العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مفهوم المجتمع المدنيّ المروّج في أدبيات التّنمية: نصوص من منظّمة الإسكوا نموذجًا

مفهوم المجتمع المدنيّ المروّج في أدبيات التّنمية: نصوص من منظّمة الإسكوا نموذجًا

The Concept of Civil Society Promoted in Development Literature: The Case of ESCWA

أحمد بعلبكي *

الملخّص

تقوم هذه الدراسة على تفحّص مفهوم المجتمع المدنيّ عند المنظمات الدوليّة متخذًة نصوص منظمة "الإسكوا" نموذجًا، وتتوصل إلى أنَّ أدبيات الإسكوا تختزل المفهوم وتقصره على المنظمات غير الحكومية مهما اختلفت ظروف وأهداف تأسيسها، متجاهلة منشأ هذه المنظمات وآليات تشكيلها وانتخاب وتداول هيئاتها ومدنيّة أدائها. وتُظهر الدراسة أنّ الشرط المضمر لهذه المنظمات، وهو عدم سعيها إلى السلطة، يستبعد التنظيمات الديمقراطية الحزبية والنّقابية المعارضة من بين المكونات الأساسية للمجتمع المدني في المواجهة مع الحكومات وسياساتها، ويستبعد أيضًا منظماتٍ غير حكومية يمكن أن يكون لها حضور فاعل في مساءلة الحكومات. وهو الأمر الذي يصبّ في نهاية المطاف في مصلحة الأنظمة السياسيّة القائمة والمسؤولة عن تعويق التّنمية السياسيّة.

Abstract

Using the United Nations Economic and Social Commission for West Asia (ESCWA) as a case study, this paper examines the concept of civil society for international organizations. The author maintains that ESCWA literature restricts the idea to non-governmental organizations irrespective of the circumstances and aims of their foundation and oblivious to the origin of these organizations and the mechanisms of their formation, the election and rotation of their board, and the civil nature of their work. The study shows that the inherent condition for these organizations is that they do not aspire to power, which excludes oppositional democratic political-party and union organizations from the ranks of civil society in confronting governments and their policies. It also excludes non-governmental organizations that may have an active role in holding governments to account. This ultimately works to the advantage of the existing political regimes who are responsible for hindering political development.

الكلمات المفتاحية:
  • منظمة الإسكوا
  • المجتمع المدني
  • المنظمات الدولية
Keywords:
  • ESCWA
  • Civil Society
  • International Organizations

(نصوص من منظّمة الإسكوا نموذجًا)

تقوم هذه الدراسة على تفحّص مفهوم المجتمع المدنيّ عند المنظمات الدوليّة متخذة نصوص منظمة

" الإسكوا " نموذجًا، وتتوصل إلى أنَّ أدبيات الإسكوا تختزل المفهوم وتقصره على المنظمات غير

الحكومية مهما اختلفت ظروف وأهداف تأسيسها، متجاهلة منشأ هذه المنظمات وآليات تشكيلها

وانتخاب وتداول هيئاتها ومدنيّة أدائها. وتُظهر الدراسة أنّ الشرط المضمر لهذه المنظمات، وهو

عدم سعيها إلى السلطة، يستبعد التنظيمات الديمقراطية الحزبية والنّقابية المعارضة من بين

المكونات الأساسية للمجتمع المدني في المواجهة مع الحكومات وسياساتها، ويستبعد أيضًا منظمات

غير حكومية يمكن أن يكون لها حضور فاعل في مساءلة الحكومات. وهو الأمر الذي يصبّ في

نهاية المطاف في مصلحة الأنظمة السياسيّة القائمة والمسؤولة عن تعويق التّنمية السياسيّة.

شهِدت البلدان الفقيرة -وبالخصوص منها البلدان التي خرجت من نظام الاقتصاد الحكومي في أوروبا

ال-ّقية، وبعض البلدان العربيّة غير النفطيّة منذ العقد الثّامن من القرن العشرين، تحوُلّات تاريخيّة

تمثّلت في تعزيز هيمنة الحكومات النّيوليبرالية الغنيّة في التّعامل مع أوضاعها الاقتصادية والسّياسية.

وقد شهدت هذه الأوضاع - خلال عقودٍ ثلاثةٍ- أزماتٍ، ترتّبت على انفلات اقتصاد السّوق. ومن تلك الأزمات

نذكر: تفاقم المديونيّات، وتوسّع الفقر، وارتفاع معدلّات البطالة في أوساط الشّباب العربي في ثماني بلدان متوسّطة

الدخل عام 2002؛ إذ تراوحت بين %16 و%39. وإنّ تحقُّق إيجابيّات ملحوظةٍ على صعيد تعليم المرأة وتحسُّن

مستوى تعليم الشّباب إجماالً، لم يخفِّف من تفاقم هذه الأزمات. ذلك أنّ هذه الإيجابيّات ترافقت مع ارتفاع نسبة

الفقر في العالم العربي عام 2001 إلى " أكثر بقليل من نصف السكّان، ن يعيشون على أقلّ من دولارين يوميًّا.

وترافق ذلك أيضًا مع توسّع قطاع الأعمال غير النِّظاميّة، وقطاع المنظَّمات الأهليّةِ العاملةِ في مجال الإغاثة ".

1  برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، تقرير التّنمية الإنسانيّة العربيّة للعام 2009: تحدّيات أمن الإنسان في البلدان العربية، ص.110

2  الإسكوا، مسح للتّطوّرات الاقتصاديّة والاجتماعيّة في منطقة الإسكوا (بيروت: الإسكوا، 2004)، ص 43 -.46

صيف 2012

لقد تبرّأت الدُّول الغنيّة من مسؤوليّتها عن مستويات هذا التّدهور في أوضاع البلدان الفقيرة. وفي المقابل، حمّلت

حكومات تلك البلدان المسؤوليّة كاملةً. وقد أ سندت إلى المنظَِّمات الدّوليّة المتخصِّصة مهمَّة القيام بدراسات

ممَنهجةٍ، متُكِّن من قياس تدهور الأوضاع في البلدان الفقيرة، ومدى انتهاك حكوماتها لحقوق الإنسان، إضافةً إلى

رصد أشكال الفساد والهدر في إداراتها وتعاملاتها التِّجارية، والتّحرّي عن أسباب العجز الماليّ وتطوّر المديونيّة،

وتوثيقها. وما سهّل من مهمّة هذه التّحقيقات، انت هاء حضور الثّنائية القُطبيّة في إدارات المنظَِّماتِ الدّوليّة في أعقاب

الحرب الباردة؛ ا أتاح لكبار خبراءِ النّيوليبراليّة ومنظِّريها في هذه المنظّمات- الدّوليوفي طليعتهم خبراءُ البنكِ

وبرنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، والل جانُ الاقتصاديّة والاجتماعيّة الإقليميّة المنبثقة عن المجلس الاقتصادي

الاجتماعي في الأمم المتّحدة- فرصَ التّحكّم في صياغة الرؤى والإستراتيجيّات ونماذج السِّياسات والمنظومات

المفاهيميّة؛ تلك التي تنسجم مع تسويغ إقدام الحكومات العاجزة على تنفيذ ما يُطلب منها من تغييرات هيكليّة.

وتلائم - من ثم - تسويغ انسحابها من الالتزام بالإنفاق الحكومي لتمويل الخدمات والتّأمينات الاجتماعية

الأساسيّة؛ بحجّة معالجة عجزها الماليّ. وهذا ما بدأت تعكسه التّقارير السّنويّة والدِّراسات الصّادرة عن شُعب

" منظّمة الإسكوا " Escwa، وبرنامج الأمم المتّحدة الإنمائي على وجه الخصوص، منذ مطلع تسعينيّات القرن

العشرين. وقد شك لت هذه التقارير مراصد إحصائيّةً جدِّية لمتابعة الأوضاع والتّدخُلّات الحكوميّة وغير الحكوميّة

وتحليلها ومقارنتها في الدّول العربيّة ودول العالم. ومثّلت المؤرشِّاتُ الإحصائيّة في هذه التّقارير السّنويّة - إضافة

إلى الدِّراسات المتخصِّصة - مراجعَ أساسيّة للتّوثيق في قطاعي الإعلام والتّعليم العالي، ولتدريب العاملين في

الأجهزة الحكوميّة والمنظ ت التّطوّعية على التّدخّل التّنموي، وعلى القيام بالبحوث الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

أولّا: ترويج مفهوم المجتمع المدنيّ مختزلا في المنظّمات غير الحكوميّة

في مخاض التحولّات البنيويّة التي شهدتها البلدان العربيّة غير النّفطيّة، وفي سياق التّدهور الاقتصادي الذي

عرفته؛ هيْمن على توجُّهات المنظّمات الدّولية براديغم تشخيصيٌّ وتحليليٌّ لأوضاع هذه البلدان، يقوم على منظومةٍ

من المفاهيم والمنظورات المركِّزة على انحسار دور الدّولة المركزيّة في إدارة الموارد، وتلبية الخدماتِ والتّأميناتِ

الاجتماعيّة. كما يقوم على اللاّمركزية، وعلى مشاركة الناس في تلك الخدمات والأعمال، من خلال المنظ مات غير

الحكوميّة؛ بحكم أ ا تحقِّق الانتقال إلى المجتمع المدني المعروف في اللّيبراليات الغربيّة. وفي ظلّ ذلك البراديغم؛

كان يُفرتَض أنّ مثل هذه المنظّمات تبني وتعزّز قدرات المجتمعات والجماعات المحلّية على ممارسة المسؤوليّة في

التّنمية الذاتيّة، وعلى المساءلة في مجالات ترشيد السِّياسات والإدارات الحكوميّة. وشاع في هذا السِّياق التّاريخي

ترويج مفهوم المجتمع المدنيِّ الموجَّه في خطابات المنظّمات الدّوليّة - ومن بينها خطاب " الإسكوا " خاصة - إلى

المجتمعات العربيّة كمفهومٍ خلاصيٍّ، تتقاطع في تبنِّيه الرؤى الدّيمقراطيّة في التّنمية والتّقدّم السّياسي والاجتماعي.

وفي منظور المنظّمات الدّولية، اقترن مفهوم المجتمع المدني بمفهوم الشراكة؛ الأمر الذي دفعها إلى دعوة المنظّمات

غير الحكوميّة للاهتمام بتنمية المجتمعاتِ والجماعاتِ المحلّية، إلى جانب الاهتمام بالسِّياسات القطاعيّة والمناطقيّة

على صعيد الدّولة. وتزامن هذا ال كيز على التّنمية المحليّة؛ لاسيمّا وأنّ المجتمع المحليّ هو أقلّ تطلّبًا لها وإحراجًا

للحكومات بشأنها. وتساوق هذا التحوُّل إلى المجال المحليّ، مع بروز طروحات في مقاربات علوم المجتمع؛ عبر

عنها آلان توران لما قالّ: " نحن نعيش انح الًاجتماعيًّا. فتحليل الواقع الاجتماعي بمفرداتٍ اجتماعيّةٍ بحتةٍ (تعربِّ

3  Alain Touraine, Un Nouveau paradigme pour comprendre le monde d’aujourd’hui (Paris: Fayard, 2005), p.30.

عن ال اتب الاجتماعي الطبقي) قد تبع عالم السياسة الذي ساد لفترة طويلة [...] ولقد خلقت أزمة البراديغمِ

الاجتماعي في الحياة الاجتماعيّة وانحلالها، حالةً من الفوضى؛ فسحت المجال للحرب والعنف وهيمنة الأسواق

التي تنفلت من كلِّ تنظيمٍ اجتماعي "، وقد برز ذلك في هيمنة لغة الثّقافي على لغة الاجتماعي. يُرجّح طرح تورين

سوسيولوجية الفاعل على سوسيولوجية الفعل، جرّاء ما حصل من اختلالات ال اتب الاجتماعي- السّياسي

داخل البُنية، وإبراز الفاعل الثّقافي الذي قصر تورين تمثّله بالحركة الطّلابية - في بعض الدول الغربية خاصّة

فرنسا - في عام 1968. وهو طرحٌ يهدف إلى إظهار أهداف الفاعلين- في ما بعد الرصِّ - والحركات الاجتماعيّة اع

طبقيّة المنشأ، على أ ا " حركة المجتمع، وقدرته الذّاتية على تجديد ذاته من خلال آليّاته الخاصّة بالرصِّاع الذي يمر

بالمفاوضة؛ لينتهي إلى إعادة التّوازن ". وغنيٌّ عن البيان، أنّ ما يبرزه آلان تورين، يهدف إلى ترجيح المقاربة الوظيفيّة

(Fonctionalisme)؛ وهي مقاربةٌ تميل إلى الانكفاء، وحصر نطاق الاجتماعي في حدود المجتمعات المحليّة، وفي

خصوصيّات تشكُّلها وتحوُلّاتها. ونميل إلى اعتبار أنّ أزماهتِا، لا تتحدَّد مباشرةً بفعل مواجهات جيواقتصاديّة

وجيوسياسيّة ماكروية.

وهنا يجدر التّذكير بأنّ ما يبرز في هذا التّحليل الميكروسوسيولوجي، من طغيانٍلفضاء الشّأن الخاصّ والفردانية،

في ظلّ انفلات الأسواق وقصور الحركاتِ السياسيّة والاجتماعيّة القادرةِ على رعاية الشّأن العامّ ونشر الوعي

الاجتماعي النّقدي للمقاربات الوظيفيّة؛ لا يعني أنّ المهيمِن المرئيّ في طغيان الأهداف الخاصّة للفاعل الثّقافي،

هو المحدِّد الفعليّ لأوضاع المجتمعات، ولا سيمّا منها تلك التي عاشت أوضاع الاستعمار والاستبداد. ولا يغيب

عن البال، أنّ ما نتَج من هذه الأوضاع؛ هو الذي جعل الحكوماتِ عاجزةً عن تحصين أمنها وسيادتها ومواردهاِ.

كما أنّه دفعَها إلى الاستقواءِ بالعصبيّات الأهليّة في إدارة المجتمع المتضرِّر من فسادِها، والتكيُّف- من ثم - مع

واقعِ تفكُّكِه، والتبرُّؤ من المسؤوليّة عن حصوله؛ بتعلّة أنّ ذلك التفكِّك ناجمٌ عن تأثيراتٍ خارجيّةٍ طارئةٍ، أو عن

حركاتٍ سياسيّةٍ معارضةٍ، يُشتبَه في علاقاتها بالخارج. في هذا المناخ من التفكُّك؛ تهيمن الميول إلى التطرّف، وإلى

ال اجع با اه أطر العيش التّقليديّة، والانكفاء على الذّات داخل المجتمعات المحليّةِ، فتشيع في الفئات المستفيدة

- في ظلّ تهافت منطق الدولة القُطريّة - لغة التّملّق الزبائنية لحكوماتها. وتشيع في المقابل لغة التهك م، أو لغة التّكتّم

في أوساط النُّخب المعترضة والنّاقمة، أو لغة التزهّد الدّيني، والّتي توفّر أحيانًا مناخًا ملُائامً للتطرّف الأصوليّ

واستبداد السّلطات، يستعصي فيه قيام مجتمعٍ مدني.ّ وإذا كان مفهوم المجتمع المدنيّ قد برز في أوروبا الصِّناعيّة خلال القرن الثامن عشر، ليعربِّ عن تحرُّر الفكر الاجتماعي

من استبداد السُّلطة الدّينيّة المطلقة؛ فإنّ الاهتمام بمكنون دلالاته المعرفيّة والفكريّة الغربيّة، قد برز خلال ثمانينيّات

القرن العشرين لدى النّخب العربيّة، كأداة معرفيّةٍ ضروريّةٍ لمقاربة التحوُلّات السياسيّة - الاجتماعيّة. واقترن

الاهتمام بهذا المفهوم بالتّوازي مع توسُّع اهتمام هذه النّخب بأدبيّات المنظَّمات الدّوليّة، وبقنوات البثّ الثّقافي

والإعلامي الموجَّهة من مراكز القرار في الدّول النّيوليبراليّة. تلك الدّول التي لم تعد مضطرّةً، بعد زوال الغريم

السوﭭياتي، إلى التغطية على الفشل الاقتصادي والسِّياسي للأنظمة العربيّة الموالية لها. وتحت ضغوط الاختلالات

الاجتماعيّة - الاقتصاديّة المترتّبة على سياسات الإصلاح الهيكلي، وخفض الإنفاق الحكومي على مرافق الحماية

الاجتماعيّة في الصحّة والتّعليم والتّشغيل؛ تحوّلت الدّول الغنيّة في خيارات دعمها للمجتمعات الفقيرة في الجنوب.

إذ صارت تركّز على دعم ما يُسمَّى برامج تخفيف الفقر في الضّواحي والأرياف. وصار تنفيذ هذه البرامج؛ يموَّل

عبر المنظّمات غير الحكوميّة أو منظّمات المجتمع المدني. وتتجاوز الدّول الغنيّة - بمثل هذا التّمويل- دور الدّولة،

بعد ا امها بالفساد والإفساد. وتركِّز - في المقابل- على دور هذه المنظّمات وفاعليّتها، تحت زعم أ ا تقوم على

الطّوعيّة والشّفافيّة، وأ ا أقرب إلى الناس من الإدارات الحكوميّة.

راحت المنظ - ومعها الدّول المانحة -ّمات الدّولية تُطلق على قطاع هذه المنظّمات تسمية " المجتمع المدني "،

صيف 2012

بشكلٍ غير مسؤول نظريًّا. وبهذا يكون هذا المفهوم قد انقطع عن الظ روف التّاريخيّة؛ التي وفّرت المقوّمات الأساسيّة

لتبلوره في الغرب. وهي مقوِّماتٌ تراكمت - منذ ما يزيد على القرنين - من خلال ترسُّخ المبادئ والتشريعات،

التي تؤمّن حقوق الجماعات والأفراد كمواطنين. كما تضمن المواطنيّة، التي يُناط بعهدة الدّولة تنفيذها؛ بحكم

أنّه يوكل إلى تلك الدولة حفظ السِّيادة، بما هي إرادةٌ عامّة تتجسّد بالانتخابات، وتتحصّن بالدّساتير والقوانين

وبشرعيّة حقوق الإنسان. وهنا تجدر الإشارة إلى ما ورد في تعريف سبينوزا للمواطن؛ إذ أنّه" هو من ينفّذ

- بناءً على أوامر الحاكم - أفعاالً تحقِّق المصلحة العامّة أواّلً، وبالتالي مصلحته الشّخصيّة ". وهكذا اخُتز ل مفهوم

المجتمع المدني، وغُيِّبت دلالاته على بنية اجتماعيّة تعاقديّة، لا حضورَ مهيمن للسلطات الأهليّة والدّينية فيها؛ إلى

أطرٍ وظيفيّة بين الفرد والسّلطة، غالبًا ما تبقى تحت هيمنة تلك السلطة، لتمنح وجودَها رخصةً. وهي تمدّ لها يد

العون في مجال الإغاثة والرّعاية، أو في مجال الدِّفاع عن الحقوق الخاصّة والعامّة. غير أ ا تضطرّ للعمل بطريقة لا

حتُرج السّلطات الحكوميّة المتجاوزة للمواثيق والقوانين. مفهوم المجتمع المدني في مقاربات أكاديميّة عربيّة مختلفة: اختُزل مفهوم " المجتمع المدني " في تاريخيّته ودلالاته المتبلورة في الغرب، على امتداد ما يزيد على قرنين من الزّمن،

في مجالات الفلسفة الاجتماعية والعلم السِّياسي والحسِّ الثقافي العامّ؛ ليدخل إلى خطاب العمل الاجتماعي الم روَّج

في أوساط نخب البلدان الفقيرة في المجتمعات العربيّة، جنبًا إلى جنب مع غيره من المفاهيم العميقة التي وقع

اختزالها هي الأخرى: كالدّيمقراطية والجمهوريّة والمشاركة والحكم الصّالح. وهنا يجدر التّذكير بأنّ سيرورة

تشكُّل المجتمع المدنيّ في الدّول- الأمم المتطوِّرة؛ كانت قد اقترنت بتنامي الحركات الاجتماعيّة، وبوعي الأفراد

أنّ حقوقهم المشترَكة في المساواة والتّقدم لا تتحقّق إلاّ بالتّوازي مع انحسار قدرة الدّولة على تفكيك نسيج وحدة

المجتمع الذي يعيشون فيه. وإذا كانت ترجمة المفاهيم، التي سبق وتبلورت في سياقات تطوُّر تلك الدول -الأمم؛ ضروريّة للتّعريف بحدود

التّباين والتّوافق في سيرورة النموّ من مجتمعٍ إلى آخر، والنّظر في علاقتها بالحكومات. غير أنّ نقل تلك المفاهيم بغير

عقلٍ نقديٍّ، وتطبيق مضامين ها على سيرورة التشكِّل في المجتمعات الفقيرة المستعصي فيها قيام الدّولة اللّيبرالية؛

من شأنه أن حيُرِّف فهم تركيبة المجتمعات المستقلّة عن الاستعمار، ويشوِّه- في الوقت ذاته - مفهوم المجتمع المدني

الذي " استُعير " كأداةٍ معرفيّة لدراستها. وما ذلك إلاِّ لأنّ" المفاهيمَ ستبقى مجرّدةً ومُنقطعةً عن السِّياقاتِ الوجوديّة

والثّقافيّة والتّاريخيّة والفكريّة لظهورها وتكوينها وتحوُهّلِا؛ ما دامت عمليّة الفهم والإدراك غير متأصِّلة فيها، أو لم

تنشأ عن خبرةٍ تاريخيّة تكوِّن صورة الذّاكرة الجمعيّة لكلِّ مجموعةٍ اجتماعيّةٍ".

برز في الأدبيّات النّهضويّة العائدة لمشايخ ومفكّري الإصلاح في النّهضة العربية الإسلاميّة، بين منتصف القرن

التّاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، تبنٍّ لبعض مكوِّنات مفهوم " المجتمع المدني "؛ لك نْ دون أن يكون في تلك

الأدبيّاتِ تمييزٌ بين براديغمات الحداثة الغربيّة، من حيث تباين أسس التّنوير بين التيّارات الفرنسية والإنكليزيّة

والأميركيّة. كما غابت عن تلك الأدبيّات الإصلاحيّة - خلال فترة الاستعمار المُشار إليها أعلاه- المعرفةُ الوافية

بإنجازات علوم الطّبيعة؛ التي ترافقت والتّنظيرات الكلاسيكيّة البارزة حتّى اليوم، في ميادين علوم المجتمع

والإنسان. فكانت معظمها أدبيّاتٍ تدعو إلى التّحديث، والتّوفيق بين الّع الإسلاميّ ومنجزات العلمانيّة الغربيّة.

وهو توفيقٌ مازال يظهر في الدّستور المصريّ؛ إذ يلفت محمد أركون النّظر بشكلٍ واضحٍ إلى ما يُتيحه الدستور،

4  باروخ دي سبينوزا، رسالة في السّياسة وا الّهوت، ترجمة حسن حنفي، ط 2 (بيروت: دار الط، 1981)، ص 384 -.385ّليعة

5  محمّد أركون، المجتمع المدني في العالم الإسلامي، ترجمة سيف الدّين القصير، ط 1 (بيروت: منشورات دار السّاقي- معهد الدّراسات

الإسماعيليّة، 2007)، ص.57

بقوله إن " الّع الإلهيّ ينسخ أيّ قانون مفصّل من منطلق الرّأي الإنسانيّ؛ الأمر الذي يمنح كلّ قاضٍ إمكانيّة

إطلاق أحكام عارضة باسم الّيعة ". وتوالت السِّجالات بين الباحثين في التّاريخ الاجتماعي للمجتمعات العربيّة، بشأن ما إذا كانت قد شهدت في

ماضيها تبلوُرًا - خارج الدّولة - لتيّاراتٍ في الفلسفة الاجتماعيّة، وظُهورًا لمؤسّساتٍ أهليّةٍ مستقلّةٍ عنها ومحرجةٍ

لها. وهو تبلورٌ يماثل في الفكر والعمل ما يُعرَّف به اليومَ مفهوم المجتمع المدنيّ، المنقول عن الثّقافة اللّيبرالية الغربيّة

المعاصرة. وفي هذا السِّياق، يرى محمد عمارة أنّ الوَقْف - من بين أكثر من أربعين بابًا - " مثّل أحيانًا، في العلاقة

بين الدّولة والأمّة سبيالً وبابًا من أبواب " توبة الدّولة " عن جورها، وخطوة على طريق سعيها نحوِ" الأمّة "، تردُّ لها

بعضًا من حقوقِها المغتَصبة [...] فعادت من ظلم الاغتصاب الفردي إلى " عدل الضّوابط الّعية في الأموال ".

وأضاف: " كذلك مكّنت الأوقاف علماء الأمّة - على اختلاف ميادين العلوم - من الاستقلال الفكري عن الدّولة.

فبعد أن كان علماء الّع- ومعهم قادة تنظيمات وروابط ونقابات الحرف والصِّناعات - هم ممثّلو الأمّة وأولو

أمرِها؛ شرع محمد علي في إحلال الدّولة محلّ هذه القيادات [...] ففُرضت عليها الّائب (1224 ه / 1809 م)

بعد أن كانت معفيّةً منها". هذا ما حصل بعد انقطاع المكوِّنات الأوّليّة - لما سُمِّي لاحقًا ب " المجتمع المدني الأولّي "

- عن التّطوّر وال اكم اللّذيْن كانا قد تحقّقا قبل حكم محمّد علي بحوالى أربعة قرون. ولهذا نقول إنّ المفهوم قد

نُقل من التّاريخ الاجتماعي للدّولة - الأمّة الأوروبيّة، منقط عًا عن سيرورة حداثة التّنوير العلمي والفلسفي، وعن

سيرورات مكابدة النّاس المشاركين في صنع هذه الحداثة في المجتمعاتِ الغربيّة.

وبهدف التوقُّف أمام صنوف اللّبس والتّأويل التي لحقت بمفهوم المجتمع المدني؛ نظ م مركز دراسات الوحدة

العربيّة ندوةً عن " المجتمع المدني في الوطن العربي "؛ وذلك للتوقّف أمام " واقع الإيهام والغموض الذي يشوب

أحاديثنا عن المجتمع المدني، ويصاحب تداوله في خطاباتنا المختلفة ". وفي هذه النّدوة، لم ير الباحثون الأكاديميّون

بُدًّا من العودة في نصوصهم إلى الّوط البنيويّة التّاريخيّة السّياسيّة والاجتماعيّة، التي تضافرت في أوروبا

الرّأسماليّة الصناعيّة. وذلك با اه ظهور مفهوم المجتمع المدني بمضامينه وأدواره المختلفة؛ المتمثِّلة في الحدّ من

سلطة الدّولة، أو في تأكيد أهميّة الدّولة الموحِّدة للمجتمع مثلما يرى هيغل، أو في مواجهة هيمنة الدّولة من خلال

النقابات والأحزاب المُعربِّة عن الطّبقات المُستغلَّة لتحقيق التّغيير بطرقٍسلميّةٍ كما يقول غرامشي. وقد عرض

أولئك الباحثون لأوْجُه المقارنة بالظّروف التّاريخية التي تشهدها مجتمعاتنا، وهي ما بين نزوع إلى التّعدُّدية السّياسيّة

والثّقافية من جهة، ونزوع إلى وحدانية الإيمان والعرف من جهةٍ أخرى. ويذكِّر الباحثون العرب بالعلاقة البنيويّة - التّاريخيّة بين ترسُّخ الدّولة الحديثة ونشوء مفهوم المجتمع المدني،

الذي يَفترض تأصُّل الاجتماع التّعاقدي القائم على القوانين في الدّولة الحديثة؛ كما يَفترض المساواة بين الأفرادِ

المتعاقدين حول مصالحهم الفرديّة. فيقدِّمون أنفسهم كجماعات متعارضةٍ ومتفاوضةٍ ومفاوِضةٍ للدّولة، ومتُنح

تلك الجماعات من الحقوق والحاجات، القدرَ نفسه الذي أتاحتْه هي للدولة من واجبات ومواردَ. وهكذا يصبح

المجتمع المدني " قاعدةً ماديّةً للدّولة، ونقيضًا لها في الوقت عينه " على حدّ قول كارل ماركس. وإذا كان تحرُّر المجتمع من سلطة الحاكم والدّيمقراطيّة، يشك لان رشَْطَيْ نشوء المجتمع المدني؛ فإنّ الانفتاح

الفكري، لم يتعدّ حدود النُّزوع الإصلاحي في البراديغم الدّيني القائم على الط اعة كما يقول الطّاهر لبيب. إذ

6  المرجع نفسه، ص.70

7  محمّد عمارة، " دور الوقف في النّموّ الاجتماعي وتلبية حاجات الأمّة "، في: أبحاث ندوة نحو دور تنموي للوقف (الكويت: منشورات

وزارة الأوقاف والشّؤون الاجتماعيّة، 1993160)، ص -.164

8  سعيد بنسعيد العلوي، " المجتمع المدني: المفهوم وتداوله في الخطاب العربي المعاصر "، في: سعيد بنسعيد العلوي وآخرون، المجتمع

المدني في الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1992)، مقدمة الكتاب: ص 11 -.12

صيف 2012

هو يرى، في ما عرضه بالنّدوة المُشار إليها، " أنّ مفهوم المجتمع المدني عندنا بلا تاريخ [...] وهذا مأتى الحرج

في استعماله [...] وإنّ التخلُّص من الدّولة، واعتبارها خصامً نقيضًا؛ شكّل في المجتمع العربي- منذ الاستعمار

خاصّة-نوعًا من الهاجس، وحال دون قيام جدليّة إيجابيّةٍ بين المجتمع والسّلطة [...] وأنّ الأنظمة العربيّة،

خضعت في الغالب لضغوطٍ خارجيّةٍ دفعتها في ا اه الاعرتِاف بالحقوق المدنيّة والسياسيّة ". وهذا يعني، أن

مثل هذا الاعتراف السّياسي، لا يتضمّن - بال-ّورة اعترافًا بالقِيم والمبادئ والمضامين الفكريّة المحدِّدة لبنية

المجتمع المدني الثقافيّة والمؤسّسيّة، ومنها المنظ مات غير الحكوميّة السياسيّة والرِّعائيّة التي تتوسّط العلاقة بين الفرد

- المواطن والدّولة. وإذا كان الطاهر لبيب، قد خلُص إلى أنّ مفهوم المجتمع عندنا بلا تاريخ؛ فإنّ معن زيادة؛ لم يكن بعيدًا عن

هذه الخلاصة، عندما لاحظ أنّ انفتاح مفكِّري النّهضة العربيّة الإسلاميّة الإصلاحيِيّن- هطاوي أمثال رفاعة الطّ،

وخير الدّين التّونسي، والشّيخ محمد عبده، وجمال الدّين الأفغاني، وعبد الرحمن الكواكبي، وسواهم-... على

الفكر اللِّيبرالي الغربيبين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين- في مجالات سيادة القانون والفصل بين

السّلطات ووجوب تأصيل فكرة الحرّيات العامّة والحقوق في الدّولة الحديثة؛ هو انفتاحٌ لم يتعدّ الاقتباس الفكري

والرُّؤى العامّة بشأن الإصلاح السِّياسي والاجتماعي، إلى آليّات بناء المجتمع المدني ببنيته وظائ فه وأدواته المعهودةِ

في الدّولة الغربيّة اللّيبراليّة. وفي موقعٍ آخر من سجال الباحثين العرب في " ندوة المجتمع المدني في الوطن العربي " المُشار إليها أعلاه؛ يرى

وجيه كوثراني، أنّ المجتمعات المدينيّة العربيّة شهدت في ماضيها وجود ما يسمّيه ب " المجتمع المدني الأولّي " و " أن

الدّولة السّلطانية مؤسّسةٌ أساسيّةٌ، وهي الغطاء المرئيّ لنظام معقّد، قامت فيه مؤسّساتٌ قويّةٌ وحرّةٌ وآنيّةٌ بدور في

منتَهى الأهميّة - كالتّنظيماتِ التّعاونيّة (نقابات الحِرف) والأوقاف [...] (وهي مؤسّساتٌ)، أو منظّمات مستقلّة،

أو شبه مستقِلّةٍ، أو وسيطة - لت ما يمكن أن نسمّيه اصطلاحًا شكّ" المجتمع الأهلي "؛ فأعطتْ المجتمعَ نوعًا من

الاستقلال الذّاتي والحماية من السلطان ". ويذكِّر كوثراني، بأن "َّالوجودَ الاجتماعي " في مجتمع المدينة العربيّة

الإسلاميّة -الذي يفضِّل تسميته ب " المجتمع الأهلي " - يتميّز عن المجتمع المدني التّعاقدي، المتشك ل في الحضارة

الرأسماليّة الصناعيّة في الغرب. ويعود ذلك التميّز إلى فعل ال وط التّاريخيّةِ السِّياسيّةِ والثّقافيّةِ لنشوئه، وأدائه

المختلف بنيويًّا عن شروط تشكُّل المجتمع الأهليّ في الحضارة العربيّة الإسلاميّة وأدائه؛ ذاك الذي عَرف في مجتمع

المدينة سابقًا، تنظيمات مهنيّةً واجتماعيّةً (طوائف الحرف، والطُّرق الصّوفيّة، والأوقاف...). وإنّ ما يجدر التّذكير

به، هو " أنّ العوْدة إلى التّاريخ لقِراءة ظواهر الحاضر (المجتمع المدني مثالً)، من زاوية نبش الجذور، لرؤية ما هو

أنثروبولوجي (ثابت) ولرؤية ما هوتاريخي (متحوِّل)؛ تكتسب أهميّةً منهجيّةً وليس مرجعيّةً". وفي ما يتعلّق

بتسمية " المجتمع المدني الأولّي "؛ فإنّنا نميلُ إلى اعتماد تسميةِ" المجتمع الأهلي " بديالً عنها. فهي الأقرب إلى وصف

الواقع؛ بسبب أنّ هذا المجتمعَ لم يقُمْ يومًا على ما يقوم عليه المجتمع المدنيُّ في ظلّ الدّولة - الأمّة، ومبادئ اللّيبراليّة،

وفرديّة المواطِن. وكان يقوم على تنظيماتٍ تحكمُها الأعراف والتّقاليدُ المتوارَثة والاعتبارات الإيمانيّة.

وقد شدّد خالد زيادة في تعقيبٍ له، على انفصال المجتمع المديني عن الدّولة في الاجتماع الإسلامي، قبل دولة محمّدِ

9  الطاهر لبيب، " علاقة المشروع الدّيمقراطي بالمجتمع المدني العربي "، في: المجتمع المدني في الوطن العربي، مرجع سبق ذكره، ص.361

10  معن زيادة، " المجتمع المدني والدّولة في فكر النّهضة العربيّة الحديثة "، في: المجتمع المدني في الوطن العربي، مرجع سبق ذكره، ص 11  وجيه كوثراني، " فيما يتعلّق بتاريخنا: مجتمع مدني أم مجتمع م؟ "، الحياة، 1995/4/4، ص.17

12  وجيه كوثراني، " المجتمع المدني والدّولة في التّاريخ العربي "، في: المجتمع المدني في الوطن العربي، مرجع سبق ذكره، ص.129

عليّ باشا. إلاّ أنّ مثل هذا الانفصال، لا يعني إمكانيّةَ المطابقةِ بين المقصود ب " المجتمع المديني " الإسلامي من

جهة، والمجتمع المدني اللّيبرالي الغربي من جهةٍ ثانية. وقد أضاف: " إنّ الدّولة العربيّة الإسلاميّة التي جاءت بعد

محمّد علي باشا، دمّرت مجتمعَ المدينة العربيّة ومؤسّساته المترسِّخة تاريخيًّا، باسمِ الحداثةِ". وفي هذا التعقيب ما يُفيد

القولَ: إنّ من غير المعقول أن يقوم في الدّولة - المنفصلة عنها التي تدمِّر المؤسّساتِ أو التّنظيماتِ - المجتمعُ المدني،ُّ

الذي عاشت معه في الغرب "ٌجدليّةٌ إيجابيّة " على حدّ قول الطّاهر لبيب.

وفي هذا الاجتِّاه القائل بوجودِ"ّالمجتمع المدنيّ الأولي "؛ يرى عبدو الفيلالي الأنصاري، أنّ المجتمعات الإسلاميّة

توصّلت بالّورة إلى مثل هذه ال كيبة المجتمعيّة، بعدما تب لها أنّ الدّول السّلطانيّة المتعاقبةَ لا تدوم شرعيّتها،

خلافةً سنِّيةً كانت أو إمامةً شيعيّةً. ووصلت الدّول العربيّة المعاصرةُ اليومَ إلى التّحديث الذي لا غنى عنه،

والمستَلْهَم من سياقٍأوروبيٍّ استعماريٍّ. وهو تحديثٌ انتهى إلى ضربِ التّنظيماتِ التّقليديّةِ، التي كانت تتمثّل في ما

يُسمَّى ب " المجتمع المدنيّ الأولّي "، وإن ظلّت المفاهيمُ التّقليديّةُ للّعيّة السِّياسيّة على تأثيرها في المواقف السائدة.

وجاءت العولمة المتنوِّعةُ، لتزيد من شلل هذه الدّول، وليتَعاظم تأثيرها في ما تحقَّق من تقدُّمٍ على مستوى التّعليمِ،

ومن بث - عبر مؤسّساته - لا اهاتٍ معارِضة للمبادئ الأساسيّة في المجتمعات التّقليديّة. إلاّ أنّ العودة إلى

التّعريب في المدارس الحكوميّة بالمغرب مثالً؛ كان بمنزلة العودة إلى الثّقافة " الصّحيحة " المناوِئةِ للاستعمار الملوِّثِ

لها، والمعار ضَةِ أيضًا للحكومات وحداثاهتِا المستورَدة. وقد مثّل هذا التّعليم مصدر مقاومةٍ، وعودةً إلى السِّياسة

مع الدِّين، على حدِّ قول الجابري. المجتمع المدني وإخوته من المفاهيم التي تعتمدها الإسكوا أو تروّجها في نصوص تُصدرها: يجدر التّذكير في مطلع القسم الثّاني من بحثنا بأنّه كان لا بدّ من التوقّف طويالً أمام النِّقاش النّظري، الذي تعلّق

في القسم الأوّل بمفهوم المجتمع المدني، من منظورات أكاديميّةٍ مختلفةٍ؛ بحكم أنّه مفهومٌ قاعديٌّ لفهم ديناميّات

التحوّل في المجتمع، ولتعريف الأطراف المتحرِّكة فيه، وتب علاقاتها بالسُّلطة في المجتمعات الرّأسماليّة اللّيبراليّة

المتطوِّرة. والغايةُ من التّوقُّف عند هذا النِّقاش؛ لا تكمُن في الانطلاق من اقتناعٍ بإمكانيّة المطابقةِ بين سياقنيْ

تاريخيَنّيْ مختلفنيْ، بسبب تطوُّر علاقة الرتّابطبين السُّلطة الحكوميّة والمجتمع في اللّيبراليات المركزيّة الغنيّة على

امتداد قرنين ونيفٍ من جهة، ونمو علاقة الارتباط بينهما، تلك المستحدثة في البلدان الفقيرة منذ عقود قليلة من

جهة أخرى. ولكنّ اختلاف السِّياقين العاميّن لتطوّر العلاقة الم شار إليها في البلدان الصِّناعيّة الرّأسماليّة الغنيّة من

جهة، وفي البلدان الفقيرة من جهة ثانية؛ لا يغريِّ شيئًا من ضرورة وجودها المتميِّز في كلٍّ من السِّياقنيْ. وهي على

وجه الإجمال علاقةٌ بين الحكوماتِ- التي تميل عادةً إلى احتكار القرار في إدارة الموارد، بفعل احتكار ها لشرعيّة

المظالم من ناحية - وبين ميول الجماعات ومصاحلِها وتطلُّعات الحركات الاجتماعيّة في المجتمع من ناحيةٍ ثانيةٍ.

وغنيٌّ عن البيان؛ أنّ قدُرات الجماعات، تتفاوت في البلدان الفقيرة، بين إحراج السّلطة بفضل الاستقلال السّياسي

والمالي عنها، وبين الارتهان لها، بفعل تبعيّتها لمراكز القرار والدّعم. إنّ مثل هذا النقاش بشأن تعريفات المجتمع

المدني وسياقاتِ تحقُّقه؛ يكفَلُ- إضافة إلى ذلك - من معرفة حدود التزام السّلطة بالمبادئ والقوانين التي تحكم من

خلالها أو خروجها عنها، كما يمكِّن من تصنيف الطّبيعة الأهليّة التقليديّة - أو المدنيّة المقتبسة - لبناء التّنظيمات

الاجتماعيّة غير الحكوميّة، ولأدائها، ولحدود نجاح مشاركاتها مع الإدارات الحكوميّة وحدود قدراتها على التّعامل

أو المواجهة مع السّياسات الاجتماعيّة التي تطبّقها تلك الإدارات.

13  انظر: تعقيب خالد زيادة على نصّ كوثراني، في: المجتمع المدني في الوطن العربي، مرجع سبق ذكره، ص.136

14  عبدو فيلالي الأنصاري، المجتمع المدني في العالم الإسلامي (بيروت: منشورات دار السّاقي - معهد الدّراسات الإسماعيليّة، 2007)،

ص.345

صيف 2012

الاختزال النيوليبرالي لمفهوم المجتمع المدني في المقاربة التقنية للإسكوا في مجال التنمية: يجدر التّساؤل عن فعاليّة المقاربة المفاهيميّة والتّحليليّة المعتمَدة في أدبيّات الإسكوا؛ لفهم علاقة الارتباط بين

التّنظيمات غير الحكوميّة من جهة، والإدارة الحكوميّة من جهة أخرى. وهي مقاربةٌ لم تخرج - في جمُملها - عن

النِّطاق النّظري لأدبيّات المنظّمات الدّولية، والذي يغلب عليه الفهم النّيوليبرالي لدور الدّولة غير الرّاعية. وعلى

الرغم من تجرّؤ بعض الأدبيّات الصّادرة عن الإسكوا - أحيانًا - على التّناول النّقدي للتّوجّهات الماكرو اقتصادية

المرتبطة بتحرير الأسواق قبل بلوغ القدرات التّنافسيّة المؤهَّلة للإنتاج التّصديري، وعلى التطرّق لفساد الإدارات

المعنيّة، والمشاركة في تنفيذ البرامج التّنمويّة؛ فإنّ أدبيّات هذه المنظّمة الدّولية، قد أغفلت- في المنشورات الخاصّة

بإدارات شعبها - مسؤوليّة أطراف السّلطة الحكوميّة وأطراف السّلطة الأهليّة عن الحدّ من نموّ أدوار الأحزاب

المعارضة الإصلاحيّة والدّيمقراطيّة وعن تفكيك النّقابات وتتبُّعها. وقد أضافت أدبيّات الإسكوا إلى إعفاء

الحكومات من مسؤوليّة الالتزام بسياسات الرّعاية الاجتماعيّة، استبعادَ مسؤوليّة الأحزاب والنّقابات عن إحراج

الحكومات، من خلال متابعة سياساتها وتقييمها. وبذلك تكون تلك الأدبيّات قد شاركت - بقصد أو دون

قصدٍ- في انحرافها عن مبرِّر وجودها؛ كضمائر للجماعات المعرّضة للإفقار، وكمؤسّسات معنيّةٍ بمساءلة سياسات

الحكومات. فحوّلتْها - والحال -ُ هذه إلى أُطرٍ سياسيّة متكيِّفة مع توجّهات الحكوماتِ، ومستوعِبة لتململ الناس

من سياساتها. وفي تقديرنا، إنّ توجُّه الإسكوا نحو إشراك قيادات الفروع الحزبيّة والنّقابيّة في المناطق والقطاعات؛ يؤثّر في ترشيد

خطابها الشّعبوي أو العصبوي، الذي يُبعدها عن الفهم الممنهج لأولويّات الحاجات التّنموية لقواعدها الشّعبية.

ولاشكّ في أنّ إغفال إشراك هذه القيادات في الأنشطة التّأهيليّة التي تنفّذها شُعَب الإسكوا، إضافةً إلى إهمال

مسؤوليّات أطراف السّلطات المهيمِنة في الحكومات والمجتمعات الأهليّة وبعض الأوساط الدينية؛ سيضعف من

مردود برامج منظّمة الإسكوا وأنشطتها وإسهاماتها الهادفة إلى تطوير سياسات الحكومات، وإلى ترسيخ الثّقافة

المهنيّة من خلال تدريب العاملين في القطاع الاجتماعي. وما يُضعف من مردود هذه الإسهامات ال وريّة لمنظّمة

الإسكوا فعالً؛ هو غياب النّقد في منشوراتها للسّياسات الصّادرة عن وزاراتٍ ووزراءَ، يمثّلون الّكاء المقرّرين

لإدارتها المركزيّة، في نطاق المجلس الاقتصادي والاجتماعي التّابع للأمم المتّحدة، حتّى تُنفَّذ برامجها الدِّراسيّة

التّنمويّة والتّدريبيّة.

وفي سياق هذه التقيّة السياسيّة، يورد تقرير للمنظّمة" نحو تنميةٍ اجتماعيّةٍ شاملةٍ قائمةٍ على المشاركة في منطقة

الإسكوا 10 " وصفًا لما يسمّيه ب " تجارب ناجحة... لتعزيز المشاركة بين الحكومات ومنظّمات المجتمع المدني ".

ويذهب إلى حدّ الخلط بين الخصائص المؤسَّسية للمنظَّمات غير الحكوميّة (NGOs) من جهة، وخصائص

المؤسّسات الرّعائيّة (Foundations) كمؤسّسات الحريري وشومان والأمانة السّورية للتّنمية، التي ترْأسُها أسماء

الأسد في سوريا. إنّ مثل هذا الخلط المقصود، يُفسرِّ اختزال مفهوم المجتمع المدني في أدبيّات الإسكوا، وقصره على

المنظَّمات غير الحكوميّة أيًّا كانت ظروف وأهداف تأسيسِها. وفي مثل هذا التّصنيف السّلبي والملتبس لهذه المنظَِّمات؛

ينأى تعريف تلك المنظّمات عن الّوط الدُّنيا الواجب توفّرها في تشكيلها، وفي انتخاب هيئآتها وتداولها، وفي

مدنيّة أدائها، لتصنّف تطوّعيّةً ومستقلّةً بمواردها ونهجها عن أصحاب القرار في الحكومات. إنّ مثل هذا الخلط

والتّجاوز للمعايير المدنيّة؛ يسهِّل على المنظ مات الدّوليّة والأجنبيّة المانحةِ، اختيارَ الّاكة مع المنظّمات المحليّة

ذات الأهداف والميول المتنافرة، وانتقاءَ المنظ مات الأكثر تماشيًا مع توجُّهاتها الظّرفية المسيّسة أحيانًا في التدخلّات

التّنمويّة المحليّة.

15  الإسكوا، تقرير: " نحو تنمية اجتماعية شاملة قائمة على المشاركة في منطقة الإسكوا " (منشور من دون تحريرٍ رسميٍّ) (بيروت:

الإسكوا، 2011)، ص.10

وفي ظلِّ هذا التعريف الملتبس قصدًا لمفهوم " المجتمع المدني "، تشير سارة بن نفيسة -في نصٍّ لها ورد ضمن تقرير

التّنمية البشريّة عن واقع المنظّمات النّسائية - إلى أن " الحكومات العربيّة تشترك جميعها في استعمال الجمعيّات وقضيّة

المرأة في أغراضٍ دعائيّة [...] وفي بلدان الخليج وليبيا فإنّ الجمعيّات التي تدعمها السّلطة لها الحقّ وحدها في

الاستمرار في نشاطاتها [...] وتستمدّ غالبيّة الجمعيّات النّسائيّة الخيريّة، تحت قيود الثقافة المحافظة، مشروعيّة

التّمييز بين الخصوصيّات الثّقافية والمرجعيّات الدّينيّة ". وتجدر الإشارة إلى أنّ تعريف مفهوم المجتمع المدني المروَّج في منشورات برنامج الأمم المتّحدة، لا يختلف عنه في

منشورات الإسكوا؛ وذلك بسبب استبعاد التّنظيمات الدّيمقراطيّة الحزبيّة والنّقابيّة المعارضة، من بين المكوّنات

الأساسيّة للمجتمع المدني من المواجهة مع الحكومات وسياساتها. بل والذّهاب إلى حدّ تحييد منظّماتٍ غير

حكوميّة، يمكن أن يكون لها حضورٌ فاعل في مساءلة الحكومات وسياساتها؛ ألا وهي تنظيمات أصحاب الأعمال

في القطاع الخاصّ، ولاسيمّا منها الصّغيرة والمتوسّطة. وهي سياساتٌ يلاحظ من خلالها " الثِّقل الاقتصادي المتميِّز

للدّولة في البلدان العربيّة، حيث تشكِّل المصدر الرّئيسي للدّخل المباشر وغير المباشر[...]". ويمكن للتّنظيمات

التّعاونيّة لأصحاب الأعمال الصّغيرة الحرفيّة والزّراعيّة في البلدان غير النفطية؛ أن تضطلع فيها بدور ضاغطٍ في

مساءلة وتصويب السّياساتِ الاجتماعيّة المتعلّقة بإيجاد فرصِ العمل والحماية الاجتماعيّة. وإذا ما كانت المنظّمات

المهنيّة والحرفيّة التي توجد في أوساط الطّبقات المتوسّطة والصّغيرة من أصحاب الأعمال، ضعيفة الحضور والتّأثير

في توجيه السّياسات الاجتماعيّة أو مواجهتها؛ فذلك يعود إلى تنافر تنظيماتها المهنيّة في تعاونيّات ونقاباتٍ قطاعيّة

أو محلّية. غير أنّه بإمكانها - مع ذلك - أن تمثّل قوى ضاغطة على انحياز غرف الصّناعة والزّراعة والتّجارة لمصالح

كبار رجال الأعمال المؤثّرين في القرارات الحكوميّة. ولهذا، فإنّ استبعاد تأهيل هذه التّنظيمات في الأنشطة التّدريبيّة

والتّحليليّة للإسكوا؛ يشك ل إخ الً بمواجهة السّياسات المتلائمة مع انفلات الأسواق ومسؤوليّات الدّولة في

حماية الأمن الاقتصادي في المجتمعات. وإذا كان إغفال الإسكوا مخاطر تكيّف النّقابات والأحزاب مع سياسات الحكومات، قد أدّى إلى يأس الجماعات

المهمّشة والمعارِضة في ظلّ استبداد أنظمة الحزب المهيْمِن، ونأى بها عن الأحزاب، وعن الالتزام العضويّ

ببيروقراطيّاتها المركزيّة؛ فإنّه قد ا ه بها إلى مزيدٍ من التّقبّل لمبادرات تأسيس منظّمات ومنابر للمدافعة عن الحقوق

الدّيمقراطيّة في العيش والعمل والتّعبير، مثلما هو الشأن في منظ مة كفاية في مصر، وجمعيّة الوفاق الوطني في

البحرين، والدّيوانيّات في الكويت وع ن، والسّعوديّة. غير أنّ مثل هذا النأي، المستند إلى تعريفٍ غير ناضجٍ

لمكوِّنات المجتمع المدني، يشترط للاعتراف بمدنيّة تلك المنظ مات عدم سعيها إلى السّلطة. وهو ما يصبُّ في مصلحة

الأنظمة السّياسيّة القائمة، تلك المسؤولة عن إعاقة التّنمية السّياسيّة. ومن شأن ذلك أن يُسهم في إعاقة وعي

الفئات الشعبيّة خاصّة؛ بسبب التّدهور السّياسي والاقتصادي والاجتماعي. وأن يؤدّي - بشكلٍ مباشرٍ أو غير

مباشر- إلى تحوّل جماهير المهمّشين اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا إلى أحزاب التطرّف الديني والمذهبي، الذي زادت

شعبيّته بفعل سهولة التّواصل الإيماني، وتعدّد الخدمات الإغاثيّة والرّعائيّة والتعليمية التي تقدّمها. ففي لبنان مثالً،

يُقدَّر عدد منظّمات الخدمات المتفرّعة عن حزب الله بحوالى عرشْ منظّماتٍ، تعمل في أرياف وضواحي الأوساط

الشّعبية الشّيعيّة. وفي تقديرنا، إنّ إغفال أهميّة التّأهيل المنهجي والتّقني لكوادر الأحزاب والنّقابات؛ يمثّل القاعدة الموضوعيّة

لنجاح المنظّمات غير الحكومية. لاسيمّا وقد اختزلت أدبيّاتُ برنامجِ الأمم المتّحدة الإنمائي- أيضًا - تعريف

المجتمع بها، خصوصًا عندما نتب من وقائع غالبيّة المنظّمات غير الحكوميّة في البلدان العربيّة ضعف مراعاة الأداء

16  سارة بن نفيسة، " النّساء العربيّات والمجتمع المدني "، صادر عن برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، ص:3

http://www.arab-hdr.org/publications/other/ahdr/papers/2005/cherif.pdf

17  برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، تقرير التّنمية الإنسانيّة العربيّة للعام 2009، ص.73-72

صيف 2012

الدّيمقراطي في تأسيسها وإدارتها. وحينما نقف على غلبة الميُول والحوافز الفرديّة للنّاشطين المؤسّسين على وحدة

أهداف الجماعات ومصالحها. وفي هذا السّياق يذكر عبد الوهاب الأفندي أن " نقابة الصحفييّن العرب، احتجّت

على وجود أكثر من 12 نقابة ورابطةٍ للصحفييّن في العراق [...] وتقول المفوّضيّة العراقيّة لمؤسّسات المجتمع المدني،

إنّ هناك أكثر من 1000 منظّمةٍ مدنيّةٍ عراقيّةٍ مسجّلةٍ تحت مظلّة برلمان المجتمع المدني العراقي الذي ترعاه ".

ثانيًا: حدود نموّ المجتمعات وحدود مدنيّة التّنظيمات الاجتماعيّة

رأى خبراء - في أثناء اطّلاعهم على ما جاء في تقارير الإسكوا - أن " واقع ال كيبة القبليّة والأهليّة والعشائريّة،

وغياب الدّيمقراطيّة؛ قد يشك ل مبرِّرًا للتّشكيك في وجود مجتمعٍ مدنيّ في المنطقة العربيّة. فالقيم الدّيمقراطيّة

شكّلت ضرورةً لنشوء المجتمع المدني في بلدان الغرب أو في بلدان أوروبا الشرقية وأميركا اللاّتينية[...]". غير

أنّه لا مانع لديهم أحيانًا كثيرةً من استعمال مصطلح" المجتمع الأهلي " بدل مصطلح " المجتمع المدني "؛ لأنّه يعرب

- بحسب رأي بعض الخبراء - عن " كون الأهالي والمجتمعات المحليّة وبصورة أخرى المجموعات السكّانية (التي

تتكوّن حول عصبٍ طائفيٍّ أو عرقيٍّ أو إثنيٍّ وغيره) تؤلّف مجموعاتٍ خارج إطار القطاعنيْ العامّ والخاصّ،

وتعمل للدفاع عن مصالحها وال ويج لبعض المبادئ التي قد تكون المشاركة السّياسيّة أحدها. وبذلك تسمّى

مجتمعًا أهليًّا أسوة بالمجتمع المدني ". وهكذا لم يتساءل كاتب التقرير ع إذا كانت مطالبة جماعة معيّنةٍ بالاعتراف

بحقٍّ سياسي ما، أيًّا كانت طبيعة معتقدات الجماعة المطالبِة بالحقّ، وأيًّا كانت طبيعة السّلطة المتنكِّرة للحقّ حجّة

كافيةً لاعتبار مجتمعِها مجتمعًا مدنيًّا. وغابت عن بال كاتب التّقرير المسافة الأنثروبولوجيّة، والتّنافر المعرفي والفكري

بين مصطلحي المجتمع المدني والمجتمع الأهلي؛ فخلط دون وازعٍ بينهما. وما يلُاحظ أيضًا في نصوص بحثنا المرجعيّة حول مفهوم المجتمع المدني المعتمَد والمُروَّج في منشورات الإسكوا؛ هو

تفصيلها في " احتكار السّلطة في بعض البلدان العربيّة المترافق مع تنامي سلطة الطوائف والقبائل والمذاهب، التي

أبعدت أعضاءها عن المواطنة وعن المجتمع المدني، الذي مُنع أساسًا من الخروج إلى النّور ". وما يلفت الانتباه في

هذه النّصوص، هو الإصرار - على الرّغم من ذلك - على اعتماد مفاهيمَ مقتبسة لتوصيف التّنظيمات المتشكّلة في

إطارها. فهي مفاهيمُ لم تتوافر لها بعد - في ال كيبات السّياسيّة الاجتماعيّة العربيّة -وريّة لنضوجها ال وط الّ،

إن لم نقلْ شروط تبلورها، وانتقال التّنظيمات النّاشئة فيها من توصيفها باللاّحكوميّة إلى توصيفها بالمدنيّة. ومع ذلك

يبقى الإصرار على عقد ورشةٍ حول " تحليل مقارن لمشاركة المجتمع المدني " في السّياسة العامّة، من خلال القيام

بأربع دراساتٍ عن حالاتٍ أربعٍ في بلدان المشرق، بالاستناد إلى تقارير ومنشوراتٍ صادرةٍ ع تسمّيه " الإسكوا "

ب" منظمات المجتمع المدني "، وبالاعتماد على تقارير ومقابلات مع متطوّعين وممثّلين عن الوزارات؛ غُيِّبت عنها

- كالعادة - الأحزاب والنّقابات والمجموعات المعارضة الظّاهرة منها ومكتومة الأنفاس. ووقع تسليط الضّوء على

أنماط عمل الأطراف المعنيّة بالسّياسات وأنشطتها ومناهجها. وعلى الرّغم ا يشوب تنظيم النّقابات والأحزاب

السّياسيّة وأداءَها من ذهنيّة التزعّم ومحدوديّة التّشخيص والتأثير، فإ ا تبقى محتاجةً أكثر إلى التّطوير والانفتاح على

مناقشات الخبراء والأكاديمييّن في الورش؛ لاسيمّا وأ ا أوسعُ تمثيال واهتمامًا بالسّياسات وانعكاساتها من المنظّمات

18  عبد الوهاب الأفندي، " المجتمع المدني العربي: نقلة نوعيّة؟ "، على الرابط:

www.arab-hdr.org/publications/other/ahdr/papers/2005/affendi.pdf.

19  الإسكوا، تحليل مقارن لمشاركة المجتمع المدني في السّياسات العامّة في بلدان عربيّة مختارة (نيويورك: منشورات الإسكوا، 2010)،

ص 2، 3. نص اقتبس عن كاتب التقرير:

Sa’ed Karajah, "Civil Society in the Arab World: the Missing Concept", The International Journal of Not-for-Profit Law , Vol. 9, No. 2 (April 2007), p.2.

20  المرجع نفسه، ص.1

غير الحكوميّة. إذ يقتصر تعريف تلك المنظ مات غير الحكوميّة لدى المنظّمات الدّولية على الجمعيّات المختصّة

بالتّدخلات الموضعيّة أو الجزئيّة، في مجالات الدّفاع عن الحقوق، أو في الرّعاية و " التّمكين السرّابي " من تخفيف

الفقر. وغالبًا ما تكون تلك التّنظيمات في بلادنا العربيّة، بشتّى أنواعها، بعيدةً في مفهومها وأدائها، ع يرجوه سعد

الدّين إبراهيم، في تقرير تعزيز مشاركة المجتمع المدني - الإسكوا؛ إذ عرّف مفهوم " المجتمع المدني " بأنّه: " مٌجموعة

من التّنظيمات التّطوّعية الحرّة، تملأ المجال العامّ بين الأسرة والدّولة؛ لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمةً بقيم ومعايير

الاحترام وال اضي والتّسامح والإدارة السّلميّة للتّنوّع والاختلاف ".

وعلى الرّغم من ذلك، فقد خلُصت ورشة المناقشة المشار إليها أعلاه- وبكلّ تفاؤلٍ- إلى ضرورة إكساب المنظّماتِ

الحكوميّة وغير الحكوميّة " قدرات فهم عمليّات صنع القرار وتعقيداتها "، وتأهيلها للقيام بدورها على المستويني

الوطني والمح خاصّةً، حتّى تشارك في صنع السّياسات الاجتماعيّة التّكاملية. ويؤكّد الخبراء في متن " تقريرٍ مقارَنٍ

لمشاركة المجتمع المدني " على قدرات المنظّمات المعنيّة على فعل ذلك، على الرغم من إمكاناتها البشريّة القائمة على

" الأساليب التّكنوقراطيّة أو القسريّة " بحسب وصفهم. وهي أساليب " كشفت عن حدودها، وأصبح الدّفاع عنها

أمرًا مستحيالً من الوجهة الأخلاقيّة في مجتمعاتٍ أصبحت تأخذ بالتّعددية باطِّرادٍ، وفي عالمٍ يزداد انفتاحًا وترابطًا

رغم المخاوف والّاعات ". ومع ما عرضه خبراء الإسكوا - في تقريرهم المُشار إليه- من حدود تلك القدرات والأساليب؛ فإ م لم يروْا

مانعًا من التساؤل التّالي: " لماذا لم تتمكّن منظّمات المجتمع (أي المدني) من قيادة عمليّة الإصلاح في المنطقة العربيّة،

مثلما فعلت مثيلاتها في أوروبا الّقيّة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي؟". وكانوا في سؤالهم ذاك متجاهلين

المعطيات التّالية: أوّلًا، إنّ سياق التّشكل التّاريخي والحضاري للمجتمعات في أوروبا الّقية قبل العهد السّوفياتي، وفي ظلّ النّهج

النّيوليبرالي الذي أخرج تلك المجتمعات إلى التّعدّدية اللّيبراليّة؛ لا يجب أن يُقارن بسياق تشكّل المجتمعات العربيّة،

ولا بحرص هذا النّهج ذاته على دعم الأنظمة العربيّة المستبدّة سياسيًّا ونخبها المحافظة أيديولوجيًّا. فقد عاشت

تلك المجتمعات مخاضًا تاريخيًّا طويالً لتحقيق بنائها القومي الدّيمقراطي، الذي ينتج الأغلبيّة الحاكمةَ له " وتتوفّر

فيه حقوق المواطن الأساسية والتّعدّدية واستقلال القضاء ".

ثانيًا، " إنّ المنظّمات غير الحكوميّة تعمل في قطاعاتٍ مجتمعيّةٍ جزئيّة، وتتلمّس مصاحلِها المشرتَكة ومساهمتها

المشترَكةَ في قضايا المجتمع بشكلٍ عامٍّ. و (أنّ تأطيرها) ليس تأطيرًا لأحزاب أو لاحتِّاداتٍ نقابيّةٍ. وإذا تمّ الخلط

بين هذه الجوانب، فسوف تكون النّتيجة أن تخسر هذه المنظّمات خصوصيّتها، كما تخسرها النقابات والأحزاب،

وبالتالي تفقد جميعًا مساهمتها في عمليّة دمقرطة المجتمع ". ثالثًا، اختلاف أهداف الدّول المانحة من دعم انتشار ظاهرة تأسيس المنظّمات غير الحكوميّة التي يختارون ميول

النّخب المحليّة النّاشطة فيها. ففي الغالب، لا تكون ميول تلك النّخب تطوُّعيّةً، ولا تنمّ تدخلّاتها المتنافرة لتخفيف

الفقر عن إحساسٍ مرهفٍ بمشاكل الفقراء؛ لاسيمّا وأنّ ذلك الفقر قد تسبّبت فيه سياساتُ الأنظمة المدعومة من

تلك الدّول.

21  الإسكوا، دليل تعزيز المشاركةبين الحكومات ومنظّمات المجتمع المدني في عمليّات السّياسة العامّة (بيروت: الإسكوا، 2009)، ص 4

22  الإسكوا، تحليل مقارن لمشاركة المجتمع المدني في السّياسات العامّة في بلدان عربيّة مختارة (نيويورك: منشورات الإسكوا، 2010)، ص.6

23  محمد عابد الجابري، " إشكالية الدّيموقراطية والمجتمع المدني في الوطن العربي "، مجلّة المستقبل العربي، العدد 176 (يناير 1993)، ص 24  عزمي بشارة، المجتمع العربي دراسة نقدية، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2008)، ص.23

صيف 2012

رابعًا، تجاهل التوجّس العربيّ من أهداف المانحين الشمّالييّن، والتّنافس بين قيادات المنظّمات المحلّية متنافرة المنافع،

والحساسيّات المحلّية الضيّقة. خامسًا، ما ورد في تقريرٍ آخر لخبراء باحثين ناقدين بعنوان: " تعزيز مشاركة المجتمع المدني... " (وهو غير تقرير دليل

تعزيز المشاركة)؛ إذ حدّد " الظّروف الضّاغطة على أداء منظّمات (ما يسمّيه) المجتمع المدني " على الوجه التّالي: الالتباس في مفهوم المجتمع المدني ودوره في التّنمية. تداخل مهامّها في تقديم الخدمات العامّة مع مهامّ الحكومات. • خضوعها لوصاية الجهات المانحة أو الدّاعمة. ضعف بنيتها المؤسّسية، وعدم استدامة أعمالها في الغالب.

تمثيل بعضها لجهاتٍ حاكمةٍ، أو انحيازها لفئاتٍ طائفيّةٍ أو مصالح انتخابيّةٍ.

• غلبة الطّابع الخيري والرّعوي على أنشطتها.

هيمنة الممارساتِ البيروقراطيّة، وتأثّرها بشخصيّة أفرادها المؤسّسين.

تشتيت خبرات المنظّمات الحقوقيّة والدِّفاعيّة وضعف المتابعة فيها.

وفي ظلّ غياب المنظّمات الشّعبيّة وتغييبها (نقابات وأحزاب ومجموعات معارضة على اختلاف أنواعها)، والتي

تشكو من ضعف التّأهيل التّقني والأداء الدّيمقراطي، وعلى الرّغم من التّفصيل في الظ روف الضّاغطة على

المنظّمات غير الحكوميّة؛ لا يتوانى خبراء الإسكوا في تقريرهم " دليل تعزيز المشاركة بين الحكومات ومنظّمات

المجتمع المدني " عن حصر الالتزام السّياسي بالتّنمية المجتمعيّة في مؤسّسات السّلطات العامّة، وذلك على

المستو نيْ المركزي والمح. وهو التزام يتعزّز " من خلال الحوار والمشاركة مع القطاع الخاصّ ومع منظّمات

المجتمع المدني " فحسب؛ تلك المنظّمات التي عدّد خبراء باحثون- أعلاه في تقريرٍ مذكورٍ - روف الضّاغطة الظّ

على أدائها. وإذا كانت تلك، هي ظروفُ المنظ مات الحكوميّة وإمكانيّاهتُا؛ فإنّ رهان خبراء التّنمية المجتمعيّة يبقى

منصبًّا على حوار الحكومات مع القطاع الخاصّ، حيث يحلّ مجال السّوق محلّ المجال الاجتماعي، وحيث لا

تخرج الحركات الاجتماعيّة بمطالبها وحوافزها من مجال الإنتاج في المجتمع. إذ في ظلّ عولمة الأسواق والإعلام،

أصبحت تلك الحركات تخرج من ثقافةٍ مهيمنةٍ تروِّج للانكفاء على الهويّة العصبيّاتيّة المحليّة. وفي مثل هذه الثّقافة

المروَّجة، تتكيّف النُّخب متعثِّرة الوعي مع الأوضاع المعيشيّة. ولا تعود مسائلُ العيش والصحّة والتّشغيل في

بيئاتها الاجتماعيّة، المسائل الكبرى المقلقةَ لهذه البيئات؛ لاسيمّا بعد انحياز خياراتِ الدّعم لدى المانحين الشمّاليين

إلى إعطاء الأولويّة في التّمويل لبرامج التّدريب على تقنيات المدافعة عن حقوق الجماعات المستضعفة، وتقنيات

التّصويت في الانتخابات المعلّبة، وتقنيات المصالحات النّاجمة عن التّفكك الإثني والمذهبي. إ ا ثقافةٌ تهيمن فيها احتمالات التّغيير السرابيّة الموضعيّة الضيِّقة، ولا تنشغل بمحدّدات خضوع الحكومات

لأولويّات مراكز القرار والمال في الخارج النّيوليبرالي. إ ا الثّقافة التي ظلّت تزيد - على امتداد أكثر من ثلاثة

عقود في المجتمعات العربية غير النّفطية - من إقصاء الشبّان وتهميشهم. وهم فئة تتجاوز نسبة حضورها

ال%50 من إجماليّ السّكان، ولم يبق أمامها إ الخروج في الميادين العامّة عن حركات المعارضة والمنظّمات وزعاماهتِا

التّقليديّة، المتكيّفة - إن لم نقل المتواطئة - مع سياسات الأنظمة الاستنزافيّة للموارد. علاْمً أنّه تقع معالجة نتائج

25  الإسكوا، دليل تعزيز المشاركة بين الحكومات ومنظّمات المجتمع المدني في عمليات السّياسات العامّة، مرجع سبق ذكره، ص.8

استنزاف هذه الموارد محليًّا أو موضعيًّا، في إطار ما يُسمّى بالتنمية المحليّة (development Micro)؛ وذلك

بعيدًا عن السّياسات التّنمويّة الماكرويّة التي تضمن وحدها مردودات التّدخّل في النّطاقات المحليّة.

ثالثًا: الحدود البيروقراطية للتّعاون بين الإسكوا والحكومات

عادةً ما تُعقد ورش العمل داخل إطار شُعب الإسكوا، في شروط تلائم استضافة مندوبي الحكومات ومن معهم

من خبراء ومسؤولي منظّماتٍ غير حكوميّةٍ. وفي المقابل تُغيَّب عن تلك الورشِ المجموعاتُ الأكثر مسؤوليّةً في

التّشكيلة السّياسيّة الاجتماعيّة، والمتمثِّلة في الجماعات المهنيّة أو النّقابات والأحزاب والحركات المعارضة. وهي

مكوّناتٌ تعنيها بشكلٍ مباشرٍ مواضيع الورش المعقودةِ، وما تتّسم به من أهميّة وإشكاليّات راهنةٍ (المجتمع المدني،

والمشاركةُ، والإستراتيجيّة، والسّياسة الاجتماعيّة، والتّنمية المجتمعيّة، والحكم الصالح.) يتلو المندوبون الحكوميّون في الورش تقاريرهم عن إنجازات إداراتهم، التي غالبًا ما تغيب عنها القراءاتُ النّقديّة

للآليّات البنيويّة المعيقة لتطوير قدراتها في استثمارٍ مستديمٍ للموارد على أنواعها. إ ا التقارير التي يعلن فيها

المندوبون كتابةً خلافَ ما يُسرِّ الكثيرون منهم به شفاهةً في اللّقاءات الضيّقة. وقد يصادف أن تثير تلاوة هذه

التقارير بعض التّعقيبات المفيدة والمحرجة سياسيًّا للمندوب المعنيّ ولحكومته؛ ومع ذلك تظلُّ تعقيبات ضروريّة

للتّأشير على حيويّة التّداول وديمقراطيّته، علامً أ ا تغيب عن التّقرير النّهائي للورشة. وتحرص إدارات الأقسام في الإسكوا عادةً، على عقد الورش خلال يومين أو ثلاثة، بحضور جميع مندوبي

الحكومات في بلدان الّق الأوسط وشمال أفريقيا. وهي ورشٌ شبيهةٌ بالمؤتمرات؛ يصعب أثناء جلساتِ تلاوةِ

تقاريرها المطوّلةِ، الإصغاءُ والتوقّف النّقدي. كما يتعذّر خلالها التوصّل إلى تصنيفٍ تنميطيٍّ لظروف تشابه

واختلاف الإنجازات والمعوقات للإدارات الحاضرة، والممثّلة لأكثر من 15 دولة. ونقصد بالتّصنيف التّنميطي

لمجموعاتِ دول منطقة الإسكوا: التصنيفَ القائم إمّا على أساس التّجاور الجغرافي، أو التّشابه في القدرات

البشريّة والتّمويليّة، أو تشابه المقاربات في بلورة السّياسات أو البرامج القطاعيّة؛ حتّى إنْ اقتصر عقد ورش المتابعة

والتّقييم المحدودة هذه، على أقلّ من خمس دول. إنّ الدّروس المستخل صةَ من مثل هذه الوِرش التّقييميّة، تحفز

البحوث الّوريّة لتطوير مناهج التّدخّل وأساليبه. بعد انتهاء الورش، يتو خبراء شُعب الإسكوا - بمساعدة أكاديمييّن يتقنون الصّياغات النّقدية - تحرير تقارير

ختاميّة عن تجارب الفروع المعنيّة بموضوع الورشة أو النّدوة داخل الحكومات العربيّة بمجملها. وينأون في

تقاريرهم تلك، عن تناول نهج أيّ حكومةٍ منها على وجه التّخصيص. وقد ورد في خلاصة تقريرٍ يناقش مقارباتِ

الحكومات العربيّة المتعلّقة بالمرجعيّات الحقوقيّة للمشاركة فيها؛ أن " المشكلات الاجتماعيّة ذات التّأثير المباشر على

مقاربات التدخّل في التّنمية ضمن معظم الدّول العربيّة، هي مشكلاتٌ متزايدةٌ في حدتّها وفي نطاق تأثيرها[...]

ولم تتعدّ قدرة مناهج التّدخّل " من الأعلى إلى الأسفل " على تحقيق خطواتٍ شكليّةٍ أو جزئيّةٍ أو ظرفيّةٍ على طريق

المشاركة الحقيقيّة في المجتمع[...]".

26  المرجع السابق، ص.6-5

المراجع:

باللغة العربيّة:

الإسلامي، ترجمة سيف الدّين القصير، ط 1 (بيروت: دار السّاقي- معهد الدّراسات الإسماعيليّة.) الإسكوا،.)2010

منطقة الإسكوا (بيروت: الإسكوا،.)2004 رسمي) (بيروت: الإسكوا.) الإنسانية العربية لعام 2009، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

السنة 15، العدد 167، يناير.1993 سبينوزا، باروخ. رسالة في السّياسة وا الّهوت، ترجمة حسن حنفي (بيروت: دار الطّليعة،.)1981 الصّادر عن ندوة المجتمع المدني في الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.)1992 تنموي للوقف (الكويت: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الاجتماعيّة في دولة الكويت،.)1993 باللّغة الأجنبيّة:

12. Touraine, Alain. Un Nouveau paradigme pour comprendre le monde d’aujourd’hui

صيف 2012

أركون، محمد. " تحديد موضع المجتمع المدني في السياقات الإسلامية "، في: المجتمع المدني في العالم الإسكوا. تحليل مقارن لمشاركة المجتمع المدني في السياسة العامة في بلدان عربية مختارة (نيويورك: الإسكوا. دليل تعزيز المشاركة بين الحكومات ومنظّمات المجتمع المدني في عمليّات السياسة العامّة، الإسكوا. تقرير الظّروف الاجتماعية في منطقة الإسكوا: مسح للتطوّرات الاقتصادية والاجتماعية في الإسكوا. تقرير نحو تنمية اجتماعيّة شاملة قائمة على المشاركة في منطقة الإسكوا (منشور دون تحرير برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي. تساؤلات جديدة وقديمة حول السياسات الاقتصادية، تقرير التّنمية بشارة، عزمي. المجتمع العربي دراسة نقدية، الطبعة الثالثة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، الجابري، محمد عابد. " إشكالية الدّيموقراطية والمجتمع المدني في الوطن العربي "، مجلة المستقبل العربي،

العلوي، سعيد بنسعيد. " المجتمع المدني: المفهوم وتداوله في الخطاب العربي المعاصر "، مقدمة للكتاب عمارة، محمد. " دور الوقف في النّمو الاجتماعي وتلبية حاجات الأمّة "، من أبحاث ندوة: نحو دور

(Paris: Fayard, 2005).