العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تعدد مؤشرات الفقر وألوانه في الريف المغربي، أو الركود البنيوي للمجالات الريفية التقليدية: حال أرياف شمال مدينة فاس

تعدد مؤشرات الفقر وألوانه في الريف المغربي، أو الركود البنيوي للمجالات الريفية التقليدية: حال أرياف شمال مدينة فاس

The Structural Stagnation of Traditional Rural Domains: The Case of the Countryside North of Fes

حسن ضاي ض *

الملخّص

تتميّز أرياف شمال مدينة فاس بكونها حافظت على أشكال إنتاجٍ اقتصادية متناقضة. لكن موارد الأرض وبسبب عوامل خارجية منها ضعف تدخل الدولة، والتأثير السلبي للتاريخ على الجغرافيا، وللوسط الجغرافيّ على المجتمع، لم تتمكن من تثبيت سكان الأرياف نتيجة الضغط الديموغرافي المتزايد. وتحاول هذه الدراسة الكشف عن الأشكال المتعددة للتخلف البنيويّ في هذه الأرياف التي تتميز زراعاتها البورية (المعتمدة على الأمطار) بمحصول ضعيف وغير مستقر، مع تخلف هياكل الملكية، وتبني نظم زراعية عتيقة، وشيوع وحدات إنتاجية صغيرة لا تلبِّي الحاجيات الأساسيّة للمزارع وأسرته، وكذا ضعف الأنشطة الصناعيّة والخدميّة. وتحيل الدراسة ذلك إلى الأولويات القصوى التي أعطتها الدولة للمجالات الريفيّة المرويّة من حيث التجهيزات والبُنى التحتيّة الاجتماعيّة، بينما ظلّ الريف التقليدي -كما هي أرياف شمال مدينة فاس- متخلفا.

Abstract

The countryside north of Fes is particular in having maintained contradictory forms of economic production. However, land resources, weak state intervention, the negative effect of history over geography, and of the geographical context over society, have not been able to control the rural population as a result of growing demographic pressure. This study sheds light on the many forms of structural underdevelopment in the countryside in this part of Morocco, whose rain-fed agriculture is characterized by poor harvests and instability. The underdeveloped ownership structure, the adoption of old agricultural systems, and the prevalence of small units of production that do not meet the basic needs of farmers and their families, and weak industrial and service activity also play a part. This study accounts for this the top priority given to irrigation-based agriculture by the state in terms of equipment and the social infrastructure, while the traditional countryside, such as north of Fes, remained underdeveloped.

الكلمات المفتاحية:
  • الإنتاج الاقتصادي
  • الزراعة البورية
  • الزراعة المروية
  • فاس
  • التضخم الديموغرافي
Keywords:
  • Fes
  • Demographic Pressure
  • Irrigation-Based Agriculture
  • Rural Areas
  • economic production

حال أرياف شمال مدينة فاس

تتميّز أرياف شمال مدينة فاس بكونها حافظت على أشكال إنتاج اقتصادية متناقضة. لكن موارد

الأرض وبسبب عوامل خارجية منها ضعف تدخل الدولة، والتأثير السلبي للتاريخ على الجغرافيا،

وللوسط الجغرافيّعلى المجتمع، لم تتمكن من تثبيت سكان الأرياف نتيجة الضغط الديموغرافي

المتزايد. وتحاول هذه الدراسة الكشف عن الأشكال المتعددة للتخلف البنيويّ في هذه الأرياف

التي تتميز زراعاتها البورية (المعتمدة على الأمطار) بمحصول ضعيف وغير مستقر، مع تخلف

هياكل الملكية، وتبني نظم زراعية عتيقة، وشيوع وحدات إنتاجية صغيرة لا تلبِّي الحاجيات

الأساسيّة للمزارع وأسرته، وكذا ضعف الأنشطة الصناعيّة والخدميّة. وتحيل الدراسة ذلك إلى

الأولويات القصوى التي أعطتها الدولة للمجالات الريفيّة المرويّة من حيث التجهيزات والبُنى

التحتيّة الاجتماعيّة، بينما ظلّ الريف التقليدي -كما هي أرياف شمال مدينة فاس- متخلفا. تتضافر مجموعةٌ من العوامل في تفسير تهميش المجالات الرّيفية التّقليدية في المغرب وتخلّفها. وفي هذا

الصّدد؛ لا تزال أرياف شمال مدينة فاس (شكل 1) - أو ما يُسمّى بتلال مقدّمة الرّيف الأوسط -

تعاني من التّأثيرات السّلبية للوسط الطبيعي، ومن سوء نظامها الزّراعي، ومن ضعف التّدخلات الرّسمية التي

من شأنها تحقيق التّوازن بين الإنسان ومجاله؛ وذلك انطلاقًا من الإمكانيّات الط بيعيّة والاقتصادية المحليّة. وقد

ترتّب على هشاشة بنيات الإنتاج الاقتصادي المح أو عن تخلّف نظام الإنتاج الفلاحي وسوئه، انعكاسات

اقتصاديةٌ واجتماعيةٌ متعدّدة ومتنوّعة؛ يعدُّ الفقر أحد أهمّ تجلّياتها. إنّ الاستغلال الرّشيد للمؤهلّات الطبيعية التي تتوفّر عليها منطقة الدّراسة، ستكون له آثارٌ إيجابيّةٌ على سك ان

الرّيف إذا ما وُضعت إستراتيجيّةٌ تنمويّةٌ فلاحيةٌ. وفي هذا الصدد، فإنّ التصوّر التّنموي المقترَح في هذه الدراسة،

سيمكّن من ضمان الشّغل الدائم والمتنوّع، وتحسين الدّخل ومستوى العيش، والتّخفيف من كثافة الهجرة إلى

المدن؛ ولا سيمّا عند وجود الرّغبة السّياسية.

1  تنتمي تلال مقدّمة الرّيف الأوسط إداريًّا، إلى إقليم تاونات؛ وتضمّ دائرتين ترابيّتين هما تيسة وقرية بّا محمد.

صيف 2012

تبتغي هذه الدّراسة الكشف عن أشكال التّخلّف المتنوّعة والمتراكمة التي يعاني منها الرّيف المغربي؛ وذلك من

خلال مجال ريفيٍّ، يجاور إحدى أكبر المدن بالمغرب (فاس). وهي الأشكال التي تبُرز - من جهةٍ- الخللَ في

التّوازن بين الكثافات السكانيّة الهائلة (100 نسمة في الكيلومتر مربّع) والموارد الاقتصاديّة المحليّة؛ كما توضّح

-من جهة أخرى- غياب تنميةٍ حقيقيّةٍ، تسهم في تحقيق الطموحات الاقتصاديّة والاجتماعيّة للشّباب الرّيفي. وتؤكّد هذه الدّراسة على أنّ التّنمية التي لا تنبني على مقوّمات علميّةٍ تدعمها وتطوّرها؛ تظلّ في آخر المطاف

تنميةً هشّةً، تفتقر إلى أيّ أساس إستراتيجيٍّ. وهو الأمر الذي ينطبق على منطقة الدّراسة، التي عرفتْ عدّة

مشاريع تنموية باءت بالفشل. فإضافةً إلى محدوديّة تلك المشاريع أو بساطتها؛ فإ ا لم تأخذ بعين الاعتبار

الخصوصيّاتِ الاجتماعيّة والثقافيّة لسكّان الريف. وهي مسألة تشكو منها معظم المجالات المغربية، وقد أدّت

إلى عجز الاقتصاد الوطني - وخاصّة منه الاقتصاد الحضري- على إدماج الحشود المتزايدة من الأطر الحاصلين على الشهادات العليا. ومن هنا، فإنّنا نعتقد أنّ المشاكل التي تعرفها المدن حاليا، وما يترتب عليها من قلاقل

اجتماعية، واحتجاجات متزايدةٍ، و " حراكٍمتنام "؛ لا يمكن تطويقها والتغلب عليها إ بتدخلات اقتصاديةٍ

رشيدة تستهدف الرّيف المغربي قبل كلّ شيءٍ. ومن هذا المنطلق، يُفترض أن تطرح هذه المحاولة تصورًا تنمويّا للمنطقة، مرتكزة في ذلك على الملاحظة والدّراسة الميدانيّتين. إنّ معالجة إشكاليّة الفقر ومؤشراته ونتائجه المجاليّة والاجتماعيّة بأرياف شمال مدينة فاس؛ قد تطلّب منّا وضع

مقاربةٍ منهجيّةٍ استغرق تثبيتها أكثر من عشر سنوات. وهي مدّةٌ فرضتها شساعة المجال المدروس، وارتفاع

كثافته السّكانية. وقد ساعدتنا على ذلك - إضافةً إلى ملاحظاتنا ودراساتنا الميدانية المباشرة - البحوث الجامعيّة

التي أشرفنا عليها حول المنطقة، واللّقاءات العديدة التي كانت لنا مع المنتخبين المحلييّن. وسعيًا منّا إلى ضبط

معظم خصوصيّات المنطقة، والتّباينات التي توفّرها؛ آثَرْنا مقاربتها باتّباع الخطوات المنهجيّة التّالية: - الاطلاع البيبليوغرافي المتنوّع، بهدف إغناء المعرفة في ميدان الفقر، وما يرتبط به أو يسبّبه (انظر قائمة

المراجع أسفله.) - الملاحظات الميدانيّة المتكرّرة؛ والتي سمحت لنا بتدقيق تفرّعات الفقر وأشكاله، وتحديد الأسئلة المطروحة،

وتشخيص المؤّات. كما سمحت لنا بمعرفة مؤهلّات المنطقة، بالشّكل الذي مكّننا من وضع إطار إستراتيجيٍّ

عامٍّ لتنميةٍ ريفيّةٍ مندمجةٍ بمنطقة الدّراسة. - اختيار عدّة مواقع تمثيليّة، بحسب ما تقدّمه من خصوصيات مجاليّة واجتماعيّةٍ متباينةٍ؛ بهدف تحليلها بشكل

عميق. وفي هذا الصّدد، شملت الدّراسة الميدانيّة نحو 500 ربّ أسرةٍ ريفيّةٍ، تتوزّع على عدّة تجمّعات ريفيّة،

وتستجيب لأحد المعايير الجغرافيّة التّالية:

تعدد مؤشرات الفقر وألوانه في الريف المغربي

• الموقع من الطّريق المعبَّد. • القرب من المدرسة أو البعد عنها. • أهميّة الملكيّة الكبيرة. • أهميّة الملكيّة الصغيرة. وإيناون الأسفل.) • أهميّة الاستغلال الفلاحي (بعلي، مروي.)* • أهميّة الهجرة الدّاخلية.

القرن نفسه، وتبلغ 100 نسمة / كلم 2 حاليًا.

أرضًا بين 20 و.%40

أولا: تنوع مؤشرات هشاشة الاستقرار البشري وتعدّدها

التأثير السلبي للوسط الطبيعي وتعدّد عوامل الفقر الزّراعي

عن طريق الآبار والأنهار والينابيع.

2 محمد الناصري، الجبال المغربية، مركزيتها، هامشيّتها، تنميتها (الرباط: منشورات وزارة الثقافة، 2002.51)، ص 4  مديرية الإحصاء، الإحصاء العام للسكان والسكنى (الرباط،.)2004 (فاس، 2005.44)، ص

الاستفادة من مشاريع تنمويّة فلاحيّة (مشروع تنمية الرّيف الغربي، مشروع تيسة، مشروع سبو الأوسط

تتميّز أرياف شمال مدينة فاس منذ عقودٍ عدّةٍ بتزايد كثافتها السّكانية. إذ انتقلت الكثافة السكّانية من 35 نسمة

في الكيلومتر مربع عند مطلع القرن العشرين، إلى نحو 50 نسمة في الكيلومتر مربع، خلال الستينيّات من غير أنّ دراسة كثافة السكّان بالنسبة إلى المساحة العامّة، لا تع وحدها عن ظروف الاستقرار البشري بهذه

المنطقة؛ وذلك إذا لم نأخذ بعين الاعتبار نصيب الفرد من الأراضي الصالحة للاستغلال الزّراعي. فإذا قمنا

بتوزيع المساحة الصّالحة للزراعة على مجموع السكان؛ فإنّ نصيب الفرد منها لن يتجاوز 0.65 هكتارًا. وإذا

كانت هذه المعادلة تبُرز بجلاءٍ فقدان التّوازن بين الاقتصاد الفلاحي وعدد السكّان الرّيفييّن بهذه المنطقة؛ فهي لا

تع عن حقيقة نصيب الفرد من الأراضي الفلاحيّة، إذا لم نربطها بعاملين اثنين، هما: الط بيعة المتضرّسة للأراضي

الفلاحية أواّلً، وعدد الأفراد الذين لا يملكون أرضًا ثانيًا. فبالنسبة إلى العامل الأوّل، لا تمثّل الأراضي التي

تقلّ انحداراتها عن %15 سوى %40. وأمّا بالنسبة إلى العامل الثاني؛ فيتراوح عدد الأفراد الذين لا يملكون

تتشكّل مقدّمة الرّيف من مجموعةٍ من التلّال ذات الارتفاعات المنخفضة بالغرب (300 - 400 م) والمرتفعة

بالشرق وشمال مدينة تازة (1000 م)؛ إذ يظهر المشهد التّضاريسي على شكل جبال حقيقيةٍ (شكل رقم.)2

3  Daniel Noin, La population rurale du Maroc (Paris: Presse Universitaire de France, 1970), p251.

5  حسن ضايض، " المجال والمجتمع جنوب الريف الأوسط "، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في الجغرافيا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية

صيف 2012

وبشكل عامٍّ، تتقدم هذه التلّال على شكل تضاريس متوسّطة الوعورة. وهي تتوسّع غربًا على سهل الغرب،

وتضيق شرقًا حتى تصل إلى ثغرة تازة. وتنتظم شمال هذه التلّال - بموازاة وادي ورغة - مجموعةٌ من النّتوءات

الصخرية متوسطة الارتفاع، تُدعى ب " الصّفوف ". وهي تمتدّ على شكل شريط من الأعراف الخطّية ذات

التّكوينات الكلسيّة في معظمها. وتصل ارتفاعات هذه الأعراف إلى 835 مترًا بجبل " مسعود "، عند التقاء

واد " أولاي " بورغة؛ وإلى 681 مترا بجبل " أمركو " (مولاي بوشتى)، وإلى 683 مترًا بصف الخروبة (عين معطوف)، وأخيرا إلى 712 مترا بصف الكلف (عين عائشة.) وتفصل هذه البروزات بين حوضين نهرينّيْ: حوض ورغة في الشمال، وحوض إيناون وسبو في الجنوب. وهي

عبارة عن خطٍّ لتوزيع المياه بين سبو وورغة، وهو لا يتلقّى من الضفّة اليسرى إلا كمّيات مائيّةً هزيلةً. وأمّا الجزء

الأوسط من التلال، فيُوجَّه تصريفه نحو واد اللبن، رافد إيناون.

شكل رقم 1: موقع تلال مقدّمة الريف الأوسط من شمال المغرب

وتتميّز التّكوينات الصّخريّة بتركُّز كبير للصّلصال والطين؛ وهو ما يُعتبر من أهمّ إكراهات الاستقرار البشري

بمنطقتي تيسة وقرية با محمّد. ويضاف إلى تلك الإكراهات ما يتعلّق بالانحدارات والتّعرية المائية، خصوصًا

أنّ المجال يعرف غيابًا كلّيًا للغطاء النّباتي الطبيعي. وقد أوضحت إحدى الدّراسات، أنّ نحو %69 من أراضي

منطقة تيسة، لها انحدارات تتجاوز %15. وترتفع هذه النّسبة إلى نحو %56 في منطقة القرية؛ في حين لا تمثّل

6 "ّالصف " هو نتوءٌ طبوغرافي، مكوَّن من صخور صلبة تطفح فوق مشهدٍ تضاريسيٍّ منخفضٍ مكوَّن من صخور رخوةٍ.

7  Gérard Maurer, " Les montagnes du Rif central: Etude géomorphologique ", Série géologie et géographie physique , No.14, Rabat, 1968, pp 57-58.

تعدد مؤشرات الفقر وألوانه في الريف المغربي

الأراضي التي تقل انحداراتها عن %15 (على التوالي) سوى: %12.9 و%17.9. وهذا يدل على أنّ الأراضي

الفلاحية التي تستعمل وسائل الحرث العصرية، محدودةٌ جدًّا؛ نظرًا إلى أن " المكننة " تصبح صعبةً انطلاقًا من

الانحدارات التي تفوق.%15 وما يزيد من صعوبة الاستغلال الفلاحي في مقدمة الرّيف، التّعرية المائيّة؛ التي تؤدّي إلى جرف المستويات

العليا لل بة الخصبة أو انزلاقها. وذلك بالخصوص خلال الفترات الرّطبة، التي تتعرض فيها الأراضي الطينيّة

للانتفاخ وعدم الاستقرار. وهو ما يؤدّي إلى تدهور الوسط الطبيعي؛ لاسيمّا أنّ قيمة التّعرية النّوعية (Erosion

specific) تتراوح بين 1000 طن في الكيلومترالمربع، و 7000 طن في الكيلومتر المربع في السّنة. كما أنّ هذا النّوع من الأراضي، المتميّز بغلبة الطين والصلصال عليه؛ يتعرض للتّشقق العميق، عندما تنخفض

رطوبته. وهو ما يؤدي إلى كسر جذور الأشجار، أو يعرقل عمليّة الحرث؛ نظرا إلى قوّة تماسكها وترابطها. غير

أنّ عملية الحرث العميق التي من شأنها الوصول إلى أعماق التشقّقات باستعمال جرّارات خاصّة؛ ليست في

متناول أغلبيّة المستغليّن. وما يزيد من حدّة التّعرية المائية بهذه المنطقة، في ارتباطها بالضغط السكاني؛ هو استغلال معظم الأراضي دون

استعمال أبسط تقنيات محاربة التّعرية. ونشير هنا إلى أنّ الحرث لا يشمل كل الاستغلاليات الزراعية؛ نظرًا

إلى خطوط التّسوية التي تسهّل التّب الداخلي، وتقلّل من الجريان. وبحكم خطورة التّعرية بهذه المنطقة؛

فإنّ الأمر يتطلب جهدًا كبيرًا، من خلال البحث عن أنجع الط رق العلمية في مجال محاربة التّعرية والمحافظة

على التربة، وكذلك من خلال تشجيع الف ح على استعمال التّقنيات الزّراعية الملائمة التي لا تتطلب

تكاليف إضافية.ً ومن بين التّأثيرات السلبيّة الأخرى لل بة على الاستغلال الزّراعي بهذا الوسط؛ ما يلاحظ في المجالات

المنخفضة، وما يتعرض له السكان المستقرون على المنحدرات. فخلال الفترات الرطبة؛ يؤدّي ضعف التسّرب

الباطني إلى تكوين فرش مائيّةٍ سطحيّةٍ، وإلى اختناق الحبوب لفترةٍ قد تزيد عن شهر. كما أنّ الأتربة دقيقة النّسيج

وسريعة الانتفاخ (الطَّفل، الطين) تمنع المزارعين- بعد سقوط الأمطار- من ولوج الاستغلاليّات، وتفرض

عليهم توقيتًا زمنيًّا خاصًّا لاستغلال زراعيّ يراعي درجة رطوبة الأرض. ومن بين النّتائج السلبية الأخرى للرّطوبة على ال - وبالتالي على الحياة البشرية - أنّ تجمّعات سكانيةً عدّة،ً بة

تعرف حصارًا تزيد مدّته، بحسب موقعها من السفوح. هذا مع ما يرافق ذلك من تعثّر التّمدرس أو توقّفه،

وصعوبة الاتصال بالخارج في الحالات الطارئة، كما هو الشأن في حالات الولادة. وعلى الرّغم من هذه الصعوبات؛ يحظى مجال مقدّمة الرّيف بمؤهلات ترابيّة مهمّة (الطين)، تسمح بتكثيف

الاستغلال البعلي. إذ تسجّل عدة استغلاليات زراعيّة بجماعة بني سنوس (قرية با محمد) مردودًا مه للقمح

الطري، قد يصل إلى 60 قنطارًا في الهكتار الواحد. لكنّ الاستغلال الكثيف لهذه الأراضي، يتطلب جهدًا كبيرًا

في مجال حماية الأراضي الطينية البعليّة وإعدادها، وهي أراضٍ تتميّز بمردودٍ زراعيٍّ مرتفع.

8  Ministère de l’agriculture, " Etude pédologique en vue de la mise en valeur agricole dans les cercles de Fès-banlieue, de karia et de Tissa, Provinces de Fès et de Taounate ", Vol. 1 et 2, Rabat, 1995. 9  Abdellatif Tribak , "Stratégies et techniques de lutte antiérosive dans les montagnes du Pré- Rif oriental (Maroc)", bulletin Réseau Erosion , No. 21, 2002, p. 47. 10  Mohamed Sabir & Boudhar, " Evaluation de l’efficacité physique et socio-économique de la DRS fruitière sur versants marneux du Prérif, commune d’Oulad Daoud ", Maroc, bulletin Réseau Érosion No. 19 (1999), p. 300.

تذبذب واضح للتّساقطات المطرية

يصل متوسط التّساقطات المطرية السّنوية بمقدمة الريف إلى 500 ملم. لكنّ هذه الكمية تتوزع أساسًا بين

تشرين الأوّل / أكتوبر ونيسان / أبريل، مع تركّز واضح خلال كانون الأوّل / ديسمبر وشباط / فبراير. كما

أ ا تتراوح بين 400 و 500 ملم في الجنوب الشرقي (عين لكدح، أولاد عياد، أوطابوعبان)، وبين 500 و 600 ملم في باقي المناطق الأخرى. وتتميّز التّساقطات المطرية بالتباين الواضح في التوزيع الشهري؛ إذ تستأثر خمسة

شهور فقط بنحو %70 من حجم الأمطار السنوية. وبصفة عامٍّة، يتب لنا من خلال دراسة النظام السنوي للأمطار، أنّ تلال مقدمة الرّيف، خاصة خلال العقدين

الأخيرين؛ تتميّز بتذبذبات مناخيّة واضحةٍ. فإذا أخذنا على سبيل المثال محطّة تيسة، التي توجد في قلب منطقة

الدراسة؛ يتّضح أنّ متوسط التّساقطات بين 1963 - 1964 و 2004 - 2005 (42 سنةً مطريةً)؛ وصل إلى

485 ملم، مع وجود 20 سنة قلَّتْ فيها المتوسّطات عن هذا المتوسط، ووصل إلى 540 ملم خلال عقدي

الستّينيّات والسبعينيّات.

شكل رقم 2: تطور مردود القمح في علاقته بالتساقطات المطرية في تلال مقدمة الريف بين 1964 و 2005

ولا تخلو التذبذبات المناخية من انعكاسات سلبيةٍ على الحياة الاقتصادية والاجتماعية لسكّان مقدمة الريف، التي تعتمد أساسًا في مداخيلها الفلاحيّة على الزراعات المطرية. ويمكن قياس تأثير التّساقطات على النشاط

11  مركز الأشغال الفلاحية (تيسة،.)2007

صيف 2012

تعدد مؤشرات الفقر وألوانه في الريف المغربي

الزراعي، من خلال دراستنا لمردود القمح في علاقته بكمية الأمطار السنوية بين 1964 و.2004 بالنّظر إلى غياب السقي الذي يمكّن من تنظيم رطوبة ال بة؛ يبدو -ا إذ - أنّ أسس الاقتصاد الفلاحي التي

ترتكز أساسًا على زراعة الحبوب غير متينةٍ، ولا يمكن أن تؤمّن وحدها العيش لجماعةٍ سكانيةٍ ريفيّةٍ يزيد عددها

على 300 ألف نسمةٍ، موزّعةٍ على أكثر من 870 انيًا ريفيًّا تجمّعًا سكّ. مياه سطحية وفيرة لكنّها ملوثة جدّا يحفّ بشمال تلال مقدّمة الريف وجنوبها واديان كبيران هما: " واد ورغة " و " واد سبّو ". غير أنّ مياههما، لا

تستعمل في التنمية المحلية، وفي تزويد السكان بالماء الصالح للشرب؛ إضافةً إلى تركّز درجة تلوّثٍ كبيرةٍ فيهما. فبالنّسبة إلى " واد ورغة " وروافده، تكمن الأهميّة المائيّة لها الواد في كونه يوفّر وحده 13 % من المياه السّطحيّة

بالمغرب. ويتميّز صبيبُه بتركُّز قويٍّ خلال فصليْ الشّتاء والرّبيع، وبتراجع واضح خلال فصل الصّيف.

ويترتّب على قوّة الجريان، خلال الفصل الم مطِر، ارتفاعُ حجم الموادِّ الصّلبة التي يحملها الواد. فقد تب من

خلال الدّراسة التي قامت بها مديريّة المياه والغابات، أنّ الصّبيب المتوسّط السّنوي من هذه المواد، عند محط ة

المجعرة، وفي ما بين سنتي 1960 و 1990؛ يُقدَّر بنحو 467 كلغم / ث، مع وجود حالات قُصوى وصلت

إلى 985 كلغم / ث سنة 1976 - 1977 و 2.848 كلغم / ث سنة 1962 - 1963. وهو ما يعكس قوّة

التّدهور البيئي بهذا الحوض، الذي يفقد سنويًّا ما بين 2000 و 3600 طنٍّ في الكلم 2 من الأتربة؛ وهو ما ينتج

عنه تراجع المردود الزّراعي بسبب فقدان ال بة لأهمّ مكوِّناتها العضويّة والمعدنية، وكذلك تقلّص عمر السّدود

نتيجة الكميّات الهائلة من الأوحال التي تتلقّاها سنويًّا. وإضافةً إلى هذا النّوع من التلوّث؛ يعرف " واد ورغة " تلوثًا آخر خلال فترة موسم الزّيتون، بسبب مادّة " المرْج "

(مادّةٌ سامّةٌ سائلةٌ من مخلّفات الزّيتون) الذي تلقيه مئات الم عاصر التقليدية والعصرية؛ تلك التي تعالج سنوياَ

أكثر من 56 ألف طن من الزيتون بمنطقة تاونات. ونشير - في هذا السّياق - إلى أنّ خمس معاصر عصرية بمدينة

تاونات، تقذف في ا اه ورغة - أو في اتجاه روافده - بنحو 7100 متر مكعّب من " المرج "، خلال سنةٍ زيتيّةٍ

واحدةٍ، تقدّر ب 100 يوم. وتكمن خطورة التلوّث الناتج عن " المرْج "، في كون لتر واحدٍ منه يعادل 150 لترًا من المياه المستعملة الحضرية.

وتساهم هذه المادة في تلويث مياه الأودية والسدود - كما هو الشأن بالنسبة إلى سد الوحدة - بالفوسفور

والأزوت، التي تشك ل سمادًا حقيقيًّا للنباتات المائية. وهو ما يؤدي إلى تكاثر مفرطٍ لهذه النباتات، التي تسبّب

تقلّص نسبة الأوكسجين في الماء، بفعل امتصاصها للأوكسجين خلال الليل، وبفعل تحلّلها. وعليه، فإنّ ذلك

يقلّل من التنوع الحيواني والنباتي، ويؤدّي - أخيرًا - إلى اكتساح الطّحالب لضفاف الأودية والسدود. ويبقى استعمال مياه " واد ورغة " أقلّ خطورةً، مقارنةً بمياه " واد سبو "، التي يستعملها كثير من السكان في

سقي الماشية، بل وفي الشرب كذلك؛ وذلك على الرغم من أنها تعرف تركّزا كبيرا للمواد العالقة والمواد

العضويّة والكلور.

12  Direction des Eaux et Forêts, Plan d’aménagement anti-érosif du bassin versant de l’oued Ouergha en Amont du barrage Al Wahda (Rabat, 1994), p64. 13  Sébastien Boutet,  Protection de la ressource en eau du barrage Sahla   (Taounate: ONEP, 1999),  p13.

صيف 2012

ويرتبط تلوّث مياه هذا الوادي، بما تلقيه فيه مدينة فاس من نفايات صناعيّةٍ (من 40 إلى 70 ألف متر مكعّب

من المرج في السنة، أكثر من 360 كيلوغرامًا من الكروم في اليوم، أكثر من 50 كيلوغرامًا من النيكل في اليوم)،

ونفايات حضريةٍ (من 100 إلى 200 طن من المواد العضوية، وأكثر من 78 طنا من المواد العالقة، وأكثر من

400 كيلوغرام من المعادن الثقيلة). وهو التلوّث الذي يسجّل درجات تتجاوز قدرة محط ات " المكانسة "

وقرية " با محمد "، التي تعرف توقُّفات مستمرّةً. فعلى سبيل المثال، وصل عدد أيام التوقفات المسجلة في محطة

قرية " با محمد " خلال مواسم معالجة الزيتون 1998 - 1999 و 1999 - 2000 و 2001 - 2002، على

التوالي، إلى 41 و 21 و 13 يوما. ويمكن لمس أهميّة تلوث " واد سبو " من خلال خاصيّة المياه الخام عند محطة قرية " با محمد " خلال الفترة الممتدة

من كانون الثاني / يناير 1998 إلى كانون الثاني/ يناير.2002

جدول رقم 1: القيمة الأدنى والأعلى لدرجات التلوث عند محطة قرية " با محمد " بين كانون الثاني/ يناير 1998 وكانون الثاني / يناير 2002

القيمة الأعلىالقيمة الأدنىثابتة
8.47.6نسبة أيونات الهيدروجين (ن.ه)
9.60الأكسيجين المذاب (مغ / ل)
10 >1.8قابلية التأكسد (مغ / ل)
11.50.04أمنيوم (مغ / ل)
1875137الكلورور (مغ / ل)
31010المواد العضوية (مغ / ل)

لا تخلو هذه الظّاهرة من تأثيرات سلبيةٍ متعدّدةٍ على سكان الرّيف المجاورين ل " واد سبو ". ففي غياب حملات

توعيةٍ؛ تُعدّ هذه المياه في الجماعات القروية - واد الجمعة، والولجة، وسيدي العابد، وبني سنوس، والمكانسة -

مصدرًا لسقي الماشية، بل والسكان كذلك. كما أنّ النشاط الزراعي بضفاف " واد سبو " الأوسط، يعتمد أساسًا

على هذه المياه، مع ما يرافق ذلك من تلوّثٍ خطير للخضر والبقول. بنيات عقارية متفاوتة جدّا تتركّز أغنى الأراضي الفلاحية وأجودها في منطقة الدّراسة بأيدي أقلّيةٍ متغيّبةٍ؛ وهو ما نتج عنه بروز تفاوت

صارخ في بنية التملّك. وتعود الجذور التّاريخية لهذا التركّز إلى بداية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين،

14  الوكالة المستقلّة لتوزيع الماء والكهرباء (فاس،.)2002 15  المكتب الوطني للماء الصالح للشرب (فاس،.)2004 16  المكتب الوطني للماء الصالح للشرب (فاس،.)2003

تعدد مؤشرات الفقر وألوانه في الريف المغربي

نتيجة تسلّط البورجوازية الحضرية ورجالات السلطة على أراضي الريفيين واستيلائهم عليها. وهكذا تب دراسة البنيات العقاريّة، أنّ الأراضي التي تقل عن 5 هكتارات، تمثل %85 من الاستغلاليات؛

لكنها لا تمتدّ إ %24.4 على من المساحة المستغلَّة. وأمّا تلك التي تتجاوز مساحتها 10 هكتارات، فلا تمثّل

سوى %12 من مجموع الاستغلاليات. غير أ ا تستحوذ على %63.6 من مجموع المساحة الصالحة للزّراعة. ويبقى هذا التّفاوت في توزيع الأرض بمنطقة " تيسة "، أقلّ حدّةً ا هو عليه في منطقة قرية " با محمد " التي لا تزال

تعرف تركّزا قويّا للملكية الكبيرة. إذ إنّ الاستغلاليات التي تتجاوز ملكيتها 20 هكتارًا، لا تمثّل سوى %6،

لكنها تمتد على %33 من مساحة الأراضي الفلاحية. وبشكل عام،ٍّيعرف توزيع الأرض تفاوتًا واضحًا بين مختلف الفئات الاجتماعية الريفية. ولقد نتجت عن هذا

التّفاوت بنياتٌ سوسيو اقتصادية، تختلف أنظمة علاقاتها بالحيّز الجغرافي وبالمشهد الزراعي. وبتعبير آخر،

فقد أدّى التوزيع غير المتساوي للأرض - التي تعتبر المطمح الحيويَّ لكل الأسر- إلى ظهور مجتمع ريفيٍّ غير

متجانس، يتحكم فيه عامل التملك. ففي قمّة الهرم، تستأثر أقليّةٌ من المتغيِّبين أو المستقرّين على رأسمال عقاري

يتجاوز حاجياتها. وغالبًا ما تمتهن تلك الأقلّية أنشطةً تزيد من قوتها وسلطتها السياسية والاقتصادية. تليها

فئةٌ هي الأخرى غير متجانسةٍ، تتكوّن من الم كين الصّغار؛ وهي تستغلّ ملكيات عائلية من أجل الاستهلاك

الذاتي. وفي أسفل الهرم نجد يدًا عاملةً عريضةً، أغلبها دون أرض. ويبقى استعمالها واستغلالها، رهين الرّغبة

والإرادة الحسنة للمالكين الكبار أو ممثّليهم. نظام زراعيٌّ غير متطوّر رغم مرور أكثر من خمسين سنةً على الاستقلال؛ لا يزال المشهد الزراعي بتلال مقدمة الريف الأوسط يتميز بطابع الرتابة، على الرّغم من قربها من مدينة فاس. وما يفسرّ ذلك، هو انعدام الغطاء النباتي الطبيعي، واعتماد

السكان على نظام زراعيٍّ، تُعدّ فيه الزراعات الموسمية غير المروية أهم عناصره.

أ - استعمال  محدودٌ لعوامل الإنتاج

لا تتجاوز نسبة الاستغلاليات المعتمِدة في الحرث والحصاد على المكننة (Mechanization) (على التوالي:)

%23.5 و%15.8؛ أي نحو جرّار واحد 400ٍلكل هكتار، وآلة حصادٍ واحدةٍ لكلّ3000 هكتار تقريبًا.

وأما استعمال البذور المنتقاة، فلا يحظى به إلا %11 فقط من الاستغلاليات. ويبقى استعمال الأسمدة مه؛ إذ تلجأ إليه %65 من الاستغلاليّات.

وتعرف هذه المتوسّطات تباينًا من جماعةٍ قرويّةٍ إلى أخرى. فإذا أخذنا على سبيل المثال استعمال البذور المنتقاة؛

يتبين أنّ الاستغلاليات التي تلجأ إليها، تتراوح بين %0.1 و%53. وحتى بالنسبة إلى الجماعات التي تعر ف

17  G. Lazarev,  " Répartition de la propriété et organisation villageoise dans le Prérif, l’exemple des Hyaïna ", Revue de la Géographie du Maroc , Rabat, No. 8 (1965), p 61.

18  المديريّة الإقليميّة للفلاحة (تاونات،.)2008

19  حسن ضايض، مرجع سبق ذكره، ص.172

صيف 2012

تركُّزًا للملكيّة الكبيرة (الولجة، المكانسة)؛ فإنّ هذه النسبة لا تتجاوز %17.

ب - مساهمة ملكيّة سكان الحواضر في استمرار الأشكال غير المباشرة للاستغلال الفلاحي

تب من خلال الإحصاء الفلاحي لسنة1996 أنّ هذه الأشكال - التي يحصل فيها المزارع على مخُس

أجرته أو رُبعها عينًا - لا تزال تمتدّ على ما بين 8 و%14 من الأراضي الزراعية بمنطقة تيسة. وهذا يدل

على أن البنيات الزّراعية بهذه المنطقة، لا تزال تشكو من التخلف؛ بحكم أنّ هذه الأشكال تعرقل تطور أنظمة

الإنتاج الفلاحي، ولا تساهم في تحسين مستوى عيش الفئات الاجتماعية المعنية. وبمعنى آخر، لم تتمك ن الملكية

الكبيرة من توظيف الأموال الكفيلة لتحقيق ذلك. والشّاهد على ذلك، هو العدد المحدود جدًّا لليد العاملة

الأجيرة في الأراضي التي تعرف تركّزًا للملكية الكبيرة. فهي في أحسن الأحوال لا تتجاوز%4 من مجموع اليد

العاملة الدائمة. تدخّل محدودٌ في التنمية الريفية تتعدد أشكال تهميش بوادي تلال مقدمة الريف الأوسط؛ على نحو يصعب معه التطرق إليها في كلّيتها. وهكذا،

فإذا أخذنا بعين الاعتبار - على سبيل المثال - التزويد بالماء الشروب، وتمدرس الأطفال، والخدمات الصحية؛

سيتضح أنّ هذه المنطقة تعاني من تهميش حقيقيٍّ.

فبالنسبة إلى التّزويد بالماء، لا يزال السّكان يقطعون ما بين خمسة وستة كلومترات للوصول إلى أقرب نقطة ماء؛

على الرّغم من وجود عيون ماء (fountains) في معظم الدّواوير. ويعود ضعف استعمال هذه العيون في

تجمعات ريفيّةٍ عدّةٍ، إمّا إلى الأعطاب الحاصلة بها، والإتلاف الذي تتعرض له؛ أو إلى تفضيل السكّان مصادر

ماءٍ أخرى مجانيّة تلبّي حاجياتهم. ولا شك في أن عزوف الأسر عن التزود من هذا المصدر المائي؛ يفسرّه وضعهم

الاقتصادي غير المؤهَّل لتحمّل مثل هذه النفقات. فهم يفضلون قطع المسافات الط وال لجلب المياه، عوض " أداء

ضريبةٍ قارّةٍ تثقل كاهلهم " - حسب تعبيرهم - قد تصل إلى 5 دراهم للطنّ الواحد من الماء؛ لا سيمّا أنّ اليد

العاملة التي تناط بها هذه المهمّة موجودةٌ ومجانيّة (الأطفال والنّساء.) وأمّا التّعليم، فيمكن تلمّس عمق أزمته من خلال مؤشرين اثنين هما: التكرار والانقطاع. فعلى مستوى

التعليم الابتدائي بالوسط الريفي؛ نجد أن %14 من بين 100 تلميذ - خلال الموسم الدراسي 2010 -

-2011 يرسبون (%7) أو ينقطعون عن الدراسة (%7.1). وتصل هذه النسبة إلى %20 تقريبًا في المستوى

الثاني. وتظهر أهميّة الرّسوب - بشكل جلي - في هرم أعمار التلاميذ. فعلى سبيل المثال، %17 من تلاميذ مدارس

" جماعة سيدي محمد بن لحسن " تتراوح أعمارهم بين 12 و 17 سنة. غير أنّ أهمية التخلّف الدّراسي، تظهر بوضوح على مستوى التعليم الإعدادي والثانوي؛ إذ إنّ نسبة التلاميذ في

20  وزارة الفلاحة، الإحصاء الفلاحي (الرّباط،.)1996

21  المديريّة الإقليميّة للفلاحة (تاونات،.)1996

22  وزارة الفلاحة، الإحصاء الفلاحي (الرّباط،.)1996

23   تتشكّل اليد العاملة الدّائمة من اليد العاملة الأجيرة واليد العاملة الأسريّة.

24   الدّواوير، مفردها دوّار: وهي تجمّعاتٌ سكّانيةٌ ريفيّة.ٌ

25   يحدِّد المكتب الوطني للماء الصّالح للّب-مع متعاقدين ذاتييّن- ثمن الطنّ الواحد من الماء بنحو درهمنيْ ونصف.

26  نسبة الانقطاع: هي مجموع المرشَّحين، ناقص مجموع النّاجحين والرّاسبين.

تعدد مؤشرات الفقر وألوانه في الريف المغربي

الجدول الآتي من معرفة ضعف التّمدرس بهذين المستويين.

الانقطاع)%(الرّسوب)%(الإناث)%(عدد التلّاميذالمستوى
4.618.329.73800الإعدادي
320.2361629الثّانوي

على الهجرة إلى المدن أو إلى استغلاليات القنب الهندي بمنطقة كتامة في شمال المغرب.

- عند المرض - إلى الطب التقليدي أو الشعوذة.

ثانيًا: تعدد الانعكاسات المجالية والاجتماعية لتخلف هياكل الإنتاج الاقتصادي والاجتماعي

مصادر دخل متنوعة، لكن اعتمادٌ كبيرٌ على الدخل غير الفلاحي

أ - دخل فلاحي هزيل وغير مستقر

وكذلك في صغر ملكية أغلبية السكان الرّيفيين.

27   مصلحة التّخطيط، نيابة وزارة ال بية الوطنيّة (تاونات،.)2011

28  من ملاحظات دراسة ميدانيّة قام بها الباحث في أرياف مقدمة الريف الأوسط.)2011(

هذين المستويين لا تمثّل - على التوالي - سوى 14 و%6 من مجموع التلاميذ بأرياف " تيسة ". وبشكل عامٍّ، يمك ننا

جدول رقم 2: وضعية التّعليم على مستوى التّعليم الإعدادي والثّانوي بأرياف " تيسة "، خلال السنة الدراسية 2010 - 2011.

بشكل عامٍّ، تترجم وضعيّة التّعليم بمنطقة الدّراسة، صعوبات الأداء التي يجدها الطفل الريفي المتمدرس في

مسايرة الركب الدراسي منذ السنوات الدراسية الأولى. وغالبًا ما يدفع هذا التّعثر الآباء إلى الحكم المسبق على

أبنائهم بالفشل عند أوّل رسوب، ويجعلهم يحجمون - بالتالي- عن دفع مصاريف إضافية للسنة الموالية. وفي

هذه الحالة، فهم يفضّلون إلحاقهم بالقطاع الفلاحي (رعي الماشية) وإدماجهم فيه، إلى حين يصيرون قادرين

وأمّا على مستوى الخدمات الصحية، فإنّ المنطقة تعرف تخلُّفًا واضحًا، يمكن قياسه من خلال مؤرشِّين اثنين.

يتمثّل المؤّ الأوّل في متوسط المسافة التي يقطعها الرّيفيون للوصول إلى أقرب نقطةٍ صحيّةٍ؛ والتي تصل إلى

خمسة كيلومترات هي في الغالب غير معبَّدةٍ. وأمّا المؤّ الثّاني، فيتمثّل في أنّ أكثر من%70 من الأسر؛ تلجأ

يجد ضعف الدخل الفلاحي بتلال مقدمة الرّيف الأوسط تفسيره، في استمرار اعتماد السكان على فلاحةٍ

معيشيّةٍ. وذلك في غياب إدماج الإعدادات الهيدروفلاحيّة العصرية، وفي اعتمادهم على فلاحةٍ أحاديّة المنتوج،

صيف 2012

ونظرًا إلى هذه العوامل - وعوامل أخرى سبق ذكرها - لا يتجاوز متوسّط الدّخل الفلاحي للاستغلاليات

التي تق 4300ِلّ مساحتها عن خمسة هكتارات درهم في السّنة، وذلك خلال سنة عاديةٍ. وهو دخلٌ هزيلٌ؛

لأنّ الف ح يعتمد أساسًا على الزّراعات البعليّة، ولضعف المغروسات الشجرية، خاصةً منها أشجار الزّيتون

التي لا يتجاوز عددها 18 شجرةً في الهكتار. كما يرتبط تد الدّخل الفلاحي بضعف الحمولة الحيوانية بهذه الاستغلاليات. فهي لا تحوي سوى %18.6 من مجموع القطيع، مقابل %71 تقريبًا بالنّسبة إلى الاستغلاليّات

التي تتجاوز مساحتها 20 هكتارًا. وتتب لنا هشاشة الاستقرار البشري بشكل جليٍّ، عندما نعلم أن %30 من

الأسر الريفية بهذه المنطقة لا تملك ولو رأس ماشيةٍ واحدًا. ويرجع ضعف هذا الاندماج - بالأساس- إلى تقلّص مدّة الإمكانات الكلئية والعشبية داخل الاستغلاليات

أو خارجها؛ وذلك نظرًا لطبيعة تربة الصلصال والطين التي تتميز بالجفاف السريع، ولش بْهِانعدامِ الغطاء النباتي

الطبيعي، الذي من شأنه التخفيف من عملية النتح وتزويد الماشية بالوحدات العلفية الإضافية. كما أنّ توالي السّنوات العجاف منذ بداية عقد التسعينيّات، قد أسهم إلى حدٍّ كبير في تقليص قطيع الماشية؛ إذ أصبح اللجوء

إلى تربية الأغنام والأبقار بمنزلة مجازفةٍ يصعب على الأسر الفقيرة تحمّل تبعاتها.

ب - المداخيل غير الفلاحية، مصدرٌ أساسيٌّ في عيش الرّيفيين

لا يمكن فهم الاستقرار البشري- في المجال المدروس- انطلاقًا من قطاع فلاحيٍّ، لا يلبّي الحاجيات الأدنى

لعيش الأسرة، وغير قادر على تقديم الشغل لكل اليد العاملة التي هي في سن العمل (15 - 65 سنة)، والتي

تصل في المتوسط إلى 4 أفراد لكلّ استغلاليةٍ. فقد تبين من خلال الدّراسة الميدانية، أنّه لا يتوفّر - في المتوسّط -

سوى 64 يوم عمل خلال سنةٍ عاديّةٍ (أقل من 10 أيام عمل للهكتار الواحد). وهي تتوزّع على 22 يوم عمل

في إعداد الأرض وحرثها، و 21.3 يوم عمل في حصاد المحصول الزراعي وجمعه، و 20.7 يوم عمل في جني

الزيتون ومعالجته. وينخفض هذا المتوسط إلى ما بين 5 و 10 أيام عمل فقط خلال سنةٍ جافّةٍ؛ بحيث يقتصر العمل الفلاحي فيها على إعداد الأرض وحرثها فقط. وإذا أخذنا بعين الاعتبار متوسط أيام العمل بالنسبة إلى عدد الأفراد الذين هم في سن العمل؛ فإن كل واحدٍ منهم لا يملك أن يشتغل أكثر من 16 يومًا خلال السنة. ومن هنا يتضح أن الاقتصاد الفلاحي، لا يمكن أن

يضمن الشّغل الدّائم لكل السكّان النّشيطين بأرياف هذه المنطقة. ا يدلّ كذلك على أنّ البنيات الاجتماعية

الريفية، تستمد قوتها واستمرارها من بنية سوسيو مهنيّةٍ معقّدةٍ، ساهمت إلى حدٍّ كبير في الحفاظ على وحدات

الإنتاج التقليدية. ولتوضيح تخلّف الاقتصاد الفلاحي المحلي؛ اخترنا نموذجًا لاستغلاليةٍ تصل مساحتها إلى 3.5 هكتارات،

يقتات منها 8 أفرادٍ، أربعةٌ منهم في سنّ العمل. حتُرث هذه الاستغلالية بالبهائم وبالمعول في حالة الانحدارات

القوية، ويصل إنتاجها من الحبوب إلى 9 قناطير؛ بينما تقدَّر حاجيات الاستهلاك البشري ب 20 قنطارًا، و 9

29  حسن ضايض، مرجع سبق ذكره،.278 30  قطعة الأرض المستغلة للزراعة وتربية الحيوانات.

تعدد مؤشرات الفقر وألوانه في الريف المغربي

قناطير للاستهلاك الحيواني، وقنطارين للبذور. وهكذا، لا تحقِّق الاستغلالية الاكتفاء الذاتي، ويصبح شراء الحبوب من السوق بسبب ذلك أمرًا ضروريًّا. والفائض من القطنية - أي نحو 3 قناطير- يُباع. وأمّا إنتاج الزيتون (4 قناطير) فيحوَّل إلى زيت (80 لترًا

تقريبًا)، ليباع نصفه، وحيُتفَظ بالنّصف الآخر للاستهلاك الأسري. في حين يقع استهلاك الإنتاج الحيواني،

كالزبدة والحليب، ويوجَّه رأس ماشية أو رأسان (عجل أو حملٌ) خلال السّنة للسّوق، لتغطية النفقات

الأسرية ومصاريف استغلال الأرض. وإذا حدّدنا عدد أيام العمل التي تحتاج إليها هذه الاستغلالية ب 84 يومًا، وقيمة يوم عمل ب 65 درهمًا؛ فإنّنا

نخلص في النّهاية إلى أن هذه الأسرة لا يمكن أن تعتمد على الإنتاج الفلاحي فقط في العيش، وإنمّا ينبغي لها

أن تعتمد كذلك على أنشطةٍ اقتصاديّةٍ أخرى، خاصةً منها الهجرة إلى الخارج، والتّقاعد، والصناعة التقليدية،

والتجارة المتنقّلة، والمياومة، والعمل في ضيعات القنب الهندي بالمناطق المجاورة، وفي التّهريب. وهكذا، يصل عدد الأفراد الذين يشتغلون خارج الاستغلالية إلى اثنين في المتوسط. وتمسّ هذه الظ اهرة كل

الدّواوير، غير أ ا تتراوح بين%20 في الدّواوير التي تعرف نشاطًا فلاحيًّا متطوِّرًا (الدّواوير الممتدة على طول

وادي ورغة وسبو واللّبن)، و%60 في الدواوير التي تتميّز بكثافةٍ سكّانيةٍ عاليةٍ ومردوديّةٍ فلاحيةٍ ضعيفةٍ

(معظم الدواوير.) وأمّا نوع النّشاط خارج الاستغلالية؛ فيغلب عليه النشاط الدائم، الذي يتجاوز 6 شهور في نحو %25

من الحالات. وبإمكاننا تقدير وزن الموارد الخارجية في الاقتصاد الأسري عند مقارنته بالدخل الفلاحي. فقد صرّحت

%80 من الأسر التي تقل مساحة استغلاليّتها عن 10 هكتارات، بأنّ المداخيل الخارجية تقلُّ أو تساوي

المداخيل الفلاحية السنوية؛ بينما صرّحت%20 من الأسر بأنّ مداخيلها غير الفلاحية تفوق مداخيل

الاستغلال الفلاحي. وإذا كانت هذه النّسب تخصّ سنةً جيِّدةً؛ فإنّ العمل خارج الاستغلالية، وخلال سنة جافّةٍ، سيصبح أمرًا

يشمل أكثر من %70 من أفراد الأسرة الذين هم في سن العمل. بل إن العمل خارج الدوّار يأخذ أشكاالً

تثير الانتباه، ويعكس - في الوقت نفسه - الصعوبة التي تعرقل الاستقرار والعيش في هذه المنطقة. ومن بين هذه الأشكال نجد - على سبيل المثال - ظاهرة التسوّل، التي يتعاطاها بعض أرباب الأسر داخل المنطقة

أو في مدينة فاس. كما نجد ظاهرة المتاجرة بالمخدّرات التي تتعاطاها نسبةٌ كبيرةٌ من الشبّان في جماعتي

" عين عائشة " و " تيسة ". وكما رأينا سابقًا؛ لا يمكن لاستغلاليةٍ فلاحيةٍ تقلّ عن 5 هكتارات أن تكون هي المصدر الوحيد لعيش

أسرةٍ تتكوّن من 8. ففيأفرادٍ" دوار العدادمة " مثالً، وعلى الرّغم من وجود فلاحةٍ تعتمد على المكننة بقرية

" السواطي " (زراعة الحبوب)؛ فإنّ المداخيل غير الفلاحية تزيد - لدى أكثر من %50 من الأسر- على مداخيل الإنتاج الفلاحي، نظرًا للارتباط بالعمل في الجنديّة والهجرة إلى الخارج. لكن بحسب تصريح أرباب الأسر

صيف 2012

المستقريّن، بدأت المداخيل غير الفلاحيّة تعرف نوعًا من التقلّص منذ بداية عقد التّسعينيّات؛ إذ إنّ حظوظ

العثور على عمل موسميٍّ في المدن القريبة - خاصّةً منها فاس- بدأت تشهد تقلّصًا واضحًا، نتيجة الأوضاع

الاقتصادية التي تعرفها هذه المدينة. كما أن استقرار الأبناء بشكل نهائيٍّ في المدن المستقبلة لهم، قد ساهم إلى حدِ

كبير في تقلّص هذه الموارد. فإذا كان الابن قبل زواجه يبقى مرتبط ا بذويه في البادية عن طريق إرسال النّقود

والزّيارات المتكرّرة خلال المناسبات الدينية؛ فإنّ هذه العلاقات تبدأ في التقلّص تدريجيًّا بعد زواجه. فهو

- في هذه الحالة - لا يستطيع تحمّل نفقات عيش أسرتنيْ من خلال عمل مأجور موسمي غير مضمونٍ. ومن

بين عواقب تراجع مثل هذه المداخيل غير الفلاحية، ما يلجأ إليه بعض الآباء من فصل الأبناء عن الدراسة؛

لإدماجهم منذ سنٍّ مبكّرة في حياة العمل، وتحميلهم مسؤوليّة المساهمة في موارد الأسرة ونفقاتها. وقد لا

نستغرب عندما نجد أطفاالً صغارًا دون سنّ العمل في استغلاليّات القنب الهندي في منطقة " كتامة " ومنطقة

" بني أحمد ". وّا ينتج عن ضيق العيش كذلك؛ ما يعمد إليه بعض الآباء من طرد أبنائهم المتزوِّجين العاطلين عن العمل من

البيت، أو إرغامهم على الاستقلال خارج بيت الأبوين، أو تهديدهم بذلك. فالآباء - منهم الأميّون، الذين

تتجاوز أعمارهم خمسين سنة - لا يستسيغون تحمّل الأبناء غير المنتجين، لأ م لم يسمعوا قطُّ - كما يقول أحد

الآباء - بما يُسمَّى حاليًّا بالبطالة عندما كانوا صغارًا. " فكلّ أفراد الأسرة كبيرهم وصغيرهم مُلزَمون، بشكل

أو بآخر، بالمساهمة في ميزانية الأسرة ". ومن بين الظواهر التي صارت الآن - وأكثر من أي وقت مضى- تكتسح المجال الاجتماعي لمقدّمة الرّيف

الأوسط، نذكر ظاهرة تصدير خادمات البيوت با اه فاس والدار البيضاء؛ وذلك مقابل أجرةٍ شهريّةٍ

تصل في المتوسط إلى 300 درهم. ومن خلال دراستنا لهذه الظاهرة؛ اتّضح لنا أنّ متوسط عدد الخادمات لكل دوّار في منطقة " تيسة "، يتراوح بين 10 و 20 فتاةً. ويعتبر هذا النوع من العمل بالنّسبة إلى العديد من الأسر

الموردَ الأساسيَّ للعيش، وهو يمكن أن يدرّ على الأسرة الواحدة نحو 1500 درهم شهريًّا.

النفقات الغذائية وغير الغذائية بالمجال الريفي: ارتباط وثيق بالمردودية الفلاحية

أ - استقطاب التغذية لأكبر حصة من النفقات الأسرية

تتميز بَوادي تلال مقدمة الريف الأوسط بتذبذب فرص الشّغل، وبضعف القدرة الشرائية؛ ا يدلّ على أن تردّد

الريفيّ على السّوق وحجم إنفاقه، يرتبطان إلى حدٍّ كبير بقيمة المحصول الفلاحي. من خلال قراءة الجدول رقم 3؛ يمكن لنا أن نبدي الملاحظات التّالية:

31  أصبحت معظم أسواق منطقة " تيسة "، خاصّةً منها سوقي " تيسة " (الأربعاء) و " عين عائشة " (الأحد)، قبلةً للحضرييّن الفاسييّن

الرّاغبين في خادمات البيوت.

32  شملت الدّراسة الميدانية - بصفةٍ خاصّةٍ- الرّيفيين المستقرّين، ولم تشمل الم كين المتغيّبين؛ وذلك بحكم أن نفقاتهم المعيشيّة

ومصاريفهم المرتبطة بالسكن، تقع في معظمها خارج منطقة الدراسة.

تعدد مؤشرات الفقر وألوانه في الريف المغربي

تستهلك الأسر - التي تتجاوز استغلاليّاتها 5 هكتارات - من اللّحم الأحمر أكثر من ضعف ما

تستهلكه الأسر التي تقل مساحة استغلاليّتها عن 5 هكتارات. كما أنّ الاستهلاك بالنسبة إلى هذه الفئة

يعرف تفاوتًا كبيرًا؛ إذ إن %10.5 من أرباب الأسر، صرّحوا بأ م لا يأكلون اللحم إلا " نادرًا "، أي

مرّةً واحدةً في الشّهر، أو عندما يحلّ ضيفٌ، أو من " العيد إلى العيد ". وأمّا الأسر التي تستهلك نصف

كيلوغرام من اللّحم أو أقلّ، فتمثل %30 من الأسر التي تقلّ استغلاليّاتها عن 5 هكتارات. وأمّا استهلاك الدّجاج؛ فالأمر فيه مختلفٌ، بحكم أنّ معظم الأسر تر هذا النوع من الماشية بمعدل 3

إلى 5 وحدات لكل أسرةٍ. وعلى الرغم من ذلك، فقد صرّحت نحو %34 من الأسر بأنها لا تستهلك

لحم الدّجاج إ نادرًا. تقارُب مستويات الاستهلاك بالنّسبة إلى الاستغلاليّات التي تقلّ عن 5 هكتارات، وفئة الاستغلاليات

المقدّرة ب 10-5 هكتارات. وذلك لا يدل على أنّ مداخيلهما غير متفاوتةٍ؛ وإنمّا يجد تفسيره في الهجرة

التي تمسّ الاستغلاليات الأولى أكثر من الثّانية. تزايد عدد أفراد الأسرة، وتذبذب الإنتاج الفلاحي، وتراجع مردوديّة الأراضي الفلاحيّة؛ بسبب زحف

التّعرية، وقدم الاستغلال. وكلّها عوامل تجعل %55.2 من المستغلين، تقل مدة خزنهم للحبوب عن

ستة أشهر، وتدفع %76.2 منهم إلى التوجّه للسوق لشراء ما يحتاجون إليه من زرع أو طحين. وتتراوح

نفقات الحبوب بين 500 و 750 درهم للأسرة خلال سنة عادية، وتتجاوز 1500 درهم خلال السنوات الجافة. ومن بين الإستراتيجيات التي يتبعها الريفيون لتحصيل هذه النفقات، نجد التقليص من النفقات الأخرى خاصة منها اللحم. ومن بينها، كذلك، التخلي عن النفقات غير الغذائية، خاصة منها ما يرتبط بالتجهيز والتأثيث المنزليَيّن.

جدول رقم 3: توزيع متوسّط الاستهلاك الغذائي الأسبوعي (بالكيلوغرام) حسب حجم الاستغلاليّة

نفقات أخرىالفواكه
اخلرضاء
احلبوب
ومشتقاهتا
اخلرضالقطاينالسمكالدجاجاللّحوم
احلمراء
مجال الإنفاق
مساحة الاستغلالية
ح(بالهكتار)
-3156.541.950.900.955-0
-4.5108.532.31.41.210-5
-889.123.72.42.320-10
-887.522.62.62.5أكثر من 20
-4.110.257.42.752.21.21.1مااتوسط الاستهلاك
2084615221320.550قيمة الاستهلاك
درهم)(

درهم)(50

صيف 2012

ب - ضعف النّفقات غير الغذائية جدول رقم 4: متوسط النّفقات غير الغذائية السّنوية الرئيسة (بالدرهم) بحسب فئة الاستغلاليات (هكتار)

%متوسط
قيمة
النفقات
درهم)(
%أكثر
من 20
%20-10%10-5%5-0فئة الملكية مجال
الإنفاق
25.8149323.9220026.8185022.6110039820الملابس
20.8120017.8164022.7157024.6120018.2385التّجهيز والتّأثيث
23.4135327.2250021.7150023.6115012.3260التّطبيب
1269612.7104011.478511.757018.5390النّقل والترفيه
17.7102519.6180017.4120017.485011.8250التّمدرس
10057651009180100690510048701002105مجموع النفقات

يىتجل -ا إذ - من خلال الجدول، تخلّف مستوى إطار عيش الأسر التي تقل مساحة استغلاليتها عن خمسة

هكتارات؛ والتي تمثّل أكثر من %90 من الأسر بأرياف المنطقة. ويتب كذلك البون الشّاسع بينها وبين الأسر

التي تملك أكثر من هذه المساحة؛ خاصّة منها تلك التي تملك أكثر من 20 هكتارًا. فهذه الأسر المالكة لأكثر

من 20 اثلم الاهفطأ سردتم لعى قفنت ارًاتكه، من أربعة أضعاف إلى عشرة أضعاف ما تنفقه الأسر الفقيرة في

المتوسّط وسنويًّا. وفي ما يتعلّق بالتّمدرس؛ نشيرُ إلى أنّ نسبةً مهمّةً من الأبناء الرّيفيين لا تلتحق بالمدرسة، نتيجة العوز الذي

تعاني منه أسرٌ ريفيّةٌ عديدةٌ. وتبرز هذه الظّاهرة بجلاءٍ في التجمّعات السكّانيّة التي تحتلّ قمم التلّال والأكمات.

فعلى سبيل المثال، تبين من خلال الدّراسة الميدانيّة بقرية زغوانة، التي توجد بمنطقة تيسة التّابعة إداريًّا إلى إقليم

تاونات؛ أنّ أكثر من 40 % من الأسر الرّيفية صرّحوا بأنّ لديهم أكثر من طفل غير متمدرس. تلال مقدّمة الرّيف الأوسط، منطقة طردٍ بشريّ تقليديٍّ ساهم التّفاوت الكبير في بنية تملّك الأراضي الفلاحية، وتوالي السّنوات العجاف، وحدّة التّعرية، وضعف

التّجهيزات الاجتماعية؛ في تنامي الهجرة الرّيفيّة بتلال مقدّمة الريف، منذ عدّة عقودٍ مضت. ففي ما بين 1936

و 1952، فقدت تلال مقدمة الريف بين 5 و%16 من سكّانها. وخلال سنة 1952، فقد المجال الخاضع لقرية

" با محمد " وحده 600 18 نسمة من بين مجموعةٍ سكّانيّةٍ قُدِّرت آنذاك بنحو 100 77 نسمة. وقد قُدّر عدد

33  حسن ضايض، مرجع سبق ذكره، ص.301

34  Barou Castet  & J. C. Petit, "Contribution à l'étude des mouvements de la population marocaine musulmane et de l'exode rural", Bulletin économique et social du Maroc , Maroc, Vol. 4 (1955), p.435.

تعدد مؤشرات الفقر وألوانه في الريف المغربي

الأسر التي غادرت مقدّمة جبال الرّيف بين 1936 و 1960، بنحو 500 33 نسمة.

جدول رقم 5: تطور معدلّات النّمو السكّاني السنوي بمنطقتي " تيسة " وقرية " بّا محمد " بين 1994 و 2004

جماعات قرية با محمد معدّل النمو السكّاني السنوي

جماعات قرية با محمدمعدّل النمو السك ّ اني السنوي)%(جماعات تيسةمعدّل النموّ السكاني
السّنوي)%(
بني سنوس0عين لكدح0.2-
بوشابل0.4عين معطوف0.1
غوازي0.1بوعروس0.3
ججبابرة0.6البسابسة0.1
الولجة0.7أولاد داود0.2
ماكانسة0.6أوطابوعبان0.3
ماولاي عبد الكريم0.4رأس الواد0.2
مولاي بوشتى0.4واد الجمعة0.2
سيدي العابد0.4سيدي محمد بن لحسن0.3

سيدي العابد 0.4 سيدي محمد بن لحسن 0.3

وإذا كان عدد المهاجرين الرّيفيين النّازحين من الجهة الشمالية الوسطى، بين 1975 و 1982، قد وصل إلى

700 , 79 مهاجر؛ فإنّ المهاجرين التاوناتيين - ومن ضمنهم سكّان منطقتي " تيسة " وقرية " با محمد " - قد شكلوا 40487 مهاجرًا، أي %50.8 من مجموع المهاجرين. وهذا يدل على خطورة النّزيف البشري بهذه المنطقة؛ إذ

كان يغادرها خلال هذه الفترة 6000 فرد كلّ سنةٍ. وفي هذا الصدد، صُنّفت المنطقة ضمن الأقاليم التي عرفت

معدلّات هجرةٍ سلبيّةٍ مرتفعةٍ؛ إذ بلغ فيها معدّل الهجرة 63 بالألف سنة 1982. ويمكن إدراك أهميّة الهجرة الريفيّة لكلّ الجماعات القرويّة في المنطقة بشكل واضح، من خلال دراسة معدلّات

النموّ السكّاني السّنوية بين 1994 و.2004 هكذا يتبين من خلال معدلّات النموّ السكاني الضعيفة أو السلبية، أنّ تلال مقدّمة الرّيف، تتميّز بحركة هجرةٍ

قويّةٍ. وهي منطقةٌ لا يمكن إ أن تكون طاردةً لأهلها وبشكل مستمرٍّ؛ ما دامت العوامل المفسرّة للهجرة، لا

تزال هي الأخرى مستمرّةً: ضعف التملّك، الضّغط البشري، وطأة الجفاف، ضعف الدّينامية الاقتصادية،

غياب إستراتيجيّةٍ تنمويّةٍ شاملةٍ.

35  Daniel Noin, op. cit., p267.

36  مديريّة الإحصاء، الإحصاء العام للسكّان والسّكنى (الرباط، 2004،.)1994

37   معدّل الهجرة يساوي الميزان الهجري (الوافدون ناقص النّازحون) بالنّسبة إلى السكّان خلال فترةٍ معيّنةٍ.

38  Centre d'Etude et de Recherche Démographique (C.E.D), Analyses et tendances démographiques au Maroc (Rabat: Direction de la Statistique, 1986), p131.

صيف 2012

ثالثًا: الإطار الإستراتيجي العام لتنميةٍ ريفية مندمجة بمنطقة تلال مقدمة الريف الأوسط

يتأسّس التصوّر الإستراتيجي لتنمية منطقة الدراسة، والذي يتوخّى تحسين الدّخل الفردي، والتّقليل من

التّفاوت الاجتماعي؛ على ثلاثة مرتكزات أساسيّة هي: التنمية الفلاحيّة، وإدماج أنشطة خدماتيّة فلاحية وغير

فلاحية، وتحسين البنية التحتية الاجتماعية. مؤهلّات طبيعيّة ملائمة لاستغلال فلاحي عصري ومن هنا، نفترض أنّ تطوير القطاع الفلاحي وتحديثه بتلال مقدمة الرّيف الأوسط يجب أن ينطلق من التوجهات

الكبرى الآتية:

التوجّه الأول: التأسيس لإعدادٍ فلاحي شامل

على مستوى الإعداد الهيدروفلاحي: نظرًا لتوفر المنطقة على مسطحات مائيةٍ كبيرةٍ، وخاصّةً منها سدّ الوحدة

(3.8 مليار متر مكعّب) وسدّ إدريس الأوّل (1.5 مليار متر مكعّب)، وبسبب وجود أراض زراعية قابلة

للريّ؛ يمكن - في مرحلةٍ أولى، وبعد وضع مخطّطٍ زراعيٍّ ومائي - جلب الماء بواسطة محطات ضخٍّ لسقي

الأراضي المنخفضة الموجودة على امتداد الأودية الكبرى (اللبن، إيناون، سبو، ورغة.) وفي مرحلةٍ ثانيةٍ، يمكن توسيع المجال المسقيٍّ العصري؛ ليشمل كلّ الأراضي المنخفضة والأراضي ذات

الانحدار الخفيف الموجودة عند أقدام التلال. ويتطلب نجاح الإعداد الفلاحي العصري في هاتين المرحلتين عمليّة ضمّ الأراضي -وخاصة منها أراضي

التلال- التي تتميز بتجزؤ كبير في الملكيات. وهي العملية التي تتطلب دراسات ميدانية، تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات مختلف الأراضي من حيث إمكاناتها الفلاحية، وكذلك طرق استغلال التربة في وضعها الحالي. على مستوى الإصلاح الزراعي: تتميز البنيات الزراعية الحالية بوجود ملكيات صغيرة، وباستعمال تقنيات استغلال فلاحي متخلفة، لا تسمح بمحاصيل زراعية جيدة. ولهذا، فإن استعمال تقنيات فلاحية جديدة، وإعادة تنظيم استعمال واستغلال الأرض؛ يتطلبان مجموعة من الإجراءات التقنية والإجرائية: ضمّ الملكيات إلى مجموعةٍ واحدةٍ(bloc)، لا تقل عن هكتار واحد في الأراضي الوعرة، وفي مجموعة

واحدة لا تقل عن هكتارين في الأراضي المنبسطة وخفيفة الانحدار. رفع الإنتاجية والمردود على مستوى وحدات الإنتاج.

39  هذا التصور الذي نقدمه في هذه الدراسة، هو حصيلة شخصيّة لمعرفتنا الميدانية بهذه المنطقة؛ بفضل الأبحاث التي أنجزناها أو

أشرفنا على إنجازها (دكتوراه دولة، بحوث ماجستير، إجازة، مشاريع بحث.)

40   الإعداد الفلاحي العصري الموجود في المنطقة (مشروع السّاهلة ومشروع سبو الأوسط وإيناون)، والذي لا يمتدّ إ على نحو % 2

من المساحة الصّالحة للزّراعة؛ هو دليلٌ على إمكانيّة توسيع الريّ العصري إلى الأراضي التي تطرّقنا إليها في هذا التوجّه.

تعدد مؤشرات الفقر وألوانه في الريف المغربي

إدماج الزراعات المربحة التي لا تتطلب استثمارات كبيرةً، وخاصّةً منها القمح الطري والقطاني

(الحمص، الفول، الفاصوليا) وزراعة الكرب (caper). ونشير - في هذا الصدد - إلى أنّ هكتارًا واحدًا

من الكربَ الذي ينتشر بشكل كبير في منطقة " تيسة "؛ يمكن أن يدر على صاحبه أكثر من عشرة آلاف

درهم خلال سنة مطرية عادية. تشجيع تربية الماشية من خلال إدماج السلالات التي تتكيف بسهولة مع قطاع الحبوب. إعادة تأهيل تربية الخيل بمنطقة " تيسة " (مهد الخيول)، بالشكل الذي يعيد لها إشعاعها الوطني والدولي، ويجعلها تسهم في التّعريف بالمؤهلات الفلاحية والسياحية التي تزخر بها؛ وذلك بالخصوص في ميدان

الصّنف العربي البربري. إدماج المزارعين في تعاونيات فلاحيّةٍ تمكّنهم من الاستفادة من الإرشاد والتأطير الفلاحينّيْ، وتجعلهم

عنصرًا أساسيًّا في القرارات المتعلّقة بالإنتاج الزّراعي والحيواني. تطوير الشّبكة الطّرقية بالشّكل الذي يسهِّل تصريف المحصول الزّراعي إلى الأسواق المحلّية والجهوية. وضع مخططٍ شامل لإزالة التلوث البيئي، من أجل تنمية مستدامةٍ حقيقيّةٍ.

إن تبنّي هذا الإصلاح، سيؤدي إلى تغيرات كبيرة في التصرفات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسكان

الريف. فعلى المستوى الاقتصادي، سيترتّب على إدخال زراعة البقول (الخضر) والمواشي (الأبقار المحسنة)

والزراعات العلفية في أنظمة الإنتاج بالمناطق المنخفضة، انطلاقُ دينامية كبيرة ومتنوعة في الأسواق المحلية: ظهور مهن جديدة، الرفع من مداخيل الأسواق، تنمية الشغل الدائم بالمراكز القروية. وأما على المستوى الاجتماعي والثقافي، فسيشجع تحسين الدخل على تغيير أنماط العيش وأساليبه على مستوى النفقات الغذائية وغير الغذائية. ونعتقد أنّ هذا التصور قابل للإنجاز؛ خصوصًا أنّ الوعاء العقاري المح يسمح بذلك. فوجود ملكيات

كبيرة على امتداد الأودية وعند أقدام التلال، ووجود مالكين حرضَ ييّن ميسورين؛ من شأنه أن يشجّع على إقامة

اقتصاد ريفيٍّ متينٍومتنوع. إ أنّ التأسيس لهذا الإصلاح وتثبيته، يقتضي الانفتاح على مؤسّسات المجتمع

المدني، من خلال إشراكها في برمجة كلّ عمليّات الإصلاح الزراعي وتمويلها وإنجازها وتتبُّع. ها على مستوى الأنظمة العقارية: إضافةً إلى التّهيئة العقارية التي سبقت الإشارة إليها؛ يعتبر الإصلاح العقاري

ضرورةً ملحّةً للتّنمية الفلاحيّة المنشودة في المنطقة، وذلك من خلال الإجراءات الآتية: تأمين ملكيّة الأرض عن طريق تعميم التحفيظ العقاري وتبسيطه. توحيد الأنظمة العقارية (الأراضي الجماعيّة والسلّاليّة، أراضي الدّولة، أراضي الجيش) في نظام

الملكيّة الفرديّة. التخلّص من الإجراءات القانونية التي تعرقل حرّية الصّفقات العقارية.

صيف 2012

تيسير الاستثمار الجماعي للشّباب الرّيفي في القطاع الفلاحي وفي الخدمات المرتبطة به، عن طريق

الاقتراض المريح؛ وهو ما يمكّن من الحصول على الأرض بأثمانٍمناسبةٍ.

التوجّه الثّاني: العمل على إنتاج مشهدٍ زراعيٍّ وظيفيٍّ

سيسمح إدماج السّقي العصري وإقامة إصلاح زراعيٍّ متينٍ، بإعادة تشكيل المشهد الحالي لمنطقتي " تيسة " وقرية

" با محمد " تبعًا لأربع درجات زراعيّةٍ تفرضها مستويات الارتفاع الموجودة: مستوى الأراضي المنخفضة وأراضي ضفاف الأودية: يسمح هذا المستوى الطبوغرافي المتميز بسيادة الطمي

الغني، بتبنّي استغلال مكثّف للخضروات والحبوب والكلإ. كما أنّ إدماج سلالة الأبقار المحسَّنة، سيمكّن

المنطقة من احتلال مكانةٍ متميِّزةٍ في الشّبكة الجهويّة لإنتاج الألبان ومشتقاتها. ولا شك في أنّ الحالات الموجودة

حاليًّا، على مستوى تربية الأبقار والمعيز والأغنام؛ هي بمنزلة ضمان لنجاح هذا النوع من الاستغلال الفلاحي

(الصورتان أسفله.) وتجدر الإشارة كذلك، إلى أنّ المنطقة تتوفر على ظروفٍ ملائمةٍ ومتنوّعةٍ لتنمية النّشاط الفلاحي: رطوبةٌ مرتفعة،ٌ

يدٌ عاملةٌ متوفّرةٌ، أسواقٌ كبيرةٌ، شبكة طرق وطنيّةٍ. مستوى التلّال المنخفضة والمنحدرات الخفيفة: نظرًا لتوفّر هذا المستوى على أتربةٍ طينيةٍ ملائمةٍ لزراعة الحبوب

(القمح، والشّعير) والقطاني (الفول، والحمص، والفاصوليا)؛ فإن تنظيم رطوبة ال بة من خلال السّقي بالرش،

من شأنه أن يساهم إلى حدٍّ كبير في الرّفع من مردود هذه الزّراعات، وضمان استمرار المحصول خلال الفترات

الجافّة. كما يمكن أن يكون هذا المستوى مجاالً ملائامً لتكثيف أشجار الزّيتون وإعادة تأهيلها (الصورتان أسفله.) مستوى سفوح التلّال الوعرة: تتميّز هذه التلّال بضعف أتربتها نتيجة نشاط التّعرية المائية، وبانتشارها المجالي

الكبير في المنطقة الّقية من تلال مقدمة الرّيف الأوسط. ويُعدّ هذا المستوى ملائامً لتكثيف زراعة الكربَ. وهو

الأمر الذي يتطلّب - من جهة - برنامجًا تقنيًّا على مستوى كثافة النّبات، والوقاية من الأمراض، وتحديد فترات

مضبوطةٍ للحرث وجني المحصول؛ وحيُْوِج- من جهة أخرى - إلى إرشاد المزارعين في مجال تقنيات التّسويق. مستوى الأراضي المتدهورة والسفوح شديدة الانحدار: يتطلّب هذا المستوى وضع مخطَّط تهيئةٍ، يتوخّى منع الأنشطة الزّراعية، وغرس الأشجار والنباتات الشوكية؛ للحدّ من تعرية السفوح. في هذه الحالة، يمكن أن

تتحول هذه الأراضي عند معالجتها، إلى مجالات رعويّة حقيقيّةٍ، تنفتح على التّجمعات السكانية المجاورة من

خلال مسالك معدّة لذلك.

إقامة مهن وحرف جديدة لها ارتباط بالفلاحة وغيرها سيسمح ظهور مهنٍجديدةٍ بهذا الوسط الريفي، بالتّقليل من عدد اليد العاملة الفلاحيّة. غير أنّ هذه المهن

لا يمكن أن تعرف ديناميّتها وتأصّلها دون الإصلاح الزّراعي الذي سبق التطرّق إليه. وهكذا، فإنّ ظهورها

- وخاصة ما يتعلق منها بورشات الإصلاح الميكانيكي- سيؤدي بشكل آليٍّ إلى الرّفع من مستوى عيش الأسر،

تعدد مؤشرات الفقر وألوانه في الريف المغربي

مراكز تجميع وتسويق في ظرف خمس سنوات.

دمُجت في الحركة السّياحية الجهويّة (فاس، شفشاون.)

في مجال الاقتراض وشراء التّجهيزات، وفي مجال الإعفاء الّيبي.

تحسين البنيات التّحتية والاجتماعية

للسكّان الرّيفيين. تحقيق مجموعةٍ من الأهداف، من بينها: تشجيع رأس المال الحضري على الاستثمار في البوادي. تمكين الأرياف العميقة من ولوج مراكز الاستشفاء والأسواق الجهويّة. • تشجيع الفتاة الرّيفية على التّمدرس. تسهيل التبادلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين مختلف التّجمعات الرّيفية. • الرّفع من مستوى الإنتاجية للمحيطات المروية.

خاتمة

وإلى توسع الإشعاع المجالي للمراكز القروية؛ بل وإلى الرفع من الطلب على مواد البناء والسلع الغذائية وغير الغذائية. كما يمكن أن تحتضن قرى المنخفضات، وتلك الموجودة بالقرب من محاور الطرق الرئيسة، وحدات في الصّناعات الغذائية (معالجة الكربَ وتعليبه، مطاحن الحبوب، معاصر الزيتون...)؛ بالشّكل الذي يؤهّلها لتكون

ونظرًا للمؤهلّات الطبيعيّة التي تحظى بها المنطقة (سدود، آثار تاريخية، غابات، وحيش (حيوانات آيلة

للانقراض))؛ فإن الاستثمار في السّياحة الريفية، من خلال إنشاء مرافق استقبال وتنشيطٍ متنوِّعةٍ (قرى سياحيّة،

مخيمّات، مجالات ترفيهيّة منظ مة، حمى للقنص، إعداد العيون)؛ سيزيد من الأهمية الإشعاعية لهذه المنطقة إذا ما

غير أن نجاح هذا الاختيار، في مراحله الأولى؛ يبقى رهين الدّعم الذي تقدّمه الدولة لفائدة المستثمرين الشبّان،

إنّ تحسين الدّخل، لا يعني بال ورة تحسين نوعيّة حياة سكان الأرياف ومستوى عيشهم إن لم يُقرن بتنمية

رأس المال البشري. ويكون ذلك من خلال تشجيع التّمدرس، ومحو الأمية الوظيفية، وتحسين الوضعية الصحية

فإذا أخذنا على سبيل المثال البنيات الطرقية؛ فسيمك ن تعبيد الطرق، وتوفير وسائل النقل في هذه المنطقة، من

على الرّغم من مرور أكثر من خمسين سنةً على استقلال المغرب؛ فإنّ غالبيّة أريافه لا تزال متخل فة عن ركب

التّنمية الاجتماعيّة والاقتصادية. ولا يمكن لها أن تكون على غير ذلك الشكل، ما لم تُدمَج في تنميةٍ اقتصاديّةٍ

أسُسها متنوِّعةٌ ومتعدِّدةٌ، وتمكِّن من تنويع مصادر العيش. فالاعتماد على القطاع الفلاحي وحده في تحقيق

صيف 2012

التّنمية الشّاملة، لاعتبارات سبق ذكرها؛ لن يسمح بتخط ي الصّعوبات البنيويّة التي تحول دون تحقيق ظروف

العيش الكريم لسكّان الرّيف. كما أنّ الأرياف المغربيّة ستبقى على حالها؛ ما لم يقع التخلّص من استمرار إغناء مناطق وتهميش أخرى. فالتخلّف

الذي تشكو منه؛ يجد تفسيره بالدّرجة الأولى في الاختيارات السّياسية المتوالية التي أدّت إلى تفاقم ال وخ

الاجتماعية بين البوادي والمدن، وبين الفقراء والميسورين. لذا، نعتقد أنّه إذا سُنّت سياسةٌ تنمويّةٌ ريفيّةٌ رشيدةٌ؛

فإنّ تنمية القطاع الفلاحي، قد تمك ن من تحقيق نموٍّ اقتصاديٍّ ريفيٍّ شامل، لارتباطه بالقطاعات الأخرى المنتجة

وتأثيره فيها (الصناعات الغذائية، الحرف، التّجارة، الخدمات.)

تعدد مؤشرات الفقر وألوانه في الريف المغربي

المراجع

باللغة العربيّة:

الفكر،.)2000

الرباط،.1999

كلّية الآداب والعلوم الإنسانية، غير منشورة، كلّية سايس فاس،.2005 المجال والمجتمع المغربي، الدّار البيضاء، عدد 9 (2005)، ص.34-25

والاتصال - مطبعة دار المناهل،.)2002 باللغات الأجنبيّة:

lème de santé au Maroc ", Cahier de Recherche de l’Equipe MIMAP-MAROC , Etude

marocaine musulmane et de l'exode rural", Bulletin Economique et Social du Maroc ,

دويدري، رجاء وحيد. البحث العلمي، أساسيّاته النظريّة وممارسته العملية (دمشق- سورية: دار رحو، محمد. " التّعرية في مقدمة الرّيف الأوسط، المنطقة البينهرية اللبن -سبو- ورغة، استمرار للتطوّر

الطبيعي، منتوج مجتمعي "، رسالة لنيل دكتوراه الدّولة في الجغرافيا، كلّية الآداب والعلوم الإنسانية، ضايض، حسن وألفة حاج علي. " الهجرة الرّيفية بإقليم تاونات أو البحث عن توازن جديد "، سلسلة

دراسات مجالية، رقم 1، مجموعة البحث حول جبال الرّيف، تطوان، 2002، ص.48-29 ضايض، حسن. " المجال والمجتمع جنوب الرّيف الأوسط "، رسالة لنيل دكتوراه الدّولة في الجغرافيا، ضايض، حسن. " التّحديث السّياسي بمنطقة قرية با محمد وإسهامه في التنمية المحلية، أيّة حصيلة "، مجلّة العاجي، المفضّل. " التّمدين وإعداد المجال الحضري بإقليم تاونات "، رسالة لنيل دبلوم الدراسات

العليا في الجغرافيا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، كلّية ظهر المهراز - فاس،.2000 المودن، عبد الرحمان. البوادي المغربية قبل الاستعمار، قبائل إيناون والمخزن بين القرن 16 و 19، سلسلة

رسائل وأطروحات، رقم 25، ط 1 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،.)1995 الناصري، محمد. الجبال المغربية، مركزيتها، هامشيّتها، تنميتها (الرباط: منشورات وزارة الثقافة

Ajbilou, Aziz & Abdessalam Fazouane. " Pauvreté urbaine, environnement et prob­ E3, INSEA, Rabat, 1999. 10. Assi, Driss. La pauvreté et l’action de l’État au Maroc. (Marrakech: éd. de la Faculté des Sciences Juridiques, Economiques et Sociales- Semlalia, 2003). 11. Boutet, Sébastien. Protection de la ressource en eau du barrage Sahla , rapport de stage (Taounate: ONEP, 1999). 12. Castet-Barou & J. C. Petit. "Contribution à l'étude des mouvements de la population No. 4 (1955), pp.423-458. 13. Centre d'Etude et de Recherche Démographique. Analyses et tendances dé­ mographiques au Maroc (Rabat: Direction de la Statistique, 1986). 14. Daïde, Hassan. "Rôle de l'économie migratoire dans le développement des activités urbaines", Revue La Synthèse , No. 5 (1996), pp.14-19.

صيف 2012

15. Direction des Eaux et Forêts. Plan d’aménagement anti-érosif du bassin versant de l’oued Ouergha en amont du barrage Al Wahda, analyse de la situation actuelle (Ra­ bat, 1994). 16. Fejjal, Ali. " Les migrations de population dans les rapports de Fès avec les régions prérifaines: les rapports villes-campagnes sur la bordure méridionale du pays Jbala ", Al Maarif Al Jadida , G.P.E.J Rabat, 1995, pp. 69-76. 17. Haut Commissariat au Plan. Evolution des niveaux de vie, des inégalités et de la pau­ vreté au Maroc (Rabat, 2009). 18. Lazarev, Grigori. "Répartition de la propriété et organisation villageoise dans le Prérif, l’exemple des Hyaïna " , Revue la Géographie du Maroc , Rabat, No. 8 (1965), pp.

19. Maurer, Gérard. Les Montagnes du Rif central: Etude géomorphologique (Rabat: Institut Scientifique, 1968). 20. Ministère de l’Agriculture. Etude pédologique de reconnaissance au 1/100 000 en vue de la mise en valeur agricole dans les cercles de Taounate et Ghafsaï, province de Taounate, Rapport DPA de Taounate, Maroc, 1995. 21. Ravallion, Martin.  Comparaisons de la pauvreté, concepts et méthodes, Document de travail, No. 122, Banque Mondiale, 1996. 22. Rousseau, Sophie. "Capabilités, risques et vulnérabilités", In: Dubois J-L. & autres (éds.), Pauvreté et développement socialement durable (Bordeaux: PUB, 2001). 23. Sabir, Mohamed & Boudhar. " Evaluation de l’efficacité physique et socio-économ­ ique de la DRS fruitière sur versants marneux du Prérif, commune d’Oulad Daoud, Maroc", Bulletin Réseau Érosion, No. 19 (1999), pp. 297-310. 24. Touhami, Abdelkhalek. "la pauvreté au Maroc: Une approche basée sur la satisfaction des besoins de base", In: Pauvreté, Satisfaction des Besoins Essentiels et Variables au Maroc , Série Etudes de l’INSEA, 1999. 25. Touhami, Abdelkhalek & Chaoubi Abdelaziz. " Distributions des dépenses de con­ sommation des ménages au Maroc: une analyse paramétrique. Économie du Dével­ oppement ", Vol. 18, No. 2 (2004), pp. 85-106. 26. Tribak, Abdellatif. "Stratégies et techniques de lutte anti-érosive dans les montagnes du Pré-Rif oriental", Bulletin Réseau Erosion , Maroc, No. 21 (2002), pp. 45-55.