الفضاءات الثلاثة في دولة الإنتاج
The Three Spheres in the Productive State
الملخّص
* دكتور في الاقتصاد من جامعة كامبردج، شغل مناصبَ تنفيذيّة في منظّمات دوليّة ووزيرًا سابقًا للتّخطيط في الأردن.
Abstract
In addition to the traditional economic analysis that holds that economic activity takes place within two spheres, namely the public and the private sectors, this paper deals with a third sphere. This comprises the institutions of civil society that aim to make a profit, those which deal with the production and distribution of goods and services and with citizens as producers and consumers, but that nonetheless aim to serve society and the public good exclusively. This study looks at the relationship between these three spheres from two angles. This first is “normative” (that which should be) and the second is positive (application in the real world) and tries to establish some rules to define the required role of each of the three spheres of economic performance. It is suggested that the link between the nature of ownership of economic installations and the performance levels of these installations as an important factor for indicating the efficiency of the management of these installations be reconsidered.
- المجتمع المدني
- إدارة المنشآت
- القطاع الخاص
- القطاع العام
- الأداء الاقتصادي
- Public Sector
- Civil Society
- Private Sector
- Economic Performance
في إضافة إلى التّحليل الاقتصادي التّقليدي القائل بأنّ النّشاط الاقتصادي يجري ضمن فضاءين
اثنينْ، هما القطاع العام والقطاع الخاص؛ تعالج الورقة فضاءً ثالثًا يضمّ مؤسّسات المجتمع المدني
التي لا تسعى إلى الرّبح على الرغم من أنهّا تتعامل بالسلع والخدمات إنتاجًا وتوزيعًا، وتتعامل مع
المواط ين كمنتجين ومستهلكين، ولكنها في كل ذلك تسعى حصرا إلى خدمة المجتمع والمصلحة
العامة. تتناول الدراسة العلاقة بين الفضاءات الثلاثة من زاويتين، الأولى " قيمية " وتُعنى ب " ما
يجب أن يكون "، والثانية هي الزاوية " الوضعية "positive وتُعنى بالواقع التطبيقيّ، وتحاول
إرساء بعض القواعد لتحديد الدور المطلوب من كل واحد من الفضاءات الثلاثة في الأداء
الاقتصادي. وتقترح فك الارتباط بين طبيعة الملكية للمنشآت الاقتصادية من جهة، ومستوى
الأداء في هذه المنشآت من جهة أخرى، كأحد أهم العوامل التي ستؤثر في نجاعة إدارة المنشآت. منذ عام مضى، ما برح حراك التّغيير الاجتماعي والاقتصادي مُستعِرًا في عددٍ من الأقطار العربيّة،
ومنذِرا بأنّهسيتأجّج في أقطار عربيّة أخرى. والدّافع لهذا الحراك هو طموح الشّعوب العربيّة للتحوّل
من رعايا إلى مواطنين، وتحوّل دوهل م من مزارع وإقطاعات إلى أشخاص أو فئات مُتحكّمةٍ، وإلى دول يملكها
مجموع المواطنين، ويحكمونها بممثّليهم الأمناء، ولمصلحة المجموعة. في خضمّ هذا الحراك ثمّة هاجسٌ يشغل بال اليقظين من احتمالات ما يجري؛ وهو تأثير كل ذلك في معيشة
المواطنين وأرزاقهم، في العمالة أو البطالة، وفي نموّ الدّخل والثّروة وعدالة توزيعهما. وما يغذّي هذا الهاجس؛
هو أنّ في تجارب الدّول الأخرى، وفي تاريخ التّنمية عمومًا، لم يثبت أنّ هناك رابط ا واضحًا بين عمليّة التحوّل
الدّيمقراطي هذه، وفرص نجاح التّنمية الاقتصاديّة على وجه الخصوص، لما يصاحب التحوّل غالبًا من اختلال
الاستقرار الّوري لأيّ نشاطٍ اقتصاديٍّ مثمر. وما يُعزّز تلك الهواجس، هو أنّ حقبة التّغيير تشهد -على
الأرجح- انتكاسًا في الأداء التّنموي السّابق، حتى لو كان متدنّيًا وغير كاف. وفي هذا السّياق، نجد في مركز
الاهتمام نسقَ الحُكم الذي يتكوّن في رَحم ذلك الحراك، ويتولّد عنه. وفي نسق الحكم ذاك، مناط الإجابة عن
تلك الهواجس.
صيف 2012
ما هو نسق الحُكم الجديد؟ وما هي المؤسّسات الاجتماعيّة والسياسيّة الجديدة؟ يتّخذ طرح هذا السّؤال
مشروعيّته من كون هذه المؤسّسات هي التي تكوّن المناخ المناسب للتّنمية النّاجحة، أو المناخ الم حبط لها. وفي
مُقدّمة هذه المؤسّسات، نجد تلك التي حت دِّد الطّرُق التي يُكتسب بها الرِزقُ (علاقات الإنتاج)، وتتكوّن بها
الثروة، وتحديدًا طرق تخصيص الثّروة والتصرّف فيها. فهل تصدُر الثّروة عن الرَيع السّاعي إلى الاستهلاك غير
المنتج، أم تتول د عن الادّخار الهادف إلى الاستثمار وتوسيع قاعدة الإنتاج؟ وكيف ينعكس كل ذلك على العدالة
في توزيع الدّخل والثّروة؟ نجد على رأس المؤسّسات التي حتُدّد الجواب عن تلك الأسئلة، المؤسّسات التي تُنظّم النّشاط الاقتصادي، وحتُدّد
حركة المواطنين النّاشطين اقتصاديًّا بين فضاءات ثلاثةٍ في المجتمع: الفضاء العامّ، الذي اصطلح على تسميتهِ
ب " القطاع العام "؛ وهو قطاع مؤسّسات الدّولة والحكم، والفضاء الخاصّ، الذي اصطُلح على تسميته ب " القطاع
الخاص "؛ وهو الذي يضمّ جماع المواطنين خارج مؤسّسات الدّولة، لكنَّ التباسًا وقع في استعمال مصطلح القطاع
الخاص، كما سنرى، فغلب على مفهومه " قطاع الأعمال " و " مؤسّسات السّوق السّاعية إلى الرّبح ". بينما يقتضي التّحليل فرزَ فضاءٍ ثالثٍ يضمّ المؤسّسات التي تتعامل بالسّلع والخدمات إنتاجًا وتوزيعًا، وتتعاطى
مع المواطنين بصفتهم مستهلكين للسلع والخدمات؛ لكنّها لا تسعى إلى الرّبح، بل إلى الخدمة العامّة. إ ا
المؤسّسات التي يُطلَق عليها المجتمع المدني. وإلى وقت قريب، كان الجدل الأيديولوجي (العقائدي) مُنصبًّا على دور الق -ِطاع العام الدّولة، بال كيز على
الحكومة؛ وعلى دور الق طاع الخاص، بال كيز على قِطاع الأعمال الذي يتعامل مع السّوق، وحيُرّكه حافز الرّبح
المادي. ولم يكن حيّز الفضاء الخاص الذي يضم " المجتمع المدني " بارزًا؛ وهو الذي لا ينشط بحافز الرِّبح، بل
بحافز المسؤوليّة الاجتماعيّة تجاه المصلحة العامة، والذي تصحُّ تسميتُه ب " الفضاء الثالث "، إلى جانب " الفضاء
العام "، و "ّفضاء الأعمال الخاص ".
أولا: دور الدّولة الاقتصادي وسياسة الخصخصة
الدولة والسّوق منذ ثمانينيّات القرن الماضي، راجت عبادة وثن " السّوق " وقدراته العجائبيّة؛ خمُ ترقةً السّياسات الاقتصادية في
صورة ى الخصخصة. وأصبحت الدولة وتدخُّلها في النّشاط الاقتصادي موضع ا ام حتّى تثبت البراءة.
وغدا تحديد دور الدّولة وتصغير حجمها مفتاحا لإنقاذ البلد الفقير من دوّامة الفقر والتخلّف، وتسييره في
طريق التّنمية المستدامة الواعدة ببحبوحة العيش. وكان ذلك، في جانب منه، ردًّا على عقيدة وثنيّةٍ أخرى، لا
ترى القداسة إ في الدّولة كُليّة القُدرة على إدارة النشاط الاقتصادي؛ ملِا فيه من مصلحة المجتمع، كلّ المجتمع.
وكان التطبيق المُتطرّف لهذه العقيدة، هو إدارة الاقتصاد من خلال التّخطيط المركزي، على النّحو الذي مارسه
الاتحاد السوفياتي ودول المُعسكر الاشتراكي.
الفضاءات الثلاثة في دولة الإنتاج
إنّ التّحديد العلمي لدور الدّولة في الاقتصاد؛ يقتضي الانفكاك من النّزعة الوثنيّة التي تتعامل مع هذا الموضوع
من خلال موقف عقائديٍّ، وتبنّي موقف موضوعيٍّ مبنيّ على حاجات المجتمع وأهدافه في تحقيق التنمية
المستدامة والمنعَة الاقتصادية والرفاه لجميع المواطنين، بإنصافٍِ وتكافُؤٍ. وإذا ما انطلقنا من منطلقات علميّة متحرّرة من الأيديولوجيا؛ فإنّ إدارة الدّولة للاقتصاد والنشاط الإنتاجي فيه،
تعني أن تعمل الدّولة على قيام الطيف العريض من المُنشآت الإنتاجية المُتخصّصة في إنتاج مختلف السلع والخدمات،
سواء مباشرة من جانب الدولة، أو برعاية مُبادرات القطاع الخاصّ وتشجيعها على إقامتها. أمّا المعيار الذي حيُ دِّد أي
الفضاءيْن أفضل لنشاط المُنشأة المُنتجة لسلعة / لسلع معيّنة، أو لخدمات ما؛ فهو مِعيارُ الكفاءة الذي يُؤمّن إنتاج
السلع والخدمات بالكميّات والأنواع التي تُلبّي الطلب الفردي، والطلب الاجتماعي، بأحسن النوعيّات وأرخص
الأثمان. وتعتمد الكفاءة في الإنتاج على عوامل عدة، في مُقدّمتها الإطار المؤسسّي والتّنظيمي الذي يحكم عمل
المُنشأة، والذي حيُدّد الدوافع والحوافز الرافعة للكفاءة (لتشجيعها)، أو المُحبطة لها (للتخلّص منهاِ.) إن كفاءة أداء المُنشأة بوجهٍعامٍّ، وأداء العاملين فيها بوجهٍخاصٍّ، تعتمد على: البيئة المؤسّسية التي تعمل فيها المُنشأة. الدوافع والحوافز، وهي من صنفين: الحوافز المادّية، وهي في أساسها تحقيق الأرباح والمزايا المادّية للعمل في الم.ُنشأة الحوافز المعنوية، مثل الشّعور بالفخر وبالرضّى النّاتجنيْ عن السّمعة الطيّبة والمكانة الاجتماعية والنفوذ
السّياسي والاجتماعي (الجاه)؛ وهو شعورٌ مرتبطٌ بالعمل المُتقَن والأداء النّاجح.
ومثلما تُفيد النظريّة الاقتصاديّة اللّيبرالية منذ آدم سميث؛ من الممكن، من حيث المبدإ، وضمن شروطٍ مُعيّنةٍ،
الرّكون إلى المبادرات الشّخصيّة والفرديّة في القطاع الخاصّ لتو إدارة كل المُنشآت المُنتجة للسلع والخدماتِ
الخاصة (أي ما عدا السلع والخدمات العامة) بالكمّ والنوع، اللذين يفيان بالطلب، وأداء ذلك بكلّ كفاءةٍ
(بأقلّ تكلفة وأفضل نوعيّةٍ وأرخص ثمنٍ). فإذا توافرت تلك الّوط المُعيّنة؛ يمكن وضع التّصنيف التّالي
للفضاءات الثلّاثة التي تستوعب النّشاط الاقتصادي: الفضاء العام: ويشمل الدّولة بسلطاتها الثلّاث التشّريعية، والقضائية، والتنفيذية؛ بما فيها الحكومات المركزية
والمحلّية. وفي هذا الفضاء، يقع التشّريع للقوانين وتنفيذها ومح اية النّظام العامّ، بتوفير الأمن والدّفاع وحكم
القانون، ومح اية حقوق الإنسان، وتوفير المال العامّ لتغطية تكاليف السلع والخدمات العامة المختلفة التي تلتزمِ
الدولة بتوفيرها للمواطنين بعدالةٍ وإنصافٍ؛ هذا فضالً عن الإشراف على أداء المنشآت الإنتاجيّة في القطاع
الخاص لتنظيم هذا الأداء وضبط جودته. وفي الفضاء العامّ أيضًا، تقع حوكمة نشاط السّوق وحركة الأسعار، ويجري التّخطيط للتّنمية الاقتصاديّة
والاجتماعية. كما يجري الإشراف على أداء الم نشآت الإنتاجيّة في الفضاء الخاص، وضمان صِحّة التّنافس بينها
صيف 2012
حيثما كانت متنافسة، وضمان صحّة سلوكها إذا كانت احتكارًا أو ناشطة ضمن سوق تنقصها مقومات المنافسة. في المقابل، يشمل الفضاء الخاصقطاعنيْ رئيسين: قطاع الأعمال الخاصّ، وهو يتو إدارة الإنتاج في كلّ قطاعات السّلع والخدمات التي يكون المواطنون
بحاجة إليها، بإشراف الدولة وضمن قوانينها. ولكي يقع إنتاج ما يفي بحاجات المواطنين من شتّى
السلع والخدمات؛ لا بدّ للمنشآت من الحصول على القيمة الماليّة التي يتكلّفها الإنتاج. وذلك حين
تتُرجم " حاجات " المواطنين تلك إلى " طلب فاعل "، من خلال إنفاق المواطنين المباشر، أو من خلال
تنفيذ المنشآت الخاصة لعقودٍ يُمولّها القطاع العامّ لمصلحة بعض المواطنين أو جميعهم. قطاع الخدمات غير الحكوميّة وغير الربحية التي تُشارك الفضاء العام في تقديم السّلع العامّة، مثل
التّعليم والطّبابة والنّشاط الإعلامي والنّشاط الفكري والثّقافي... إلخ. أما الّوط التي تُقيّد اختصاص قطاع الأعمال بجانب مُع من النشاط الاقتصادي والإنتاج؛ فتشمل ما يلي: أن تكون السلع المُنتَجة " سلعًا خاصّة " بالكامل، خاضعةً لطلب السّوق التي تُنظ مها آليّة الأسعار. ويستثني هذا
الشرط السّلع العامّة، أو ذات الغرض المزدوج، التي تُنتَج تلبيةً لحاجات اجتماعية، وتكون غير مرتبطة، جزئيًّا
أو كُلّيًّا، بالطّلب في السّوق، أو بالقدرة الشرائية للمنتفعين بها. أن تسود عوامِل التّنافس، ويُقمع الاحتكار في الأسواق كلها التي تسوّق فيها المنتجات. ويشمل ذلك
الظّروف التي تحدّ من حرية دخول منتجين آخرين إلى السّوق؛ كما يشمل نقص المعلومات، وعدم توازنها،
ونقصان شفافيّتها عند الرّاغبين في المزاحمة من جانب الإنتاج والتوريد، وعند فئات أصحاب الحاجة والطلب
من المستهلكين. يدفع التنافسُ المدعوم بالحوافز المادية (جني الأرباح وتحقيق التوسّع والتراكم في الثروة) الم نتجَ إلى جودة الإنتاج
وتخفيض ثمنه. أمّا الحوافز المادية التي لا تقوم على فرص متكافئة للتّنافس الحرّ؛ فهي تدفع المُنتج إلى السّعي إلىِ
وضع احتكاريٍّ، يجني فيه أرباحًا، ليس من جهد ه الإنتاجي، بل من خلال العبث بالمؤسّسات، والالتفاف على
قواعد المنافسة، وهو السلوك المعروف ب " السّعي إلى الكسب الريعي " (Rent Seeking). يقول عالم الاقتصاد المؤسسّي، دوغلاس نورث (Douglas North) في ما يخصّ المؤسّسات الفاشلة التي
تُوجّه حوافز الربح ضد مصلحة المجتمع ما يلي: " إن النجاح في نشاط القرصنة يتطلّب مجموعةً من المهارات
والمعارف، مثل ما يتطلّبه النّجاح في الإنتاج الصناعي. وتعتمد الحوافز التي تدفع الأفراد إلى الاختيار بين تطوير
قدراتهم في مجال القرصنة، أو في مجال التصنيع، على العائد النسبي للفرد نتيجة انخراطه في كل من النشاطين.
ويعتمد هذا العائد النسبي على الإطار المؤسسي للاقتصاد ". في إعادة صياغة العلاقة بين الفضاءين الخاص والعام؛ يتع بناء المؤسّسات التي تضمن للفرد أن يكون
انخراطه في النّشاط الإنتاجي الّيف، أكبر وأضمن في المردود من انحرافه إلى القرصنة. ويتع أن يستهدف
الإصلاح المؤسسّي -بحكم أنّه أولويّة-ٌ قمع الاحتكار وإصلاح ساحة النّشاط الاقتصادي؛ بما يجعلها ساحة
حرّةً مستوية (Level Playing Field)، تتيح فرصًا متكافئةً لكلّ من يرغب في دخولها، وممارسة النّشاط
الفضاءات الثلاثة في دولة الإنتاج
الاقتصادي فيها من دون عوائق تسبّبها إجراءاتٌ وأنظمةٌ، أو حتى من دون حجب المعلومات، أو التّمييز في
إتاحة المعلومات للناشطين المحتملين (Asymmetry of Information). لنسلّم موقتًا بأنّ الّوط المُبيَّنة أعلاه قد توفّرت كاملةً وبالشّكل الصّحيح. فهل نستطيع عند ذلك أن نُعفي
الدّولة من أيّ دور مباشر في النشاط الاقتصادي المُنتج للسلع والخدمات؟ِ وهل يتع علينا -عندئذٍ- أن نُحيلَ إلى القطاع الخاص السّلع والخدمات كلّها، التي قضت أحداثٌ تاريخيّة
مُعيّنةٌ أن تتو إنتاجها الإدارة الحكومية، أو الم نشآت المملوكة من الدّولة؟ من حيث المبدأ، وكقاعدة تحتمل الاستثناء؛ نرى أنّ على الدّولة أن تتجنّبَ التورّط في النّشاط الاقتصادي الجزئي
من ملكية و / أو إدارة المنشآت المُنتجة للسّلع والخدمات الخاضعة لآلية الأسعار وعوامل المنافسة في السوقِ.
وهو الأمر الذي يضع في حيّز الاستثناء الحالات الثلّاث التّالية: - حالة " السّلع العامّة " (وتشمل الخدمات اصطلاحًا)، مقابل " السّلع الخاصّة ". وهي التي يجب إنتاجها كام
ونوعًا على نحو يُلبّي حاجات المواطنين إليها من دون تمييز؛ فلا يُقيَّد إنتاجُها بتوفّر القوّة ال ائية لديهم. ومن
الأمثلة التّقليديّة على السّلع العامّة نذكر: خدمات الدفاع والأمن العام، والتربية والتعليم، والخدمات الصحيّة،
ومرافق البُنى التحتية. وهي لا تخلو من روابط مباشرة بين كمّ وكيف إنتاجها وتوريدها إلى المستفيدين من جهةٍ،
وقُدرة المستفيدين على شرائها ودفع أثمانها من جهةٍ أخرى. - حالة السلع التي تُواجه أسواقًا غير تنافسيّة، أو منقوصة التنافس. إذ إنّ تو القطاع الخاص إنتاجَها، يتيح له
جني أرباح ريعيّة غير مبُرَّرة. وعلى رأس هذه السِلع، تلك التي تُعد " احتكارات طبيعية "، مثل الثّروات المعدنيّة؛
والمشاريع الضّخمة التي لا تتحمّل السّوق منها إ عددًا قليالً من السّلع، لتتعذّر معه المنافسة. - حالة حوكمة السّوق وآلية توجيه الأسعار نحو النّشاطات التي حتُدّدها خطة الدولة؛ باعتبارها أولويةً وطنية.ً
ومنها النشاطات ذات الاقتصادات الخارجية، وتلك التي لا تظهر اقتصاديّاتها إ إذا بلغت أحجامًا كبيرةً (أي
لا يمكن الرّكون فيها إلى عوامل السّوق، لتوفير شروط القيام بها ما دامت ضمن أحجام محدودة.) ومن الجدير بالذّكر أنّ صفة العموميّة في السّلعة العامّة، قد تكون محدودةً أو جُزئ يّةً؛ بحيث أنّ السلعة ذاتها تحويِ
في الآن ذاته جانبًا فيه صفات السّلعة العامّة، وجانبًا آخر فيه صفات السلعة الخاصّة. والمثال الفذّ على هذه الحالة
واحتمال إساءة السياسة العامّة بشأنها؛ هو المتعلّق بموضوع التعليم العالي، وانخراط قطاع الأعمال الخاصّ في
توفيره. وهو ما سنعرض له في الجزء الأخير من هذه الدّراسة. إن إنتاج السّلع العامّة، هو مسؤوليّة الدّولة في المقام الأول. ولا مزايا يُعهَد بها إلى القطاع الخاص؛ ما دامت
غير متأثّرة بقوى السوق. لكن لماذا تقع مع ذلك الدّعوة إلى خصخصة مرافق النفع العام وغيرها من الس لع
العامة؟ إنّ الحُجّة الرائجة هي عامل الكفاءة الإدارية، التي يُشتَهر بها القطاع الخاصّ. لكنّ تو القطاع الخاص
إنتاج وبيع سلعةٍ عامّة، يتمتّع في خصوصها باحتكار محُصَّنٍضدّ المنافسة الحافزة على الأداء الكفء؛ سيؤدّي
بالّورة إلى تقديم سلع أو خدمات سيّئة النوعية، أو تقاضي أثمانٍباهظة، أو كليهما. وهو ما من شأنه أن يدفع
الحكومة إلى ربط كلّ عمليّة خصخصة لإنتاج سلعة عامّة إلى إنشاء هيئةٍ حكوميّةٍ مستقلّةٍ لتنظيم تعامل القطاع
صيف 2012
الخاص مع هذه السّلعة إنتاجًا وتوزيعًا وتسعيرًا. والأمثلة على ذلك في الأردن، الهيئات المستقلّة الخاصّة بتنظيم
المرافق التي وقع تخصيصها، مثل الاتّصالات والكهرباء والنّقل العام. والسّؤال الذي يُثار هنا هو: لماذا نسير في هذا الطريق؟ الجواب الشّائع عن هذا السّؤال هو أنّ الإدارة الحكوميّة
مُصابةٌ بفقر في الكفاءة بصورةٍ مزمنةٍ. والأرجح، هو أنّنا سنجد لهذا أسبابًا يتعلّق مُعظمُها بأنّ القطاع الخاصّ
يكفل لإدارته فنون الإدارة الحديثة وتقنياتها، وخضوع الم نشأَة لرقابةٍ أشدَّ، ومحاسبة على الأداء ضمن معايير موضوعية. يُضاف إلى ذلك أن التّوظيف يخضع بدرجة أكبر لاعتبارات الكفاءة، ومرونة أكثر للاستغناء عن
الموظفين غير الأكفاء. إنّ ثمّة مقدارًا كبيرًا من الشكّ في أنّ تلك الممارسات الخاصّة بحسن الأداء، تبقى قائمةً لدى المنشآت التي تُواجه
سوقًا محتكرا، أو منقوص المنافسة. وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، فإنّ من السّهولة بمكان حصول المنشآت
العامّة على عناصر الإدارة الكفؤة تلك، من خلال التعاقد عليها مع مؤسسات القطاع الخاص؛ وذلك من دون
أن تتنازل الدولة عن ملكيتها وسيطرتها على الأمور. إنّ الحوافز المادية في القطاع العام محدودةٌ، لكنْ من الممكن جعلها تتناسب طرديًّا مع إتقان الأداء؛ وذلك من
خلال الحِرص على استقلال الإدارة، وتحصينها من التأثّر بسلبيات الضغوط الاجتماعية البطركية والفئوية،
ومن خلال العمل على تنمية الحوافز المعنوية التي تحضّ على الأداء المُتقَن. وحتى في القطاع الخاص، حيث حافز الربح هو السائد؛ نجد أنّ الحوافز المعنويّة لا تغيب عن البيئة الإنتاجية في هذا القطاع. إذ يطغى الشّعور بالفخر
في أحيانٍكثيرةٍ على حافز الرّبح، عند أداء العمل بإتقانٍ، أو الوصول بمنتَج ما إلى درجةٍ عاليةٍ من الجَودة.
ويكون له الفضل الأكبر في جودة الأداء. يُبنى على ما تقدّم، أنّ توزيع المسؤوليات الم تعلّقة بالنشاط الاقتصادي ضمن المجتمع والدولة؛ يختلف ما بين
أمور الاقتصاد الكُّ (الماكرو) وأمور الاقتصاد الجُزئي (المايكرو)، كما يختلف بالتباين بين السّلع العامة والسلع
الخاصة والسلع ثنائية الغرض، على الوجه التالي:
في ما يخص النّشاط الاقتصادي الكلّي (الماكرو:)
يقع هذا النشاط الاقتصادي، حصرًا، في الحيّز العام. وإنّ تراخي الدّولة في مراقبته وضبطه، وتدخُّلها المباشر
لتصحيح الاختلالات التي تشوبه؛ قد كان سببًا وراء أخطر الأزمات التي تعرّض لها العالم.
في ما يخصّ النشاط الاقتصادي الجُزئي (المايكرو:)
تُوزّع المسؤوليّات عنه على ثلاثة قطاعات ذات مؤهلّات خمُتلفةٍ للتعامل مع كلٍّ من السّلع الخاصة والسلع
العامة؛ وهي القطاع الحكومي (العام)؛ والقطاع الأهلي غير الرّبحي (المجتمع المدني)، وقطاع الأعمال الرّبحي. أما السّلع الخاصة؛ فالمبدأ هنا هو أنّ مسؤولية النّشاط في إنتاجها وتوزيعها، يجب أن تُناط بقطاع الأعمال، شريطة
خضوع ذلك النّشاط لقوى السّوق التنافسية الخالية من الاحتكار.
الفضاءات الثلاثة في دولة الإنتاج
وأمّا السّلع العامّة، فيجب أن يستقر النشاط الاقتصادي في إنتاجها وتوريدها في حيّز المسؤولية الحكومية؛ مع
استثناءات مبرَّرة بدقّة، وخاضعة لقوانين مثل: التعاقد مع القطاع الخاص في مجال الإدارة، من دون التملّك أو الإنشاء والتشغيل ونقل السيطرة BOT. بيع حصص في شركة تملِكها الدّولة للقطاع الخاص؛ وذلك لاستقطاب موارد ماليّة لتمويل توسّعات
كبيرةٍ في القدرات الإنتاجيّة للّكة، أو لاستقطاب تجهيزات وخبرات يصعب الحصول عليها إلّا
من خلال شريكٍ إستراتيجيٍّ مُتخصّص في الإنتاج موضوع البحث. ويُنصح أ تزيد حصّة الشريك
الإستراتيجي في هذه الحالة على 50٪ من الأسهم. أمّا السّلع ذات الغرض المزدوج؛ فحكمُها حُكم السّلع العامّة، مع جواز أن يُشار ك القطاع الأهلي غير
الرّبحي في النّشاط الخاص بها، كما هي الحال في الجامعات الخاصّة غير الرّبحية. ويقدّم القسم الأخير
من هذه الدّراسة تحليالًانتقاديًّا لحالة التّعليم العالي في الأردن، ومقترحات لإصلاح هذه الحالة؛ وذلك
من خلال تحجيم دور قطاع الأعمال الرّبحي، وإعادة صياغة دور الحكومة ودور القطاع الأهلي غير
الرّبحي، وتطبيق ثقافة الأوقاف الخيريّة على تمويل الجامعات والمعاهد العليا. وذلك نحو يعظ م فرص
نجاحها في الوفاء بما يرجوه منها المجتمع، بحكم أنّ خدماتها هي سلعةٌ عامّةٌ حيويّةٌ، يتع تقديمها
وفق أرقى المعايير. العلاقة بين الفضاء العامّ والفضاء الخاصّ في تجارب الدّول يصف العرضُ السّابقُ الحدود بين الفضاءين كما يجب أن تكون من الناحية المبدئية، ولا يتعرّض لواقع التجربة
الفعلية للدول الحافلة بالآثار السلبية، والآثار الإيجابية للبنية السياسية والاجتماعية في الفضاء الخاص على نحو
ما هي عليه الحال في الفضاء العام. كما أنّه لا يتعرّض إلى ما يترتّب على ذلك من مستوى الأداء العامّ للدولة
نجاحًا أو فشالً. وفي تفسير واقع التجربة، هناك موقفان نظريان لمدرستنيْ فكريّتي: الأولى، المدرسة النّيوماركسية، والثانية المدرسة التّنموية الحداثية. ترى المدرسة النيوماركسية -ومن منظريها سمير أمين وغوندر فرانك (Gunder Frank -) أنّ السّلوك
الاقتصادي للدّولة، يخدم مصالح الطبقة السائدة في المجتمع، بما يتضمّنه ذلك السّلوك من سياسات تنمويّةٍ،
ومن نجاحها أو فشلها. أمّا المدرسة التنموية الحداثية، وعميد منظّريها صمويل هانتنغتون؛ فتميِّز بين الدّولة التّنموية التي تُديرها نخبة
اجتماعيةٌ مُلتزمة بالحداثة التي تحقق لها النجاح، مقابل نمط آخر من الدول تميَّزَ بالفشل بسبب سيطرة المصالح
الشخصية عليه. ويمثل الدولة الناجحة كوريا الجنوبية بقيادة (Park Chung Hee)، وسنغافورة بقيادة لي كوان
يو (Lee Kuan Yew). في حين يمثّل الدّولة الفاشلة عددٌ كبيرٌ من الدّول الأفريقية جنوب الصحراء. وتشترك النّظريتان في فكرة أنّه ينتج عن ال كيب الطبقي للمجتمع (الفضاء الخاص) نمطٌ مع من القيادة في
1 Rehman Sobhan, Towards a Theory of Governance and Development: Learning from East Asia , Center for Policy Dialogue (Dhaka-Bangladesh: The University Press Limited, 1998), Chapter 5.
صيف 2012
الفضاء العام، يكون المؤثِّر في نمط تكوين رأس المال والنمو الاقتصادي. لكنْ في الواقع، إنّ دوال مشرتَكةً في الظّاهر في طبيعة القيادة والتركيب الطبقي للمجتمع؛ قد واجهت مصائر
مختلفةً من حيث نمط النموّ وتوزيع ثمراته. وذلك مثل الاختلاف بين جنوب كوريا، وباكستان، وغانا
(نكروما)، ومصر (عبد الناصر)، وإندونيسيا (سوكارنو). كما واجهت الدول الاشتراكية، المتشابهة في الظاهر
في طبيعة القيادة والنظام الاجتماعي، مصائر مختلفةً؛ مثل: الاختلاف بين دول أوروبا الشرقية، التي انتهت إلى
الفشل العام من جهةٍ، والصيّن التي حقّقت نجاحًا مذهالً في سرعة النموّ من جهة أخرى؛ ا جعل اقتصادها
يوشك على أن يكون أكبر الاقتصادات حجامً في العالم. يُشير كل ذلك إلى أنّ ربط النتائج الاقتصادية بذلك المستوى من التنظير هو سطحي، ولا يفي بالغرض.
أوحى ذلك القصور في التّفسير، بموقف نظريٍّ ثالثٍ مختلفٍ؛ يقوم على أنّ الدّولة يمكن أن تكون مستقلة ذاتيًّا
خارج تأثير الصراع الطبقي، أو تضارب المصالح الفئوية. وهناك أمثلةٌ حقيقيّةٌ على الدولة المستقلة ذاتيًّا، التي
تعمل من خلال جهاز إداريٍّ حكوميٍّ (بيروقراطية) معزول عزال فاعالً عن المؤثرات السلبية الواردة من البيئة
الاجتماعية. وهو جهازٌ يعمل على تعزيز هذا النّوع من العزل، ونجاح القواعد الصّارمة في قبول الموظفين في
الخدمة العامّة، وترق يَتهم، وخلق بيئة عمل حرَفية محصّنةٍِ ضدّ عوامل الإفساد. وهذا هو النموذج الذي مثّلته
الدّول النّاجحة تنمويًّا؛ مثل سنغافورة وكوريا وماليزيا.
المشكلة هي أنه من السهولة بمكانٍالتعرّف تاريخيًّا إلى الحالات التي أمكن فيها عزل الدولة، وعزل جهازها
الإداري وتحييده عن التأثر بالمصالح. لكنّ الصعوبة تكمن في استحداث هذا العزل في الأحوال التي لا يوجد
فيها، وجعله فاعالً ووافيًا بالهدف الأساس، الذي هو الاستقلال الذّاتي للدّولة وفصل الإمارة عن التّجارة.
ولقد اجتهدت بعض التحليلات في جعل مستوى الرواتب والأجور في الخدمة المدنية، عامال في تحصين الإدارة
الحكومية؛ وذلك عندما يكون هذا المستوى منافسًا لنظيره في القطاع الخاص. غير أن هذا العامل قد يكون شرط ا
ضروريًّا لنجاح الإدارة العامة المستقلة ذاتيًّا، لكنّه غير كافٍ لتفسير هذا النجاح. ومن العوامل التي اعترُبِتْ مُكمّلةً لشروط نجاح الدولة في الاستقلال الذاتي؛ نذكر نشوء الدولة وترعرعها
في بيئةٍ تتمتّع بكمٍّ كبير من " رأس المال الاجتماعي ". ويعود ال ويج لهذا المفهوم إلى روبرت بوتنام (Robert
Putnam). ويشير هذا المفهوم إلى نضوج حسّ الولاء المجتمعي / الوطني، وضمور الولاءات الفئوية
(الطائفية، القبلية... إلخ). وهذا النّضوج هو نتيجة تطوّر ثقافي وأخلاقيٍّ وحضاريٍّ عمومًا، تضرب جذوره
في التراث القومي وأخلاقيات المجتمع. ويُع بوتنام عن ذلك بالقول: " إن ما يحدّد إلى أين تذهب هو المكان
الذي أتيت منه ".
ثانيًا: الملكيّة الخاصّة والملكيّة العامّة في النّظرية الاقتصادية
تقضي النّظرية الاقتصادية اللّيبرالية، التي تعود في أصلها إلى آدم سميث، بأنّ النشاط الاقتصادي يكون عند
حدّه الأقصى من الكفاءة (أعلى مردود بأقلّ تكلفةٍ)، حين تسود الأسواقَ حالة " التّنافس الكامل "؛ بحيث يتّخذ
2 Robert D. Putnam, Making Democracy Work: Civil Traditions in Modern Italy (New Jersey: Princeton University Press, 1993), Cited in: Sobhan, op.cit., Chapter 5.
الفضاءات الثلاثة في دولة الإنتاج
المنتجون قراراتهم المدفوعة بدافع تعظيم الرّبح، من خلال القيام بإنتاج قادر على المنافسة ضمن السّعر الذي
حيُدّده التنافس الحرّ، أي الإنتاج بأقصى كفاءةٍ ممُكنةٍ. إنّ شروط التّنافس تحُولُ بين أيّ منتج من بين منتجين
عديدين، والتأثير في السّوق بصورة تتيح له جني الرّبح بطرق أخرى غير طريق كفاءته في الإنتاج. وفي الوقت
ذاته، يتّخذ المستهلكون قراراتهم بال اء بوحي من تعظيم منفعتهم الاستهلاكيّة؛ وذلك بدفع السّعر إلى أدنى
حدٍّ تقود إليه المنافسة. وعلى هذا النّحو، يكون النشاط الاقتصادي في حالة " التوازن التنافسي " الذي تُنظّمه آلية
السعر. ومن شروط تحقّق هذا التّوازن التّنافسي، الانسياب الكفء والمتجانس للمعلومات عن سوق السّلعة أو
الخدمة المنتجة، وعن طبيعة النشاط الذي يمُارس في السوق من جهة المنتجين، في ما يعرضون من الإنتاج، ومن
قبل المستهلكين في ما يطلبون للاستهلاك. وليس هناك من سبب لافتراض أن ملكية المنشأة تحول دون خضوع نشاطها لحافز تعظيم الربح الذي تشترطه السوق التنافسية. فإذا كانت القواعد، التي تعمل بموجبها المنشآت الحكومية، تفرض على هذه المنشآت تعظيم
الربح؛ فإن تصرّف المنشآت الحكوميّة وفق تلك القواعد، سيكون مماثال لتصرّف منشآت القطاع الخاص تحت
تأثير حوافز الربح المماثلة. ولا تأثير لطبيعة الملكية في الموضوع في ظلّ هذه الشروط. بهذه المعاني، فإنّ نظريّة
التّوازن التّنافسي العامّة، لا تتضمّن أيّ تحيّز إلى جانب الملكيّة الخاصّة ضد الملكية العامة، أو العكس. وحتى
أنصار الملكية العامة لوسائل الإنتاج من الاشتراكيين، لا يبنون تصوّرهم على أنّ الملكية العامة هي أكثر كفاءة
في تعظيم الرّبح من الملكيّة الخاصة؛ وإنمّا يقيمونها على فكرة أنّ الملكيّة العامّة تستطيع أن تخدم غايات اجتماعية
أهم من غاية تعظيم الربح. ومن الأهمية بمكانٍ، التأكيد على أنّ نظرية "ّالتوازن التّنافسي العام " (General Competitive Equilibrium)
لا تعود ذات جدوى حالما تتعذّر حالة " التّنافس الكامل " في الأسواق، وتسود بدلها حالة " التّنافس المنقوص "
(Imperfect Competition). وأكثر حالات التنافس المنقوص تطرّفًا، هي حالة " الاحتكار الطبيعي ". وهي
الحالة التي تسود حين تتطلّب اقتصاديّات الحجم الكبير أن يكون حجم المنشأة ضخامً؛ إلى حدٍّ لا تتّسع فيه
السّوق إ لمنشأةٍ واحدةٍ. فتنتفي عندئذٍ إمكانيّة التّنافس، كما هي الحال في المُنشآت التي تقوم بإسالة المياه،
أو بتزويد التيّار الكهربائي. ولعلّ أقوى الحجج التي يسوقها المدافعون عن الملكية العامّة، هي تلك المتعلّقة
بمثل تلك الاحتكارات. ذلك أنّ تأميم الم -التي متُثّل احتكارًا طبيعيًّا-ُنشأَة حتّى تُصبح ملكًا للدّولة؛ من شأنه
أن يتيح للحكومة إمكانيّة أن تتحكّم في سياسة المُنشأة الحكومية في الإنتاج، وتحديد الأسعار. وهو ما يمكّن
الحكومة من حماية المستهلك من الأسعار الفاحشة؛ التي قد يضطر إلى تحمّلها لو كان الاحتكار ملكًا خاصًّا،
دافعه الوحيد هو تعظيم الربح. ولقد نجح الفكر الاقتصاديُّ حديثًا، في تطوير منهجيات لتحسين الكفاءة في الم نشآت الحكوميّة؛ وذلك من
خلال تعريض هذه المُنشآت لدرجات من التنافس من جانب مُنشآت منافسة في القطاع الخاص. ا يُتيح
للمُنشآت الخاصّة كسر الاحتكار الحكومي، كلمّا تطلّبت حالة السوق ذلك. بموازاة ذلك؛ عمدَ الفكرُ الاقتصادي إلى ابتداع وسيلة أخرى غير " التّأميم " أو استئثار الحكومة بالسّيطرة الكاملة
على نشاطٍ إنتاجيٍّ مُع، بهدف ضمان توفير سلع أو خدمات مُعيَّنةٍ مطلوبةٍ للمجتمع. فبالإمكان توفير السّلع
أو الخدمات المطلوبة اجتماعيًّا بواسطة عقودٍ تبُرَم مع مُنشآت القطاع الخاصّ؛ أي من دون تغيير ملكيّة المُنشآت
صيف 2012
الخاصّة، التي يجري التّعاقد معها لإنتاج تلك السلع أو الخدمات. وهكذا يكون التّعاقد وما يمُاثله من الإجراءات
الحكوميّة الضّابطة للنّشاط الاقتصادي، بديال جمُديًا للملكيّة، أو للسّيطرة الكاملة من جانب القطاع العامّ على
تلك المرافق. وبناءً على ذلك، يجدر بنا تكرار فكرة أنّ الفكر الاقتصادي الحديث الخاصّ بالتّنظيم الاقتصادي
للمجتمع، لا يحمل أفكارًا مُسبَقةً مُتحيِّزةً للملكيّة العامّة، أو مُتحيّزة -على خلاف ذلك- للملكيّة الخاصّة،
بصورةٍ مُطلقةٍ في الأحوال كلّها. بل إنّ الأمر يعتمد على تحليل " شروط البداية " (Initial Conditions) التي
تحكم أوضاع الاقتصاد والمجتمع؛ حين يضعها الاقتصاد السّياسي موضع الدّراسة والتّحليل. وتشمل " شروطُ
البداية " هذه نمطَ الملكيّة والتّنظيم الاجتماعي الذي يسود الاقتصاد. فإذا كان السّائد هو الملكيّة العامّة والتّنظيم
المركزي المرتبط بها؛ فإنّ النّظر يتركّز عند ذلك على سياسات تحرير الاقتصاد، ورفع كفاءة الأداء الإنتاجي من
خلال إدخال القطاع الخاصّ لجُرعات قويّةٍ من المنافسة. وإذا كان السّائد، هو الملكيّة الخاصّة في سياق من
الانفلات والممارسات الاحتكاريّة التي تستغلّ النشاط الاقتصادي لتعزيز مصالح فئوية دون المصلحة الشّاملة
للمجتمع؛ فعند ذلك يجري النّظر في توسيع تدخّل الدّولة، وتشريع الأنظمة التي تُكاف ح الانفلات وتحدّ من
المُمارسات الاحتكارية.
ثالثًا: في المفاهيم: الرّبحيّة والكفاءة - الملكيّة والإدارة
الرّبحية... مُقابِل الكفاءة لعلّ من أهمّ ما يستشهد به المروّجون للخصخصة من أجل بيان فضائلها؛ هو ما يبدو في الظ اهر من أنّ المُنشآت
الخاصّة أكثر ربحيّةً من المُنشآت العامّة. لكنّ هذا " الظّاهر " يقوم -في حالات كثيرةٍ- على الالتباس بين " ربحيّة "
المُنشأة و " كفاءتها ". فليست الرّبحيّة في الم نشآت الخاصّة دليالً بالّورة على الكفاءة، وليس انخفاض الرّبحية
في المُنشآت الحكوميّة دليالً على نقص في الكفاءة، بسبب الملكية العامّة. إذ كثيرًا ما يُعزى انخفاض الرّبحية في
المُنشآت الحكوميّة إلى قيودٍ إداريةٍ -كالقيود على التوسّع الاستثماري- من السّهل إزالتها إداريًّا، من دون اللّجوء
إلى الخصخصة. وكثيرًا ما يكون ذلك الانخفاض في ربحيّة الم نشآت الحكوميّة، عائدًا إلى سياسةٍ تفرض على هذه
المُنشآت واجبات اجتماعيّةً تُثقِل بها نفقاتها؛ مثل تقديم الخدمات بأثمانٍمدعومةٍ، من دون تعويضها عن قيمة
الدّعم المبذول للأغراض الاجتماعية. وهذه هي الحال مثال في بيع مياه الّب بأثمانٍمدعومةٍ للّائح الفقيرة
من المجتمع. وفي المقابل؛ فإنّ تو القطاع الخاصّ إدارة الم نشآت الخاصّة بمرفق توريد مياه الّب مثالً، قد
ينتهي إلى إثقال كاهل الّائح الفقيرة بأثمانٍباهظةٍ للمياه، ما لم يُفرض عليه إجراء تعديل في الأثمان ينقص من
ربحيّة تلك المُنشآت. الملكيّة... مقابِل الإدارة ليس لطبيعة الملكيّة أيّ دور في ربحية المُنشأة، على خلاف طبيعة الإدارة؛ ما دامت تلك المنشأة تُدار بمعيار تعظيم
الرّبح، ضمن استقلال ماليٍّ وإداريٍّ. فالأهمية القصوى تُسند لطبيعة السّوق، التي تتعامل معها الم نشأة بحسب
درجة التّنافس السّائدة فيها. فإذا كانت الم نشأة الإنتاجيّة تعمل في سوق التّنافس الكامل؛ فإنّ ذلك يضمن
عملها بكفاءةٍ كاملةٍ من حيث إنتاج أفضل منتوج بأقل ثمنٍ، وإ فإ ا ستفشل وستخرج من السّوق. لكنْ لابد
الفضاءات الثلاثة في دولة الإنتاج
لكفاءة أداء المُنشأة التي تعمل في سوق محتكرةٍ، أو سوق يسودها " التّنافس المنقوص "؛ أن تتأثّر بشكل سلبيٍّ.
ويكون تأثّر المُنشأة التي يملكها القطاع الخاصّ، أو التي انتقلت ملكيّتُها إليه بواسطة الخصخصة؛ خمُتلفًا عمّا
هي عليه الحال في وضعيّة المُنشأة التي يملكها القطاع العام. وتتصدّى النّظرية الاقتصاديّة لتحليل تأثير السوق
الاحتكارية في كلٍّ من المُنشأة الخاصة والمُنشأة العامة، من خلال " نظرية التعاقد " (Contract Theory) التي
تُعال -في جانب منها- التّبايُنات بين الأسواق التي يسودها جِ" التنافس المنقوص ". لقد نشأ الاهتمام بنظرية التعاقد؛ تبعًا للاهتمام بالتّباينات الخاصّة بحيازة المعلومات الاقتصادية، بين ما هو مُتاح
للقطاع العام من المعلومات، وما هو مُتاح منها للقطاع الخاص، وكذلك بين ما هو مُتاحٌ منها للمنتج أو المورّد،
مقابل ما هو مُتاحٌ منها للمستهلك... إلخ. وإنّ عدم التّناظر الم تكافئ في المعلومات المُتاحة لكلٍّ من المُنشآت
العامّة والمُنشآت الخاصّة، هو أحد التطبيقات المهمة لنظرية التّعاقُد. ففي ما يتعلّق بالقطاع العام؛ يحجب تمل ك الحكومة للمُنشأة الاحتكاريّة، أو للمنشأة العاملة ضمن تنافس
منقوص عن أيّ جهةٍ خارجيّةٍ، المعلومات الخاصة بنشاط المُنشأة وخططها في التسويق والاستثمار. ويؤدي
هذا بدوره إلى حجب فُرص مُراقبة نشاط المؤسّسة ومسلكيّة إدارتها؛ وهو ما يُضع ف الرّقابة على جودة الأداء
في هذه المُنشآت، كما يقلّل من حوافز تحسين الأداء لدى القائمين على إدارتها. في المقابل، نجد أن المُنشآت في القطاع الخاص تستطيع أن تحجب عن الحكومة معلومات مهمة عن نشاطاتها. ا يعني، أنّه يتع على سياسة
الخصخصة أن تأخذ بعين الاعتبار أنّ تنازل الحكومة عن ملكيّة المُنشآت العامّة، يُرافقه تنازلٌ عن المعلومات
الدّقيقة عن نشاط المؤسّسة، وخصوصًا ما تعلّق منها بحقيقة الرّبح / أو الأرباح، التي تجنيها من ذلك النشاط،
وانعكاس ذلك على الّائب المُستَحقَّة للماليّة العامّة. في مقابل ذلك، فإنّ السوق الماليّة توفرّ درجةً من الرّقابة على أداء الم نشأة المُخصخصة، وتضع إدارتها موضع
المساءلة؛ وذلك حين تكون تلك المنشأة شركةً مُساهمةً عامةً مُدرجةً في السّوق الماليّة؛ لا سيمّا إذا كانت في قطاع
يتّسم بدرجةٍ عاليةٍ من التّنافس. وهو ما قد يكون غير متوفّر، حين تكون المُنشأة مؤسّسةً ضمن القطاع العام،ّ
وغير خاضعة لتقييم السّوق المالية. وعلى مستوى آخر، وفي حالة القطاع العامّ؛ كثيرًا ما تكون شروط التّعاقد الضّمني المُطبّقة بين المالك (الحكومة)
والجهاز المُكلّف بالإدارة، من طبيعةٍ لا تُتيح لهذا الجهاز الاستقلال الكافي وحريّة التصرّف للقيام بالاستثمار
والتجديد في المُنشأة، حتّى تزيد كفاءتها. وذلك على النّحو الذي تقوم به مُنشآت القطاع الخاص، وفق ما متُليه
ضرورات المنافسة. وفي هذه الحالة، يُعَدّ التّعاقد لاّ بمتطلّبات الإدارة الناجحة. وفي مقابل ذلك، فإذا لم تُواجه
المُنشأة في القطاع الخاصّ ضغوطَ التنافس في حالات الاحتكار، أو التنافس المنقوص؛ فإنّ إدارة المُنشأة عرضة
لأن تستغلّ ضعف التّنافس لل اخي في ضبط الجودة، والإخلال بالتّعاقد القائم بينها وبين المالك (المُساهمين)،
ذاك الذي يُلزمها بالأداء الكفء. وقد يمتدّ ذلك "ّالتّعاقد المختل " إلى عمليّات تزوير وفسادٍ. وهناك مباحث
نظرية جدّية في الأدبيّات الاقتصاديّة، قامت بمقارنة حسنات وسيّئات حالتيْ اختلال التّعاقد الإداري
المذكورتين، وبتقييم ثمن المُبادلة بين حسنات الواحدة، وسيّئات الأخرى.
3 Gérard Roland, "Private and Public Ownership in Economic Theory", In: Gerald Roland (Ed.), Privatization: Successes and Failures (New York: Colombia University Press, 2008), Chapter 1, pp. 9-27.
صيف 2012
لكنّ المُلاحظات آنفة الذّكر؛ لا تعني أن ليس ثمّة أساسٌ للشكوى من ضعف الكفاءة في أداء المؤسّسات
والمُنشآت الحكومية في كثير من الأحيان. فلاشكّ في وجود حالات يسود فيها سوء الإدارة وتد الكفاءة إلى
درجة الفشل التام، في أداء المرافق العامّة والمُنشآت الحكوميّة. وهناك حالتان في المؤسّسات والمُنشآت الحكومية،
تؤشران إلى إخلال الإدارة بواجباتها. إحداهما، تتمثّل في اندماج الم نشأة الإنتاجيّة الحكومية في جهاز الدولة
الإداري؛ بحيث ينسحب عليها ما قد يكون في هذا الجهاز من عيوب، مثل تعيين موظفين غير أكفاء وجاهلين
بطبيعة المُنشأة التي يديرونها. وثانيهما، تكمن في غياب / أو ضعف الاستقلال المالي والإداري للمُنشأة؛ بحيث
لا تُتاح محاسبة المسؤولين الإداريين، على ضوء نتائج التشغيل الفعلي للمُنشأة، المتمثّلة في الرّبح أو الخسارة. وفي
هذه الحالة، يكون أداء المُنشأة عُرضةً للاختلال؛ حتى لو كان الجهاز الإداري مؤهالً وكفؤًا. إنّ علاج حالة نقص الكفاءة الإدارية بسبب نقص استقلال المُنشأة الإنتاجية الحكومية المالي والإداري؛ لا يكون
-ببساطةٍ- في تخ الدولة عن ملكيتها، بل في إحداث الاستقلال المالي والإداري المطلوب. وأكثر من ذلك، إذا
ما تعذّر أن يكون الاستقلال المالي والإداري كافيًا لضمان الكفاءة في إدارة المُنشأة؛ فمن الممكن أن يجري التّعاقد
مع شركات خمُتصّةٍ بإدارة ذلك النوع من المُنشآت بالّوط المُناسِبة.
رابعًا: الأرومة المُشتركة للفساد في الفضاءين العام والخاص
هنالك أحوالٌ بالغة الأهميّة، تضع المؤسّسات والمُنشآت العامّة موضع الانتقاد الصريح؛ وهي أحوالٌ قد ترِد
حتّى في المُنشآت المستقلّة ماليًّا وإداريًّا. وتتمثّل في أن يُؤدّي الاستقلال المالي والإداري إلى تسلّل عناصر بشرية
قابلة للفساد؛ بحيث تستغلّ مرونةَ صنع القرار التي يُتيحها ذلك الاستقلال، من أجل منافعها الشّخصية. وهذه
هي الظاهرة المعروفة في علم الاقتصاد بظاهرة " الأصيل والوكيل " (Agent - Principal). وتتمثّل في الحالة
التي يكون فيها " الوكيل " المفوّض بالقرار نيابةً عن المالك " الأصيل "، حائزًا على المعرفة المباشرة والدّقيقة عن
نشاط المُنشأة؛ بصورةٍ لا تتوفّر لدى المالك " الأصيل "، ولا لدى الأطراف الأخرى ذات الصلة. فيستغل الوكيل
امتيازه في هذه المعرفة، من أجل الحصول على منافع شخصية. تستطيع الخصخصة أن تتجاوز مُشكلة " الأصيل والوكيل " بشرطٍ واحدٍ، وهو أن يقوم المالكون الخواصّ بإدارة
المُنشآت المُخصخصة بأنفسهم؛ فتكون لديهم الحوافز المطلوبة لرفع كفاءة الأداء في هذه المُنشآت. وهذا الّط
لا يتحقق في الأغلب إ في المُنشآت الصغيرة التي يُباشر أصحاهبُا إدارتها بأنفسهم؛ والتي لا تكون أصالً في
حوزة القطاع العام، حتى تكون موضوعًا للخصخصة، إ في حالات قليلةٍ، كقيام الدّولة بتوزيع الملكيّة العامة
للأراضي الزّراعيّة على صغار المزارعين. أما في المُنشآت التي يستوجب تنظيمها الفصل بين الملكية والإدارة،
كما هي الحال في الشركات المُساهمة العامّة، وما شابهها من المُنشآت الكبيرة في القطاع الخاص؛ فتبقى مشكلة
" الأصيل والوكيل " قائمةً بحذافيرها. ففي هذا النوع من الم نشآت، يكون بحوزة المديرين التّنفيذيين المعرفة
المباشرة والدقيقة عن نشاط المُنشأة، بصورةٍ لا تكون سانحةً للآخرين. وبذلك تتوفر لديهم الحوافز لاستغلال
هذه المعرفة لمصالح شخصية؛ تمامًا كما هي الحال في البيروقراطيات الحكومية. وتبعًا لذلك، لا يبدو أنّ إنجاز
الخصخصة في حدّ ذاته، يستتبع ح لمشكلة " المفوّض الرئيس ".
4 Jomo, K.S., "A Critical Review of the Evolving Privatization Debate", In: Privatization: Successes and Failures (New York: Colombia University Press, 2008), Chapter 7, p. 199.
الفضاءات الثلاثة في دولة الإنتاج
وتظهر مشكلة " الأصيل والوكيل " بحدّةٍ شديدةٍ أثناء عملية / أو " سيرورة " الخصخصة (privatizing
process) ذاتها، لدى المسؤولين الموكَل إليهم تنفيذ نقل الملكية، أو نقل الإدارة إلى مُنشآت القطاع الخاصّ. فقد
ثبت في الخبرة العملية، أنّ احتمالات الفساد في هذه العملية كبيرة جدًّا. فإضافةً إلى امتلاك الوكلاء -المفوَّض
إليهم تنفيذ العمليّة- المعلوماتِ غير المُتاحة لغيرهم، عن حقيقة أرباح المُنشأة التي هم بصدد بيعها؛ فإنّ
احتمال فساد عملية البيع يبقى قائامً، حتى لو كانت الأرباح الجارية مُعلَنةً ومُتاحةً للجميع. ويبقى هناك جانبٌ
غير معلنٍ، إلاّ لدى الرّاسخين في معرفة الدّقائق الدّاخلية للمُنشأة؛ وهو الجانب المُتعلّق بالأرباح المستقبليّة
للمنشأة، التي هي العامل الحاسم في قيمة أصولها. إذ تساوي هذه القيمة المعادل الحاليَّ لمجموع تدفّقات الرّبح
المستقبلية. ولقد واكبت مظاهر الفساد المُشار إليها عددًا من عمليّات الخصخصة في بعض الأقطار النّامية،
وفي " الاقتصادات الانتقالية " (Transition Economies) (المصطلح الم طلق على الدول التي هي بصدد التحول من اقتصاد اشتراكي أو مخطط إلى اقتصاد السوق). فقد كانت تلك العمليّات طريقًا للثّراء السرّ يع لدى
قلّةٍ من المُتنفّذين. ففي روسيا مثالً، وخلال سنوات قليلةٍ، " استفحل التّفاوت، وتراجعَت المُساواة بين الدّخول،
وانحدر المتقاعدون إلى هوّة الفقر المتزايد، ولحق التردّي بنظام التّعليم الذي كان من أرقى الأنظمة في العالم ".
وقُدّر حجم الأصول التي وقع نهبُها من خلال عمليات الخصخصة ب 1500 مليار دولار؛ كان من تبعاتها إنتاج
طبقةٍ غير مسبوقة المثيل من أصحاب الثراء الفاحش. غير أنّ من أهم الأسباب التي تبُرّر كون المُنشأة الإنتاجية جزءا من مُنشآت القطاع الخاص ونشاطاته؛ ما
يتعلّق بشرطٍ آخر من شروط الإدارة الجديرة، غير شرط الاستقلال المالي والإداري. ذلك أنّ الاستقلال المالي
والإداري، يتيح محُ اسبة الكفاءة على قاعدة الربح والخسارة. أمّا الشرط الآخر؛ فهو وضع المُنشأة الإنتاجية أمام
تحدّي قوى السّوق وآلية السعر، التي خت ضع ما تنتجه المُنشأة من سلع أو خدمات للتّنافس مع السّلع المُماثلة التيِ
تنتجها المُنشآت الأخرى. وبذلك يكون نجاح المُنشأة في تحقيق الرّبح، غير عائدٍ إلى مزايا احتكارية تتمتّع بها؛ بل
عائدًا -على وجه التّحديد- إلى جودة منتجاتها، وقُدرهتِا على المنافسة، وبالتالي إلى كفاءة المسؤولين عن إدارتها. ولعلّ إخضاع النّشاط الإنتاجي للتّنافس الحر، والنأي بجودة المنتجات وأثمانها عن الم مارسات الاحتكارية، سواء
منها الاحتكار الفردي (Monopoly)، أو احتكار المجموعة المتواطئة (Oligopoly)؛ هو أقوى الح جج لتطبيق
الخصخصة على المُنشآت الحكومية، لاسيمّا حين يتعذّر تعريضها لقوى السوق التنافسية بطرق أخرى. ومن
الصعب دحض هذا المنطق، الذي يرشِّح للخصخصة كلّ الم نشآت التي هتُيّء لها الملكيةُ الخاصةُ شروطَ التّنافس
الحر، تلك ال وط التي تحكم مواصفاتها. وهو الأمر الذي خيُفّض أسعارها بالنّسبة إلى المستهلك، ويُعظّم
أرباحها بالنّسبة إلى المستثمر. ومن تلك الم نشآت، ما بادرت الدّولة إلى الاستثمار فيه. والسّبب في ذلك، هو تردّد
المستثمرين الخواصّ؛ نظرًا إلى كِبر حجم الاستثمار، ونقص معرفتهم بطبيعة السلعة المُنتَجة والتّكنولوجيا التي
متُثّلها، وبالتالي عدم قُدرهَت م على القيام بالمبادرات للانتقال بالاقتصاد من مراحله الابتدائيّة في التطوّر. ففي
تلك المراحل، كانت السّيادة موكولةً للزّراعة والتّجارة والخدمات البدائية، وكان القطاع الصناعي في طفولته؛
بينما كان روّاد الاستثمار الخواصّ منصرفين إلى النشاطات التقليدية محدودة المخاطر، بحكم محدوديّة خبرتهم
5 Joseph E. Stiglitz, "Forward to Gérard Roland", In: Privatization: Successes and Failures (New York: Colombia University Press, 2008). 6 - Ibid. pp ix-x.
صيف 2012
وإمكاناتهم المالية. حينئذٍ اضطرت الحكومات إلى المبادرة بتلك الاستثمارات؛ على غرار ما فعلته الأردن مثالً بتأسيسها صناعات الإسمنت وتكرير النفط وتعدين الفوسفات والبوتاس. إن بقاء مثل تلك الصّناعات -التي يُمكن لآلية السوق والمنافسة ضمان كفاءتها- احتكارًا حكوميًّا؛ هو أمر
يصعُب تبريره في معظم الحالات، إذ قد تكون له آثارٌ سلبيّةٌ في كفاءة الإنتاج. أمّا التمسّك الحكومي بتلك
الاحتكارات؛ فهو السّبب الرّئيس في المشاكل الاقتصادية التي عاناها الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية،
وتعانيها مصر وسوريا وأقطار أخرى استخفّت بقيمة السوق وفاعلية آلية السّعر. لكنّ ذلك المنطق لا ينطبق على النّشاطات الإنتاجية التي تُعتربَ احتكارات طبيعيةً (من قبيل المصادر الطبيعية،
كالبترول مثالً)، ولا على المرافق العامة التي لا تخضع كلّيًا -أو تخضع جُزئيًّا فقط- للنّشاط التنافسي وآلية
السّوق (مثل الأمن العام، والتّعليم والصحة، وسائر المرافق التي تُعرف ب " السّلع العامة ".)
خامسًا: الخصخصة في التجربة التّطبيقية
سجّلَتْ سياسات الخصخصة، من دون شك، مقدارًا من النّجاح في حالات مُعيَّنةٍ. لكنْ يوجد في المقابل،
عددٌ من التّجارب المريرة والمُخيّبة للأمل. وكان هذا ال اوح بين النّجاح والفشل من سِمات الإدارة الحكومية
للمرافق والمُنشآت التي تملكها الدولة أيضًا. فالسؤال إذًا هو: ما هي شروط النّجاح عند تحويل إدارة أو ملكية
بعض تلك المرافق والمُنشآت إلى القطاع الخاص؟ وما هي في المقابل شروط الارتقاء بالكفاءة الإنتاجية للمرافق
والمُنشآت العامة، من دون تخ الدولة عن ملكيّتها؟ لعلّ من أهمّ سلبيات الخصخصة، ما يتعلّق بما رافق عمليّاتها من فسادٍ في بلدانٍكثيرةٍ. إذ استولت مصالح فردية
ضيِّقةٌ على أصول وموارد ثمينةٍ، كانت ملكًا عامًّا للدولة؛ فاشترتها تلك المصالح بأثمانٍبخسةٍ. ففي روسيا
مثالً، كانت تلك المُمارسات مصدرًا لثراء من أصبحوا من أصحاب المليارات. ووفق بعض التقديرات، بلغت
قيمة الأصول المسروقة 1500 مليار (1.5 تريليون) دولار؛ في حين ازدادت ح دّة الفوارق وال مساواة بين
المواطنين الرّوس. وعرف نظام ال بية والتّعليم تردّيًا في المستوى؛ بعد أن كان من أرقى المستويات في العالم. كما
أصابت الفاقة الّيحة العريضة من الذين يعيشون برواتب التقاعد. وصاحب كلّ ذلك تراجعٌ في الاقتصاد،
وانخفاضٌ في مؤرشِّات التّنمية الإنسانية (المعدّل الوسطي المتوقَّع للأعمار). وللمقارنة بين التجارب القُطرية في سياسات الخصخصة وتطبيقها، يُقاس مدى الخصخصة بحجم القيمة
المضافة في المُنشآت الإنتاجية للدّولة؛ وذلك نسبةً إلى الناتج الوطني الخام في كلّ حالة قُطريةٍ. وفي هذا الصدد،
نُشير إلى الدراسة التي قام بها بورتولوتي وبينوتي (Pinotti. P and Bortolotti. B)، في عام 2003؛ وهي
مبنيّةٌ على التّحليل الإيكونومتري (الاقتصاد القياسي)، وتُغط 21 بلدًا (منها 16 بلدًا أوروبيًّا)، خلال ي
الحقبة 1977 - 1999. تخل ص هذه الدّراسة إلى أنّ مدى الخصخصة كان أكبر في البُلدان ذات المتوسط المرتفع
للناتج الوطني لكلّ فرد؛ أي البلدان التي حقّقت درجةً أعلى من التّنمية الاقتصادية. وتُشير الدّراسة أيضًا إلى
7 Joseph E. Stiglitz, op. cit.
الفضاءات الثلاثة في دولة الإنتاج
أنّ سياسات الخصخصة وإجراءاتها، قد وقع ا اذها بتواتر أكبر في الحالات التي تراجعت فيها وتائر النمو
الاقتصادي. ويعني ذلك أنّ اللّجوء إلى سياسات الخصخصة، قد تَناس ب طرديًّا مع تردّي توقّعات النشاط
الاقتصادي. فجرى اعتماد الخصخصة بهدف تنشيط النشاط الاستثماري للقطاع الخاص، ومُكافحة ذلك ال دي.
وتضطلع الظّروف المتعلّقة بالمالية العامّة كذلك بدور دافع لسياسات الخصخصة. فكثيرًا ما تلجأ البلدان التي
تُعاني مشاكل في أوضاع المالية العامة- بما في ذلك البلدان التي تعاني المديونية العالية - إلى الخصخصة لتمويل
عجز المالية العامة، أو لتمويل الأقساط المُستحقة من المديونية العامة. وتتعرض الدّراسة ذاتها إلى العوامل التي تدفع الحكومات إلى الخصخصة، واستنتجت أنّ دوافع إجراء
الخصخصة واحتمالاتها تزداد؛ إذ توجد أسواق ماليةٌ كبيرةٌ ومتمتّعةٌ بالسّيولة. فبيع الكميات الكبيرة من
المُساهمات ضمن إجراءات الخصخصة، يقتضي وجود أسواق للأوراق الماليّة؛ وهي أسواقٌ ناضجةٌ بالقدر
الذي يتيح استيعاب تلك المُساهمات. إلى جانب الدوافع الاقتصادية لسياسات الخصخصة، حت لّل تلك الدراسة أيضًا الدّوافع السّياسية والمؤسّسية
التي حيُتمل أن توثِّر في تلك السياسات. ومن هنا، تخلص الدّراسة إلى أنّ احتمالات اللجوء إلى الخصخصة،
ضمن عمليات إصلاح اقتصاديٍّ واسعة المدى؛ تزداد مع توفّر إطار مؤسسّي تحكمه إرادةُ أغلبيةٍ شعبيةٍ
مؤيدةٍ للإصلاح. محاذير سيرورة الخصخصة لعلّ من أقوى الاعتراضات على الخصخصة، هو أنّ تنفيذها يتضمن إجراءات محفوفةً باحتمالات الإساءة
للصّالح العام؛ وذلك لصعوبة القيام بها بإتقان ونزاهةٍ. ففي أحوال كثيرةٍ، يُسفر إجراؤها عن خسائر كبيرة
للمال العام، أو عن أضرار تلحق بشرائح المجتمع الفقيرة، أو باختلال في أخلاقيات مفهوم الثّروة؛ لاسيمّا حين
تُسفر العملية عن خلق أغنياء، تنحصر فضائلهم في أ م المستفيدون المباشرون من العمليّة. كما أن بعض الإجراءات التي تُصاحب العملية، والتي تبدو ذات أثر اجتماعيٍّ إيجابيٍّ؛ قد تكون غير عادلةٍ.
وهو ما حدث في بعض عمليات الخصخصة في دول الاتحاد السوفياتي السابق؛ إذ جرى توزيع الم ساهمات
في المُنشآت التي خضعت للخصخصة مجانًا، أو بأثمانٍزهيدةٍ، لكنْ بأساليب تمييزيّة وغير مُنصفة بين فئات
المجتمع المستفيدة. التّراتب الزّمني في توقيت عمليات الخصخصة كثيرا ما تجري عمليّات الخصخصة لمرافق حكومية مُعيّنة قبل التحضير الكافي لذلك، وقبل وضع الأنظمة
اللازمة لمراقبتها والضوابط الّورية لتسييرها بما يؤمّن الصالح العام. ولعلّ من أسوإ احتمالات الإساءة، هو
جعل موضوع ملكيّة الدولة للمرافق موضوعًا خاضعًا لتجاذبات قوى الضّغط السّياسية، أو القوى الفاعلة في
السوق. ذلك أنّ رأس المال الخاصّ، يؤدّي دورًا مباشرًا في ا اذ القرار بشأن انتقاء المرافق المرشّحة لعمليات
الخصخصة، وتحديد الشروط التي تقع بها هذه العمليات. وفي حين أن " كذبة المنبر بلقاء مشهورة "، كما يقول
8 B. Bortolotti & P. Pinotti, "The Political Economy of Privatization", Working Paper 2003.45, Fondazione Eni Enrico Mttei, Cited in: Gerald Roland, Privatization: Successes and Failures (New York: Colombia University Press, 2008).
صيف 2012
القائد العربي زياد بن أبيه، فإساءات القطاع الخاصّ وأضرارها الاجتماعيّة، تمرّ في الأغلب من دون مساءلةٍ.
وحين تحدث الخسارة المالية في المُنشآت الخاصة؛ كثيرًا ما تكون خسارةً محدودةً في الحالات التي ينطبق عليها
قانون الشركات محدودة المسؤوليّة. وفي تجربة دول أوروبا الشرقية (مثل جمهورية التشيك) ما يشير إلى أنّ القرارت المتعلّقة بتوقيت عمليات
الخصخصة؛ قد ركّزت أوال على المشاريع المُربحة، بهدف بناء الحوافز، ودفع الزّخم السّياسي للسيّر بعملية
الخصخصة على أساس النّجاح المُنجز في المُنشآت المُخصخصة (privatized firms). وتكرّرت هذه الظاهرة
في تجارب الخصخصة في أقطار أخرى؛ إذ لم تكن دوافعُ سياسة الخصخصة تحقيق كفاءة أكبر في أداء المُنشآت
المُخصخصة، بقدر ما كانت الحصول على عوائد ماليةٍ كبيرةٍ للحكومة، مع تقليل الكلفة السّياسية بإظهار أنّ
الخصخصة هي عمليةٌ مُربحةٌ. كما أن احتمال نشوء تكاليف اجتماعية، مثل الاستغناء عن عُ ل؛ هو احتمالٌ أبعد
من أن يحدث للمُنشأة المُربحةِ. ولعلّ أولى الدّراسات النظرية التي بحثت إستراتيجيات التراتب الزمني في توقيت عمليات الخصخصة (Sequencing of privatizing operations)، هي دراسة غلايزر وتشاينكمان في عام 1996. وبحسبها،
تكمن الميزة الأساسيّة للخصخصة في تأثيرها الإيجابي في كفاءة عمل المُنشآت الإنتاجية، من خلال ما تتيحه
الخصخصة من تحسين وسائل حصول المُنشأة على المعلومات اللازمة عن نشاط السوق ومستجداتها، وتحسين
قُدرهَتِا على الاستجابة المناسبة لهذه المعلومات. وبحسب وجهة النّظر هذه؛ فإنّ المنشآت في القطاع الخاص، هي
أقدر من نظيراتها في القطاع العام على الاستجابة للتقلّبات في أحوال الطلب على منتجاتها، أو أحوال تكاليف
المُدخلات اللازمة لعملياتها الإنتاجية. فخطط الإنتاج في المُنشآت العامّة، تجنح إلى اعتماد توقّعات محدّدةٍ للطلب
والتّكاليف، ولا تكون حسّاسةً بالقدر الكافي للتغيرات السريعة في الأسواق الخاصة بذلك الطلب وتلك
التكاليف. ولذلك، فإن الم نشآت الخاصة هي الأكفأ في التعامل مع الأسواق سريعة التقلّب، سواءً بالنسبة إلى
الطلب على المُنتجات، أو تكاليف الإنتاج. وذلك ما يجعل من المنطقي البدءُ في أولويّات التّوقيت بخصخصة
المُنشآت الأكثر حساسيّة لانسياب ودقة المعلومات الواردة من أسواق سريعة التّقلب. وعلى أساس النّظرية المُبيّنة أعلاه لدراسة غلايزر وتشاينكمان، هناك تمييز بين ثلاثة أنواع من المنشآت الإنتاجية:
الأوّل، قطاع التصنيع الأولّي (التعامل الأولّي مع المواد الخام لإنتاج سلع وسيطةٍ(Upstream))، والثاني، قطاع
التّصنيع الثانوي (تصنيع السلع الوسيطة إلى منتجات نهائيّةٍ(Downstream))، والثالث، قطاع بيع المنتجات
النهائية (سوق التّجزئة.) فحين تكون درجة عدم اليقين في سوق المنتجات (الطلب) أعلى منها في سوق المدخلات (تكاليف التشغيل)، كما هي الحال في نشاط التّصنيع الثّانوي بحكم تماسّه مع السوق النهائية (التجزئة)؛ فإن البدء بخصخصة
مُنشآت التصنيع الثانوي، هو الأ ولْى. وذلك لأ ا ستكتسب بالخصخصة كفاءةً أعلى في الحصول على المعلومات
الأكثر دقّةً عن احتمالات التقلّب في سوق الطلب.
9 - E.I. Glaeser & J.A. Scheinkman, "The Transition to Free Markets: Where to begin Privatization", Journal of Comparative Economics , 22, 1996, pp.23-42, Cited in: Gérard Roland, op. cit. pp. 86-88.
الفضاءات الثلاثة في دولة الإنتاج
سادسًا: الخصخصة في التطبيق: التعليم العالي في التجربة الأُردنية
مع بداية التّسعينيات من القرن الماضي، وبخاصة بعد انهيار الاتحّاد السوفياتي؛ ترسّخ موقف إنكار دور الحكومة
في الاقتصاد والتنمية، وراجت فلسفة الخصخصة، وفتح مجلس التعليم العالي البابَ لإنشاء " جامعات خاصّةٍ "
تملكُها شركاتٌ ربحيّةٌ. وعُدَّ ذلك فتحًا عظيامً لمصلحة الأعداد الكبيرة من خريّجي التّوجيهي، الذين لم تعد
الجامعات الرسمية تتّسع لهم، أو تستجيب لخياراتهم الدّراسيّة. واعتمد ال ويج لهذا " الفتح " على الالتباس
اللّغوي بين " الجامعة بمعنى " الأهلية " غير الحكومية، و " الجامعة الخاصّة " بمعنى شركة خدمات ربحيةٍ؛ بدعوى
أنّ أفضل الجامعات في العالم هي الجامعات الخاصة. والحال أن الجامعات المتميزة في العالم، ليس من بينها جامعة
تدرّ ربحًا على مستثمر. فكل " ربح " حتُقّقه هذه الجامعات من دخلها من الرّسوم الدراسية وعوائد الوقفيات
المتبرَّع بها، بما يفيض عن التكاليف الجارية لإدارتها؛ يُعاد استثماره فيها على شكل خدمات تربويةٍ أفضل جودة.ً لا خلاف في أنّ النّظرة الطموحة إلى مشهد التعليم العالي في الأردن، كما في أي بلدٍ عربيٍّ، تكمن في منظومةٍ
من الجامعات تُضاهي أرقى الجامعات في العالم الآن، والمتمثِّلة في جامعات كامبريدج وأكسفورد ولندن في بريطانيا، والسوربون في فرنسا، وجامعات " عصبة العراقة " (Ivy League) في الولايات المتحدة (ستانفورد
وكورنيل وهارفارد... إلخ)، إلى جانب منظومةٍ من المعاهد و " المدارس " شديدة التخصّص المتّصلة أو المنفصلة
عن جامعات أمٍّ، مثل " مدرسة هارفرد للقانون "، و " مدرسة هارفرد لإدارة الأعمال "، و " مدرسة وارتون للعلوم
المالية "، و " مدرسة لندن للاقتصاد "، و " معهد ماساشوستس للتكنولوجيا "، و " معهد الإنسياد لإدارة الأعمال "، و " معهد كيلوغز لإدارة الأعمال "... إلخ. إن بعض تلك الجامعات الرّاقية هي مؤسّساتٌ رسميّةٌ ترعاها الحكومات أو الولايات الفدرالية؛ لكنّ الجامعات
الأكثر تميُّزًا هي الجامعات الأهليّة التي يملكها -أو على الأصحّ التي يقوم عليها- " المجتمع الأهلي " من خلال
الوقفيات المالية والتبرعات التي تستخدم في الأغلب الأعمّ لتمويل البحث العلمي والتطوير الثقافي والمعرفي.
أمّا التّمويل المباشر لمساقات وبرامج التّعليم؛ فيُستمدّ في الأغلب من الرّسوم التي يدفعها الطلاب. وجدير
بالذّكر أنّه ليست هناك أيّ جامعة من الجامعات المتميزة تمثّل " شركة " مملوكةً من جانب مستثمرين يحملون
أسهمها، وينتظرون لهذه الأسهم أن تربح، ولقيمتها أن حت لّق في السوق الماليّة. والمؤسف أنّ معظم الناس وقع
فهمهم وإدراكهم لهذا الموضوع من خلال الالتباس اللغوي بين " الجامعة الخاصة " (بمعنى أنها " غير حكومية " تقوم عليها هيئة خيرية تنبثق عن المجتمع المدني، وتأخذ على عاتقها دعمها بالوقفيات والتبرّعات)، وبين " جامعة
خاصة " (بمعنى الم نشأة الاستثمارية التي " يملكها " مساهمون من القطاع الخاص لأغراض الرِّبح، شأنها في ذلك
شأن أيّ مشروع استثماريٍّ مربح.)! هنا يمكن إثارة عددٍ من التّساؤلات: لماذا تكاد قائمة الجامعات القائدة والممتازة في هذا العالم تقتصر على الجامعات " الخاصة " غير الحكومية،
لكن " غير الرّبحية "؟ ولماذا تتخلّف عن ذلك الامتياز جامعاتٌ حكوميّةٌ عديدة؛ إذ تضمّ قائمة الجامعات القائدة عددًا من
صيف 2012
هذه الجامعات، مثل التي تملكها بعض الولايات الأميركية: كجامعة " بيركلي " في ولاية كاليفورنيا،
وجامعة " وسكنسن " في ولاية " إلّلينوي "؟ • لماذا لا تضمّ قائمة الجامعات القائدة والممتازة ولا واحدة من الجامعات الربحية في القطاع الخاص؟ وما الفرق بين نجاح المشروع الاستثماري الرّبحي، أو فشله في أيٍّ من مجالات " الخدمات "؛ وبين نجاح
المشروع الربحي أو فشله في مجال الخدمات الجامعية؟ يعود الجواب عن هذه الأسئلة جوهريًّا إلى دور عوامل السّوق والعرض والطّلب وآليّة السّعر في تحديد كفاءة
إنتاج أيٍّ من السّلع والخدمات. فشرط خضوع كفاءة إنتاج سلعة أو خدمةٍ ما لعوامل السوق، هو أن تكون
"سلعةً خاصّة "؛ أي أنّ إنتاجها مطلوبٌ من أفراد أو جماعات في القطاع الخاصّ، يكونون جاهزين بالقُدرة
الشرائية لدفع ثمن حاجاتهم منها. وذلك مقابل " السّلعة العامّة " التي يكون الطلب عليها طلبًا مجتمعيًّا (وليس
فرديًّا)، يعكس طلب المجتمع ككلٍّ عليها بأحجام ونوعيات، لا يمكن حفز إنتاجها من خلال القُدرة الشرائية
لأي فردٍ أو مجموعة أفرادٍ. ولذلك لا يمكن الرّكون إلى عوامل السّوق لتلبية تلك الحاجة الاجتماعية إليها
بالأحجام والكمّيات المطلوبة. ومن هذه السّلع العامّة: الأمنُ العامّ، والدّفاع، والتّنظيم الحضري، ونظافة
المدن، وإسالة الماء، وال ف الصحيّ... وغير ذلك من البنيات الأساسية، ومعظم المرافق العامّة، ومنها
التعليم والتدريب والتعليم العالي. إن " السّلعة " التي متُثّلها خدمات التعليم العالي، هي "ٌسلعةٌ عامة " مطلوبةٌ للمجتمع بأحجام ونوعيات لا يمكن
لعوامل السوق أن تحفز الاستثمار الفردي على إنتاجها. صحيحٌ، هنالك جانبٌ من تلك السّلعة العامّة يُمكن
أن حيُرّك الطّلب السوقي لكي يدفع ثمنًا له، وهو " الشّهادة " الجامعية التي توثّق قراءة الطالب لكتبٍ مُعيّنةٍ،
واكتسابه معارف ومهارات مُعيّنة من خلال حضوره مجموعةً من الحصص الدّراسية. ولهذه الشهادة قيمةٌ في
السّوق لكونها مطلوبة للحصول على فرصة عمل. بهذا المعنى، يستطيع مستثمرٌ ما أن يؤسِّس "جًامعة " يمكنها
تقديم هذا المستوى من " السّلعة الخاصّة " في صورة " شهادةٍ " تُفيد بأنّ حاملها يملك كذا وكذا من المعارف
والمهارات؛ بدليل اجتيازه كذا وكذا من الامتحانات التي جت ريها الجامعة ذاتها (أي إ ا هي الحكَم في تقويم
جودة الخدمة التي تُقدّمها هي). لكن ليس في تلك " الشّهادة " ما يُثبت أن حاملها الجامعي قد اكتسب المرونة
والقدرات الفكرية والثقافية وحوافز الاطلاع ومهارات المنهجية العلمية في حل المشاكل، أو امتلك شخصيّة
متوازنةً واعيةً ملتزمةً بمقتضيات المواطنة الصالحة. وهذه كلها خدمات لا تُنت جها الحصة التدريسية؛ وإنماِ يُنتجُها " الحرم الجامعي " أو " الكامبيس " Campus، ويُنتجُها أساتذة يُعتبر كل منهم قدوةً ليس فقط بالمناقب
المسلكية الشّخصية، وإنمّا بتعاملهم مع الفكر والحوار الفكري، وبعاداتهم وتقاليدهم الخاصّة بالبحث والإنتاج
العلمي والفكري والثقافي. يُضاف إلى ذلك أنّ القيمة الاقتصاديّة للحرم الجامعي؛ لا تقتصر على ما يُضيفه إلى النّوعيّة الرّاقية التي يتميّز
بها الخريّجون من هذا الحرم. بل تشمل أيضًا ما تُضيفه الجامعة إلى محيطها الاجتماعي، سواءً في محيطها المجاور
مباشرةً، أو على مستوى الوطن ككلٍّ؛ من غ نى علمي وفكري وثقافي وفنّي، ا لا سبيل معه إلى الاعتماد على
قوى السوق في حفز الجامعة على توفيره. لا توجد طريقةٌ لتحويل المنافع أو العوائد التي يُنتجهاِ" الحرم الجامعي " و " القدوة العلمية " إلى سلعةٍ خاصّةٍ
الفضاءات الثلاثة في دولة الإنتاج
ذات ثمنٍمحدَّدٍ يدفعه من يرغب فيها، ويوفّره من لا يرغب فيها. ولأنّ سقف هذه العوائد عمليًّا هو غير
محدودٍ؛ فإنّ قُدرَة الحرم الجامعي على توفيرها، تتناسب طرديًّا مع حجم الموارد الماليّة التي تستثمر فيها، من دون
سقفٍ محدودٍ. لذلك، ومن دون موارد مالية من تبرعات أو وقفيات؛ لا يمكن تصوّر حالةٍ يمكن فيها تصميم
جامعةٍ تطلب من ط بها رسومًا عاليةً بدرجةٍ تُغطّي أكثر من كلفة ذلك الجانب من التّعليم الجامعي الذي
يُمثل " السلعة الخاصّة " بها، أو الشّهادة الجامعيّة ضمن الحد الأدنى من الجودة النّوعية. وإذا أمكن فرض رسوم
يفيض مردودها على ذلك؛ فإنّ المصلحة تقضي أن يُستثمر كلّ فلس منها في بناء طاقة " الحرم الجامعي " على إنتاج
الجزء المتضمّن " للسلعة العامّة " من أداء الجامعة. بناء على ذلك، فمن غير الممكن تصوّر جامعةٍ تكفي الرّسومُ
التي تتقاضاها لتغطية كلفة السلعة الخاصّة المُنتَجة، مع هامش فائضٍ يحقّق ربحًا جمُزيًا للمستثمرين. وإذا كان
هذا يعدّ وضعًا يصعب قبوله؛ فالأصعب منه هو الإصرار على صواب هذه الممارسة. ذلك أنّ الإصرار على
ذلك، وإنشاء جامعات ربحية تَعِد المساهمين بعوائد جمُزيةٍ على مساهماتهم، يعني أن يُصبح حافز الرّبح محفورًا
في صميم الثّقافة الإداريّة والماليّة للجامعة؛ ا حيُفّز على تخصيص كل " فلس " يمكن توفيره فوق كلفة الحد
الأدنى من كلفة" السلعة الخاصة " الجامعية، ليُضاف إلى أرباح المساهمين بدال من إعادة استثماره في إنتاج " السلعة
العامة الجامعية ". لهذا السّبب، لجأت الحكومة في الأردن إلى استصدار " قانون هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي " للحيلولة دون
طغيان حوافز الرّبح على مستوى الجامعة الربحية، وضمان الحدّ الأدنى من مواصفات التّعليم الجامعي المتّصلة
بكونه سلعة عامّة. وهذا الإجراء بديل عن الإدارة الحكومية -بجوانب قصورها المعروفة- للحصول على
ذلك الضمان. إذن، فهناك أسبابٌ جوهريةٌ تجعل من غير الممكن أن تبلغ الجامعة الرّبحيّة الخاصّة مستوى يتجاوز المستوى
الذي يُمكن أن تصل إليه مدرسةٌ ثانويّةٌ ممتدّةٌ زمنيًّا لهذا الغرض. وقد يقال إنّ الجامعات الرّسمية (الحكومية)، لم جيُْد ها كونها غير ربحيّة نفعًا، حتّى تبلغ المستوى الذي يتجاوز
كونها عمليًّا -وفي اعتبارات نوعية التعليم- امتدادًا زمنيًّا لا غير للدّراسة الثّانوية. وأحد العوامل المتسبّبة في
ذلك، هو اضطرارها إلى الالتزام بالمستوى المتد للرّسوم الجامعيّة التي لا تكاد تكفي لتقديم الخدمة الدّنيا من
التدريس. فضلا عن ترك فائضٍ يمكن إعادة استثماره لتطوير الأداء الجامعي. ويثير ذلك قضيةً أساسيّةً؛ تتمثّل في أنّ الكلام عن ال ربحية وضرورة رفد الموارد المالية للجامعات بالمنح
والتبرّعات وعوائد الوقفيات، يتعارض مع التخلّف الظاهر في الوعي الاجتماعي وغياب ثقافة الوهب الخيري،
في ما عدا الأوقاف التي تحرّكها الدّوافع الدينية. وعلى خلفية محدودية الموازنة للمال العام، تنشأ محدودية الإنفاق
الحكومي على التعليم العالي والبحث العلمي ومعونة الطلبة ضمن أولويات الموازنة الحكومية. وهذا ما خلق
حوافزَ للمبادرات المُنشئة للجامعات الخاصّة الرّبحية؛ وذلك بدعوى ضرورة الاعتماد على طاقات القطاع
الخاص لرفد موارد القطاع العام في تمويل التّعليم العالي. إنّ مبدأ استقطاب مدّخرات القطاع الخاصّ لتمويل أنشطة التّعليم، هو مبدأ سليمٌ ولا غبار عليه. وهذا
الاستقطاب يجري من خلال العمل أو (اللّعب) على حافزين: الأوّل هو رغبة المُدّخر في الحصول على مكافأةٍ
على قيامه بالادخار، أي تأجيل استهلاكه الحالي إلى زمن مستقبليٍّ، وهذه المكافأة تأخذ شكل الفائدة البنكية على
صيف 2012
المدّخرات في ودائع قصيرة الأجل، وشكل عوائد ثابتة أعلى من الفائدة البنكية على سندات الإقراض المختلفة.
والثاني، هو المشاركة في المخاطرة التي يُقدم عليها رجال الأعمال، من خلال شراء أسهم في المشاريع الاستثمارية
التي يُقيمونها، بهدف الحصول على الربح الذي تحتمله هذه المخاطرة. إنّ حجم الربح الاستثماري من إنتاج سلعةٍ مُعيّنةٍ، هو الفرق بين تكاليف إنتاج هذه السلعة والقيمة السّوقية
التي تُباع بها. وينشأ اعتراضنا على الرّبح المتحقّق من الاستثمار في الجامعات الربحية بقطاع التعليم العالي، في
معظمه من تخفيض كلفة الإنتاج لهذه السلعة، وليس من تعظيم القيمة السوقية للسلعة المنتجة؛ وذلك بخلاف
الرّبح المتحقّق في مشاريع استثمارية بقطاعات أخرى. والسبب من وراء ذلك، هو أنّ طبيعة السلعة المنتَجة في
التعليم العالي؛ من شأنها أن تجعلها مكوّنة من سلعةٍ خاصةٍ ذات قيمة سوقيةٍ، ومن سلعةٍ عامّةٍ ليس لها قيمة
سوقيةٌ. وهذه السّلعة العامة، لا مصلحة للجامعة الرّبحية في تعظيم إنتاجها. أمّا السّلعة الخاصّة، فهنالك سقف
للنّوعية فيها؛ حتُدّده معايير الاعتماد. ولذلك يصبح حجم الرّبح معتمدًا بدرجةٍ كبيرةٍ على تخفيض الإنفاق،
بتقليل إنتاج السلعة العامّة إلى الحدّ الأدنى من جهةٍ، وبالاقتصاد في تكاليف إنتاج السلعة الخاصة وضبط نوعية
مستوى الخدمة المُقدّمة ضمن سقف معايير الاعتماد. ذلك أنّه لا يترتّب على تجاوز هذه المعايير، سوى نفقات لا
ضرورة لها لتسويق السلعة. وفي الوقت ذاته، لا نستطيع الدعوة إلى الاستغناء عن مدّخرات القطاع الخاص لتمويل التعليم العالي. لكن
ما يتع الاستغناء عنه هو المدّخرات التي تُستَقطب من خلال حافز المخاطرة، والاعتماد بصورةٍ حصريةٍ
على الاستدانة من البنوك، أو من الم دّخرين مباشرةً من خلال سندات تكفلها الحكومة، أو تكفلها المؤسّسات
المستعدّة لعمل الخير. وتفتح هذه المقاربة البابَ على مصراعيه لتحويل الجامعات الرّبحية إلى جامعات وطنيةٍ
غير ربحيةٍ، وتحويل حقوق المساهمين فيها إلى ديونٍعلى هذه الجامعات في صورة سندات ذات عائد ثابت،
وبفائدةٍ عادلةٍ. في ضوء ما تقدم؛ فإنّ من الواجب الأخذ بمقاربات ع دّةٍ من أجل حشد الموارد لتلبية الاحتياجات المستقبلية
للتعليم العالي، تلك التي يتع أن جتُسّدها المبادرات الجديدة لإصلاح التعليم العالي. وهذه المقاربات هي: إلغاء ثنائية الجامعات الحكومية والجامعات الخاصة، والانتقال إلى مفهوم موحّد هو الجامعة الوطنية المستقلة
ماليًّا وإداريًّا. ويُديرها أمناء مؤمنون برسالة التميز والتنافس للتميّز؛ باعثهم في ذلك العمل على إدارة النشاط
الأكاديمي للجامعة الوطنية التي ائتُمنوا على إدارتها بكفاءةٍ. ودعم هذا النشاط بالسعي إلى اجتذاب التبّرعات
وتكوين الوقفيات التي تؤمّن التمويل المطلوب للارتقاء بالأداء الجامعي؛ بحيث يقارب أداء الجامعات ذات
المكانة العالمية، إن لم يتساوَ معه. مأسسة الاستقلال المالي الكامل للجامعة الوطنية؛ بشكل يتيح لها أن تتقاضى الكلفة الكاملة لإدارة خدماتها
الأكاديميّة ونشاطها العلمي والثقافي من الرّسوم التي يدفعها الطلبة ومن الدخل المتحقق من الأموال الموقوقة
لمصلحتها، ومن أي تبرعات أخرى عامة أو نوعية مخصصة لنشاطات مُعيّنة. ومن شأن ذلك أن يعفيها من
العناية باعتبارات العدالة والقدرة على الدفع في صفوف المتقدّمين للالتحاق بها، وإعادة الحق إلى نصابه في هذا
الشأن. ذلك أنّ تمكين المؤهّلين للدراسة الجامعية، وتحديدًا الفقراء منهم، المحتاجين إلى المعونة الجامعية الكلية
أو الجزئية؛ هو مسؤولية الدولة، تقوم به الحكومة من جهة، وهو مسؤوليةٌ اجتماعيةٌ تقوم بها الجمعيات الخيرية
في المجتمع من جهةٍ أخرى. وبناءً على ذلك، تتوقّف المعونات الحكوميّة للجامعات، وتتحوّل إلى صندوق
الفضاءات الثلاثة في دولة الإنتاج
الطلبة الذي يُعاد تنظيم حكمانه governance؛ بحيث تُؤمّن له الموارد من المالية العامّة ومن التبرعات،
بما يغطي كلفة التعليم للطلبة المؤهلين للتعليم العالي، وتحديدًا منهم غير القادرين على دفع ثمنها. ولعلّ أفضل
صور المعونة، تتمثّل في تزويد الطالب المحتاج بصكوك خاصةٍ تحمل قياَمً نقدية، تقبلها أي جامعةٍ وطنيةٍ يختارها
الطالب ويحرز على القبول فيها. نقل مسؤولية الإجازة للشهادة الجامعية المعتمدة رسميًّا من الجامعة التي درس فيها الطالب، إلى هيئات مستقلةٍ
عن تلك الجامعة؛ تمتحن الط الب في الاختصاصات المختلفة التي تمنح فيها الشهادة. والأولويّة في تطبيق هذا
المبدإ، هي للشهادات العليا، الماجستير والدكتوراه. وفي إطار المنطق ذاته، يقع تشجيع الجهات -التي تتوافر فيها
فرص العمل سواء في القطاع العام، أو في القطاع الخاص- على إنجاز امتحانات تنافسيةٍ لاختيار طالب العمل الأكثر كفاءة لشغل الوظيفة. التوقّف عن التعامل مع التعليم الجامعي على أنه امتداد للتعليم الثانوي، وأن منطلقه هو اجتياز امتحان الشهادة
الثانوية بالمعدل المطلوب للقبول في الكليات المختلفة. وبدال من ذلك، يصبح القبول الجامعي مرتهنًا بالصلّاحية
المُطلقة للجامعات؛ وذلك من خلال امتحانات تضعها الجامعات لفحص كلٍّ من الأهلية العامة للطالب حتّى
يستفيد من التّعليم الجامعي، ومن الأهلية الخاصّة حتّى ينتفع من التخصّص المع الذي يسعى إلى اكتسابه. إنّ تحجيم دور الشّهادة الثّانوية في القبول الجامعي، وإناطة معايير القبول بامتحانات الدخول التي تُنظ مها الجامعات؛ يجب أن يُرافقه عدم تحديد السن لمن يتقدم للقبول. وبذلك يتحرر الطالب الذي يُنهي الدّراسة
الثانوية من ارتباط شعوره بقيمته الذّاتية بالدرجة التي يحصل عليها في امتحان الشهادة الثانوية. ويصبح قراره دخول سوق العمل في تلك المرحلة غير مؤّ على فشل في القبول الجامعي؛ بل مؤًّا على تأجيل الرغبة في
هذا القبول إلى زمنٍمقبل. ولعلّ ا يعزز هذا المعنى، هو إحداث فاصل زمنيٍّ إلزاميٍّ لا يقل عن سنةٍ بين تاريخ
الحصول على الشهادة الثانوية وتاريخ التقدم لامتحانات القبول الجامعي. وهو ما من شأنه أن يجعل لسجل
مجالات العمل أو التعلّم الحر -تلك التي استعمل فيها الطالب ذلك الفاصل الزمني، والخبرة التي اكتسبها إبان
ذلك- دورًا في تحسين فرصة اجتيازه امتحان القبول الجامعي، في الاختصاص الذي يرغب فيه. إنّ إحداث فاصل نوعيٍّ بين التّعليم الجامعي والمراحل السّابقة له، يترتّب عليه إصلاحٌ واسعٌ في أداء تلك
المراحل، حتى تكون شهادة الدّراسة الثانوية ذات قيمة فاعلةٍ في حدّ ذاتها. وذلك بحكم أ ا مؤٌّ على أن
حاملها حاصلٌ على مهارات ومعارف كافية وملائمة للنجاح في شغل فرصة أو أخرى للعمل، ضمن طيفٍ واسع من الفرص في القطاعين الخاص والعام. عدّ قضيّة إصلاح التّعليم العالي جزءًا من قضيّة المسيرة المستمرّة نحو تطوير العقيدة ال بوية، باعتماد مفاهيم
" بناء الحوافز والقدرات على التعلّم المستمر، واكتساب المهارات بالجهد المستقل للطالب ". ويحلّ ذلك بالتدريج
مّحل " التّلقين أحادي الطرف (المدرّس) للمعارف، والتدريب على المهارات بحدود دنيا لتفاعل الطرف المتلقي
(الطالب) ". وما يجعل هذا الانتقال إلى المفاهيم الجديدة من الأمور السهلة في هذا العصر بالذات، هو الثّورة
10 اجتهدنا في تمييز " فعل الحكم " (act of governing) عن " نسق الحكم " (governance). وقياسًا على اشتقاق " سلطان " من
" سلطة "، يصبح لفظ " حكمان " داالً على " نسق الحكم ".
صيف 2012
القائمة والمتعاظمة في فرص التعلّم واكتساب المهارات من جانب أي راغب في ذلك، وبصورة مستقلة ومباشرة من خلال ما تتيحه آلات التصفح ضمن شبكة الويب.
خلاصة عامة وملاحظات ختاميّة
في الرّسالة الأساسيّة لهذه الدّراسة، بيّنا أنّ نجاح الحراك السّياسي والاجتماعي الرّاهن السّائر بالبلدان العربيّة
نحو التغيير (ما أطلق عليه " الرّبيع العربي ")؛ يعتمد على نجاح النّضال الشّعبي في التّأسيس لنسق جديد في الحكم
وبناء الدّولة ومؤسّساتها. وهو نسقٌ يقوم على وضع الإنتاج محلّ الرّيع في الوسائل التي يكسب بها المواطنون
الرّزق، وعلى إحلال التّكليف الضريبي للمواطنين المنتجين محلّ واردات الثّروة الط بيعية أو المعونات الخارجيّة
في إيرادات الدّولة، وعلى استبدال التّمثيل الدّيمقراطي للمواطنين بالحكم الاستبدادي. هذا فضال عن تقديم
ثقافة الادّخار والاستثمار -في تكوين طاقات إنتاجيّة جديدة- على ثقافة الاستهلاك القائمة على إسراف يتجاوز
الّوريات المعيشيّة إلى التّفاخر المبتذل بالثراء، وجعل الثّراء المادي أساس تقدير الذّات وتقدير الآخرين. ومن
هذا المنطلق تتناول الدّراسة المؤسّسات التي تنظّم علاقات الإنتاج والنّشاط الاقتصادي ضمن تلك الّوط. وقد أشارت الدّراسة إلى التّحليل الاقتصادي التّقليدي القاضي بأنّ النّشاط الاقتصادي يجري ضمن فضاءين
اثنين هما: القطاع العامّ والقطاع الخاصّ. فلاحظتْ أنّ ما يغلب على مفهوم القطاع الخاصّ، هو قطاع الأعمال
ومؤسّسات السّوق السّاعية إلى الربح؛ في حين يستوجب التّحليل الاقتصادي الصّائب فرز فضاءٍ ثالثٍ يضمّ
المؤسّسات التي لا تسعى إلى الرّبح. هذا على الرّغم من أ ا تتعامل بالسّلع والخدمات إنتاجًا وتوزيعًا، وتتعامل
مع المواطنين كمنتجين ومستهلكين؛ ولكنّها في كلّ ذلك تسعى حصرًا إلى خدمة المجتمع والمصلحة العامّة.
وهذه المؤسّسات، هي التي يُطلق عليها اسم " المجتمع المدني ". يقوم توزيع الاختصاص في إنتاج السّلع والخدمات بين الفضاءات الثلّاثة على التّمييز بين السّلع العامّة والسّلع
الخاصّة من جهةٍ، وعلى التّمييز بين السّلع والخدمات التي يخضع إنتاجها لعوامل السّوق وآلية الأسعار من جهةٍ
أخرى. وبناءً على ذلك، يختص الفضاء العامّ بإنتاج السلع العامة وتوزيعها، ويختصّ الفضاء الثّاني بإنتاج السّلع
الخاصّة وتوزيعها. أمّا الفضاء الثّالث، فيختصّ بإنتاج السلع ذات الغرض المزدوج وتوزيعها؛ وهي السّلع التي
ليس من المصلحة العامة أن يخضع إنتاجها لقوى السوق وآلية الأسعار. وتتناول الدراسة العلاقة بين الفضاءات الثلاثة من زاويتين: الأولى " قيميّة normative " تُعنى ب " ما يجب
أن يكون "، والثانية هي الزاوية " الوضعية positive " وتُعنى بالواقع التطبيقي. وفي جزئها الثّالث الذي
ينظر في " الملكيّة الخاصة والملكية العامة في النظرية الاقتصادية "؛ تحاول الدراسة إرساء بعض القواعد لتحديد
الدور المطلوب من كلٍّ من الفضاءات الثلاثة في الأداء الاقتصادي. وفي هذه المحاولة يجري فك الارتباط بين
طبيعة الملكية للمنشآت الاقتصادية من جهة، ومستوى الأداء في هذه المنشآت من جهة أخرى. كما يجري فك
الارتباط بين ظروف " الرّبحية " في المنشآت وظروف " الكفاءة " في أدائها. ومعنى ذلك أنّ الربحيّة ليست دائام
مؤًّا سليامً على الكفاءة. وفي هذا السياق يتطرّق البحث إلى عوامل الكفاءة في أداء المنشآت، بما في ذلك الأثر
السلبي لغياب الشفافية والرقابة والمساءلة في إدارة المنشآت؛ ويسود هذا الغياب عادة الحالات التي يطغى فيها
الاحتكار وتغيب المنافسة.
الفضاءات الثلاثة في دولة الإنتاج
وتبنيِّ الدراسة أنّ أحد أهمّ العوامل المؤثّرة في كفاءة إدارة المنشآت هو الانفصام بين ملكية المنشأة وإدارتها؛
وذلك حين لا تسمح الظروف أو طبيعة عمل المنشأة أو حجمها بأن يتولى المالك -وهو الطرف " الأصيل " -
الإدارةَ المباشرة للمنشأة، فيغدو مضطرًّا إلى تفويض إدارة مستقلةٍ عنه لتتولى مهمّة " الوكيل ". وتفعل العلاقة
بين الأصيل والوكيل فعلها سلبًا أو إيجابًا في كلّ حالةٍ في منشآت القطاع العام ومنشآت القطاع الخاص على حد
السواء. ففي منشآت القطاع العام، يقوم الموظفون الحكوميون المفوض إليهم إدارة المنشأة بمهمّة " الوكيل "؛
في حين أنّ المالك هو مجموع الشّعب ممثالً في الدّولة. فإذا كان نسق الحكم (Governance) خاليًا من التّمثيل
الفعال لإرادة الشّعب ومصلحته العامّة (أي إذا كانت الدولة غير ديمقراطية)؛ فإنّ علاقة الوكيل بالأصيل تختل
بصورةٍ تؤثّر سلبًا في كفاءة أداء المنشأة، وتكون باعثًا على الفساد، مع غياب الشفافية والرقابة وآليات المساءلة
عن العلاقة بين الأصيل والوكيل. والأمر مشابهٌ لذلك في منشآت القطاع الخاصّ، باستثناء تلك التي يتو فيها المالك ذاته الإدارة المباشرة، كما
هي الحال في المزارع والمصانع والمؤسّسات الخدمية ذات الحجم الصغير. وفي ما عدا هذه الحالات، فإنّ الشائع
في معظم منشآت القطاع الخاص، هو أن يقوم المديرون التّنفيذيّون ومجالس الإدارة بمه ت الوكيل؛ وذلك
باستقلال عن المالك الأصيل المتمثّل في المساهمين. وهنا أيضًا، تتعرّض المنشأة إلى التد في كفاءة الأداء، وإلى
الفساد مع غياب الشّفافية والرّقابة وآليات المساءلة عن العلاقة بين الأصيل والوكيل. ويستعرض القسمان الأخيران من البحث بعض الدروس المستفادة من التطبيقات العالمية للخصخصة بصورة
عامة، ومن التطبيق في حالة قطاع مع هو التعليم العالي، وبلدٍ بعينه هو الأردن. ويلاحظ القارئ بصورةٍ عامةٍ أنّ تحديد الأدوار النسبيّة للفضاءات الثلّاثة من النّشاط الاقتصادي، قد استند
إلى ركنين أساسينّيْ هما: تصنيف السّلع والخدمات بين عامّة وخاصّة ومشتركة من جهة، ودور السّوق وآلية
الأسعار من جهةٍ أخرى. ويتضمن ذلك الافتراض أنّ السّلع والخدمات على أصنافها، هي من المعطيات
المصطلَح عليها والمستقلّة عن السّوق ودوره. لكنّ أبحاثًا نقديّةً مهمة قد ظهرت حديثًا، ولفتت النّظر إلى أنّ
النّزعة " الوثنية " في عبادة السوق، لم تكتف بال ويج لدور السّوق في علاقات إنتاج السلع والخدمات بحكم
أ ا معطيات مستقلة؛ وإنمّا جعلت من " السوق " وما يتصل به من حوافز الربح المادي عامالً يتدخّل في صميم
ما يشكل سلعًا وخدمات في النّشاط الإنساني، وذلك من خلال " تسليع " نشاطات إنسانية معينة بصورةٍ تخل
بالطبيعة الأصلية لهذه النشاطات ومقاصدها الاجتماعية. وفي مقدّمة من تصدّوا لهذه الظاهرة أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع مايكل ساندل Sandel Michael من جامعة هارفرد. ويشير ساندل إلى أنّ العالم في هذه الآونة يشهد نهاية الحقبة التي سيطرت عليها " عنجهية السوق " Triumphalism Market؛ وهي النزعة التي سادت في حقبة ثاتشر وريغان، ومن بعدها النيولبرالية التي سادت في عهد كلينتون وبلير. وكان ختام هذه الحقبة نهاية الأزمات الحادّة التي أصابت الاقتصاد العالمي نتيجة
تلك العنجهية، وما صحبها من إبطال الكثير من الضوابط التنظيمية التي كانت تحكم العلاقات الاقتصادية الدولية. وفي هذا الصدد، أثار ساندل مسألة " الحدود الأخلاقية " لوظيفة " السوق "، وما يسببه " الطمع في الربح " من عدوان على هذه الحدود. فرأى من الواجب ضبط دور السوق في المجتمع؛ بحيث لا يتاح للممارسات
صيف 2012
" السوقية " النفاذ إلى الفضاءات الاجتماعية خارج الحدود الأخلاقية. ولا يقتصر ذلك على ما سبقت معالجته في فصول الدراسة، وهو الاتجار والتربح الخاص من السلع العامة؛ بل يشمل المغالاة في وضع حوافز الربح في غير محلها في النشاط الاجتماعي. ويعطي ساندل أمثلةً عديدةً على ذلك، نختار منها إشارته إلى حالة الحاجة الطبية لنقل الدم. ففي بريطانيا يجري
تلبية هذه الحاجة عن طريق تبرع المانحين المدفوعين بالحوافز الإنسانية؛ بينما لجأت أميركا ودول أخرى إلى " تسليع " الدم البشري، أي التعامل معه كسلعة خاصة يقع الحصول عليها من خلال الحوافز المالية. ولقد قام عالم الاجتماع ريتشارد تيتموس Titmuss بدراسة التجربتين الأميركية والبريطانية في هذا الشأن؛ فوجد أن الحالة التي جرى فيها تسليع الدم البشري والسماح بالاتجار به لم تؤدّ إلى الحصول على هذا الدم بكميّة أكبر أو
نوعيّة أفضل، بل أدت إلى تعرض إمداداته للنقص وتواتر حوادث الدّم الملوث. واستنتج تيتموس أنّ السبب في
ذلك هو بالذات تحويل الدم البشري إلى سلعة تباع وتشترى، الأمر الذي دمّر القيم الإنسانية التي يحملها فعل
التبرّع، وأضعف الحوافز الأخلاقية لدى المتبرعين المحتملين والاعتماد عليهم في توفير الدم عالي الجودة. ويورد
ساندل مثاالً آخر على النتائج السلبية لتسليع نشاطات تقع في صميم الواجبات الأخلاقية التي يتعين الالتزام بها في المجتمعات الوطنية والمجتمع الدولي على حدّ السواء؛ وهي المتعلقة بالمحافظة على البيئة. فلقد أصرت
الولايات المتحدة في هذا الشأن على تضمين اتّفاقية كيوتو للحفاظ على البيئة ترتيبات تجاريةً، تبيح للدول
المتاجرة " حقوق التلويث ". فتستطيع الولايات المتحدة مثال، أن تنفّذ واجباتها تجاه البيئة العالمية إمّا بالعمل
على خفض انبعاث الغازات الملوثة من مصانعها وسياراتها، أو أن تشتري من دول أخرى " حقوق التلويث "
بإقناع هذه الدول بالالتزام بمستويات من التلويث تقل ع تسمح به المعاهدة. " ففي مقابل إطلاق العنان
لسيارات " هامر " بإحراق ما شاءت من البنزين؛ تدفع الولايات المتحدة مقابال ماليًّا لبلد آخر لكي يعمد إلى
تحديث مصانعه وجعلها أقلّ تلويثًا ". ويلاحظ ساندل أن هذا التسليع لجهود المحافظة على البيئة يبخس القيمة الأخلاقية للمحافظة على البيئة، بدل أن يقويّها، ويقع ضمن التردي الأخلاقي الذي أدت إليه عنجهية السوق.
وهو ما حوّل " اقتصاد السوق " إلى " مجتمع السوق "، وحثّ على الانشغال السطحي باعتبارات " الكفاءة " بدل
التفكير الأعمق في كيفية تقييم النشاطات الاقتصادية المختلفة. فتقييم خدمات الصحة، والتعليم، والدفاع الوطني، والعدالة الجنائية، وحماية البيئة، وغيرها؛ يثير مسائل في السّياسة والأخلاق تتعدّى التقييم الاقتصادي،
ويقتضي بحث هذه المسائل استدعاء الاعتبارات الأخلاقيّة والثّقافية وحتى الرّوحية لهذه الغاية، والبتّ فيها
بالحوار الديمقراطي القائم على الدراسة القيمية لكلّ حالةٍ على حدةٍ.