
الإطار لتأسيس هويّة وطنيّة جماعيّة، وتحدّي فرضها
على الآخر وقبوله لها. وتلك من بين الفرضيات التي يمكن لمسوحات الرأي العام العربيّ السنويّة أن
تتحقق منها. في السياق نفسه، بإمكاننا أن نؤكّد أنّ ما يشهده
الفضاء العام الانتقاليّ من استقطابات في البلدان العربيّة المعنية قد تأثر، وعلى نحو واضح بزخْم
التعبئة الرمزيّة التي صاحبت الثورات والحركات
الاجتماعية التي شحذت شكل الهويات الجماعيّة
والفعل الجماعيّ، وساعدت في إنتاج المعنى بتجليات
مختلفة تتفق على الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعيّة،
ولكنها عادت لتختلف في تفسيراتها في ما بعد. فمن جانب، أثارت الثّورات الذاكرة الجماعيّة التاريخيّة،
وحتى الخرافات أحيانًا، للتصعيد من مستوى الدعم العام للتغ ات السياسيّة، ومحاولة تأويل عوائدها،
وخاصة بين الفئات التي تقع على تخوم المجتمع،
والتي ظلت لعقودٍ طويلة مضت تعاني من الإقصاء الاجتماعيّ، في حين انبرت قوى المجتمع المدني
للدفاع عن القيم الحداثيّة وعن الدولة المدنيّة. نظريًا، نستنتج أنّ مثل هذا السلوك التواصليّ الذي
يطبع الفضاءات العامة الانتقاليّة له بعدان؛ الأول هو
مدخل القيم الكونيّة التي تتعاظم باستمرار عن طريق
المجتمع المدني المشبك وقنوات التواصل الاجتماعي
(قيم حقوق الإنسان والحريات المدنيّة والسياسيّة)؛
والثاني هو مدخل القيم التراثيّة، وهو قائم، بتضاد
أحيانًا، وبتوليف ومواءمة في أحيان أخرى، في
إطار معنى تواصليّ يفترض قدرًا عاليًا من التّسليم
بالرمزيات غير القابلة للنقاش، وارتباط ذلك بالدّين
صيف 2012
والّيعة، وبمعايير الإجماع التي لا تحتاج في نظرهم
إلى المزيد من المبررات كأسس للهويّة المتوارثة. ويمكن أن نضيف أنّ الغرض من هذه التعبئة الرمزيّة
كذلك يأخذ بعدين: الأول: إقناع (الآخر) بشرعية التّغيير السياسيّ
وبالمطالب المشروعة، والربط بين المحلي والكوني
لتوضيح أنّ هذه الدينامية السياسيّة تدحض خطأ
" الاستثنائية العربيّة " وتستبدله ب "ّالسبق العربي "،
وبإعطاء قوة للآخر في كل مكان لينتبه إلى ما يجري،
وليعيد النّظر، إما في التّصورات، أو في الأحكام، أو
في طريق التّعامل مع العالم العربيّ. أما الغرض الثاني
من التّعبئة الرمزيّة، فهو فصل المحليّ عن الكوني،ّ
واستثارة مسألة الهويّة وتأسيسها. ومن هنا ينشأ
التّعارض، وتتباين التعبئة الاجتماعيّة في الفضاء العام
جنبًا إلى جنب، وبالتنافس للحصول على أكبر قدر
من رأس المال الرمزيّ ورصيد الرأي العام. وليس من شأن البحوث النوعيّة في تركيزها على
دراسة التفاعلات الديناميّة على هذا المستوى الكلي
من الفضاء العام، أن تُغفل دراسة التّفاعلات
على مستوى آخر، وهو مستوى الفضاءات العامة
الوسيطة، أو ما يمكن أن نطلق عليها تسمية
" فضاءات المواطن " Citizen Spaces، وتعدّ بمنزلة
الممثلة ل " العام الضعيف " أو غير المُمأسس، وتنشط
عادة في إطار الفضاءات العامة غير النظاميّة، وتتضمن
جماعات يدور اهتمامها حول مصالح محددة، أو
تجمعات ثقافيّة، أو تنظيمات مناصرة لحقوق الإنسان
والحريات المدنيّة وحقوق المرأة وحقوق التّشغيل،
ومكافحة الفقر والحد من الإقصاء الاجتماعيّ، أو
تكون جماعات دينية أو أخرى حداثية علمانيّة. على هذا المستوى الوسيط للفضاءات العامّة، يمكن
للمشروع العربي لمسوحات الرأي العامّ أن يستنتج
ك هائالً من البيانات الأساسيّة عن طريق لقاءات
المجموعات البؤرية، إذ إنّ هذه الفضاءات العامّة
الوسيطة تتحلّق حول نواح عديدة للشأن العام،ّ
«الرّأي» و«العامّ» في مسوحات الرّأي العامّ
وتمتلك الثقافة العارفة لتشخيص ما يجري، وتساهم عادةً في بلورة المشروع المجتمعي، وتمهّد للفضاء
العامّ النظامي، وللتحولّات السياسيّة، وتستهدف
أساسًا التأثير في صنع القرار، وهي تنتمي للهياكل
الارتكازيّة المدنية والاجتماعيّة للفضاء العامّ
الك، وتعتمد إلى حدٍّ كبير في تطوير قناعاتها من
خلال التشبيك محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا، ومن خلال
الوسائط الإعلاميّة. وترتبط بهذه الفضاءات العامّة الوسيطة، فضاءات
افتراضيّة تقع ضمن المساحات المحرّرة التي
استطاعت المجتمعات المدنيّة العربيّة انتزاعها،
وإعلان ملكيّتها وانفصالها عن البنية السياسيّة
التقليدية، وعن الحكومات المحتكرة للمعلومة
والمتحكّمة في قنوات حرّية التعبير وفضاءاته، ا
أحدث قنوات موازية للمشاركة السياسيّة وقوى
ضغطٍاجتماعي هائلة، ومسالك لتعبئة الرأي
العامّ، وتشكّل الهويّات الجماعية والفعل الجماعي،
وتلك بأجمعها مدخلات مهمّة لتغذية الفضاء العام
غير النظامي. ولا شكّ في أنّ هذه الفضاءات الموازية سيتعاظم تأثيرها أكثر فأكثر في تنشيط التواصل السّياسي على
المستوى الوحَدي Micro من خلال زيادة المشاركة
الفردية، إذ تشير التوقّعات إلى أنّه سيكون هناك 150 مليون مستخدم لهذه الفضاءات الموازية مع قدوم عام 2015. كما سيتضاعف الأثر على المستوى الوسطي Meso من خلال زيادة المساحة
والاستطاعة النشطة للمجتمع المدني. وإجماال على
اّيلمستوى الكل Macro من خلال إرساء أسس تعاقدية جديدة للمواطن والدولة، والتحويرات التي ستجريها الحكومات العربية في التعامل مع مواطنيها،
ا يدفع با اه الفضاء العامّ النّظامي. وأخيرًا لا يمكن للبحوث النوعيّة أن تغفل استطلاع
الرّأي العامّ في إطار فضاءات المواجهة، أو فضاءات
العموم المضادّ، والتي تأخذ أبعادًا مختلفة تتباين
من بلدٍ عربي إلى آخر، ووفقًا للمعايير التي نوظّفها لتشخيص تلك الفضاءات. ففي حالة استخدام المعيار الاجتماعي تضمّ فضاءات
المواجهة عادةً جماعات القناع، أو جماعات التخوم في المجتمع، والتي تتشّكل لها هويّات ثقافية وقناعات
مشتركة تتمحور حول المكان (الغيتو) في أحزمة الفقر حول المدن العربية، والعشوائيات والمناطق السكانية
محدودة الدخل. وتمتاز هذه المجتمعات المحلّية بحالة اللاتنظيم الاجتماعي - السياسي، إذا أخذنا بمعنى التنظيم في أدبيات الحركات الاجتماعية، ولكنها تنشئ فضاءها العامّ وتفرض أمرًا واقعًا على الفضاء
العامّ الأوسع، وتكسب قوّة تفاوضيّة نتيجة التسلّل
البطيء encroachment للحيّز الحضري واحتلال
رقعة من اهتماماته. وعلى الرّغم من حالة الفقر والحرمان وشظف
العيش، فإنّ هذه المجتمعات المصغّرة تُنشئ هويتها
الخاصّة، واحترامها للذّات، والتحصّن ضدّ الإذلال
والاحتفاظ بالكرامة التي لا يرغب المجتمع الحضري الأوسع في أن يمنحها لها. وعليه فإنّ الفضاء العامّ لهذه
التّخوم هو الأساس لبناء " مخزون الرفض والتمرّد "،
ولمنظومة سياسيّة مغايرة يجب استطلاعها في المشروع
العربي لقياس الرأي العامّ. وقد أوضحت الثورات
التونسيّة والمصريّة والحركة الاجتماعية الجارية في
سوريا، أنّ فضاءات التخوم حول العواصم هي التي جعلت من التحوّل السياسي أمرًا ممكنًا. وفي اعتقادي فإنّ إحدى المهامّ الرئيسة لمسوحات
الرأي العامّ هي أن تظهر طبيعة التفاوتات في القدرة
التواصليّة والتعبيرية بين شرائح المجتمع المختلفة،
وتبيان التوزيع السّائد في القدرة على إعادة صياغة،
وإعادة مفهمة الأفكار السياسيّة، وبلورة التصوّرات
لواقع التغيير السياسي ومستقبله، فالديمقراطية في أحد معانيها هي النّفاذ المتساوي للغة، وإن
الدّيمقراطيّة الراسخة تعني المشاركة المستمرّة،
والواسعة في التداول لجميع المواطنين. ومن خلال الدراسة المعمّقة لفضاءات التخوم، يمكننا
أن نلاحظ أن لها خصائص مزدوجة، فمن جانب هي
فضاءات للتقوقع والتجمّع السكّاني المكتظّ، ومن
جانب آخر هي أساس للتنشئة الاجتماعية بقيم ناهضة للمجتمع الحضري الأوسع الذي لا يمنحها بطاقة العضويّة. وفي مثل هذا الجدل بين الوضعيّتين
يقبع " الإمكان التحرّري " لهذه المجتمعات المحلّية. ولا اختلاف في القول إنّ استطلاع رأي هذه الّيحة الاجتماعية الواسعة ومقارنتها برأي الجماعات الحضرية الأوسع في المدن العربية سيب بوْنًا
شاسعًا في مقاربتها للحقيقة الاجتماعية السياسية،
ولمعنى الانتقال الدّيمقراطي ولطبيعة الحكم
والمواقف السياسيّة. وقد يدلّنا هذا الاستنتاج النظري على أنّ الفضاء
العامّ ليس فضاءً لتشكّل الرأي على مستوى الخطاب
فحسب، بل هو أرضيّة لتشك ل الهويّات الاجتماعيّة
وتفعيلها من خلال الشّبكات الأفقيّة للتواصل. وباستخدامنا مفردات الصّحافة، فإنّ جماعات
التخوم هذه وفضاءاتها العامّة، هي التي تشك ل ما
يدعى بسياسة الشارع Politics Street، والتي
تتّضح بشكل جليّ في المدن العربية الكبرى كالقاهرة
ودمشق وعمان وبيروت وبغداد والخرطوم وصنعاء والدار البيضاء ووهران. وهي بالأساس ناتجة عن تدفّق الهجرة من الأرياف إلى المدن والعواصم، ا عمل على إحداث تغيير جذريّ في نسيج تلك
الحواضر الاجتماعي. سوسيولوجيًّا، مثل هذه الجماعات تتملّكها وتتحك م
فيها إستراتيجيّة البقاء والتشبّث بالعيش والتحايل
على المعاش، ولذلك فإنّ هيمنة اليومي والذاتي عليها لا تترك لها الوقت الكافي للتنظيم اجتماعيًّا وسياسيًّا،
صيف 2012
ولكنّها تولي اهتمامًا وتساند التنظيمات السياسيّة التي
تساعدها في توفير الحاجات الأساسيّة، وبالذات
الحركات الدينيّة. عندئذ ينحو " مخزون التمرد " لديها
منحنى معيّنًا. إلا أ ا تبقى هشّة في ولاءاتها، وتميل لمن
يقدّم الأفضل. وقد يكون من المناسب لاستطلاعات الرأي العام
العربي أن تتعرّف على التغ ات التي طرأت على
منظومة القيم والولاءات والمواقف السياسية لتلك
المجتمعات المحلّية بعد مرور عام ونصف على الثورات العربية. كما يمكن أن يكون من المفيد إرجاء المقارنات مع آرائها في الدول العربيّة التي شهدت
إصلاحات سياسيّة، وتلك التي لا تزال تقاوم ذلك،
إذ إ ا في جميع الحالات ذات تأثير مهمّ ومباشر
في تشكيل المشهد السياسي وفي تقرير ا اهات الرأي العام.ّ وفي اعتقادنا، يجب أن يتوجّه المشروع العربي بمثل
هذه النتائج فيما يتوجّه، إلى الفاعل الحكومي،
إضافةً إلى توجّهه لجهات الانتفاع الأخرى من نتائج
البحوث النوعيّة والمسوحات الميدانيّة، ولفت انتباهه
إلى ضرورة أن يأخذ أنماط الرأي والتّواصل والفعل
الجماعي لدى هذا القطاع الاجتماعي غير المنظ، م وفهم منطق عقلانيّته الخاصّة به من أجل إيجاد صلات
تعاقديّة مع الناس، ليس بشأن الآليّات المؤسسيّة
والإجراءات لتحقيق التمثيل السّياسي فحسب، بل
من خلال استيعاب أنماط التعبير والحراك والتّعبئة
بين الّائح المختلفة في إطار الفضاء العام.ّ وإذا ما أخذنا بالمعيار السّياسي لتحديد فضاءات
المواجهة أو العموم المواجه، نجد أنّه لا يقتصر على المنعزلات أو الهويّة المهمّشة، بل يتعدّاه ليصبح
في حالاته القصوى بشكل الفضاء العامّ البديل
لمقارعة الفضاء العامّ السائد، وخاصّةً في حالة الدول
التسلطيّة التي تتحكّم في الفضاء العامّ، وتضع قيودًا
على التداول والحوار في إطاره. عندئذٍ تتعايش سويّة
«الرّأي» و«العامّ» في مسوحات الرّأي العامّ
وتتضامن عدّة واجهات لعموم المواجهة كردّ فعل
على سياسة الدولة الإقصائيّة. ونتيجة للمحدّدات
التي تفرضها الدولة التسلطيّة، فإنّ فضاء المواجهة
يعرّف نفسه بكونه فضاءً مستق يحمل الجانبين
الخاصّ والعامّ معًا. وتتج أنماط التعبير الرمزي والمادّي وأشكال
التواصل في هذا الفضاء المضادّ، بأساليبَ مختلفة
تتضمّن مظاهر الاحتجاج والاعتصام والتظاهر
والانتظام في الحركات الاجتماعيّة، والتفاعل
ضمن قنوات الاتصال الاجتماعي لتحدّي الدولة
ومقارعتها في فضائها العامّ، وتتناول قضايا الشأن
العامّ المتعلّقة بالعدالة وإعادة التوزيع الاقتصادي
والسّياسي والاجتماعي، والحقوق الفرديّة
والجماعيّة والمشروعية السياسيّة والسّلم الاجتماعية
والهويّة..إلخ. إلا أنّ تشخيص الاختلاف بين فضاء المواجهة
والفضاء العامّ السّائد على أساس الأهداف لا يكفي
وحده في إطار بحوث الرأي العامّ، إذ إنّ الأهمّ من
ذلك هو ما يوفّره لنا العمل الأمبريقي من معرفة
ودراية بشأن طبيعة التفاعل الذي يجري داخل تلك
الفضاءات المضادّة، وما يفرزه من قناعات وآراء،
وما يوضّحه تحليل الخطاب السياسي لكلٍّ منها،
ومدى إفلاحها في التأثير في الفضاء العامّ الأوسع من
عدمه، وأخيرًا، كيف تستجيب فضاءات المواجهة
للمحدّدات السياسيّة والاجتماعيّة والماديّة. ويستدعي هذا العمل الأمبريقي من مشروع قياس
الرأي العامّ العربي قدرًا من الإبداع المنهجي في
استقصاء الوقائع، وبالأخصّ في الإعداد للقاءات
المجموعات البؤريّة، إذ من الملاحظ في حالة
الدولة التسلطيّة أن يكون خطاب المواجهة أو
الرأي العامّ في إطاره مبطنًا وضمنيًّا لإخفاء الأفكار
والإستراتيجيّات المرسومة من أجل تجنّب المواجهة
المباشرة مع السّلطة، في حين تبقى هناك حوارات حيّة
يمكن اشتقاق محاورها الرّئيسة.
وفي السّياق ذاته، من الملاحظ أنّ فضاءات المواجهة
تتأثّر بطبيعة تفاعلها مع الفضاء العامّ الأوسع، وغالبًا
ما يكون ذلك وفق طرق ليست من خياراتها، فالدولة والفضاء المهيمن يمكن أن يعملا على الإقلال من شأن خطابها وديناميّتها الاجتماعية، وبالمقابل فإن
فضاءات المواجهة لها أساليبها في الردّ على ذلك. من هنا تصبح وظيفتنا في البحث السوسيولوجي هي دراسة وتحليل إنتاج المعنى لكلٍّ منهما، أي طبيعة الخطاب الذي توظّفه فضاءات المواجهة لتوسيع دائرة الهويّة الجماعية والفعل الجماعي والتّعبئة، مقابل
الخطاب المضادّ الذي تنتجه السلطة للإقلال من شأن
تلك الحركات. وما زلنا في حقل البحوث النوعيّة نودّ أن ننتقل
بعمليّة التحليل من الفضاء الوطني المح إلى فضاءٍ
أوسعَ نعالج فيه الرّأي العامّ على مستوى الوطن
العربي ككلّ وكيفيّة التحقّق من موقف الإنسان
العربي تجاه القضايا الإقليميّة ومسائل الأمّة. وقد
يحتاج هذا الحقل من المعالجة إلى ورقة مستقلّة إ أنّنا نرى ضرورة بأن نتطرّق ولو بإيجاز إلى طبيعة العلاقة
القائمة بين الفضاء العامّ على المستوى الوطني لكل
بلدٍ عربي والفضاء العامّ على المستوى القومي حيث
يشكّل ذلك أحد المحاور الرّئيسة لمشروع قياس
الرّأي العامّ العربي، ويحتلّ حيّزًا كبيرًا في الاستبيانات
المعدّة للمسوحات الميدانيّة.
منهجيًّا، علينا أن نقرّ من جديد بأنّ ما من فضاء عام
إلا ومن شأنه أن يتعلّق بسياقه. ولما كان هو كذلكّ، فلا يمكن تدارسه إلا من خلال معرفة ديناميّته
الداخليّة، وذلك هو الباراديغم الذى حرصنا على
الالتزام به في متن هذه الورقة. نودّ أن نسلّم بهذا الصّدد بأنّ الخبرة الوطنية للفضاء
العامّ على مستوى البلدان العربيّة، والتي عملنا على
توضيح أبعادها، يمكن أن تكون ذات فائدة بالنّسبة
إلى المشروع العربي لقياس الرأي العامّ في اشتقاق
قاسم مشترك حول كيف يجب أن يكون الفضاء العام
عبر - الوطني أو العربي. وتأسيسًا على ذلك، فإنّ معيار بناء الوطن، في نظرنا،
هو ذاته معيار بناء الأمّة، وبمعنى أنّ هناك ثلاث
آليّات تقوم بدورها في ذلك المعمار: أولّها آليّة التغلّب
على حواجز حرّية التعبير والمشاركة العادلة، وثانيها
آليّة إرساء حدود لفضاءٍ عربي مشترك للتواصل
من خلال اللغة المشتركة، ومن خلال موضوعات أساسيّة متّفق عليها والوصول إلى توافقات بشأنها،
وثالثها آليّات مأسسة هذه الأشكال من التواصل في
الفضاء العامّ من خلال وسائل الاتّصال. وبهذا فإنّ الفضاء العامّ العربي، يتحمّل نفس
المنطق الفضاء العامّ الوطني، ولكنّه مفتوح على
حلول مختلفةٍ. ولا جدال بأنّ الفضاء العامّ العربي هو حقيقة
أمبريقية إلى جانب كونه تصنيفًا معياريًّا. وفي نظرنا
فإنّ وجود مثل هذا الفضاء الموحّد، هو الشرط القبلي
لديمقراطيّة عربيّة ذات صبغة عبر - وطنيّة ذات
وظيفيّة عالية ومتميّزة. ونردف بالقول إنّ الفضاء العامّ العربي تدبّ فيه الحياة
أكثر فأكثر عندما تكون الفضاءات العامّة الوطنية
مفتوحة على بعضها الآخر، وهذا ما أثبته سريان مفعول شعار " الشعب يريد " عبر الأوطان. ولكن ما علينا أن نتحقّق منه في بحوث الرأي العامّ هو الآتي:
هل أدّى ذلك الانفتاح إلى إعادة هيكلة الفضاءات
العامّة الوطنية، وتحت ضغط وجود منظور عربي في
مّخيتلف الموضوعات التي يتضمّنها الخطاب المحل.
وبتعبير أدقّ: الموضوعات نفسها تجري مناقشتها في جميع الفضاءات العامّة الوطنية تحت الأطر نفسها من
المعاني المشتركة؟ ويؤدّي ذلك بطبيعة الحال إلى طرح السّؤال التالي:
صيف 2012
هل يوجد مجتمع مدني عربي قادر على خلق هويّة
جماعيّة عربية وفاعل جماعي عربي؟ وما هي تجلّيات
هذا المجتمع المدني العربي ونقاط تأثيره في المواطن: المشروع التنموي العربي العادل، الوحدة الاقتصاديّة
أو السياسية، المثل الدّيمقراطي، الهجرة بين الدول
العربية من دون قيود، وباعتبار أنّ الفضاء العام
العربي هو عمران اجتماعي Construct Social. ولا يمكن لنا أن نتعرّف على ذلك من دون إطار عمل
شامل، قد توفّره لنا النظريّة النقديّة، لتشخيص وتحليل
الأشكال الجديدة للتعبئة الاجتماعية التي حملتها لنا الثورات العربية، والتي على ما يبدو تحمل إرث التذمّر من الممارسات القهريّة والتطبيقات الاقتصاديّة
التي أدّت إلى حالات الإقصاء الاجتماعي، وإلى
التصدّعات التي أصابت النظام العربي خلال العقود
الثلاثة الماضية. وبتعبير آخر، فإنّ هذه التعبئة الاجتماعيّة التي لم
نتفهّم معالمها بوجهٍأكملَ بعد، تحمل في طيّاتها أوجه
المراجعة النقديّة التي يجريها المواطن العربي مع ذاته،
وفي إطار التشبيك الإعلامي الذي يحيط به لكل الجوانب السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة وحتّى
النفسيّة، ا يجعله يعتقد أنّه يطوّر في مخياله صورة
" عالم عربي جديد ممكن التّحقيق "، أو صورة معياريّة
لما يجب أن يكون عليه الأمر. إلا أنّنا إذا أردنا أن نتحقّق من الرأي العامّ وموقفه من
الفضاء العامّ العربي، فعلينا أن نتفهّم معنى (العربي)
فيه، ويتعلّق ذلك بالدرجة الأساس بفهم المواطن للنّظام العربي. في الوقت الحالي، هناك تناقضٌ
واضح ما بين زيادة الوعي بالفضاء العامّ العربي،
وبأطروحاته على مستوى المجتمع المدني مقابل تحكم صنع القرار السّياسي بيد الحكومات، كما أنّ هناك
حالة انعدام التواصل مع التنظيم الرسمي العربي (جامعة الدول العربية)، فهي تنظيم عبر - حكومية لا يدخله المجتمع المدني ولو بصفة مراقب، ولا يوجد
«الرّأي» و«العامّ» في مسوحات الرّأي العامّ
برلمان عربي خيُضع التنظيم عبر - الحكومي للمساءلة المجتمعيّة. إنّ التعريف بالحدّ الأدنى للفضاء العامّ العربي يعني
أنّ الأطراف الفاعلة فيه تدعم وجود حيّز تواصلي
مفتوح يرتبط بنقد أو مساندة أنماط الحوكمة على المستوى الإقليمي. وبتعبير آخر، فإنّ الفضاء العام
العربي، ينتج تواصال ملموسًا ومرئيًّا بشأن أداء
المؤسّسات والفاعلين السياسييّن في الإطار العربي.
وعليه، فهو بالشكل المطلوب، فضاء عامّ سياسي
يشير إلى التوقّعات المعياريّة والا اهات والمواقف
المع عنها، وانطباعات الرأي العامّ العربي بشأنها. ومن هنا تأتي مسؤولية مشروع قياس الرأي العامّ العربي بضرورة تدارس هذا الفضاء العام
السياسي، واستنتاج عناصره وفرضياته الرئيسة من أجل تحويلها إلى أسئلة تتضمّنها استبيانات
المسوحات الميدانيّة. وباختصار، في سبيل أن نناقش مدى وجود فضاء عامّ عربي فاعل، يجب أخذ القضايا التالية بالاعتبار: 1 1. مدى بروز رأي عامّ عربي بشأن الموضوعات
والقضايا العربية في ظلّ التحولّات الجارية. 2 2. تشخيص من منظور ك للأبعاد الأساسيّة
للقضايا الحاسمة، والمتشعّبة من نواحيها
السياسيّة والاقتصاديّة - الاجتماعيّة
والثقافيّة، ومن منظور الأمن الجماعي العربي. 3 3. معرفة طبيعة الآليّات والقنوات التي تدعم
الحوار والجدل القائم على المستوى العربي.
4 4. حاجات المواطن العربي، وفرصه للانخراط في النقاشات العربية، وعلاقة الفضاء العام
الوطني بالفضاء العامّ العربي. 5 5. التعرّف على تصوّرات المواطن المعيارية
للفضاء العامّ العربي. من جانب آخرَ، ونظرًا لعدم تجانس البلدان العربيّة
من ناحية واقعها الاقتصادي والاجتماعي وأنظمتها السياسيّة وثقلها الإقليمي، فإنّ ذلك يضع الفضاء
العامّ العربي محلّ تساؤل. وبالصّيغة المثلى، فإنّ
ذلك الفضاء يفترض أن تصبح الحوكمة الإقليميّة
(جامعة الدول العربية) بمنزلة مركز سياسي تتّخذ
فيه القرارات بشكل مستقلّ (جزئيًّا على الأقلّ) عن
الحكومات الوطنيّة. عندئذ يصبح الكلّ أكبر من
مجموع الأجزاء، ويتحقّق عمل الفضاء العامّ العربي
الذي تكون الحكومات أحد مكوّناته وليست أجمعها. ختامًا لهذا الجزء من الورقة الذي اهتمّ بتوفير إطار
عمل للبحوث النوعيّة لقياس الرأي العامّ على
المستويين الوطني والقومي، نودّ القول إنّ مقاربتنا
في الطّرح والمعالجة لم تتعدّ كونها مقاربة استكشافيّة،
هدفت إلى توفير تحليل سوسيولوجي أولّي للرأي
العامّ على مستويات مختلفة. وقد تحدّد عملنا،
بحدود ما تسمح به الورقة، في تقديم مقترحات في المنهجيّة، وفي رسم خريطة مفاهيميّة يمكن أن يفيد
منها مشروع قياس الرأي العامّ العربي في تطوير
برامجه المستقبليّة.
الهوامش
" مشروع قياس الرأي العامّ العربي 2010 "، المركز العربي
للأبحاث ودراسة السياسات، ص:1
http://www.dohainstitute.org/Home/ Details?entityID=5d045bf3-2df9-46cf-90a0- d92cbb5dd3e4&resourceId=7b817b45-8186-4979-82a3- 76616ef2bc23 M. Tessler & A. Jamal, "Political Attitude Research in the Arab World: Emerging Opportunities", PS Online , 18/5/2006: http://www.arabbarometer.org/ reports/politicalattitudearb.pdf.
صيف 2012
P. Bourdieu, "Public Opinion Does not Exist", In: Armand Mattelart (ed.), Communication and Class Struggle (New York: International General, 1983), pp. 124-130. S. Herbst, The Meaning of Public Opinion: Citizens, Construction of Public Reality, Media, Cupture and Society 15: 437 - 457. "Investment Report in Internet and Technology Startups in the Arab World", Sindibad-Business: http://www.wamda.com/web/uploads/resources/ Sindibad-Investment-Report_Oct_20111.pdf.