التميّز القبطيّ واستبعاد الدولة في مصر
Coptic Discrimination and the Exclusion of the State in Egypt
الملخّص
في إطار دراسة أهم العوامل التي أدت إلى التمايز القبطي في مصر، ينطلق البحث من تبيان التفرقة بين الأقباط كجماعة دينيّة تمثّلها الكنيسة الأرثوذكسيّة دينيًّا، والأقباط كفئة اجتماعيّة تنتشر في النسيج الوطنيّ المصريّ لا يحول بينها وبين التمتع بكامل حقوقها السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة أيّ عوائق، وعلى اعتبار أن المصريّين الأقباط -على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعيّة والسياسيّة والمذهبيّة- لا يمكن اعتبارهم كتلةً اجتماعيّة أو سياسيّة واحدة مندمجة. وتحاول الورقة الإجابة عن هذا التساؤل من خلال دراسة عدد من المحددات التي ساعدت على تكريس "الهويّة القبطيّة" وتعميق شعور الأقباط بالاختلاف وفي مقدمتها سياسات الدولة. كما تعالج عوامل شعور الأقباط أنفسهم بالاختلاف القبطيّ. وتخلص إلى أنّ العوامل التي أدّت إلى تنامي الخصوصيّة القبطيّة في مواجهة استبعاد الدولة تحت وطأة النظام السابق –على الرغم من أنّ هذا الاستبعاد لم ينبن على أسس دينيّة- هي عوامل متعددة، وأدت إلى لجوء الأقباط إلى تفسير هذا الاستبعاد على أسس دينية.
Abstract
In an examination of the main factors that have led to anti-Coptic discrimination in Egypt, this research starts by explaining the difference between Copts as a religious group represented by the Orthodox Church and Copts as a group in society and part of the national fabric of Egypt who enjoy unfettered political, social, and economic rights. It rests on the basis that Egyptian Copts – whatever their differences in social, political, and religious affiliation – cannot be seen as a single assimilated social and political bloc. This paper looks at a number of determinants that have helped to consolidate “Coptic identity” and deepen Copts’ feelings of difference, most importantly state policy. It also looks at the factors that make Copts themselves feel that they are different. The study concludes that many factors led to growing Coptic particularism when confronting state exclusion under the former and caused the Copts to explain this exclusion on religious grounds regime (even though this exclusion was not, in effect, based on religious grounds).
- الأقباط المصريين
- الكنيسة الأرذثوكسية
- التمييز
- الدولة
- Egyptian Copts
- Discrimination
- Orthodox Church
- State
في إطار دراسة أهم العوامل التي أدت إلى التمايز القبطي في مصر، ينطلق البحث من تبيان التفرقة بين
الأقباط كجماعة دينيّة تمثّلها الكنيسة الأرثوذكسيّة دينيًّا، والأقباط كفئة اجتماعيّة تنتشر في النسيج
الوطنيّ المصريّ لا يحول بينها وبين التمتع بكامل حقوقها السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة أي
عوائق، وعلى اعتبار أن المصرييّن الأقباط -على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعيّة والسياسيّة والمذهبيّة-
لا يمكن اعتبارهم كتلةً اجتماعيّة أو سياسيّة واحدة مندمجة. وتحاول الورقة الإجابة عن هذا التساؤل
من خلال دراسة عدد من المحددات التي ساعدت على تكريس " الهويّة القبطيّة " وتعميق شعور
الأقباط بالاختلاف وفي مقدمتها سياسات الدولة. كما تعالج عوامل شعور الأقباط أنفسهم
بالاختلاف القبطيّ. وتخلص إلى أنّ العوامل التي أدّت إلى تنامي الخصوصيّة القبطيّة في مواجهة
استبعاد الدولة تحت وطأة النظام السابق - على الرغم من أنّ هذا الاستبعاد لم ينبن على أسس
دينيّة- هي عوامل متعددة، وأدت إلى لجوء الأقباط إلى تفسير هذا الاستبعاد على أسس دينية.
تُعدّ العلاقة بين الدّولة وأيّ جماعة دينيّة، إحدى مُعضلات العلاقة بين الدّين والسّياسة في أيّ مجتمع؛
لأنّ لجوء الدّولة إلى استخدام الدّين لتحقيق أهدافها السّياسيّة، يدفعها حتامً إلى التّصادم مع الجماعات
التي تدين بهذا الدّين. ويزيد الأمر تعقيدًا إذا كان الدّين يحتلّ موقعًا في المجتمع لا يمكن الاستهانة به، ولا
التّقليل من شأنه. ومن البديهيّ القول إنّ القِبطيّة ليست دينًا؛ فمصطلح " الأقباط " يعني المصرييّن جميعًا، وهو النّطق العربي لكلمة
GYPT، وهي مشتقّة من اليونانيّة AIGYPTUS. وقد استعار الفرنسيّون اللّفظ، فصار في لغتهم EGYPTE؛
مثلما فعل الإنكليز، فصار EGYPT؛ والألمان فصار AGYPTEN. وترجع الكلمة اليونانية AIGYPTUS - في أصلها - إلى الكلمة الفرعونيّة HAKAPTAH، أي " بيت روح الإله بتاح "، وهو إله الخلق. ومع حذف
الحرفين الأوّلين، أصبحت الكلمة تنطق GYPT " جبط ". ولم ا كان الحرفّ" G " لا يُنطَق في اللغة العربيّة إلا
1 يسي عبد المسيح، اللّغة القبطيّة في رسالة مارمينا العجايبي (الإسكندرية: مطبوعات جمعيّة مارمينا العجايبي، 1979.13)، ص
صيف 2012
مُعطّشا، قرّبه العرب إلى حرف " القاف "، فصارت الكلمة تنطق " قبط "، ومنها أخذ الأجانب كلمة COPT.
وأيّا كان الأمر؛ فإن كلمة ق بطي سبقت ظهور المسيحيّة. وكانت الكلمة مُستخدمَةً عند الفتح الإسلامي، كاسم
عامٍّ لأهل مصر الذين كانوا على الدين المسيحي؛ فصار المُتَداول بعد ذلك، أنّ من دخل الإسلام أصبح مُسلام،
ومن ظلَّ على المسيحية ظلّت مرتبطة به كلمة القِبطي. وتُعدُّ طائفة الأقباط الأرثوذكس الطائفة الرّئيسة من بين الطوائف المسيحيّة؛ إذ إ ا الأقدم وجودًا (يُرجع
التّقليد المسيحي نشأتها في مصر إلى القدّيس مُرقس الرّسول، البطريرك الأوّل، ويتدرّج بعده البطاركة حتى
اليوم)، والأكبر عددًا من حيث الأفراد الذين ينتمون إليها، ومن حيث المؤسّسات الدّينية التي تملكها، والتي
تنتشر في أرجاء الوطن. واستنادًا إلى هذه المعطيات، تقصد هذه الدراسة ب " الأقباط ": " المسيحييّن الأرثوذكس
أبناء الكنيسة القِبطيّة الأرثوذكسيّة "، الذين يُعتبرون العمود الفقري للمسيحية في مصر؛ تلك التي ينتمي إليها
أكثر من 95٪ من أقباط مصر. كما تُعتبر المؤسّسة الكنسيّة الأرثوذكسيّة إحدى أعرق المؤسّسات الدّينية في
مصر؛ فهي الأقدم من حيث الزّمن، وبالتالي ترتبط الكنيسة الق بطية الأرثوذكسيّة بتاريخ النّشأة الأولى للمسيحيّة
في مصر. وقُبَيل تحليل طبيعة العلاقة بين الدّولة والأقباط بصفتهم جماعةً دينيةً؛ يتع أوال التّمييز بين الأقباط بصفتهم
جماعةً دينيةً تمثّلها الكنيسة الأرثوذكسيّة دينيًّا، والأقباط بصفتهم فئةً اجتماعية تنتشر في النسيج الوطني المصري،
لا يحول بينها وبين التمتّع بسائر حقوقها السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة أيُّ عوائق. وبالتالي، فإنّ التوجّهات
السّياسية للمؤسّسة الكنسيّة، لا تُع بال ورة عن توجّهات الأقباط السياسيّة. فالمصريّون الأقباط، على
اختلاف انتماءاتهم الاجتماعيّة والسياسيّة والمذهبيّة، لا يمكن اعتبارهم كتلةً اجتماعيّةً أو سياسيّةً واحدةً مندمجة.ً
لكنّ المرجَّح أنّ استمرار التّوتّرات الدّينية والطائفيّة عقودًا من الزّمن، واندماج فئات واسعة داخل المؤسّسات
الدّينية المسيحيّة الرسميّة وغير الرّسمية؛ قد جعل القيادات الدّينية تؤدّي أدوارًا عديدةً في تمثيل مصالح الأقباط،
وفي التّعبير عنهم في المجال العام، وإزاء الدّولة. كما أن الأقباط ذاتهم لا يمثّلون كتلةً واحدةً، ولا يتّخذون موقفًا متماثال من القضايا العامّة، ولا سيمّا في ما يتعلّق
بالشأن القِبطي. إنّ عوامل، مثل: " الأوضاع التّاريخيّة "، و " الخلفية العلميّة "، و " الانتماء الطّبقي "، و " الإدراكات
الشخصيّة "، و " الموقع السّياسي "؛ تؤدّي دورًا لا يُستهان به في تحديد محتوى تناول " مفهوم الأقباط " وشكله.
ويُمكن التّمييز بين تيّارين داخل الكتلة القِبطيّة؛ فهناك التيّار الدّيني بتنوّعاته المتعدّدة، سواء كانت الرّسمية أو
2 تقيّ الدّين أبو العباس أحمد بن علي المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية، الجزء 1 (بيروت:
دار صادر، د.ت)، ص 18 -.19
3 زبيدة محمد عطا الله، قبطي في عصر مسيحي (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2004)، ص.15
4 لا يوجد إحصاء رسمي يوضح العدد الفعليّ للأقباط. لكن كان أوّل تعداد لسكان مصر في عام 1897، ثم 1907، ثم 1927، ثم
1937، ثم 1947. وتأخّر تعداد 1957 لوجود حرب السّويس. ثم جاء تعداد 1966، يليه 1976، وصوالً إلى تعداد 1996. وتشير
كل هذه التّعدادات في أطلس معلومات العالم العربيودائرة المعارف البريطانية، والكثير من المصادر الأخرى، إلى أن نسبة المسيحيين
تتراوح بين 6 - 8٪ من السّكان. ولم ا كان معدل الزيادة السّكانية ثابتا تقريبا؛ فيمكن القول إن نسبة الأقباط في مصر الآن يتراوح بينّ
6 - 8٪ من إجمالي عدد السكان.
5 جورج عجايبي، " ملامح أوّلية حول الكنيسة وحقوق الإنسان في مصر "، رواق عربي، العدد 5، نيسان / أبريل 1997، ص 113 6 سعيد النّجار، " مفهوم المواطنة في الدار الحديثة "، رسائل النّداء الجديد، العدد 64، أيار / مايو.2003
التميّز القبطي واستبعاد الدولة في مصر
التّقليدية. ويُمثِّل البابا فيها مظلّةً لكلّ الا اهات الواردة داخل التيار الدّيني. أما التّيار العقلاني أو العلماني؛ فهو
التيّار الذي يُمثّله العلمانيّون الأقباط في المجتمع المصري، سواء كان ذلك عبر أحزاب سياسيّة، أو عبر المستقلين،
أو الحركات الاحتجاجيّة. تتمثّل إشكالية البحث في تحليل العوامل التي أدّت إلى بروز الهُوية القِبطية في مواجهة الدّولة. فهل لجأت الجماعة
القِبطيّة إلى تكريس خصوصيّتها واختلافاتها لمواجهة سياسات الدّولة تجاهها؟ وما هي العوامل التي ساعدت
على بروز الهويّة القبطيّة وتمايزها؟ وهل عمدت الدّولة المصرية بدءًا من عام 2000، أي خلال العشر سنوات
الأخيرة، إلى استبعاد الأقباط بصفتهم جماعةً دينيةً؛ وهو ما دفع بهم إلى الانكفاء على الذّات، والإفراط في الشّعور
بالخصوصيّة والتميّز؟ هل ألقى هذا الشعور - إن وُج -ِد بظلاله على طبيعة علاقة المُهادنة والمُوادعة المتبادلة بين
الكنيسة والدّولة؟ أم أنّ هذه العلاقة أخذت أشكاالً من الصعود والهبوط تبعًا للمُعطيات القائمة والأوضاع
المحيطة؟ وهل ينظر الأقباط حقًّا إلى المؤسّسة الكنسيّة باعتبارها ممثّلهم السّياسي؟ وهل أنّ رأي رأس الكنيسة
(المتمثِّل في البابا شنودة الثّالث المتو في 17 آذار / مارس 2012)، هو رأي جموع الأقباط الأرثوذكس؟ ما هي
المُحدّدات المحورية التي يُمكن أن تمثّل في سياقها الإطار الإدراكي والاتجاهي للأقباط، أو ل " الهويّة القِبطيّة "؟
وما هي طبيعة هذه المُحدّدات والتّناقضات البُنيويّة الدّاخلية التي تنطوي عليها هذه المُحدّدات؟ تحاول هذه الدراسة الإجابة عن هذه التّساؤلات في ضوء المنهج المستخدم.
منهج الدراسة:
تستفيد الدّراسة من مقولات اقتراب العلاقة بين الدّولة والمجتمع، لأ ا الأنسب في تفسير وقائع العلاقة بين
الدّولة والمجتمع على المستويين النّظري والعملي؛ وذلك من خلال تداخل دوائر الانتماء، وتعدّد التّكوينات الجماعيّة وترابطها. ويدرس هذا المنهج - أو الاقتراب - ثنائيّة الدّولة - المجتمع، وطبيعة العلاقة بين طرفيها؛
وذلك من خلال ما أطلق عليه جويل مجدال ثنائيّات الدّولة القويّة -المجتمع القويّ، والدّولة الضّعيفة-
المجتمع الضّعيف. ويقصد مجدال بالدّولة القويّة؛ تلك التي تستطيع أن تقتحم المجتمع، وأن تُنظ م العلاقات
الاجتماعيّة، وتتّخذ القرارات السياسيّة والاقتصاديّة، التي تكون لصالح مجتمعاتها. وتُعىل في هذه الدّولة قيَم
المواطنة والتّضامن والثّقة في المجتمع. أمّا المجتمع القويّ، فهو الذي تبرز فيه الرّوابط الأفقيّة، مثل الأحزاب
السّياسية القادرة على تجميع المصالح والتّعبير عنها؛ إضافةً إلى جماعات الضّغط التي تتكامل معها من أجل تحقيق
سياسات في صالح المجتمع الواسع. ويساعد هذا المجتمعُ القويُّ دولتَه على تحقيق الأهداف المناطة بها؛ ومن ثمّ
يشارك في بقاء المجتمع وتكامله.
7 هاني لبيب، " خريطة التيّارات الفكريّة والسّياسية بين الأقباط المصريين "، بحث غير منشور، أيلول / سبتمبر.2006
8 نبيل عبد الفتاح، " الإسلام والأقلية الدينيّة في مصر: التّيارات والإشكاليّات "، المستقبل العربي، العدد 1981،30، ص 92 -.112
9 Joel Migdal, "Developing a State-in-Society Perspective", Introduction in: State Power and Social Forces: Domination and Transformation in the Third World , Part I: Theoretical And Methodological Considerations (The United states of America: Cambridge University Press, 1994).
صيف 2012
أمّا الدّولة الضّعيفة العاجزة عن تنظيم مجتمعها وتحقيق مصالحه؛ فتتّخذ موقفًا عدائيًّا من هذا المجتمع، وتُناهض
تنظيماته ومؤسّساته المُع ة عن مصالحه. وهو ما من شأنه أن يخلق جوًّا من عدم الثّقة بين الطّرفين، وأن يكرّس
الرّوابط الرّأسيّة، مثل المحسوبيّة والواسطة والفساد، وأن يخلق - بالتّالي - مجتمعًا ضعيفًا، بل ويؤدي إلى الرّكود
السّياسي والاقتصادي والاجتماعي. ولا شكّ في أنّ علاقة الدّولة بالمجتمع لا تخضع لمؤّ استدلاليٍّ واحدٍ؛ بل هي متعدّدةٌ في أنماطها، بتعدّد أنماط
أطراف هذه العلاقة. ففي الدّولة الحديثة، تميل هذه العلاقة إلى أن تكون مفتوحةً بدرجة أكبر؛ لأنّ قيام الدّولة
الحديثة يستتبع قيام المجتمع المدني حُكامً. أمّا في الدّولة التّقليديّة، أو السّلطويّة، أو الدّينية؛ فإنّ الاضطراب
يصيب تلك العلاقة بسبب طبيعة الدّولة، وبسبب ما ينجم عن تسلّطها من نتائج على صعيد كبح تطور المجتمع.
وينتهي النّموذج الأوّل إلى تناغم العلاقة بين الدّولة والمجتمع؛ فتتّخذ التّناقضات الاجتماعيّة والسّياسيّة شكالً
من التّعبير، أو التصّريف السّلمي. بينما ينتهي النّموذج الثّاني إلى تأسيس القطيعة وتعميقها بين الدّولة التسلّطية
والمجتمع الفئوي أو القبلي أو الديني؛ فيتغذّى الاحتقان الاجتماعي، ويميل التّناقض الدّاخلي إلى التّعبير عن
نفسه في شكل حروب، أو ما شابه الحروبَ الأهليّة. ويصل الأمر إلى أنّ الدّولة ذاتها تتصرّف مثل طائفة أو
عشيرةٍ، ومن ثمّ يلجأ المجتمع إلى " قواعده الخلفيّة " العميقة للاحتماء بها من وجه الدّولة. ويبني مجدال - في كتابه قوّة الدّولة والقوى الاجتماعيّة (State Power and Social Forces)- نظريّته على
فرضيّةٍ رئيسةٍ؛ تتمثّل في أنّ الدّولة هي جزءٌ من المجتمع، وأنّ أيّ دولة -سواء كانت ديمقراطيّةً أو ديكتاتوريّة-ً
لا يمكن عزلها عن المجتمع. ويبني مجدال وجهة نظره على العديد من الأُسس: إنّ كفاءة كلّ دولة تختلف بحسب الرّوابط التي تربطها بمجتمعاتها. ويؤكّد مجدال على أنّه من النّادر أن تكون
الدّول الفاعلَ الرئيس في المجتمعات؛ بل على العكس من ذلك. فهناك حدودٌ لقوّة كلّ دولةٍ، واستقلال الدّولة
عن المجتمع ليس إ حقيقةً زائفة.ً ويصعب عند تحليل الدّولة إهمالُ القوى الاجتماعيّة الموجودة فيها. وبالتّالي تؤخذ بعين الاعتبار المنظّمات التّابعة
لكلٍّ من الدّولة والجماعات الموجودة فيها؛ سواء على مستوى المركز (العاصمة)، أو على مستوى الأطراف. إنّ التّفاعل بين الدّولة والقوى الاجتماعيّة الموجودة فيها، قد ينتج عنه توليد قوّة للطّرفين؛ وذلك على عكس
ما كان يُعتقد من أنّ العلاقة بين الاثنين هي علاقة صفريّة، ينتج عنها خسارة تامّة لأحد الط رفين، في مقابل
كسب كامل للطّرف الآخر. وقد يصل الأمر إلى وجود تحالفٍ بين الدّولة وإحدى هذه القوى في مواجهة القوى الاجتماعيّة الأخرى.
10 برهان غليون، " الدولة والنظام العالمي "، في: جدلية الدولة والمجتمع بالمغرب (الدار البيضاء: دار أفريقيا الشرق، 1992)، ص.49
11 Joel S. Migdal (Editor), State Power and Social Forces:Domination and Transformation in the Third World (The United States of America: Cambridge University Press, 1994), pp. 1-4.
التميّز القبطي واستبعاد الدولة في مصر
وتقصد الدّراسة بالمجتمع: التّكوينات الاجتماعيّة، سواء التّقليدية منها، مثل العشيرة أو الط ائفة؛ أو الحديثة
منها، كالفئات المهنيّة. هذا إضافةً إلى تنظيمات المجتمع المدني التي تع عن تلك التّكوينات، وتُدافع عن
مصالحها في مواجهة الغير، أو في مواجهة مؤسّسات الدّولة. أمّا الدّولة، فيقصد بها الكيان السّيادي الأعلى،
الذي يملؤه النّظام السّياسي، ويشمل ذلك أجهزتها وسلطاتها التّنفيذية والتشّريعيّة والقضائيّة، ومدى استقلاليّة
هذه السّلطات تجاه التّكوينات الاجتماعيّة - الاقتصاديّة وتنظيماتها سالفة الذّكر. كما أنه لا يمكن أن تُثار مفاهيم - مثل الاستبعاد والإقصاء - دون التّعرّض للعلاقة بين الدّولة والفاعلين
الآخرين، ومدى قدرتها على مُعالجة ال اع بين القوى والجماعات المتنافسة في المجتمع. فالدّولة، هي رمز
السّلطة وتجسيدٌ لها، وهي التي تُنشئ المؤسّسات التي تقوم بتنظيم العلاقات بين النّاس في المجالات كافّةً، وهي
التي تملك حق الاستخدام الّعي للقوّة ضدّ الخارجين عن القانون، أو المُهدِّدين لسلامة الدّولة والمجتمع.
ومتُثّل الدّولة " الفضاء السياسي " الذي يتعامل فيه البشر مع بعضهم بعضا بصفتهم مواطنين. أما المجتمع، فهو
جمُمل العلاقات التي يقيمها الأفراد والجماعات؛ والتي يمكن أن تتّخذ شكالً إرثيًّا، مثل القبائل والعشائر،
أو شكالً طوعيًّا، مثل الجمعيّات الأهليّة. فالمجتمع هو مجال التّفاعل الإنساني في سائر المجالات الاجتماعيّة
والاقتصاديّة والثّقافيّة. وهناك شبكة معقّدة من العلاقات بين الاثنين؛ إذ إنّ نظام الحكم في الدّولة يتبنّى
سياسات عامّة تهدف إلى الوفاء بحاجات المواطنين. وقد أدّى جميع ما تقدّم إلى اجتهادات متعدّدةٍ بشأن إعادة تعريف سيادة الدّولة ودورها وعلاقتها بمجتمعها.
وقد ازداد الإدراك بأنّ لسلطة الدّولة حدودًا، وبأ ا غير قادرة على تجاوز حدودٍ وقيودٍ مجتمعيّةٍ وعالميّةٍ. والدّولة
- مهما بدت متسلّطة - لا يمكن أن تستقلّ عن مجتمعها، أو أن تتمتّع بحرّية غير محدودة في إدارة أمور المجتمع،
وفي إعادة تشكيل توازناته وعلاقاته وفقًا لرغباتها. ولعلّه من الصّعوبة بمكانٍ، اعتماد إطار مرجعيٍّ واحدٍ لفهم طبيعة الدّولة ومقاربة علاقتها بالمجتمع؛ وذلك
نظرًا إلى أنّ هذه العلاقة تتأثّر بالصيّرورة التّاريخيّة والثّقافية. فتصوُّر العلاقة بين المجتمع والدّولة يتأثّر ب " اكتمال
عُود الدّولة "، ومدى افتقار المجتمع إلى ما يكفي من مقوّمات الثّقافة السّياسية الجديرة بتحويله طرفًا وندًّا في
ديناميّة صياغة العقد الاجتماعي الجديد. وترتبط باقتراب الدّولة - المجتمع (بحكم أنّه مدخلٌ نظريٌّ لموضوع الدّراسة) العلاقة بين الدّين-بوصفه مكونًا
من مكوّنات المجتمع - والدّولة. وهي علاقة شائكةٌ معقّدةٌ، لا تخلو من العديد من الالتباسات في إطار العلمنة،
ونزع القداسة عن أيِّ موقفٍ تجاه الأشخاص أو الأشياء، وتغليب الموقف المعرفي والتّفكير المنطقي على النّزعات
العاطفيّة بما فيها التصوّرات الدّينيّة. ولقد تمثَّل هذا التّفاعلُ في علاقة تنوّعت بحسب أشكال الحكم والتيّارات
12 يقصد بالتّكوينات الاجتماعيّة: العلاقات الخاصّة بين السّكان، التي تضفي عليهم قدرا خاصا من التّضامن الدّاخلي، وتجعلهم
مهيَّئين للسلوك الجماعي طبقًا لهذه الروابط؛ وذلك سعيًا إلى تحقيق مصالح خاصّة بهم. وبهذا المعنى، تتّخذ التّكوينات أسسًا طبقيّة أو دينيّة
أو عشائريّة. وتستند الدّراسة إلى تحليل العلاقة بين هذه التّكوينات على أساس ديني - اجتماعيٍّ لتحديد موقع الفرد في المجتمع. ومن
أهمّ سماتها الطّبيعة الدّيناميكيّة المتحرّكة، التي تتشكّل وتتأثّر بفعل قوى داخليّة وخارجيّة معا. كما تركّز على العلاقة بين هذه التكوينات
المتنوعة والدولة. ويشمل المجتمع تنظيمات أخرى عديدة مستقلة عن الدّولة تعبيرًا عن اختيار الأفراد والجماعات الحرّ؛ مثل النّقابات،
والاتحّادات المهنية، والنوادي السّياسية والثّقافية، والجمعيّات الأهليّة، ومنظّمات حقوق الإنسان... ولكن لا تدخل هذه التنظيمات في
ما تُعنى به الدّراسة.
13 امحمد مالكي، " المواطنة بين الدّولة والمجتمع "، الدّيمقراطيّة، العدد 24، تشرين الأوّل / أكتوبر 2006، ص 51 -.58
صيف 2012
الدّينية؛ وذلك إعماال لقاعدة أنّ المجتمعات التي تسودها نزعةٌ ديمقراطيّة، يزداد فيها الميل إلى فصل الدّين
عن الدّولة.
أولا: الاستبعاد والدولة في مصر
تعدّدت التّعريفات العلميّة للاستبعاد كمفهوم وتباينت؛ لكنّ مجملها اتّفق على أنّه يُقصد بالاستبعاد: طرد
المواطن خارج المنظومة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة بشكل لا يعتبر فيه أحد المكوّنات الرئيسة في البناء
الاجتماعي سياسيًّا، واقتصاديًّا، واجتماعيًّا، وثقافيًّا. فالاستبعاد بكافّة صوره وأبعاده السّياسيّة والاقتصاديّة
والاجتماعيّة، ليس فقط مشكلة تحتاج إلى هندسة اجتماعيّةٍ للتّعامل معها؛ وإنمّا هو مشكلة هيكليّةٌ تقوم على
الاختلاف في درجات القوة داخليًّا وخارجيًّا. ذلك أنّ الاستبعاد يعكس غياب مشاركة الأفراد، وتوقّف
الدّور الذي تقوم به الشّبكات الاجتماعيّة في الرّبط بين القوى المجتمعيّة من ناحية، وبروز مصالح القوى
المجتمعيّة للدّولة وأصواتها من ناحية أخرى. وهو الأمر الذي يراكم ال مساواة الاجتماعيّة، ويدفع المجتمع إلى
العزلة والضّعف. وفي ما يتعلّق بالحالة المصرية، تتعدد العوامل الخارجية والداخلية التي كرسّت الاستبعاد، ودفعت بالمواطنين
خارج المنظومة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة للدّولة. وفي هذا الصّدد، تجب الإشارة إلى أنّ تأثير العاملين
الخارجي والدّاخلي - في حالة الأقباط - يرتبط بأبعاد عدّة: البعد الط ائفي المتعلّق بالعلاقة بين المسلمين
والمسيحييّن؛ والبعد الاقتصادي المرتبط بال اع بين المحرومين الذين لا ملكيّة لهم، والمترفين ذوي الأملاك؛
والبعد السّياسي الذي قد يسيطر عليه فكر الّاع على القوة بين قيادات " الأقلية " والمجتمع، ا يثير مشكلة
العلاقة بين توازن القوى والنّفوذ؛ والبعد الاجتماعي المرتبط بالأبعاد الدّينيّة والثّقافيّة التي تتّخذها الدّول في
الخارج ذريعةً للتّأثير في أيّ جماعة، وبخاصة الدّينية منها، في ما يعرف بتسييس الدّين أو تديين السّياسة. وعلى صعيد العوامل الخارجيّة، صاحَبت انهيار الات حّاد السّوفياتي ضغوطٌ من النّظام الدّولي على الدّول العربيّة
بشكل عامٍّ؛ كي تحقّق التحوّل الدّيمقراطي. ووافق هذه الضّغوط نموّ مؤسّسات المجتمع المدني العالمي، إضافة
إلى الدّول. ومعنى ذلك، أنّه منذ سنوات انضمّت مطالب الداخل العربي مع ضغوط الخارج الأجنبي لدفع
الدول العربية في طريق الديمقراطية. كما أنّ تداعيات سياسات العولمة وآثارها السياسيّة والاقتصاديّة
والاجتماعيّة، أدّت إلى ما يُعرف ب " عصر المراجعة الشاملة "، من خلال إقرار الحُرّية المطلقة للسّوق، وتخلّي
الدّولة عن أدوارها التّنمويّة والاجتماعيّة في مختلف مجالات التّعليم والصحّة والإسكان؛ هذا إضافةً إلى دور
الهيئات المالية الدولية - مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي - التي تضغط على الدول النامية في ا اه
اللّيبرالية الاقتصاديّة.
14 حسن إسماعيل عبيد، " سوسيولوجيا الأديان: مدخل نظري حول الحوار "، شؤون الأوسط، العدد 35، 1994، ص 9 -.18
وانظر أيضًا:
Jeff Haynes, Religion in the Third World (Buckingham: Open University Press: 1993), p. 8. 15 A. E. Komter, "Reciprocity as a Principle of Exclusion: Gift giving in the Netherlands", Sociology , Vol. 30, pp. 299-316. 16 Jeff Haynes, Religion, Globalization and Political Culture in the Third World (New York: St. Martin Press, 1999), p.3. 17 Mathew Horsman and Marshal Andrew, After the Nation- State (London: Harper Collins, 1995), p. ix.
التميّز القبطي واستبعاد الدولة في مصر
ولعلّ الأثر البارز للعولمة الذي يرتبط بموضوع الاستبعاد، هو ال كيز المفرط للثّروة على الصعيد العالمي؛
وهو ا أدّى إلى تعميق الهُوّة بين الدّول وشرائح المجتمع الواحد، ليس بين الطبقات فحسب، بل أيضا بين
الفئات داخل الطبقة الواحدة، وبين الفصائل والأفراد داخل الفئة الواحدة. وقد أدّى هذا النوع من التّفاوت إلى
ظهور العولمة في صورة " أيديولوجيا للإقصاء والاستبعاد " من خلال القفز على الدولة والوطن لصالح التّفتيت
والتّشتيت. وهو الأمر الذي أدّى إلى استيقاظ انتماءات أوّلية سابقة على الدولة، والنتيجة تفتيت المجتمع
وتصاعد الشّأن الدّيني. كما نتج عن أيديولوجيا الاستبعاد والتّهميش تصاعد دور المستَبْعَدين في أعمال العنف والاحتجاج وحدوث
زيادة في أعداد الفقراء. وكانت أعداد هؤلاء المستبعَدين المادّة الخام للعمل السّياسي العنيف في كثير من
الحالات، كما كانت معاقل لتنظيمات التطرف والعنف التي استطاعت أن تمدّد وجودها فيه، خصوصًا في ظل
غياب دور الدولة. ولجأت هذه الفئات في العديد من الدّول إلى أعمال الاحتجاج الجماعي، للتّعبير عن عدم
الرّضا تجاه بعض القرارات والممارسات الحكومية. كما أنّ التّحييد عن المجال العامّ وعن المشاركة السّياسيّة؛
قد أدّى إلى التحاق أجيال من الشباب بجماعات سياسية مُناهضة للسلطة القائمة أو متطرّفة. وهو الأمر الذي
يؤدي إلى الصدام مع النظام السياسي، وينتج عن ذلك قمع سياسي، وزيادة حدّة التوتر في المجتمع، وإذكاء
الصراع الاجتماعي. وشهد عام 1998 تصاعدا لدور الدين بوصفه محرّكا لشعوب بعض الدّول في ظلّ صحوة الأصوليّات الدّينية
والسّياسية على مستوى العالم. وهذا ما جعل الأقليات الدينية أو الإثنية محط أنظار سياسات العولمة؛ من أجل
تحقيق أهداف الطرف الأقوى ورعاية مصالحه، وتحويل هذه الأقلّيات إلى عامل ضغط على الحكومات والدول التي تنتمي إليها. فأصدرت الولايات المتحدة الأميركية قانونًا للحماية الدّولية للأقليات الدينية عام 1998،
الذي تزامن مع عجز دول ومجتمعات العالم الثالث عن إنجاز التنمية بالمعدلّات الملائمة؛ الأمر الذي دفع بعض
هذه الدّول إلى ممارسة القهر والعنف في حقّ مواطنيها لضمان الاستقرار الاجتماعي، وجعَل ها تجور على كثير من
حقوق المواطن، مانحةً بذلك ذريعةً أكبر للتدخل الأجنبي. وفي هذا الإطار برز مفهوم " الحماية الدينية " كمصطلح غربي لحماية الأقليّات الدّينية في البلاد المختلفة. وبما
أنّ في مصر أكبر أقلّية مسيحية في الشرق الأوسط؛ اتخذت الولايات المتحدة خطوات تحت غطاء حقوق الإنسان وحماية الأقليات؛ أهمّها القانون الأميركي للتحرر من الاضطهاد الديني، الذي قام على ركيزتين اثنَتي:
18 Samuel Huntington, " The Clash of Civilizations", Foreign affairs, 72, No.3 (Summer 1993), pp. 22-49. 19 Rudolph and Piscatori (editors), Transnational Religions and Fading States (Boulder and London: Westview Press, 1997), p. 14; The book gave examples to the rise of religion in Europe (Bosnia - Herzegovina),Russia (the Orthodox Church), USA (American Christian Fundamentalists).
20 أماني مسعود الحديني، المهمّشون والسياسة في مصر (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، 1999)، المقدمة.
21 السيد يسين، " مجتمع الألفية الثالثة: قيمه وتناقضاته وآفاق تطوره "، في: مصر في القرن الحادي والعشرين: الآمال والتحديات
(القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1996.108)، ص
22 هاني لبيب، المواطنة والعولمة (القاهرة: دار الشروق، 2004.43)، ص
23 هاني لبيب، أزمة الحماية الدينية: الدين والدولة في مصر (القاهرة: دار الّوق، 2000.65)، ص
24 Nina Shea, In the Lion’s Den (Nashville, Tennessee: Broadman and Holman Publishers, 1997), p. 17.
صيف 2012
ضرورة الاهتمام بالمسيحيين المضطهدين في العالم، وضرورة البدء في إنتاج مجموعة من الاجتهادات اللاهوتية التي تُعلي الدين على الوطن؛ وذلك بإثارة النزعة الدينية من أجل شن حملة ضد الذين يمُارسون الاضطهاد. وبحلول عام 2001، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ أصبحت الولايات المتحدة تتعامل مع قضايا العالم المعقدة، وقضايا المنطقة المركَّبة من منظور " الفوضى الخلاقة ". وقد قال الرئيس الأميركي، جورج بوش
(الابن)، في خطابه الشّهير: إن " من ليس معنا فهو ضدّنا "، تأكيدا على أنه قد أصبح للثقافة ثقل واضحٌ في
إقامة العلاقات بين الدول وداخلها. فأصبحت ثقافة الحرب على الإرهاب، والحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل، ونشر الحريات والديمقراطية في الدول العربية والإسلامية؛ من أهمّ ركائز السياسة الخارجية الأميركية
ومحدداتها. وفي هذا الإطار لجأت الولايات المتحدة إلى استخدام القوة الناعمة من أجل تحقيق أهدافها للضغط على الدول العربية والإسلامية بسبب ثقافة " الإسلاموفوبيا " في الغرب، والرعب من الإسلام والمسلمين. وأصبح التّعبير عن المصطلحات السّياسيّة يقع بمصطلحات ثقافيّة أو دينيّة، بدلا من أن يقع بموجب العقائد
السياسية؛ وذلك مثل عبارة " حملة صليبية ". وهو ما أدّى إلى تفجير موجات من الكراهية والصور النمطية
بين الأديان والمذاهب والأعراق إزاء بعضها بعضا، ولا سيما بين الإسلام والمسيحية. وانعكس ذلك سلبا على
أُسس التّعايش الإسلامي- المسيحي في مصر. وفي هذا السّياق، لا يمكن إهمال الأوضاع الإقليمية وانعكاساتها
على الحالة المصرية. ففي ظلّ بيئة إقليمية مضطربة لم تتخلّص من بقايا الحقبة الاستعمارية بعد؛ نشهد وجود دول
دينيّة تخلط بين الدين ونظُم الحكم والسياسة، وفي ظلّ عدم تحديد العلاقة بين السياسة والدين؛ يقع الخلط
بينهما، ويتغذّى العنف الطائفي على المستويين الفكري والواقعي. وتوظ ف البيئةُ الإقليمية عوامل الانقسام الأولى لجلب التأييد السياسي والتّعبئة، متهيِّئة لتطبيق المعايير المزدوجة؛ وهو ما يأتي بنتائج سريعة في شكل عنف
طائفي أو عرقي أو ديني، ويجعل الفرد طائفيًّا في نزعته الاجتماعية والسياسية، متحاشيا الانتماء إلى بوتقة
واحدة داخل المجتمع. وتتضافر العوامل الخارجيّة مع العوامل الدّاخلية. فعلى المستوى الاقتصادي، وفي إطار استمرار تفاقم حدّة
الأزمة الاقتصادية؛ ا هت الدّولة المصريّة منذ تسعينيات القرن الماضي إلى تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادي
المعروفة ب " التكيّف الهيكلي "، وذلك بالاتفاق مع صندوق النّقد والبنك الدّوليين، أو بالأحرى تحت ضغوطٍ
منهما. وقد جرى تطبيق تلك السّياسات بحجة أنّ المستويات المرتفعة للتّنمية الاقتصاديّة؛ تدفع الأفراد ليكونوا
أكثر تسامحًا مع بعضهم البعض، وأكثر إحساسًا بالثّقة المُتَبادَلة. كما أ ا تمنحهم مزيدا من حرّية التّعبير عن الرأي،
وزيادة المشاركة في صنع القرار. وعلى الرّغم من أنّ لهذه السياسة بعض الإيجابيّات، وخصوصًا في ما يتعلّق
بمعدلّات النموّ؛ فإنّه كان لها تأثيراتها السلبية في التطوّر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
25 وهي القائمة على نشر الفوضى في الدول العربية والإسلامية لتفريخ التعصب وتدمير كيانات الاستبداد والفساد.
26 Bryan Turner, "Islam,Religious Revival and the Sovereign State", Muslim World , Vol. 97, No. 3 (July 2007).
27 إفرت فان درزفيرد، " هل الديمقراطية للعالم كله؟ "، الديمقراطية، العدد 35، تموز / يوليو 2009، ص.13
28 عماد جاد، " الأوضاع الإقليمية وانعكاساتها على العنف الطائفي "، الغد، 2008/5/6، العدد 159، ص.23
29 برهان غليون، تكوين العرب السياسي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994)، ص.24
30 علي أسعد وطفة، " إشكالية الهوية والانتماء في المجتمعات العربية المعاصرة "، المستقبل العربي، العدد 282، آب / أغسطس 2002،
ص.112
التميّز القبطي واستبعاد الدولة في مصر
وتتمثل أبرز الانعكاسات السّلبية لسياسات التّكيف الهيكلي على مصر، في عدم تحقيقها أيّ إنجاز تنموي
اقتصادي حقيقيّ. والدّليل على ذلك تفاقم معدلّات البطالة، وخصوصًا بين الشّباب. هذا إضافةً إلى تدهور
مستوى معيشة قطاعات واسعة من المواطنين؛ لاسيمّا في ظلّ ارتفاع الأسعار، وتزايد حدّة الفجوة بين الدّخول
الرّسمية والأسعار، وهو الأمر الذي أدّى إلى ارتفاع معدلّات الفقر. كما أدّى تراجع دور الدولة إلى تخفيض
الدعم والإنفاق العام، وزيادة الضرائب والرسوم، وتحرير الأسعار، وتخ الدّولة عن مسؤوليّتها بشأن
التّوظيف؛ وهو ما أثّر في محدودي الدّخل والفقراء. وقد شارك ذلك في ارتفاع معدلّات الفقر. إنّ العمليّة
متشابكةٌ، ولا تقتصر الثمّار على تحقيق نموٍّ اقتصاديٍّ فحسب؛ إذ لا يُتصوّر وجود تخلّف إداريٍّ، أو تكلّس
سياسيٍّ، أو جمود دينيٍّ، جنبا إلى جنب مع تنمية اقتصادية أو اجتماعية. فما يُصيب الفرد يُصيب أساس الجسد
الاجتماعي. وهذا ما تؤكِّده التّقارير الدّولية والمحلية، التي تُشير إلى أنّ هناك أكثر من 14 مليون مصري
يعيشون تحت خطّ الفقر؛ بينهم 4 ملايين لا يجدون قوت يومهم. كما تشير بيانات جهاز التّعبئة والإحصاء
المصري إلى انتشار الفقر. أمّا على المستوى الاجتماعي؛ فتمثّل حالة اختلال التّوازن بين الدولة والمجتمع إحدى المعضلات الأساسية
للتطوّر السياسي والاجتماعي في مصر. وقد ظلّت الدّولة تحكم المجتمع بشكل فوقيٍّ، وكأنها سيّدة عليه؛
والحال أ ا هيئة تنوب عنه، وتستمد وجودها وشرعيتها منه. وفي تصوّر العلاقة بين الدّولة والمجتمع في
مصر؛ نلاحظ ضعف عود الدولة وعدم اكتماله، مثلما نلاحظ افتقار المجتمع إلى ما يكفي من مقوّمات الثّقافة
السياسية الدّيمقراطيّة الجديرة بتحويله طرفًا وندًّا في ديناميّة صياغة العقد الاجتماعي؛ إذ يتراجع أفراد
المجتمع من مرحلة الدّولة إلى مرحلة ما قبل الدّولة. وفي ظلّ السّياسات الاقتصادية سابقة الذكر؛ ا هت بعض قوى المجتمع إلى تعزيز أدوارها، وتأمين مصالحها،
وخصوصًا مع تخ الدّولة عن كثير من مسؤوليّاتها والتزاماتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة. وهو ما ترك فراغًا سعت
بعض تنظيمات المجتمع وقواه إلى سدّه. كما أفرزت سياسات الخصخصة قوى اقتصادية جديدة، سعت إلى تعزيز
دورها السياسي. وفي هذا الإطار، تحرّكت الدّولة في ا اه ضمان استمراريتها في السيطرة على المجتمع، من
خلال أساليب وإجراءات أمنية وقانونية وسياسية. وقد غلب التوتُّر والتأزم في علاقتها بالأحزاب، وقوى
31 Ali Abdallah and Michael Brown,"The Economy", In: Lillian Craig, Egypt: Internal Challenges and Regional Stability (London:Routledge, 1988), pp. 31-49. 32 - Ilya Harik , Economic Policy Reform In Egypt (Gainesville:Florida University Press, 1997), p.39.
33 راجع: تقرير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية، 2007، على الموقع:
http://www.un.org/ar/esa/hdr/hdr0708.shtml
34 خريطة الفقر في مصر، مجلة الأهرام الاقتصادي، على الموقع الإلكتروني:
http://ik.ahram.org.eg/IK/Ahram/20087/4//INVE2.HTM
35 انظر: فريد زهران، الحركات الاجتماعية الجديدة (القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان،.)2007
36 محمد السيد سعيد، " التّعديلات الدّستورية... الروح العامة ونموذج الحكم "، في: مجموعة مؤلفين، وطن بلا مواط ين (القاهرة:
مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 2007.36)، ص
37 Robert Springborg, "State- Society Relations in Egypt: The Debate over Owner-Tenant Relations", Middle East Journal , Vol. 45, No. 2, (Spring 1991) p.232.
38 علي ليلة، " المواطنة بين السياق القومي والعالمي "، الديمقراطية، العدد 32، كانون الثاني / يناير 2009، ص 37 -.47
39 تقرير التنمية البشرية لمصر 2008 (القاهرة البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ومعهد التّخطيط، 2008)، ص.25
صيف 2012
المعارضة، والنقابات المهنية، والاحتجاجات الع لية والطلابية المقترنة بالاحتقان السياسي والتذمّر الاجتماعي.
ونتج عن هذا التّباين، تنامي الدّعوة إلى الانتماءات الأضيق في الدولة؛ نتيجة ضعف سلطتها، وهبوب الموجات الإعلامية والثقافية المُقبلة من الغرب في ظل العولمة حاملة معها قيامً تخالف القيم السّائدة في المجتمعاتِ.
وبشعور بعض الفئات بأنّ في ذلك تهديدًا لخصوصيّاتها؛ فإ ا تلجأ إلى التّشبّث بانتماءاتها الأوّليّة الأضيق.
وذاك ما أنتج إحساسًا بعدم الاندماج والعزلة والإحباط و " الانسلاخ عن المجتمع ". وتُعتبر الحالة المصرية
الراهنة تجسيدًا لما أطلق عليه سانتوس" الفاشية الاجتماعية " (Social Fascism)؛ تلك التي عرّفها بأنها تسود
داخل نظام يتسم بعلاقات القوة غير المتساوية، التي من شأنها أن تؤدّي إلى تنامي الشعور بالاستبعاد والاغتراب
سواء داخل المجتمعات، أو بين الدول. أمّا على المستوى السّياسي؛ فقد قدّم النّظام المصري السّابق نموذجًا للنُّظم السّياسيّة المهجّنة. ويعني ذلك أن
يكون للنّظام شكلٌ ديمقراطي؛ من حيث وجود برلمان، ونظام حزبي، وانتخابات برلمانية، وانتخابات رئاسيّة،
وصحافة تتمتّع بسقف حريات عال نسبيًّا. هذا من حيث الشكل الخارجي للنّظام. أمّا الجوهر، فلا يزال
ذا طابع شموليٍّ؛ إذ ليس للبرلمان دورٌ في الحياة العامّة، أو في مساءلة السّلطة التّنفيذيّة. والنّظام الحزبي ضعيف
وهشٌّ، والنّقابات مضطربةٌ من داخلها، كما أنّ الصحف حتُاصرُها بيئةٌ تتّسم بغياب الشّفافية. هذا إضافة
إلى أنّ تفضيلات الجماهير عرضة للتّجاهل من جهة النُّخب السياسية، وتداول السّلطة لا يمكن أن يتحقّق
بشكل سلمي. تحتكر الدّولة الجانبين السّياسي والتّقني في صنع السّياسات العامّة وتنفيذها. وهي لا تخلو من تخبّط واضح في
اقتراح مشروعات قوميّةٍ عملاقةٍ وتنفيذها، ثمّ ال اجع عنها، والتشكيك في جدواها، وفتح باب الجدل العامّ
حول مشروعات تكون فنّيةً مُتخصّصةً؛ لا يصلح الجمهور العادي لإبداء الرّأي فيها. وأدّى غياب التّحديد
الدّقيق المُنزّه عن الغرض السّياسي ل "ّالصالح العام " إلى تصاعد معدلّات الشكّ الجماهيري، وعدم اليقين من
أيّ عمل تقوم به الدّولة. وتتُرجم هذه الحالة غياب الثّقافة الدّيمقراطيّة الحقيقيّة، ويبقى الواقع السياسي منفصالً
عن النّصوص والآليّات؛ حتى وإن حملت عنوانًا ديمقراطيًّا زائفًا. نتيجةً لما سبق؛ تنامى شعور فئات كثيرة في المجتمع المصري بالغُبن، والافتقار إلى المساواة الكاملة وفق خطوط عديدة للانقسام على أساس ديني (إسلامي - مسيحي)، أو مذهبي، أو جنسي (رجل - امرأة)، أو مناطقي
40 حسنين توفيق إبراهيم، " العولمة: الأبعاد والانعكاسات السياسية "، مجلة عالم الفكر، تشرين الأول / أكتوبر - كانون الأول / ديسمبر،
1999، ص.214
41 بركات حمزة، " الاغتراب "، المجلة الاجتماعية القومية، القاهرة: المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، كانون الثاني / يناير
- أيلول / سبتمبر 1992، ص 151 -.161
42 Boaventura De Sousa Santos, Voices of the World: Reinventing Social Emancipation , 2002, p. 456. 43 Larry Diamond, "Thinking about Hybrid Regimes", Journal of Democracy ,Vol.13, No.2 (April 2002), pp. 28-37. 44 Thomas Carothers, "The Backlash against Democracy Promotion", Foreign Affairs (March-April 2006), pp. 55 - 68. 45 Marina Ottaway, Democracy Challenges: The Rise of Semi- Authoritarianism (Washington DC: Carnegie endowment for international peace, 2003), p.3. 46 Jonathan Fox, " From Clientalism to Citizenship", World Politics , Vol 46, No. 2 (Jan. 1994), p.151.
التمييز القبطي واستبعاد الدولة في مصر
(ريفي - حضري)، أو اجتماعي (غني - فقير). وهناك حالة استبعاد فعليٍّ يُواجَه بها المواطن المصري، على
صعيد التّعامل مع أجهزة الدّولة، وفي الثّقافة الاجتماعيّة السّائدة؛ وهو ما يؤثر في اندماجه السياسي من ناحية،
ومشاركته السياسية من ناحية أخرى.
ثانيًا: عوامل بروز الهوية القبطية
عند تناول " الشأن القبطي "، أو " الهويّة القبطيّة "؛ يجب أن نضع في اعتبارنا أمرين اثنين: أولّهما، ضرورة الالتزام
بالسياق التاريخي لحركة المواطنين المصريين، المسلمين منهم والأقباط على حدٍّ سواء؛ فبغير ذلك تكون الرؤية
مبتورةً. وسوف يتم التعامل مع الأقباط على أ م يتحرّكون في فضاء اجتماعي وسياسي منفصل عن الواقع
ككل. فعلى سبيل المثال، إذا أردنا الحديث عن ظاهرة " عزوف " الأقباط عن المشاركة السّياسية؛ فإنّه لا يمكننا
الحديث عنها وكأنها ظاهرة تخص الأقباط وحدهم، دون قراءة الظ اهرة في إطار سياقها التّاريخي العامّ، بحكم
أ ا إشكالية مصرية عامة. أمّا الأمر الثّاني الذي يجب الانتباه إليه؛ فهو أنّ الأقباط مواطنون في المقام الأوّل،
وأعضاء في الجماعة الوطنية المصرية، ولا يمثّلون " جمًاعةً مستقلة "، أو "كتلةً مغلقة ". فالأقباط غير متماثلين من
حيث الانتماء الاجتماعي والسياسي؛ إذ هم منتشرون في جسم المجتمع رأسيًّا. ومنهم العامل والف ح والمهني
والحرفي ورجال الأعمال والتّجار، ولا يربط بينهم سوى الانتماء إلى مصر من جهة، والانتماء الديني من جهة
أخرى. وبين هذين الانتماءين، تفترق المصالح وتتباين التحيّزات والرؤى. في ضوء ما سبق، تحاول الدّراسة الاقتراب من " الهويّة القبطيّة "، وما يترتّب عليها من علاقات بالدّولة والمجتمع؛
وذلك في محاولةٍ لتفسير إشكاليّة علاقة الدولة بالأقباط وكيفية علاجها. ف " الهوية الدينية " - أيًّا كان الدين- تشمل
طقوسا تتعلّق بأسلوب الحياة، وتميّز أتباع هذا الدين، وتؤسّس اختلافهم عن الآخر، وتمثّل صورة عن كيفيّة التّعبير
عن هويّاتهم المختلفة. وعندما يكون هناك تهديد للهويّات الدّينية بصفة عامة؛ يكون رد الفعل الطبيعي هو الدّفاع
عنها، من خلال التّقوقع داخل هذه الهوية. وهو ما قد يدفع إلى الّاع بين أبناء الهويّات المختلفة. ويمكن القول إن عوامل بروز الهويّة القبطية وتصاعدها، قد نتجت عن الأسباب الآتية: - 1 تقوم مصر على توفر شروط المكان، والاقتصاد، واللغة، والتاريخ، والتكوين النفسي المشترك الذي
يكرّس الانتماء إلى الوطن ثم إلى الدين والقبيلة والعشيرة. ومن هنا باتت التعددية الدينية (التي بدأت عام
640 م مع لقاء عمرو بن العاص بالبابا بنيامين، البطريرك الثامن والثلاثين للكنيسة القبطية) مقوّما من مقومات
الكيان المصري. وتفترض هذه التّعددية مجتمعًا ينفي مبدأ الاستبعاد المتبادل، ويمك ن كلّ فرد أو جماعة من
المشاركة في بنائه، ويتيح التوازن بين احترام الدين والنظام الاجتماعي، مع احتفاظ كل فرد أو جماعة بالمطلق
الذي يؤمن به؛ طالما أن هذا الإيمان لا يؤدّي إلى استبعاد مطلق آخر على الصعيد الاجتماعي، ولا إلى إعاقة
الاجتماعي التّطوّر.
47 Sebastian Murken and Sussan Namini, "Choosing a Religion as an aspect of Religious Identity Formation in Modern Societies", In: Michael Pye, Wasim, Alef Theria and Ma'sud Abdurrahman (Editors), Religious Harmony: Problems, Practice and Education (New York: Walter de Gruyter, 2006), pp. 289-30.
48 وليَم سليمان قلادة، المسيحيّة والإسلام في مصر، ط 2 (القاهرة: دار سينا للنشّر، 1993)، ص.29
49 Ali Dessouki, Reflections on Community Relationship between Christians and Muslims in the Middle East, paper submitted in conference on: "The Muslim - Christian Dialogue" (Lebanon, 1972).
صيف 2012
وفي هذا الإطار، يمكن القول إنه من الطبيعي أن يسعى البشر إلى التمايز وتأكيد ثقافاتهم وهوياتهم التي تميّزهم
عن الآخرين. ويتأثّر هذا التمايز، وهذه الهويّة، سلبًا وإيجابًا بالتأثيرات السّياسية والاجتماعيّة المحيطة؛ التي
من الممكن أن تُشعر الجماعة بأ ا لا تشترك مع الجماعات الأخرى في القيَم والأهداف العامّة. ومن ثمّ، يُتّخذ
هذا التمّايز ذريعةً للابتعاد، ثم الاستبعاد؛ ا يحوّل الاختلاف من مجرّد أداةٍ للتّمييز إلى وسيلةٍ لخلق المشاكل داخل
المجتمع وتقسيمه، خصوصا إذا كان الاختلاف مبنيًّا على أسس دينيّة. ويمكن لذلك أن يخلق مجتمعًا داخل
المجتمع الأوسع؛ لأنّ تعاظم الشّعور بالذات يوجد في حضور الآخر. ومن ثم فلا هوية فردية أو جماعيّة، دون
الآخر الذي يُعدّ شرطًا حيُدِّد الهوية. وعندما تتجذّر حركة الانفصال بين الذّات والآخر؛ تسود ثقافة الانغلاق والانكفاء على الذات ورفض الآخر.
ويتطوّر ذلك إلى غرس مشاعر التعصّب والتشنّج اللّفظي والفكري بعيدًا عن أيّ دينٍأو عقيدة دينية. وفي مصر،
تتبدّى الصراعات الاجتماعيّة / الدّينيّة في الأفق، ارتباط ا بالتوجّه السّياسي، وبالبنية الاجتماعية السياسية. ومن
هنا تقوم الهويّة المصريّة على ضرورة إحلال مقوّم من مقوِّماتها محلّ الآخر. - 2 تعاني مصر - على المستو نيْ الدّولاتي والمجتمعي- من نقص المناعة؛ فهي معرّضةٌ إلى تفتّت
أوصالها التّاريخية إلى جزر متباعدة، وأحيانًا مُتصارعة. ويضرب هذا النّقص في المناعة السّياسية والاقتصادية
والاجتماعيّة، بنيَة المجتمع في صميمها، ويخلّ بتوازنه؛ ا يُكرّس اللّجوء إلى الدّين والاحتماء به. تصبح هذه
البيئة، التي يؤدي فيها الدين دورًا مميّزًا، سواء في التّعبير عن المكانة أو تحديد الذات بمواجهة الآخر؛ أكثر عُرضة
للّاعات والنِّزاعات بين الفئات الاجتماعيّة، على أُسس دينيّةٍ. ويبرز ذلك بالخصوص في ظلّ غياب معايير
عصريّة ومدنيّة لبلورة هويّةٍ جماعيّةٍ خارج إطار الهويّات التّقليدية. ويُغذّي هذا النّقص في المناعة، وجود مصر
في موقع قريب من الحروب في فلسطين والعراق ولبنان والسّودان. فمصر تعيش أوضاعًا غير عاديّة؛ إذ أصبح
للدّين وللتّعصب قوّةٌ، وبات العالم جديدًا بجغرافيا جديدة، ومن ثمّ بات الاستقرار الدّاخلي قضيّة أمن. قومي
وبدالً من أن تؤدّي الصّحوة الدّينية إلى دعم الجماعة الوطنية، بحيث تمثّل استمرارًا للمنجزات المشتركة التي
حقّقتها مكوّنات الجماعة الوطنية مع بعضها البعض؛ أدّت إلى تزايد الشعور بالذّات في مواجهة الآخرين، وإلى
50 Gordon Kaufman, "The Historicity of Religions and the Importance of Religious Dialogue", Buddhist-Christian Studies , Vol.4 (1984), pp. 5-15. & Philip Cole, Philosophies of Exclusion, Liberal Political Theory and Immigration (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2000), p. 109. 51 M. Sherif, The Psychology of Social Norms (New York: Harper and Bros, 1936), p.3. & Micheal Kenny, Politics of Identity (Cambridge: Polity Press, 2004), p. 39. & Butera Fabrizio, Coping with Minority Status: Responses to Exclusion and Inclusion (Cambridge University Press, 2009), p.306. 52 Eva Johanna Holmberg, Practices of Inclusion and Exclusion in Pre-Modern Culture (Turku: University of Turku, 2005), p.13.
53 أحمد عبدالله، الهوية الوطنية المصرية، أحوال مصرية، القاهرة: مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، السنة الأولى، 54 عبد اللطيف المناوي، الأقباط: الكنيسة أم الوطن؟ (القاهرة: دار أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي، 2005)، ص.261
Floya Anthias, "Belongings in a Globalizing and Unequal World", In: Yuval-Davis et al, The Situated Politics of Belonging (London: Sage Publications, 2006), p.21.
55 نبيل عبد الفتاح، مرجع سبق ذكره، ص.76
التمييز القبطي واستبعاد الدولة في مصر
الرّغبة في إبراز أوجه التمّايز عنهم. وهو الأمر الذي من شأنه أن يخلق مناخًا عامًّا قابلا للاستثمار والاشتعال في
نفي الآخر واضطهاده.
وفي إطار هذه الصّحوة الدّينية، تحدُث توتّراتٌ في العلاقة بين المسلمين والأقباط من حين إلى آخر؛ ا يُثير
التّساؤلات عن حالة الوحدة الوطنية في مصر، وطبيعة ما يحدث: أي هل هو فتنةٌ طائفيّةٌ أم فتنةٌ وطنيّةٌ تمس
الوطن ككلٍّ؟ وما هي مرجعية تلك التوترات التي أخذت تتكرّر في السّنوات الأخيرة؟ - 3 أدّى تراجع الدولة عن القيام بمهامّها إلى الاندماج بين الأقباط والمؤسّسة الدّينية التي أصبحت
المجال العام لأنشطة الأقباط. كما أدّى تناسل الأساطير والصّور النّمطية حول أنشطة الأقباط داخل الكنائس
إلى الشحن الدّيني ضدّ الأقباط. مثلما أدّى استبعاد الفئات الوسطى، والقبطيّة من ضمنها، وعدم مشاركتها في
الحياة السياسية والحزبية، وعدم تصويتها في الانتخابات العامة؛ إلى عدم الاهتمام بالمجال السياسي، وغياب سياسيين أقباط ذوي خبرة. ستظل الكنيسة مؤسسة المسيحيّة المصرية، وسيظل الانتماء إليها عنوانًا لتديّن أقباط مصر؛ لكنّ المعضلة تكمن
فيٌ ما إذا كان الانتماء إليها هو انتماءٌ جامعٌ مانع. وتشير إحدى الدّراسات إلى ما ذكره قداسة البابا شنودة
الثّالث في ما يتعلق بالدور الاجتماعي للكنيسة قائلا: " لا يمكن منع المؤسّسة الدينية من القيام بدورها
الاجتماعي، وأيّ اعتراض من قبل الدولة على هذا الدور ينعتها بالسلطوية ". فتحوُّل الكنيسة من دورها الدّيني
إلى التدخل في أمور من شأن الدولة القيام بها؛ قد مكّن القيادة الكنسية من أن تصبح لسان حال الأقباط. ومع دمج الكنيسة في حياة المسيحييّن اليوميّة، وتحويلها إلى حصن لهم؛ أصبحت بالنّسبة إليهم كيانًا تعليميًّا
ودينيًّا واقتصاديّا. وهو ما جعل المسيحيّ القبطيّ يرى الكنيسة مخلّصًا حياتيًّا ومعاشيًّا، وليست فقط
مخلّصًا روحيًّا؛ بل ويعتقد أن للكنيسة كيانًا خاصًّا غير خاضع للقانون. وذلك ما أدّى إلى تكريس
" الهويّة القبطيّة " وتبلورها.
56 حسن أبو طالب، " الوحدة الوطنية في مصر... هل هناك أزمة؟ "، مجلة تعليقات مصرية، عدد 25، كانون الثاني / يناير.2005
57 نعني: أنشطة تربوية مثل مدارس الأحد لمراحل الحضانة والابتدائي والإعدادي والثانوي والجامعي ثم الخريجين، هذا إضافة إلى
فصول التّقوية؛ وأنشطة ثقافيّة مثل المكتبة الصوتيّة (شرائط كاسيت)، والمكتبة المرئية (أفلام سينمائية وأقراص مضغوطة)، ومكتبة الكتب
للاستعارة أو البيع، وبرامج تعليم اللغات الأجنبية والكمبيوتر، ومسرح العرائس؛ وأنشطة اجتماعية مثل نشاط الرحلات، وإعانات
مادية وعينيّة للفقراء والمحتاجين، وبيت للمسنيّن، وخدمة نقل الموتى، وخدمات صحيّة، وعيادات ومستوصفات؛ وأنشطة رياضية من
خلال إقامة دورات رياضية في كرة القدم وغيرها. وتقام كل هذه الأنشطة بأسعار رمزية، وفي أحيان كثيرة دون مقابل؛ وهو ما جعل
الكنيسة الوسيط الذي يربط الفرد بالدولة، وهذا السياق غير بعيد عن المساجد والجوامع في مصر، لكن بأشكال مختلفة.
58 Mark Purcell, "A Place for the Copts: Imagined Territory and Spatial Conflict In Egypt", Ecumene , No. 4 (1998), pp.432 - 451.
59 رفيق حبيب، الجماعة القبطية بين الاندماج والانعزال (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2005)، ص.13
60 Dina Al-Khawaga, "The Political Dynamics of the Copts: Giving the Community an active Role", In: Andera Pacini, Christian Communities in the Arab Middle East (New York: Oxford, 1998), p.188.
61 راجع: مجلة الكرازة، بتاريخ 15 نيسان / أبريل،.1980
62 Cohen Abner, Custom and Politics in Urban Africa (Los Angeles: University Of California Press, 1969).
63 جهاد عودة، " ما بين الإخوان المسلمين والإخوان الأقباط "، الخميس، 2008/6/19، ص.4
صيف 2012
4 - ساعدت القيادة الكاريزمية للبابا شنودة الثّالث وشخصيته القوية على رأس الكنيسة
الأرثوذكسيّة، على تعزيز الانتماء للكنيسة لدى الأقباط (كان ضابطا في القوّات المسلّحة، وصحافيًّا مستنيرًا،
ومشاركًا في مدارس الأحد، ورجل دين له تأثيره القويّ). هذا فضلا عن نجاحه في إحياء ال اث القبطي في ما
أطلق عليه " عصر النهضة القبطية "، ومساهمته في انتعاش الدراسات القبطية من فنّ وموسيقى وتاريخ، وما
حقّقه من تثقيف رجال الدين، وإرسال عددٍ كبير منهم إلى الخارج للحصول على درجات الماجستير والدكتوراه، مع مراجعة مرتّباتهم الشّهرية والتّأمينات الاجتماعية لهم ولأسرهم. - 5 لا يمكن إغفال دور فضاء الإنترنت في تكريس هذا الشعور بالتمايز واستغلال الدين في الترويج -بالقول والبثّ العلني عبر شبكة المعلومات الدّولية - لأفكار متطرّفة بقصد إثارة الفتنة وازدراء الأديان
وتحقيرها. وفي هذا الإطار توجد - على سبيل المثال - العديد من مدوّنات الأقباط؛ مثل مدوّنة " أقباط بلا
حدود "، و " عين مصر "، ومدوّنة " مساحة حرّة "، ومدوّنة " طالب جامعي ". كما أن هناك مدوّنات ترفع شعار
" المسيحية هي الحل ". ومن الجانب الآخر، توجد مدوّنات - مثل " قبطية مسلمة " - تحوي مجموعة من النّصوص
التي تُساعد على تأكيد التّعايش السّلمي بين المسلمين والأقباط. كما توجد مدوّنة بعنوان " أندرو وماريو "، التي
تتحدث عن مشكلات الأطفال الأقباط، والمعاناة التي يتعرّضون لها في المجتمع المصري. وقد أصبح للعديد
من الكنائس مواقع على شبكة الإنترنت، إضافةً إلى العديد من مجموعات " ياهو " (Yahoo Groups) التي تتبادل مناقشة العديد من الموضوعات في ما بينها، وتبادل الصور والترانيم والأفلام المسيحية كذلك. من جهة أخرى، قام ناشطون كثُرٌ من أقباط المهجر بإنشاء مواقع إلكترونية لمنظ ماتهم وهيئاتهم. ويقوم بعضهم
باستكتاب العديد من المصريين من المسلمين والأقباط. ونشأت - علاوة على ذلك - فكرة تأسيس بعض القنوات الفضائية القبطية؛ مثل قناة " أغابي " (Aghapy)، و " سي تي في " الدّينية. وقد أصبح العديد من الأقباط
يتابعون القناة؛ على الرّغم من كونها لا تقدّم برامج خارج النّطاق الدّيني. وظهر هذا الاتجاه باعتباره محاولة لسد
الفراغ في الوجود الإعلامي المسيحي، وتقديم تعاليم الدين المسيحي إلى المسيحيين كافة في منازلهم. وساعد فضاء الإنترنت على بروز " ناشطين إلكترونيين " اهتمّوا بأفكار وقضايا تمسّ تفاصيل القضايا الكبرى والصغرى
التي طرحتها العديد من الجماعات الدينية، في ظل انكسار الحدود بين ما هو افتراضي، وما هو فعلي. وقد كرّس
ذلك نموذج الطائفية المنعزلة عن مؤسّسات الحياة العامّة وهياكلها، وانتقال هذه العزلة من الواقع التقليدي إلى
الواقع الافتراضي. وكوّن مجتمعًا مدنيًّا افتراضيًّا؛ كان من شأنه أن وط د ثقافة الشّعور بالتّميّز، في مواجهة ثقافة
مدنية تقوم على التسامُح وقبول الآخر، والاحترام المتبادل.
64 Gamal Nkrumah, "Coptic Conundrum", Al-Ahram Weekly , 15-21 November 2007; & S. Hasan, Christians Versus Muslims in Modern Egypt (New York: Oxford University Press, 2003), pp. 201-221. 65 Dina Al-Khawaga, "The Political Dynamics of the Copts: Giving the Community an active Role", In: Andera Pacini, Christian Communities in the Arab Middle East (New York: Oxford, 1998), pp. 172-190; & Sohirin Mohammad Solihin, Copts and Muslims in Egypt: A study on Harmony and Hostility (Nairobi, Kenya: Islamic Foundation, 1991), pp 71 - 89.
66 " ذعر داخل الكنيسة بسبب مدوّنات الأقباط "، الأهرام العربي 2008/2/2، ص.28
67 هاني لبيب، " خريطة التيارات الفكرية والسياسية بين الأقباط المصريين "، بحث غير منشور، أيلول / سبتمبر.2006
68 إسلام حجازي، " الثقافة الافتراضية وتحولّات المجال العام السياسي: ظاهرة الفيس بوك في مصر نموذجا "، قضايا، المركز الدولي
للدراسات المستقبلية والإستراتيجية، أيار / مايو.2009
التمييز القبطي واستبعاد الدولة في مصر
- 6 ولا يقتصر التّأثير الخارجي في الأقباط على المقيمين منهم بالخارج فقط، أولئك الذين يصعِّدون الأمر
بتزييف بعض الادعاءات حول وضع الأقباط في الصحف الأجنبية؛ وإنمّا يشمل التّأثير كذلك الدّول المُضيفة
لأولئك النّاشطين، التي تستثمر حالة التوتر الديني في مصر (والناتجة عن الأسباب السابق ذكرها) لمصلحتها.
إذ تستفسر الولايات المتحدة الأميركية - عبر سفارتها في القاهرة - عن وضع الأقباط في مصر بمجرد استلام
السفيرة مارغريت سكوبي عملها. وهي التي ردّ عليها قداسة البابا شنودة الثّالث بالقول إن " الشباب المسيحي
كالشباب المسلم كلاهما يبحث عن التغيير ". كما أشار تقرير منظّمة العمل الدّولية لعام 2008 إلى التّمييز
في العمل على أُسس دينية في مصر؛ وهو الأمر الذي لم يرد الردّ عليه في إطار وطنيٍّ محضٍ لدحض ادّعاءات
التّمييز، لكن جاء الردّ بتأكيد وضعية الأقباط الاقتصاديّة (ينبغي أ يقاس الوضع الاقتصادي للأقباط بأداء
عدد محدود من الأفراد). وهو ما حوّل الأمر إلى تكريس للشّأن الطائفي بدلا من دحضه.
ثالثًا: الأقباط والكنيسة
تُع المؤسّسة الكنسيّة الأرثوذكسيّة عن الأقباط، دينيًّا وروحيًّا. وإضافة إلى الجانب الرّوحي، متُارس الكنيسة
دورًا سياسيًّا موازيًا، تماشيًا مع الا اه الكنسي الشّمولي الذي يرى أنّ المسيحية دين ودولة. ويشمل الفكر
المسيحي كافّة جوانب الحياة، ويناط به تقديم حلول لكلّ المشاكل المتّصلة بالدين والدنيا. وقد أيّد هذا التّيار
رأس الكنيسة المتَو، قداسة البابا شنودة. وفي هذا الإطار، تدخّلت المؤسّسة الكنسيّة في الشّؤون السّياسيّة مرارًا، وتعدّدت مظاهر هذا التّدخل بدفع من
الدّولة وبإيعاز منها. وفي مقابل ذلك، رفضت تيّارات قبطية علمانيّة عديدة أن تكون رؤى الكنيسة وتوجهاتها
مع ةً عن رأي جموع الأقباط وتوجهاتهم؛ مثل مُبايعة قداسة البابا شنودة الثّالث للرئيس السابق مبارك في
انتخابات 2005 الرئاسية، وتأييده له. وعلى الرّغم من التّغيير الذي طرأ على موقف الكنيسة إبان انتخابات
2010 البرلمانية (التي قضُي ببطلانها لما أعطى قداسة البابا شنودة الثّالث صوته لمرشح حزب الوفد، رامي لكحّ، عن دائرة شبُرا، ولم يُعطِه لمرشح الحزب الحاكم في ذلك الوقت)؛ فإنّ الأقباط أيضا رفضوا أن يكون هذا الرأي
مع ا عن جموعهم سياسيّا، ورأَوْا أنّ البابا مواطنٌ مصريٌّ يحقّ له إبداء رأيه بمعزل عن كونه بطريركا للأقباط.
69 مجدي الجلاد، " هل أنت مصري أم قبطي؟ "، المصري اليوم،.2008/6/10
70 الطريق، 2008/5/2، ص.7
71 تقرير بشأن أوضاع العمالة في مصر تحت عنوان: " المساواة في العمل: معالجة التحديات "، منظّمة العمل الدّوليّة 2008. اتهم التّقرير
الحكومة المصرية بتبنّي ممارسات تمييزية ضد العمالة القبطية في مجال العمل؛ ذلك أن الأقباط في مصر محرومون من الفرص المتساوية في
التوظيف والترقي، ومن الحق العادل في التعليم على حد تعبيره. كما اتهم التقرير مصر باستبعاد الأقباط من المناصب الحساسة والمؤثرة
وذكر أن قلة قليلة من الأقباط عُيّنوا في مناصب رئيسة في الحكومة، أو رُشحوا لعضوية البرلمان، أو في مناصب رفيعة في الجيش والشرطة،
وأنّه لا يعمل إ القليلون منهم كمعلمين وأساتذة.
72 جاء رد وزيرة القوى العاملة: " أن الأقباط يمثلون 25٪ من أعضاء النقابات المهنية، وأنهم يمتلكون أكثر من 22٪ من الشركات
التي تأسست زمن الانفتاح، أي بين عامي 1974 و 1995. وتشير تلك الأرقام التي أوردتها الصحافة المصرية إلى أن الأقباط يسيطرون
على 20٪ من شركات المقاولات، وعلى 50٪ من المكاتب الاستشارية، وعلى 45٪ من العيادات الطبية، وعلى 35٪ من عضوية غرف
التجارة الأميركية والألمانية، وعلى 60٪ من عضوية غرف التجارة الفرنسية. وسمثل الأقباط وفق هذه المعطيات 20٪ من رجال التعليم،
وأكثر من 20٪ من المستثمرين في مدينتي السادات والعاشر من رمضان، وهم على ما تقول التقارير الصحافية يشغلون أكثر من 15٪ من
وظائف وزارة المالية و 25٪ من المهن ".
73 جريدة اليوم السابعالإلكترونية، 29 تشرين الثاني / نوفمبر.2010
صيف 2012
بدأ دور الكنيسة يتمدّد، في مرحلة سياسية اتّسمت بابتعاد الأقباط عن العمل السياسي، وباللّجوء إلى الكنيسة،
وممارسة النّشاط العامّ من خلالها، والاكتفاء بها ممثاّل للأقباط بدالً من المشاركة الطبيعية في الأحزاب والحركات
الوطنية والسياسية. وقد تدخّلت الكنيسة في الشّؤون المدنيّة للأقباط، وأصبحت ممثّلهم أمام الدولة. ومن أكثر المواقف دلالة
على ذلك: حُكمُ المحكمة الإدارية العُليا بأحقّية أحد الأقباط في الزّواج الثاني، على الرّغم من رفض الكنيسة
تزويجه؛ وهو الأمر الذي رفضت الكنيسة تنفيذه بتعلّة بطلان الزّواج الثّاني بموجب الكتاب المقدس، إلا
في ظلّ توفّر شروطٍ معيّنة. ذلك ما أدّى إلى الانقسام داخل صفوف الأقباط العلمانيين، بل وبين بعض رجال
الدين أنفسهم. أخذت الكنيسة على عاتقها التعبير عن مطالب الأقباط، سواء كانت فردية أو جماعية، وعلى اختلاف طبيعتها،
دينيّةً كانت أو مدنيّةً أو سياسيّةً؛ وذلك استنادًا إلى اتّفاقات جرت بينها وبين الدولة، تحصل من خلالها الكنيسة
على مطالبها، ويحصل النظام على التأييد الجماعي باسم الأقباط المصريين. ولعلّ هذه الصّيغة، قد أخلّت بدور
الكنيسة. إذ أدخلها إصرارُها على الاضطلاع بدور سياسي في مُعتركات سياسيّة عدّة؛ دفعت بسببها الثمن مثل
أي قوة سياسية تنخرط في العمل العام. كما أن هذه الصيغة، قد أخلّت بالمجتمع ودولته المدنيّة. وتميل الكنيسة إلى ربط وجودها بالدّولة لأسباب متعدّدة؛ منها الخوف من فقدانها القدرة على جذب الجماهير،
ومن فقدان الكنيسة للشّعبية وانحسار دورها تماما، أو الخشية من أن تتزايد جماهيرية الكنيسة دون أن تستطيع
تقديم حلٍّ لمشكلات هذه الجماهير. وفي تلك الحال، فإ ا تخشى فقدان الثّقة فيها أو انقلاب الجماهير عليها.
ومن ثمّ نجد أنّ الكنيسة تحاول تمييز نفسها عن الدّولة، مع إبقائها على مساحة فاعلة لمحاولة الارتباط بالدولة،
وخطها العام في الوقت نفسه. والمُلاحظ أنّ خطاب الكنيسة، هو إما خطابٌ تأييدي للدولة (خطاب المناسبات)،
أو مُعارض (خطاب الهوية)، يقوم على إبراز التميّز والخصوصيّة. وعلى الرغم من أن الأقباط لا يشكّلون كتلةً سياسيّة واحدةً؛ فإ م توحّدوا مع مؤسّستهم بعد أحداث كنيسة
صول وكنيسة إمبابة إثر سقوط النظام السابق. وانتهجت الدولة السُبل العرفية ذاتها في التعامل مع الأزمتين؛
دون أن تمأسس القضية لمعرفة المشكلات الحقيقية، ومحاولة إيجاد حلول لها. فاقتصر دور الدّولة على عقد لقاءات
فرديّةٍ بين ممثّلين لها وبعض رجال الدّين المسيحي، أو إقامة جلسات الصلح، وتقريب وجهات النظر بين رجال
الدين المسيحي ورجال الدين الإسلامي. ويمكن تفسير التقارب الرّاهن بين الأقباط والكنيسة بوحدة رؤيتهم لطبيعة الخطر الذي يواجهونه في ضوء
تصاعد التيارات الإسلامية، سواء الوسطيّة منها أو المتشدّدة، وفي ظل ضعف الدولة وعجزها عن القيام بمهامّها
الأمنية. لكنّ هذا لم يؤدِّ إلى التوحّد على مستوى الفعل السياسي، وظهر ذلك جليّا خلال اعتصام الأقباط في
ماسبيرو احتجاجًا على أحداث إمبابة؛ وذلك عندما طلب البابا شنودة الثالث من المعتصمين فضّ اعتصامهم
في بيان له بتاريخ 15 أيار / مايو 2011، قائلا: " يا أبناءنا المعتصمين أمام ماسبيرو، إنّ الأمر قد تجاوز التعبير
عن الرأي، وقد اندسّ بينكم من لهم أسلوب غير أسلوبكم. وأصبح هناك شجار وضرب نار، وكلّ هذا يسيء
74 المستشار محمود العطار، " مجلس الدولة وقضايا المسيحيين "، الأهرام، 2010/6/13، ص.10
التمييز القبطي واستبعاد الدولة في مصر
إلى سُمعة مصر وسمعتكم أيضًا، لذلك يجب فض الاعتصام فورًا ". وعلى الرغم من البيان؛ فإنّ المعتصمين
رفضوا فضّ الاعتصام.
استنتاجات
حاولت الدّراسة تحليل العوامل التي أدّت إلى تنامي الخصوصية القبطية في مواجهة استبعاد الدولة، تحت وطأة
النظام السابق. وجدير بالذكر أنّ هذا الاستبعاد لم يُبْنَ على أسس دينيّة؛ وإنمّا كان استبعادًا غير موجَّهٍإلى الأقباط
بصفتهم جماعة دينية، لكن تعددت العوامل التي أدّت إلى لجوء الأقباط إلى تفسير هذا الاستبعاد على أسس
دينية. وهذا ما حاولت الدراسة تحليله في ضوء منهج الدراسة والعوامل الخارجية والداخلية المؤثرة في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع في مصر. من خلال العرض السّابق؛ نصل إلى الاستنتاجات التّالية: يُشير تأمل الحالة المصرية بوضوح إلى أعراضٍ مرَضيّةٍ تمسّ مختلف جوانب البناء الاجتماعي والسياسي
عمومًا؛ وبخاصّة منها تلك التي أصابت موحّدات القومية المصرية. وهو ما من شأنه أن حيُ تّم الإقرار
بالمشكلات، لكن في أحجامها الحقيقية؛ دون إفراط أو تفريط، ودون استهانة أو تهويل. ويتصدّرُ هذه
المشكلات، الفصل في قضايا المصريين الأقباط بناءً على الصفة الدينية " قبطي "؛ وهو ما يُعيد إنتاج
مفهوم الأقليّة، ويُغذّي الوعي بالمغايرة الدّينية. فالمهمّة الرّئيسة لأيّ دولة، هي توفير الأمن للمواطن،
وتحقيق الانسجام الوطني والوفاق القومي. وهي الدولة التي يدين المواطن لها بالولاء والانتماء؛ لأنّه يشعر في كنفها بحرّيته الفردية، وقدرته على الاختيار. إنّ الدّولة والمجتمع واقعان وضرورتان؛ فالدولة صوريّة، والمجتمع مادّي. والأولى تأتي في مرتبة أعلى،
في حين يكون الثّاني في مرتبة أدنى. وإذا ما كانت الدّولة تحقّق الوحدة في المجتمع؛ فإنّ المجتمع يحقّق
التّعددية فيها. وسيطرة الدولة على المجتمع، تقضي على حرية القول فيه؛ مثلما أنّ سيطرة المجتمع على
الدّولة تقضي على هيبتها وقوتّها في الدّاخل والخارج. ومن ثمّ، فإنّ العلاقة بين الطّرفين هي علاقة
معقّدةٌ، فضال عن أنّ العلاقات المجتمعيّة في ما بينها هي علاقة أكثر تركيبًا وتعقيدًا. إنّ تآكل العلاقة بين
المجتمع والدولة في مصر؛ قد بات س مةً من سِمات الحالة المصرية الراهنة (فترة الدراسة). بل إن ثنائية
" الدّولة الضّعيفة - المجتمع الضّعيف "، تبدو مدخال ملائامً لتفسير حالة العلاقة بين المجتمع والدولة في
مصر. وفي هذا الصدد يمكن التّمييز بين الدّولة القويّة (Strong State) التي تتكامل مع المجتمع،
والدّولة المتوحّشة (Fierce State) التي تبُرِز الفروق بين قوّة الدّولة ودولة القوّة، وجت سّد الفشل في
75 راجع: عربي، صحيفة يوميّة إلكترونيّة، بتاريخ /16 /05 2011؛ على الموقع:
http://arabic.people.com.cn/316627380574/.html
76 حسن حنفي، الدين والثقافة والسياسة في الوطن العربي (القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع،.)1998
77 A. Richards, "The Political Economy of Dilatory Reform: Egypt in the 1980s", World Development , Vol. 19, No.12 (1991), pp. 1726 - 1727.
صيف 2012
اقتحام مجتمعها. ولقد أصبحت هذه الدّولة الضعيفة المتوحّشة عاجزةً عن مواجهة مجتمعها؛ وهو
ما أسهم في اغتراب المجتمع الذي تتجذّر فيه ثقافة ال مبالاة. لكنّ هذا لا يعنى جمود العلاقة بين
الطرفين؛ لأ ا علاقة تنطوي في الوقت الراهن على الكثير من عناصر الدّيناميّة والحراك. عندما يظهر الدّين باعتباره قضيّةً محوريّة؛ تعود الصّياغات الفئوية الاجتماعية إلى الظهور ببروز جماعات
أو طوائف جديدة. فمن خلال " المضمون الديني "؛ يقع تجميع أصحاب ا اهٍدينيٍّ محدّد في فئةٍ واحدةٍ؛
بعد أن كانوا قبل ذلك في فئات أو طبقات متعددة، وربما متصارعة. وعندئذٍ ينقسم المجتمع إلى (مؤمنين)
ذوي اتجاهٍدينيٍّ محدّدٍ، في مواجهة علمانيين دون توجّهٍديني؛ وينشطر إلى أتباع دينٍ، وأتباع دينٍآخر. ا
يولّد مظاهر صراعيّة في مجتمع يُسيطر فيه على الأغلبيّة التّطرّف والتّديّن السّطحي. وقد نتج عن ذلك
طغيان القيم الميتافيزيقيّة، التي تنفي العقل والإرادة، وتُساهم في تغييب الفرد بإخضاعه لرؤى محافظةٍ
تجاوزت مكانها وزمانها. لا تتحمّل الدّولة وحدها مسؤولية ضعف المجتمع؛ بل يُشاطِرُها في تحمّل المسؤوليّة المجتمع بعينه،
وما فيه من علاقات وقيم قد تؤثّر بالسّلب في طبيعة سياسات الاستبعاد والتّضمين في مصر. فعلى
خلفيّة معايشة المصرييّن لخبرة الاستبعاد؛ تكوَّن لدى مختلف الجماعات إحساسٌ عميقٌ بالإحباط
واليأس والتّقوقع حول الذّات واللّجوء إلى العنف. وتبع ذلك الا اهُ نحو الدّين الذي يتميّز بشموله
الجوانب الرّوحية والتّعبديّة والسّلوك والحياة اليوميّة؛ بحثًا عن التّخلّص من التّوتّر والقلق، وإشباعًا
للحاجة إلى العلاقات بالآخرين. لهذا يُمكن تحليل طبيعة المجتمع المصري في ضوء عزلته، واندفاعه
إلى تكوين مجتمع بديل من الأفكار والرؤى لحلّ مشكلاته؛ حتّى وإن كانت تلك الأفكار والرّؤى ضد
المجتمع الأكبر. كلّ هذا يُع عن الاختلالات البنائيّة في النّظام الاجتماعي المصري؛ لأنّ العلاقة بين
القيم الاجتماعيّة السّائدة وال كيبة الاجتماعية، تؤثّر في درجة الاستقرار الاجتماعي ووحدة الجماعة. إن ما شهدته مصر من تأميم للمجال المسيحي، من خلال السّيطرة على الكنيسة، وجعلها أداةً لتأييد
النّظام الحاكم؛ يجعل الدّين أداةً في يد النّظام، لا مرجعيّةً حيُ اسَبُ النِّظام على أساسها. وهو ما من شأنه أن
يتّجه بأيّ نخبة علمانيّة نحو محاولة السيطرة على المجال الديني؛ نظرًا إلى حضور الدّين في المجتمع.
وتهدف الدّولة من هذه التّوظيفات السّياسيّة للدّين، ومن التلّاعب به على مسارح السّياسة والاجتماع
والثّقافة المصريّة؛ إلى تحقيق الّعيّة والتّعبئة، والتّوازن السّياسي. وهو ما أدّى إلى خلق فجوات عديدةٍ
في الخطاب السياسي الرّسمي والمعارض، وفي هياكل الدولة، والأخطر من ذلك في البناء الاجتماعي.
في مقابل هذا التّأميم، برز تشرنقٌ قبطيٌّ مضادٌّ، كرّسته بعض الممارسات العنيفة والاعتداءات المادّية؛ وهو ما أدّى
إلى نموّ ثقافة العزلة داخل المؤسّسة الدّينيّة الرّسمية، وتكريس الانسحاب القبطي من المجال العامّ. وما ساعده
على ذلك هو الفراغ السياسي المقيّد بالضّوابط السّياسيّة والقانونيّة والإداريّة والأمنيّة، والتآكل التّدريجي لرأس
المال الاجتماعي والرّمزي المصري المشترك.
78 N. Ayubi, "Government and the State in Egypt Today", In: Charles Trip and R. Owen (editors), Egypt Under Mubarak (London: Routledge, 1989), p.18. 79 Ninette S. Fahmy, The Politics of Egypt: State-Society Relationship (London: Routledge Curzon, 2002), p. 255.
80 برهان غليون، اغتيال العقل (القاهرة: مكتبة مدبولي،.)1990
81 رفيق حبيب، " الدولة العلمانية الدينية "، الأسبوع، 2007/11/3، ص.22
التمييز القبطي واستبعاد الدولة في مصر
تُطرح علينا تساؤلاتٌ تتعلّق بشكل العلاقة بين الدّولة والكنيسة في المستقبل القريب؛ وهي العلاقة التي كانت
تتّسم ب " التّفاهم المتبادل " في آخر فترة حكم الرّئيس السابق حسني مبارك. فإلى ماذا ستؤول هذه العلاقة في ظل
اختلاف القيادة السّياسيّة للدّولة وانهيار النّظام السّابق؟ كيف يمكن في الفترة المقبلة توصيف العلاقة بين الدّولة
والكنيسة من جهة، وبين الدّولة والأقباط من جهة أخرى؟ يلتمس هذا السّؤال مشروعيّة الطّرح انطلاقًا من عد
بعض الأقباط النّظام السّابق حاميًا لهم (خصوصا في ضوء الصعود الراهن للتّيارات الدّينية)، وإدانة بعضهم
الآخر له بسبب تفريطه في حقوق الأقباط، أو بسبب عدم جدّيته في حلّ مشكلاتهم. لقد تعرّضت الدراسة الحاليّة إلى العديد من العوامل التي أدّت إلى تصاعد الهُويّة القبطيّة. والسّؤال المطروح هنا،
هو: هل سيزيد تصاعد التّيارات الدّينية الإسلاميّة - خصوصًا الراديكاليّة منها - من بلورة الهويّة القبطيّة؟ أم
سيُقلّص من هذه الخصوصيّة على عكس ذلك، وستحاول الجماعة القبطية - في ضوء هذا الصعود الرّاديكالي-
الذّوبان في الخريطة المجتمعيّة، تكرارًا لما حدث في ثورة 25 يناير؟
82 لا تخفى محاولات إثارة الفتن الطائفية بعد ثورة 25 يناير 2011؛ فبعد مظاهر التقارب والتآخي بين المسلمين والمسيحيين أثناء
الثورة في ميدان التحرير، وعندما كان المسلمون يُصلّون في حماية المسيحيين؛ انقلب المشهد إلى وقائع متتالية من الفتن، دفعت الأقباط إلى
الاعتصام أكثر من مرة، كما حدث بعد أحداث كنيسة أطفيح، واختفاء كاميليا شحاتة، وصولا إلى أحداث إمبابة. ولعل استخدام بعض
القوى بعد الثورة للدين لتحقيق مآرب سياسية في ضوء ضعف المؤسّسات الدينية بشكل عام، وغياب قيم التسامح، وقصور الخطاب
الديني؛ هي عوامل قد أدّت إلى إثارة النعرات الطائفية.
المراجع:
باللغة العربيّة:
الكتب:
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد التّخطيط في مصر،.)2008 حبيب، رفيق. الجماعة القبطية بين الاندماج والانعزال (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية،.)2005
بالأهرام،.)1999
وطن بلا مواط ين (القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان،.)2007
العجايبي،.)1979 عطا الله محمد، زبيدة. قبطي في عصر مسيحي (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.)2004
أفريقيا الشرق،.)1992 غليون، برهان. اغتيال العقل (القاهرة: مكتبة مدبولي،.)1990 غليون، برهان. تكوين العرب السياسي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1994 قلادة، وليم سليمان. المسيحيّة والإسلام في مصر، ط 2 (القاهرة: دار سينا للنشّر،.)1993 لبيب، هاني. أزمة الحماية الدينية: الدين والدولة في مصر (القاهرة: دار الّوق،.)2000 لبيب، هاني. المواطنة والعولمة (القاهرة: دار الشروق،.)2004
بالخطط المقريزية، الجزء 1 (بيروت: دار صادر، د.ت.)
صيف 2012
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد التّخطيط في مصر. تقرير التنمية البشرية لمصر 2008 (القاهرة:
الحديني، أماني مسعود. المهمّشون والسياسة في مصر (القاهرة: مركز الدّراسات السياسية والإستراتيجية
حنفي، حسن. الدين والثقافة والسياسة في الوطن العربي (القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع،
زهران، فريد. الحركات الاجتماعية الجديدة (القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان،.)2007 سعيد، محمد السيد. " التّعديلات الدّستورية... الروح العامّة ونموذج الحكم "، في: مجموعة مؤلفين،
عبد المسيح، يسي. اللّغة القبطيّة في رسالة مارمينا العجايبي (الإسكندرية: مطبوعات جمعيّة مارمينا
غليون، برهان. " الدولة والنظام العالمي "، في: جدلية الدولة والمجتمع بالمغرب (الدار البيضاء: دار
المقريزي، تقيّ الدّين أبو العباس أحمد بن علي. المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف
التمييز القبطي واستبعاد الدولة في مصر
والعشرين: الآمال والتحديات (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر،.)1996
المقالات:
أكتوبر - كانون الأول / ديسمبر،.1999
كانون الثاني / يناير.2005
والجنائية، أيلول / سبتمبر - كانون الثاني / يناير 1992، ص 151 -.161
العدد 1981،30، ص 92 -.112 السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة.
35، 1994، ص 9 -.18
نيسان / أبريل 1997، ص 113 -.120
/ سبتمبر.2006
2009، ص 37 -.47
2006، ص 51 -.58
المناوي، عبد اللطيف. الأقباط: الكنيسة أم الوطن؟ (القاهرة: دار أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي،
يسين، السيد. " مجتمع الألفية الثالثة: قيمه وتناقضاته وآفاق تطوره "، في: مصر في القرن الحادي
إبراهيم، حسنين توفيق. " العولمة: الأبعاد والانعكاسات السياسية "، عالم الفكر، تشرين الأول /
أبو طالب، حسن. " الوحدة الوطنية في مصر... هل هناك أزمة؟ "، مجلة تعليقات مصرية، عدد 25،
حجازي، إسلام. " الثقافة الافتراضية وتحولّات المجال العام السياسي: ظاهرة الفيس بوك في مصر
نموذجا "، قضايا (المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية)، أيار / مايو.2009 حمزة، بركات. " الاغتراب "، المجلة الاجتماعية القومية، القاهرة: المركز القومي للبحوث الاجتماعية
درزفيرد، إفرت فان. " هل الديمقراطية للعالم كله؟ "، الديمقراطية، العدد 35، تموز / يوليو.2009 عبد الفتاح، نبيل. " الإسلام والأقلية الدينيّة في مصر: التّيارات والإشكاليّات "، المستقبل العربي، عبدالله، أحمد. " الهوية الوطنية المصرية "، أحوال مصرية، السنة الأولى (1998)، مركز الدراسات
عبيد، حسن إسماعيل. " سوسيولوجيا الأديان: مدخل نظري حول الحوار "، شؤون الأوسط، العدد
عجايبي، جورج. " ملامح أوّلية حول الكنيسة وحقوق الإنسان في مصر "، رواق عربي، العدد 5،
لبيب، هاني. " خريطة التيّارات الفكريّة والسّياسية بين الأقباط المصريين "، بحث غير منشور، أيلول ليلة، علي. " المواطنة بين السياق القومي والعالمي "، الديمقراطية، العدد 32، كانون الثاني / يناير
مالكي، امحمد. " المواطنة بين الدّولة والمجتمع "، الدّيمقراطيّة، العدد 24، تشرين الأوّل / أكتوبر
العدد 282، آب / أغسطس.2002 باللّغات الأجنبيّة:
32. Abdallah, Ali & Michael Brown. "The Economy", In: Lillian Craig, Egypt: Internal Challenges and Regional Stability (London: Routledge, 1988), pp. 31-49. 33. Al-Khawaga, Dina. "The Political Dynamics of the Copts: Giving the Community an active Role", In: Andera Pacini, Christian Communities in the Arab Middle East (New
34. Anthias, Floya. "Belongings in a Globalizing and Unequal World", In: Yuval-Davis et al, The Situated Politics of Belonging (London: Sage Publications, 2006), p.21. 35. Ayubi, N. "Government and the State in Egypt Today", In: Trip, C. and R. Owen. (edi
36. Carothers, Thomas. "The Backlash against Desmocracy Promotion", Foreign Affairs ,
37. Cohen, Abner. Custom and Politics in Urban Africa (Los. Angeles: Univ. Of Califor
38. Cole, Philip. Philosophies of Exclusion, Liberal Political Theory and Immigration
39. Dessouki, Ali. "Reflections on Community Relationship Between Christians and Muslims in the Middle East", paper submitted to the conference on: "The Muslim -
40. De Sousa, Boaventura Santos. Voices of the World: Reinventing Social Emancipation ,
41. Diamond, Larry. "Thinking about Hybrid Regimes", Journal of Democracy , Vol.13,
42. Fabrizio, Butera. Coping with Minority Status: Responses to Exclusion and Inclusion
صيف 2012
النّجار، سعيد. " مفهوم المواطنة في الدار الحديثة "، رسائل النّداء الجديد، العدد 64، أيار / مايو
وطفة، علي أسعد. " إشكالية الهوية والانتماء في المجتمعات العربية المعاصرة "، المستقبل العربي،
York: Oxford, 1998).
tors), Egypt Under Mubarak (London: Routledge, 1989).
(March-April, 2006), p. 55 - 68.
nia Press, 1969).
(Edinburgh: Edinburgh University Press, 2000).
Christian Dialogue" (Lebanon, 1972).
No.2 (April 2002), pp. 28-37.
(The United States of America: Cambridge University Press, 2009).
التمييز القبطي واستبعاد الدولة في مصر
43. Fahmy, Ninette S. The Politics of Egypt: State-Society Relationship (London: Rout ledge Curzon, 2002). 44. Fox, Jonathan. "From Clientalism to Citizenship", World Politics , Vol 46, No. 2 (Jan.
45. Harik, Ilya. Economic Policy Reform In Egypt (Gainesville:Florida University Press,
46. Hasan, S. Christians Versus Muslims in Modern Egypt (New York: Oxford University Press, 2003). 47. Haynes, Jeff. Religion in the Third World (Buckingham: Open University press,
48. Haynes, Jeff. Religion, Globalization and Political Culture in the Third World (New York: St. Martin Press, 1999). 49. Holmberg, Eva Johanna. Practices of Inclusion and Exclusion in Pre Modern Culture (Turku: University of Turku, 2005). 50. Horsman, Mathew & Andrew Marshal. After the Nation- State (London: Harper Col lins, 1995). 51. Huntington, Samuel. "The Clash of Civilizations", Foreign Affairs, 72, No.3 (Summer 1993), pp. 22-49. 52. Joel, S. Migdal. "Developing a State-in- Society Perspective", Introduction in: State Power and Social Forces: Domination and Transformation in the Third World , Part I: Theoretical And Methodological Considerations (The United States of America: Cambridge University Press, 1994). 53. Joel, S. Migdal (Editor). State Power and Social Forces:Domination and Trans formation in the Third World (The United States of America: Cambridge University Press, Introduction, 1994). 54. Kaufman, Gordon. "The Historicity of Religions and the Importance of Religious Dialogue", Buddhist-Christian Studies , Vol.4 (1984), pp. 5-15. 55. Kenny, Micheal. Politics of Identity (Cambridge: Polity Press, 2004). 56. Komter. A. E., "Reciprocity as a Principle of Exclusion: Gift giving in the Nether lands", Sociology , Vol. 30, pp. 299-316.
صيف 2012
57. Purcell, Mark. "A Place for the Copts: Imagined Territory and Spatial Conflict in Egypt", Ecumene , No. 4 (1998), pp.432-451. 58. Murken, Sebastian & Sussan Namini. "Choosing a Religion as an aspect of Religious Identity Formation in Modern Societies", In: Michael Pye, Wasim Alef Theria and Ma’sud Abdurrahman (Editors). Religious Harmony: Problems, Practice and Educa tion (New York: Walter de Gruyter, 2006). 59. Nkrumah, Gamal. "Coptic Conundrum", Al-Ahram Weekly , 15-21 November 2007. 60. Ottaway, Marina. Democracy Challenges: The Rise of Semi- Authoritarianism (Wash ington DC: Carnegie endowment for international peace, 2003). 61. Richards, A. "The Political Economy of Dilatory Reform: Egypt in the 1980s", World Development , Vol. 19, No.12 (1991), pp. 1726-1727. 62. Rudolph & Piscatori (editors). Transnational Religions and Fading States (Boulder and London: Westview Press, 1997). 63. Shea, Nina. In the Lion’s Den (Nashville, Tennessee: Broadman and Holman Publish ers, 1997). 64. Sherif, M. The Psychology of Social Norms (New York: Harper and Bros, 1936). 65. Springborg, Robert. "State- Society Relations in Egypt: The Debate over Owner- Tenant Relations", Middle East Journal , Vol. 45, No. 2 (Spring 91). 66. Turner, Bryan. "Islam,Religious Revival and the Sovereign State", Muslim World , Vol. 97, No. 3 (July 2007).